وَلَوْ وَقَفَ بِنَاءً أَوْ غِرَاسًا فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُمَا. . فَالأَصَحُّ: جَوَازُهُ. فَإِنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمْعٍ. . اشْتُرِطَ إِمْكَانُ تَمْلِيكِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ عَلَى جَنِينٍ،
===
ليست قابلة للنقل إلى الغير، فالتحقت بالحرة، ووجه مقابله: القياس على إجارتها.
وأما الكلب المعلم. . فلأن رقبته غيرُ مملوكة، ووجه مقابله؛ القياس على جواز إجارته وهبته.
واحترز بالمعلم: عما لا منفعة فيه؛ فلا يصحُّ وقفه قطعًا؛ إذ لا يقتنى.
نعم؛ القابل للتعليم ينبغي طرد الخلاف فيه؛ كما قاله السبكي؛ لأن الأصحَّ: جواز اقتناء الجرو للتعليم.
وأما أحد عبديه. . فقياسًا على البيع، ووجه مقابله: القياس على العتق، فيطالب بالتعيين، وفرق الأول: بأن العتق أنفذ بدليل سرايته وتعليقه.
(ولو وقف بناءً أو غراسًا في أرض مستأجَرة لهما. . فالأصحُّ: جوازه) لأنه مملوك يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، والثاني: المنع؛ لأنه معرض للقلع، فكأنه وقف ما لا ينتفع به.
وقوله: (مستأجرة): مثال؛ فإن المستعارة والموصى له بمنفعتها مدة كذلك، ويجوز وقف المغصوب كعتقه، قاله الجُوري.
(فإن وقف على معيّن واحد أو جمعٍ. . اشترط إمكان تمليكه) في الحال؛ لأن الوقف تمليك المنفعة، وكذا العين على قول.
وخرج بالمعيّن: الفقراء؛ كما ذكره بعد.
ولا بدَّ في الموقوف عليه: أن يكون موجودًا، فلو وقف على ولده ولا ولدَ له. . لم يصحَّ.
وعبارة "المحرر": (جماعة) بدل: (جمع)، وهي أحسن؛ لشمولها الاثنين (١).
(فلا يصحُّ على جنين) بخلاف الوصية؛ لأنها تتعلق بالمستقبل، والوقف تسليط
стр. 1157
وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، فَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ. . فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى بَهِيمَةٍ. . لَغَا، وَقِيلَ: هُوَ وَقْفٌ عَلَى مَالِكِهَا. وَيَصِحُّ عَلَى ذِمِّيٍّ، لَا مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَنَفْسِهِ فِي الأَصَحِّ.
===
في الحال، (ولا على العبد لنفسه) لأنه ليس أهلًا للتمليك.
(فلو أطلق الوقف عليه. . فهو وقف على سيده) كما لو وهب منه، أو أوصى له، فإن شرطنا القبول. . قبل هو، فلو لم يقبل وقبل سيده. . لم يكف على الأصحِّ وإن كان الملك له؛ لأن الخطاب. . لم يجر معه.
(ولو أطلق الوقفَ على بهيمة. . لغا) لأنها ليست أهلًا للملك بحال؛ كما لا تصحُّ الهبة منها، ولا الوصية.
نعم؛ يستثنى: الوقف على الخيل المسبلة في الثغور؛ فإنه يصحُّ كما جزم به جماعة منهم الدارمي، والدَّبِيلي، وجزم الغزي في "شرحه": بصحة الوقف على حمام مكة.
(وقيل: هو وقف على مالكها) كالعبد، فإن شرطنا القبول. . قبل صاحبها، وقال ابن الرفعة تبعًا لجماعة: إنه ظاهر المذهب (١).
(ويصحُّ على ذمي) معين ولو كان الواقف مسلمًا؛ كصدقة التطوع، والجماعة المعينون كالواحد.
ويشترط في المعين: ألا يظهر فيه قصد المعصية؛ فلو قال: (وقفت على خادم الكنيسة). . لم يصحَّ، قاله في "الشامل" وغيره.
ومحلُّ الصحة في المعين: فيما يجوز تمليكه إياه؛ فيمتنع وقف العبد المسلم وكتب العلم عليه.
(لا مرتد وحربي ونفسِه في الأصحِّ) أما الأولان. . فلأنهما مقتولان ولا بقاء لهما، والوقف صدقة جارية؛ فلا يكون على من لا يبقى؛ كما لا يوقف ما لا بقاء له، كذا وجهه الرافعي وغيره، ونقضه في "البيان" بالزاني المحصن؛ فإنه مأمور بقتله،
стр. 1158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والوقف عليه جائز (١)، والثاني: يصحُّ عليهما؛ كالذمي.
وأما الثالث. . فلتعذر تمليك الإنسان ملكه لنفسه، ووجه مقابله: أن استحقاق الشيء وقفًا غيرُ استحقاقه ملكًا، وقد يقصد حبسه ومنع نفسه من التصرف المزيل للملك، وقيل: إن وقفه على نفسه وغيره. . جاز قياسًا على المسجد والأضحية، وإلا. . فتبطل حكاه ابن خيران في "اللطيف".
وصور الماوردي المسألة بما إذا قال: (وقفت هذه الأرض أو الشجر على الفقراء)، وشرط أن يأكل من مغل الأرض، أو ثمرة الشجر غنيًّا كان أو فقيرًا، وقطع بالبطلان فيما إذا قال: (وقفت على نفسي) وسكت، وحكى قولين فيما إذا قال: (وقفت على نفسي ثم الفقراء) (٢).
وفي "فتاوى القفال": أنه لو وقف أرضًا وشرط أن يأكل منها ما احتاج إليه. . جاز، ولا يبطل به الوقف، وله أن يأكل منه، بخلاف ما إذا شرط أن يأكله كلَّه إذا احتاج إليه.
وقال مرة: هذا الشرط -أعني: الأول- نافذ. كذا رَويته عن جميع أشياخي والقضاة، وما رأيت أحدًا أنكر هذا، فهو كالإجماع منهم. انتهى.
وقد ذكروا للوقف على النفس صورًا من الحيل: منها: ما ذكره أبو علي الفارقي وغيره: أن يقف على أولاد أبيه الذين صفتهم كيت وكيت، ويذكر صفات نفسه، واعتمده ابن الرفعة (٣)؛ فإنه وقف وقفًا على الأفقه من بني الرفعة، وكان يتناوله، واستبعده السبكي؛ لأن قصد الجهة فيها بعيد وإنما يقصد نفسه، بخلاف الوقف على الفقراء، ولو فرض أن لا فقير سواه. . فقد تقصد الجهة، ومنها: أن يؤجر ملكه مدة يظن أنه لا يعيش فوقها بأجرة منجمة، ثم يقفه بعد على ما يريد. . فإنه يصحُّ الوقف ويتصرف هو في الأجرة؛ كما أفتى به ابن الصلاح وغيره (٤)، والأحوط: أن يستأجره
стр. 1159
وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةِ مَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ. . فَبَاطِلٌ، أَوْ جِهَةِ قُرْبَةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ. . صَحَّ، أَوْ جِهَةٍ لَا تَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ كَالأَغْنِيَاءِ. . صَحَّ فِي الأَصَحِّ.
===
بعد الوقف من المستأجر؛ لينفرد باليد ويأمن خطر الدين على المستأجر، ومنها: أن يرفعه إلى من يراه فيحكم بصحته، وعليه العمل في زماننا.
(وإن وقف على جهة معصية؛ كعمارة الكنائس) وقناديلها وحُصرها وكتب التوراة (. . فباطل) قطعًا؛ لأنه إعانة على معصية، والوقف شرع للتقرب فهما متضادَّان، وسواء وقفه مسلم أو ذمي، فنبطله إذا ترافعوا إلينا، أما ما وقفوه قبل المبعث على كنائسهم القديمة. . فنقرهم حيث نقر الكنائس.
والمراد بـ (الكنائس): الأماكن المعدّة للعبادة، أما ما ينزله المارة من أهل الذمة. . فالنصُّ وقول الجمهور: جواز الوصية ببنائها، قال ابن الرفعة: ويشبه أن الوقف كذلك حتى يأتي الخلاف. انتهى (١).
وفي "البحر": لو وقف على من ينزل الكنائس من المارين والمجتازين من أهل الذمة. . جاز؛ لأنه وقف عليهم دونها.
(أو جهة قربة؛ كالفقراء والعلماء والمساجد والمدارس. . صحَّ) لعموم أدلة الوقف.
والمراد بـ (جهة القربة): أن يظهر فيها قصد القربة؛ بدليل المعطوف الآتي، وإلا. . فالوقف كلُّه قربة.
(أو جهة لا تظهر فيها القربة؛ كالأغنياء. . صحَّ في الأصحِّ) الخلاف مبني على أن المرعي في الوقف على الموصوفين التمليك؛ كالوصية أو القربة، قال الرافعي: والأشبه بكلام الأكثرين: الأول، قال: والأحسن: توسط لبعض المتأخرين، وهو تصحيح الوقف على الأغنياء، وإبطالُه على اليهود والنصارى وقطاع الطريق وسائر الفساق؛ لتضمنه الإعانة على المعصية.
قال ابن الرفعة: وما استحسنه ببادي الرأي صحيح، وهو خلاف قول الأصحاب
стр. 1160
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظٍ، وَصَرِيحُهُ: (وَقَفْتُ كَذَا) أَوْ (أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ)، وَالتَّسْبيلُ وَالتَّحْبِيسُ صَرِيحَانِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (تَصَدَّقْتُ بِكَذَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةً) أَوْ (مَوْقُوفَةً) أَوْ (لَا تُبَاعُ)، أَوْ
===
كافة؛ فإنه ناظر في الأغنياء لقصد التملك، وفي أهل الذمة لقصد القربة، وهو كإحداث قول بعد اجتماع الأولين على قولين، ولو كان الأمر كما قال في اليهود والنصارى. . لكان الوقف عليهم معصية، وهو خلاف قول الأصحاب.
(ولا يصحُّ إلا بلفظ) كغيره من التمليكات.
نعم؛ لو بنى مسجدًا في موات. . كفت النية؛ كما قاله في "الكفاية" تبعًا للماوردي (١)؛ لأن الموات لم يدخل في ملك من أحياه مسجدًا، وإنما احتيج إلى اللفظ لإخراج ماكان في ملكه عنه، وأما البناء. . فصار له حكم المسجد تبعًا، وخالفه الفارقي في ذلك.
ويستثنى أيضًا: ما إذا أخذ شخص من الناس شيئًا ليبني به زاوية أو رباطًا. . فإنه إذا بنى. . يصير وقفًا على ما كان يأخذ له، ذكره الشيخ أبو محمد في كتاب "موقف الإمام والمأموم" وكذا الشارع يصير وقفًا بالاستطراق ولا يحتاج إلى لفظ، ذكره الإمام في (الصلح) (٢).
ومحلُّ اشتراط اللفظ: في الناطق، أما الأخرس. . فيصحُّ منه بالإشارة المفهمة، وبالكتابة مع النية.
(وصريحه: "وقفت كذا"، أو "أرضي موقوفة عليه") لأنه موضوع له.
وإنما قال: (موقوفة)؛ لينبه على أنه لا فرق بين الفعل والمشتق منه.
(والتسبيل والتحبيس صريحان على الصحيح) لكثرة استعمالهما واشتهارهما شرعًا وعرفًا، بل قال المتولي: ما نقل عن الصحابة وقف إلّا بهما، والثاني: كنايتان؛ لأنهما لم يشتهرا اشتهارَ الوقف، والثالث: التحبيس صريح، والتسبيل كناية.
