وَالنَّقْصُ الْحَاصلُ بِالرُّخْصِ مَحْسُوبٌ مِنَ الرِّبْحِ مَا أَمْكَنَ وَمَجْبُورٌ بِهِ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ بِآفَةٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْعَامِلِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ .. فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي الأَصَحِّ.
===
(والنقص الحاصل بالرُّخص محسموب من الربح ما أمكن، ومجبور به) لاقتضاء العرف ذلك، فنزل مطلق العقد عليه، وكذا النقص بالتعيب والمرض الحادثين.
(وكذا لو تلف بعضه بآفة) سماوية؛ كالحرق ونحوه، (أو غصبٍ، أو سرقة) وتعذر أخذُ بدله (بعد تصرف العامل في الأصحِّ) لأنه نقصان حصل في المال، فكان مجبورًا بالربح؛ كالنقصان الحاصل بالتعيب، وبانخفاض السوق، والتاني: لا؛ لأنه نقصان لا تعلق له بتصرف العامل وتجارته، بخلاف الحاصل بانخفاض السوق، فإنه متعلق بتجارته.
وظاهر كلامه: استواء المسالتين في جريان الخلاف، والأكثرون قطعوا بالجبر في الآفة السماوية، وخصوا الوجهين بما عداها، والفرق: أن في الضمان الواجب مما يجبره، فلا حاجة إلى جبره بمال القراض، بخلاف الآفة السماوية" وأما إذا أخذ البدل .. فإن القراض مستمر فيه.
واحترز بقوله: (تلف بعضه) عن تلف كلِّه، فإن القراض يرتفع، وكذا لو أتلفه المالك، وإن أتلفه أجنبي وأخذ بدله .. بقي القراض فيه، وإن أتلفه العامل .. ارتفع القراض، كما قاله الإمام (١)، وقال الرافعي: القياس: أن المالك يقبضه منه ويبقى فيه القراض (٢).
(وإن تلف قبل تصرفه .. فمن رأس المال في الأصحِّ) لأن العقد لم يتأكد بالعمل، والثاني: من الربح؛ لأنه بقبض العامل صار مالَ قراض.
* * *
стр. 1087
فَصْلٌ [في بيان أن القراض جائز من الطرفين وحكم اختلاف العاقدين]
لِكُلٍّ فَسْخُهُ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ .. انْفَسَخَ، وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ الاسْتِيفَاءُ إِذَا فَسَخَ أَحَدُهُمَا، وَتَنْضِيضُ رَأْسِ الْمَالِ إِنْ كَانَ عَرْضًا، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ التَّنْضِيضُ إِنْ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ. وَلَوِ اسْتَرَدَّ الْمَالِكُ بَعْضَهُ قَبْلَ ظُهُورِ رِبْحٍ وَخُسْرَانٍ .. رَجَعَ رَأْسُ الْمَالِ إِلَى الْبَاقِي. وَإِنِ اسْتَرَدَّ بَعْدَ الرِّبحِ .. فَالْمُسْتَرَّدُّ شَائِعٌ رِبْحًا وَرَأْسَ مَالٍ؛ مِثَالُهُ: رَأْسُ الْمَالِ مِئَةٌ وَالرِّبْحُ عِشْرُون وَاسْتَرَدَّ عِشْرِينَ .. فَالرِّبْحُ سُدُسُ الْمَالِ، فَيَكُونُ الْمُسْتَرَدُّ سُدُسُهُ مِنَ الرِّبْحِ، فَيَسْتَقِرُّ لِلْعَامِلِ الْمَشْرُوطُ مِنْهُ، وَبَاقِيهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ
===
(فصل: لكلٍّ فسخه) لأنه في ابتدائه وكالة، وفي انتهائه إما شركة وإما جعالة، وكلُّها عقود جائزة.
(ولو مات أحدهما، أو جُنَّ، أو أغمي عليه .. انفسخ) كالوكالة، (ويلزم العامل الاستيفاء) أي: استيفاء الدين (إذا فسخ أحدهما) ليردَّ كما أخذ.
(وتنضيض رأس المال إن كان عرضًا) أي: بيعه بالناض، وهو النقد لما قلناه، (وقيل: لا يلزمه التنضيض إن لم يكن ربح) لأن غرض البيع أن يظهر الربح؛ ليصل العامل إلى حقِّه منه، فإذا لم يكن ربح وارتفع العقد .. لم يحسن تكليفه بلا زيادة فائدة، والأصحُّ: الأول؛ لما سلف.
(ولو استرد المالك بعضه قبل ظهور ربحٍ وخسران .. رجع رأس المال إلى الباقي) لأنه لم يترك في يده غيره، فصاركما لو اقتصر في الابتداء على إعطائه له.
(وإن استرد بعد الربح .. فالمستَرَدُّ شائعٌ ربحًا ورأسَ مال) لعدم التمييز (مثاله: رأس المال مئة، والربح عشرون، واسترد عشرين .. فالربح سدس المال، فيكون المسترد سدسَه من الربح، فيستقر للعامل المشروط منه، وباقيه من رأس المال) حتى يستقر للعامل في هذا المثال درهم وثلثان إن شرط له .. نُصِّف الربح؛ لأن ما جعلناه ربحًا وهو سدس العشرين هو ثلاثة وثلث، فيستقر له نصفها، وهو درهم وثلثان حتى لا يسقط بالخسران الواقع بعده، فلو عاد ما في يده إلى ثمانين .. لم يسقط نصيب
стр. 1088
وَإِنِ اسْتَرَدَّ بَعْدَ الْخُسْرَانِ .. فَالْخُسْرَانُ مُوَزَّعٌ عَلَى الْمُسْتَرَدِّ وَالْبَاقِي، فَلَا يَلْزَمُ جَبْرُ حِصَّةِ الْمُسْتَرَدِّ لَوْ رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ مِثَالُهُ: الْمَالُ مِئَةٌ وَالْخُسْرَانُ عِشْرُونَ ثُمَّ اسْتَرَدَّ عِشْرِينَ .. فَرُبعُ الْعِشْرِينَ حِصَّةُ الْمُسْتَرَدِّ، وَيَعُودُ رَأْسُ الْمَالِ إِلَى خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ. وَيُصَدَّقُ الْعَامِلُ بِيَمِينِهِ فِي قَوْلِهِ: (لَمْ أَرْبَحْ)، أَوْ (لَمْ أَرْبَحْ إِلَّا كَذَا)، أَوِ (اشْتَرَيْتُ هَذَا لِلْقِرَاضِ أَوْ لِي)، أَوْ (لَمْ تَنْهَنِي عَنْ شِرَاءِ كَذَا)، وَفِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَدَعْوَى التَّلَفِ، وَكَذَا دَعْوَى الرَّدِّ فِي الأَصحِّ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْمَشْرُوطِ لَهُ .. تَحَالَفَا،
===
العامل، بل يأخذ منها درهمًا وثلثي درهم، ويردُّ الباقي، وهو ثمانية وسبعون درهمًا وثلث درهم.
(وإن استرد بعد الخسران .. فالخسران موزع على المسترد والباقي، فلا يلزم جبرُ حصة المسترد لو ربح بعد ذلك) لأنه لو ردَّ الكلَّ بعد الخسران .. لم يلزمه شيء، ويصير رأس المال الباقي بعد المسترد، وحصته من الخسران.
(مثاله: المال مئة، والخسران عشرون، ثم استرد عشرين .. فربع العشرين حصة المسترد، ويعود رأس المال إلى خمسة وسبعين) لأن الخسران إذا وزعناه على الثمانين .. خص كلّ عشرين خمسة، والعشرون المستردة حصتُها خمسة، فيبقى ما ذكره، فلو ربح بعد ذلك شيئًا .. قسم بينهما على ما شرطاه.
(ويصدق العامل بيمينه في قوله: "لم أربح"، أو "لم أربح إلا كذا") لأن الأصل معه، ("أو اشتريت هذا للقراض أو لي") لأنه أعرف بقصده، (أو "لم تنهني عن شراء كذا") لأن الأصل عدمُ النهي.
(وفي قدر رأس المال) لأن الأصل عدمُ دفع الزيادة، (ودعوى التلف) كالوكيل والمودع، فإن ذكر سبب التلف .. كان على التفصيل المذكور في الوديعة.
(وكذا دعوى الردِّ في الأصحِّ) لأنه أمين، فأشبه المودع، والثاني: لا، كالمرتهن.
(ولو اختلفا في المشروط له) بأن قال: (شرطت لي النصف)، فقال: (بل الثلث) ( .. تحالفا) لأنهما اختلفا في عوض العقد، فأشبه اختلافَ المتبايعين في الثمن.
стр. 1089
وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
===
(وله أجرة المثل) مقابلة لعمله، وكلامه يشعر بأن العقد ينفسخ بمجرد التحالف، وبه صرح الروياني، لكن في "زيادة الروضة" عن "البيان" من غير مخالفة أن حكمه حكم البيع (١)، قال الإسنوي: وهو القياس.
* * *
стр. 1090
كتابُ المساقاة
تَصِحُّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَلِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ بِالْوِلَايَةِ. وَمَوْرِدُهَا: النَّخْلُ وَالْعِنَبُ، وَجَوَّزَهَا الْقَدِيمُ فِي سَائِرِ الأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ.
===
(كتاب المساقاة)
هي: أن يُدفع الشجر إلى من يتعاهدها بجزء من الثمرة.
مشتقة من السقي - بسكون القاف - الذي هو أهم أشغالها.
والأصل فيها قبل اتفاق الصحابة والتابعين: (أنه ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) متفق عليه (١).
(تصحُّ من جائز التصرف) لأنها معاملة على المال، كالقراض، (ولصبي ومجنون) وسفيه (بالولاية) عند المصلحة، للاحتياج إلى ذلك.
(وموردها: النخل والعنب) أما النخل: فللحديث المارِّ (٢)، وأما العنب: فبالقياس، بجامع وجوب الزكاة وإمكان الخرص، وقيل: بالنصِّ، ففي الحديث: (من كرم ونخل)، ذكره صاحب "البحر" (٣) وهو غريب.
(وجوزها القديم في سائر الأشجار المثمرة) كالتين والتفاح؛ للحديث المار: (من ثمرٍ أو زرع)، وهو عام في كلِّ ثمر، ولعموم الحاجة، كالنخل والعنب، واختاره المصنف في "تصحيح التنبيه" (٤)، والجديد: المنع، إذ لا زكاة في ثمرها، فأشبهت غير المثمر.
والفرق: أن ثمار النخل والعنب لا تنمو إلا بالعمل، وغيرها ينمو من غير تعهد، هذا إذا أفردت، فإن ساقى عليها تبعًا لنخل أو عنب .. فالأصح في "زوائد الروضة"
стр. 1091
وَلَا تَصِحُّ الْمُخَابَرَةُ، وَهِيَ: عَمَلُ الأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ، وَلَا الْمُزَارَعَةُ، وَهِيَ: هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ، وَالْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ
===
في آخر (المزارعة): الجواز، كما تجوز المزارعة تبعًا للمساقاة (١).
واحترز المصنف بـ (الأشجار): عما لا ساق له؛ كالبطيخ وقصب السكر، فلا تجوز المساقاة عليهما قطعًا، وبـ (المثمرة): عما لا يثمر؛ كالدُّلْبِ (٢)، فلا تجوز عليه قطعًا، وقيل: في الخِلَاف وجهان؛ إلحاقًا لأغصانه بالثمرة.
ويشترط: أن تكون الأشجار معينة مرئية.
(ولا تصحُّ المخابرة، وهي: عمل الأرض ببعض ما يخرج منها، والبَذْر من العامل، ولا المزارعة، وهي: هذه المعاملة، والبَذْر من المالك) لصحة النهي عنهما (٣).
والمعنى فيه: أن تحصيل منفعة الأرض ممكن بالإجارة، فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها؛ كالمواشي، بخلاف الشجر، فإنه لا يمكن عقدُ الإجارة عليه، فجوزت المساقاة للحاجة.
واختار المصنف في "الروضة" جوازَهما تبعًا لابن المنذر والخطابي وغيرهما؛ للحاجة إليهما (٤)، وتأويلَ الأحاديث على ما إذا شرط لواحدٍ زرع قطعةٍ معينة ولآخر أخرى.
وتفسيره المخابرة بعمل الأرض لا يستقيم؛ فإن العمل من وظيفة العامل، فلا يفسر العقد به، وعبارة "الروضة" و"أصلها" المعاملة على الأرض (٥)، وهي واضحة.
