← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1329

أوهام المحدثين الثقات

سعيد باشنفر

Полный текст (5 923 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن علم الحديث من أجل العلوم وأشرفها فهو المفسر للقرآن والمبين له قال الله تعالى: ﴿ .. وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ .. (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]، وهو دليل العلماء فمنه يستنبطون الأحكام ويستدلون بهدي النبي ﷺ وعمله وقوله. وأصحاب الحديث باختلاف طبقاتهم من رواة وشيوخ وأئمة وحفاظ ونقادهم الذين حفظوا لهذه الأمة سنة نبيهم ﷺ وهديه وسمته ومشاهده ومغازيه وما أخبر به النبي ﷺ من أخبار وقصص الأمم السابقة وما سيكون بعده، ثم حفظوا بعد ذلك هدي أصحابه ﷺ وأقوالهم وفتاويهم وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون الذين أوصى

стр. 2

رسول الله ﷺ باتباعهم في قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين». مفهوم العلة والوهم: العلة في اللغة: المرض، واصطلاحاً: خبر ظاهرة السلامة، اطلع فيه بعد التفتيش على قادح (١) وهذا القادح يشمل الإسناد والمتن. والوهم: هو ما يخطئ فيه المرء وهو يظنه الصواب وتجد هذه اللفظة في كتب الرجال والعلل فيقولون: (في حديثه وهم) أي غلط أو (في حديثه أوهام)، ويقولون في نقد الراوي: (صدوق يَهِمُ) أو (له أوهام). وإنما آثر المحدثون هذه اللفظة في التخطئة لأنها ألطف جرحاً وآدب نقداً من غيرها. طريق معرفة العلة: جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، لأن جمع الروايات من حيث اتفاقها واختلافها هو مفتاح بيان الوهم واكتشافه. قال يحيى بن معين: لو لم نكتب الحديث من خمسين وجهاً ما عرفناه (٢). وقال ابن المبارك: إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض (٣)، أي: قارن بين طرقه وألفاظه.

стр. 3

قال علي بن المديني: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه (١). قال الخطيب: السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط (٢). وقد قال قبل هؤلاء كلهم أيوب السختياني حاثاً على كثرة السماع لتميز الروايات: إذا أردت أن تعرف خطأ معلمك فجالس غيره (٣). أقسام العلة: العلة تقع في الإسناد وهو الأكثر، وقد تقع في المتن وهو كالتالي: ١ ما وقعت العلة فيه في الإسناد ولم تقدح فيه، كإبدال راو ثقة بمثله أو زيادة ذكر راو ثقة في الإسناد. ٢ ما وقعت العلة فيه في الإسناد وقدحت فيه، كإبدال راو ضعيف براو ثقة أو يحذف من الإسناد أحد الضعفاء أو يدلسه ونحو ذلك فهذا يقدح في الإسناد والمتن معاً، إلا أن يجيء المتن من طرق أخرى غير معلولة. ٣ ما وقعت العلة في المتن ولا تقدح فيه ولا في الإسناد لإختلاف ألفاظ المتن، أو قد تقدح في لفظة من المتن لا جميعه كأن تكون فيه لفظة شاذة أو منكرة، أو تكون اللفظة صحيحة لكن من غير

стр. 4

هذا الوجه كأن تكون وردت بإسناد آخر فأدرجها الراوي في هذا المتن. ٤ ما وقعت العلة في المتن وقدحت فيه كاختصار أخل بالمعنى، أو رواية بالمعنى غيرته. أقسام الوهم: قسمها الحافظ أبو الحجاج المزي إلى ثلاثة أقسام فقال: «الوهم يكون تارة في الحفظ وتارة في القول وتارة في الكتابة» (١). أسباب اختيار هذا الموضوع: أولاً: محبتي للحديث وأهله، فأردت أن أشارك في خدمة هذا العلم الشريف عسى الله أن يحشرني مع أهله. ثانياً: في قراءتي لكتب الحديث والرجال ذكروا أن الإمام شعبة بن الحجاج كانت أوهامه في أسماء الرواة، فعقدت العزم على تتبع أوهامه فجعلت أتتبع ذلك من مظانه في كتب الحديث والعلل والشروح والتاريخ وغيرها، وكنت حريصاً أثناء ذلك في تدوين كل ما أجده من أوهام للمحدثين ثم بعد ذلك بدأت بفرز أوهام كل راو على حدة، بدأت بدراسة أوهام شعبة، فلما فرغت منها ودفعتها للصف استوقفني قول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي من لم يجمع حديث شعبة وسفيان ومالك وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة فهو مفلس في الحديث (٢). وعلق عليه الذهبي بقوله: (وبلا ريب أن من جمع علم هؤلاء

стр. 5

الخمسة وأحاط بسائر حديثهم، وكتبه عالياً ونازلاً وفهم علله فقد أحاط بشطر السنَّة النبوية بل بأكثر من ذلك، وقد عدم في زماننا من ينهض بهذا وببعضه، فنسأل الله المغفرة) (١). فاستعنت بالله وعزمت على دراسة كل ما وقفت عليه من أوهام المحدثين الثقات من رجال الشيخين، ومما شجعني على هذا البحث مع صعوبته أنه لم يسبق إليه فيما أعلم (٢). وحتى تعلم ثمرة هذا البحث قال ابن عدي في «الكامل» بعد أن ذكر حديثاً وهم فيه الإمام يحيى بن سعيد القطان: «لا يعرف ليحيى بن سعيد خطأ غيره، وليس الأمر كما قاله، فقد أوردت في بابه اثنا عشر حديثاً» (٣). نعم، قد كانت هناك فكرة للإمام أبي زرعة الرازي في إخراج أوهام سفيان الثوري إلا أنها لم تعد الفكرة. قال ابن حاتم: اعتل أبو زرعة الرازي فمضيت مع أبي لعيادته فسأله أبي عن سبب هذه العلة، فقال: بتُّ وأنا في عافية فوقع في نفسي أني إذا أصبحت أخرجت من الحديث ما أخطأ فيه الثوري، فلمّا أصبحت خرجت إلى الصلاة، وفي دربنا كلب ما نبحني قط ولا رأيته عدا على أحد، فعدا عليَّ وعقرني فحممت فوقع في نفسي أنَّ هذا عقوبة لما وضعت في نفسي، فأضربت عن ذلك الرأي (٤). وعدَّ الإمام أحمد في مذاكرته مع علي بن المديني ثمانية عشر

стр. 6

وهماً لسفيان بن عيينة على الزهري، ثم قال الإمام أحمد: ثم رجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة يعني على الزهري فإذا هي أكثر من عشرين حديثاً (١). وذكر الخطيب عن مسعود بن ناصر السجزي أنه ذكر في تصانيف ابن حبان: علل أوهام المؤرخين، علل مناقب الزهري، علل حديث مالك، علل ما أسند أبو حنيفة، ما خالف فيه سفيان شعبة، وما خالف فيه شعبة سفيان (٢)، وللإمام مسلم كتاب أوهام المحدثين. خطوات البحث: بدأت بالأئمة المكثرين الحفاظ المتقنين كشعبة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومالك، ومعمر، والأوزاعي وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن جريج، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأبي معاوية، وعبد الرزاق، وألحقت معهم إمام المغازي محمد بن إسحاق وختمت بأبي داود الطيالسي، وهذا هو القسم الأول. ثم أوردت أوهام الأئمة والثقات من رجال الشيخين المتفق عليهما حسب الطبقات مقلداً في ذلك الحافظ ابن حجر في تقريبه في الترتيب، فكان هناك واحداً في الطبقة الثانية وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى فأوردت حديثه ضمن الطبقة الثالثة، ثم أوردت أحاديث بقية الطبقات حتى الطبقة الحادية عشر حسب ترتيب الأحرف الهجائية (إلا أني قدمت في حرف العين من اسمه عبد الله) وهذا هو القسم الثاني.