(ولو قال: "تصدقت بكذا صدقةً محرمة"، أو "موقوفة"، أو "لا تباع"، أو
стр. 1161
(لَا تُوهَبُ). . فَصرِيحٌ فِي الأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (تَصَدَّقْتُ) فَقَطْ. . لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَإِنْ نَوَى، إِلَّا أَنْ يُضِيفَ إِلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ وَيَنْوِيَ.
===
"لا توهب". . فصريح في الأصحِّ) (١) لانصرافه بهذا عن التمليك المحض، وهذا صريح بغيره، وما قبله صريح بنفسه، والثاني: كناية؛ لاحتمال تأكيد ملك المتصدق عليه.
واستشكل السبكي حكاية الخلاف في الثانية مع قطعه أولًا بصراحة: (أرضي موقوفة)، فكيف إذا اجتمع مع غيره يجيء فيه خلاف فضلًا عن قوته؟ ! انتهى، وفيه نظر؛ لأن الخلاف هنا جاء من احتمال تأكيد ملك المتصدق عليه.
(وقوله: "تصدقت" فقط. . ليس بصريح وإن نوى) لتردد اللفظ بين صدقة الفرض والتطوع والصدقة الموقوفة، (إلا أن يضيف إلى جهة عامة) كـ (تصدقت بهذا على الفقراء) (وينوي) الوقف، فيصير وقفًا على الأصحِّ؛ لأن الكناية مع النية بمنزلة الصريح.
وظاهر كلامه: أنه يصير بالنية صريحًا، وظاهر كلام الرافعي في كتبه، والمصنف في "الروضة": عدم الصراحة، وإنما إضافته إلى الجهة العامة صيرته كنايةً حتى تعملَ فيه النية، وهو الصواب؛ لأنه ليس لنا صريح يفتقر إلى نية (٢).
واحترز بالجهة العامة: عن المعين؛ فإنه لا يكون وقفًا على الأصحِّ، بل ينفذ فيما هو صريح فيه، وهو التمليك المحض؛ كما قاله الإمام، وبحث فيه الرافعي (٣).
واختار السبكي حصول الوقف في المعين أيضًا مع النية، قال: وممن أطلق ذلك الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ، قال: وإطلاق الصدقة على المنجزة والوقف إطلاقُ العام على الخاص؛ فقول القائل: (تصدقت) يحتملهما، فكان كناية.
وهذا كلُّه بالنسبة للظاهر، أما في الباطن. . فيصير وقفًا فيما بينه وبين الله تعالى،
стр. 1162
وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: (حَرَّمْتُهُ) أَوْ (أَبَّدْتُهُ) لَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: (جَعَلْتُ الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا) تَصِيرُ بِهِ مَسْجِدًا، وَأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يُشْتَرَط فِيهِ قَبُولُهُ.
===
صرح به المرعشي وسليم وصاحب "الشامل" و"التتمة" وغيرهم.
(والأصح: أن قوله: "حرمته" أو "أَبَّدته" ليس بصريح) بل كناية؛ لأنهما لا يستعملان مستقلين، وإنما يؤكد بهما الألفاظ السابقة، والثاني: أنهما صريحان؛ لإفادتهما الغرض؛ كالتحبيس والتسبيل.
(وأن قوله: "جعلت البقعة مسجدًا" تصير به مسجدًا) لأن المسجد لا يكون إلا وقفًا، فأغنى لفظُه عن لفظ الوقف، والثاني: لا تصير؛ لفقد الألفاظ المتقدمة، وقد وصفها بما وصفها الشارع حيث قال: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا" (١).
وهذا قول الأكثرين، والأول لم ينقله الرافعي إلا عن ظاهر لفظ "الوجيز" وقال: إنه الأشبه، ولعله من تفقهه (٢).
قال في "الكفاية": ومحلُّ الخلاف: إذا خلا عن نية، فلو قصد بقوله: (جعلتها مسجدًا) الوقف. . صار مسجدًا قطعًا، جزم به القاضي الحسين (٣).
(وأن الوقف على معين يشترط فيه قبوله) لأنه يبعد دخول عين أو منفعة في ملكه قهرًا؛ كالهبة والوصية، وعلى هذا: يشترط كونه على الفور من أهله، وإلا. . فيقبل الولي، والثاني: لا يشترط، واستحقاقه المنفعة كاستحقاق العتيق منفعة نفسه.
وهذا اختاره جمع من المتقدمين والمتأخرين؛ منهم الشيخ أبو حامد، وابن الصلاح، والمصنف في (باب السرقة)، والسبكي وقال: إنه ظاهر نصوص الشافعي في غير موضع، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، ونقله في "زيادة الروضة" عنه مقتصرًا عليه (٤).
واحترز بالمعين: عن الجهة العامة؛ كالفقراء، أو جهة تحرير؛ كالمسجد؛ فإنه لا يشترط القبول قطعًا.
стр. 1163
وَلَوْ رَدَّ. . بَطَلَ حَقُّهُ شَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا. وَلَوْ قَالَ: (وَقَفْتُ هَذَا سَنَةً). . فَبَاطِلٌ
===
قال الرافعي: ولو قيل: ينوب الحاكم في القبول. . لم يبع؛ كما ناب عن المسلمين في استيفاء القصاص وغيره (١)، وفرق السبكي بينه وبين الاستيفاء: والاستيفاء لا بدَّ فيه من مباشرة، بخلاف هذا، قال: وقد يقال: ندب الشارع إليه وهو بمنزلة الاستيجاب، والوقف بمنزلة الإيجاب فتم العقد. انتهى.
وحيث شرطنا القبول. . فلا يشترط القبض على المذهب المشهور، وشذ الجُوري والمرعشي فحكيا قولين في اشتراطه في المعين.
(ولو رد. . بطل حقه شرطنا القبول أم لا) كالوصية والوكالة، وقال البغوي: لا يرتدّ بردِّه، وجزم به في "الكافي"، وقال ابن الصلاح: إنه متجه (٢).
وقوله: (بطل حقه) أي: من الوقف، كما صرح به الجمهور، وقال الماوردي: من الغلة، فعلى الأول: إن كان البطن الأول. . صار منقطع الأول، فيبطل كلُّه على الصحيح، والثاني: فمنقطع الوسط.
(ولو قال: "وقفت هذا سنة". . فباطل) أي: الوقف، لفساد الصيغة؛ لأن وضعه التأبيد، وقيل: يصحُّ مؤقتًا، وقيل: مؤبدًا، ويلغو التأقيت.
قال السبكي: قوله: (سنة): فيه تأقيت وسكوت عن المصرف، فلبطلانه سببان، فإن ذكر مصرفًا، بأن قال: (على زيد سنة). . ففيه تأقيت، وانقطاع آخره، أو (على الفقراء سنة). . فتأقيت فقط.
وصورة المسألة: ألّا يذكر بعده مصرفًا آخر، فإن قال: (وقفته على زيد سنة، وبعده على الفقراء). . قال الأَذْرَعي: صحَّ بلا خلاف، لوجود الدوام.
ومن هنا شرع المصنف في الشرائط؛ لأن الأركان فرع منها، وهي: الواقف، والموقوف عليه، والموقوف، والصيغة، وقد عقد في "المحرر" هنا فصلًا (٣).
стр. 1164
وَلَوْ قَالَ: (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي) أَوْ (عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ نَسْلِهِ) وَلَمْ يَزِدْ. . فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْوَقْفِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ. . فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا، وَأَنَّ مَصْرِفَهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ.
===
(ولو قال: "وقفت على أولادي"، أو "على زيد ثم نسِله"، ولم يزد. . فالأظهر: صحة الوقف) لأن مقصود الوقف القربةُ والدوام، فإذا بيّن مصرفه ابتداء. . سهلت إدامته على سبل الخير، وهذا هو المُسمَّى: منقطع الآخر، والثاني: بطلانه؛ لأنه لم يؤبِّده ولم يرده إلى ما يدوم، فكان كالتأقيت، والثالث: إن كان حيوانًا. . صحَّ، إذ ربما هلك قبل الموقوف عليه، بخلاف العقار.
(فإذا انقرض المذكور. . فالأظهر: أنه يبقى وقفًا) لأن وضع الوقف الدوامُ؛ كالعتق، والثاني: يرتفع الوقف، ويعود ملكًا للواقف أو ورثته إن كان قد مات؛ لأن بقاء الوقف بلا مصرف متعذر، وإثبات مصرف لم يذكره الواقف بعيدٌ، فتعين ارتفاعه.
(وأن مصرفه أقرب الناس إلى الواقف يوم انقراض المذكور) لأن أفضل القربات الصدقة على القرابات، فإذا تعذر ردّه إلى واقفه. . كان أولى الناس به أقربهم إليه.
فإن لم يكن له أقارب. . قال السبكي: ففي "مختصر البويطي": أن للإمام أن يجعله حبسًا على المسلمين تصرف غلته في مصالحهم، وحكاه صاحب "البحر" عن النصِّ، وقال: إن القاضي الطبري صار إليه ورجحه، والذي ذكره ابن الصباغ وسليم: أنه يصرف إلى الفقراء والمساكين، والقول الثاني: يصرف إلى الفقراء والمساكين؛ لأنه يؤول إليهم الوقف الصحيح في الانتهاء، والثالث: إلى مستحقي الزكاة، والرابع: إلى المصالح العامة مصارف خمس الخمس.
والمعتبر على الأول: قرب الرحم لا استحقاق الإرث على الأصحِّ، فيقدم ابن البنت على ابن العم، وقيل: النظر إلى قرب الجوار من أقاربه، ويختص به فقراء الأقارب على الأظهر.
وهذا الاختصاص هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ وجهان بلا ترجيح في "الروضة" و"أصلها" (١)، قال الأَذْرَعي: والظاهر وقضية كلام الجمهور: الوجوب.
стр. 1165
وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الأَوَّلِ؛ كَـ (وَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي). . فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ، أَوْ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ؛ كَـ (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ رَجُلٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ). . فَالْمَذْهَبُ: صحَّتُهُ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: (وَقَفْتُ). . فالأَظْهَرُ: بُطْلَانُهُ.
===
(ولو كان الوقف منقطع الأول؛ كـ "وقفته على من سيولد لي") أو (على مسجد سيبنى) (. . فالمذهب: بطلانه) لأن الأول باطل؛ لعدم إمكان الصرف إليه في الحال، والثاني: فرع الباطل.
والطريق الثاني: فيه قولان، ثانيهما: الصحة؛ لأن الأول لمّا بطل. . صار كالمعدوم، وكان الثاني مبتدأ به، ولم يصحح الشيخان واحدًا من الطريقين (١)، وفي "المطلب": أن طريقة القطع صححها الجمهور.
وفي تمثيل المصنف نقص، وكان ينبغي أن يقول: (ثم على الفقراء)، وإلا. . فهو منقطع الأول والآخر، ولا خلاف في بطلانه؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره.
(أو منقطع الوسط؛ كـ "وقفت على أولادي ثم) على (رجلٍ) أي: مبهم (٢) (ثم الفقراء". . فالمذهب: صحته) الخلاف هنا مرتب على منقطع الآخر إن صححناه، فهذا أولى؛ لوجود المصرف في الحال والمآل، وإلا. . فوجهان: أصحهما: الصحة، وإذا صححناه. . ففي مصرفه عند توسط الانقطاع الخلافُ المارُّ في منقطع الآخر.