стр. 1092
فَلَوْ كَانَ بَيْنَ النَّخْلِ بَيَاضٌ .. صَحَّتِ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ بِشَرْطِ: اتِّحَادِ الْعَامِلِ، وَعُسْرِ إِفْرَادِ النَّخْلِ بِالسَّقْيِ وَالْبَيَاضِ بالْعِمَارَةِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا، وَأَلَّا تُقَدَّمَ الْمُزَارَعَةُ، وَأَنَّ كَثيرَ الْبَيَاضِ كَقَلِيلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ،
===
(فلو كان بين النخل) أو العنب (بياض .. صحت المزارعة عليه مع المساقاة على النخل) تبعًا للمساقاة؛ لعسر الإفراد، ومداخلة البستان، وعليه حمل معاملة أهل خيبر السالفة.
(بشرط: اتحاد العامل) لأن إفراد المزارعة بعامل يخرجها عن كونها تابعة، (وعسر إفراد النخل بالسفي والبياضِ بالعمارة) لانتفاع النخل بسقي الأرض وتقليبها، والمراد بالعسر هنا: التعذر، فإن أمكن الإفراد .. فلا تصح؛ لانتفاء الحاجة المجوزة لها.
(والأصحُّ: أنه يشترط: الا يفصل بينهما) أي: بين المساقاة والمزارعة التابعة، بل يأتي بهما على الاتصال؛ لتحصل التبعية، فلو قال: (ساقيتك على النصف) فقبل (١)، ثم زارعه على البياض .. لم تصحَّ المزارعة؛ لأن تعدد العقد يزيل التبعية، والثاني: يصحُّ؛ لحصولهما لشخص واحد، فأشبه جمعهما في العقد.
(وألا تقدم المزارعة) على المساقاة؛ لأنها تابعة، والتابع لا يتقدم على متبوعه، والثاني: تنعقد موقوفةً، فإن ساقاه بعدها .. بانت صحتها، وإلا .. فلا.
(وأن كثير البياض كقليله) للحاجة، والثاني: لا؛ لأن الأكثر متبوعٌ لا تابع، والنظر في الكثرة إلى مساحة البياض ومغارس الشجر على الأصحِّ.
(وأنه لا يشترط تساوي الجزء المشروط من الثمر والزرع) بل يجوز أن يشترط للعامل نصف الزرع وربع الثمر مثلًا؛ لأن المزارعة وإن جوزت تبعًا، فكلٌّ منهما عقد برأسه، والثاني: يشترط؛ لأن التفاضل يزيل التبعية، وصححه المصنف في "نكت التنبيه".
стр. 1093
وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَابِرَ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ. فَإِنْ أُفْرِدَتْ أَرْضٌ بِالْمُزَارَعَةِ .. فَالْمَغَلُّ لِلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ وَدَوَابِّهِ وَآلَاتِهِ، وَطَرِيقُ جَعْلِ الْغَلَّةِ لَهُمَا وَلَا أُجْرَةَ: أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْرِ لِيَزْرَعَ لَهُ النِّصْفَ الآخَرَ وَيُعِيرَهُ نِصْفَ الأَرْضِ، أَوْ يَسْتَأْجِرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْر وَنصْفِ مَنْفَعَةِ الأَرْضِ لِيَزْرَعَ لَهُ النِّصْفَ الآخَرَ فِي النِّصْفِ الآخَرَ مِنَ الأَرْضِ.
فَصْلٌ [فيما يشترط في عقد المساقاة]
يُشْتَرَطُ تَخْصِيصُ الثَّمَرِ بِهِمَا،
===
(وأنه لا يجوز أن يخابر تبعًا للمساقاة) لأن الحديث ورد في المزارعة تبعًا في قصة خيبر (١)، والمزارعة في معنى المساقاة من حيث إنه ليس على العامل فيها إلا العمل، بخلاف المخابرة، فإنه يكون عليه العمل والبَذْر، والثاني: يجوز؛ كالمزارعة.
(فإن أفردت أرض بالمزارعة .. فالمَغَلُّ للمالك) لأنه نماء ملكه (وعليه للعامل أجرة عمله ودوابِّه وآلاتِهِ) إن كانت له؛ لبطلان العقد، وعمله لا يحبط مجّانًا، فإن أفردت بالمخابرة .. فالعقد باطل، والمَغَلُّ للعامل، ولما لك الأرض أجرةُ مثلها.
(وطريق جعل الغَلَّة لهما ولا أجرة: أن يستأجره بنصف البَذْر ليزرع له النصف الآخَرَ) من البذر في نصف الأرض مشاعًا (ويعيره نصف الأرض، أو يستأجره بنصف البَذْر ونصفِ منفعةِ الأرضِ ليزرع النصف الآخَرَ) من البَذْر (في النصف الآخَرَ من الأرض)
والفرق بين الطريقين: أنه في الأول جعل الأجرة عينًا، وفي الثاني: عينًا ومنفعة، هذا إذا كان البَذْر من المالك، فإن كان من العامل .. فطريقه: أن يستأجر نصف الأرض بنصف البَذْر ونصف عمله ونصف منفعة الآلات.
* * *
(فصل: يشترط: تخصيص الثمر بهما) فلو شرطا بعض الثمرة لثالث .. فسدت المساقاة؛ لما سبق في (القراض).
стр. 1094
وَاشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ، وَالْعِلْمُ بِالنَّصيبَيْنِ بِالْجُزْئِيَّةِ كَالْقِرَاضِ. وَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْمُسَاقَاةِ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، لكِنْ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ. وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ لِيَغْرِسَهُ وَيَكُونَ الشَّجَرُ لَهُمَا .. لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ كَانَ مَغْرُوسًا وَشَرَطَ لَهُ جُزْءًا مِنَ الثَّمَرِ عَلَى الْعَمَلِ؛ فَإِنْ قَدَّرَ مُدَّةً يُثْمِرُ فِيهَا غَالِبًا .. صَحَّ،
===
وعبارة "الكتاب" مقلوبة، والصواب: تخصيصهما بالثمرة؛ كما عبر به في (القراض).
(واشتراكهما فيه) فلو قال: (على أن كلَّ الثمرة لك)، أو (لي) .. فسد العقد، ويستحق الأجرةَ في الأولى دون الثانية على الأصحِّ فيهما.
(والعلم بالنصيبين بالجزئية) كالنصف والثلث، فلو قال: (ساقيتك على أن لك جزءًا من الثمرة) .. فسدت، ونبه بالجزئية على أنه لا يكفي التقدير بمئة رطل، أو ثمرة شجرات معينة (كالقراض) في جميع ما سبق، فلو قال: (على أن تكون الثمرة بيننا)، أو (على أن لك النصف) .. صحت، دون: (لي النصف).
(والأظهر: صحة المساقاة بعد ظهور الثمرة) لأنه أبعدُ عن الغرر؛ للوثوق بالثمار، فهو أولى بالجواز، والثاني: لا تصحُّ؛ لفوات بعض الأعمال، وصححه جمع، وقال الماوردي: إنه المشهور من مذهب الشافعي، والأصح على أصله (١).
(لكن) القول بالصحة محلُّه (قبل بدو الصلاح) لبقاء معظم العمل، أما بعده .. فالأصحّ: القطع بالمنع؛ لفوات معظم الأعمال.
(ولو ساقاه على وَديٍّ) غير مغروس (ليغرسه ويكونَ الشجر لهما .. لم يجز) إذ لم ترد المساقاة على أصل ثابت، فكان بمثابة قوله: (بع هذه العروض، وقد قارضتك على أثمانها إذا نضت).
والودي بفتح الواو، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء: صغار النخل.
(ولو كان) الوَديُّ (مغروسًا وشرط له جزءًا من الثمر على العمل؛ فإن قَدَّر مدة يثمر فيها غالبًا .. صحَّ) ولا يضر كونُ أكثر المدة لا ثمر فيها؛ كما لو ساقاه عشر
стр. 1095
وَإِلَّا .. فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ تَعَارَضَ الاحْتِمَالُ .. صَحَّ. وَلَهُ مُسَاقَاةُ شَرِيكِهِ فِي الشَّجَرِ إِذَا شَرَطَ لَهُ زِيَادَةً عَلَى حِصَّتِهِ. وَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَشْرِطَ عَلَى الْعَامِلِ مَا لَيْسَ مِنْ جنْسِ أَعْمَالِهَا، وَأَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَمَلِ وَبِالْيَدِ فِي الْحَدِيقَةِ، وَمَعْرِفَةُ الْعَمَلِ بِتَقْدِيرِ المُدَّةِ كَسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ،
===
سنين، والثمرةُ يغلب وجودها في العاشرة خاصة، فإن لم يثمر فيها .. حبط عمله؛ كما لو قارضه .. فلم يربح، أو ساقاه على مثمر .. فلم يثمر.
(وإلا .. فلا) أي: وإن قَدَّر مدة لا يثمر فيها غالبًا .. لم يصحَّ، لخلوها عن العوض؛ كالمساقاة على الأشجار التي لا تثمر.
(وقيل: إن تعارض الاحتمال) أي: احتمال الإثمار وعدمه، وليس أحدهما أظهر ( .. صحَّ) كالقراض، فإن الربح محتملُ الحصول، فإن أثمرت .. استحق، وإلا .. فلا شيء له، والأصحُّ: المنع؛ لأنه عقدٌ على عوض غيرِ موجود، ولا الظاهرِ وجوده، فأشبه السلم فيما لا يوجد غالبًا.
(وله مساقاة شريكه في الشجر إذا شرط له زيادة على حصته) كما إذا كانت بينهما نصفين وشرط له ثلثي الثمرة ليكون السدس عوض عمله، وسواء قلَّت الزيادة أم كثرت؛ كالأجنبي، فإن شرط له مثل مقدار نصيبه، أو دونه .. لم يصحَّ؛ إذ لا عوض؛ لاستحقاقه ذلك بالملك، فإن عمل .. فلا أجرة له على الأصحِّ.
(ويشترط) لصحة المساقاة (ألا يَشرِط على العامل ما ليس من جنس أعمالها) التي جرت عادة العامل بعملها؛ كما لو شرط أن يبني له جدرانَ الحديقة، فإن فعل ذلك .. لم يصحَّ؛ لأنه استئجار بعوض مجهول، واشتراط عقد في عقد.
(وأن ينفرد بالعمل) فلو شرط عمل المالك معه .. فسد.
نعم؛ لو شرط أن يعمل معه غلام المالك المعروف برؤية أو وصف .. جاز على المذهب إذا لم يشرط اشتراكهما في التدبير، فإن شرط ذلك، ويعملان ما اتفقا عليه .. لم يجز قطعًا.
(وباليد في الحديقة) ليتمكن من العمل متى شاء، فلو شرط كونها في يد المالك، أو في يدهما .. لم يصحَّ.
(ومعرفةُ العمل) جملةً لا تفصيلًا (بتقدير المدة؛ كسنة أو أكثر) إلى مدة
стр. 1096
وَلَا يَجُوزُ التَّوْقِيتُ بإِدْرَاكِ الثَّمَرَةِ فِي الأَصَحِّ. وَصِيغَتُهَا: (سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذَا النَّخْلِ بكَذَا)، أَوْ (سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ لِتَتَعَهَّدَهُ). وَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ دُونَ تَفْصِيلِ الأَعْمَالِ، وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ. وَعَلَى الْعَامِلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِصَلَاحِ الثَّمَرِ وَاسْتِزَادَتِهِ مِمَّا يَتكرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ؛ كَسَقْيٍ وَتنقِيَةِ نَهْرٍ وَإِصْلَاحِ الأَجَاجِينِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الْمَاءُ وَتَلْقِيحٍ وَتَنْحِيَةِ حَشِيشٍ وَقُضبَانٍ مُضِرَّةٍ، وَتَعْرِيشٍ جَرَتْ بِهِ عَادَةٌ،
===
تبقى فيها العين للاستغلال.
وأقلُّ مدتها: ما تطلع فيه الثمرة وتستغني عن العمل، فلا تصحُّ مطلقةً، ولا مؤبدةً؛ لأنها عقد لازم فأشبهت الإجارة.
(ولا يجوز التوقيت بإدراك الثمرة في الأصحِّ) لجهالته بالتقديم تارة، وبالتأخير أخرى، والثاني: يجوز؛ لأنه المقصودُ في العقد.
(وصيغتها: "ساقيتك على هذا النخل) أو العنب (بكذا") من الثمرة؛ لأنه الموضوع لها (أو "سلمته إليك لتتعهده") لأدائه معناه، وينعقد بكلِّ لفظ يؤدي معنى المساقاة؛ كقوله: (اعمل على هذا النخل)، أو (تعهد نخلي بكذا).
(ويشترط: القبول) للزومها؛ كالإجارة (دون تفصيل الأعمال) فلا يشترط التعرض له.