стр. 7

ثم أوردت أوهام رجال الإمام البخاري ثم رجال الإمام مسلم حسب ترتيب الأحرف الهجائية دون اعتبار الطبقات، وهذا هو القسم الثالث. ثم ختمت الكتاب بأوهام وقعت في كتب الأئمة أصحاب الكتب الستة وهذا هو القسم الرابع. وقد قدمت لهؤلاء الثقات ترجمة يسيرة أغلبها من التهذيب وسير أعلام النبلاء والجرح والتعديل. ولا شك أنَّ الوهم لا يسلم منه أحد إلا أنهم متفاوتون في ذلك. ذكر ابن عبد البر حديث سهو النبيِّ ﷺ في الصلاة ثم قال: وفي هذا الحديث بيان أنَّ أحداً لا يسلم من الوهم والنسيان لأنه إذا اعترى ذلك الأنبياء فغيرهم بذلك أحرى (١). وقال الإمام مالك: مَنْ ذا الذي لا يخطاء (٢). وقال مهنا للإمام أحمد: كان غندر يغلط؟ قال: أليس هو من الناس! (٣). وقال: حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ما رأيت أحداً أقل خطأ من يحيى بن سعيد يعني القطان وقد أخطأ في أحاديث. قال أبو عبد الله: ومَن ذا يُعرى من الخطأ والتصحيف (٤).

стр. 8

بل قال يحيى بن معين: مَنْ لا يخطاء في الحديث فهو كذاب (١). وقال أيضاً: لست أعجب ممن يخطاء، إنما العجب ممن يحدِّث فيصيب (٢). وقال الترمذي: وإنما يتفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كثير من الأئمة مع حفظهم (٣). وليس الغرض من هذا البحث هو البحث عن أوهام الأئمة وأخطائهم، إذ لم يدَّع أحدٌ منهم العصمة وعدم الخطأ، بل المراد من معرفة هذه الأوهام، معرفة علتها وأثرها، وهل بُنِيَ حكم عليها وتبرئة شيخه أو تلميذه من الوهم إذ وقفت على بعض الأحاديث ينسب الوهم فيها إلى مَنْ هو بريء منه، ومعرفة الأتقن في بعض الشيوخ مما اختلف فيه بعض أهل العلم، والأهم من ذلك كله تنقية الأحاديث النبوية مما أُلحق بها من أوهام في المتن والسند، وغير ذلك من الفوائد العديدة التي سيجدها القاراء والباحث في هذا الكتاب. وسأذكر أمثلة لما تقدم: روى الإمام البخاري في صحيحه (٢٩٣٤) قال: حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله يعني ابن مسعود. وذكر حديثاً فيه

стр. 9

فقال النبيُّ ﷺ : «اللَّهم عليك بقريش لأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأُبيّ بن خلف … ». قال عبد الله: فلقد رأيتهم في قليب بدر قتلى. ثم قال البخاري: وقال يوسف بن إسحاق عن أبي إسحاق أمية بن خلف وقال شعبة: أمية أو أُبيّ. والصحيح أمية. اه. فظاهر قول الإمام البخاري أنَّ سفيان الثوري أخطأ في قوله (أُبي بن خلف) لكن الصحيح أنَّ الوهم ليس من سفيان، فقد رواه مسلم في صحيحه (١٧٩٤) عن ابن أبي شيبة هذا بنفس إسناد البخاري فقال (أمية بن خلف)، وكذلك رواه زيد بن حباب وأبو الأحوص عن الثوري فسلم من الوهم، وكذلك رواه خمسة من الثقات عن جعفر بن عون. فبقي أن يكون الوهم من ابن أبي شيبة، لكن ذكرنا أنَّ مسلماً رواه عنه على الصحيح وكذلك هو في مصنفه ومسنده. فبقي أن يكون الوهم من الإمام البخاري، إلا أنه بذكره الخلاف عقب الحديث وأنَّ الصحيح هو أمية بن خلف يرجح أن يكون الوهم هو من أبي بكر بن أبي شيبة لما حدّث الإمام البخاري وإن كان في كتابه خلاف ذلك، وانظر «الفتح» (١/ ٣٥١). لذا أوردت هذا الحديث في باب أبي بكر بن أبي شيبة. مثال آخر: روى أبو داود (٤٥٧٨) عن عباس بن عبد العظيم، عن عبيد الله بن موسى، عن يوسف بن صهيب، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه أنَّ امرأة خذفت امرأة فأسقطت فرُفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فجعل في ولدها خمسمائة شاة ونهى يومئذ عن الخذف.

стр. 10

قال أبو داود: هكذا قال عباس وهو وهم. اه. ظاهر قول أبي داود أنَّ عباس هو الواهم في قوله: (خمسمائة) والصحيح هو (مائة) لكن لم ينفرد به عباس بل تابعه ثقتان هما إبراهيم بن يعقوب بن إبراهيم وإبراهيم بن يونس بن محمد وحديثهما عند النسائي (٨/ ١٤٦). وكذلك عبيد الله بن موسى تابعه أبو نعيم فرواه عن يوسف بن صهيب عن عبد الله بن بريدة مرسلاً فقال: (مائة). فسلم عباس وعبيد الله من الوهم فيكون الوهم إنما هو من يوسف بن صهيب وهو ثقة لكنه ليس على شرطنا وهو أن يكون من رجال الصحيح فلم أُخرِجه في كتابي هذا؛ وعلة وهمه أنَّ الشعبي كان يقول: الغرة خمسمائة درهم فوهم يوسف فقال: (خمسمائة شاة). والله أعلم. حمل ابن خزيمة في صحيحه (٢٧٦٦) الوهم فيه على ابن عيينة، والصحيح أنَّ الوهم من عبد الجبار بن العلاء، فقد رواه الحميدي وعمرو الناقد وغيرهما عن سفيان على الوجه الصحيح، لذا أوردناه في باب عبد الجبار وليس سفيان كما قال ابن خزيمة. حمل الألباني في كتابه «صفة صلاة النبيِّ ﷺ » (٣/ ٩٠١) في حديث رواه البيهقي (٢/ ١٤٠) من طريق أحمد بن منصور الرمادي عن معمر عن قتادة، الوهم في هذا على معمر فقال: (وأخشى أن تكون هذه الرواية وهماً لأنه تفرد بها معمر دون أصحاب قتادة … ). قلت: رواه عبد الرزاق (٣٠٦٥) عن معمر مثل رواية الجماعة فسلم معمر من الوهم والحمل فيه على أحمد بن منصور أو من دونه في الإسناد وهم ليسوا على شرط كتابنا هذا فلم أخرجه فيه.

стр. 11

ابن جريج كان يروي حديثاً أحياناً على التوهم فرواه عنه هكذا يحيى القطان، وحمل البيهقي الوهم فيه على يحيى إذ خالفه غيره، لكن نقل الإمام أحمد عن يحيى أنه كان ينكره على ابن جريج ويراجعه فيه فيأبى؛ لذا أوردته في بابه وليس في باب يحيى القطان. ذكر الدارقطني والبيهقي في حديث صلاة الفطر ركعتان والأضحى ركعتان والسفر ركعتان أنَّ أصحاب الثوري رووه عنه عن زبير عن ابن أبي ليلى عن عمر، ولم يجعلوا بينهما أحداً. ورواه يحيى القطان عن الثوري فجعل بينهما رجلاً وذكروا حديثه. قلت: ليس هذا من يحيى إنما رواه عنه القواريري هكذا؛ لذا جعلته في باب القواريري ورواه غيره عن يحيى على الصواب. وحمل الدارقطني الوهم في حديث على الليث بن سعد، والصحيح أنَّ الوهم إنما هو من الراوي عنه حجين بن المثنى إذ خالفه غيره من أصحاب الليث؛ لذا أوردناه في بابه وليس في باب الليث. روى النسائي في «المجتبى» (٨/ ٢٧٦) وفي «الكبرى» (٧٩٤٦) (٧٩٤٧) حديثاً من طريق شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت أبا علقمة يحدِّث عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، فذكر الحديث (١). ثم قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا أبو عوانة عن يعلى بن عطاء عن أبيه كذا قال عن أبي علقمة به.

стр. 12

ثم قال عقبه في «الكبرى»: هذا خطأ، والصواب يعلى بن عطاء عن أبي علقمة، أي ليس بينهما والد يعلى، فقد صرَّح بسماعه من أبي علقمة شعبة. وظاهره أنَّ الوهم من أبي عوانة وضاح اليشكري. لكن أبا كامل الجحدري (١) وعفان بن مسلم وبهز بن أسد (٢) قد رووه عن أبي عوانة كرواية شعبة، وقد أورده مسلم في صحيحه. فسلم أبو عوانة من الوهم. فيكون الوهم ممن دونه في الإسناد ذلك أنَّ عبد بن حميد (٣) قد رواه عن أبي الوليد الطيالسي على الصحيح وأنَّ أبا عوانة الإسفرائيني (٤) قد رواه عن أبي داود الحراني على الصحيح فيكون الوهم ظاهره من الإمام النسائي، إلا أنه قد نبّه عليه فيكون الوهم من أبي داود الحراني لما حدَّث به النسائي، وهو ليس على شرط كتابنا فلم أورده في كتابي، والله أعلم. معرفة الأتقن: أما معرفة الأتقن في بعض الشيوخ، فقد أظهر هذا البحث بعد سبر أحاديث المقدَّمين في الزهري أتقنهم وأعلمهم به خلافاً لما ذكره بعض أئمة الحديث ونقاده، فقد اختلف بعض أهل الحديث في الأتقن من أصحاب الزهري فقدَّم يحيى القطان ابن عيينة على معمر. وقدَّم علي بن المديني ابن عيينة على مالك ومعمر ويونس.

стр. 13

وقدَّم أحمد بن حنبل مالك وابن عيينة في حديث الزهري في الاتقان، ويونس بن يزيد ومعمر في الكثرة. وقدَّم أبو حاتم مالك وابن عيينة على أصحاب الزهري. وقدَّم يحيى بن معين مالك ومعمر على ابن عيينة. وقدَّم أحمد بن صالح المصري (وهو من أعرف الناس بحديث الزهري كما قال الإمام أحمد) يونس بن يزيد على جميع أصحاب الزهري (١). وبالنظر إلى ما وقفت عليه من أوهام هؤلاء الأئمة الأثبات مالك ومعمر وسفيان بن عيينة ويونس بن يزيد. نجد أنَّ يونس يتقدم أصحاب الزهري في الاتقان والكثرة، فقد وهم سفيان على الزهري في عشرين حديثاً، كان القول فيها قول يونس في سبعة عشر حديثاً، ومعمر في ستة عشر حديثاً، ومالك في أحد عشر حديثاً. ووهم معمر على الزهري في ثمانية عشر حديثاً كان القول فيها قول يونس في ستة عشر حديثاً وسفيان ومالك كلاهما في ستة أحاديث. ووهم مالك على الزهري في ستة أحاديث كان القول فيها كلها ليونس، ومعمر في خمسة، وسفيان في حديثين. ووهم يونس على الزهري في ثلاثة أحاديث كان القول فيها قول مالك ومعمر وسفيان في حديث واحد منها.

стр. 14

وذلك لكون يونس يكتب الحديث ولطول ملازمته للزهري فقد لازمه أربع عشرة سنة مع كونه دونهم في الحفظ والإتقان. وانظر الخاتمة في الأحاديث التي خولف فيها سفيان الثوري وشعبة والمقارنة بينهما، فإنَّ شعبة قد خالفه في أحاديث بعضها لشيوخ من بلد سفيان كان القول فيها لشعبة خلاف ما ذكره يحيى القطان وغيره من أنه ما خالف أحد سفيان إلا كان القول قول سفيان حتى وإن كان شعبة. كما أظهرت الدراسة أنَّ أوثق الناس في أبي إسحاق السبيعي هو شعبة وإن كان أبو إسحاق من بلد الثوري. ومن فوائد هذا البحث أني وقفت على علل لأحاديث كثيرة لم يذكرها الدارقطني وابن أبي حاتم في كتابيهما وهما أوسع وأشمل مَنْ كتب في هذا الفن. ففي كتاب شعبة هناك ثلاثة وعشرون حديثاً لم أقف عليها عندهما. وفي كتاب الثوري هناك خمسة عشر حديثاً لم أقف عليها عندهما من أصل اثنين وثلاثين حديثاً في بابه. وفي كتاب ابن عيينة هناك خمسة وثلاثون حديثاً لم أقف عليها عندهما من أصل ستة وستين حديثاً وهم فيها، مما يضفي على الكتاب أهمية ويجعل له مكاناً بين كتب العلل بحول الله وتوفيقه.

стр. 15

المصنفات في علم العلل: بما أنَّ علم العلل من أجلِّ العلوم التي لا يعرفها إلا جهابذة العلماء والنقاد وقد صُنِّفت فيه مصنفات عديدة أتى على ذكرها بعض المعاصرين في كتبهم، منها ما ذكره الدكتور محفوظ زين الله في مقدمة تحقيقه ل «علل الدارقطني»، والدكتور همام سعيد في مقدمة تحقيقه ل «شرح علل الترمذي»، والدكتور وصي الله عباس في مقدمة تحقيقه ل «العلل» للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله، والدكتور عبد الكريم الوريكات في كتابه «الوهم في روايات مختلفي الأمصار»، والشيخ إبراهيم بن الصديق في كتابه «علم علل الحديث» من خلال كتابه «بيان الوهم والإيهام»، والدكتور سعد الحميد في تحقيقه كتاب «العلل لابن أبي حاتم»، والدكتور علي بن عبد الله الصياح في كتابه «جهود المحدِّثين في بيان علل الأحاديث». وذكر بعضاً من هذه الدكتور ماهر الفحل في «الجامع في العلل والفوائد»، وزاد أن ذكر المصنفات الحديثة من تأليف وتحقيق وجمع لبعض المعاصرين، فيكتفي بما ذكره الأفاضل حيث لا مزيد عندي في هذا، لكن هنا أورد طريقة هذه المصنفات (١): الطريقة الأولى: وعليها كُتُب العلل الأولى وغالبها تساؤلات للأئمة دوَّنها أصحابهم تشمل طبقات الرواة ووفياتهم والجرح والتعديل، وذكر سماع راوٍ من شيخ أو نفي سماع حديثه أو بعض حديثه وبيان علل بعض

стр. 16

الأحاديث والحكم على آخر. إضافة إلى كثير من الفوائد والنوادر في شتى مجال الفنون من أدب وتاريخ ولغة وغيرها. من أمثلة هذه الكتب: كتب «العلل» المنقولة عن علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل. الطريقة الثانية: كتب أصول التعليل وهي التي اعتنت ببيان أسباب قبول الروايات وردّها، وذكرت لذلك أمثلة لبعض الأحاديث، ومن أهمها: ١ كتاب «التمييز» للإمام مسلم صاحب «الصحيح». ٢ كتاب «العلل الصغير» للإمام الترمذي. الطريقة الثالثة: ترتيب الأحاديث المعلّة على الأبواب: ومن أهم هذه الكتب وأشهرها: ١ كتاب «علل الحديث» لابن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة ٣٢٧ هـ. ٢ كتاب «العلل» لأبي عيسى الترمذي هو «العلل الكبير»، قال ابن رجب: (أوله مرتب وآخره غير مرتب). وقد رتبه أبو طالب القاضي على «أبواب الجامع». ٣ «العلل» لأبي بكر أحمد بن محمد الخلال المتوفى سنة ٣١١ هـ وهو في عدة مجلدات، وقد انتخب منه ابن قدامة، وطبع منه

стр. 17

الجزء العاشر والحادي عشر بتحقيق الأستاذ طارق بن عوض الله. ٤ «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية» لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ، طبع في مجلدين. الطريقة الرابعة: ترتيب الأحاديث المُعلّة على المسانيد: ومن أعظم وأبرز كتب هذه الطريقة كتاب «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» للدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ هـ. ويعتبر هذا الكتاب أجمع كتاب في العلل وأنفعها حتى قيل: لم يؤلَّف مثله وأعجز مَنْ بعده أن يأتي بمثله. الطريقة الخامسة: المسانيد المعللة: وهذه الطريقة بأن يجمع المصنف مسنداً على أسماء الصحابة، ثم يجمع من كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه. قال أبو القاسم: عبيد الله بن أحمد الأزهري المتوفى سنة ٤٣٥ هـ: سمعت الشيوخ يقولون: إنه لم يتمّ مسند معلل قط (١). ومنها: ١ «مسند يعقوب بن شيبة السدوسي البصري» المتوفى سنة ٢٦٢ هـ، وهو مسند ضخم لم يكمل، قال الذهبي في ترجمة صاحبه: (صاحب المسند الكبير العديم النظير المعلل الذي تمَّ من مسانيده نحو من ثلاثين مجلداً، ولو كمل لجاء في مائة مجلد) (٢).

стр. 18

يقول الذهبي عن هذا المسند: (يخرج العالي والنازل ويذكر أولاً سيرة الصحابي مستوفاة ثم يذكر ما رواه ويوضح علل الأحاديث ويتكلم على الرجال ويجرح ويعدل بكلام مفيد عذب شافٍ بحيث أنَّ الناظر في مسنده لا يملّ منه). ولم يوجد من هذا المسند إلا قطعة صغيرة منه من مسند الفاروق ﵁. ٢ «المسند الكبير المعلل» (مسند البزار) المسمى ب «البحر الزخار» لأبي بكر أحمد بن عمرو البزار المتوفى سنة ٢٩٢ هـ. وقد طبع منه تسعة مجلدات بتحقيق الدكتور محفوظ الرحمن. الطريقة السادسة: المؤلفات في علل أحاديث كتب مخصوصة: ومن أهمها ما تعرضت لبعض أحاديث الصحيحين منها: ١ «التتبع» للدارقطني. ٢ جزء في علل أحاديث في كتاب «الصحيح» لمسلم لأبي الفضل محمد بن أبي الحسين بن عمار الشهيد. ٣ جزء بيان أحاديث أودعها البخاري كتابه «الصحيح»، أيضاً للدارقطني وهو غير كتابه السابق. ومنها ما تعرض لبيان علل كتاب مثل: ٤ «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» لابن

стр. 19

القطان الفاسي المتوفى سنة ٦٢٨ هـ تتبع فيه أحاديث كتاب «الأحكام» لعبد الحق الإشبيلي المتوفى سنة ٥٨١ هـ. الطريقة السابعة: المؤلفات في علل حديث راوٍ ما: ومن أهمها: ١ «علل حديث ابن شهاب الزهري» لمحمد بن يحيى الذهلي المتوفى سنة ٢٥٨ هـ. ٢ «علل حديث الزهري» لابن حبان. ٣ «علل حديث مالك» لابن حبان أيضاً. الطريقة الثامنة: الكتب الجامعة لرواة أو راوٍ ما: وهي على قسمين: الأول الخاص بالضعفاء من الرواة، ومن أمثلتها: ١ «الكامل في معرفة ضعفاء المحدِّثين وعلل الحديث» لابن عدي المتوفى سنة ٣٦٥ هـ. ٢ «الضعفاء» للعقيلي. وهذان الكتابان كما هو واضح من اسميهما خاصان بالضعفاء وذكر بعض ما يروونه من حديث وبيان علته أو نكارته. وملحق بهما كتاب «المجروحين» لابن حبان.

стр. 20

والثاني الخاص بأحاديث الثقات، ومنها: ١ «الأحاديث التي خولف فيها مالك بن أنس» للإمام الدارقطني. وهو يذكر الأحاديث التي خولف فيها الإمام مالك سواء كان الحق والصواب معه أو مع مَنْ خالفه، أو كان الصواب مع كليهما. ٢ كتابي هذا الخاص بأوهام الثقات من رجال الشيخين. وهناك كتب أُلِّفت في فنون أخرى لكنها مليئة بذكر العلل منها: ١ كتب أُلِّفت للرواية، مثل: «سنن أبي داود»، و «سنن الترمذي»، و «سنن النسائي» خاصة «الكبير»، و «سنن البيهقي»، و «معجم الطبراني الأوسط» و «الصغير» فإنهما أصل في الحكم بالتفرد. ٢ كتب أُلِّفت في التاريخ، مثل: «التاريخ الكبير» و «الأوسط» كلاهما للإمام البخاري، و «المعرفة والتاريخ» للفسوي، و «تاريخ أبي زرعة الرازي»، و «تاريخ بغداد» للخطيب، و «تاريخ دمشق» لابن عساكر. ٣ كتب في شرح الحديث، مثل: «التمهيد» لابن عبد البر، و «فتح الباري» للحافظ ابن رجب، و «فتح الباري» للحافظ ابن حجر، وفيهم إعلالات كثيرة.

стр. 21

منهجي في الكتاب: ١ أذكر الحديث بسند رجاله رجال الصحيح غالباً إلى الراوي الذي حمل عليه الوهم. ٢ أُخرِّج الحديث لمعرفة الرواة الذين تابعوا الراوي عن الشيخ الواهم وأبيِّن اختلافهم إذا حصل. ٣ الحكم على الرواة وذلك من كتاب «التقريب» للحافظ ابن حجر. ولمّا كان كتابي هذا خاصاً برجال الشيخين فأكتفي بذكر الشيخين عمَّن سواهما من أصحاب الكتب الستة إذا كان الراوي من رجالهما. ٤ الحرص على حشد أكبر قدر ممكن من أقوال الأئمة النقاد بنصِّها خاصة المتقدمين منهم لما في عباراتهم من جزالة وفائدة. ٥ إذا كان الحديث في الصحيحين اكتفيت بذلك حتى لا تبلغ الحواشي ضعف حجم الكتاب، وإن كان في غيرهما ذكرت ما وقفت عليه من مصادر التخريج. ٦ أذكر أحياناً علة الوهم، وإذا لم يتبين لي سبب وجيه للوهم لا أذكره وأغلب الأوهام من التحديث من غير كتاب اعتماداً على الحفظ. ٧ اكتفيت بتراجم رجال إسناد الحديث، ولم أترجم لكل مَنْ ورد اسمه في البحث حتى لا يتضاعف حجم الكتاب. ٨ إذا كان الحديث الذي وقع فيه الوهم له دلالة فقهية أو حديثية أذكر من استدل به مع أنه لا يصلح للاستدلال.

стр. 22

أسباب وقوع العلة (أو الوهم): إنَّ أوهام الثقات من أئمة وحفَّاظ لها أسباب كثيرة وهي كالتالي: ١ - النسيان: وهو من الأسباب الرئيسة في وقوع الوهم ولا يكاد يسلم منه إنسان، وقد قال ابن عبد البر تعقيباً على حديث سهو النبيِّ ﷺ في الصلاة: في هذا الحديث بيان أنَّ أحداً لا يسلم من الوهم والنسيان؛ لأنه إذا اعترى ذلك الأنبياء فغيرهم بذلك أحرى. وكان قتادة يُضرب به المثل في الحفظ، فقال يوماً محدِّثاً عن قوة حفظه: ما نسيت شيئاً. ثم قال لغلامه: ناولني نعلي. قال الغلام: نعلك في رجلك (١). وقد نسي عمر بن الخطاب ﵁ حديث التيمم حتى ذاكره فيه عمار بن ياسر ﵄. وقد يكون النسيان من كبر السن والمرض أو قدم عهده بالحديث. قيل لسفيان بن عيينة: أبو معاوية يحدِّث عنك بشيء لست تحفظه ووكيع يحدِّث عنك بشيء لست تحفظه. فقال: صدِّقهم، فإني كنت قبل اليوم أحفظ مني اليوم (٢).

стр. 23

وقال الأعمش: سمعت من أبي صالح ألف حديث ثم مرضت مرضة فنسيت بعضها. بل إنَّ بعض المحدِّثين ربما حدَّث بالحديث ثم نسيه وأنكر أن يكون حدَّث به، وقد جمعت ذلك في رسالة «مَنْ حدَّث حديثاً ثم نسي»، منها أنَّ أبا هريرة ﵁ حدَّث عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة» (١). ثم أنكر أن يكون حدَّث به. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن الراوي عن أبي هريرة: قد حدَّث به وما سمعت أبا هريرة نسي حديثاً غيره قط. وروى الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه، قال: تحدثت عند أبي هريرة بحديث فأنكره، فقلت: إني قد سمعته منك. قال: إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي. فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتباً كثيرة من حديث رسول الله ﷺ فوجد ذلك الحديث .. (٢). وروى عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵁ قال: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره وقال: لم أحدِّثك به. قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك (٣).

стр. 24

وحصل مثل ذلك للزهري والأعمش وابن عيينة والشافعي وأحمد بن حنبل حتى إنَّ الإمام الشافعي نهى تلميذه عن الحديث عن الأحياء. قال محمد بن عبد الله بن الحكم: كان الشافعي متحرياً فذاكرته يوماً بحديث وأنا غلام، فقال: مَنْ حدَّثك؟ فقلت له: أنت. قال: في أيِّ كتاب؟ قلت له: في كتاب كذا وكذا. فقال: ما حدَّثتك به من شيء فهو كما حدَّثتك وإياك والرواية عن الأحياء. وفي رواية قال له: يا محمد، لا تحدِّث عن حيٍّ فإنَّ الحيَّ لا يؤمَن عليه النسيان. وقد أنكرت أمّ المؤمنين عائشة على بعض الصحابة نسيانهم، وذلك أنها أمرت أن يمرّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلِّي عليه، فأنكر الناس عليها ذلك، فقالت: ما أسرع (تعني ما نسي الناس)، ما صلَّى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد (١). ٢ - الخطأ والزلل: فالإنسان معرَّض للخطأ والزلل والوهم لأنه بشر إلا أنه متفاوت بين الناس. وحفّاظ الحديث أخطاؤهم في الحديث قليلة مقارنة بما حفظوه ورووه، إلا أنَّ خطأهم مع قلته وندرته تُعَدُّ عليهم. قال الإمام الشعبي: والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة

стр. 25

وأخطأت مرة لعدّوا عليَّ تلك الواحدة (١). قال الإمام مالك: ومَن ذا الذي لا يخطاء (٢). وقال ابن معين: لست أعجب ممَّن يحدِّث ويخطاء، إنما العجب ممَّن يحدِّث فيصيب. بل قال أيضاً: مَنْ لا يخطاء في الحديث فهو كذاب (٣). وقال الترمذي: لم يسلم من الخطأ والغلط كثيرٌ من الأئمة مع حفظهم (٤). وهو كما قال الترمذي، بل لم يسلم من الخطأ بعض الصحابة ﵃ وقد استدركت عائشة ﵂ على بعضهم أحاديث ووهَّمتهم فيها، وقد جمع ذلك الزركشي في جزء أسماه «الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة»؛ لذا قال ابن المبارك: ومَن يسلم من الوهم، وقد وهَّمت عائشة جماعة من الصحابة في رواياتهم للحديث (٥). ٣ - عدم كتابة الحديث حال سماعه: وذلك أنَّ كثيراً من المحدِّثين كانوا يكرهون الكتابة ويحضُّون تلاميذهم على الحفظ. روى الإمام أحمد بسنده عن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد (يعني الخدري) ﵁: إنك تحدثنا أحاديث عجيبة وإنا نخاف أن نزيد

стр. 26

أو ننقص، فلو كتبنا؟ فقال: لن نكتبه ولن نجعله قرآناً، احفظوا كما حفظنا (١). وقال طاووس: كنا عند ابن عباس وسعيد بن جبير يكتب فقال له بعضهم: إنهم يكتبون. فقال: يكتبون. وكان أحسن مني خلقاً فقام (٢). أي أنه كره فعلهم فامتنع عن التحديث حال كتابتهم لذا عمد كثير من أهل الحديث إلى عدم الكتابة عند شيوخهم بل يكتبونه إذا عادوا إلى بيوتهم. قال أحمد بن حنبل: إنَّ سفيان الثوري يحدِّث بالكوفة ثلاثمائة حديث في اليوم من حفظه ولم يكن له كتاب فكان الحفّاظ يحفظون ثم يقومون فيكتبون (٣). وقال الحميدي: ثنا سفيان قال: وسمعت عمرو بن دينار قال له رجل من أهل مكة: إنَّ سفيان بن عيينة إذا ذهب البيت يكتب عنك. فاستلقى عمرو على فراشه في المسجد فبكى فقال: أحرج بالله على كل مسلم يكتب عني شيئاً. وقال لي عمرو: يا غلام، أنا حين كنت مثلك لا أنسى شيئاً أسمعه (٤). بل أنَّ بعض الحفّاظ ربما كتب الحديث بعد سماعه بشهور.

стр. 27

قال الإمام البخاري: رُبَّ حديث سمعته بالشام فكتبته بمصر ورُبَّ حديث سمعته بالبصرة فكتبته بخراسان. وذلك لأن البخاري صنف كتابه «الجامع الصحيح» في رحلته، معتمداً على حافظته القوية وهو ممَّن يرى جواز الرواية بالمعنى لذا حصل له اختلاف في حديث أو حديثين. فقد أورد في صحيحه (١) قال: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «مثل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر ربَّه مثل الحي والميت». وخالفه مسلم صاحب «الصحيح» (٢)، وأبو يعلى الموصلي (٣)، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي (٤) فرووه عن محمد بن العلاء بهذا الإسناد فقالوا: «مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مثل الحي والميت». وكذلك رواه جماعة عن أبي أسامة حماد بن أسامة بهذا اللفظ منهم: عبد الله بن براد (٥)، وأحمد بن عبد الحميد (٦)، وأبو سعيد

стр. 28

عبد الله بن سعيد الأشج (١)، ويوسف بن موسى القطان (٢)، وإبراهيم بن سعيد الجوهري (٣)، والقاسم بن زكريا، وموسى بن عبد الرحمن (٤)، والقاسم بن زكريا (٥)، وأبو عبيدة أحمد بن عبد الله بن أبي السفر (٦)، ومحمد بن سعيد الأصبهاني (٧). قال ابن حجر: (انفراد البخاري باللفظ المذكور دون بقية أصحاب أبي كريب وأصحاب أبي أسامة يشعر بأنه رواه من حفظه أو تجوز في روايته بالمعنى). لذا كان أهل الحديث إذا اختلفوا جعلوا كتاب مَنْ يكتب هو الحكم. قال عبد الله بن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر (يعني محمد بن جعفر) حكم بينهم. فكانوا يقدِّمونه على مَنْ هو أحفظ وأعلم في شعبة، فقدَّمه علي ابن المديني على عبد الرحمن بن مهدي في شعبة. قال أحمد بن حنبل: سمعت غندراً يقول: لزمت شعبة عشرين سنة وكنت إذا كتبت عنه عرضته عليه. قال أحمد: أحسبه من بلادته كان يفعل هذا.

стр. 29

وقال ابن حجر: ثقة صحيح الكتاب إلا أنَّ فيه غفلة. قلت: ومع هذا يقدِّمونه على غيره من الثقات الأثبات في شعبة لأنه كان يكتب عنه ويعرضه عليه. وكذلك يونس بن يزيد إنما قدِّم في الزهري لكونه كان الزهري يملي عليه الحديث وقد استُقْصِيت أحاديث الثقات عن الزهري (مالك، ومعمر، وسفيان، ويونس) فإذا أكثرهم حديثاً عنه وأثبتهم فيه يونس كما تجده في خاتمة الأحاديث التي خولف فيها سفيان بن عيينة. ٤ - التحديث من غير كتاب: قال الإمام أحمد ممتدحاً ومثنياً على الذي يحدِّث من كتاب: ما أقل سقطاً من ابن المبارك، كان رجلاً يحدِّث من كتاب ومَن حدِّث من كتاب لا يكاد له سقط كثير شيء، وكان وكيع يحدِّث من حفظه ولم يكن ينظر في كتاب وكان له سقط. كم يكون حفظ الرجل (١). وقال علي بن المديني: عهدي بأصحابنا وأحفظهم أحمد بن حنبل فلمّا احتاج أن يحدِّث لا يكاد يحدِّث إلا من كتاب (٢). وقال أيضاً: قال لي أحمد: لا تحدثني إلا من كتاب (٣). لذا قال الخطيب: الاحتياط للمحدِّث والأولى به أن يروي من كتابه ليسلم من الوهم والغلط ويكون جديراً بالبعد عن الزلل (٤).

стр. 30

٥ - التصحيف: وهو تغيير الكلمة إلى كلمة أخرى وغالباً ما تكون مشابهة لها في الرسم ويكون في الأسماء وفي المتون. وأكثر ما يكون التصحيف من الذي يحدِّث من كتابه، فقد يختلط عليه رسم الكلمات. وأكثر ما يكون ذلك في الأسماء وقد وقع مثل ذلك لكبار الأئمة. ومن أمثلة ذلك ما ذكره أبو زرعة الرازي، ذكر عبد الرحمن بن مهدي وأطنب في مدحه، وذكر من أوهامه في هذا أنه قال عن شهاب بن شرنقة وإنما هو شهاب بن شرهة، وصحَّف عائد بن نصلة فقال ابن بطة، وقال عن قيس بن جبير وإنما هو قيس بن حبتر (١). لذا قال الإمام أحمد: ابن مهدي أكثر تصحيفاً من وكيع، ووكيع أكثر خطأ منه، ووكيع قليل التصحيف (٢). وذكر أحمد أنَّ عبد الله بن المبارك (وقد تقدم أنه يحدِّث من كتاب). صحَّف في حديث ابن عمر عن النبيِّ ﷺ أنه سئل عن الماء وما ينوبه من الدواب، وقال ابن المبارك: (وما يثوبه) وصحَّف فيه (٣). بل هناك من التصحيف ما يثير العجب والضحك. قال أبو حاتم الرازي لأبي زرعة: حفظ الله أخانا صالح بن محمد البغدادي لا يزال يضحكنا شاهداً وغائباً، كتب إليَّ يذكر أنه لمّا مات محمد بن يحيى الذهلي أُجلس للتحديث شيخ لهم يُعرف بمحمش فحدَّث أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يا أبا عمير، ما فعل البعير؟». وأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تصحب

стр. 31

الملائكة رفقة فيها فرس». ذكره الحاكم (١). وممّا ذكره أيضاً أنَّ أبا النضر كان يقرأ على الإمام ابن خزيمة كتاب «المختصر» للمزني فقال: وتوضأ عمر من ماء في حر نصرانية، فضحك الناس. وقال محمد بن عبدوس المقراء قال: قصدنا لشيخ لنسمع منه وكان في كتابه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ادهنوا غبا». فقرأه: اذهبوا عنا. وذُكر عن بعضهم أنه كان بعدن اليمن وأعرابي يذاكرهم فقال: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى نصب بين يديه شاة فأنكرت ذلك عليه، فجاء بكتابه مستدلاً لقوله، فقلت: أخطأت، إنما هو عنزة، أي عصا. وسيأتي في باب شعبة أنه صحَّف كلمة (ذرَّه)، وصحَّف (أبي الثورين) فقال: (أبي السوار)، وهذا كما قيل أنه لم يفهم الكلمة من عمرو بن دينار وكانت قد ذهبت أسنانه. وصحَّف سفيان الثوري (النقيع) إلى (البقيع)، فإذا حصل مثل هذا لكبار الأئمة فما بالك بغيرهم (٢). وصحَّف يحيى بنُ معين العوام بن مراجم فقال: (العوام بن مزاحم) (٣). لذا أفرد بعض العلماء ذكر ما وقع للمحدِّثين من تصحيف في أجزاء مفردة، منها: «تصحيفات المحدِّثين» لأبي أحمد العسكري،

стр. 32

و «إصلاح خطأ المحدِّثين» للخطابي، و «التظريف في التصحيف» للسيوطي. وأكثر ما يقع التصحيف في الأسماء؛ لذا تجد كثيراً من المصنفين يجتهدون في دفع هذا الوهم بإلحاق الكلمة بتوضيح لها كما ذكرناه في ابن مزاحم وابن مراجم. وهناك مؤلفات لضبط هذه الأسماء ورفع اللبس والوهم، منها: «المؤتلف والمختلف» للدارقطني، و «تلخيص المتشابه» للخطيب البغدادي، و «الإكمال» لابن ماكولا، و «توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين الدمشقي، و «تبصير المنتبه» لابن حجر العسقلاني. ٦ - اختصار الحديث: جوَّز أهل العلم اختصار الحديث وجعلوا لذلك شروطاً منها أن لا يكون الاختصار مخلاً بالمعنى مفسداً له، وأن يكون القائم بذلك عالماً بالمعاني. ومن أمثلة الاختصار المخل بالمعنى ما وقع لأمير المؤمنين في الحديث شعبة في حديثه أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن التزعفر والصحيح كما في مسلم وغيره أنَّ هذا النهي خاصاً بالرجال وليس عاماً. ولفظه نهى رسول الله ﷺ أن يتزغفر الرجل (١). وقوله في الحديث الآخر: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» فحصر نواقض الوضوء في هذا، والصحيح هو ما رواه الآخرون: «إذا وجد أحدكم من بطنه شيئاً فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو ريحاً» (٢).

стр. 33

ومن أمثلته ما رواه ابن عيينة مرفوعاً قال: (رخص للرماة أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً). والصحيح أنَّ النبيَّ ﷺ لم يرخص لهم بترك الرمي كلية في يوم، إنما رخص للرماة أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يؤجلوا رمي أول أيام التشريق إلى اليوم الذي يليه (١). ومن أمثلته أيضاً ما رواه شعبة (٢) أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى خلف أبي بكر، والصحيح أنَّ النبيَّ ﷺ كان إماماً وأبو بكر يأتمّ به والناس يأتمّون بأبي بكر. ومن أمثلته ما وقع لإسحاق بن راهويه (٣)، وهو إمام حافظ ثقة ثبت، فقد روى عن شبابة بن سوار، عن ليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فزالت الشمس صلَّى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل. خالفه عمرو الناقد وجماعة فرووه عن شبابة بهذا الإسناد فقالوا: كان النبيُّ ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخَّر الظهر حتى يدخل أوَّل وقت العصر ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت قبل أن يرتحل صلَّى الظهر ثم ركب. وكذلك رواه عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث. قال الذهبي: وهذا على نبل رواته منكر، فقد رواه مسلم عن الناقد، عن شبابة، … (٤) إلخ. ثم قال: ولا ريب أنَّ إسحاق كان

стр. 34

يحدِّث الناس من حفظه ولعله اشتبه عليه (١). لذا ذهب بعض أهل العلم إلى كراهة اختصار الحديث. فقد نقل الخطيب من طريق إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل قال: سمعت الخليل بن أحمد يقول: لا يحلّ اختصار حديث النبيِّ ﷺ لقوله: رحم الله امرأً سمع منا حديثاً فبلَّغه كما سمعه (٢). وعن يعقوب بن شيبة قال: كان مالك لا يرى أن يختصر الحديث إذا كان عن رسول الله ﷺ ، ونقل عن أبي عاصم النبيل أنه كان يكره الاختصار في الحديث لأنهم يخطئون المعنى (٣). ونقل ابن رجب عن أبي بكر الخلال قال: إنما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى لا أصل اختصار الحديث، قال: وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار بالمعنى (٤). وقال عنبسة: قلت لابن المبارك: علمت أنَّ حماد بن سلمة كان يريد أن يختصر الحديث فيقلب معناه فقال لي: أوَفطنت له؟ (٥). ومن المبرزين في الاختصار سفيان الثوري، قال ابن المبارك: علمنا سفيان اختصار الحديث (٦).

стр. 35

ومع إمامته وتقدمه فقد حصل له وهم بسبب الاختصار كما قال أبو داود وابن حبان فانظره في بابه الحديث الحادي عشر. والله تعالى أعلم. ٧ - الرواية بالمعنى: وهو مثل اختصار الحديث، جوَّزه أهل العلم لمَن كان فقيهاً عالماً بالمعاني غير مُخلٍّ في اختصاره، غير متعمد ذلك إنما اضطر إليه لغياب اللفظ النبوي عنه. قال الحافظ: والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا لا يكتبون ويطول الزمان فيتعلق المعنى بالذهن فيرتسم فيه ولا يُسْتَحضر اللفظ فيحدِّث بالمعنى لمصلحة التبليغ ثم يظهر من سياق مَنْ هو أحفظ منه أنه لم يوف بالمعنى (١). ومن أمثلته ما وقع للإمام يحيى بن سعيد القطان، وهو إمام متقن حافظ، فقد روى عن شعبة حدثني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عسال، قال: قال رجل من اليهود لآخر: انطلق بنا إلى هذا النبي. قال: لا تفعل هذا، فإنه لو سمعها كان له أربع أعين. قال: فانطلقا إليه فسألاه عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال: «لا تشركوا بالله شيئاً ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلا بالحق … » الحديث. فقالا: نشهد أنك لَرسول الله (٢).

стр. 36

وخالفه اثنا عشر من أصحاب شعبة فقالوا: (نشهد أنك نبي). قال الإمام أحمد: خالف يحيى بن سعيد غير واحد قالوا: «نشهد أنك نبي». قال أحمد: لو قالوا: نشهد أنك رسول الله، كانا قد أسلما، ولكن يحيى أخطأ فيه خطأً قبيحاً (١). ومثل ذلك حصل لإمام المحدِّثين البخاري فإنه كان يرى جواز الرواية بالمعنى إلا أنه لم يأت بلفظ ينكر بالمعنى، وقد تقدم ذلك: قال الإمام البخاري (٦٤٠٧): حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله، عن أبي بريدة، عن أبي موسى ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «مثَل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر ربَّه مثل الحي والميت» (وقد تقدم ذلك). وروى الإمام البخاري (٧٢٢): قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ قال: «سووا صفوفكم فإنَّ تسوية الصفوف من إقامة الصلاة». وخالفه أبو داود، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو خليفة الفضل بن الحباب، فرووه عن أبي الوليد بهذا الإسناد، فقالوا: «من تمام الصلاة». وبهذا اللفظ: «من تمام الصلاة» رواه جمع من أصحاب شعبة لم

стр. 37

يختلفوا عليه، منهم: يحيى القطان، ومحمد بن جعفر، وأبو داود الطيالسي، ووكيع، وسليمان بن حرب، وعلي بن نصر الجهضمي، وسعيد بن عامر الضبعي، وخالد بن الحارث، وأبو عامر العقدي، وعبد الرحمن بن مهدي، وحجاج، وبهز، وعفان، وأبو النضر، وأسد بن موسى، ويزيد بن زريع، وغيرهم. وكذلك رواه معمر، ومسعر بن كدام عن قتادة. قال ابن حجر: (هكذا ذكره البخاري عن أبي الوليد وذكره غيره بلفظ «من تمام الصلاة». واستدل ابن حزم (١) بقوله: «إقامة الصلاة» على وجوب تسوية الصفوف، قال: لأن إقامة الصلاة واجبة وكل شيء من الواجب واجب. ولا يخفى ما فيه ولا سيما أنَّ الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة) (٢). قال الحافظ وهو يعدد بعض الأوجه التي فضل المغاربة «صحيح مسلم»: (أنَّ البخاري كان يرى جواز الرواية بالمعنى وجواز تقطيع الحديث من غير تنصيص على اختصاره بخلاف مسلم، والسبب في ذلك أمران: أحدهما أنَّ البخاري صنَّف كتابه في طول رحلته فقد روينا عنه أنه قال: رُبَّ حديث سمعته بالشام فكتبته بمصر ورُبَّ حديث سمعته بالبصرة فكتبته بخراسان. فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه فلا يسوق ألفاظه برمّتها بل يتصرف فيه ويسوقه بمعناه، وصنَّف مسلم كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه فكان يتحرى في الألفاظ

стр. 38

ويتحرى السياق) (١). ومن أمثلته أيضاً ما رواه ابن عيينة من حديث كعب بن مالك مرفوعاً فقال: «إنَّ أرواح الشهداء في طير خضر تعلق في شجر الجنة» والصحيح «إنّ نسمة المؤمن … » فجعل الثواب خاصاً للشهداء بينما هو عام لكل مؤمن (٢). ٨ - تشابه الأسانيد والأسماء: وإنَّ من أسباب الوهم أيضاً طول الأسانيد وتشابه الأسماء والألقاب، وإليك هذه القصة لتعلم صعوبة حفظ الأسماء: لمّا قدم أبو الفضل الهمذاني نيسابور تعصبوا له ولقبوه بديع الزمان فأُعجب بنفسه إذ كان يحفظ المائة بيت إذا أُنشدت مرة وينشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة، فأنكر على الناس قولهم فلان الحافظ في الحديث ثم قال: وحفظ الحديث مما يذكر. فسمع به الحاكم ابن البيع (صاحب المستدرك) فوجه إليه بجزء وأجَّل له جمعة في حفظه فردَّ إليه الجزء بعد الجمعة وقال: مَنْ يحفظ هذا محمد بن فلان وجعفر بن فلان عن فلان أسامي مختلفة وألفاظ متباينة. فقال له الحاكم: فاعرف نفسك واعلم أنَّ هذا الحفظ أصعب مما أنت فيه (٣).

стр. 39

وقد وقع في مسند الإمام أحمد وهم منشأه الاختصار في ذكر اسم راوي الحديث، فقد أخرج في مسنده من مسند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثنا وكيع، ثنا عبد الملك بن مسلم الحنفي عن أبيه، عن علي، قال: جاء أعرابي إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نكون بالبادية فتخرج من أحدنا الرويحة. فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله لا يستحي من الحق، إذا فعل أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن». وقال مرة: «في أدبارهن» (١). وعلي هذا ليس بعلي بن أبي طالب بل هو علي بن طلق (٢). فالحديث أخرجه الترمذي قال: حدثنا قتيبة وغير واحد قالوا: حدثنا وكيع به. وقال عقبة: وعلي هذا هو علي بن طلق (٣). وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» قال: باب ذكر حديث علي بن طلق في إتيان النساء في أدبارهن وأورد فيه هذا الحديث من طريق هناد بن السري عن وكيع (٤). وقد روى هذا الحديث أحمد بن خالد الوهبي (٥) عن عبد الملك بن مسلم فقال: علي بن طلق.

стр. 40

قال الخطيب في تاريخه: وعلي الذي أسند هذا الحديث ليس بابن أبي طالب وإنما هو علي بن طلق الحنفي بيَّن نسبه الجماعة الذين سميناهم في روايتهم هذا الحديث عن عبد الملك وقد وهم غير واحد من أهل العلم فأخرج هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب (١). وقد نبَّه إلى هذا الوهم أيضاً ابن عساكر (٢)، وابن كثير، والهيثمي (٣)، وابن حجر (٤). قال ابن كثير: ومن الناس مَنْ يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل والصحيح أنه علي بن طلق (٥). وخالفهم الشيخ أحمد شاكر فذكر في تعليقه على المسند (٦) إلى أنَّ قول الترمذي ومَن وافقه كابن كثير وابن حجر وغيرهم خطأ وأنَّ الصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد وأنَّ الحديث هو لعلي بن أبي طالب وليس لعلي بن طلق. والصحيح هو ما ذهب إليه الترمذي والنسائي ومَن تابعهم وذلك لأن وكيعاً رواه عن عبد الملك بن مسلم ولم ينسب علياً، ورواه أحمد بن خالد فقال: علي بن طلق، فهو مفسر لما أبهمه وكيع.
следующие страницы →