مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي وَأَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيثِ
المُسَمَّاة
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد
إِعدَاد
أَبِي أَنَس إِبْرَاهِيَم بنْ سَعِيْد الصبَيْحي
الْقسم الأول
«تراجم الرِّجَال الَّذين تكلَّم عَلَيْهِم المعلمي
وبذيله الْفَوَائِد الصَّحِيحَة المستخرجة من حَوَاشِي الْكتاب»
دَارُ طَيْبَة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد (١)
стр. 4
(ح) دَار طيبَة للنشر والتوزيع، ١٤٣١ هـ
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
الصبيحي، إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم
موسوعة المعلمي الْيَمَانِيّ وأثره فِي علم الحَدِيث الْمُسَمَّاة (النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد)./ إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم الصبيحي - الرياض، ١٤٣١ هـ
٤ مج.
ردمك: ٠ - ٩٣ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مَجْمُوعَة)
٧ - ٩٤ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ١)
١ - عُلُوم الحَدِيث.
٢ - الحَدِيث - الْجرْح وَالتَّعْدِيل.
٣ - الحَدِيث - علل.
أ - العنوان
ديوى ٢٣٠ - ١٩/ ١٤٣١
رقم الْإِيدَاع: ١٩/ ١٤٣١
ردمك: ٠ - ٩٣ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مَجْمُوعَة)
٧ - ٩٤ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ١)
جَمِيعُ الحُقُوق مَحفُوظَةٌ
الطَّبعَةُ الأولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
دَار طيبَة للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - السويدي
ش. السويدي الْعَام - غرب النفق - ص. ب ٧٦١٢
الرَّمْز البريدي ١١٤٧٢ - هَاتِف ٤٢٥٣٧٣٧ (٦ خطوط) - فاكس ٤٢٥٨٢٧٧
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية للقسم الأول
الحمد لله مُبْدِأُ النِّعم ومُتِمُّها، والمتفضل بالمعونة أولًا وآخرًا، أحمده سبحانه إِذْ ألْهم الفِكْرة، وهيّأ الأسباب، ويسّر السبيل، وأسأله تعالى كما وفّق لختام هذا العمل: أن يختم لي بخاتمة خيرٍ، آمين.
أما بعْدُ فتأتي هذه الطبعة الثانية للقسم الأول من كتاب "النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد" ضمن الطبعة الأولى لبقية أقسام الكتاب -حيث تخرج هذه الموسوعة كاملة لأول مرّة- ويشتمل هذا القسم على: "تراجم الرجال" الذين تكلم عليهم الشيخ المعلمي جرحًا وتعديلًا، مع ما فتح الله به من المتمِّمات والمكمِّلات والتعقُّبات في تعليقاتي على تلك التراجم، مشتملًا ذلك أحيانًا على بعض الأبحاث الخاصّة بالجرح والتعديل، أو نحو ذلك من مُهِمّات هذا الفنّ.
وقد كنتُ ذكرتُ في أُوّلِ الطبعة الأولى من هذا القسم أنني قد قسّمْتُ الكتاب إلى أربعة أقسام: هذا أحدها.
والثاني: في بيان الشيخ المعلمي لمناهج بعض أئمة النقد وغيرهم من المصنفين.
الثالث: في بيان منهج الشيخ المعلمي في نقد الأخبار من خلال انتقاء أحاديث وآثار قد تكلم عليها تصحيحًا وتضعيفًا، لاسيما التي تُظهر براعته وتميُّزه عن كثير من المتأخرين والمعاصرين.
والرابع: في القواعد الاستقرائية التي بنى عليها المعلمي منهجه في النقد.
ثم عنّ لي الاكتفاء من القسم الثالث بسياق عدد من الأخبار انتقيتُها. من تعليقات الشيخ المعلمي على "الفوائد المجموعة" معتمدًا في ذلك على عرْضٍ مميّزٍ يُبرزُ رأيه وطريقته في باب النقد، يُعْرف ذلك بمقارنة تناوله للطرق بتناول غيره، وبالأضداد تُعرف الأشياء.
стр. 6
وقد جعلتُ ذلك مُلحقًا في آخر القسم الأخير -هو القسم الثالث حاليًا- فانتظم الكتاب أخيرًا في ثلاثة أقسام:
الأول: الذي بين أيدينا.
والثاني: مناهج بعض أئمة النقد.
والثّالث: القواعد الاستقرائية المشار إليها آنفًا، ويلتحق به في آخره: المنتقى من الأخبار المذكورة.
وقد طُبع القسمان الأخيران مع هذا القسم ليتمّ الكتابُ، والحمد لله رب العالمين.
وقد زدتُّ في هذه الطبعة من القسم الأول أمورًا:
الأول: بعض التراجم التي فاتتني في الطبعة السابقة، وعددها عشرون ترجمة، أعطيتها رقمًا مسلسلًا خاصًا بها مسبوقًا بالحرف [ز]؛ وذلك حفاظًا على الأرقام الأصلّية لتراجم الطبعة السابقة.
الثاني: استخرجت أهم الفوائد التي وقعت في حاشيتي على كلام المعلمي، فجعلتها بعد انتهاء التراجم، معزوةً إلى أماكنها من الكتاب، وقد يحتاج المقام إلى بعض التصرف والاختصار، فيُرجع للأصل إذا احتيج إلى ذلك.
وكذا صوبتُ ما وقع من أخطاء في الطبعة الأولى.
فالحمد لله على توفيقه وإعانته، وأسأله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل، وأن ينفع به، ويكتب له القبول، إنّه سبحانه عفو كريم.
وكتبه
أبو أنس إبراهيم بن سعيد الصُّبَيْحي
الدوحة - قطر
في السابع عشر من شهر رجب الخير لعام ١٤٣٠ هـ
الموافق للعاشر من شهر يوليو لعام ٢٠٠٩ م
جوال: ٩٧٤٥٧٨٨١٣٧ +
بريد إلكتروني: ebsaeed_sobihe@yahoo.com
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الأولى
ربِّ أعِنْ على ما تُحبُّ وترضى
الحمْدُ للهِ الفتّاحِ المنّانِ، ذِي الطّوْلِ والفضْلِ والإحسانِ، الّذي منّ علينا بالإيمان، وفضّل ديننَا على سائر الأديان، ومحا بحبيبه وخليلهِ ورسوله محمدٍ ﷺ عِبادة الأوثان، وخصّهُ بالمعجزةِ والسُّننِ المُسْتمرة على تعاقُب الأزمانِ.
وبعْدُ، فهذه دُررٌ منتثرة، وغُررٌ منتشرة، وزواهرُ مختلفة، وجواهرُ مؤتلفة، مشتملةٌ على فوائد وافية، ومسائل شافية، ومطالب شريفة، ومباحث نفيسة، حسْبما وقع انتخابي حين المطالعة لمؤلفات وآثار الشّيخ العلّامة المحقق ذهبي العصر: عبد الرّحمن ابن يحيى المعلمي اليماني.
وقد انتظم سلكُ ما انتخبتُه من كلام شيخنا الأقسام الأربعة التالية:
القسم الأوّل: في تراجم الرجال الذين تكلم عليهم الشّيخ المعلمي جرحًا وتعديلا.
القسم الثّاني: في بيان الشّيخ المعلمي لمناهج بعض أئمة النقد وغيرهم من المصنفين في كتبهم ومصنفاتهم.
القسم الثّالث: في بيان منهج الشّيخ المعلمي في نقد الأخبار من خلال انتقاء أحاديث وآثار قد تكلم عليها تصحيحًا وتضعيفًا، لا سيما تلك الّتي تظهر براعته وتميزه عن كثير من المتأخرين والمعاصرين.
القسم الرّابع: في القواعد الاستقرائية الّتي بنى عليها الشّيخ المعلمي منهجه في النقد.
стр. 8
والذي بين يديك أيها القارىء الكريم هو القسم الأول منها.
وقد سميتُ هذا الكتاب بـ "النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد". ويشتمل هذا القسم بعد المقدِّمة على ما يلي:
- منهجي العملي في "النكت الجياد" إجمالًا، و"قسم التراجم" تفصيلًا.
- ترجمة العلامة المعلمي.
- آثار المعلمي ومؤلفاته.
- تمهيد في "تعظيم قدر أئمة النقد" للفقير إلى الله تعالى.
- نص تراجم الرجال.
والله تعالى أسألُ أن يُتِمّ لي هذا العمل على الوجهِ الذي يرضيه، وأن يكتب له القبول لدى أهلِ العلم، إنّه سبحانه خيرُ مأمولٍ، وأكرمُ مسئولٍ، وهو حسبي ونعم الوكيل.
* * *
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الّذي هدى بِطاعتِهِ وألْهم، وعلّم الإنسان ما لم يكنْ يعْلمُ، أسْألُهُ شُكْر ما منّ به وأنْعم، وعُقْبى خيرٍ يُكْمِلُ بها نُعْماهُ ويخْتِمُ، وصلّى الله على محمّد نبِّيه وآله وسلّم.
وبعدُ، فإن الله سبحانه قد اقتضتْ حكمتُه أن يُنْشِأ لكل زمانٍ رجالًا، ينْصِبُون للناس حُججهُ وأعلامه، يُضِىءُ بِهِمْ سُبُلِ السالكين، ويُقِرُّ بهم أعْيُن الحائرين، ويشْحذُ بهم هِمم الطّالبين، ويدْفعُ بهم شُبه البطّالين.