(ولو اقتصر على) قوله: ("وقفت") كذا ولم يذكر مصرفه (. . فالأظهر: بطلانه) لأن الوقف يقتضي التمليك، فإذا لم يعين الملك. . بطل؛ كقوله: (بعت)، والثاني: يصحُّ وبه قال جمع العراقيين، ومال إليه السبكي؛ كما لو قال: (أوصيت بثلث مالي) ولم يزد. . فإنه يصحُّ ويصرف إلى الفقراء والمساكين.
واستشكل الرافعي الفرق، وفرق في "الروضة": بأن غالب الوصايا للمساكين، فحمل الإطلاق عليه، بخلاف الوقف، وبأن الوصية مبنية على المساهلة، فتصحُّ
стр. 1166
وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ؛ كَقَوْلهِ: (إِذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ وَقَفْتُ). وَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ. . بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِشَرْطِ أَلَّا يُؤَجَّرَ. . اتُّبِعَ شَرْطُهُ،
===
بالمجهول والنجس، بخلاف الوقف، وإذا صححنا. . ففي مصرفه الخلاف في منقطع الآخر (١).
(ولا يجوز تعليقه؛ كقوله: "إذا جاء زيد. . فقد وقفت") كذا على كذا؛ كالبيع والهبة.
واستثني من هذا: ما لو قال: (وقفت هذه الدار بعد موتي على المساكين). . فقد أفتى الأستاذ أبو إسحاق بوقوع الوقف بعد الموت؛ كعتق المدبر، وساعده أئمة الزمان.
قال الإمام: وهو تعليق على التحقيق بل زائد عليه؛ فإنه إيقاع تصرف بعد الموت (٢)، قال الرافعي: وهذا كأنه وصية؛ لقول القفال في "فتاويه": لو عرضها على البيع. . كان رجوعًا، أي: فعلى هذا لا استثناء.
(ولو وقف بشرط الخيار) كما إذا شرط أن يرجع فيه متى شاء، أو يبيعه ونحوه (. . بطل على الصحيح) لأن الوقف إزالة ملك لله تعالى، كالعتق، أو إلى الموقوف عليه؛ كالهبة، وعلى التقديرين: فيفسد بهذا الشرط، والثاني: يصحُّ الوقف ويبطل الشرط؛ كما لو طلق على أن لا رجعة له.
(والأصحُّ: أنه إذا وقف بشرط ألّا يؤجر. . اتُّبع شرطه) كسائر الشروط؛ لما فيه من وجوه المصلحة، والثاني: المنع؛ لتضمنه الحجر على مستحق المنفعة، والثالث: إن منع الإجارة مطلقًا. . فلا، أو الزيادة على سنة. . اتبع؛ لأنه لائق بمصلحة الوقف.
ويستثنى من إطلاق المصنف: حالة الضرورة؛ كما لو شرط ألّا تؤجر الدار أكثر من سنة، ثم انهدمت وليس لها جهة عمارة إلا بإجارة سنين. . فإن ابن الصلاح أفتى
стр. 1167
وَأَنَّهُ إِذَا شَرَطَ فِي وَقْفِ الْمَسْجِدِ اخْتِصَاصَهُ بِطَائِفَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ. . اخْتَصَّ كَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا. . فَالأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: أَنَّ نَصيبَهُ يُصْرَفُ إِلَى الآخَرِ.
===
بالجواز في عقود مستأنفة وإن شرط الواقف ألا يستأنف؛ لأنه في هذه الحالة يخالف مصلحة الوقف (١).
وأفتى أيضًا: بأن الواقف لو شرط ألّا يؤجر أكثر من ثلاث سنين فأجره الناظر ثلاثًا في عقد وثلاثًا في عقد آخر قبل مضي المدة الأولى. . أنه لا يصحُّ العقد الثاني؛ اتباعًا لشرط الواقف (٢).
(وأنه إذا شرط في وقف المسجد اختصاصه بطائفة؛ كالشافعية. . اختص) فلا يصلي فيه ولا يعتكف غيرهم؛ اتباعًا لشرطه، وقطعًا للنزاع في إقامة الشعائر، قال القاضي في آخر (كتاب الحرية): وهو مكروه، والثاني: لا يختص؛ لأن جعل البقعة مسجدًا؛ كالتحرير، فلا معنى لاختصاصه بجماعة، وقال الإمام: إنه المذهب (٣).
(كالمدرسة والرباط) أي: فإنه يختص فيهما قطعًا؛ كما صرح به المتولي وغيره، ونقل بعضهم فيه إجماعَ المذاهب الأربعة.
(ولو وقف على شخصين ثم الفقراءِ فمات أحدهما. . فالأصحُّ المنصوص) في "حرملة" (أن نصيبه يصرف إلى الآخر) لأن شرط الانتقال إلى الفقراء انقراضهما جميعًا، ولم يوجد، وإذا امتنع الصرف إليهم. . فالصرف إلى من ذكره الواقف أولى، والثاني: أنه يصرف للفقراء؛ كما أن نصيبهما إذا انقرضا يكون لهم، قال الرافعي: والقياس: وجه ثالث، وهو ألّا يصرف إلى صاحبه، ولا إلى المساكين، ويقال: صار الوقف في نصيب الميت منقطع الوسط، ثم صرح بعده بقليل بحكايته وجهًا عن صاحب "الإفصاح"، واقتضى كلام "الشرح الصغير" ترجيحه، قال في "الروضة":
стр. 1168
فَصْلٌ [في أحكام الوقف اللفظية]
قَوْلُهُ: (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي) يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْكُلِّ، وَكَذَا لَوْ زَادَ: (مَا تنَاسَلُوا)، أَوْ (بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ)
===
ومعناه: أن يكون مصرفه مصرف منقطع الوسط لا أنه يجيء خلاف في صحة الوقف (١).
* * *
(فصل: قوله: "وقفت على أولادي وأولاد أولادي" يقتضي التسوية بين الكلِّ) في أصل الإعطاء والمقدار، لأن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب، قال ابن الرفعة: ومن يقول: الواو للترتيب. . ينبغي أن يقدم الأولاد، ولم يذكروه (٢).
وإدخال (أل) على (كلّ) أجازه الأخفش والفارسي، ومنعه الجمهور.
(وكذا لو زاد: "ما تناسلوا") أي: فيسوي بين الكلِّ، وكأنه قال: (عليهم وعلى أعقابهم ما تناسلوا).
(أو "بطنًا بعد بطن") أي: فإنه يقتضي التسوية أيضًا، فيشارك البطنُ الأسفل البطنَ الأعلى؛ لأنه محتمل، وهذا قاله العبادي والفوراني والبغوي، وجريا عليه (٣).
وذهب الجمهور إلى أنه للترتيب، لأن صيغة: (بعد) موضوعة لتأخير الثاني عن الأول، وهو معنى الترتيب، بل الترتيب فيها أصرح من (ثم) و (الفاء) وقد جزم فيهما بالترتيب فـ (بعد) أولى.
وممن أفتى بأنه للترتيب: الشيخ تقي بن رزين، والشيخ تاج الدين الفزاري، وولده الشيخ برهان الدين.
стр. 1169
وَلَوْ قَالَ: (عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ مَا تنَاسَلُوا)، أَوْ (عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الأَعْلَى فَالأَعْلَى) أَوِ (الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ). . فَهُوَ لِلتَّرْتِيبِ. وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَوْلَادِ فِي الأَصحِّ.
===
وسكت الشيخان عما لو جمع بينهما فقال: (وقفت على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا بطنًا بعد بطن)، وفيه وجهان: أحدهما، وبه أفتى أبو طاهر الزيادي والقاضي الحسين: أنه للترتيب، قال السبكي: وهو الصحيح.
والثاني: أنه ليس للترتيب، قاله أبو عاصم العبادي والفوراني.
ولو قال: (نسلًا بعد نسل) موضع قوله: (بطنًا بعد بطن). . قال السبكي: ينبغي ألّا يكون للترتيب، لأن كلَّ من وجد وإن كان من بطنين فأكثر يُسمَّى نسلًا، فيستحقون ويكونون هم النسل الأول، ومن يوجد بعدهم النسل الثاني، بخلاف البطن؛ فإن العرف فيه دلالة تخصُّ الطبقة الواحدة من النسل.
قال: ولو قال: (وقفت على ذريتي أو نسلي بطنًا بعد بطن). . فينبغي أن يجيء ما سبق في قوله: (بطنًا بعد بطن)، ولم أره منقولًا.
(ولو قال: "على أولادي ثم أولاد أولادي ثم أولادهم ما تناسلوا"، أو "على أولادي وأولاد أولادي الأعلى فالأعلى"، أو "الأول فالأول". . فهو للترتيب) لدلالة اللفظ عليه بـ (ثم) في الأولى، ولتصريحه به في الثانية.
وقوله: (الأول فالأول): ضبطه المصنف بكسر (اللام) على البدل، ويجوز الفتح إما على الحال -والألف واللام قيل: زائدة، وقيل: معرفة- وإما على أنه مشبه بالمفعول.
(ولا يدخل أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد في الأصحِّ) لأنه لا يقع عليهم اسم الولد حقيقة؛ ولهذا يصحُّ أن يقال: (ما هو ولده، بل ولد ولده)، والثاني: يدخل؛ لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾.
وقيل: يدخل أولاد البنين للانتساب، لقوله ﵊: "أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ" (١) دون أولاد البنات.
стр. 1170
وَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْلِ وَالْعَقِبِ وَأَوْلَادِ الأَوْلَادِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: (عَلَى مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيَّ مِنْهُمْ).
===
ومأخذ الخلاف: أن إطلاق لفظ الولد عليهم حقيقة أو مجاز؟ والأصحُّ: الثاني.
ومحلُّ الخلاف: إذا وجد النوعان، فلو قال: (وقفت على أولادي) وليس له إلا أولاد أولاد. . حمل عليهم قطعًا نقلاه عن المتولي وأقراه (١).
وقد يقترن باللفظ ما يقتضي عدم دخولهم، كقوله: (على أولادي، فإذا انقرضوا. . فلأحفادي الثلث مثلًا، والباقي للفقراء) كذا قالاه (٢).
ونازع ابن الرفعة في هذا التمثيل، وقال: لعل المراد عند انقراض الأولاد يكون كذلك بعد أن كان لهم شيء غير مقدر، وإنما تظهر القرينة فيما إذا قال: (فإذا انقرض أولادي. . فعلى أحفادي) (٣).
(ويدخل أولاد البنات) قريبهم وبعيدهم (في الوقف على الذرية والنسل والعقب وأولاد الأولاد) أما في الذرية. . فلقوله تعالى في إبراهيم ﷺ : ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ وليس هو إلا ولد البنت، والنسلُ والعقب في معناه؛ كما قطعوا به.
و(العقب): هو ولد الرجل الذي يأتي بعده.
وأما أولاد الأولاد. . فلأن البنات أولاده، فأولادهنَّ أولاد أولاده حقيقة.
(إلا أن يقول: "على من ينتسب إليّ منهم") أي: من أولاد أولادي، فلا يدخل أولاد البنات؛ لأنهم لا ينسبون إليه بل إلى آبائهم، وقيل: يدخلون؛ لقوله ﷺ في الحسن بن علي ﵄: "إِنَّ ابْنِيَ هَذَا سَيِّدٌ" أخرجه البخاري (٤).
وأجيب: بأنه من خصائصه أن ينتسبوا إليه.
стр. 1171
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مُعْتِقٌ وَمُعْتَقٌ. . قُسِمَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يَبْطُلُ. وَالصِّفَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى جُمَلٍ مَعْطُوفَةٍ تُعْتبَرُ فِي الْكُلِّ؛ كَـ (وَقَفْتُ عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي)، وَكَذَا الْمُتَأَخِّرَةُ عَلَيْهَا وَالاسْتِثْنَاءُ إِذَا عُطِفَ بِـ (وَاوٍ)، كَقَوْلهِ: (عَلَى أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ)، أَوْ (إِلَّا أَنْ يَفْسُقَ بَعْضُهُمْ).
===
(ولو وقف على مواليه وله معتِق) بكسر التاء (ومعتَق) بفتحها (. . قسم بينهما) لتناول الاسم لهما، (وقيل: يبطل) لما فيه من الإجمال؛ فإن المولى يشملهما، ولا يمكن حمل اللفظ على العموم؛ لاختلاف معناهما.
وترجيح الأول من زيادته على "المحرر" فإنه قال: (رجح كلًّا مرجحون)، وصححه في "زيادة الروضة"، ونقل ترجيحه في "المهمات" عن النصِّ وجمع من الأصحاب، ولا ترجيح في "الشرح الكبير" (١).
واحترز بقوله: (وله معتقِ ومُعتَق): عما إذا لم يوجد إلا أحدهما. . فإنه يتعين قطعًا.
(والصفة المتقدمة على جمل معطوفة تعتبر في الكلِّ؛ كـ"وقفت على مُحتاجي أولادي وأحفادي) وهم أولاد الأولاد، (وإخوتي"، وكذا المتأخّرة عليها والاستثناء إذا عطف بـ "واو" كقوله: "على أولادي وأحفادي وإخوتي المحتاجين"، أو "إلا أن يفسق بعضهم") لما تقرر في الأصول من أن الأصل اشتراكُ المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات؛ كالصفة وغيرها، وكذا الاستثناء بجامع عدم الاستقلال.
وما مثل به لا يطابق التصوير؛ فإنه من عطف المفردات لا الجمل إلا أن يقدر لكلِّ واحد عامل، وفيه بعد.
وقد مثل الإمام الاستثناء بقوله: (وقفت على بني فلان داري)، و (حبست على أقاربي ضيعتي)، و (سبلت على خدمي بيتي إلا أن يفسق منهم أحد)، وهو مطابق، وقيد الإمام ما ذكره بقيدين -وحمل إطلاق الأصحاب على ذلك وأقراه- أحدهما: أن يكون العطف بـ (الواو) كما أشار إليه المصنف بالتمثيل، فإن كان بـ (ثم). . اختصت
стр. 1172
فَصْلٌ [في أحكام الوقف المعنوية]
الأَظْهَرُ: أَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ يَنْتَقِلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ أَي: يَنْفَكُّ عَنِ اخْتِصَاصِ الآدَمِيِّ، فَلَا يَكُونُ لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
===
الصفة والاستثناء بالأخيرة، وتبعه على هذا القيد الآمدي في "الإحكام"، وابن الحاجب، وفي "فتاوى القفال" ما يوافقه، لكن قال السبكي: المختار: أنه لا يتقيد بها، بل الضابط: وجود عاطف جامع بالوضع كـ (الواو) و (الفاء) و (ثم)، بخلاف (بل) و (لكن) وغيرهما.
الثاني: ألا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، فإن تخلل؛ كـ: (وقفت على أولادي على أن من مات منهم وأعقب. . فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظِّ الأنثيين، وإلا. . فنصيبه لمن في درجته، فإذا انقرضوا. . صرف إلى إخوتي إلا أن يفسق واحد منهم). . فالاستثناء يختص بالإخوة، ولم يذكر الأصحاب حكم الجمل بغير عطف (١).
قال ابن الملقن: (وإطلاق الإمام فخر الدين يشمله، والظاهر: خلافه؛ لأن بترك العطف لا يكون بينهما ارتباط.
نعم؛ ذكر البيانيون أن ترك العطف قد يكون لكمال الارتباط، فإذا كان في مثل ذلك. . فالظاهر: مجيء الخلاف فيه) (٢) انتهى.
* * *
(فصل: الأظهر: أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى؛ أي: ينفك عن اختصاص الآدمي) كالعتق (فلا يكون للواقف، ولا للموقوف عليه).
(أي): في كلام المصنف تفسيرية؛ أي: هذا معنى الانتقال إلى الله تعالى، وإلا. . فجميع الموجودات له في كلِّ الأوقات، والثاني: أنه يبقى الملك للواقف؛
стр. 1173
وَمَنَافِعُهُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَوْفِيهَا بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ بإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ، وَيَمْلِكُ الأُجْرَةَ وَفَوَائِدَهُ؛ كَثَمَرَةٍ وَصوفٍ وَلَبَنٍ، وَكَذَا الْوَلَدُ فِي الأَصَحِّ، وَالثَّانِي: يَكُونُ وَقْفًا.
===
لأنه حبس الأصل وسبل الثمرة، وذلك لا يوجب زوال ملكه، والثالث: ينتقل إلى الموقوف عليه؛ كالصدقة.
والخلاف: فيما يقصد به تملك الريع أما لو جعل البقعة مسجدًا، أو مقبرة. . فينقطع عنها اختصاص الآدميين قطعًا، وهو تحرير محض، قاله الرافعي (١).
(ومنافعه ملك للموقوف عليه) لأن ذلك مقصود الوقف (يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وإجارة) كسائر الأملاك، وهذا إذا لم يشرط منع الإجارة كما سبق.
ولو وقف دارًا على أن يسكنها معلم الصبيان بالقرية مثلًا. . فليس له أن يسكنها غيرَه بأجرة ولا غيرها، أفتى به القفال، وأقراه (٢).
واستشكل: بأنه لم يزل الناس يتسامحون بإعارة بيت المدرس ونحوه.
وقضية كلام المصنف: أن الموقوف عليه يؤجر، والصحيح: منعه، وإنما يؤجر إذا كان النظر له، أو أذن له الناظر.
(ويملك الأجرة) لأنها من المنافع (وفوائدَه) أي: ويملك فوائد الموقوف (كثمرة وصوف) وشعرٍ ووبر وريش (ولبن) وبيض؛ لأن الوقف أنشئ لذلك، ولا يملك أغصان الشجرة إلا فيما يعتاد قطعه، كشجرة الخِلاف، فأغصانها كثمرة غيرها.
(وكذا الولد في الأصحِّ) كالثمرة (والثاني: يكون وقفًا) تبعًا لأمه؛ كولد الأضحية، وقيل: الخلاف في ولد الفرس والحمار، ويملك ولد النعم قطعًا؛ لأن مطلوبها الدر والنسل.
وقيل: إنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف إلا أن يصرح بخلافه، هذا كلُّه فيما إذا أطلق، أو شرط ذلك للموقوف عليه، أما إذا وقف الدابة على ركوب إنسان ولم يشرط له الدَّر والنسل. . فالأوجه في "الشرح" و"الروضة" وفاقًا للبغوي: أنه
стр. 1174
وَلَوْ مَاتَتِ الْبَهِيمَةُ. . اخْتَصَّ بِجِلْدِهَا. وَلَهُ مَهْرُ الْجَارِيَةِ إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ إِنْ صَحَّحْنَاهُ، وَهُوَ الأَصَحُّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ إِذَا أُتْلِفَ، بَلْ يَشْتَرِي بِهَا عَبْدًا لِيَكُونَ وَقْفًا مَكَانَهُ،
===
للواقف، قال الزركشي: لكن المنقول في "البحر" عن الأصحاب: أن حكمه حكمُ منقطع الآخر، فيطرقه الخلاف (١).
(ولو ماتت البهيمة) الموقوفة (. . اختصَّ بجلدها) لأنه أولى من غيره، وهذا إذا لم يدبغه، فإن دبغه. . فوجهان، رجح في "التتمة": أنه يعود وقفًا، وأقراه (٢).
(وله مهر الجارية إذا وُطئت بشبهة أو نكاح إن صححناه) أي: نكاحها (وهو الأصحُّ) لأنه من جملة الفوائد؛ كالثمرة.
ووجه صحة النكاح: أنه عقد على المنفعة؛ فلا يمتنع بالوقف؛ كالإجارة، ووجه مقابله: نقص قيمتها ومنفعتها به، وربما ماتت من الطلق فتفوت حقّ البطن الثاني، فعلى الأصحِّ: يزوجها من جعلنا رقبتها له؛ فإن جعلناها للموقوف عليه. . استقل به، أو للواقف. . زوّجها بإذن الموقوف عليه، وإن جعلناها لله تعالى. . زوّجها القاضي بإذن الموقوف عليه.
وخرج بالشبهة والنكاح: ما لو زنى بها مطاوعة. . فإنه لا مهر على الصحيح، وإن أكرهت. . وجب لها المهر، وهو للموقوف عليه.
(والمذهب: أنه) أي: الموقوف عليه (لا يملك قيمةَ العبد الموقوف إذا أُتلف) أو تلف تحت يد ضامنه لرقبته، سواء أتلفه أجنبي أو الواقف أو الموقوف عليه عدوانًا، أما إذا أتلفه الموقوف عليه بلا تعد. . فلا ضمان، (بل يشتري بها عبدًا ليكون وقفًا مكانه) (٣) مراعاة لغرض الواقف؛ من استمرار الثواب، وتعلق حقِّ البطن الثاني وما بعده به.
والطريق الثاني: التخريج على أقوال ملك الرقبة؛ فإن قلنا: لله تعالى. . فالحكم
стр. 1175
فَإِنْ تَعَذَّرَ .. فَبَعْضُ عَبْدٍ. وَلَوْ جَفَّتِ الشَّجَرَةُ .. لَمْ يَنْقَطِعِ الْوَقْفُ عَلَى المَذْهَبِ، بَلْ
===
على ما سبق، وإن قلنا: للواقف، أو للموقوف عليه .. فالأصحُّ: كذلك، والثاني: يصرف ملكًا إلى من حكمنا له بملك الرقبة، فإنها بدل ملكه، وينتهي الوقف.
وكلامه قد يفهم: أنه يكون وقفًا بمجرد الشراء، والأصحُّ في "الشرح الصغير" و"زيادة الروضة": أنه لا بدَّ من إنشاء وقف (١)، لكن خالف في بدل المرهون، فصحح من "زوائده": أنه رهن في ذمة الجاني (٢).
ويمكن أن يفرق: بأن القيمة يصحُّ أن ترهن، ولا يصحُّ أن توقف.
قال في "المطلب": وذكر الماوردي والروياني تفصيلًا في بدل الأضحية يظهر مجيئه هنا، وهو: أنه إن اشترى بعين القيمة أو في الذمة، ونوى أنها أضحية .. لم يحتج إلى إنشاء جعلها أضحية، وإلا .. فلا بدَّ من جعلها أضحية. انتهى.
وما ذكره الماوردي والروياني في بدل الأضحية جزما به في "الشرح" و"الروضة" (٣).
ولا يجوز شراء عبد بقيمة الجارية ولا عكسه، وفي شراء صغير بقيمة كبير وعكسه وجهان. أقواهما عند المصنف: المنع (٤).
وإذا اشتُري عبد وفضل شيء من القيمة .. فالمختار عند المصنف: أنه يشتري به شقص عبد (٥)، وقال البُلْقيني: إنه الراجح.