(ويحمل المطلق في كلِّ ناحية على العرف الغالب) إذ المرجع في مثله إلى العرف.
(وعلى العامل) عند الإطلاق (ما يُحتاج إليه لصلاح الثمر واستزادته مما يتكرر كلَّ سنة؛ كسقي) إن لم يشرب بعروقه، (وتنقية نهر، وإصلاح الأجاجين التي يثبت فيها الماء، وتلقيح، وتنحية حشيش، وقُضبان مضرة) لاقتضاء العرف ذلك.
والأجاجين: الحفر التي تحفر حول النخلة ليثبت فيها الماءَ شِبه الإجَّانَة التي يُغسَّلُ فيها، والتلقيح: وضع شيء من طلع الذكور في طلع الإناث.
أما الطلع الذي يلقح .. فهو على المالك.
وإنما اعتبرنا التكرار؛ لأن ما لا يتكرر يبقى أثرُه بعد فراغ المساقاة، وتكليفه العامل إجحاف به.
(وتعريشٍ جرت به عادة) أي: وعليه إصلاح العريش في البلاد التي جرت العادة
стр. 1097
وَكَذَا حِفْظُ الثَّمَرِ وَجَذَاذُهُ وَتَجْفِيفُهُ فِي الأَصَحِّ. وَمَا قُصِدَ بهِ حِفْظُ الأَصْلِ وَلَا يَتكرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ؛ كَبِنَاءِ الْحِيطَانِ وَحَفْرِ نَهْرٍ جَدِيدٍ .. فَعَلَى الْمَالِكِ. والْمُسَاقَاةُ لَازِمَةٌ،
===
فيها بطرح الكروم على العريش عملًا بالعادة.
(وكذا حفظ الثمر) على النخل، وفي الجرين من السرقة والطيور والزنابير.
(وجُذاذه وتجفيفه في الأصحِّ) أما في الأولى: فكحفظ مال القراض، فإن لم يحفظه بنفسه .. فمؤنة من يحفظه عليه، ومقابله: أن الحفظ عليهما على نسبة مِلكيهما في الثمرة؛ لأن الذي يجب على العامل ما يتعلق بزيادة الثمر وتنميته، قال الرافعي: وهو الأقيس (١).
وأما في الثانية وهي جُذاذه وتجفيفه .. فلأن الصلاح به يحصل، ومقابله: أنه على المالك؛ لوقوعه بعد كمال الثمار.
وقيد في "الروضة" تبعًا لـ "أصلها" الوجوب في التجفيف بما إذا جرت به العادةُ أو شرطاه، وصرح به الماوردي في الجُذاذ (٢).
(وما قصد به حفظ الأصل، ولا يتكرر كلَّ سنة؛ كلبناء الحيطان، وحفر نهر جديد .. فعلى المالك) لاقتضاء العرف ذلك.
وقوله: (كبناء الحيطان) قد يوهم أن سدَّ الثُّلَم اليسيرة التي تحصل في الحيطان ليست على المالك، والأصحُّ في "أصل الروضة": اتباعُ العرف فيها، وفي وضع الشوك على رؤوس الجدران (٣)، وصحح السبكي في الثُّلَم أنها على المالك، وقال: إنه المنصوص عليه في "الأم".
وقوله: (وحفر نهر جديد) يوهم أن ما ينهار من النهر ليس على المالك، وليس كذلك.
(والمساقاة لازمة) من الجانبين؛ كالإجارة.
стр. 1098
فَلَوْ هَرَبَ الْعَامِلُ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَأَتَمَّهُ الْمَالِكُ مُتبَرِّعًا ... بَقِيَ اسْتِحْقَاقُ الْعَامِلِ، وَإِلَّا .. اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مَنْ يُتِمُّهُ. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَاكِمِ .. فَلْيُشْهِدْ عَلَى الإِنْفَاقِ إِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ. وَلَوْ مَاتَ وَخَلَّفَ تَرِكَةً .. أَتَمَّ الْوَارِثُ الْعَمَلَ مِنْهَا، وَلَهُ أَنْ يُتِمَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ
===
(فلو هرب العامل قبل الفراغ وأتمه المالك متبرعًا .. بقي استحقاق العامل) كتبرع الأجنبي بأداء الدين.
(وإلا) أي: وإن لم يتبرع المالك بإتمامه ( .. استأجر الحاكم عليه من يُتمُّه) بعد إثبات المساقاةِ والهربِ عنده، وتعذر إحضاره؛ لأنه واجب عليه، فالقاضي ينوب عنه فيه.
هذا إذا كان له مال ومنه الثمرة المؤبرة .. فإنه يبيع نصيبه فيها، فإن لم يكن له مال .. اقترض عليه إن لم يجد من يستأجره بأجرة مؤجلة مدةَ إدراك الثمر، والاقتراض يكون من بيت المال، أو من أجنبي، أو من المالك، وقيل: بالترتيب هكذا.
(وإن لم يقدر) المالك (على الحاكم) بأن كان فوق مسافة العدوى، أو حاضرًا ولم يُجبه إلى ما التمسه ( .. فليشهد على الإنفاق إن أراد الرجوع) لأن الإشهاد في حال العذر كالحكم، فإن لم يشهد .. لم يرجع؛ لظهور التبرع، ولو لم يُمكنه الإشهاد .. لم يرجع أيضًا على الأصحِّ؛ لأنه عذر نادر.
وقوله: (على الإنفاق) مثال، فإن الحكم كذلك إذا عمل بنفسه ليرجع.
والمعتبر: أن يُشهد على العمل، أو الاستئجار وبذل الأجرة بشرط الرجوع، فإن لم يتعرض للرجوع .. فكأنه لم يشهد.
(ولو مات) العامل قبل العمل (وخَلَّف تركة .. أتم الوارثُ العمل منها) لأنه حقٌّ وجب على مُورِّثه، فيؤدَّى من تركته، كغيره، فإن امتنع .. استأجر الحاكم عليه.
هذا إذا كانت على الذمة، فإن كانت على العين .. انفسخت بالموت؛ كالأجير المعين.
(وله أن يُتم) العمل (بنفسه أو بماله) إن اختار ولا يُجبَر عليه؛ لأن منافعه لنفسه.
стр. 1099
وَلَوْ ثَبَتَتْ خِيَانةُ عَامِلٍ .. ضُمَّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَفَّظْ بهِ .. اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ عَامِلٌ. وَلَوْ خَرَجَ الثَّمَرُ مُسْتَحَقًّا .. فَلِلْعَامِلِ عَلَى الْمُسَاقِي أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
===
(ولو ثبتت خيانة عامل) بإقراره، أو بينة، أو يمين مردودة ( .. ضمَّ إليه مشرف (ولا تزال يده، لأن العمل حقٌّ عليه، ويمكن استيفاؤه منه بهذا الطريق، فتعين جمعًا بين الحقين؛ كما إذا تعدى المرتهن في الرهن .. فإنه يوضع عند عدل، ولا يبطل حقُّه.
(فإن لم يتحفظ) العامل (به) أي: بالمشرف ( .. استؤجر من ماله عامل) لتعذر استيفاء العمل الواجب عليه منه، والقدرة عليه بهذا الطريق.
(ولو خرج الثمر مستحقًّا) لغير المساقي ( .. فللعامل على المُساقي أجرة المثل) لأنه فوت عليه منافعَه بعوض فاسد فيرجع ببدله.
هذا إذا كان قد عمل جاهلًا بالحال، فإن علم .. فلا شيء له قطعًا.
* * *
стр. 1100
كتابُ الإِجَارة
شَرْطُهُمَا كَبَائِعٍ وَمُشْتَرٍ. وَالصِّيغَةُ: (أَجَّرْتُكَ هَذَا)، أَوْ (أَكْرَيْتُكَ)، أَوْ (مَلَّكْتُكَ مَنَافِعَهُ سَنَةً بِكَذَا)، فَيَقُولُ: (قَبلْتُ) أَوِ (اسْتَأْجَرْتُ) أَوِ (اكْتَرَيْتُ). وَالأَصَحُّ: انْعِقَادُهَا بِقَوْلهِ: (أَجَّرْتُكَ مَنْفَعَتَهَا)،
===
(كتاب الإجارة)
هي بكسر الهمزة في المشهور، وحكي الضم والفتح، وهي لغة: اسم للأجرة، ثم اشتهرت في العقد، وشرعًا: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبَذل (١) والإباحة بعوض معلوم، قاله ابن الرفعة (٢).
واحترز بقوله: (قابلة للبذل والإباحة) عن منفعة البُضْع، وبقوله: (بعوض معلوم) عن المساقاة؛ لجهالة العوض فيها.
وأورد عليه: الجُعالة على عمل معلوم، والمساقاة على ثمرة موجودة.
(شرطهما) أي: المؤجِّر والمستأجر (كبائع ومشترٍ) من التكليف والاختيار؛ لأنها صنف من البيع.
(والصيغة: "أجرتك هذا"، أو "أكريتك") هذا (أو "ملكتك منافعه سنةً بكذا") أما الأوليان فمجمع عليهما، وأما الثالثة: ففيها وجه (فيقول: ) على الاتصال" ("قبلت"، أو "استأجرت"، أو "اكتريت") لأنها بيع فلا بدَّ فيها من الإيجاب والقبول.
ونقل في (كتاب البيع) من "شرح المهذب" عن المتولي وآخرين أن الخلاف في المعاطاة في البيع جارٍ هنا، وفي الرهن والهبة (٣).
وصورة المعاطاة هنا: أن يتفقا على شيء، ثم يتقابضا عقِبَه بلا عقد.
(والأصحُّ: انعقادها بقوله: "أجرتك منفعتها") كما لو قال: (أجرتكها)،
стр. 1101
وَمَنْعُهَا بِقَوْلهِ: (بِعْتُكَ مَنْفَعَتَهَا). وَهِيَ قِسْمَانِ: وَارِدَةٌ عَلَى عَيْنٍ كَإِجَارَةِ الْعَقَارِ وَدَابَّةٍ أَوْ شَخْصٍ مُعَيَّنَيْنِ. وَعَلَى الذِّمَّةِ كَاسْتِئْجَارِ دَابَّةٍ مَوْصُوفَةٍ، وَبِأَنْ يُلْزِمَ ذِمَّتَهُ خِيَاطَةً أَوْ بِنَاءً. وَلَوْ قَالَ: (اسْتأْجَرْتُكَ لِتَعْمَلَ كَذَا) .. فَإِجَارَةُ عَيْنٍ، وَقِيلَ: ذِمَّةٍ. وَيُشْتَرَطُ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ: تَسْلِيمُ الأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِجَارَةُ الْعَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهَا،
===
ويكون ذكر المنفعة تأكيدًا؛ كقول البائع: (بعتك عين هذه الدار)، والثاني: المنع؛ لأن لفظ الإجارة وُضِعَ مضافًا إلى العين؛ لأن المنفعة لا منفعة لها فكيف يضاف إليها العقد؟ !
(ومَنْعُها بقوله: "بعتك منفعتها") لأن البيع موضوع لملك الأعيان، فلا يستعمل في المنافع؛ كما لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة، والثاني: يجوز؛ لأنها صنف من البيع.
(وهي قسمان: واردة على عين؛ كإجارة العقار، ودابة أو شخص معينين، وعلى الذمة، كاستئجار دابة موصوفة، وبأن يُلزم ذمته خياطة أو بناء) ذكر المصنف هذا التقسيم لما يترتب عليه من الأحكام الآتية، ونبه على أن الوارد على العين قسمان.
أحدهما: ما لا يُتصوَّر فيه غيرُ إجارة العين، وهو إجارة العقار؛ لأنه لا يثبت في الذمة، ولهذا لا يجوز السلم في أرض ولا دار، والثاني: ما يُتصوَّر فيه الأمران، وهو الدابة والشخص، ولهذا قال: (معينين)، ومراده بالواردة على العين: ما ترتبط به العين، وتمثيله يُرشد إليه، ولا يفهم منه أن مورد الإجارة العين في الواردة على العين، بل المذهب الصحيح: أن موردها المنافعُ، سواء وردت على العين أم الذمة، خلافًا لأبي إسحاق.
(ولو قال: "استأجرتك لتعمل كذا" .. فإجارة عين) لتوجه الخطاب إلى العين، كقوله: (استأجرت هذه الدابة)، (وقيل: ذمة) لأن المقصود حصولُ العمل من جهة المخاطب، فكأنه قال: (استحقيت عليك كذا).
(ويشترط في إجارة الذمة: تسليم الأجرة في المجلس) كرأس مال السلم، لأنها سلم في المنافع، فلا يجوز فيها تأجيلُ الأجرة، ولا الاستبدال عنها، ولا الحوالة بها، ولا عليها، ولا الإبراء منها.
(وإجارة العين لا يشترط ذلك فيها) كما لا يشترط تسليمُ الثمن في البيع.
стр. 1102
وَيَجُوزُ فِيهَا التَّعْجِيلُ وَالتّأجيلُ إِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ، وَإِذَا أُطْلِقَتْ .. تَعَجَّلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً .. مُلِكَتْ فِي الْحَالِ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الأُجْرَةِ مَعْلُومَةً، فَلَا تَصِحُّ بِالْعِمَارَةِ وَالْعَلْفِ، وَلَا لِيَسْلَخَ بالْجِلْدِ، وَيَطْحَنَ ببَعْضِ الدَّقِيقِ أَوْ بِالنُّخَالَةِ، وَلَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِتُرْضِعَ رَقِيقًا بِبَعْضِهِ فِي الْحَالِ .. جَازَ عَلَى الصحِيحِ
===
(ويجوز فيها التعجيل والتأجيل إن كانت) الأجرة (في الذمة) كالثمن، فإن كانت معينة .. لم يجز التأجيل؛ لأن الأعيان لا تؤجل.
(وإذا أُطلقت .. تعجلت) كالثمن في البيع المطلق، ويملكها المؤجر بالعقد، ويستحقُّ استيفاءها بتسليمه العين.
(وإن كانت) الأجرة (معينة .. مُلِكَتْ في الحال) كالثمن المعين.
(ويشترط: كون الأجرة معلومة) جنسًا وقدرًا وصفة؛ كالثمن في البيع، وروى أبو داوود: (أنه ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى تُميَّز له أجرتُه) (١).
(فلا تصحُّ بالعِمَارة) أي: استئجار الدار بعمارتها، (والعلف) في إجارة الدابة؛ للجهالة.
والعلف: بإسكان اللام وبفتحها؛ كما ضبطه المصنف بخطه، وهو بالفتح: ما يعلف به، وبالإسكان: المصدر.
(ولا ليسلخ بالجلد، ويطحنَ ببعض الدقيق أو بالنُّخالة) لجهالة هذه الأشياء، ولما فيه من عدم القدرة على التسليم في الحال؛ لأنها ليست على الهيئة المشروطة.
(ولو استأجرها لتُرضع رقيقًا ببعضة في الحال .. جاز على الصحيح) ولا أثر لكون عمله يقع في مشترك، كمساقاة شريكه إذا شرط له زيادةً من الثمر .. فإنه يجوز وإن كان يقع عمله في مشترك، والثاني: لا يجوز، ونقله الإمام عن الأصحاب؛ لأن عمل الأجير ينبغي أن يقع في خالص ملك المستأجر (٢).
стр. 1103
وَكَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مُتَقَوِّمَةً، فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ بَيَّاعٍ عَلَى كَلِمَةٍ لَا تُتْعِبُ وَإِنْ رَوَّجَتِ السِّلْعَةَ، وَكَذَا دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ لِلتَّزْيِينِ، وَكَلْبٌ لِصيدٍ فِي الأَصَحِّ. وَكَوْنُ الْمُؤَجِّرِ قَادِرًا عَلَى تسلِيمِهَا، فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ آبِقٍ وَمَغْصوبٍ وَأَعْمَى لِلْحِفْظِ، وَأَرْضٍ لِلزِّرَاعَةِ لَا مَاءَ لَهَا دَائِمٌ، وَلَا يَكْفِيهَا الْمَطَرُ الْمُعْتَادُ، وَيَجُوزُ إِنْ كَانَ لَهَا مَاءٌ دَائِمٌ،
===
واحترز بقوله: (في الحال) عما لو استأجرها ببعضه بعد الفطام .. فلا يصحُّ قطعًا؛ لأن الأجرة معينة وقد أجلها، والأعيان لا تؤجل.
(وكون المنفعة مُتقوِّمة) ليحسن بذلُ المال في مقابلتها، وإلا .. كان سفهًا وتبذيرًا.
(فلا يصحُّ استئجار بَيَّاعٍ على كلمة لا تُتْعِبُ وإن رَوَّجَتِ السلعةَ) إذ لا قيمة لها، ويلتحق بذلك ما إذا استأجره ليعلمه آية لا تعب فيها؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَطَرَ﴾ وقد صرحوا به في (الصداق).
(وكذا دراهم ودنانير للتزيين، وكلب للصيد) أو للحراسة (في الأصحِّ) أما في الأولى .. فلأن منفعة التزين لا تقصد غالبًا، ومعظم منفعتها الإنفاق، وأما في الثانية .. فلأن الكلب لا قيمة لعينه، فكذا منفعته، والثاني: يصحُّ فيهما؛ لأنها منافع تستباح بالإعارة، فاستحقت با لإجارة؛ كسائر المنافع.
وأشار بقوله: (للتزين) إلى أنه لا بدَّ من ذكره، فلو أطلق .. لم يصحَّ قطعًا؛ لأن تعيين الجهة شرط.
(وكون المؤجر قادرًا على تسليمها، فلا يصحُّ استئجار آبق ومغصوب) كبيعهما، (وأعمى للحفظ) أي: حفظ ما يحتاج إلى النظر إجارةَ عين؛ لاستحالة ذلك منه، ونحوُه الأخرس للتعليم.
(وأرضٍ للزراعة لا ماءَ لها دائم، ولا يكفيها المطر المعتاد) ولا ما في معناه؛ من النداوة، وماء الثلوج، ونحوها، ولكن إن أصابها مطر عظيم، أو سيلٌ نادر .. أمكن زرعها؛ لأنها منفعة غير مقدور عليها، ولا يكفي إمكان الحصول؛ كما لا يكفي إمكان عود الآبق والمغصوب.
(ويجوز إن كان لها ماء دائم) من عين أو نهر؛ لإمكان الزراعة حينئذ، قال ابن
стр. 1104
وَكَذَا إِنْ كَفَاهَا الْمَطَرُ الْمُعْتَادُ أَوْ مَاءُ الثُّلُوجِ الْمُجْتَمِعَةِ، وَالْغَالِبُ حُصُولُهَا فِي الأَصحِّ. وَالامْتِنَاعُ الشَّرْعِيُّ كَالْحِسِّيِّ، فَلَا يَصحُّ اسْتِئْجَار لِقَلْعِ سِنٍّ صَحِيحَةٍ، وَلَا حَائِضٍ لِخِدْمَةِ مَسْجِدٍ، وَكَذَا مَنْكُوحَةٌ لِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ فِي الأَصَحِّ
===
الرفعة: واستئجار الحمام في معنى استئجار الأرض للزراعة فيما يظهر.
(وكذا إن كفاها المطر المعتاد، أو ماء الثلوج المجتمعة، والغالب حصولها في الأصحِّ) لأن الظاهر حصولُ الغالب، والثاني: المنع؛ لأن السقي معجوزٌ عنه في الحال، والمتوقع لا يعلم حصوله، وبتقدير حصوله لا يعرف أنه يحصل وقت الحاجة إليه.
ويصحُّ استئجار أراضي مصر للزراعة قبل رَيِّها إذا كانت تَرْوَى من الزيادة الغالب حصولُها على الأصحِّ.
(والامتناع الشرعي كالحسي، فلا يصحُّ استئجارٌ لقلع سنٍّ صحيحة) لامتناع تسليمها شرعًا، وهذا في غير القصاص، وأما المستحقة بالقصاص .. فيجوز.
وأفهم: جوازَ الاستئجار لقلع سنٍّ عليلة، وهو الأصحُّ إذا صعب الألم وقال أهل الخبرة: إن القلع يزيله.
(ولا حائضٍ لخدمة مسجد) إجارة عين؛ لاقتضاء الخدمة المكث، وهي ممنوعة منه.
نعم؛ لو كانت كافرة وأمنت التلويث .. قال الأَذْرَعي: فيشبه الصحة، ويجوز في إجارة الذمة.
(وكذا منكوحةٌ لرضاعٍ أو غيره) مما لا يؤدي إلى خلوة محرمة (بغير إذن الزوج في الأصحِّ) لأن أوقاتها مستغرَقة بحقِّه، فلا يمكنها توفية ما التزمته، والثاني: يصح؛ لأن محلَّه غيرُ محلِّ النكاح؛ إذ لا حقَّ له في لَبَنِها وخدمتِها.
وعلى هذا: فللزوج فسخُه؛ حفظًا لحقِّه، وفي "الكافي": وجه أنه يصحُّ، ولا اعتراض للزوج، أما بإذنه .. فيصحُّ قطعًا.
والخلاف في الحرة، أما الأمة .. فللسيد أن يؤجرها نهارًا قطعًا وإن أبى الزوج.
ولو سقت المرضعةُ المستأجَرُ عينُها لبنَ غيرِها للطفل .. فلا أجرة لها، وقال أهل
стр. 1105
وَيَجُوزُ تَأْجِيلُ الْمَنْفَعَةِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ؛ كَـ (أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ الْحَمْلَ إِلَى مَكَّةَ أَوَّل شَهْرِ كَذَا). وَلَا تَجُوزُ إِجَارَةُ عَيْنٍ لِمَنْفَعَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، فَلَوْ أَجَّرَ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ لِمُسْتَأْجِرِ الأَولَى قَبْلَ انْقِضَائِهَا .. جَازَ فِي الأَصحِّ
===
العراق: لها الأجرة، قال الروياني: وهو غلط؛ لأنها لم تأت بما هو مستحق بالعقد.
(ويجوز تأجيل المنفعة في إجارة الذمة؛ كـ "ألزمت ذمتك الحملَ إلى مكة أولَ شهرِ كذا") لأن الدَّينَ يقبل التأجيل؛ كما لو أسلم في شيء إلى أجل معلوم.
وقوله: (أول شهر كذا) تبع فيه "المحرر" (١)، وظاهره: أنه تأجيل صحيح، لكن في "الروضة" و"أصلها" في (السلم) عن الأصحاب أنه لو قال كـ: (أول رمضان) .. بطل؛ لأنه يقع على جميع النصف الأول" (٢)، فلو مثل كـ "الشرحين" و"الروضة" بغرة شهر كذا (٣) .. لكان حسنًا.
(ولا تجوز إجارة عين لمنفعة مستقبلة) كإجارة الدار السنة المستقبلة؛ قياسًا على البيع، فإنه لو باع العين على أن يسلمها بعد شهر .. لم يصحَّ، فكذا الإجارة.
(فلو أجَّر السنة الثانية لمُستأجرِ الأُولى قبل انقضائها .. جاز في الأصحِّ) لاتصال المدتين؛ كما لو أجر منه السنتين في عقدٍ واحد، والثاني: لا يجوز؛ كما لو أجرها من غيره، أو منه مدةً لا تتصل بالمدة الأولى، وصححه جمع، وقال البَنْدَنيجي والروياني: إنه الأقيس.
وأُورِد على المصنف: ما لو قال: (أجرتك سنة فإذا انقضت .. فقد أجرتك سنة أخرى)، فإن الصحيح فيها: بطلان العقد الثاني مع صدق أنه أجر السنة الثانية قبل انقضاء الأولى.
فلو عبر بقوله: (في أثنائها) .. لكان أولى، وأجيب: بأنه في هذه الصورة ليس مستأجر الأولى.
стр. 1106
وَيَجُوزُ كِرَاءُ الْعُقَبِ فِي الأَصَحِّ، وَهُوَ: أَنْ يُؤَجِّرَ دَابَّةً رَجُلًا لِيَرْكَبَهَا بَعْضَ الطَّرِيقِ، أَوْ رَجُلَيْن لِيَرْكَبَ هَذَا أَيَّامًا وَذَا أَيَّامًا وَيُبيِّنَ الْبَعْضَيْنِ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ.
فَصْلٌ [في بقية شروط المنفعة وما تقدر به]
يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَعْلُومَةً، ثُمَّ تَارَةً تُقَدَّرُ بِزَمَانٍ كَدَارٍ سَنَةً،
===
(ويجوز كراء العُقَبِ في الأصحِّ، وهو: أن يؤجر دابةً رجلًا ليركبها بعضَ الطريق، أو رجلين ليركب هذا أيامًا وذا أيامًا، ويبين البعضين ثم يقتسمان) أي: المكري والمكتري، أو المكتريان سواء في إجارة العين والذمة؛ لثبوت الاستحقاق حالًا، فإن الملك واقع لهما دفعةً واحدة، والتأخير الواقع من ضرورة القسمة لا يؤثر؛ كالدار المشتركة، بخلاف ما لو أجرها ليركبها زمانًا، ثم المستأجر بعده زمانًا؛ لتأخر حقِّه وتعلقها بالمستقبل، والثاني: المنع فيهما، فإنه إجارة إلى آجال متفرقة وأزمنة منقطعة، والثالث: يصحُّ في الصورة الثانية؛ لاتصال زمن الإجارة فيها دون الأولى، والرابع: يصحُّ فيهما إن كانت في الذمة، ولا يصحُّ إن كانت معينة.