فإذا سرى في الطّلبةِ العجْزُ والكسل، وتقاعس أربابُ الصّدارة عن البحْث والنّظرِ، فماتتِ الفكرةُ، وغابتِ الرحلةُ حينئذٍ يُخرج اللهُ تعالى من أصحابِ العقول الواعية، والأفهامِ النّيِّرة، والملكاتِ الفذّةِ منْ يهبُهُمُ اللهُ تعالى وافِر التحقيق، وبديع التدقيق، فتبعثُ به القضايا المهملة، وتُفتحُ بها الأبوابُ المغلقة، ويُنْفضُ به الترابُ عن مسائل واراها القعودُ والتقليدُ، وأماتها إيثارُ البلادةِ والجمودُ.
وهذا العلم -وهو علم الحديث- لا يحبُّه إِلَّا ذكورُ الرجال، ولا يبغضُه إِلَّا مخُنثوهم -كما قاله الثّوريّ وغيره- فهو من أنْفسِ أنواعِ العلوم وأغْلاها، وأعزِّها منالًا وأعْلاها، لا يتأتّى إِلَّا بطولِ النّفسِ في الطّلبِ، ومداومةِ النّظرِ والفِكْر فيه، والبحث في مسائله، واستقراءِ مناهجِ أهْله الذين هُمْ أعْلمُ به.
ولهذا وغيره لم يبرعْ فيه إِلَّا نفرٌ أفذاذ، هيّأهُمُ الله تعالى له، يبذُلون أنفسهم لخدمته، ويُسخِّرُون جُهْدهُم لحِفْظِه وتنْقِييهِ.
стр. 10
ونحنُ في هذا الكتابِ أمام بقيةٍ من بقايا هذا العلم، وريْحانةٍ من رياحين ذاك المنهج، ونادرةٍ من نوادر النقد والتحقيق.
نحن مع مثالٍ فذٍّ، قد جمع اللهُ تعالى له من أسباب التوفيق، وآلات العلم -مع توفُّر ملكاتِ الإبداع من عقْلٍ مُتّزِنٍ، وفكرٍ ناضجٍ، ونفسٍ زكيةٍ، مع صدقٍ في الطلب، وديمومةٍ في البحث والنظر- وأهّلهُ لأن يحتلّ الصدارة بين أهل عصره.
ذلكم ... هو الشيخُ العلّامةُ ذهبِيُّ العصْرِ: عبد الرّحمن بْن يحيى المعلمي اليماني.
لقد همّنِي غيابُ أثرِ شيخنا -مِنْ زمنٍ بعيدٍ- منذ عرفتُ قدْر هذا العلم ومكانتهُ، وقد طالعت كتابهُ "التنكيل"، فوجدتُّه بحرًا لا تُكدِّرهُ الدِّلاءُ ومثله كتاب "الأنوار الكاشفة"، فعرفتُ منهما أن الله سبحانه قد ادّخرهُ لِكبْتِ أصْحاب الأهواءِ وأتْباعِهم، سواءٌ كانوا من العلماء المبرزين -كالكوثري- أو كانوا من المتعالمين المغرضين -كأبي رية.
ورأيتُ أن الله سبحانه قد دفع به في نحْر من أراد السُّنّة وأهلها وأئمتها وعقيدتهم بسوء، فأزال به الغُصُّة الّتي لم تكن لتزال في حُلُوقِ الغيورين عليها، والمتمسكين بهديها، والمعظمن لشأن أئمتها.
وكما يقالُ: "ورُبّ ضارّةٍ نافِعةٌ" فرأيتُ أن الشّيخ لم يكتفِ بالتنبيه المُجْملِ على ما في تلك الكُتُب من الانحرافِ عن منْهج الصّواب، إنّما كشف عما فيها بِأُطْرُوحاتٍ علميةٍ متزنة، بناها على الاستقراء لما فيها، والتصنيف لما تحويه من الزّلاتِ، وأجاب عن أكثرِ القضايا بنقدٍ تأصِيليٍّ مُتميِّزٍ، رفيعِ الأدبِ، عفيفِ اللسان، أرْسى فيه القواعد، ثمّ أقام الصّرْح والبُنْيان.
ثمّ طالعتُ مِنْ سائر كُتُبه: تعليقهُ على كتاب "الفوائد المجموعة" للإمام الشوكاني، فاستقبلتني مقدمةٌ قليلةُ المبْنى، جلِيلةُ المعنى، شممتُ منها عبُوق مناهج
стр. 11
أئمةِ النّقْدِ، وإذا فيها إلقاءُ الضّوْءِ على سبيل القوم في التعامل مع الأخبار وتعليلها، والدّعْوةُ إلى طول الممارسة لهذا الفن، باستقراء كتب الحديث والرجال والعلل، واستقصاء النظر في ذلك، مع حُسْن الفهم وصلاح النية، وذلك دون الركون إلى ما يُذكر في كتب "مصطلح الحديث" ممّا فيه خلافٌ؛ من القواعد التي لا يُحقّقُ الحقُّ فيها تحقيقًا واضحًا، وإنّما يختلفُ الترجيحُ فيها باختلافِ العوارضِ التي تختلفُ في الجزئياتِ كثيرًا.
وعملُ الشّيخ في هذا الكتاب أقلُّ شهرةً من سابقيه، ولا يكاد يعرفه إِلَّا أفراد، إِلَّا أنني باطلاعي على كتب الشّيخ -تأليفًا وتعليقًا- ألْفيْته مِنْ أنْفسِ آثاره، ومن أحْكم أعماله، فقد علّق فيه على الأحاديث تعليق عارفٍ حصيفٍ، بكلام مُتقنٍ رصين.
ولقد كشف اللهُ تعالى به في هذا الكتاب ما تفشّى من داءِ التساهلِ الّذي أصاب أنظار كثير من المتأخرين في الحكم على الرواة والأخبار، وإن الناظر في كتب المتأخرين ليجِدُ هُوّةً -ولا تزال تزداد- بين أنظارهم وأنظار أئمة النقد في ذلك، فلكثرة ما تعرضوا له من التصنيف، ولاحتياجهم إلى تقويم الرواة وأحاديثهم، فنراهم قد توسّعُوا في الاعتماد على ظواهر الأسانيد، دون التفتيش عن عللها ومظنات الخلل فيها، بل ونلحظ قصورًا في الرجوع إلى كتب المتقدمين المعنيّة ببيان ما أصاب الأخبار من تفردات الرواة وأوهامهم، فكم من حديث صححه المتأخرون أو حسّنُوه، وهو معلّلٌ، ترى إعلاله في كتب العلل، أو التواريخ، أو السؤالات، ونحوها؛ وكم من حديث قد أعلّه غير واحدٍ من النقاد، ثمّ إنك تجده فيما صُنِّف من "الأحاديث الصحيحة" أو هو مصحح في كتب التخريجات ونحوها.
وإن فطِن بعضهم لتعليل أحدٍ من أئمة النقد، فربما ردّه بأنه "لا يدري وجه هذا التعليل"، أو أنه "ليس هكذا يكون التعليل" ونحو ذلك من المضحكات المبكيات، فإنّه إن كان لا يدري وجه تعليل الإمام، فهل عدم فهمه لذلك ينفي عن الحديث
стр. 12
العلّة، أم يوجب عليه التوقف حتّى "يفهم؟ "، وإن تصوّر أن نظره أدق من نظرهم، وأنهم يعلُّون بما لا يوجبُ، فليضعْ قلمه، ولْيُرِحِ النَّاس من سوء فهمه، فإنّه لن يزداد على طول الأيَّام إِلَّا بُعْدًا عن الصواب، والرجوعُ إلى الحق بعد ذلك ليس بالسهل المستطاب.
ولقد ادّخر الله سبحانه الشّيخ المعلمي -من خلال هذا الكتاب- لتنقية السنة من كثير ممّا التصق بها من جرّاء ذلك التساهل المذكور، كان ممّا سجّلهُ الشّيخ في "مقدمة الفوائد" (ص ٤) قوله: "إنني عندما أقرن نظري بنظر المتأخرين، أجدني أرى كثيرًا منهم متساهلين، وقد يدلُّ ذلك على أن عندي تشددًا، قد لا أُوافقُ عليه، غير أني مع هذا كله رأيتُ أن أبدى ما ظهر لي، ناصحًا لمن وقف عليه من أهل العلم، أن يحقق النظر".
لكن لم يزل ما أبداه الشّيخ في هذا الكتاب وغيره غائبًا عن أكثر أوساط البحث في هذا العلم الشريف، ولا يزال كثيرٌ ممّا يُستحدث من الأطروحات العلمية يغيب عنها المنهج الّذي أصّلهُ شيخنا الفاضل تأسيًّا بمناهج الأئمة.
ثمّ طالعت الكتب التي حققها الشّيخ، وكانت له اليد الطولى في ضبط نصها والتعليق على المواضع المشكلة فيها، وأهمُّها: كتابُ "التاريخ الكبير" للبخاري، و"الجرح والتعديل"، و"بيان خطأ البخاريّ في التاريخ" لابن أبي حاتم، و"موضح أوهام الجمع والتفريق" للخطيب، و"الإكمال" لابن ماكولا، و"الأنساب" للسمعاني، فألفيتُه ذا نفسٍ طويل وصبرٍ على التحقيق، وطُولِ باعٍ في البحث والتفتيش، وعلمتُ أن الله سبحانه قد يسّر له باستقرائه تلك الكتب، وباطِّلاعه على كلام الأئمة على الأخبار وجرح الرواة وتعديلهم، ما هيّأ لهُ من أسباب البراعة في فهم طرائقهم، وتطبيق مناهجهم، ما سبق به الأقران، فظهر ذلك جليًّا في تأليفاته وأبحاثه ﵀.