(فإن تعذر .. فبعضُ عبد) لأنه أقرب إلى مقصوده، كذا قطعوا به، وحكوا في الأضحية خلافًا، والفرق: أن بعض الحيوان لا يكون أضحية، وبعضه يكون وقفًا.
(ولو جفت الشجرة) أو قلعها الريح ( .. لم ينقطع الوقف على المذهب، بل
стр. 1176
يُنْتَفَعُ بِهَا جِذْعًا، وَقِيلَ: تُبَاعُ وَالثَّمَنُ كَقِيمَةِ الْعَبْدِ. وَالأَصَحُّ: جَوَازُ بَيْعِ حُصُرِ الْمَسْجِدِ إِذَا بَلِيَتْ، وَجُذُوعِهِ إِذَا انْكَسَرَتْ وَلَمْ تَصْلُحْ إِلَّا لِلإِحْرَاقِ.
===
ينتفع بها جِذعًا) بإجارة أو بغيرها؛ إدامةً لعين الوقف، قال ابن الرفعة: وإنما ينتفع بإجارتها جذعًا إن لم يكن في استيفاء منفعة استهلاكه، فإن كان .. فالأصحُّ: أنها تكون للموقوف عليه. انتهى، وكلام "الروضة" يدل عليه، وفيه نظر (١).
وزمانة الدابة الموقوفة كجفاف الشجرة، قال في "زيادة الروضة": (هذا إذا كانت مأكولة؛ فإنه يصحُّ بيعها للحمها، فإن كانت غير مأكولة .. لم يجئ الخلاف في بيعها؛ لأنه لا يصحُّ بيعها إلا على الوجه الشاذِّ في صحة بيعها اعتمادًا على جلدها) (٢).
(وقيل: تباع) لتعذر الانتفاع؛ كما شرطه الواقف (والثمن كقيمة العبد) المتلف على ما سبق، قال الرافعي: (ويجوز أن يُشترى به وَدِيّ يُغرس موضعها) (٣).
(والأصحُّ: جواز بيع حُصُر المسجد إذا بَليت، وجذوعِه إذا انكسرت ولم تصلح إلا للإحراق) لئلا تضيع ويضيق المكان بها من غير فائدة، فتحصيل نزر يسير من ثمنها يعود على الوقف .. أولى من ضياعها، ولا يدخل ذلك تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، وعلى هذا: يصرف ثمنها في مصالح المسجد، قال الرافعي: والقياس: أن يشتري بثمن الحصير حصيرًا لا غيرها (٤)، والثاني: لا تباع؛ لأنها عين الوقف، بل تترك بحالها أبدًا؛ كما لو وقف أرضًا فخربت.
وترجيح الجواز تبعا فيه الإمام (٥)، والجمهور على المنع، منهم: الشيخ أبو علي السنجي والبغوي، وصاحب "البيان" وغيرهم (٦).
ومحل الخلاف: في الحُصُر والجذوع الموقوفة، أما ما اشتراه الناظر أو وهب له
стр. 1177
وَلَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ .. لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ
===
فقبله الناظر .. فإنه يباع عند الحاجة قطعًا؛ كما قاله الرافعي؛ لأنه ملك، قال في "الروضة": هذا إذا اشتراه الناظر ولم يقفه، فإن وقفه .. صار وقفًا قطعًا، وتجري عليه أحكام الوقف (١).
وقول المصنف: (إذا انكسرت): يقتضي أنها إذا أشرفت على الانكسار .. لا تباع، وقضية كلام "الروضة"و "أصلها": الجواز؛ فإنهما لمّا صححا بيع الجذع المنكسر .. قالا: إن الخلاف جار في المشرف على الانكسار (٢)، فلو ذكره المصنف .. لأخذ حكم المنكسر من طريق أولى.
وأفهم تقييده بألا تصلح إلا للإحراق: أنه إذا صلحت لأنْ يُنتفع بها في الوقف أدنى انتفاع .. لا تباع قطعًا، وهو كذلك.
(ولو انهدم مسجد وتعذرت إعادتُه .. لم يبع بحال) كالعبد إذا عتق ثم زمن، وليس كجفاف الشجرة؛ لتوقع العمارة، والانتفاعُ في الحال بالصلاة والاعتكاف في عرصته ممكنٌ.
وكذا لو تعطل المسجد بتفرق الناس عن البلد، أو خراب البلد .. فإنه لا يباع أيضًا بل يترك على حاله إن لم يُخَف من المفسدين أن ينقضوه، فإن خيف .. نُقض وحفظ، وإن رأى الحاكم أن يعمر بِنِقْضه مسجدًا .. جاز، وما كان أقرب إليه .. فهو أولى. كذا في "الروضة" و"أصلها" (٣).
وعلى هذا: إذا كان للمسجد أوقاف .. قال المتولي: صرفت غَلَّته إلى أقرب المساجد إليه، وقال الإمام: تُحفظ لتوقع عوده، وقال الماوردي والروياني: تصرف للفقراء والمساكين، وفي "فتاوى الحناطي": نقل وجه: أنه يصرف إلى المصالح، ووجه: أنه يرجع إلى أقرب الناس إلى الواقف (٤).
стр. 1178
فصلٌ [في بيان النظر على الوقف وشرطه ووظيفة الناظر]
إِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ .. اتُّبِعَ، وَإِلَّا .. فَالنَّظَرُ لِلْقَاضِي عَلَى الْمَذْهَبِ. وَشَرْطُ النَّاظِرِ: الْعَدَالَةُ وَالْكِفَايَةُ وَالاهْتِدَاءُ إِلَى التَّصَرُّفِ
===
وتقييد المصنف بالمسجد: قد يخرج الدار الموقوفة عليه، فيجوز بيعها، وهو قضية كلام الرافعي حيث أجرى فيها خلاف الجذع المنكسر، وتابعه "الحاوي الصغير" (١) ورده السبكي نقلًا، ودليلًا (٢).
* * *
(فصل: إن شرط الواقف النظر لنفسه أو لغيره .. اتبع) لأنه المتقرب بصدقته، فهو أحقُّ من يقوم بإمضائها وصرفها إلى مصارفها، ومن نصبه لذلك .. كان أحقَّ به من غيره، قال الرافعي: وينبغي أن يجيء في قبول المتولي ما في قبول الوكيل والموقوف عليه (٣).
(وإلا) أي: وإن لم يشرطه لأحد ( .. فالنظر للقاضي على المذهب) لأنه يتعلق به حقُّ الموقوف عليه ومن بعده، وصاحب النظر العام أولى بالنظر فيه، وقيل: للواقف؛ لأن النظر والتصرف كان إليه، فإذا لم يصرفه عن نفسه .. بقي على ما كان، وقيل: للموقوف عليه؛ لأن النفع والفائدة له.
قال الرافعي: والذي يقتضي كلام المعظم الفتوى به: أن يقال: إن كان الوقف على جهة عامة .. فالتولية للحاكم، وإن كان على شخص معين .. فكذلك إن جعلنا الملك لله تعالى، وإن جعلناه للواقف أو للموقوف عليه (٤) .. فالتولية كذلك.
(وشرط الناظر) واقفًا كان أو غيره (العدالة والكفاية والاهتداء إلى التصرف) كما في الوصي والقيم؛ لأنها ولاية على الغير، ولو فسق الناظر ثم صار عدلًا .. عادت
стр. 1179
وَوَظِيفَتُهُ: الْعِمَارَةُ وَالإِجَارَةُ وَتَحْصِيلُ الْغَلَّةِ وَقِسْمَتُهَا، فَإِنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ بَعْضَ هَذِهِ الأُمُورِ .. لَمْ يَتَعَدَّهُ. وَلِلْوَاقِفِ عَزْلُ مَنْ وَلَّاهُ وَنَصْبُ غَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ نَظَرَهُ حَالَ الْوَقْفِ
===
ولايته إن كانت بشرط الواقف، وإلا .. فلا، قاله المصنف في "فتاويه" (١).
ولا حاجة لقوله: (والاهتداء) فإن الكفاية تغني عنه؛ لأن من لا يهتدي إلى التصرف لا يوصف بالكفاية، ولهذا لم يذكراه في "الشرحين" و"الروضة" (٢).
(ووظيفته) عند الإطلاق (العمارة والإجارة وتحصيل الغَلَّة وقسمتها) على وجهه؛ لأنه المعهود في مثله، وزادا في "الشرح" و"الروضة" حفظَ الأصول والغلات على الاحتياط (٣).
وله التولية والعزل؛ كما اعتمده الشيخ تقي الدين السبكي والأَذْرَعي.
وأفتى الشيخ عز الدين: بأن المُدرِّس هو الذي يُنزِّل الفقهاء، ويُقدِّر جامِكيَّاتهم.
(فإن فوض إليه بعض هذه الأمور .. لم يتعده) اتباعًا لشرطه، وإذا ادعى متولي الوقف صرفه إلى مستحقه وهو معين .. فالقول: قول المستحق، وله المطالبة بالحساب، فإن كان غير معين .. فهل للإمام مطالبته بالحساب؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي شريح في "أدب القضاء".
(وللواقف عزل من ولاه ونصب غيره) كما يعزل الوكيل (إلا أن يشرِط نظره حال الوقف) فإنه ليس له عزله؛ لأنه مغير شرطه؛ كما ليس لغيره ذلك.
وصور البغوي المسألة بأن يقول: (وقفت وشرطت التفويض له)، ونقل الرافعي عنه أن يقول: (وقفت بشرط أن تكون التولية لفلان) (٤).
واعترض: بأنه ليس بمطابق لما قاله البغوي، وأيضًا: هذه الصيغة ينبغي أن تكون مبطلة لأصل الوقف من أجل التعليق؛ فإنه قد يقبل التولية، وقد لا يقبلها.
стр. 1180
وَإِذَا أَجَّرَ النَّاظِرُ فَزَادَتِ الأُجْرَةُ فِي الْمُدَّةِ أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ .. لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ فِي الأَصَحِّ.
===
وقد استشكل تصوير مسألة "الكتاب" لأنه إن كان فيما إذا كان النظر للواقف ونصب غيره نائبًا عنه .. فجواز عزله له واضح؛ لأنه سفير محض، وإن كان مع السكوت عنه .. فلا ولاية للواقف في هذه الحالة، بل هي للقاضي.
(إذا أجر الناظر) على غيره (فزادت الأجرة في المدة أو ظهر طالب بالزيادة .. لم ينفسخ العقد في الأصحِّ) لأن العقد جرى بالغبطة في وقته، فأشبه ما إذا باع الولي مال الطفل ثم ارتفعت القيم بالأسواق، أو ظهر طالب بالزيادة، والثاني: تنفسخ؛ لتبيُّن وقوعه على خلاف الغبطة في المستقبل، والثالث: إن كانت الإجارة سنة فأقلَّ .. لم يتأثر العقد، وإن كانت أكثر .. فالزيادة مردودة؛ يعني: أنه ينفسخ في الزيادة على السنة.
وقيد الإمام محلَّ الخلاف: بما إذا تغيرت الأجرة بكثرة الطالبين، أما إذا وجدنا زبونًا يزيد على أجرة المثل .. فلا أثر له قطعًا (١).
واحترز بـ (الناظر): عما إذا أجر الموقوف عليه بحقِّ الملك وجوزناه؛ فإن العقد لا يتأثر بالزيادة قطعًا، كما لو أجر الطِّلق، قال الإمام: ولو كان أجّره بدون أجرة المثل؛ لأن له إعارته (٢).
* * *
стр. 1181
كتابُ الهِبَة
التَّمْلِيكُ بِلَا عِوَضٍ هِبَةٌ، فَإِنْ مَلَّكَ مُحْتَاجًا لِثَوَابِ الآخِرَةِ .. فَصَدَقَةٌ، فَإِنْ نَقَلَهُ إِلَى مَكَانِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِكْرَامًا .. فَهَدِيَّةٌ. وَشَرْطُ الْهِبَةِ: إِيجَابٌ وَقَبُولٌ لَفْظًا،
===
(كتاب الهبة)
أصلها: من هبوب الريح؛ أي: مروره، واستأنسوا لها، بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ قيل: المراد منها: الهبة، وقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل: المراد بها: الهبة والصدقة، وفي "البيهقي" بإسناد ضعيف: "تَهَادُوا تَحَابُّوا"، ورواه البخاري في كتاب "الأدب" (١).
(التمليك بلا عوض هبة، فإن ملّك محتاجًا لثواب الآخرة .. فصدقةٌ، فإن نقله) بنفسه أو بغيره (إلى مكان الموهوب له إكرامًا .. فهدية) فخمتاز الصدقة عن الهبة بقصد ثواب الآخرة، وتمتاز الهدية عن الهبة بالنقل، فكلُّ صدقة وهدية هبة، ولا ينعكس.
ولا حاجة لقوله: (محتاجًا)؛ فإن الصدقة على الغني جائزة، ويثاب عليها إذا قصد القربة.
وقوله: (إكرامًا) قال السبكي: الظاهر: أنه ليس شرطًا، بل الشرط: النقل؛ ولهذا لا يدخل العقار في الهدية، قال الزركشي: وقد يقال: إنه احترز عن الرشوة.
والصدقة أفضل هذه الأنواع.
(وشرط الهبة: إيجاب وقبول لفظًا) لأنه تمليك في الحياة؛ كالبيع. وفي انعقادها بالمعاطاة الخلاف في البيع، واختار في "شرح المهذب" صحتَها بها، وفي انعقادها بالكناية مع النية الخلاف في البيع، قاله في "الذخائر" و"المطلب"، وفي كلام الرافعي إشارة إليه (٢).
ويستثنى من اشتراط القبول: صور؛ منها: الهبة الضمنية؛ كـ (أعتق عبدك عني) فأعتقه .. فإنه يدخل في ملكه هبة، ويعتق عليه، ومنها: لو اشترى حليًّا لولده الصغير
стр. 1182
وَلَا يُشْتَرَطَانِ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يَكْفِي الْبَعْثُ مِنْ هَذَا وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ
===
وزينه به .. فإنه يكون تمليكًا له، بخلاف ما لو اشتراه لزوجته .. فإنه لا يصير ملكًا لها، قاله القفال.
والفرق: أن له ولايةً على الصغير، بخلاف الزوجة، كذا استثناها ابن الملقن في "العجالة"، وفي كلام الشيخين ما قد يخالفه حيث قالا: إذا كانت الهبة لمن ليس له أهلية القبول، وكانت من الأب أو الجد .. تولّى الطرفين، وهل يحتاج إلى لفظي الإيجاب والقبول أم يكفي أحدهما؟ وجهان: كما سبق في البيع. انتهى (١).
فاقتضى كلامهما: أنه إذا لم يأت بواحد من الإيجاب والقبول .. لا يكفي قطعًا.
ومنها: ما لو قال: (اشتر لي بدراهمك خبزًا) فاشتراه وصححناه للسائل .. فإن الدراهم تكون هبة لا قرضًا على أحد الوجهين، قاله ابن الرفعة.
وفي تسميته الإيجاب والقبول شرطًا .. تسامح؛ فإنهما ركنان، وقد مرّ الاعتذار عنه في البيع.
(ولا يُشترطان في الهدية على الصحيح، بل يكفي البعث من هذا) ويكون كالإيجاب، (والقبض من ذاك) ويكون كالقبول، سواء المأكول وغيره، لأنه عادة السلف، وقد أهدت الملوك إلى رسول الله ﷺ الكسوة والدواب والجواري، ولم ينقل إيجاب ولا قبول، والثاني: يشترطان؛ كالبيع والوصية، والصدقةُ في ذلك كالهدية، ويحصل ملك الهدية بوضع المُهَدى بين يديه إذا أعلمه به.
ولو أهدى إلى صبي ووضع بين يديه، أو أخذه الصبي .. لم يملكه، قاله البغوي في "فتاويه".
ويؤخذ من قول المصنف: (البعث من هذا والقبض من ذاك): أنه لو اشترى الحاج شيئًا في سفره بأسامي أصدقائه ومات .. أنه لا يستحقه من اشترى باسمه، وبه صرح القاضي أبو الطيب فقال: إن ورثته بالخيار فيما اشتراه وسماه لأصدقائه.
وأهمل المصنف الكلام على العاقدين، فيشترط في الواهب: أهلية التبرع، وأما
стр. 1183
وَلَوْ قَالَ: (أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ فَإِذَا مُتَّ فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ) .. فَهِيَ هِبَةٌ، وَلَوِ اقْتَصرَ عَلَى: (أَعْمَرْتُكَ) .. فَكَذَا فِي الْجَدِيدِ، وَلَوْ قَالَ: (إِنْ مُتَّ عَادَتْ إِلَيَّ) .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ
===
الموهوب له: فقال الماوردي: هو من صحَّ أن يُحكم له بالملك؛ من مكلف وغيره (١).
(ولو قال: "أعمرتك هذه الدار، فإذا متَّ فهي لورثتك" .. فهي هبة) حكمًا، لكنَّه طوَّل العبارة، فيعتبر الإيجاب والقبول، وتلزم بالقبض، فإذا مات .. فالدار لورثته، فإن لم يكونوا .. فلبيت المال، ولا يعود إلى الواهب بحال؛ لقوله ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى .. فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ" رواه مسلم (٢).
وتمثيله بـ (الدار): تبع فيه الشافعي وأكثر الأصحاب، ولا فرق بينها وبين غيرها؛ كما هو ظاهر الحديث.
(ولو اقتصر على: "أعمرتك") ولم يتعرض لما بعد موته ( .. فكذا في الجديد) أي: يصحُّ، وله حكم الهبة؛ لحديث: "العُمْرَى مِيَراثٌ لِأَهْلِهَا" متفق عليه (٣).
وليس في جعلها له مدةَ حياته ما ينافي انتقالها إلى ورثته؛ فإن الأملاك كلَّها مقدرة بحياة المالك، وفي قول قديم: إنها تبطل؛ لقول جابر ﵁: إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: ("هي لك ولعقبك"، فأمّا إذا قال: "هي لك ما عشت" .. فإنّها ترجع إلى صاحبها) رواه مسلم (٤).
ولأنه تمليك مؤقت فيبطل؛ كالبيع.
(ولو قال: "إن متَّ .. عادت إلي") (٥) أو إلى ورثتي ( .. فكذا في الأصحِّ)
стр. 1184
وَلَوْ قَالَ: (أَرْقَبْتُكَ) أَوْ (جَعَلْتُهَا لَكَ رُقْبَى)؛ أَي: إِنْ مُتَّ قَبْلِي عَادَتْ إِلَيَّ، وَإِنْ مُتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ لَكَ .. فَالْمَذْهَبُ: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ.
===
أي: فيصحُّ الإعمار، ويلغو الشرط؛ لإطلاق الأحاديث الصحيحة، قال الرافعي: وكأنهم عدلوا به عن قياس سائر الشروط الفاسدة (١). انتهى.
ولعل المعنى في ذلك - كما قاله في "البحر" -: أن الشرط المذكور ليس على المعطي بل على ورثته، ولا حقَّ لهم الآن، وإذا لم يكن الشرط مع المعقود معه .. لم يؤثر في العقد.
والثاني: يبطل؛ لشرطه ما ينافي مقتضى الملك، فإن من ملك شيئًا .. صار بعده لورثته، والثالث: يصحُّ ولا يلغو الشرط، حكاه في "التنبيه" (٢).
وقد يفهم كلامه: أنه لو قال: (جعلتها لك عمري)، أو (عمر زيد) .. أنه يبطل، وهو الأصحُّ؛ لخروجه عن اللفظ المعتاد.
(ولو قال: "أرقبتك"، أو "جعلتها لك رقبى"؛ أي: إن متَّ قبلي .. عادت إلي، وإن متُّ قبلك .. استقرت لك .. فالمذهب: طرد القولين الجديد والقديم) فعلى الجديد: يصحُّ، ويلغو الشرط؛ لحديث: "لَا تُعْمِرُوا، وَلَا تُرْقِبُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيئًا، أَوْ أُعْمِرَهُ .. فَهُوَ لِوَارِثهِ" رواه أبو داوود والنسائي (٣).
والقديم: البطلان، والطريق الثاني: القطع بالبطلان؛ لأن فيها تأقيتًا واشتراطًا ليس في العمرى.
وقوله: (أي: إن مت قبلي): تفسير لمدلول قوله: (أرقبتك، أو جعلتها لك رقبى)، ومقتضاه: أنه لم يصرح بالشرط المذكور، وقطع الماوردي فيما إذا صرح به بالبطلان؛ لمنافاته حكم الملك، لكن صرح الشيخان تبعًا للجمهور بتعميم الخلاف؛ لأنه تصريح بالمعنى (٤).
стр. 1185
وَمَا جَازَ بَيْعُهُ .. جَازَ هِبَتُهُ، وَمَا لَا كَمَجْهُولٍ وَمَغْصُوبٍ وَضَالٍّ .. فَلَا،
===
و(العمرى) و (الرقبى): كانا عقدين في الجاهلية، فـ (العمرى): من العمر، و (الرقبى): من المراقبة؛ لأن كلَّ واحد منهما يرقب موت صاحبه.
(وما جاز بيعه .. جاز هبته) من باب أولى؛ لأن باب الهبة أوسع؛ كما سيأتي.
وحذف التاء من (جاز هبته) لمشاكلة (جاز بيعه)، ولأن تأنيث الهبة غير حقيقي.
ويسثثنى من إطلاقه صور؛ منها: المنافع؛ فإنها تباع بالإجارة، وتمتنع هبتُها إذا قلنا: إنها عارية، ومنها: بيع الأوصاف سلمًا في الذمة جائز، ولا يجوز هبته؛ كـ (وهبتك ألف درهم في ذمتي)، ثم يعينه في المجلس ويقبضه، صرح به القاضي الحسين والإمام وغيرهما (١)، فلو زاد من الأعيان .. لخرجتا.
(وما لا) يجوز بيعه (كمجهول ومغصوب وضالٍّ) وآبق ( .. فلا) يجوز هبته؛ بجامع أنها تمليك في الحياة.
ويستثنى من المجهول صور؛ منها: إذا لم يعلم الورثة مقدار ما لكلٍّ منهم من الإرث؛ كما لو خلف ولدين أحدهما خنثى، وقد ذكر الرافعي في (الفرائض): أنه لو اصطلح الذين وُقِفَ المال بينهم على تساو أو تفاوت .. جاز، قال الإمام: ولا بدَّ أن يجري بينهما تواهب، وهذا التواهب لا يكون إلا عن جهالة، ولكنها تحتمل للضرورة (٢).
ومنها: إذا اختلط حمام البرجين فوهب أحدهما نصيبه للآخر .. فإنه يصحُّ على الأصحِّ وإن كان مجهول القدر والصفة؛ للضرورة، وهكذا إذا اختلطت حنطته بحنطة غيره، أو مائعه بمائع غيره، أو ثمرته بثمرة غيره.
ومنها: ما لو قال: (أنت في حلٍّ مما تأخذ من مالي) أو (تعطي) أو (تأكل) .. فإنه يجوز له الأكل دون الأخذ والإعطاء؛ لأن الأكل إباحة، وهي تصحُّ مجهولة، بخلافهما، قاله العبادي قال: ولو قال رجل: (ادخل كرمي وخذ من العنب ما شئت)، أو (خذ من ثمري ما شئت) .. لا يزيد على عنقود واحد؛ لأنه أقلُّ ما يقع عليه الاسم، واستشكل.
стр. 1186
إِلَّا حَبَّتَيْ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهَا
===
وقال القفال في "فتاويه": لو قال: (ادخل بستاني وأبحت لك أن تأخذ من ثماره ما شئت) .. كان إباحة.
(إلا حبتي حنطة ونحوها) من المحقرات؛ فإنه يجوز هبتها قطعًا، ولا يجوز بيعها على الصحيح؛ لأن بذل المال في مقابلته سَفَةٌ، وهذا التعليل مفقود في الهبة، والمانع ليس في دابة؛ كالكلب؛ لأنه يباع مع غيره، وإنما المانع الانفراد، فاغتفر في الهبة؛ إذ لا محذور.
وهذا الاستثناء مما زاده على "المحرر" ولم يذكرا في "الشرحين" و"الروضة" ذلك، بل جزم الرافعي بعكسه في (باب اللقطة) فقال: ما لا يتمول (١)؛ كحبة حنطة وزبيبة .. لا تُعَرَّفُ على الظاهر؛ كما لا يجوز بيعه وهبته، وأسقطه من "الروضة"؛ لوقوعه في ضمن بحث (٢).
وقال الإمام فيما لا يتمول لقلته: يظهر عندي تصحيح الهبة فيه على معنى إحلال الموهوب له محلَّ الواهب في الاختصاص، لكن لا أقطع به؛ لأن لنا ترددًا في هبة الكلب، والمنع هنا أقوى؛ لأن في الكلب إمكان الانتفاع، ولا يقع فيما لا يتمول ... إلى أن قال: والأظهر: إبطال الهبة (٣).
واختار السبكي ما قاله المصنف؛ فإنه تجوز الصدقة بتمرة، وهي نوع من الهبة.
وأورد على حصره صور؛ منها: جلد الأضحية ولحمها؛ لا يجوز بيعه وتجوز هبته، ومنها: جلد الميتة قبل الدباغ على ما قاله في "الروضة" في (باب الآنية)، لكن صحح هنا المنع، وجمع بين كلامي "الروضة" بحمل المذكور هنا على الملك الحقيقي، والذي في (باب الآنية) بمعنى: نقل اليد؛ كما صرحوا به في الكلب (٤).
ومنها: الدهن النجس؛ فإن في "زيادة الروضة" في (البيع): أنه ينبغي القطع
стр. 1187
وَهِبَةُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ إِبْرَاءٌ، وَلِغَيْرِهِ بَاطِلةٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُمْلَكُ مَوْهُوبٌ إِلَّا بقَبْضٍ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ،
===
بصحة الصدقة به للاستصباح ونحوه (١)، وهي نوع من الهبة، وقد جزم المتولي: بأنه يجوز نقل اليد فيه بالوصية ونحوها، وحينئذ؛ إن أريد بهبة الدهن النجس التمليك .. فينبغي ألّا يصحَّ، وإن أريد نقل اليد .. فيصحُّ، ومنها: هبة الكلب: تصحُّ وإن امتنع بيعه، نص عليه في "الأم" (٢)، ومنها: هبة إحدى الضرتين نوبتها للأخرى .. فإنها تصح، ولا يجوز بيع ذلك.
(وهبة الدين للمدين إبراء) لا يحتاج إلى قبول على المذهب، اعتبارًا بالمعنى، وقيل: يحتاج؛ اعتبارًا باللفظ.
(ولغيره باطلة في الأصحِّ) لأنه غيرُ مقدور على تسليمه؛ فإن ما يقبض من الديون عين لا دين، وصحح في أصل "الروضة" القطع به (٣)، والثاني: يصحُّ، ونُقل عن النصِّ؛ لأن الذمم تجري مجرى الأعيان بدليل صحة البيع والشراء فيها.
(ولا يُملك موهوب إلا بقبض) لأنه روي عن جمع من الصحابة، ونقله الشيخ موفق الدين في "المغني" عن الخلفاء الأربعة ﵃ ولا مخالف لهم (٤)، وكالقرض؛ إذ كلُّ عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، وفي قول قديم: يملك بالعقد، وكلام المصنف في (باب الاستبراء) يوهم ترجيحه (٥)، وفي قول ثالث: إنه موقوف، فإن قبض .. تبينّا أنه ملك بالعقد.
(بإذن الواهب) فلو قبض من غير إذنه .. لم يجز، ولم يملكه قياسًا على الرهن، ويضمنه، ولو أذن ورجع عن الإذن، أو مات أحدهما قبل القبض .. بطل الإذن، وكيفية القبض في المنقول والعقار كما مرّ في البيع.
стр. 1188
فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ .. قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ. وَيُسَنُّ لِلْوَالِدِ الْعَدْلُ فِىِ عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ؛ بِأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَقِيلَ: كَقِسْمَةِ الإِرْثِ. وَلِلأَبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَةِ وَلَدِ،
===
(فلو مات أحدهما) أي: الواهب أو الموهوب له (بين الهبة والقبض .. قام وارثه مقامه) في القبض والإقباض، ولا ينفسخ العقد؛ لأنه مما يؤول إلى اللزوم، فلم ينفسخ بالموت؛ كالبيع في زمن الخيار، (وقيل: ينفسخ العقد) لجوازه؛ كالشركة والوكالة.
والفرق: ما مرّ من مآلها إلى اللزوم، بخلافهما، ويجري الخلاف في الجنون والإغماء.
(ويسن للوالد العدلُ في عطيَّةِ أولاده) وكذا لغيره من سائر الأصول؛ لئلا يفضي بهم الأمر إلى العقوق أو التحاسد، وكلامه يقتضي: أن تركه خلاف الأولى، وجزم الرافعي بالكراهة، وقال ابن حبان: إن تركه حرام (١)، هذا إذا استووا في الحاجة أو عدمها، فإن تفاوتوا .. قال في "المطلب": فليس فيه المحذور السالف.
وكذا يستحب للولد إذا وهب لوالديه، قال الدارمي: فإن فضَّل .. فضّل الأم.
وأفهم كلام الأئمة: أن الإخوة ونحوهم لا يجري فيهم هذا الحكم، قال في "المطلب": ويحتمل طرده فيهم؛ لما فيه من الإيحاش.
وقد يفرق: بأن المحذور في الأولاد عدم البر، وهو واجب، قال: ولا شك أن التسوية بينهم مطلوبة، لكن دون طلبها في الأولاد.
(بأن يسوِّيَ بين الذكر والأنثى) لأنه إذا فاضل .. أدى إلى الوحشة والعقوق، (وقيل: كقسمة الإرث) فيضعف حظ الذكر؛ كالميراث.
وفرّق الأول: بأن الوارث راض بما فرض الله تعالى له، بخلاف هذا.
(وللأب الرجوع في هبة ولده) لقوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً، أَوْ يَهَبَ هِبَةً، فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ" صححه الترمذي وغيره (٢).
стр. 1189
وَكَذَا لِسَائِرِ الأُصولِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَشَرْطُ رُجُوعِهِ: بَقَاءُ الْمَوْهُوبِ فِي سَلْطَنَةِ الْمُتَّهِبِ؛ فَيَمْتَنِعُ بِبَيْعِهِ وَوَقْفِهِ، لَا بِرَهْنِهِ وَهِبَتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَعْلِيقِ عِتْقِهِ وَتَزْوِيجِهَا وَزِرَاعَتِهَا، وَكَذَا الإِجَارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
===
نعم؛ يكره الرجوع إذا كان الولد عفيفًا بارًّا.
ومحل الرجوع: إذا وهب مجَّانًا، فإن شرط الثواب وأثابه الولد .. فلا رجوع في الأصحِّ، وهذا في غير الثواب المعلوم المقدار؛ فإن ذلك بيع على المذهب.
(وكذا لسائر الأصول) كالأم والأجداد والجدات من الجهتين وإن علوا (على المشهور) كما في حصول العتق، ووجوب النفقة، وسقوط القصاص، والثاني: المنع؛ لأن الخبر خاصٌّ بالأب.
واحترز بـ (الأصول): عن الفروع، والحواشي والأجانب؛ فإنه لا رجوع لهم.
وقوله: (في هبة ولده): قد يخرج الهدية وهي كالهبة، وكذا الصدقة على الأظهر في "الشرح" و"الروضة" (١) هنا، لكن جزم الرافعي في "الشرح الكبير" في (باب العارية) بمقابله (٢)، وصححه في "الشرح الصغير" في البابين؛ لأن القصد من الصدقة ثوابُ الآخرة، وهو موعود به، قال الأَذْرَعي: والمذهب: الأول؛ فإنه المنصوص عليه في "حرملة".
(وشرط رجوعه: بقاء الموهوب في سلطنة المُتَّهِب؛ فيمتنع ببيعه ووقفه) لحقِّ الغير، وكذا لو أعتقه أو كاتبه أو استولد الأمة، ولا بدَّ مع بقاء السلطنة ألّا يتعلق به ما يمنع البيع؛ فإنه لو جنى الموهوب وتعلق الأرش برقبته، أو أفلس المتهب وحجر عليه القاضي .. امتنع الرجوع مع بقاء الملك.
(لا برهنه وهبته قبل القبض) لبقاء السلطنة، بخلاف ما بعد القبض.
(وتعليقِ عتقه، وتزويجها، وزراعتها) لما ذكرناه من بقاء السلطنة، (وكذا الإجارةُ على المذهب) لأن العين باقية بحالها، ومورد الإجارة المنفعة، وهذا ما أجاب به الأكثرون، وحكي عن النص، ومقابله: قول الإمام: إنا إن صححنا بيع
стр. 1190
وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ وَعَادَ .. لَمْ يَرْجِعْ فِي الأَصحِّ، وَلَوْ زَادَ .. رَجَعَ فِيهِ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصلَةِ لَا الْمُنْفَصِلَةِ. وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِـ (رَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ)، أَوِ (اسْتَرْجَعْتُهُ)، أَوْ (رَددُتُهُ إِلَى مِلْكِي)، أَوْ (نَقَضْتُ الْهِبَةَ)، لَا بِبَيْعِهِ وَوَقْفِهِ وَهِبَتِهِ وَإِعْتَاقِهِ وَوَطْئِهَا فِي الأَصحِّ.
===
المأجور .. رجع، وإلا .. فإن جوزنا الرجوع في المرهون .. فكذلك، وإلا .. ففي المأجور تردد (١).
(ولو زال ملكه وعاد .. لم يرجع في الأصحِّ) لأن الملك غيرُ مستفاد من الأب حتى يرجع فيه؛ كما لو وهب له دراهم فاشترى بها سلعة، والثاني: يرجع؛ لوجود العين في يده على صفتها.
وأصل الخلاف: أن الزائل العائد كالذي لم يعد، أو كالذي لم يزل.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو ارتد الموهوب له وقلنا: بزوال الملك بالردة، ثم عاد إلى الإسلام .. فالأصحُّ: الرجوع.
وما لو وهب له عصيرًا فتخمر، ثم تخلل .. فله الرجوع على المذهب؛ لأن الملك الثابت في الخلِّ سببه ملك العصير.
(ولو زاد .. رجع فيه بزيادته الممصلة) لأنها تتبع الأصل (لا المنفصلة) كالكسب؛ لحدوثها على ملك المتهب.
(ويحصل الرجوع بـ "رجعت فيما وهبت"، أو "استرجعته"، أو "رددته إلى ملكي"، أو "نقضت الهبة") وما أشبهه؛ كـ (أبطلتها) و (فسختها) لأن ذلك كلَّه يفيد المقصود، وقيل: إن (أبطلتها) و (فسختها) كنايتان، وذكر البَنْدَنيجي تبعًا للشيخ أبي حامد: أن كلَّ ما كان رجوعًا في الفلس .. كان رجوعًا في الهبة، وما لا .. فلا.
(لا ببيعه، ووقفه وهبته وإعتاقه ووطئها في الأصحِّ) لكمال ملك الابن، ونفوذ تصرفه، فلا يزول إلا بصريح الرجوع، والثاني: أنه رجوع، وينفذ التصرف؛ كما أن هذه التصرفات فسخ للبيع في زمن الخيار.
стр. 1191
وَلَا رُجُوعَ لِغَيْرِ الأُصُولِ فِي هِبَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِنَفْي الثَّوَابِ. وَمَتَى وَهَبَ مُطْلَقًا .. فَلَا ثَوَابَ إِنْ وَهَبَ لِدُونِهِ، وَكَذَا لِأعْلَى مِنْهُ فِي الأَظْهَرِ، وَلِنَظِيرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ،
===
وفرق الأوّل: بأن الملك هناك ضعيف، بخلاف ما نحن فيه، قال الإمام: ولا خلاف أنه آثم بالوطء وإن قصد به الرجوع؛ لاستحالة إباحة الوطء لشخصين (١).
وقال الفارقي: إن قلنا: يحصل به الرجوع .. فهو حلال، وإلا .. فلا.
وما أطلقه من الخلاف في الهبة محلُّه في المقبوضة، أما قبل القبض .. فلا يكون رجوعًا قطعًا؛ كما أشار إليه صاحب "الكافي"، وقاله ابن الرفعة بحثًا (٢).
(ولا رجوع لغير الأصول في هبةٍ مُقيَّدة بنفي الثواب) للحديث المارِّ (٣)، وكالمتصدق.
وقوله: (بنفي الثواب): مقصوده مع التدرج إلى الكلام في الثواب بأن محلَّ ما تقدم الكلام فيه الهبة التي لا يتسلط الأجنبي على الرجوع فيها.
(ومتى وهب مطلقًا) أي: لم يقيده بثواب ولا بنفيه ( .. فلا ثواب) أي: لا عوض (إن وهب لدونه) في الرتبة؛ كالملك لرعيته، والأستاذ لغلامه؛ إذ لا يقتضيه لفظ ولا عادة، (وكذا لأعلى منه) كهبة الفقير للغني (في الأظهر) لأنه لو أعاره دارًا .. لا يلزمه شيء، فكذلك إذا وهبه؛ إلحاقًا للأعيان بالمنافع، والثاني: يجب الثواب؛ لاطراد العادة به.
وأصلُ الخلاف: أن العادة الجارية هل تجعل كالمشروط؟ وفيه قولان، والهدية في ذلك كالهبة؛ كما قاله المصنف تفقهًا، وجزم به السبكي، ونقله في "الكفاية" عن تصريح البَنْدَنيجي (٤).
وأما الصدقة .. فلا ثواب فيها مطلقًا، بل ثوابها عند الله.
(ولنظيره على المذهب) إذ القصد من مثله الصلة وتأكيد الصداقة، والطريق
===
(١) نهاية المطلب (٨/ ٤٣١).
(٢) كفاية النبيه (١٢/ ١١٣).
(٣) (ص ٤٨٤).
(٤) روضة الطالبين (٥/ ٣٨٦)، كفاية النبيه (١٢/ ١١٨).
стр. 1192
فَإِنْ وَجَبَ .. فَهُوَ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يُثِبْهُ .. فَلَهُ الرُّجُوعُ. وَلَوْ وَهَبَ بِشَرْطِ ثَوَابٍ مَعْلُومٍ
===
الثاني: طرد القولين السابقين؛ لأن الأقران لا يتحمل بعضهم من بعض عادة، بل يعوضون، بل بعضهم ينتظر الثواب من البعض، والثالث: إن قصد الثواب .. استحقه، وإلا .. فقولان.
(فإن وجب) الثواب ( .. فهو قيمة الموهوب في الأصحِّ) لأن العقد إذا اقتضى العوض ولم يسم فيه .. وجبت فيه القيمة؛ كالنكاح، وعلى هذا: فالأصحُّ: اعتبار قيمته وقتَ القبض لا وقت الثواب.
ولا يتعين للثواب جنس من الأموال، بل الخيرة فيه للمتهب قطعًا.
فكان ينبغي للمصنف أن يقول: (قدر قيمة الموهوب) كعبارة "المحرر" (١)؛ لئلا يظن أن الواجب القيمةُ بعينها؛ إذ لو أرادها .. لباعه، وقد يكون الموهوب مثليًّا.
ولا يفهم من قوله: (وجب) تحتم الإثابة، وإجباره عليها؛ كالثمن، بل المتهب بالخيار إذا طلب الواهب القيمة؛ إن شاء .. أثاب، وإن شاء .. ردَّ الموهوب، فإن لم يطلبها .. لم يكن له الردُّ، وليس للواهب استرجاعُ الموهوب إذا طلب الواهب القيمة، ومقابل الأصحِّ أوجه: ما يعد ثوابًا لمثله عادة، وقيل: أقل متمول، وقائله لم يعمل بمقتضى اللفظ، فلم يوجب عوضًا ألبتة، ولا بمقتضى العرف؛ إذ يستقبح أهل العرف دفع أقلِّ متمول عند إهداء الكثير، وقيل: ما يرضى به الواهب؛ لحديث ورد فيه (٢).
(فإن لم يُثبه .. فله) أي: للواهب (الرجوع) لحديث: "مَنْ وَهَبَ هِبَةً .. فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا" صححه الحاكم (٣).
هذا إذا كان الموهوب بحاله، فإن كان تالفًا .. رجع إلى بدله في الأصحِّ.
(ولو وهب بشرط ثوابٍ معلوم) كـ (وهبتك هذا على أن تثيبني كذا) ( ..
стр. 1193
فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْعَقْدِ، ويكُونُ بَيْعًا عَلَى الصحِيحِ، أَوْ مَجْهُولٍ .. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ. وَلَوْ بَعَثَ هَدِيَّةً فِي ظَرْفٍ؛ فَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ؛ كَقَوْصَرَّةِ تَمْرٍ .. فَهُوَ هَدِيَّةٌ أَيضًا، وَإِلَّا .. فَلَا
===
فالأظهر: صحة العقد) نظرًا إلى المعنى؛ فإنه معاوضة بمال معلوم فصحَّ؛ كما لو قال: (بعتك)، والثاني: بطلانه؛ نظرًا إلى اللفظ؛ لتناقضه، فإن لفظ الهبة يقتضي التبرع.
(ويكون بيعًا على الصحيح) نظرًا إلى المعنى، فتثبت أحكامه؛ من الشفعة والخيارين وغيرها، والثاني: يكون هبة؛ نظرًا إلى اللفظ، فتثبت فيه أحكامها؛ من اعتبار القبض في اللزوم وغيره، قال الإمام: وهو بعيد جدًّا، ولو صحَّ .. لم يكن في دفع الشفعة حيلة أوقع من هذه؛ لسلامتها من الخطر (١).
(أو مجهولٍ) كـ (وهبتك هذا الفرس بعبد) ( .. فالمذهب: بطلانه) لأنه خالف موجب البيع لجهالة العوض، والهبة بإثباته.
وملخص الخلاف في المسألة: أنّا إن قلنا: إن الهبة لا تقتضي ثوابًا .. فالعقد باطل؛ لتعذر تصحيحه بيعًا وهبة، وإن قلنا: يقتضيه .. صحَّ على المذهب، وبه قطع الجمهور؛ لأنه تصريح بمقتضى العقد.
وقيل: يبطل؛ بناء على أن العوض يلحقه بالبيع، وإذا كان بيعًا .. وجب أن يكون العوض معلومًا، قال الرافعي: (والأولون يقولون: إنما يجعل بيعًا على رأي إذا تعذر جعله هبة، وذلك إذا قلنا: الهبة لا تقتضي الثواب، أما إذا قلنا: تقتضيه .. فاللفظ والمعنى متطابقان، فلا معنى لجعله بيعًا) (٢).
(ولو بعث هدية في ظرف؛ فإن لم تجر العادة برده؛ كقَوْصَرَّة تمر .. فهو هدية أيضًا، وإلا .. فلا) تحكيمًا للعادة، ومثله: علب الفاكهة والحلوى ونحوها.
و(القوصرة): بتشديد الراء على الأفصحِ: وعاء التمر، ولا يُسمَّى بذلك إلا وفيها التمر، وإلا .. فهو زِنْبِيل.
стр. 1194
وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ إِلَّا فِي أَكْلِ الْهَدِيَّةِ مِنْهُ إِنِ اقْتَضتْهُ الْعَادَةُ.
===
(ويحرم استعماله) لأنه انتفاع بملك الغير بغير إذنه (إلا في أكل الهدية منه إن اقتصته العادة) وإن لم تقتضه .. لزمه تفريغه عملًا بالعادة.
قالا: وإذا لم يكن الظرف هدية .. كان أمانة في يده (١).
وإذا أكل الهدية منه حيث اقتضته العادة .. قال البغوي: يكون عارية (٢).
* * *
стр. 1195
كتابُ اللُّقَطة
يُسْتَحَبُّ الالْتِقَاطُ لِوَاثِقٍ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ - وَقِيلَ: يَجِبُ - وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ وَاتِقٍ، وَيَجُوزُ فِي الأَصَحِّ، وَيُكْرَهُ لِفَاسِقٍ
===
(كتاب اللُّقَطة)
هي بضم اللام وفتح القاف على المشهور، وحكى ابن مالك فيها أربع لغات: لُقَاطة، ولُقْطة بضم اللام وسكون القاف، ولُقَطة بضم اللام وفتح القاف ولقط بفتح اللام وسكون القاف (١).
قال الأزهري: وهي مختصة بغير الحيوان من الأموال، والحيوان يُسمَّى ضالة (٢).
وهي مجمع على جوازها في الجملة.
(يستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه) لما فيه من البرَّ، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وفي مسلم: "وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" (٣).
(وقيل: يجب) لأن حرمة مال المسلم كدمه، فيجب صونه، وعلى هذا: لو تركه حتى تلفت العين .. أثم ولا ضمانَ، نصّ عليه في "الأم"، وجرى عليه الأئمة (٤).
(ولا يستحب لغير واثق) قطعًا؛ خشيةَ التضييع، أو الخيانة، (ويجوز في الأصحِّ) لأن خيانته لم تتحقق، وعليه الاحتراز، والثاني: المنع؛ خشيةَ استهلاكها.
(ويكره لفاسق) كيلا تدعوَه نفسه إلى الخيانة، وهي كراهة تنزيه؛ كما عزاه الرافعي لإطلاق الجمهور، وزعم أن الغزالي تفرّد بالتحريم، واعترض: بأنه ظاهر