* * *
(فصل: يشترط: كون المنفعة معلومة) عينًا وقدرًا وصفة؛ كالبيع، فلا تصحُّ إجارةُ أحد عبديه، ولا إجارةُ الغائب على الأصحِّ، ولا إجارة مدة غير مقدرة، وإذا استأجر عقارًا اشترط تحديده بالجهات؛ كما يفعل في البيع، حكاه في "الكفاية" عن القاضي أبي الطيب (١).
ويستثنى من اشتراط القدر: دخول الحمام مع اختلاف أحوال الداخلين في المكث، واستعمال الماء، وحكى في "شرح المهذب" في (باب بيع الغرر) الإجماع عليه (٢).
(ثم تارة تُقدَّر) المنفعة (بزمان) فقط (كدار سنةً) معينةً متصلةً بالعقد، وفي معنى الدار: كلُّ ما لا ينضبط بالعمل لاختلافه؛ كالأواني، والثياب، والتطيين،
стр. 1107
وَتَارَةً بعَمَلٍ؛ كَدَابَّةٍ إِلَى مَكَّةَ، وَكَخِيَاطَةِ ذَا الثَّوْب، فَلَوْ جَمَعَهُمَا فَاسْتَأْجَرَهُ لِيَخِيطَهُ بَيَاضَ النَّهَارِ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ. وَيُقَدَّرُ تَعْلِيمُ القُرْآنِ بِمُدَّةٍ،
===
والرضاع، فإنه لا سبيل للضبط في هذه إلا بالزمان.
(وتارة بعمل؛ كدابة) معينة أو موصوفة (إلى مكة، وكخياطة ذا الثوبِ) من غير تقدير مدة؛ لأن هذه المنافعَ معلومةٌ في أنفسها فلم تفتقر إلى تقدير المدة.
وكلامه قد يوهم: تعين التقدير بالعمل في ذلك، وليس كذلك، بل يجوز تقديره بالزمان أيضًا على الانفراد، فيقول: (أجرني هذه الدابة لأركبها شهرًا، وأجرني عبدك ليخيط لي هذا الثوب)، أو (يخيط لي شهرًا).
(فلو جمعهما) أي: التقدير بالعمل والزمان (فاستأجره ليَخيطه بياضَ النهار .. لم يصحَّ في الأصحِّ) للغرر، فقد يتقدم العمل أو يتأخر، والثاني: يصحُّ؛ إذ المدة مذكورة للتعجيل، فلا تؤثر في الفساد، والثالث: إن أمكن حصولُه في تلك المدة .. صحَّ، وإلا .. فلا، وفي "البحر" عن البويطي إن أمكن .. كان ذكرُه أفضل (١).
(ويُقدّر تعليم القرآن بمدة) كشهر مثلًا؛ كما لو استأجر خَيَّاطًا ليخيط له شهرًا، وهذا هو الأصحُّ في "زيادة الروضة" والمجزوم به في "الشرحين" في (الصداق) (٢)، لكن الأشبه في "الشرح الصغير" و"التذنيب" هنا: أنه لا يجوز؛ لتفاوت السور والآت في سهولة الحفظ وصعوبته.
واعترض: بأن في ثبوت المنع وجهًا نظرًا، فإنه لا يكاد يوجد التصريح به لأحد، فضلًا عن ترجيحه.
وصورة المسألة: إذا لم يرد القرآن جميعه، بل ما يُسمَّى قرآنًا، أما إذا أريد جميعه .. فلا يصحُّ على الأصحِّ؛ لأن فيه جمعًا بين الزمان والعمل.
وحينئذ كان ينبغي للمصنف أن يقول: تعليم قرآن بالتنكير، فإن الشافعي ﵁ نصَّ في (باب التدبير) على أن القرآن بالألف واللام لا يطلق إلا على جميعه (٣).
стр. 1108
أَوْ تَعْيِينِ سُوَرٍ. وَفِي الْبنَاءِ يُبيِّنُ الْمَوْضِعَ، وَالطُّولَ، وَالْعَرْضَ، وَالسَّمْكَ، وَمَا يُبْنَى بهِ إِنْ قُدِّرَ بِالْعَمَلِ. وإِذَا صَلَحَتِ الأَرْضُ لِبنَاءٍ وَزِرَاعَةٍ وَغِرَاسٍ .. اشْتُرِطَ تَعْيِينُ الْمَنْفَعَةِ، وَيَكْفِي تَعْيِينُ الزِّرَاعَةِ عَنْ ذِكْرِ مَا يُزْرَعُ فَي الأَصَحِّ،
===
(أو تعيينِ سور) إن كانت كاملة، أو تعيين آيات؛ كعشر آيات من سورة كذا من أولها، أو من آخرها؛ للتفاوت بينهما في سهولة الحفظ، وصعوبته.
وأفهم: أنه لا يشترط تعيين القراءة؛ كقراءة أبي عمرو، وهو الأصح؛ إذ الأمر فيها قريب، فإن عين شيئًا .. تعين.
وأفهم أيضًا: أنه لا يشترط اختبار حفظ المتعلم، وهو كذلك، قال ابن الرفعة: ولو خرج ذهنه عن عادة أمثاله في البلادة ... فله الفسخ فيما يظهر.
ويشترط: علم المتعاقدين بما يقع العقد على تعليمه، فإن لم يعلماه .. وَكَّلا، ويكفي أن يفتحا المصحف ويقول: (تُعلِّمني من هنا إلى هنا)، قاله أبو الفرج الزاز، وتوقف فيه الرافعي، لأنه لا يفيد معرفة المشار إليه سهولة وصعوبة، قال في "الروضة" في (الصداق): وهو الصواب، فيتعين التوكيل (١).
(وفي البناء يبين الموضعَ) أي: موضع الجدار، (والطولَ) أي: طول البناء (والعرض، والسَّمْك، وما يُبنَى به) من طين وآجرٍّ، وغير ذلك (إن قُدِّر بالعمل) لاختلاف الأغراض به، فإن قدر بالزمان .. لم يحتج إلى بيان شيء من ذلك، وقد مرَّ تفسير الطول والعرض والسمك في (الصلح) فليراجع.
(وإذا صلحت الأرض لبناء وزراعة وغِراس .. اشترط تعيين المنفعة) لاختلاف الضرر اللاحق باختلاف منافع هذه الجهات" كما لو أجر بهيمة .. لا يجوز الإطلاق.
(ويكفي تعيين الزراعة عن ذكر ما يزرع في الأصحِّ) لقلة التفاوت بين أنواع الزرع، ويزرع ما شاء، قال الرافعي: وكان يحتمل أن ينزل على أقلِّ الدرجات (٢).
انتهى، وما بحثه حكاه الخوارزمي وجهًا، والثاني: لا يكفي، لاختلاف ضرر الزرع.
стр. 1109
وَلَوْ قَالَ: (لِتَنْتَفِعَ بِهَا بِمَا شِئْتَ) .. صَحَّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (إِنْ شِئْتَ فَازْرَعْ وَإِنْ شِئْتَ فَاغْرِسْ) فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِي إِجَارَةِ دَابَّةٍ لِرُكُوبٍ مَعْرِفَةُ الرَّاكِبِ بِمُشَاهَدَتِهِ أَوْ وَصْفٍ تَامٍّ، وَقِيلَ: لَا يَكْفِي الْوَصْفُ،
===
ويجري الخلاف في قوله: (لتغرس)، و (لتبني)، قاله الرافعي (١)، وتوقف فيه السبكي؛ لأن البناء والغراس تتفاوت كثيرًا، بخلاف الزرع.
(ولو قال: "لتنتفع بها بما شئت" .. صحَّ) ويصنع ما شاء؛ لرضاه به.
(وكذا لو قال: "إن شئت .. فازرع، وإن شئت .. فاغرس" في الأصحِّ) لرضاه بأعظمهما ضررًا، والثاني: المنع، للإيهام (٢)؛ كما لو قال: (بعتك بألف مكسَّرة إن شئت، وصحيحة إن شئت).
(ويشترط في إجارة دابة لركوب: معرفة الراكب بمشاهدة أو وصفٍ تام) لينتفي الغرر، وسواء إجارة العين والذمة.
ولم يبين المراد بالتام، وفي "الروضة" و"أصلها": واختلف في الوصف، فقيل: يذكر صفته في الضخامة والنحافة؛ ليعرف وزنه تخمينًا، وقيل: يصفه بالوزن، ولم يرجحا شيئًا (٣)، ورجح شيخنا قاضي القضاة جلال الدين البُلْقيني الثاني.
(وقيل: لا يكفي الوصف)، وتتعين المشاهدة؛ لأن الخبر ليس كالمعاينة، وهذا ما نقلاه في "الشرح" و"الروضة" عن الأكثرين (٤)، وحكاه في "المطلب" عن نصِّ "الأم"، لكن الرافعي قال: إن إلحاق الوصف التام بالمشاهدة أشبه في المعنى؛ [لأنه يفيد التخمين؛ كالمشاهدة] (٥)، قال السبكي: وهذا ليس وجهًا منقولًا، لكن الرافعي جعله في معنى المشاهدة؛ يعني: بحثًا، فعُلِمَ أن التخيير بينهما؛ كما في "الكتاب" ليس وجهًا بالكلية، فضلًا عن أن يكون هو المرجَّحَ.
стр. 1110
وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ مِنْ مَحْمِلٍ وَغَيْرِهِ إِنْ كَانَ لَهُ. وَلَوْ شَرَطَ حَمْلَ الْمَعَالِيقِ مُطْلَقًا .. فَسَدَ الْعَقْدُ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ .. لَمْ يَسْتَحِقَّ
===
(وكذا الحكم فيما يُركب عليه من مَحمِل وغيره) كعمارية وسرج وإكاف (إن كان له) أي: إن كان المُحضِرُ له هو المكتري، حيث اقتضى الشرط الركوب عليه، ولا بدَّ هنا عند عدم المشاهدة من الوزن مع الوصف على الأصحِّ، وقيل: يكفي الوزن أو الوصف.
ومحلُّ الخلاف: إذا تفاوتت المحامل تفاوتًا فاحشًا، وإلا .. كفى الإطلاق، ويحمل على معهودهم قطعًا.
واحترز بقوله: (إن كان له) عما إذا كان مجردًا ليس معه ما يركب عليه، فإنه لا حاجة إلى ذكر ما يركب عليه، ويركبه المؤجر على ما شاء على ما يليق بالدابة.
ولا يختص ما ذكر المصنف بما يركب عليه، بل ما كان معه من زاملة ونحوها كذلك، وقد صرح به في "المحرر" (١)، فلا وجه لإهماله.
(ولو شرط حملَ المعاليق مطلقًا) أي: من غير رؤية، ولا وصف ووزن ( ... فسد العقد في الأصحِّ) لاختلاف الناس فيها، فربما قلَّتْ، وربما كَثُرَتْ، والثاني: يصحُّ، ويحمل على الوسط المعتاد.
وكان ينبغي التعبير بالأظهر؛ لأن في المسألة قولين.
والمعاليق: السُّفْرة والإداوة والقُمْقُمة والقِدْر، قال الماوردي: وكذا المِفْحربة والمِخَدة، ونحو ذلك (٢).
والخلاف في السفرة والإداوة إذا كانتا فارغتين، فإن كان فيهما طعام وماء فلا بدَّ من رؤيته، أو معرفته بالوزن على المشهور.
(وإن لم يشرطه) أي: حمل المعاليق (لم يستحق) حملهما؛ لاختلاف الناس فيها، وقد لا يكون للراكب فيها معاليق أيضًا.
стр. 1111
وَيُشْتَرَطُ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ تَعْيِينُ الدَّابَّةِ - وَفِي اشْتِرَاطِ رُؤْيَتِهَا الْخِلَافُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ - وَفِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ ذِكْرُ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالذُّكُورَةِ أَوِ الأُنُوثَةِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا بَيَانُ قَدْرِ السَّيْرِ كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِالطَّرِيقِ مَنَازِلُ مَضبُوطَةٌ ... فَيُنَزَّل عَلَيْهَا. وَيَجِبُ فِي الإِيجَارِ لِلْحَمْلِ أَنْ يَعْرِفَ الْمَحْمُولَ - فَإِنْ حَضَرَ .. رَآهُ وَامْتَحَنَهُ بِيَدِهِ إِنْ كَانَ فِي ظَرْفٍ، وَإِنْ غَابَ .. قُدِّرَ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ -
===
(ويشترط في إجارة العين: تعيين الدابة) فلا يصحُّ أن يؤجره إحدى هاتين الدابتين.