стр. 13
ولا أستوعب هنا الحديث عن مؤلفاته وتحقيقاته، فستأتي الإشارة إلى ذلك في ترجمته، ويُعلم ممّا هناك تكامل ملكات الشّيخ.
فقد كان ﵀: "قارئًا مجودًا" و"حديثيًا نقّادًا" و"فقيهًا حاذقًا" و"أديبًا لغويًا شاعرًا" و"مجيدًا لطرف من اللغات الحيّة"، وغير ذلك من أنواع المعارف والعلّوم.
وأحبُّ أن أُسطِّر هنا أن النظر في ثبْتِ مؤلفات الشّيخ، كما ستأتي، والكتب التي قام بالعناية بها، وتصحيحها، دامعان النظر فيها، على تباين فنونها وتنوع علومها، ليُفسِّرُ لنا أبْعاد تلك الملكاتِ "المتكاملة" التي كان الشّيخ يتمتع بها، فأحسن استعمال "ملكاتهِ" المتنوعة في خدمة العلم في شتى فروعه، فازدادت تلك الملكاتُ عُمْقًا وإثراءً.
ولم يكن الشّيخُ مصححًا تقليديًا، بل كان من البارعين المتقنين، صاحب منهج مُميّزٍ في ضبط المخطوطات وتصحيحها، معتمدًا في ذلك على مناهج أهل النقد والاحتياط والتحقيق، قد حصّل خلال تلك الفترة الطويلة من التصحيح -وهي ما يقرب من خمسة وأربعين عامًا- على خبرةٍ عالية، وحاسّةٍ تلقائية، ولقد احتفظ له العاملون في دائرة المعارف بإمعان النظر فيما يرومون طبعه، بعد النسخ والمقابلة وإثبات فروق النسخ، فتكون له الكلمة الأخيرة في ذلك ويرمز لقوله بالحرف "ح".
وتقديرًا لمكانته وخبرته، ظلت الدائرة متمسكة به بعد انتقاله إلى مكة، فترسل إليه الكتب ويقوم بتصحيحها والتعليق عليها. كما سيأتي بشأن كتاب: "الموضح" و"بيان خطأ البخاريّ" و"الإكمال" و"الأنساب".
ولقد ترجم الشيخ تلك الخبرة الطويلة والبحث الدؤوب، إلى رسالتين بيّن فيهما ما يجب فعله على القائمين على طبع الكتب القديمة سواء كانوا من الناشرين، أو من الناسخين، أو المقابلين، أو المصححين، شارحًا الأعمال التي قبل التصحيح العلّمي،
стр. 14
من اختيار الكتاب، ثم اختيار النسخ العلّمية، وانتخاب الناسخ، وما ينبغي أن يكون عليه، والأمور التي ينبغي أن يلتزم بها حال النسخ، ثم ما يتعلّق بالمقابلة وشروطها، وصفات المقابلين ثم ما يتعلّق بالتصحيح.
ولقد أطال الشيخ في تلك الرسالتين؛ نصيحةً للعلم وأهله، فلا نرى أحدًا يعمل في هذا المجال إِلَّا وهو مفتقر إلى النظر فيهما بعين الاعتبار.
ومما يُقرّبُ لنا المنهج الّذي كان يقوم عليه تصحيحُ الشيخ للكتب، ما رسمه هو للصورة التي ينبغي أن يكون عليها المصححُ، فقد قال الشيخ في تلكما الرسالتين ضمن "المجموع" الّذي اعتنى به ماجد الزيادي (ص ٨٠):
١ - ينبغي أن يكون المصححُ متمكنًا من العربيّة والأدب وعلم رسْم الخط، متمكنًا من فنِّ الكتاب، مشاركًا في سائر الفُنُون، واسع الاطِّلاع على كُتُب الفنِّ، عارفًا بمظانِّ ما يتعلّق به من الكتب الأخرى، كأن يعرف أن من مظان ضبط الأسماء والأنساب "الغريبة": "لسان العرب"، و"القاموس"، وشرحه. وأن من مظانِّ تراجم التابعين: "الإصابة"، فإنها تقسم كلّ باب إلى أربعة أقسام، الأوّل: الصّحابة الثابتة صحبتهم، والثلاثة الأخرى غالبها في التابعين.
٢ - تكون اختلافات النسخ ماثلة أمام المصحح، ثم لا يُغنيه ذلك عن حضور الأصول أمامه ليراجعها عند الحاجة.
٣ - ينبغي أن يحضر عنده ما أمكن إحضاره من كتب الفنِّ، وما يقْرُبُ منها، فإذا كان الكتاب في فنِّ الرجال احتيج إلى حضور كتب الحديث، والتفسير المسند كـ "تفسير ابن جرير" و"السير"، و"التواريخ"، ولا سيما المرتبة على التراجم، و"الأغاني"، و"لسان العرب"، و"شرح القاموس"، ومعاجم الشعراء، والأدباء، والنحاة، والقضاة والأمراء، والأشراف، والبخلاء وغيرهم، ومن كتب الأدب ككتب الجاحظ، وكامل المبرد، ومعارف ابن قتيبة، وعيون الأخبار، وأمالي القالي.
стр. 15
وبالجملة ينبغي أن تكون بحضرته مكتبة واسعة في جميع الفنون، ويكون عارفًا بمواضع الكتب منها، ويرتبها في القرب منه على حسب ما يعرف من مقدار الحاجة إليها، فيكون أقربها إليه ما تكثر الحاجة إليه، ثم ما يلي ذلك على درجاته. اهـ
أنها كيفيةُ التعامل مع المخطوط فللشيخ فيه منهج قد أشار هو إلى شيء منه في تلكما الرسالتين، وتصحيحاتُه للكتب تُنْبِىءُ عن ذاك المنهج، وسأفرد هذا بالذكر إن شاء الله تعالى في قسم "القواعد" عند ذكر "قواعد التعامل مع المخطوطات" والله تعالى ولي التوفيق.
وعلى الرغم من تلك المنزلة الرفيعة، والمكانة البارزة التي كان يتمتع بها الشيخ بين أقرانه ومعاصريه، ومع اعزاف الجميع بفضله وعلمه -كما سيأتي- إِلَّا أن منهجه لا يزال خافيًا على كثير من المشتغلين بهذا العلم، ولقد همّني هذا الأمر من زمنٍ بعيدٍ -كما سبق- ورأيتُ -كغيري من المعتنين بهذا الميدان- ضرورة إحياءِ جهودِ هذا الشيخ، ولفتِ أنظارِ الأمة إلى شيخها وعالمها الرباني؛ فإن من أعظم المصائب التي تبتلى بها الأمم: عدم اعتنائها بأئمتها والبارزين من علمائها، حتّى إذا غفل النَّاس عن هؤلاء، اتخذوا رؤوسًا جهالًا، فضلُّوا وأضلُّوا.
وليس ضرورة الاعتناء بالشيخ من أجل التعريف به كشخص -فحسب- ولكن من أجل أن في التعريف بمنهجه إبرازًا لمنهج الأئمة المتقدمين من جهابذة هذا العلم ونُقّادِهِ، وهم الذين إليهم المرجع في هذا الشأن، فقد توفرت لديهم دواعي البراعة فيه؛ لوجود مادته، ألَّا وهي "الرواية" بكل ما تعنيه هذه الكلمة من أحوال الراوي والمرويّ.
فإليهم المرجع في الحكم على الرواة: إجمالًا وتفصيلًا؛ عدالةً وضبطًا، وسماعًا وانقطاعًا، وتحملًا وأداءً وغير ذلك من أحوالهم.
стр. 16
وكذا في الحكم على الأخبار: قبولًا وردًّا، وتصحيحًا وتضعيفًا، وتعليلًا، وإليهم التسليم في ذلك وغيره ممّا اختصهم الله تعالى به؛ فإن لِكُلِّ عليم "أهل ذِكْرٍ" تقرُّ بهم العيون، ويهتدي بهم الحائرون.
والشيخ المعلمي -مع براعته وأستاذيته- شديدُ التقدير لمكانة الأئمة النقاد، بالغُ التوقير لحقهم علينا في الاتباع، والاعتناء بالنظر في مسالكهم في النقد، والاستقراء لمناهجهم في الحكم على الرواة والأخبار، وسيظهر ذلك جليًّا في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ولقد وصف الشيخ غيرُ واحدٍ من أفاضل العصر بأنه: "ذهبي العصر" تشبيهًا لمكانته بين أقرانه وفي زمانه بالإمام الذهبي في عصره، والذهبي من أهل الاستقراء التام للرجال، كما قاله الحافظ ابن حجر.
وكذا وُصف الشّيخُ بأنه -إلى الآن- آخر من تدور عليهم التحقيقات والتقييدات، وذلك بعد الإمام السخاوي ﵀.
ولا شك أن تلك -وغيرها- شهاداتٌ غاليةٌ، تُنبىءُ عما يتمتع به الشيخ لدى عارفيه من القدر الرفيع، والثناء الحسن.
وحُقّ لمن هذا شأنُه أن تتوجه إليه أنظارُ الراغبين في سلوك "قصد السبيل" فإن منها جائر، والله وليُّ التوفيق، ومنه يُستمد العون، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وما كنْتُ أهْلًا لِلّذِي قدْ كتبْتُهُ ... وإِنِّي لفِي خوْفٍ مِن اللهِ نادمُ
ولكِنِّي أرْجُو مِن اللهِ عفْوهُ ... وإِنِّي لِأهْلِ الْعِلمِ لا شكّ خادمُ
* * *
стр. 17
منهج العمل في الكتاب
منهج العمل في "النكت الجياد" إجمالًا، وفي "قسم التراجم" تفصيلًا:
لقد بدأت العمل في هذه "الموسوعة" العلمية عن الشيخ المعلمي منذ أكثر من عشر سنوات، حيث قمت أوَّلًا باستقراء كتاب "التنكيل" أكثر من مرّة، واستخرجت ما فيه مما قسمته على تلك الأقسام الأربعة السابقة.
ثم طالعت سائر كتب الشيخ -تأليفًا وتحقيقًا- وصنعت معها مثلما صنعت في "التنكيل" من الاستخراج والانتخاب والتصنيف والتقسيم، مع ضم كُلِّ نظير إلى نظيره.
أما فيما يتعلق بقسم التراجم -وهو هذا القسم- فتلك هى الخطوط العريضة لطريقة العمل فيه:
أوَّلًا: رتبت الزاجم على حروف المعجم بالطريقة المعتادة.
ثانيًا: لم أكتف بورود الاسم في كلام الشيخ المعلمي مختصرًا، ولكني أتممته من مظانه وبنيت الترتيب على الاسم التام.
ثالثًا: صدّرْتُ الترجمة بالمصدر المنقولة منه بين علامتين هكذا " " ثم رقم الصفحة، ورقم الجزء إن وُجد. وربما أقدم بين يديِّ النقل بكلام ينبني عليه ذاك النقل، لكي تتضح مناسبة النقل بما قبله فقط، لأنني قد التزمت ألَّا أخلط كلام الشيخ المعلمي بكلامي، وإنما عملي كله في التعليقات، إِلَّا مواضع نادرة يدلُّ السياق عليها، وقد أصرح فأقول: قال أبو أنس.
وإن كان ما بعد المصدر مباشرة كلام الشيخ المعلمي -وهو الغالب- بدأت النقل وختمته بهاتين العلّامتين أيضًا " ".
стр. 18
وإن كان ما بعد المصدر تقديمٌ مني لمناسبة النقل لم أضع علامةً حينيذٍ، ثم أردفت ذلك بالنقل عن المعلمي.
رابعًا: لم أُثْبِت تراجم "التنكيل" التي ليس فيها ما يتعلّق بجرح المترجمين وتعديلهم عند المعتبرين من أهل العلم، وإنَّما جرّ الشيخ المعلمي إلى التّرجمة لهم: دفعُ ما رماهم به الكوثري زورًا وبهتانًا، وأمّا في حقيقة الأمر فلا يتعلّق بهم شيء من ذلك، ولكن الشيخ ﵀ بطول نفسٍ وصبرٍ على البحث قد أطال في تأصيل الردِّ على تلك الافتراءات، فامتلأت تراجم هؤلاء في "التنكيل" بأصناف من القواعد والفوائد. وقد اكتفيت بالإشارة إلى اسم المترجم في موضعه، ثم أشرت إلى مواضع الفوائد المتعلّقة بترجمته في قسم القواعد.
وأمثال هؤلاء: الإمام أحمد بن حنبل، والشافعي، ومالك بن أنس، وعلي بن المديني، والبخاري، وعبد الله بن أحمد، وابن أبي داود، والخطيب، وغيرهم من الأئمة.
خامسًا: لم أقصد استيعاب التعليق على التراجم، وإنَّما ذلك بحسب ما يقتضيه المقام في كلّ ترجمة، فمنها ما لا تعليق فيها البتة، ومنها ما أعلق عليها بكلام مختصر، ومنها ما جرّني التعليق على بعضها إلى أبحاث تطول وتقصر بحسب المقام والنشاط (١).
سادسًا: سعيتُ إلى استكمال ما دعى إليه الشّيخُ من النظر فيما لم يكن في متناول يديه من الكتب، فاستقصيت النظر في: تواريخ ابن معين، وسؤالات أحمد، والعلل
стр. 19
ومعرفة الرجال لابنه عبد الله وتاريخ الفسوي، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي، وسؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي، وتاريخ دمشق، وكتب الضعفاء: ككتاب العقيلي، وابن حبان، وابن عدي، وتاريخ الإسلام للذهبي، وسير النبلاء له، وبعض الكتب المخطوطة الأخرى مثل إكمال مغلطاي، ولسان الميزان وغيرها؛ مما لم يكن في متناول يد الشيخ، وكان لغيابه عنه أثر ظاهر في بعض التراجم، مما تراه في التعليق عليها.
من أمثلة ذلك، قال الشيخ في: "محمّد بن زرعة الرعيني" -وهو من شيوخ أبي زرعة الدمشقي-: "لم أجد له ترجمة، والمجهول لا تقوم به حجة". كذا قال ﵀، والرعيني هذا مترجم في "ثقات العجلي" و"تاريخ ابن عساكر"، وهو ثقة حافظ، كما قاله أبو زرعة.
وبنى الشيخ فهمه لبعض ما جاء في مثل "تهذيب التهذيب" على سبيل الاختصار، والنص الوارد بتمامه في أصله "تهذيب الكمال" وغيره خلاف ما يوهمه سياق "تهذيب" ابن حجر، انظر ترجمة: هشام بن عمار والتعليق عليها.
وأكثر ما يمكن التعقب به على الشيخ إنما هو بسبب غياب بعض المصادر والأصول، وأعتماده على أمثال: "لسان الميزان" و"تهذيب التهذيب" و"تعجيل المنفعة" و"ثقات ابن حبّان" وفيها من الأخطاء المطبعية، والاختصار في أكثرها عن الأصل -لا سيما "التهذيب"- ما سبّب إعوازًا في بعض المواضع.
ولا شك أن في الاعتماد على الوسائط آفات يعرفها الممارس، لكن لا ذنب للشيخ فيها؛ لغياب الأصول عنه.
وقلّما رأيتُ اجتهاد الشيخ قد تغيّر في الحكم على الرواة، إِلَّا في مواضع اختلف فيها قولُه، لا سيما بين كتابي: "التنكيل" و"الفوائد المجموعة".
стр. 20
وفي تلك المواضع كلها يكون اجتهاده في "الفوائد" أقرب إلى الصواب -في نظري- وإنّما جرى في "التنكيل" أحيانًا مجرى التسمُّح والاعتذار عن الرَّجل، ورُبّما ساعد على ذلك كلامُه هناك بنفسيةٍ "دفاعيةٍ" بخلاف تعامله في "الفوائد" مع ما للرجل من أحاديث واهية أو باطلة.
انظر على سبيل المثال تراجم: حفص بن سليمان الأسدي، وعبد الله بن زياد ابن سمعان، وأحمد بن محمّد بن يوسف بن دوست العلاف، وخالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، ونعيم بن حماد، ومحمد بن جابر اليمامي، وغيرهم، مع تعليقي عليها.
وبعْدُ، فإني وإِنْ كنتُ قد تجشّمْتُ ما لستُ له بأهلٍ، فإني أرجو الله سبحانه أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجه، وأن ينفعني به، وينفع به كلّ مريدٍ لسُلوك سبيلِ الحقِّ، وأن أكون قد قمتُ ببعض الواجبِ في حقّ هذا العالم الرّبّانِي، عملًا بوصيته بالنظر فيما أبداه في الحكم على الرواة والأخبار، فرأيت أن أجمع في ذلك مجموعًا حاولت فيه استيفاء ما خلّفهُ الشيخ وراءه من هذا الميراث العظيم، ليكون مجموعًا للناظرين، ولمن أراد أن يُحقِّق النظر من أهل العلم، وقد نظرتُ بما فتح الله به، ولعلّ من يطلع على ما جمعناه، ممّن يؤيده الله بفكرٍ صحيح وعلمٍ مبينٍ، يغوص من مسائله على أكثر مما كتب الشيخ، ومما علّقْتُ بن فليس على مستنبطِ الفنِّ إحصاءُ مسائله، وإنما عليه تعيينُ موْضعِ العلّمِ وتنويعُ فُصُولهِ، وما يُتكّلمُ فيمع والمتأخِّرُ يُلِحْقُ المسائل من بعده شيئًا فشيئًا إلى أن يكمل، والله تعالى الموفق.
وختامًا، فمنْ عثر في هذا الكتاب على وهمٍ أو تحريفٍ أو خطأٍ أو تصحيفٍ، فليصلحْ ما عثر عليه من ذلك، وليسلكْ سبيل العلماء في قبُولِ العُذْرِ هُنالك. وليتفضل بإبلاغي به، وله المنة بذلك.
وعلى الله توكلي وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 21
ترجمة العلّامة المعلمي ﵀
اعتمد المعتنون بالنظر في سيرة شيخنا ﵀ على ترجمة مختصرة بقلم تلميذه: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي، والتي نشرت في مجلة "الحج" الصادرة بمكة، بالجزء العاشر، في (١٦) ربيع الثّاني سنة (١٣٨٦ هـ)، صحيفتين: (٦١٧ و ٦١٨)، والعدد (١١) جمادى الأولى من السنة ذاتها. هكذا جاء في التعليق على صدْر تلك الترجمة في "التنكيل" وقد توفي الشيخ ﵀ في صفر سنة (١٣٨٦ هـ)، فقد نشرت تلك الترجمة إذًا بعد وفاته بنحو شهرين.
لكن هذه الترجمة موجزة جدًّا، لا تروي الظمأ، ولا تغيث الملهوف، ولا تتناسب مع مكانة شيخنا رحمه الله تعالى.
ولا يزال أهل العلم يتطلعون إلى التعرف على المزيد من سيرة شيخنا وحياته وآثاره.
ولقد وفق الله تعالى بعض المعتنين بالشيخ إلى التفتيش عما خلّفهُ من الأبحاث والتحقيقات والتقييدات، مما كان حبيس الأدراج أو مختفيًا يعلوه التراب.
فبعد أن نفدت طبعات بعض الكتب التي ألفها أو ضبطها وعلّق عليها منذ زمن بعيد، ونُسيت أو كادت، بدأت تظهر بعض الرسائل للشيخ، باعتناء بعض طلبة العلم.
وأخص بالذكر هنا المعتني بكتاب "عمارة القبور" للشيخ، فإنه قد وُفق للعثور على أوراق بخط المعلمي يترجم فيها لنفسه، فجاءت ماءً باردًا على شدةِ ظمأٍ في يومٍ بالغِ الحرِّ.
стр. 22
وقد أشار صاحب العناية بالكتاب المذكور -وهو ماجد بن عبد العزيز الزيادي- إلى تأليف رسالة سماها: "القول الجلي في حياة العلامة عبد الرحمن المعلمي" قد أودع فيها تفصيل ما عثر عليه من مخطوطات للشيخ، وقد ذكر طرفًا منها في مقدمة الكتاب المذكور.
وقد اعتمدتُّ في ترجمتي للشيخ هنا على ما يأتي:
١ - ترجمة تلميذه: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي، المثبتة في مقدمة "التنكيل".
٢ - ترجمة ماجد الزيادي له في مقدمة "عمارة القبور".
٣ - ترجمة منصور بن عبد العزيز السماري له في رسالته الجامعية "الشيخ عبد الرحمن المعلمي وجهوده في السنة ورجالها" طبع دار ابن عفان.
٤ - استقرائي لكتبه واستنباط بعض جوانب من شخصيته رحمه الله تعالى.
وقد استفاد الزيادي وغيره من بعض الكتب التي تناولت تاريخ اليمن، مشتملة على عصر المعلمي، مِمّا له فيها ذِكْرٌ، وكذا بعض المقالات المتعلقة به في مجلات عربية، وبعض معاجم المدن والقبائل اليمنية، وغيرها من كتابات لم أقف عليها، فاعتمدت على ما نقلوا من ذلك، مع عزوها إلى ناقليها منهم.
وهذا أوان الشروع في ترجمة الشيخ، وبالله تعالى التوفيق، ومنه أستمد العون.
стр. 23
١ - اسمه ونسبه:
هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن حسن المعلمي العُتمي اليماني.
أما نسبة "المعلمي" فبفتح العين، وتشديد اللّام المكسورة، وكسر الميم، آخره ياء النسب.
وهى نسبة إلى أحد أجداده، ففي كتاب "الأنساب" للسمعاني في نسبة "البجلي" علّق الشيخ المعلمي بقوله (٢/ ٨٧): "بجيلة عك، بطن من بني عبس بن سمارة بن غالب بن عبد الله بن عك، منهم كما في "طرفة الأصحاب" (ص ٦٥): محمد بن حسين البجلي الصالح، وهو مشهور جدًّا في اليمن، يقال للمنتسبين إليه: بنو البجلي. وله أخٌ اسمه: علي.
وكان أبوهما: حسين يعرف بالمُعلِّم؛ لكثرة تعليمه النَّاس، وإلى عليِّ بن حسين هذا ينتسب جدُّنا محمد بن الحسن المعلمي، الذي ينتسب إليه عشيرتنا "بنو المعلمي". اهـ.
وأمّا "العُتمي" ففى معجم البلدان (٤/ ٨٢): "عُتُمة" مضموم، حصن في جبال وصاب من أعمال زبيد -يعني باليمن.
٢ - مولده:
ولد ﵀ في أواخر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف، بقرية المحاقِرة "بفتح الميم وكسر القاف" من عُزلة الطُّفن "بضم الطاء وفتح الفاء، وبالنون، على وزن: عُمر" من مخلاف (١) رازح، من ناحية عتمة، من قضاء أنس، التابع لولاية صنعا في اليمن.
стр. 24
٣ - نشأته:
قال الشيخ عن نفسه:
"رُبِّيتُ في كفالة والديّ، وكانا من خيار تلك البيئة، وهى بيئة يغلب عليها التدين والصلاح" (١).
٤ - حفظه للقرآن:
قال: "ثم قرأت القرآن على رجلٍ من عشيرتنا، وعلى والدِي، وكانت طريقة القراءة في تحفيظ القرآن في اللوح حفظًا مؤقتًا، أَي: أن يحفظ الدرس في اليوم الأوّل، ثم يعيد حفظه في اليوم الثاني، ثم لا يسأل عنه بعد ذلك، إِلَّا [أنه يُلزم] بتلاوة القرآن في المصحف كل يوم صباحًا ومساءً لكل أحدٍ، حتى بعد الكبر.
وعلى كل حالٍ فإن قراءتي كانت متقنةً من جهة القراءة والكتابة.
وقبل أن أختم القرآن ذهبتُ مع أبي إلى بيت "الريمي" حيث كان أبي يمكث هناك يُعلِّم أولادهم، ويصلّي بهم".
٥ - تعلُّمُهُ التجويد والحساب واللُّغة التركية:
قال: "ثم سافرت إلى "الحجرية" حيث كان أخي الأكبر: محمد بن يحيى ﵀ كان كاتبًا في المحكمة الشرعية، وهناك شركت في مكتب للحكومة، كان يُعلّم فيه القرآن والتجويد والحساب واللُّغة التركية، فمكثت هناك مدّة، ومرضت في أثنائها مرضًا شديدًا ... [ثم] رزقني الله العافية".
стр. 25
٦ - تعلُّمُهُ النحو والعربية:
قال: "ثم جاء والدي ﵀ لزيارتنا، ومكث هناك مدّة، سألني عمّا أقرأ في المكتب، فأخبرته، ثم قال لي: فالنحو؟ فأخبرته أنه لا يُدرس في المكتب، فقال: أدرسه على أخيك، ثم كلّم أخي أن يُقرر لي درسًا في النحو، فكان يُقْرِئني في "الأجرومية" مع "شرح الكفراوي".
استمر ذلك نحو أسبوعين، ثم سافرت مع والدي ولا أدري ما الذي استفدته تلك الأيَّام من النحو، غير أن رغبتي اتجهت إليه، فاشتريت في الطريق بعض كتب النحو.
ولمّا وردتُّ بيت "الريمي" وجدتُ أحمد بن مصلح الريمي ﵀ ... وقد كان تعاطى طلب النحو، وكانت معه كراسة فيها قواعد وشواهد وإعرابات، فاصطحبنا، وكنا عامّة أوقاتنا نتذاكر، ونحاول إعراب آيات، أو أبيات، وكنا نستعين بتفسيريِّ "الخازن" و"النسفي" وأخذتْ معرفتى تتقوّى، حتى طالعت "مغني ابن هشام" نحو سنة وحاولت تلخيص قواعده المهمة في دفتر، وحصلتْ لي بحمد الله تعالى ملكةٌ لا بأس بها، في حالِ أن زميلي لم يحصل على كبير شيءٍ، وكان مني بمنزلة الآلة" (١).
٧ - تعلُّمُهُ الفِقْه:
قال: "ثم ذهبتُ إلى بلدنا "الطُّفن" ورأى والدي أن أبقى هناك مُدّةً لأقرأ على الفقيه العلّامة الجليل: أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي، وكان متبحرًا في العلم، مكث بزبيد مدّة طويلة، ثم عاد بعلمه إلى جهتنا، ولم يستفيدوا من علمه إلّا قليلًا".
стр. 26
قصة عجيبة مع شيخه تدل على نبوغه المبكر وإجادته للنحو أيضًا:
قال: "فأخذت من كتب والدي كتاب "منهاج النووي" مخطوطًا، وذهبت إلى الشيخ، وكان يختلف إليه جماعة من أبناء عشيرتنا يقرؤون عليه، فبعد أن سلمت عليه، وأخبرته خبري، قال: في أىِّ كتاب تريد أن تقرأ؟ فقلت: في "منهاج النووي" فوجم، ثم لما جاء دوري، أمرني أن أقرأ، فشرعت أقرأ خطبة "المنهاج" وهو يستمع لي، فبعد أن قرأتُ أسطرًا تناول مِنِّي الكتاب ونظر فيه، ثم قال لي: هل صححت هذا الدرس على أحدٍ؟.
قلت: لا.
قال: فهل قرأت في النحو؟
قلت: قليلًا.
قال: لا، ليس بقليل.
ثم قال: أخبرتني أولًا أنك تريد القراءة في "المنهاج" فلم يعجبني ذلك؛ لأني أرى أنّ على طالب العلم الذي يريد أن يقرأ في "المنهاج" أن يبدأ قبل ذلك بدراسة النحو، حتى يتمكن من الفهم، لكن كرهت أن أكسر خاطرك، فرأيت أن آذن لك في القراءة، وطبعًا تخطىء في الإعراب، فأردّ عليك، فتكثر ذلك، فتنتبه نفسك إلى احتياجك إلى دراسة النحو أولًا.
ولكن لما قرأت لم تخطىء، فظننتُ أن الكتاب مضبوطٌ بالحركات. فلما رأيته غير مضبوط، قلتُ: لعلّك قد صححت ذاك الدرس على بعض العلماء، فلما نفيت ذلك، علمتُ أنك قد درست النحو.
стр. 27
فأخبرته بالواقع، وإني في الحقيقة لم أدرسه دراسة مرتبة، فقال: على كل حالٍ معرفتك بالنحو جيدة، فاقرأ في "المنهاج" وتحضر عندما يتيسّر لك مع هؤلاء في درسهم في النحو" (١).
٨ - تعلُّمُهُ الفرائض:
قال: "ثم درست عليه شيئًا في الفرائض، فتيسّرت إليّ جدًّا؛ لمعرفتي السابقة بمباديء الحساب.
ولم تطل قراءتي على شيخنا المذكور، بل رجعت إلى بيت "الريمي" وانكببت على كتاب "الفوائد الشنشورية" في الفرائض، أحلُّ مسائله، وأفرض مسائل أخرى وأحاول حلّها، ثم امتحانها وتطبيقها".
٩ - تعلُّمُهُ الأدب والشعر:
قال: "وكانت في كتب والدي كتاب "مقامات الحريري" وبعض كتب الأدب، فأُولعت بها، ثم حاولت قرْض الشِّعْر (٢)، ثم جاء أخي من مقرِّه بالحجرية، وأُعجب بما شدوته: النحو والفرائض، ثم رجع إلى الحجرية وتركني".
стр. 28
وفي مقال بعنوان "المعلمي والسنوسي في مجلس الإدريسي" تحقيق عبد الله أبو داهش، المنشور في مجلة عالم الكتب (١٢/ ٢) شوال عام (١٤١١ هـ) (ص ٢٠٢) أنشد الشيخ المعلمي مخاطبًا لمن كان يناظره:
ما كان ما كان عنْ حُبٍّ لمحمدةٍ ... ولم نُرِدْ سمعةً بالبحْثِ والجدلِ
لكِنّما الحقُّ أوْلى أن نُعظِّمهُ ... مِن الخِداع بقْولٍ غْير مُعْتدِلِ
ولا أحبُّ لكم إلَّا الصواب كما ... أُحِبُّهُ وهو من خير المقاصد لي
فظُنّ خيرًا كظنِّي فيك مُحْتمِلًا ... ما كان أثْناء نصْرِ الحقِّ مِنْ خطلِ
فإنّما غضيِى للحقِّ حيثُ أرى ... إعراضكم عنْهُ تعْليلًا بِلا عِللِ
وقدْ علِمْتُم صواب في مُحاورتي ... والحمدُ للهِ ربِّ السّهْلِ والجبلِ (١)
١٠ - رجوعه إلى عُتمة:
قال الشيخ ﵀: "ثم كتب -يعني أخاه- يستقدمني، فقدمت عليه، وبقيتُ هناك مُدّة لا أستفيد فيها إِلَّا حضوري معه بعض مجالس نتذاكر فيها الفقه، ثم رجعت إلى "عتمة"، وكان القضاء وقتها قد صار إلى الزيدية، وعُيِّن الشيخ: علي بن مصلح الريمي كاتبًا للقاضي، فلزمتُ القاضي، وكان هو السيد: علي بن يحيى المتوكل رجلًا عالمًا فاضلًا معمرًا [في مقدمة عمارة القبور: فاضلٌ معمرٌ، وهو خلاف الجادة]، آسف لتقصيري إِذْ لم أقرأ عليه شيئًا، ولا طلبت منه إجازة.
ثم عُزل، وولي لقضاء بعده السيد: محمد بن عليّ الرازي، وكتبت عنده مُدّةً، وكان رجلًا شهمًا كريمًا على قلة علمه".
стр. 29
١١ - انتقاله إلى "عسير" فرارًا من بطش الرافضة:
لما استحكمت قبضة الرافضة على اليمن، خرج الشيخ منها، وذلك سنة (١٣٣٦ هـ) متوجهًا إلى "عسير" وهي مدينة بين الحجاز واليمن، وقد عبّر الشيخ عما كان يلقاه أهل السنة على يديِّ هؤلاء الروافض، فقال في قصيدته:
هُم أخذوا الأحرار منّا رهائنًا ... وهُم أخذوا الأموال قهرًا بلا عقد
هُم ظلمونا واستباحوا محارمًا ... وأصبح منا اللَّيث يخضع للقردِ
فهم عاملونا بالقساوة غلظة .... وهم كفّرُونا إن وقفنا على الرشدِ
١٢ - رئاسة المعلمي لقضاء "عسير" وتلقيبه بـ "شيخ الإسلام ":
مكث الشيخ ﵀ في "عسير" دارسًا ومدرسًا ومحاسبًا في الجمارك، ثم قاضيًا فرئيسًا للقضاء.
وقد كان أمير "عسير" حينئذٍ: محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إدريس المعروف بـ: الإدريسي (١)، المولود: (١٢٩٣ هـ)، والمتوفي: (١٣٤١ هـ).
لقّب الإدريسيُّ شيخنا بـ: شيخ الإسلام؛ لما رآه من ورعه وزهده وعلمه وثقته وأمانته، وصار يعتمد عليه في تدريس الطلبة، والجواب عن بعض المهمات، وحلِّ بعض المسائل القضائية المشكلة، وكتمان بعض الكتابات السرية، وجعله: "نائب
стр. 30
الشرع الشريف" فصار المعلمي ينوب عنه -حال مرض الإدريسي- في تولِّي أكثر المخاطبة مع من يأتيه من المندوبين، وفي قراءة الكتب التى ترِدُ وعرض مضمونها عليه وهكذا صار لديه: العالم الثقة الأمين
وقد كان الشيخ في أثناء تلك المدّة يكثر الطلب من الإدريسي أن يُعْفِيهُ من مهام القضاء وغيره؛ كي يتفرغ لخدمة العلم فقط، فكان الإدريسي يعِدُهُ بإحضار مساعدين له في تلك المهام حتى يتسنى له ما يريد، لكن قضى الله وفاة الإدريسي قبل أن يفي بوعده.
ثم رأى المعلمي بعد وفاة الإدريسي أن تفرغه للعلم واجب؛ لأمور ذكرها، منها قوله: "من المعلوم أن الدّعوة مبنيّةٌ على علم وعملٍ، فكيف نقوم لإحياء العمل وترك العلم، والقيام بخدمة العلم هو أعظم خدمة للدعوة بل هو الشطر المهم فيها".
١٣ - وفاة الأدريسي وانتقال المعلمي إلى عدن:
توفي الإدريسي سنة (١٣٤١ هـ)، وتولّى بعده ابنُه: علي، وكان دونه كفاءة، فكثرت الاضطرابات الداخليف فتوجّه الشّيخُ إلى عدن -وهي مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند- فمكث فيها سنةً، مشتغلًا بالتدريس والوعظ ثم ارتحل إلى "زنجبار" -وهي على ساحل بحر الهند شرق عدن.
١٤ - انتقاله إلى الهند والتحاقه بدائرة المعارف العثمانية:
ثم قرر الشيخ الارتحال إلى الهند، وعُيِّن في دائرة المعارف العثمانية -بحيدرآباد الدكن- مصححًا لكتب الحديث وعلومه وغير ذلك من كتب الأدب والتاريخ، فبقي فيها مُدّة طويلة نحو ثلاثين سنة.
وقد صحح في تلك المُدّة جملةً من الكتب الأمهات في الحديث والرجال وغيرها سيأتي بيانها عند ذكر آثار الشيخ إن شاء الله تعالى.
стр. 31
١٥ - انتقاله إلى مكة وتعيينه أمينًا لمكتبة الحرم المكي:
بعد استيلاء الهندوس على الهند، ساءت الأوضاع هناك، فقرّر الشيخ الارتحال إلى مكة وكان ذلك في شهر ذي القعدة سنة (١٣٧١ هـ)، ثم عُّين أمينًا لمكتبة الحرم المكي في شهر ربيع الأوّل سنة (١٣٧٢ هـ) -وكان له من العمر ستون عامًا- فبقى فيها أربعة عشر عامًا يعمل في خدمة رُوَّاد المكتبة من طلاب العلم، بالإضافة إلى استمراره في تصحيح الكتب وتحقيقها لتطبع في دائرة المعارف العثمانية حتى وافاه الأجل سنة (١٣٨٦ هـ) عن أربع وسبعين عامًا رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.
١٦ - عقيدته:
شيخنا ﵀ سلفي العقيدة، بل هو من الراسخين فيها، العالمين بمبادئها وقواعدها، الداعين إلى اتباعها، الذّابِّين عن حياضها، الكاشفن لِشُبهِ من خالفها، بنظرٍ ثاقبٍ، وعِلْمٍ راسخٍ، وأدبٍ جمّ.
وقد هجر الشيخ بلده اليمن لما بطش الرافضة به وبإخوانه من أهل السنة، وانتقل إلى عسير، فرارًا بدينه من الفتن، وحفاظًا على عقيدته من الزلل.
وصنع مثل ذلك لما استولى الهندوس الملحدون على الهند، فزكها وارتحل إلى مكة المكرمة لنفس الغرض.
وقد كان للشيخ يدٌ طولى في تبسيط وتقرير أصول تلك العقيدة الغرّاء، سالكًا سبيل الوضوح والتسهيل، مبتعدًا ومحذرًا من التكلف والتهويل.
وله في ذلك رسالة "دين العجائز أو يُسْر العقيدة الإسلامية" وله "حقيقة التأويل" وغيرها.
كما أن له مؤلفات في كشف بعض ضلالات الصوفية، والردِّ على من يقول منهم بالحلول والاتحاد.
стр. 32
ولقد أفرد الشيخ في كتابه البديع: "التنكيل" قسمًا للردِّ على الكوثري في عيبه للعقيدة السّلفية، وسماه "القائد إلى تصحيح العقائد" قال في أوّلِه:
"الحمد لله الذي لا أعلم به من نفسه، ولا أصدق نبًا عنه من وحيه، ولا آمن على دينه من رسله، ولا أوْلى بالحق ممن اعتصم بشريعته ورضى بحكمه ..
أما بعد، فإن صاحب كتاب "تأنيب الخطيب" -يعني الكوثري- تعرّض كتابُه للطعن في عقيدة أهل الحديث ونبزهم بالمجسمة، والمشبهة، والحشوية، ورماهم بالجهل والبدعة، والزيغ والضلالة، وخاض في بعض المسائل الاعتقادية، كمسألة الكلام والإرجاء، فتجشمتُ أن أتعقبه في هذا كما تعقبته في غيره، راجيًا من الله ﵎ أن يثبت قلبي على دينه، ويهدينى لما اختلف فيه من الحق بإذنه، ويتغمدني بعفوه ورحمته، إنّه لا حول ولا قوة إِلَّا بالله". اهـ
وقد أُفرد هذا القسمُ بالطبع أيضًا، وذلك لعظيم خطره، فقد أبدع الشيخ فيه وأجاد، في بيان أصول هذه العقيدة، ومآخذها، وما يضادها من مآخذ أهل البدع والأهواء، فجاء كتابًا جامعًا نافعًا في بابه، فلله درُّ الشيخ، ما أبدعه من كتاب.
وفيما عثر عليه ماجد الزيادي بخط الشيخ: وصية كتبها الشيخ حين كان مقيمًا في "عسير" زمن إمرة الإدريسي، أبان فيها عن عقيدته، فقال:
"هذا ما يوضي به العبد المذنب العاصي الخاطىء والمسرف على نفسه: عبد الرحمن ابن يحيى بن علي بن محمد بن أيى بكر بن محمد بن حسن المعلمي العتمي، الذي كان يأمر بالمعروف ويجتنبه، وينهى عن المنكر ويرتكبه، مخلًا بالفرائض، مقلًا من المندوبات، معاودًا لكثير من الكبائر الموبقات، مُصِرًّا على كثير من الصغائر المكروهات، ليس له عمل يرجو نفعه، إِلَّا عفو ربه .
стр. 33
يقول: أشهد أن لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا، وربًا شاهدًا، وملِكا متعاليًا، منزهًا عن كل نقص، جامعًا لكل كمال.
أشهد أنه فوق ألسنة الواصفين، ومدارك المنكرين، لا يعْلمُ شيئًا من شؤونه على الحقيقة إِلَّا هو.
وأشهد أنه أرسل رسلًا إلى خلقه لإبلاغ الحجة، وإيضاح المحجة، فبلّغوا رسالته كما أمر، وكان خاتمهم خيرهم سيدنا وشفيعنا إلى ربنا: رسول الله وحبيبه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ﷺ وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الهداة المهديين.
وبعْدُ، فعقيدتي التى ألقى الله تعالى بها، وأقف بها بين يديه، مصممًا على أنها الحق الحقيق، هي:
أن الله مستحقٌ لكل كمال، منزهٌ عن كل نقص، في التفصيل والإجمال، أؤمن بكل ما سمّى به نفسه، أو سماه به نبيه، وأقر كل ذلك على ما ورد، معتقد أنه كذلك بحسب ما أراده.
ولا أتصرف في شيء من أسمائه المتشابهة لجهلي عن الأسرار، فربما يكون لذلك المقام خواص لا يصح إطلاق ذلك إِلَّا معها.
وأن كلمته العليا، وأن حجته البالغة، وأن عباده محجوجون له، مستحقون الجزاء على ذنوبهم، وأنه سبحانه لا يظلم أحدًا.
وأعتقد أن كل مسلم، اعتقد في الله ، وعقيدته أدّاه إليها اجتهاده، وظن أنها الحق، وقصد بها الحق، ولم تكن كفرًا، فهو من رحمة الله قريبٌ وإن أخطأ، واقفٌ عما إذا استلزمت كفرًا، وأنا إلى السلامة أقرب.
стр. 34
وأعتقد أن الملائكة والأنبياء معصومون، ولا أُفضِّلُ، وأن أهل البيت والصحابة مكرمون، ولا أُقدِّمُ ولا أُؤخِّرُ.
أُصوِّبُ عليًّا، وأعتقد أن أهل الجمل أرادوا الخير فأخطئوا، ولم تكن الحرب عن رضا مِنْ عليٍّ ولا أم المؤمنن ومن معها، وإنّما أثارها سفهًا: الخائنون.
وأُخطِّيءُ أهل صفين، وأعتقد أنهم بغوا أو طغوا واعتدوا، ولا أدري أخفِي عليهم الحق، أم تعمّدوا منابذتهم، فالله حسيبهم.
هذا ما يوصي به العبد المسرف على نفسه، المضيع لخمسه، المنيب إلى ربه، المستغفر لذنبه: عبد الرحمن بن يحيى بن علي المعلمي.
أشهد ألّا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ونبيه بالهدى ودين الحق أرسله، صلى الله وعليه وسلم وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، والتابعين لهم بإحسان، وبعد:
فأؤمن بالله، كما جاء عن الله وعن رسوله، وكما يحبّ ربنا ويرضى، وأؤمن بالقضاء والقدر، خيره وشره، من الله تعالى، كما جاء عن الله وعن رسل الله، وكما يحب ربنا ويرضى، وحسبي الله وكيلًا، وكفى به شهيدًا، إنّه كان لطيفًا خبيرًا.
اللهم إنك تعلم عقيدتي، وتعلم سرِّي وعلانيتي، فما وافق رضاك ففضلًا منك تقبّلْهُ مِنِّي، وما أخطأت فيه أو اشتبه عليّ ففضلًا منك تجاوزه عنِّي، برحمتك يا أرحم الراحمين.
فعلتُ سوءًا وظلمتُ نفسي، فاغفر لي، إنّه لا يغفر الذنوب إِلَّا الله، سبحانك وتعاليت عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. اهـ
ثم شرع الشيخ في بيان ما أوصى به إلى أهله مِنْ بعْدِه.
стр. 35
١٧ - منهجه الفقهي:
كان الشيخ ﵀ على منهج فقهاء المحدثين، الذين يدورون مع الدليل حيثما دار، فيُعْنون أولًا، بصحة الدّليل، ثم النظر فيما يحتمله من المعاني والأحكام، مع اعتبار كلام الصحابة ومنْ تبعهم، واستعمالهم لذلك الدّليل.
وقد كان الشيخ سلفيًا في الفروع كما كان سلفيًا في أصول الدين والعقيدة، فكان يحث على اتباع كتاب الله تعالى، وما صحّ من سنة النبي ﷺ ، بفهم الصّحابة وأئمة التابعين، دون التقيّد باتباع مذهب دون آخر.
فمما وُجِد بخط المعلمي:
"أُوصِي كُلّ مسلم أن يتدبر كتاب الله تعالى، ويتفحّص الأحاديث، ثم يتدبرها، ويحتاط لدينه، ويتبع [ما تبّيّن]، له أنه الحق، سواء أكان مذهب إمامه، أم مذهب غيره، وأن يعضّ بالنواجذ على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وأئمة التابعين، ويجتنب البدع كلها، ولا يتدين إِلَّا بما ثبت عنده بكتاب الله تعالى. وسنة رسوله أنه من الدين".
وقال الشيخ في "التنكيل" (٢/ ٤٠٦):
"الفقهيات والاختلاف فيها إذا كان سببه غيره الهوى، أمره قريب؛ لأنه لا يؤدِّي إلى أن يصير المسلمون فرقًا متنازعةً، وشيعًا متنابذةً ولا إلى إيثار الهوى على الهدى، وتقديم أقوال الأشياخ على حجج الله سبحانه، والالتجاء إلى تحريف معاني النصوص.
وإذا كان المسلمون قد وقعوا في ذلك، فإنما أوقعهم الهوى، فلا مخلص لهم منه إِلَّا أن يستيقظ أهل العلم لأنفسهم، فيناقشوها الحساب، ويكبحوها عن الغيِّ، ويتناسوا ما استقرّ في أذهانهم من اختلاف المذاهب، وليحسبوها مذهبًا واحدًا، اختلف علماؤه، وأن على العالم في زماننا النظر في تلك الأقوال وحججها وبيناتها، واختيار الأرجح منها.
стр. 36
وقد نصّ جماعة من علماء المذاهب أن العالم المقلِّد إذا ظهر له رجحان الدّليل المخالِف لإمامه، لم يجُزْ له تقليد إمامه في تلك القضية، بل يأخذ بالحق؛ لأنه إنما رُخِّص له في التقليد عند ظن الرجحان؛ إذ الفرض على كل أحدٍ طاعة الله وطاعة رسوله، ولا حاجة في هذا إلى اجتماع شروط الاجتهاد، فإنّه لا يتحقق رجحان خلاف قول إمامك إِلَّا في حكم مختلفٍ فيه، فيترجح عندك قول مجتهد آخر، وحينئذ تأخذ بقول هذا الآخر، متبعًا للدليل الراجح من جهة، ومقلدًا في تلك القضية لذاك المجتهد الآخر من جهة.
والفقهاء يُجيزون تقليد المقلِّد غير إمامه في بعض الفروع لمجرد احتياجه، فكيف لا يجوز، بل يجب، أن يقلده فيما ظهر أن قوله أوْلى بأن يكون هو الحق في دين الله؟
وقضية التلفيق إنما شددوا فيها إذا كانت لمجرد التشهي وتتبع الرخص، فأمَّا إذا اتفقت لمن يتحرى الحق، وإن خالف هواه، فأمرها هيِّن، فقد كان العامّة في عهد السلف تعْرِضُ لأحدهم المسألة في الوضوء، فيسأل عنها عالمًا، فيفتيه، فيأخذ بفتواه، ثم تعْرِضُ له مسألة أخرى في الوضوء أيضًا أو الصلاة، فيسأل عالمًا آخر فيفتيه، فيأخذ بفتواه، وهكذا.
ومن تدبر علم أن هذا تعرض للتلفيق، ومع ذلك لم ينكره أحدٌ من السلف، فذاك إجماع منهم على أن مثل ذلك لا محذور فيه؛ إذ كان غير مقصود، ولم ينشأ عن التشهي وتتبع الرخص.
فالعالم الذي يستطيع أن يروض نفسه على هذا هو الذي يستحق أن يهديه الله سبحانه، ويسوغ له أن يثق بما تبين له، ويسوغ للعامة أن يثقوا بفتواه.
نعم، قد غلب اتباع الهوى وضعف الإيمان في هذا الزّمان، فإذا احتيط لذلك بأن يرتب جماعة من أعيان العلماء للنظر في القضايا والفتاوى فينظروا فيها مجتمعين! ثم يفتوا بما يتفقون عليه أو أكثرهم، لكان في هذا خير كثير وصلاح كبير إن شاء الله تعالى". اهـ.
стр. 37
وقال الشيخ في ترجمة "أحمد بن كامل القاضي" رقم (٢٩) من "التنكيل":
" ... وأمّا قول الدارقطني: "أهلكه العجب" ففسرها الدارقطني بقوله: "فإنّه كان يختار ولا يضع لأحدٍ من الأئمة أصلًا" فقيل له: كان جريري المذهب؟ فقال: "بل خالفه واختار لنفسه، وأمْلى كتابًا في السنن وتكلم على الأخبار".
فحاصل هذا أنه لم يكن يلتزم مذهب إمام معين بل كان ينظر في الحجج، ثم يختار قول من رجح قوله عنده.
أقول: وهذا أيضًا ليس بجرح، بل هو بالمدح أولى، وقد قال الخطيب: "كان من العلماء بأيام النَّاس والأحكام وعلوم القرآن والنحو والشعر وتواريخ أصحاب الحديث، قال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله".
أقول: فيحق لهذا أن ينشد:
إِنْ أَكُنْ مُعْجبًا فعجبٌ عجيبُ ... لم يجِدْ فوْق نفْسِهِ مِنْ مزِيد اهـ.
١٨ - أولاده:
للشيخ ولد واحد اسمه: عبد الله؛ ولد -كما ذكر الشيخ- ضُحى يوم الثلاثاء سادس شهر ربيع الثاني من عام واحد وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية، وكان للشيخ يوم ولد ابنه عبد الله: تسعة وثلاثون عامًا.
شفقة الشيخ على ولده وحرصه على صلاحه وتعليمه ووصيته بذلك:
مما وجده الزيادي بخط الشيخ -متحدثًا عن ولده عبد الله، قال: "اللهم اجعله من عبادك المخلصين، العلماء العاملين، الهداة المهديين، وإني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم، وأسألك أن تجعله من العلماء الراسخين، العارفين بكتابك المبين، وسنة نبيك الأمين صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وأن تجعله قرة عين لأبويه، إنك أنت الكريم الوهاب، الرازق لمن تشاء بغير حساب".
стр. 38
وقال أيضًا: "أوصي إلى الشيخ إبراهيم رشيد أن يحتاط لولدي عبد الله، أصلحه الله، إذا توفاني الله تعالى قبل بلوغه، ويجتهد في تربيته تربية صالحة، ويمنعه من الاختلاط بالأطفال السفهاء، وينفق عليه وعلى أمه، ما لم تتزوج، مما يجده من متروكي هنا، ومما لعلّه يسره الله تعالى من الدائرة.
ثم إذا وصل حدّ القراءة ألزمه حفظ القرآن الكريم، ولقنه التّوحيد الحق، ثم يربيه تربية دينية علمية". اهـ
١٩ - شيوخه:
قد سبق ذكر منْ تتلمذ الشيخ على أيديهم في: القرآن، والتجويد، والنحو، واللغة، والفقه، والفرائض، وغيرها.
وأما في الحديث فقد تتلمذ على الشيخ عبد القدير محمد الصديقي القادري، شيخ كلية الحديث في الجامعة العثمانية بحيدرآباد الدكن بالهند.
وسيأتى نص إجازته له عند الكلام على: الثناء على الشيخ المعلمي.
وللمعلمي شيخ آخر هو العلامة سالم بن عبد الرحمن باصهي، ذكر المعلمي في رسالة ألّفها سنة (١٣٤١ هـ) في الردِّ على رجل حلولي -يُدْعى: السيد حسن الضالعي- أن شيخه الإمام سالم هذا له رسالة في الردِّ على هذا الرَّجل الحلولي سماها "كشف الغطا". ذكره السماري (ص ٢٤).
٢٠ - تلاميذه:
مكث الشيخ في اليمن حتى بلغ الثلاثين من عمره، وقضى تلك الفترة في حفظ القرآن، ودراسة النحو واللُّغة والأدب، وسماع الحديث ودراسة علومه، وتلقي الفقه من مشايخه، ثم تولّى القضاء في عهد الإدريسي، ثم اشتغل حينًا بالتدريس والوعظ.
стр. 39
ثم ارتحل إلى الهند، والْتحق بدائرة المعارف العثمانية، ومكث فيها نحوًا من ثلاثين عامًا، منشغلًا بتصحيح الكتب وتحقيقها.
ثم ارتحل إلى مكّة حيث مكث فيها إلى أن وافاه الأجل، وذلك نحو خمس عشرة سنة، عمل فيها أمينًا لمكتبة الحرم المكي، يخدم رُوّاد المكتبة من الطلبة والباحثين، ويرشدهم إلى مواضع ما يحتاجون إليه من الكتب والمراجع، اشتغل في هذه الفترة بتصحيح بعض الكتب التى طبعت في دائرة المعارف أيضًا، وبتأليف وتصنيف أمثال "التنكيل" و"الفوائد" و"الأنوار" وغيرها من الأبحاث والرسائل.
لعل ما سبق بيانه يفسِّر لنا أننا لم نعلم للشيخ تلامذةً بالمعنى المعهود، وذلك نظرًا لانشغاله الدائم بالبحث والتصحيح والتحقيق، ولم يتفرغ الشيخ لعمل مجالس سماع أو تحديث أو تدريس بصورة تسمح للتخرُّج به.
ولعلّ ما انشغل به الشيخُ، وما خلّفهُ للأُمّةِ من تصحيح أمهات كتب الرجال، والتي ما كان يصلح لها منْ هو أقلُّ كفاءةً منه، وما انْبرى له من الدفاع عن السنة وأهلها وأئمتها، مما رفع به الحرج عن سائر الأُمّة، وما أتْحف به المكتبة الإسلامية ببديع التحقيق لكثير من المسائل الاصطلاحية المشكلة، ما هو أعظم أثرًا، وأبعد نفعًا من مجرد انشغاله بتلك المجالس.
لكن مما يلاحظ أن غياب هؤلاء التلاميذ مما زاد في انغمار الشيخ، بحيث لم يحْمِلْ هذا العلم عنه منْ يقوم بنشره وبثِّه، وإنما عِلْمُ الشيخ فيما سطره بقلمه، ومن آثار غياب هؤلاء أنه لا تزال كثير من أبحاث الشيخ ورسائله وتحقيقاته حبيسة الأدراج، وقد أثّر طولُ الوقت في بعضها، ولعلّ الله تعالى أن يقيض منْ يعتني بعلم الشيخ فيقوم على إخراج تلك المخطوطات إخراجًا علميًا لائقًا.
стр. 40
وقد ذكر الزيادي عشرةً ممن تأكد أنهم تلاميذ للشيخ، قرأ أكثرهم عليه بعض الكتب في الحديث والفقه والنحو وغيرها، ولازمه بعضهم مدّة، لكن ليس لأحدٍ منهم -فيما أعلم- أثر في نشر علم الشيخ ومنهجه.
٢١ - مكانته العلمية وثناء أهل العلم والفضل عليه:
١ - أجازه شيخ كلية الحديث في الجامعة العثمانية -بحيدرآباد الدكن بالهند- الشيخ: عبد القدير محمد الصديقي القادري، وقال في إجازته، بعد حمد الله والصلاة على نبيِّه:
"إن الأخ الفاضل والعالم العامل الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العُتْمي اليماني، قرأ عليّ من ابتداء "صحيح البخاريّ" و"صحيح مسلم" واستجازني ما رويته عن أساتذتي، فوجدته: طاهر الأخلاق، طيِّب الأعْراق، حسن الرِّواية، جيِّد الملكة في العلوم الدينية، ثقة عدل، أهل للرواية بالشروط المعتبرة عند أهل الحديث، فأجزته برواية "صحيح البخاريّ" و"صحيح مسلم"، و"جامع الترمذي"، و"سنن أبي داود"، و"ابن ماجة"، و"النسائي"، و"الموطأ" لمالك .. حرِّر بتاريخ (١٣) من ذي القعدة سنة (١٣٤٦ هـ) " (١).
قال الزيادي: هذه الإجازة موجودة قي مكتبة الحرم المكي.
٢ - ولقد دأب مدير دائرة المعارف: السيد هاشم الندوي، بوصف الشيخ المعلمي في خاتمة بعض الأجزاء التي صححها بقوله: "وقد اعتنى بتصحيح هذا الكتاب وتعليق الحواشي المفيدة: الأستاذ الفاضل مولانا الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني