← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1329

أوهام المحدثين الثقات

سعيد باشنفر

Полный текст (5 923 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وخالفه اثنا عشر من أصحاب شعبة فقالوا: (نشهد أنك نبي). قال الإمام أحمد: خالف يحيى بن سعيد غير واحد قالوا: «نشهد أنك نبي». قال أحمد: لو قالوا: نشهد أنك رسول الله، كانا قد أسلما، ولكن يحيى أخطأ فيه خطأً قبيحاً (١). ومثل ذلك حصل لإمام المحدِّثين البخاري فإنه كان يرى جواز الرواية بالمعنى إلا أنه لم يأت بلفظ ينكر بالمعنى، وقد تقدم ذلك: قال الإمام البخاري (٦٤٠٧): حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله، عن أبي بريدة، عن أبي موسى ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «مثَل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر ربَّه مثل الحي والميت» (وقد تقدم ذلك). وروى الإمام البخاري (٧٢٢): قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ قال: «سووا صفوفكم فإنَّ تسوية الصفوف من إقامة الصلاة». وخالفه أبو داود، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو خليفة الفضل بن الحباب، فرووه عن أبي الوليد بهذا الإسناد، فقالوا: «من تمام الصلاة». وبهذا اللفظ: «من تمام الصلاة» رواه جمع من أصحاب شعبة لم

стр. 37

يختلفوا عليه، منهم: يحيى القطان، ومحمد بن جعفر، وأبو داود الطيالسي، ووكيع، وسليمان بن حرب، وعلي بن نصر الجهضمي، وسعيد بن عامر الضبعي، وخالد بن الحارث، وأبو عامر العقدي، وعبد الرحمن بن مهدي، وحجاج، وبهز، وعفان، وأبو النضر، وأسد بن موسى، ويزيد بن زريع، وغيرهم. وكذلك رواه معمر، ومسعر بن كدام عن قتادة. قال ابن حجر: (هكذا ذكره البخاري عن أبي الوليد وذكره غيره بلفظ «من تمام الصلاة». واستدل ابن حزم (١) بقوله: «إقامة الصلاة» على وجوب تسوية الصفوف، قال: لأن إقامة الصلاة واجبة وكل شيء من الواجب واجب. ولا يخفى ما فيه ولا سيما أنَّ الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة) (٢). قال الحافظ وهو يعدد بعض الأوجه التي فضل المغاربة «صحيح مسلم»: (أنَّ البخاري كان يرى جواز الرواية بالمعنى وجواز تقطيع الحديث من غير تنصيص على اختصاره بخلاف مسلم، والسبب في ذلك أمران: أحدهما أنَّ البخاري صنَّف كتابه في طول رحلته فقد روينا عنه أنه قال: رُبَّ حديث سمعته بالشام فكتبته بمصر ورُبَّ حديث سمعته بالبصرة فكتبته بخراسان. فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه فلا يسوق ألفاظه برمّتها بل يتصرف فيه ويسوقه بمعناه، وصنَّف مسلم كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه فكان يتحرى في الألفاظ

стр. 38

ويتحرى السياق) (١). ومن أمثلته أيضاً ما رواه ابن عيينة من حديث كعب بن مالك مرفوعاً فقال: «إنَّ أرواح الشهداء في طير خضر تعلق في شجر الجنة» والصحيح «إنّ نسمة المؤمن … » فجعل الثواب خاصاً للشهداء بينما هو عام لكل مؤمن (٢). ٨ - تشابه الأسانيد والأسماء: وإنَّ من أسباب الوهم أيضاً طول الأسانيد وتشابه الأسماء والألقاب، وإليك هذه القصة لتعلم صعوبة حفظ الأسماء: لمّا قدم أبو الفضل الهمذاني نيسابور تعصبوا له ولقبوه بديع الزمان فأُعجب بنفسه إذ كان يحفظ المائة بيت إذا أُنشدت مرة وينشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة، فأنكر على الناس قولهم فلان الحافظ في الحديث ثم قال: وحفظ الحديث مما يذكر. فسمع به الحاكم ابن البيع (صاحب المستدرك) فوجه إليه بجزء وأجَّل له جمعة في حفظه فردَّ إليه الجزء بعد الجمعة وقال: مَنْ يحفظ هذا محمد بن فلان وجعفر بن فلان عن فلان أسامي مختلفة وألفاظ متباينة. فقال له الحاكم: فاعرف نفسك واعلم أنَّ هذا الحفظ أصعب مما أنت فيه (٣).

стр. 39

وقد وقع في مسند الإمام أحمد وهم منشأه الاختصار في ذكر اسم راوي الحديث، فقد أخرج في مسنده من مسند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثنا وكيع، ثنا عبد الملك بن مسلم الحنفي عن أبيه، عن علي، قال: جاء أعرابي إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نكون بالبادية فتخرج من أحدنا الرويحة. فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله لا يستحي من الحق، إذا فعل أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن». وقال مرة: «في أدبارهن» (١). وعلي هذا ليس بعلي بن أبي طالب بل هو علي بن طلق (٢). فالحديث أخرجه الترمذي قال: حدثنا قتيبة وغير واحد قالوا: حدثنا وكيع به. وقال عقبة: وعلي هذا هو علي بن طلق (٣). وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» قال: باب ذكر حديث علي بن طلق في إتيان النساء في أدبارهن وأورد فيه هذا الحديث من طريق هناد بن السري عن وكيع (٤). وقد روى هذا الحديث أحمد بن خالد الوهبي (٥) عن عبد الملك بن مسلم فقال: علي بن طلق.

стр. 40

قال الخطيب في تاريخه: وعلي الذي أسند هذا الحديث ليس بابن أبي طالب وإنما هو علي بن طلق الحنفي بيَّن نسبه الجماعة الذين سميناهم في روايتهم هذا الحديث عن عبد الملك وقد وهم غير واحد من أهل العلم فأخرج هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب (١). وقد نبَّه إلى هذا الوهم أيضاً ابن عساكر (٢)، وابن كثير، والهيثمي (٣)، وابن حجر (٤). قال ابن كثير: ومن الناس مَنْ يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل والصحيح أنه علي بن طلق (٥). وخالفهم الشيخ أحمد شاكر فذكر في تعليقه على المسند (٦) إلى أنَّ قول الترمذي ومَن وافقه كابن كثير وابن حجر وغيرهم خطأ وأنَّ الصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد وأنَّ الحديث هو لعلي بن أبي طالب وليس لعلي بن طلق. والصحيح هو ما ذهب إليه الترمذي والنسائي ومَن تابعهم وذلك لأن وكيعاً رواه عن عبد الملك بن مسلم ولم ينسب علياً، ورواه أحمد بن خالد فقال: علي بن طلق، فهو مفسر لما أبهمه وكيع.

стр. 41

الأمر الثاني: روى هذا الحديث شعبة (١)، والثوري (٢)، وجرير (٣)، ومعمر (٤)، وأبو معاوية (٥)، وغيرهم (٦) عن عاصم بن سليمان الأحول عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، ومسلم بن سلام هو الذي روى عنه ابنه عبد الملك وعنه وكيع هذا الحديث. قلت: وقد وهم في هذا الحديث أيضاً ثلاثة من أئمة الحديث فقال شعبة: (طلق بن يزيد أو علي بن طلق). وقلب إسناده معمر كما تقدم وأسقط وكيع من الإسناد عيسى بن حطان لأن هذا الحديث قد خالفه فيه ستة من الحفّاظ فقالوا: (عن عبد الملك بن مسلم، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي) فانظره في أبوابهم (٧). ٩ - اختلاف المتون والألفاظ: قد يأتي في بعض المتون زيادات ليست في الحديث الآخر، فيدخل بعض الرواة في حديث شيخه ما ليس فيه، مثال ذلك: روى الزهري من حديث ابن عباس حديث الانتفاع بجلود الميتة ولم يذكر الدباغ.

стр. 42

ورواه عمرو بن دينار من حديث ابن عباس وذكر الدباغ. وروى ابن عيينة حديث الزهري فذكر فيه الدباغ وخالف جماعة من أصحاب الزهري وخالف مذهب الزهري في كونه يرى الانتفاع بها بدون الدباغ (١). مثال آخر: روى ابن عمر عن النبيِّ ﷺ في تحري ليلة القدر في السبع الأواخر، وروى معاوية ذلك ليلة سبع وعشرين، وعند شعبة الحديثان، فأدخل متن حديث معاوية في حديث ابن عمر (٢). ١٠ - الجمع بين الشيوخ: وهو أن يجمع الراوي بين حديث شيخين أو أكثر بإسناد واحد، وبين حديثهما اختلاف ولا يشير إليه، ويسوقه بلفظ أحدهما فيقع في الوهم إذ يحمل رواية أحدهما على الآخر. والأصل تأدية كل حديث كما سمعه وإن أراد أن يجمع بينهما وجب عليه أن يميز بين لفظيهما إن كان هناك اختلاف. وقال الخليلي: ذاكرت يوماً بعض الحفَّاظ فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة. قال: لأنه يجمع بين حديث أصحاب أنس فيقول: ثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب وربما يخالف في بعض ذلك، فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه وهو

стр. 43

يجمع بين أسانيد فيقول: حدثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي رحمة الله تعالى عليهم في أحاديث ويجمع بين غيرهم، فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له (١). ونقل الأثرم عن الإمام أحمد (٢) قوله: (في حديث حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبيِّ ﷺ في آنية المشركين، قال أحمد: هذا من قبل حماد كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال ثم يجعله إسناداً واحداً). ومن أمثلة ذلك ما وقع لعبد الرحمن بن مهدي، وهو إمام ثقة ثبت حافظ، فقد روى عن سفيان الثوري، عن منصور والأعمش وواصل عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذنب أعظم عند الله … الحديث (٣). وهو وهم في ذلك فإنَّ سفيان يرويه عن واصل، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، لا يذكر عمرو بن شرحبيل، ويرويه عن منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود. وقد نبَّهه على وهمه عمرو بن علي فقال: دعه دعه ذكره البخاري.

стр. 44

وقد وقع لعبد الرزاق أوهام سببها جمعه حديث الثوري ومعمر وغيرهم أشرنا إليها في مواضع من كتاب الثوري وسيأتي مفصلاً في كتابه. ١١ - الإدراج: وهو أيضاً من أسباب وقوع الوهم في أحاديث الرواة الثقات. والإدراج مصدر أدرج وهو إدخال الشيء في الشيء وضمّه إياه، والحديث المدرج هو ما كان فيه زيادة ليست منه، وهو أن يدرج الراوي في حديث النبيِّ ﷺ شيئاً من كلام غيره مع إيهامه كونه من كلامه. ومن أمثلة ذلك ما وقع للإمام الأوزاعي (١) فإنه قد روى عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «بكِّروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنَّ مَنْ فاته صلاة العصر فقد حبط عمله». خالفه هشام الدستوائي، وشيبان، ومعمر فرووه عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد فقالوا: كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم فقال: بكِّروا بصلاة العصر فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ ترك العصر فقد حبط عمله». وهم الأوزاعي فأدرج قول بريدة: بكِّروا الصلاة في يوم الغيم في حديث النبيِّ ﷺ . ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه (٢) من حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في قنوته ﷺ

стр. 45

يدعو على أحياء من العرب حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وقد استشكل ذلك، فإنَّ هذه الآية نزلت في غزوة أُحد ودعائه على أحياء من العرب وهم رعل وذكوان كما جاء في رواية أخرى بعد أُحد، لكن بيَّن يونس بن يزيد أنَّ قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ من كلام الزهري ذكره بلاغاً كما عند مسلم وغيره (١)؛ لذا كان موسى بن عقبة يقول للزهري: افصل كلامك عن كلام النبيِّ ﷺ . لما كان يحدِّث به من حديث رسول الله ﷺ فيخلطه بكلامه (٢). وهناك أحاديث كثيرة في كتابي هذا علّتها الإدراج يمكن أن تكون بحثاً مستقلاً أسأل الله بفضله وكرمه أن ييسِّر تمامه. ١٢ - التقليد: وهو أن يقلِّد أحد الثقات فيتابعه في روايته أو يدلسه عنه فيتابعه في الوهم. قال أبو داود: قال أبو عوانة يوماً: حدثنا مالك بن عرفطة عن عبد خير، فقال له عمرو الأعصف: رحمك الله يا أبا عوانة، هذا خالد بن علقمة، ولكن شعبة مخطاء فيه. فقال أبو عوانة: هو في كتابي خالد بن علقمة، ولكن قال لي شعبة: هو مالك بن عرفطة (٣). وقال عبد الله بن المبارك في حديث وهم فيه سفيان بن عيينة وتابعه ابن جريج قال: أرى أنَّ ابن جريج أخذه عن ابن عيينة (٤).

стр. 46

وأظن أنَّ حماد بن سلمة قد قلَّد الثوري فتابعه في الوهم إذ روى عنه متابعته ومخالفته (١). ١٣ - اختلاف الأمصار: وسببه قصر الصحبة والملازمة لاختلاف البلاد؛ فلهذا السبب قُدّم أحاديث بعض الرواة في شيخ ما على مَنْ هو أحفظ منهم لاختصاصه بشيخه وطول ملازمته له. ومن ذلك قُدَّم يونس بن يزيد الأيلي على سفيان بن عيينة في الزهري وذلك لقصر صحبة سفيان له (٢). كما قُدِّم حماد بن سلمة في ثابت على شعبة وحماد بن زيد وهما أحفظ منه. وذكرنا في باب سفيان الثوري أنَّ هناك أربعة عشر حديثاً وهم فيها كان من علَّتها اختلاف الأمصار. هذه هي أهم الأسباب وهناك أسباب أخرى ثانوية إلا أنها تدخل في عموم هذه الأسباب وأهمها عدم قيد الحديث حين سماعه والتحديث من غير كتاب، وقد ذكرت عقب بعض الأحاديث علة الوهم ممَّا ظهر لي، والله الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل. وهنا أحب أن أتمثل بقول الحافظ ابن حجر:

стр. 47

وقائل هل عمل صالح … أعددته ينفع عند الكرب فقلت حسبي خدمة المصطفى … وحبه فالمرء مع من أحب وفي الختام أسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يتقبّل عملي هذا ويكتب القبول له وأن ينفعني به وينفع المسلمين به وما كان فيه من صواب فبفضل الله وتوفيقه وما كان فيه من خطأ وزلل فأستغفر الله منه وأطلب من إخواني المسلمين مَنْ وجد خطأً أن ينبهني إلى الصواب وصلَّى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين. كتبه أبو حمزة الشنفري سعيد بن عبد القادر بن سالم باشنفر غفر الله له ولوالديه وذريته والمسلمين بمدينة جدة في ٧ صفر ١٤٣٣ هـ

стр. 48

أوهام سفيان الثوري

стр. 49

الإمام سفيان الثوري اسمه ونسبه (١): سفيان بن سعيد بن مسروق من ذرية ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله الثوري الكوفي. ولد سنة ٩٧ في بيت علم، فأبوه سعيد بن مسروق الثوري كان من أهل الحديث من أصحاب الشعبي وخيثمة بن عبد الرحمن، وعداده في صغار التابعين، وحديثه في الصحيحين وغيرهما من رواية ابنه سفيان وعمر ومبارك وشعبة وزائدة وأبو عوانة وغيرهم، وجده مسروق شهد الجمل مع علي، وهذا مما مكنه من طلب العلم وهو حدث حتى قال شيخه أبو إسحاق السبيعي لما رأى سفيان مقبلاً: ﴿ .. وآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾.

стр. 50

وقال الوليد بن مسلم: رأيت الثوري بمكة يُستفتى ولما يخط وجهه بعد. قال أبو المثنى: سمعتهم بمرو يقولون: قد جاء الثوري، قد جاء الثوري، فخرجت أنظر إليه، فإذا هو غلام قد بقل وجهه. قال الذهبي معلقاً: كان ينوه بذكره في صغره من أجل فرط ذكائه وحفظه، وحدث وهو شاب. ويقال: إن عدد شيوخه ستمائة شيخ وكبارهم الذين حدثوه عن أبي هريرة وجرير بن عبد الله وابن عباس وأمثالهم. أما الرواة عنه فخلق كثير ذكر أبو الفرج ابن الجوزي أنهم أكثر من عشرين ألفاً، وهذا مبالغ فيه فأكثر مَنْ روي عنه من الحفاظ هو مالك وبلغوا نحو ألف وأربعمائة، قاله الذهبي. سعة علمه وفقهه وفضله: قال سفيان بن عيينة: ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري. وقال عبد الله بن المبارك: لا أعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان الثوري. وقال أيضاً: ما رأيت مثل سفيان كأنه خلق لهذا الشأن. وقال عبد الرحمن بن الحكم: ما سمعت بعد التابعين بمثل سفيان. وقال أحمد بن حنبل: قال سفيان بن عيينة: لن ترى بعينك مثل سفيان الثوري حتى تموت، قال أحمد: هو كما قال.

стр. 51

وقال معمر لما بلغه قدوم سفيان اليمن: يقدم عليكم محدث العرب. وقال ابن أبي ذئب: ما رأيت رجلاً من أهل العراق مثل ثوريكم هذا. وقال أيضاً: ما رأيت أشبه بالتابعين من الثوري. وقال بشر الحافي: كان الثوري عندنا إمام الناس، وقال أيضاً: سفيان في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما. وقال أيوب السختياني وهو من شيوخه: ما قدم علينا من الكوفة أحد أفضل من سفيان الثوري. وقال ابن راهويه: سمعت عبد الرحمن بن مهدي ذكر سفيان وشعبة ومالكاً وعبد الله بن المبارك فقال: أعلمهم بالعلم سفيان. وقال يونس بن عبيد: ما رأيت كوفياً أفضل من سفيان. وقال يحيى القطان: سفيان الثوري أحب إليّ من مالك في كل شيء يعني: في الحديث وفي الفقه وفي الزهد. وقال أيضاً: كان سفيان أعلم بحديث الأعمش من الأعمش. وقال: ليس أحد أحب إليّ من شعبة ولا يعدله عندي أحد، فإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. وقال الدوري: رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان الثوري في زمانه أحداً.

стр. 52

وقال الدارمي: عن يحيى بن معين ليس أحد يخالف سفيان الثوري إلا كان القول قول سفيان. وقال الدارمي ليحيى بن معين: سفيان أحب إليك في الأعمش أو شعبة؟ فقال: سفيان أحب إليّ من الأعمش. وقال: كان يحيى بن معين يقدم سفيان على شعبة في حديث الكوفيين إذا اختلفا، وأما في حديث البصريين فقال يحيى: ليس يقال يخالف شعبة سفيان في حديث البصريين. وقال إسحاق بن إبراهيم عن أحمد: الثوري أعلم بحديث الكوفيين ومشايخهم من الأعمش. وقال أبو حنيفة: لو حضر علقمة والأسود وهما من أصحاب ابن مسعود لاحتاجا إلى سفيان. وقال شعبة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وكذا قال ابن عيينة ويحيى بن معين وغيرهم. حفظه وإتقانه: قال عبد الرزاق: كان سفيان يقول: ما استودعت قلبي شيئاً فخانني. وقال وكيع: ذكر شعبة حديثاً عن أبي إسحاق، فقال رجل: إن سفيان خالفك فيه، فقال: دعوه سفيان أحفظ مني. وقال أحمد بن حنبل: سفيان فقيه حافظ زاهد إمام أهل العراق،

стр. 53

وأتقن أصحاب أبي إسحاق، وهو أحفظ من شعبة، وإذا اختلف الثوري وشعبة فالثوري. وقال أبو داود: ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا يظفر به سفيان خالفه في أكثر من خمسين حديثاً (١). من أقواله: قال سفيان: لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إليّ من أن أحتاج إلى الناس. وقال: ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديثاً قط إلا عملت به ولو مرة، وقال: ليس الزهد بأكل الغليظ، ولبس الخشن، ولكنه قصر الأمل وارتقاب الموت. وقال: المال داء هذه الأمة، والعالم طبيب هذه الأمة، فإذا جرّ العالم الداء إلى نفسه، فمتى يبراء الناس. وقال: زيِّنوا العلم والحديث بأنفسكم، ولا تتزينوا به، وقال: إني لأرى الشيء يجب عليّ أن أتكلم فيه، فلا أفعل فأبول دماً. وقال: كان المال فيما مضى يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن. وقال: السلامة في أن لا تحب أن تعرف. وقال ابن المبارك: قال لي سفيان: إياك والشهرة فما أتيت أحداً إلا وقد نهى عن الشهرة.

стр. 54

وقال: مَنْ أصغى إلى صاحب بدعة وهو يعلم خرج من عصمة الله ووكل إلى نفسه، ومَن سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه لا يلقها في قلوبهم. وقال: ليس بفقيه مَنْ لم يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة. قال ابن حجر: ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة.

стр. 55

الحديث الأول (١): ١ - قال الإمام البخاري (٣٠٦٠): حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «اكتبوا لي مَنْ تلفظ بالإسلام من الناس»، فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟! فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف. حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش: فوجدناهم خمسمائة، قال أبو معاوية: ما بين ستمائة إلى سبعمائة. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين. وأخرجه أبو بكر الشافعي في الفوائد (الغيلانيات) (٨٦٨)،

стр. 56

والبغوي في شرح السنّة (٢٧٤٤) من طريق أبي حذيفة، وابن منده في الإيمان (٤٥٢) من طريق أحمد بن يوسف، والفريابي وموسى بن مسعود، والبيهقي (٦/ ٣٦٣) من طريق الفريابي ثلاثتهم الفريابي وأحمد بن يوسف وأبو حذيفة موسى بن مسعود عن سفيان الثوري به. هكذا قال سفيان عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة عن النبي ﷺ : «اكتبوا لي مَنْ تلفظ بالإسلام من الناس» فكتبنا له ألفاً وخمسمائة. خالفه أبو معاوية محمد بن خازم (١)، وعبد الله بن نمير (٢)، وسليمان بن قرم (٣)، فرووه عن الأعمش فقالوا: ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة، ورواه أبو حمزة محمد بن ميمون (٤)، ويحيى بن سعيد الأموي (٥)، وأبو بكر بن عياش (٦)، فقالوا: خمسمائة، ورووه بلفظ: «احصوا». وقد رجح الحافظان ابن حجر والعيني رواية سفيان الثوري على رواية أبي معاوية، وكأني بهما لم يقفا على رواية ابن نمير وسليمان بن قرم الموافقة لرواية أبي معاوية.

стр. 57

ورجح الألباني رواية أبي معاوية، إلا أنه قصر فنسب رواية سفيان الثوري إلى أبي بكر الشافعي في الفوائد، وحمل الوهم على أبي حذيفة وفاته أن الحديث في البخاري، وقد توبع أبو حذيفة كما قدّمنا. قال الحافظ ابن حجر: في رواية أبي معاوية عن الأعمش عند مسلم: «احصوا» بدل «اكتبوا» وهي أعم من «اكتبوا»، وقد يفسر احصوا باكتبوا … ، قوله (حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش فوجدناهم خمسمائة). يعني أن: أبا حمزة خالف الثوري عن الأعمش في هذا الحديث بهذا السند، فقال: خمسمائة … قال أبو معاوية: ما بين ستمائة إلى سبعمائة … وكأن رواية الثوري رجحت عند البخاري فلذلك اعتمدها لكونه أحفظهم مطلقاً وزاد عليهم، وزيادة الثقة الحافظ مقدمة، وأبو معاوية وإن كان أحفظ أصحاب الأعمش بخصوصه، ولذلك اقتصر مسلم على روايته، لكنه لم يجزم بالعدد، فقدم البخاري رواية الثوري لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين، ولجزمها بالنسبة لرواية أبي معاوية. وأما ما ذكره الإسماعيلي أن يحيى بن سعيد الأموي وأبا بكر بن عياش وافقا أبا حمزة في قوله: خمسمائة، فتتعارض الأكثرية والأحفظية، فلا يخفى بعد ذلك الترجيح بالزيادة ولهذا يظهر رجحان نظر البخاري على غيره … (١). وقال العيني نحو ذلك (٢).

стр. 58

وقال الألباني عقب أن ذكر رواية أبي معاوية أخرجه مسلم … ، وتابعه سفيان فقال أبو بكر الشافعي في الفوائد: حدثني إسحاق نا أبو حذيفة نا سفيان عن الأعمش به، إلا أنه قال: «ونحن ألف وخمسمائة»، وهو وهم من أبي حذيفة، واسمه موسى بن مسعود النهدي، وهو صدوق سياء الحفظ، وسائر رواته ثقات (١). قلت: وقد علمت ما في قوله هذا من الوهم. الترجيح: رواية أبي معاوية ترجح على رواية سفيان للتالي: ١ أبو معاوية تابعه عبد الله بن نمير، وسليمان بن قرم، فقالوا: ما بين الستمائة إلى السبعمائة، وكذلك تابعوه في لفظ: «احصوا»، وقريباً مما ذكراه قاله أبو حمزة السكري، ويحيى بن سعيد الأموي، وأبو بكر بن عياش، بينما تفرد سفيان بذكر ألف وخمسمائة. ٢ قد جاء ذكر الألف وخمسمائة في حديث جابر ﵁ في يوم الحديبية (٢) وفي أصحاب الشجرة (٣)، بينما لم يأتِ ذكر الستمائة إلى السبعمائة إلا في هذا الحديث، والعدد الذي جاء في حديث أقرب أن يوهم فيه من غيره، والله تعالى أعلم. الخلاصة: اختلف في هذا الحديث على الأعمش:

стр. 59

فقال سفيان: «اكتبوا لي» وخالفه مَنْ ذكرنا من أصحاب الأعمش فرووه بلفظ: «احصوا لي» وهي أعم من اكتبوا لي. وقال سفيان: إن عددهم ألف وخمسمائة. وخالفه أبو معاوية وهو مع سفيان أحفظ أصحاب الأعمش، وتابعه ابن نمير وهو من الثقات، وكذلك تابعه سليمان بن قرم، فقال ثلاثتهم: ستمائة إلى سبعمائة، وذكر قريباً من روايتهم أبو حمزة السكري، ويحيى بن سعيد الأموي، وأبو بكر بن عياش، فقالوا: خمسمائة. ولا شك أن رواية الجماعة أضبط من الواحد، خاصة إذا علم أن العدد الذي ذكره سفيان قد جاء في غير هذا الحديث. أما ترجيح الحافظ لرواية سفيان لأنه زاد، وزيادة الثقة مقبولة، ففيه نظر، لأنه ليس في رواية الثوري زيادة على رواية الجماعة، بل هي مخالفة؛ إذ أن الزيادة هي أن يذكر ما ذكره غيره ويزيد لا أن يخالفه فيما ذكر. أما ترجيحه إياها بشك أبي معاوية وعدم جزمه بالعدد، فلعله لم يطلع على مَنْ تابع أبا معاوية، فإن كان هناك شك فإنما هو من الأعمش، وتوافقهم بذكر هذا العدد بالشك يدل على ضبطهم. أما تخريج الإمام البخاري لرواية سفيان فإنه أعقبها برواية أبي حمزة مقتصراً على موطن الخلاف، ثم علّق رواية أبي معاوية ليبين

стр. 60

الخلاف على الأعمش في العدد دون ترجيح، إذ مقصوده من الحديث إثبات الكتابة والإحصاء عموماً كما يدل عليه تبويبه، والله تعالى أعلم.

стр. 61

الحديث الثاني (١): ٢ - قال الإمام مسلم (١٢٠٦): حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً أوقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً». التعليق: هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، ورواه أبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم (٢٧٨٠) من طريق وكيع به. وأخرجه أبو عوانة (٣١٠٣) و (٣١٠٤) و (٣١٠٥) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفريابي، والفضيل بن عياض ثلاثتهم عن سفيان به، والقطيعي في جزء الألف دينار (١٢٢) من طريق الفضيل عن سفيان به.

стр. 62

هكذا رواه سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، وفيه قال: «ولا تخمروا رأسه ولا وجهه». وخالفه حماد بن زيد (١)، وسفيان بن عيينة (٢)، وابن جريج (٣)، ويونس بن نافع (٤)، وابن أبي ليلى (٥)، وعمرو بن الحارث (٦)، وحجاج (٧)، والمثنى بن الصباح (٨)، وقيس بن سعد (٩)، وسليم بن حيان (١٠). فرووه عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد، وقالوا فيه: «ولا تخمِّروا رأسه». وكذلك رواه أيوب السختياني (١١)، وأبو بشر جعفر بن وحشية (١٢)، وحبيب بن أبي ثابت (١٣)، وإبراهيم بن أبي حرة (١٤)،

стр. 63

وسالم الأفطس (١)، وعبد الكريم الجزري (٢)، وقتادة (٣)، والحكم بن عتيبة (٤) فرووه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فقالوا: «ولا تخمِّروا رأسه». وقال أبو القاسم عبد الله بن محمد القاضي: قال محمد بن إسماعيل البخاري: الصحيح «ولا تخمِّروا رأسه» (٥). قال الحاكم: ذكر الوجه تصحيف من الرواة لإجماع الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على رواية: «ولا تغطوا رأسه» وهو المحفوظ (٦). وقال البيهقي: ذكر الوجه غريب، وهو وهم من بعض رواته (٧). وقال الحافظ: ولا شك أن رواية ابن عيينة وابن جريج، ومَن تابعهم عن عمرو بن دينار أصح من رواية الثوري عنه، لاختصاص ابن عيينة في عمرو، وهو مقدّم على كل مَنْ خالفه (٨).

стр. 64

وقد رواه الثوري عن عمرو بن دينار، فوافق الجماعة، ورواه عنه هكذا: «ولا تخمِّروا رأسه» محمد بن كثير (١)، ووكيع في رواية محمد بن عبد الله بن نمير (٢) عنه وعبد الله بن الوليد العدني (٣). ولم يختلف على ابن عيينة ولا حماد بن زيد ولا ابن جريج، وقد رواه عنهم جمع، واختلف فيه على الثوري، وقد رواه على لفظ الوهم أربعة من أصحابه مما يدل على أن الوهم منه، والله أعلم.

стр. 65

الحديث الثالث (١): ٣ - قال الإمام أحمد (٤/ ٣١١): حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن سنان عن ضرار بن الأزور: أن النبي ﷺ مرّ به وهو يحلب فقال: «دع داعي اللبن». التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الصحابيين، لذا قال الطبراني في المجمع (٨/ ١٩٦): رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيحين. وأخرجه أحمد أيضاً في (٤/ ٣٣٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٣٩) من طريق مؤمل، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٥٤) من طريق قبيصة بن عقبة، والطبراني في الكبير (٨١٢٧) من طريق محمد بن كثير، والحاكم في المستدرك (٣/ ٦٢٠) من طريق قبيصة بن

стр. 66

عقبة، والضياء في المختارة (٩٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وفي (٩٦) من طريق محمد بن كثير، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٤/ ٣٧٩) من طريق عبد الرحمن كلهم عن سفيان الثوري بهذا الإسناد. هكذا رواه سفيان الثوري فقال: «عن الأعمش عن عبد الله بن سنان عن ضرار بن الأزور». وخالفه عبد الله بن المبارك (١)، ووكيع (٢)، وأبو معاوية محمد بن خازم (٣)، وزهير بن معاوية (٤)، وعبد الله بن داود الخريبي (٥)، وحفص بن غياث (٦)، ويعلى بن عبيد (٧)، ومنصور بن أبي الأسود (٨)، وجرير بن عبد الحميد (٩).

стр. 67

كلهم عن الأعمش عن يعقوب بن بحير عن ضرار بن الأزور. فتحول الإسناد من إسناد صحيح إلى إسناد ضعيف لجهالة يعقوب بن بحير (١). قال الطبراني في عقب الحديث: هكذا رواه سفيان الثوري عن الأعمش عن عبد الله بن سنان، وخالفه أصحاب الأعمش فرووه عن الأعمش عن يعقوب بن بحير. ونقل ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٤/ ٣٨٢) عن علي بن المديني قوله: «حديث ضرار بن الأزور أن النبي ﷺ مرّ به وهو يحلب، فقال: «دع دواعي اللبن» رواه يحيى وأبو معاوية وزهير عن الأعمش عن يعقوب بن بحير عن ضرار بن الأزور. ورواه يحيى بن سعيد عن سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن سنان عن ضرار، وغلط فيه يحيى إنما هو الأعمش عن يعقوب بن بحير، ويعقوب هذا مجهول لم يروِ عنه غير الأعمش» (٢). وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢٢٢٥): وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه الثوري عن الأعمش عن عبد الله بن سنان عن عبد الله بن الأزور، قال: حلب رجل عند النبي ﷺ فقال: «دع دواعي اللبن» (٣).

стр. 68

فقالا: روى هذا الحديث جماعة من الحفاظ عن الأعمش عن يعقوب بن بحير عن ضرار بن الأزور، بدلاً من عبد الله بن سنان، وهو الصحيح. قال أبي: خالف الثوري الخلق في هذا الحديث، وقال غير سفيان: الأعمش عن يعقوب بن بحير، عن ضرار بن الأزور. وخالف هؤلاء يحيى بن معين فصحح رواية سفيان، وذلك فيما رواه ابن عساكر في تاريخه (٢٤/ ٣٨٢) من طريق عباس بن محمد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: حديث الأعمش عن يعقوب بن بحير عن ضرار بن الأزور قال سفيان: عن عبد الله بن سنان، قال يحيى: والقول قول سفيان.

стр. 69

الحديث الرابع (١): ٤ - قال الإمام أحمد (٣/ ٣٨٩): حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن السليك قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة والإمام يخطب فليصلِّ ركعتين خفيفتين». التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير أن أبا سفيان روى له البخاري أربعة أحاديث مقروناً بغيره (٢). ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٢٧٩) عن الحسن بن علي الحلواني وأبو عوانة من طريق الحسن بن أبي الربيع كما في الإتحاف (٦/ ٥). والدارقطني (٢/ ١٤) من طريق محمد بن عبد الملك بن زنجويه

стр. 70

وأحمد بن يوسف السلمي وآخرين كلهم عن عبد الرزاق عن سفيان به. وقد تابع عبد الرزاق كلٌ من: الفريابي، وخالد بن إبراهيم المؤذن، وعبد الملك بن الصباح الصنعاني. فقد رواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٤٦٥) من طريق الفريابي وإبراهيم بن خالد المؤذن، والخطيب في الكفاية في علم الرواية (١/ ٤٠٧) من طريق إبراهيم بن خالد، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٦/ ٤٠٤) من طريق عبد الملك بن الصباح كلهم عن سفيان به. هكذا رواه سفيان فقال: عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن سليك. خالفه عيسى بن يونس (١)، ومعمر (٢)، وحفص بن غياث (٣)، وزائدة (٤)، وشريك (٥)، وداود الطائي (٦)، وأبو معاوية محمد بن خازم (٧)، فرووه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر لم يذكروا سليكاً في الإسناد.

стр. 71

وكذلك رواه عمرو بن دينار (١) وأبو الزبير (٢) عن جابر ﵁، ولم يذكروا سليكاً، لذا قال البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٠٦): قال بعضهم عن جابر عن سليك، قال النبي ﷺ وهو يخطب: «صلِّ ركعتين» ولا يصح عن سليك. قال الحافظ في الفتح (٢/ ٤٠٨): «واختلف فيه على الأعمش اختلافاً آخر رواه الثوري عنه عن أبي سفيان عن جابر عن سليك، فجعل الحديث من مسند سليك، قال ابن عدي: لا أعلم أحداً قاله عن الثوري هكذا غير الفريابي، وإبراهيم بن خالد اه، وقد قاله عنه أيضاً عبد الرزاق أخرجه هكذا في مصنفه، وأحمد عنه، وأبو عوانة والدارقطني من طريقه، ونقل ابن عدي عن النسائي أنه قال: هذا خطأ اه، والذي يظهر لي أنه ما عنى أن جابراً حمل القصة عن سليك، وإنما معناه أن جابراً حدثهم عن قصة سليك، ولهذا نظير … ». قلت: وهذا توجيه جيد منه، ومقتضاه أن سفيان الثوري ليس مراده أن جابراً يروي هذا الحديث عن سليك، إنما يخبر به عن قصة سليك، وقد روى عبد الرزاق في المصنف (٥٥١٤) عن معمر وسفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: جاء رجل يقال له: سليك … الحديث، ولم يذكر سليكاً في الإسناد فوافق الجماعة، ولعله يكون وهماً من عبد الرزاق حصل له بجمع رواية معمر وسفيان، وسيأتي في باب عبد الرزاق، والله أعلم.

стр. 72

علة الوهم: روى الخطيب في الكفاية (١/ ٤٠٧) من طريق أبي بكر الخلال عن سليمان بن الأشعث عن أحمد بن حنبل قال: كان مالك زعموا يرى عن فلان وأن فلاناً سواء، وذكر أحمد مثل حديث جابر أن سليكاً جاء والنبي ﷺ يخطب. فهذا لا يعده بعض أهل العلم وهماً، إنما كما ذكر هنا عن الإمام مالك، وذكره النسائي أن المقصود من الإخبار عن قصة سليك، وقد عقد الخطيب البغدادي في الكفاية (١/ ٤٠٦): باب ذكر الفرق بين قول الراوي عن فلان وأن فلاناً فيما يوجب الاتصال والإرسال ذكر فيها حديث الباب كمثال.

стр. 73

الحديث الخامس (١): ٥ - قال أبو عبد الرحمن النسائي (٨/ ١٣٠): أخبرنا أحمد بن سليمان قال: حدثنا أبو داود عن سفيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن القزع (٢). قال أبو عبد الرحمن: حديث يحيى بن سعيد ومحمد بن بشر أولى بالصواب. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح غير أحمد بن سليمان، روى عنه النسائي فأكثر من الرواية عنه، وقال عنه: ثقة مأمون صاحب حديث. وقال ابن أبي حاتم: صدوق، ثقة، وقال أبو عروبة: كان ثبتاً في الأخذ والأداء.

стр. 74

هكذا قال سفيان: عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. خالفه ابن جريج (١)، ويحيى بن سعيد القطان (٢)، وأبو أسامة حماد بن أسامة (٣)، وعبد الله بن نمير (٤)، ومحمد بن بشر العبدي (٥)، وشجاع بن الوليد (٦)، فقالوا: عن عبيد الله بن عمر عن عمر بن نافع عن أبيه نافع عن ابن عمر، أسقط سفيان عمر بن نافع بين عبيد الله ونافع. وقد تابع رواية الجماعة عن عبيد الله بن عمر كلٌّ من: عثمان بن عثمان الغطفاني (٧)، وروح بن القاسم (٨)، وعبد الرحمن بن محمد بن أبي الرجال (٩)، وزهير بن معاوية (١٠)، فرووه عن عمر بن نافع عن أبيه نافع عن ابن عمر. لذا قال النسائي عقب الحديث: حديث يحيى بن سعيد ومحمد بن بشر أولى بالصواب. قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٦٣٤): وأخرجه النسائي من رواية

стр. 75

سفيان الثوري على الاختلاف عليه في إسقاط عمر بن نافع وإثباته، وقال: إثباته أولى بالصواب … وقد أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه (١) وابن حبان (٢) وغيرهم من طرق متعددة عن عبيد الله بن عمر بإثبات عمر بن نافع، ورواه سفيان بن عيينة، ومعتمر بن سليمان، ومحمد بن عبيد (٣) عن عبيد الله بن عمر بإسقاطه، وكأنهم سلكوا الجادة، لأن عبيد الله بن عمر معروف بالرواية عن نافع مكثر عنه، والعمدة على مَنْ زاد عمر بن نافع بينهما، لأنهم حفّاظ، ولا سيما فيهم مَنْ سمع عن نافع نفسه كابن جريج، والله أعلم.
следующие страницы →