(وفي اشتراط رؤيتها الخلاف في بيع الغائب) والأظهر: اشتراطه، كما مرَّ في بابه.
(وفي إجارة الذمة: ذكرُ الجنس) كالإبل أو الخيل أو الحمير، (والنوع) كالبَخَاتي أو العِراب، (والذكورة أو الأنوثة) لاختلاف الغرض، فإن الأنثى أسهل سيرًا، والذكر أقوى، ويشترط أيضًا: أن يقول كـ: (مهملج)، أو (بحر)، أو (قطوف) على الأصحِّ (١)؛ لأن معظم الغرض يتعلق بكيفية السير.
(ويشترط فيهما) أي: في إجارة العين والذمة (بيان قدر السير كلَّ يوم) لتفاوت الغرض فيه، (إلا أن يكون بالطريق منازلُ مضبوطة فيُنزَّل) إطلاق العقد (عليها) كما يصرف إطلاق النقد إلى غالب نقد البلد.
فإن شرطا خلافه .. اتُّبع إن أطاقته البهيمة، فإن لم تكن منازل مضبوطة، أو كانت واختلفت العادة .. لم يصحَّ حتى يبينا، أو يقدِّرا بالزمان، كالثمن في موضع لا نقد فيه.
(ويجب في الإيجار للحمل أن يَعرف المحمولَ) لاختلاف تأثيره وضرره.
(فإن حضر .. رآه وامتحنه بيده إن كان في ظرف) ليعرف وزنه تخمينًا.
(وإن غاب .. قُدِّرَ بكيل) إن كان مكيلًا، (أو وزن) إن كان موزونًا، أو مكيلًا قالا: والوزن في كلِّ شيء أولى وأحصر (٢).
стр. 1112
وَجنْسَهُ، لَا جِنْسَ الدَّابَّةِ وَصِفَتَهَا إِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ ذِمَّةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحْمُولُ زُجَاجًا وَنَحْوَهُ.
فَصْلٌ [في منافع يمتنع الاستئجار لها ومنافع يخفى الجواز فيها وما يعتبر فيها]
لَا تَصِحُّ إِجَارَةُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ،
===
(وجنسَه) أي: ويجب أن يعرف المكري جنس المحمول؛ لأن تأثير الحديد والقطن في الدابة - وإن استويا في الوزن - يختلف.
نعم؛ لو قال: (أجرتكها لتحمل عليها مئة رطل مما شئت) .. صحَّ في الأصحِّ، ويكون رضًا منه بأضَرِّ الأجناس، ولا حاجة مع ذلك إلى بيان الجنس، هذا في الموزون، أما المكيل: فلا يغني قوله: (عشرة أقفزة مما شئت) عن ذكر الجنس؛ كما صوبه في "زيادة الروضة"؛ لكثرة الاختلاف في الكيل وقلَّته في الوزن، وأين ثقل الملح من ثقل الذُّرة (١).
(لا جنسَ الدابة وصفتَها إن كانت إجارةَ ذمة) أي: لا يشترط معرفة ذلك، بخلاف الركوب؛ إذ الغرض هنا نقل المتاع إلى الموضع المنقول إليه، فلا يختلف الغرض بحال حامله.
واحترز بالذمة: عن العين، فإنه على ما سلف في الركوب.
(إلا أن يكون المحمول زُجاجًا ونحوه) مما يسرع انكساره؛ كالخزف، فلا بدَّ من بيان حال الدابة؛ كالركوب.
وصورة المسألة - كما قاله الإمام -: أن يعين الزجاج في العقد أما لو جعل عماد العقد الوزن، ونوى حمل الزجاج وأضمره .. فلا يجب التعرض للدابة (٢).
واستثنى القاضي أيضًا: ما إذا كان في الطريق وَحَلٌ؛ لأن الضعيفة تسقط فيه دون القوية.
* * *
(فصل: لا تصحُّ إجارة مسلم لجهاد) لأنه وإن لم يكن متعينًا عليه فهو إذا حضر
стр. 1113
وَلَا عِبَادَةٍ تَجِبُ لَهَا نِيَّةٌ إِلَّا الْحَجِّ وَتَفْرِقَةِ زَكَاةٍ. وَتَصحُّ لِتَجْهِيزِ مَيْتٍ وَدَفْنِهِ، وَتَعْلِيمِ الْقُرآنِ، وَلِحَضَانَةٍ وَإِرْضَاعٍ مَعًا، وَلِأحَدِهِمَا فَقَطْ،
===
الصف .. تعين عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين.
وخرج بالمسلم: الذمي، وسيأتي في بابه ما فيه، إن شاء الله تعالى.
(ولا عبادةٍ تجب لها نية) إذ القصد امتحانُ المكلف بها، ولا يقوم المستأجر في ذلك مقامه، (إلا الحج) (١) والعمرةِ لما مرَّ في بابه، (وتفرقة زكاة) وكلّ ما تدخله النيابة؛ كالكفارة، وذبح الضحايا، والصوم عن الميت، وكذا ركعتا الطواف، فإنها تقع عن المحجوج عنه على الأصحِّ، وجوازهما إنما هو بالتبع للإحرام.
(وتصح لتجهيز ميت ودفنه) وإن تعين عليه في الأصحِّ؛ لأن فرض الكفاية في ذلك ليس متأصلًا؛ إذ مؤنة ذلك تختص بتركة الميت، فالأجير غيرُ مقصود بفعله.
(وتعليمِ القرآن) وإن تعين عليه؛ لقوله ﷺ : "إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ الله تَعَالَى" (٢).
وقيل: إن تعين .. لم يجز؛ كفرض العين ابتداء.
وقد مرَّ شروط صحة الاستئجار على تعليم القرآن عند قوله: (ويقدر تعليم القرآن بمدة، أو تعيين سور)، وعلم منه هناك صحةُ الإجارة عليه، لكن ذكره هنا لكونه مستثنىً من العبادات.
نعم؛ محلُّ صحة الاستئجار عليه: إذا كان المتعلم مسلمًا، أو كافرًا يُرجَى إسلامه.
(ولحَضانة وإرضاع معًا) أي: يصحُّ لهما، حرة كانت المرأة أو أمة.
(ولأحدهما فقط) أما الحضانة .. فلأنها نوع خدمة، وأما الرضاع .. فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ الآية.
واعلم: أن الحضانة صغرى، وهي: وضعه في الحِجر، وإلقامه الثدي، وعصره له، وكبرى: وهي بالمعنى الآتي تفسيرُه في كلام المصنف.
стр. 1114
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَسْتَتْبِعُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، وَالْحَضَانَةُ: حِفْظُ صَبِيٍّ وَتَعَهُّدُهُ بغَسْلِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَدَهْنِهِ وَكَحْلِهِ وَرَبْطِهِ فِي الْمَهْدِ وَتَحْرِيكِهِ لِيَنَامَ وَنَحْوِهَا. وَلَوِ اسْتَأْجَرَ لَهُمَا فَانْقَطَعَ اللَّبَنُ .. فَالْمَذْهَبُ: انْفِسَاخُ الْعَقْدِ فِي الإِرْضَاعِ دُونَ الْحَضَانَةِ
===
وإذا استأجر للإرضاع .. وجب تعيين المدة والصبيِّ، ويعرف بالمشاهدة، قاله في "البحر" (١)، وقال الماوردي: يشترط: معرفة سنه؛ لاختلاف شربه اللبن بذلك (٢).
ويشترط: ذكر موضع الإرضاع، أهو في بيته أو بيتها، وحكى القفال في "فتاويه" قولًا: أنه لا يصحُّ للمسلم أن يستأجر يهودية لترضع ابنَه، ويُخلَّى بينه وبينها؛ لأنها ربما تخلفت عن تعهده.
(والأصحُّ: أنه لا يستتبِع أحدُهما الآخر) كسائر المنافع المختلفة، والثاني: نعم؛ للعادة بتلازمهما، والثالث: يستتبع الإرضاعُ الحضانةَ، ولا عكس، والرابع: عكسه، حكاه في "المطلب".
والمراد: الحضانة الكبرى، أما الصغرى .. فقطع المتولي وغيره بدخولها في الرضاع؛ إذ لا يمكن إلا بها، بل الأصحُّ: أنه إذا استأجر للرضاع .. يكون المعقود عليه الحضانةَ الصغرى، واللبن تابع، وقيل: عكسه.
(والحَضانة: حفظ صبي وتعهدُه (٣)؛ بغسل رأسه وبدنه وثيابه، ودهنه، وكحله، وربطه في المهد، وتحريكه لينام، ونحوِها) لاقتضاء اسم الحضانة في العرف ذلك، ولحاجة الرضيع إليها.
واشتقاقه من الحِضْن، وهو تحت الإِبْط إلى الكَشْح؛ لأن الحاضنة تجعل الطفل هنالك.
(ولو استأجر لهما) أي: للحَضانة والإرضاع (فانقطع اللبن .. فالمذهب: انفساخ العقد في الإرضاع دون الحَضانة) هذا الخلاف مبني على أن المعقود عليه
стр. 1115
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ حِبْرٌ وَخَيْطٌ وَكُحْلٌ عَلَى وَرَّاقٍ وَخَيَّاطٍ وَكَحَّالٍ. قُلْتُ: صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي "الشَّرْحِ" الرُّجُوعَ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ، فَإِنِ اضْطَرَبَتْ .. وَجَبَ الْبَيَانُ، وَإِلَّا .. فَتَبْطُلُ الإِجَارَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
===
ماذا؟ فقيل: إنه اللبن؛ لأنه أشدُّ مقصودًا، والحضانة تابعة، فعليه: ينفسخ العقد بانقطاعه، وقيل: عكسه؛ لأن الإجارة وُضعت للمنافع، والأعيان تقع تابعةً، فعليه: لا ينفسخ العقد، لكن للمستأجر الخيار؛ لأنه عيب.
والأصحُّ: أن المعقود عليه كلاهما؛ لأنهما مقصودان، فعليه: ينفسخ العقد في الإرضاع، ويسقط قسطه من الأجرة، وفي الحضانة قولا تفريقِ الصفقة.
قال الرافعي: ولم يفرقوا في طرد الخلاف بين أن يصرح بالجمع بينهما، أو يذكر أحدهما، ويحكم باستتباعه الآخر، وحسنٌ أن يفرَّق، فيقال: إن صرح .. فمقصودان قطعًا، وإن ذكر أحدهما .. فهو المقصود، والآخر تابع. انتهى (١)، وقد خصصه الإمام بما إذا جمع بين الحضانة والإرضاع (٢).
(والأصحُّ: أنه لا يجب حِبر وخيط وكُحل على وَرَّاق) وهو الناسخ (وخَيَّاط وكَحَّال) اقتصارًا على مدلول اللفظ، والأعيان لا تُستَحق بالإجارة، وأمر اللبن على خلاف القياس؛ للضرورة.
(قلت: صحح الرافعي في "الشرح" الرجوعَ فيه إلى العادة) إذ لا ضابط في الشرع، ولا في اللغة.
(فإن اضطربت .. وجب البيان، وإلا .. فتبطل الإجارة، والله أعلم) للجهالة.
واعلم: أن الرافعي لم يعبر بالأصحِّ، بل قال: إنه الأشبه، وقال عن الأول: إنه الأشهر (٣)، وفي "المحرر" إنه المشهور، فإذًا لا اعتراض على "المحرر" لأنه اقتصر على المشهور (٤)، وإن كان الأشبه من حيث المعنى خلافه.
стр. 1116
فَصْلٌ [فيما يلزم المكري أو المكتري لعقار أو دابة]
يَجِبُ تَسْلِيمُ مِفْتَاحِ الدَّارِ إِلَى الْمُكْتَرِي. وَعِمَارَتُهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ، فَإِنْ بَادَرَ وَأَصلَحَهَا، وَإِلَّا .. فَلِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ
===
قال المنكت: وظاهر عبارة "الكتاب": أن المصنف لم يصحح شيئًا، بل ذكر اختلاف تصحيح الرافعي في كتابيه، قال: وقد يقال إنه مرجح للأول؛ لأنه حكى الثاني، ولم يصححه فدلَّ على اختياره الأول، وقد يقال: إنه مرجح للثاني؛ لأنه كالاستدراك، ويؤيده أنه في "الروضة" لما ذكر تصحيح الثاني لم يتعقبه بما في "المحرر" (١).
* * *
(فصل: يجب تسليم مفتاح الدار إلى المكتري) لتوقف الانتفاع عليه، فإن لم يسلمه .. فللمكتري الخيار، قال القاضي: وتنفسخ الإجارة في مدة المنع، وهذا في مفتاح غَلَقٍ مُثبَّتٍ، أما لو كانت يُقفَل عليها قُفْلُ حديد .. لم يجب تسليم القُفل، فإن الأصل عدمُ دخول المنقول.
(وعمارتها على المؤجر) سواء كانت مَرَمَّةً لا تحتاج إلى عين زائدة؛ كإقامة جذع مائل، أو تحتاج؛ كبناء وجذع وتطيين.
(فإن بادر وأصلحها) فذاك (وإلا .. فللمكتري الخيار) إذا نقصت المنفعة؛ لتضرره، فإذا وَكَفَ البيتُ .. ثبت الخيار في تلك الحالة، فإذا انقطع .. زال الخيار إلا إذا حصل بسببه نقص.
وقوله: (فإن بادر ... ) إلى آخره يقتضي أنه لا يجب عليه العمارة، ومحله في الطِّلْق إذا احتاج إلى عين؛ لأنه إلزام عين جديدة، أما المَرَمَّة .. ففيها وجهان بلا ترجيح في "الروضة" و"أصلها" (٢)، أما الوقف .. فتجب عمارته؛ كما أوضحوه في بابه، وفي معناه: المتصرف بالاحتياط؛ كولي الطفل.
стр. 1117
وَكَسْحُ الثَّلْجِ عَنِ السَّطْحِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ. وَتنظِيفُ عَرْصَةِ الدَّارِ عَنْ ثَلْجٍ وَكُنَاسَةٍ عَلَى الْمُكْتَرِي. وَإِنْ أَجَّرَ دَابَّةً لِرُكُوبٍ .. فَعَلَى الْمُؤَجِّرِ إِكَافٌ وَبَرْذَعَةٌ وَحِزَامٌ وَثَفَرٌ وَبُرَةٌ وَخِطَامٌ،
===
(وكسح الثلج) أي: كنسه (عن السطح على المؤجر) لأنه كالعمارة.
(وتنظيف عَرصة الدار عن ثلج وكُناسة على المكتري) أما الثلج .. فلأنه يتوقف عليه كمال الانتفاع لا أصله، وأما الكُناسة .. فلحصولها بفعله، بخلاف التراب الذي يجتمع بهبوب الرياح فإنه لا يلزم المستأجرَ نقلُه على الأصوب في "زيادة الروضة" (١).
وقوله: (على المكتري) ليس المراد إلزامَه بذلك، وإنما المراد: أنه ليس على المكري؛ كما صرح به في "الروضة" (٢).
وتنقية البالوعة والحَشِّ على المكتري على الأصحِّ، لأنه حصل بفعله، فإن نقَّى .. فذاك، وإلا .. فلا خيار له، ولا يجب عليه تنقيتهما عند فراغ المدة على الأصحِّ.
(وإن أجر دابةً لركوب .. فعلى المؤجر) عند إطلاق العقد (إكاف وبَرْذَعة وحِزام وثفر وبرة وخِطام) لأن التمكين واجب عليه، ولا يحصل بدون ذلك، والعرف مطرد به، وسواء إجارة العين والذمة.
والإكاف: - بكسر الهمزة وضمها - هو للحمار؛ كالسَّرْج للفرس، وكالقَتَب للبعير، قاله المُطرِّزي وغيره (٣)، وفسره صاحب "تثقيف اللسان"، وصاحب "الفصيح" بالبَرْذَعة، فعلى هذا: لا يَحسن جمعُ المصنف بينهما.
والثَّفَر: ما يُجعل تحت ذنب الدابة.
والبُرَة: حلقة تُجعل في أنف البعير.
والخطام: - بكسر الخاء -: الخيط الذي يُشدُّ في البُرَة، ثم يُشدُّ في طرف المِقود.
стр. 1118
وَعَلَى الْمُكْتَرِي مَحْمِلٌ وَمِظَلَّةٌ وَوِطَاءٌ وَغِطَاءٌ وَتَوَابِعُهَا، وَالأَصَحُّ فِي السَّرْجِ: اتِّبَاعُ الْعُرْفِ. وَظَرْفُ الْمَحْمُولِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، وَعَلَى الْمُكْتَرِي فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ. وَعَلَى الْمُؤَجِّرِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ: الْخُرُوجُ مَعَ الدَّابَّةِ لِتَعَهُّدِهَا، وَإِعَانَةُ الرَّاكِبِ فِي رُكُوبِهِ وَنُزُولِهِ بِحَسَب الْحَاجَةِ، وَرَفْعُ الْحِمْلِ وَحَطُّهُ، وَشَدُّ الْمَحْمِلِ وَحَلُّهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ إِلَّا التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْمُكْتَرِي وَالدَّابَّةِ
===
(وعلى المكتري محمِل ومِظلة ووِطاء وغطاء وتوابعها) كالحبل الذي يُشدُّ به المَحمِل على البعير، أو يُشدُّ به أحد المحملين إلى الآخر؛ عملًا بالعرف.
(والأصحُّ في السَّرج) إذا كان المستأجر فرسًا (اتِّباع العوف) قطعًا للنزاع، والثاني: على المؤجر، كالإكاف، والثالث: المنع؛ لأنه ليس به عادة مطردة، ولم يرجح الرافعي في "الشرحين" شيئًا، واقتصر في "الروضة" على عزو تصحيحه كـ "المحرر" (١).
(وظرف المحمول على المؤجر في إجارة الذمة) لأنه قد التزم النقل، فليُهَيئ أسبابه، والعادةُ مؤيدة له، (وعلى المكتري في إجارة العين) لأنه ليس عليه إلا تسليم الدابة بالإكاف ونحوه.
(وعلى المؤجر في إجارة الذمة: الخروج مع الدابة لتعهدها، وإعانةُ الراكب في ركوبه ونزوله بحسَب الحاجة) فينيخ البعير للمرأة والضعيف، ويقرب البغل، والحمار من نَشْزٍ ونحوه (٢)؛ ليسهل عليه ركوبه؛ لاقتضاء العرف ذلك، والاعتبار في القوة والضعف بحالة الركوب لا بحالة الإجارة.
(ورفعُ الحِمل وحطُّه، وشدُّ المحمِل وحلُّه) لاقتضاء العرف ذلك، وقد يشمل شدَّ أحدِ المحملين إلى الآخر، وهما بعد على الأرض، وهو الأصحُّ في "الشرح الصغير" و "زيادة الروضة" (٣).
(وليس عليه في إجارة العين إلا التخلية بين المكتري والدابة) فلا تجب عليه الإعانةُ
стр. 1119
وَتنفَسِخُ إِجَارَةُ الْعَيْنِ بتَلَفِ الدَّابَّةِ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِعَيْبِهَا. وَلَا خِيَارَ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، بَلْ يَلْزَمُهُ الإِبْدَالُ، وَالَطَّعَامُ الْمَحْمُولُ لِيُؤْكَلَ يُبْدَلُ إِذَا أُكِلَ فِي الأَظْهَرِ.
فَصْلٌ [في بيان غاية المدة التي تقدر بها المنفعة تقريبًا]
يَصِحُّ عَقْدُ الإِجَارَةِ مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ غَالِبًا،
===
ونحوها؛ لأنه لم يلتزم سوى تسليم الدابة.
(وتنفسخ إجارةُ العين بتلف الدابة) لفوات المعقود عليه.
واحترز بـ (العين) عن إجارة الذمة، فلا تنفسخ بل تبدل.
(ويثبت الخيارُ بعيبها) كما لو وجد المبيع معيبًا، والمراد بالعيب: ما يؤثر في المنفعة، لا كلُّ عيب؛ ككونها لا تبصر ليلًا، أو تَعثُر، أو عَرْجاء بحيث تتخلف عن القافلة.
(ولا خيار في إجارة الذمة) بتعيبها (بل يلزمه الإبدال)، كما لو وجد بالمسلم فيه عيبًا؛ لأن المعقود عليه في الذمة بصفة السلامة، وهذا غير سليم.
(والطعام المحمول ليؤكل يُبدَل إذا أُكل في الأظهر) كسائر المحمولات إذا باعها أو تلفت، والثاني: لا، لأن العادة في الزاد ألا يبدل.
والقولان إذا أكل بعضه، فإن أكل كلّه .. فالمشهور: الإبدال، وفيه وجه ضعيف.
ومحلُّ الخلاف: إذا كان يجد الطعام في المنازل المستقبلة بسعر موضعه، وإلا .. أبدل قطعًا، وهذا كلُّه عند الإطلاق فإن شرط شيء .. اتبع.
واحترز بقوله: (أكل) عما إذا تلف بسرقة وغيرها، فيبدل، كذا جزما به، وقال في "العجالة": (فيه قول حكاه الماوردي) (١).
* * *
(فصل: يصحُّ عقد الإجارة مدةً تبقى فيها العين غالبًا) لأنها تجوز إلى سنة وِفاقًا، وما جاز إليها .. جاز إلى أكثر منها؛ كالأجل في البيع.
стр. 1120
وَفِيِ قَوْلٍ: لَا يُزَادُ عَلَى سَنَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثِينَ. وَلِلْمُكْتَرِي اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِغيْرِهِ؛ فَيُرْكِبُ وَيُسْكِنُ مِثْلَهُ،
===
وخرج بالغالب: ما لا يبقى غالبًا، والمرجع في المدة التي تبقى فيها العين غالبًا إلى أهل الخبرة، قال في "أصل الروضة": فلا يؤجر العبد أكثر من ثلاثين سنة، والدابة عشر سنين، والثوب سنتين أو سنة على ما يليق به، والأرض مئة سنة فأكثر (١).
وظاهر إطلاقه: أنه لا فرق في ذلك بين الوقف والطِّلْق، وهو المشهور، وقال القاضي والمتولي: أجمع الحكام على أن الوقف لا يؤجر أكثر من ثلاث سنين؛ لئلا يندرس، قال الرافعي: وهذا الاصطلاح غير مطرد، وفي "أمالي السَّرَخْسي" أن المذهب: منع إجارة الوقف أكثر من سنة إذا لم تمس إليه حاجة، كعمارة (٢)، وحكاه الإمام وجهًا، وقال: لا اتجاه له في الوقف على جهات الخير.
(وفي قول: لا يزاد على سنة) لاندفاع الحاجة بها، (وفي قول: ثلاثين) لأنها شطرُ العمر الغالب، والغالب تغيُّر الأشياء بعدها، وقيل: يجوز إلى مدة لا تبقى فيها العينُ غالبًا؛ لأن الأصل فيها الدوامُ، وصححه في "البسيط".
(وللمكتري استيفاءُ المنفعة بنفسه وبغيره) كما يجوز أن يؤجر ما استأجره من غيره، فلو شُرط استيفاءها بنفسه .. لم يصحَّ؛ كما جزم به في "الكافي"؛ كما لو باع عينًا بشرط ألا يبيعها، وقيل: يصحُّ ويلغو الشرط، وقيل: يصحان، حكاهما في "المهذب" و"البحر" و"البيان" (٣).
ويستوفي المنفعة بالمعروف، فإذا استأجر ثوبًا للبس .. لبسه نهارًا، وليلًا إلى وقت النوم، ولا ينام فيه ليلًا، ويجوز نهارًا على الأصحِّ.
(فيُركِب ويسكن مثلَه) لأنه استيفاء عين المنفعة المستحقة بغير زيادة، وفهم منه: جواز استيفاء من هو دونه من باب أولى.
стр. 1121
وَلَا يُسْكِنُ حَدَّادًا وَقَصارًا. وَمَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ، كَدَارٍ وَدَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ .. لَا يُبْدَلُ، وَمَا يُسْتَوْفَى بِهِ، كَثَوْبٍ وَصَبِيٍّ عُيِّنَ لِلْخِيَاطَةِ وَالارْتِضَاعِ .. يَجُوزُ إِبْدَالُهُ فِي الأَصَحِّ. وَيَدُ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ يَدُ أَمَانَةٍ مُدَّةَ الإِجَارَةِ،
===
(ولا يسكنِ حدَّادًا وقصَّارًا) والصورة أنه ليس كذلك؛ لزيادة الضرر.
(وما يُستوفى منه، كدار ودابة معينة .. لا يُبْدل) كما لا يبدل المبيع.
وقوله: (معينة) قيد في الدابة خاصة، فإن الدار لا تكون إلا معينة.
ويستثنى من مفهومه: ما إذا تسلم المستأجر الدابة في إجارة الذمة .. فإنه ليس للمؤجر إبدالها بغير رضاه على الأصحِّ، لاختصاصه بها.
(وما يُستوفى به، كثوب وصبي عُيِّنَ للخياطة والارتضاع) وكأغنام معينة للرعي ( ... يجوز إبداله) بمثله (في الأصحِّ) لأنه ليس بمعقود عليه، وإنما هو طريق الاستيفاء، فأشبه الراكب والمتاع المعين للحمل، والثاني: المنع، كالمستوفى منه (١)، وما رجحه تبع فيه "المحرر" (٢)، وكذا في "الشرح الصغير"، ولا ترجيح في "الروضة" و"أصلها".
وقضية كلامهما: أن الأكثرين على المنع (٣)، وعزاه في "الشامل" للأصحاب.
وكان ينبغي أن يقول: (عيّنا) فإنه صفة لصبي وثوب، وإيقاع ضمير المفرد موضع التثنية شاذٌّ (٤).
(ويد المكتري على الدابة والثوب يدُ أمانة مدةَ الإجارة) فيصدق في التلف، ولا يضمن ما تلف منها بلا تعد ولا تقصير بالإجماع، لأنه مستحق المنفعة، ولا يمكن استيفاؤها إلا بإثبات اليد على العين، فكانت أمانة، كالشجرة يشترى
стр. 1122
وَكَذَا بَعْدَهَا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ رَبَطَ دَابَّةً اكْتَرَاهَا لِحَمْلٍ أَوْ رُكُوبٍ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا .. لَمْ يَضمَنْ إِلَّا إِذَا انْهَدَمَ عَلَيْهَا إِصْطَبْلٌ فِي وَقْتٍ لَوِ انْتَفَعَ بِهَا لَمْ يُصِبْهَا الْهَدْمُ. وَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِ أَجِيرٍ بِلَا تَعَدٍّ، كَثَوْبٍ اسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَتِهِ أَوْ صَبْغِهِ .. لَمْ يَضْمَنْ إِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِالْيَدِ؛ بِأَنْ قَعَدَ الْمُسْتَأْجِرُ مَعَهُ أَوْ أَحْضرَهُ مَنْزِلَهُ،
===
ثمرتها، بخلاف ظرف المبيع فإنه مضمون على الأصحِّ، لأنه يمكن قبض المبيع بدون الظرف، فتمحض قبضه لغرض نفسه.
(وكذا بعدها في الأصحِّ) استصحابًا لما كان؛ كالمودَع، والثاني: يضمن؛ كالمستعير.
(ولو ربط دابة اكتراها لحمل أو ركوب ولم ينتفع بها) وتلفت ( .. لم يضمن) لأنها بيده أمانة، وسواء تلفت في المدة أو بعدها.
وإنما قيد المسألة بالربط .. ليستثني منها، وإلا لو تلفت في مدة الانتفاع .. كان الحكم كذلك.
(إلا إذا انهدم عليها إصطبلٌ في وقت لو انتفع بها لم يُصبها الهَدْم) لأنه لو استعملها خارج الإصطبل في وقت الانهدام .. لسلمت، ولا بدَّ من تقييده بأن تكون العادة في ذلك الوقت جاريةً بالانتفاع بها، كالنهار، للاحتراز عما إذا كان المعهود في تلك الحالة أن تكون تحت سقف؛ كجُنْح الليل في الشتاء، فإنه لا يضمن.
(ولو تلف المال في يد أجير بلا تعدٍّ؛ كثوب استؤجر لخياطته أو صَبغِه .. لم يضمن إن لم ينفرد باليد؛ بأن قعد المستأجر معه، أو أَحضره منزلَه) لأن يد المالك ثابتةٌ على العين حكمًا، والمال غير مسلم إليه حقيقة، وإنما استعان به المالك في شغله؛ كالمستعين بالوكيل.
واحترز بقوله: (بلا تعدٍّ) عما إذا تعدَّى؛ كما لو أسرف الخَبَّاز في الوقود، أو تركه في النار حتى احترق؛ فإنه يضمن لا محالة.
وقوله: (بأن قعد ... ) إلى آخره هو تفسير لقوله: (إن لم ينفرد).
وقوله: (أو صبغه) هو بفتح الصاد؛ كما ضبطه المصنف بخطه؛ لأن المراد به: المصدر لا ما يُصبغ به.
стр. 1123
وَكَذَا إِنِ انْفَرَدَ فِي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ، وَالثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْمُشْتَرِكُ - وَهُوَ مَنِ الْتَزَمَ عَمَلًا فِي ذِمَّتِهِ - لَا الْمُنْفَرِدُ؛ وَهُوَ: مَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً لِعَمَلٍ. وَلَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إِلَى قَصَّارٍ لِيَقْصُرَهُ، أَوْ خَيَّاطٍ لِيَخِيطَهُ فَفَعَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ أُجْرَةً .. فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَقِيلَ: لَهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ الْعَمَلِ .. فَلَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَقَدْ يُسْتَحْسَنُ
===
(وكذا إن انفرد) باليد (في أظهر الأقوال) سواء المشترك والمنفرد؛ لأنه لم تثبت يده لمحض غرضه، وإنما أثبتها لغرضه وغرض المالك؛ فأشبه عامل القراض والمستأجر، فإنهما لا يضمنان؛ إجماعًا، والثاني: يضمن؛ لحديث: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" (١)، ولأنه أخذه لمصلحة نفسه؛ كالمستعير والمستام.
(والثالث: يضمن المشترك، وهو: من التزم عملًا في ذمته) كعادة الخيَّاطين والقصَّارين، (لا المنفردُ؛ وهو: من أجر نفسه مدة معينة لعمل) لأن المنفرد منافعه مختصة بالمستأجر في المدة، فيده كيد الوكيل مع المُوكِّل، ولأن استحقاقه الأجرةَ لا يتوقف على العمل، بل على التمكن منه، فلم يكن العمل واقعًا له، بخلاف المشترك؛ فإنه لا يستحق إلا بالعمل.
(ولو دفع ثوبًا إلى قَصَّار ليَقصُره، أو) إلى (خَيَّاط ليخيطه ففعل ولم يذكر أجرةً .. فلا أجرة له) لأنه لم يلتزم له عوضًا؛ فصار كقوله: (أطعمني)، فأطعمه، (وقيل: له) أجرة المثل؛ لاستهلاكه منفعته، (وقيل: إن كان معروفًا بذلك العمل) بالأجرة ( .. فله، وإلا .. فلا) لدلالة العرف على ذلك. (وقد يُستحسن) لموافقة العادة، وحكاه الروياني في "الحلية" عن الأكثرين، وقال: إنه الاختيار، وقال في "البحر": وبه أُفتي (٢)، وقال الغزالي: إنه الأظهر، وقال الشيخ عز الدين: إنه الأصحُّ، وأفتى به خلق من المتأخرين، وعلى هذا: فيجب للعامل أجرةُ المثل؛ كما هو ظاهر كلام الرافعي وغيره (٣)، وقال الشيخ عز الدين: تجب له الأجرةُ
стр. 1124
وَلَوْ تَعَدَّى الْمُسْتَأْجِرُ؛ بِأَنْ ضَرَبَ الدَّابَّةَ، أَوْ كَبَحَهَا فَوْقَ الْعَادَةِ، أَوْ أَرْكَبَهَا أَثْقَلَ مِنْهُ، أَوْ أَسْكَنَ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارًا .. ضَمِنَ الْعَيْنَ، وَكَذَا لَوِ اكْتَرَى لِحَمْلِ مِئَةِ رَطْلٍ حِنْطَةً فَحَمَلَ مِئَة شَعِيرًا أَوْ عَكَسَ
===
التي جرت بها العادةُ لذلك العامل وإن زادت على أجرة المثل.
واحترز بقوله: (ولم يذكر أجرة) عما إذا قال: (مجّانًا)، فلا يستحق شيئًا قطعًا، أو ذكر الأجرة، فيستحقها قطعًا.
وعلى الأول الأصحِّ: استثُني: عاملُ المساقاة، إذا عمل ما ليس من أعمالها بإذن المالك .. استَحق الأجرة؛ كما جزما به هناك (١)، ولا يستثنى داخل الحَمَّام حيث تجب عليه الأجرة وإن لم يَشرِط شيئًا، فإن الداخل مستوفٍ منفعةَ الحمام بسكونه ونحوه، فإن صاحب المنفعة هو الذي صرفها إلى الغير.
ويستثنى: عامل الزكاة، حيث قال الرافعي: إن شاء الإمام .. بعثه ثم أعطاه الأجرة، وإن شاء .. سَمَّى له؛ لأن الأجرة ثابتة له بنصِّ القرآن، فهي مسماة شرعًا، سماها الإمام حين البعث أم لا.
(ولو تعدى المستأجر؛ بأن ضرب الدابةَ، أو كبحها) أي: جذبها باللجام لتقف (فوق العادة، أو أركبها أثقلَ منه، أو أسكن حدَّادًا أو قصَّارًا) وهما أشد ضررًا مما استأجر له ( .. ضمن العين) أي: دخلت في ضمانه؛ لتعديه.
واحترز بـ (فوق العادة): عما لو ضربها الضرب المعتاد فتلفت .. فإنه لا يضمن، بخلاف ضرب الزوجة؛ لإمكان تأديبها باللفظ.
واستثني: ما لو تعدى في الأرض المستأجرة لزرع الحنطة فزرع الذرة، فإنه لا يصير ضامنًا للأرض غاصبًا لها على الأصحِّ في "زيادة الروضة" (٢)، بل تلزمه أجرة المثل للذرة، وأجيب: بأنه إنما تعدى في المنفعة لا الرقبة.
(وكذا لو اكترى لحمل مئة رطلٍ حنطةً فحمل مئة شعيرًا، أو عكس) لأن الحنطة
стр. 1125
أَوْ لِعَشْرَةِ أَقْفِزَةِ شَعِيرٍ فَحَمَلَ حِنْطَةً دُونَ عَكْسِهِ. وَلَوِ اكْتَرَى لِمِئَةٍ فَحَمَلَ مِئَةً وَعَشَرَةً .. لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزِّيَادَةِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِذَلِكَ .. ضَمِنَهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا مَعَهَا، فَإِنْ كَانَ .. ضمِنَ قِسْطَ الزِّيَادَةِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفَ الْقِيمَةِ. وَلَوْ سَلَّمَ الْمِئَةَ وَالْعَشَرَةَ إِلَى الْمُؤَجِّرِ، فَحَمَّلَهَا جَاهِلًا
===
أثقل، فيجتمع ثقلها في موضع واحد، والشعير أخف، فيأخذ من ظهر الدابة أكثر، فالضرر مختلف.
(أو لعشرةِ أقفزةِ شعيرٍ فحمل حنطة) لأنها أثقل (دون عكسه) وهو ما إذا اكترى لحمل عشرة أقفزة حنطة، فحمل شعيرًا؛ لأن قدرهما في الحجم سواء، والشعير أخف.
(ولو اكترى لمئة فحمل مئةً وعشرة .. لزمه أجرة المثل للزيادة) مع المُسمَّى؛ لتعديه بها، وإنما مثل بالعشرة للإشارة إلى أن محلَّ ذلك: إذا كانت الزيادة قدرًا لا يقع التفاوت به بين الكَيْلين، أما لو كانت كذلك؛ كما لو حمل زيادة يتسامح فيها، قال ابن الرفعة: كالمَكُّوك والمَكُّوكين .. فإنه لا أجرة ولا ضمان بسببها (١).
(وإن تلفت بذلك .. ضمنها) ضمان يد (إن لم يكن صاحبُها معها) لأنه صار غاصبًا بحمل الزيادة.
وقوله: (بذلك) غير قيد؛ فلو تلفت بسبب غيره .. ضمنها.
(فإن كان) صاحبها معها ( .. ضمن قسطَ الزيادة) مواخذة له بقدر الجناية، (وفي قول: نصفَ القيمة) لأن تلفها بمضمون وغيره، فقسطت القيمة عليهما؛ كما لو جرحه واحد جراحة وآخر جراحات.
وفرق الأول بتيسر التوزيع هنا، بخلاف الجراحات فإن نكاياتها لا تنضبط.
وأصل القولين: القولان فيما يلزم الجلاد إذا ضرب إحدى وثمانين، وهنا يجيء القيد السابق للضمان وهو كون التلف بسبب الحمل، فإن تلفت بغيره .. لم يضمن.
(ولو سَلَّم المئة والعشرة إلى المؤجر، فحملها جاهلًا) بالزيادة؛ بأن قال له: