بِقَوْلهِ: (نَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ)، أَوْ (أَبْطَلْتُهَا)، أَوْ (رَجَعْتُ فِيهَا)، أَوْ (نَسَخْتُهَا)، أَوْ (هَذَا لِوَارِثِي). وَبِبَيْعٍ وَإِعْتَاقٍ وَإِصْدَاقٍ، وَكَذَا هِبَةٌ أَوْ رَهْنٌ مَعَ قَبْضٍ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الأَصَحِّ. وَبِوَصِيَّةٍ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَكَذَا تَوْكِيلٌ فِي بَيْعِهِ وَعَرْضُهُ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ
===
(بقوله: "نقضت الوصية"، أو "أبطلتها"، أو "رجعت فيها"، أو "نسختها") (١) وكذا أزلتها، ورددتها، ودفعتها ونحوها من الصرائح، (أو) قال: ("هذا لوارثي") بعد موتي، أو (هو ميراث عني) لأنه لا يكون للوارث إلا وقد ردّه إلى نفسه فهو كقوله: (رددته).
(و) يحصل (ببيعٍ) وإن فسخ في زمن الخيار، (وإعتاق وإصداق) ونحوه من التصرفات الناجزة اللازمة في الحياة بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر، ولأنه يدل على الإعراض عن الوصية.
(وكذا هبة أو رهن مع قبض) لزوال الملك في الأولى، وتعريضه للبيع في الثانية، (وكذا دونه في الأصحِّ) لأنه عرضه لزوال الملك، وذلك يدل على الإعراض عن الوصية، والثاني: لا فيهما؛ أما في الهبة .. فلأنه لم يؤثر في ملكه، فكذا في رجوعه، وأما الرهن .. فلأنه لا يزيل الملك بل هو نوع انتفاع؛ كالاستخدام.
وإطلاقه قد يشمل: الهبة الفاسدة، وفيها أوجه في "الحاوي": ثالثها: إن أقبض .. كان رجوعًا، وإلا .. فلا، قال في "الكفاية": وكلامه يفهم: طردها في الرهن الفاسد أيضًا (٢).
(وبوصية بهذه التصرفات) أي: بالبيع وما بعده؛ لإشعاره بالرجوع.
(وكذا توكيل في بيعه وعرضُه عليه في الأصحِّ) لأنه توسل إلى أمر يحصل به الرجوع، والثاني: لا؛ لأنه قد لا يوجد، هذا كلُّه في الوصية بمعين، أما إذا أوصى بثلث ماله ثم تصرف فيما يملكه ببيع أو إعتاق أو غيرهما .. لم يكن رجوعًا، ولو هلك جميع ماله .. لم تبطل الوصية؛ لأن الثلث مطلقًا لا يختص بما عنده حال الوصية، بل العبرة بما يملكه عند الموت.
стр. 1332
وَخَلْطُ حِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ رُجُوعٌ، فَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَخَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا .. فَرُجُوعٌ، أَوْ بِمِثْلِهَا .. فَلَا، وَكَذَا بِأَرْدَأَ فِي الأَصَحِّ. وَطَحْنُ حِنْطَةٍ وَصَّى بِهَا، وَبَذْرُهَا، وَعَجْنُ دَقِيقٍ، وَغَزْلُ قُطْنٍ، وَنَسْجُ غَزْلٍ، وَقَطْعُ ثَوْبٍ قَمِيصًا، وَبِنَاءٌ وَغِرَاسٌ فِي عَرْصَةٍ .. رُجُوعٌ.
فَصْلٌ [في الإيصاء وما يتبعه]
يُسَنُّ الإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ،
===
(وخلطُ حنطة معيَّنة رجوعٌ) سواء خلطها بمثلها أو أجود أو أردأ؛ لتعذر التسليم بما أحدثه في العين.
(فلو أوصى بصاع من صبرة) معينة (فخلطها بأجود منها .. فرجوع) لأنه أحدث بالخلط زيادة لم يرض بتسليمها، (أو بمثلها .. فلا) قطعًا؛ فإنه لا يحدث تغييرًا؛ إذ لا فرق بين المثلين.
(وكذا بأردأ في الأصحِّ) لأن التغيير عيبه بالنقص، فأشبه تعييب الموصى به، أو إتلاف بعضه، والثاني: رجوع؛ لأنه غيَّر الموصى به عما كان، فأشبه الخلط بالأجود، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب ونسبه إلى عامة الأصحاب، واختاره الإمام، ولم ينسب الشيخان ما رجحاه لأحد (١).
(وطحنُ حنطة وصَّى بها، وبذرُها، وعجن دقيق، وغزل قطن، ونسج غزل، وقطع ثوب قميصًا، وبناء وغراس في عرصة .. رجوع) لزوال الاسم، وإشعاره بالإعراض.
* * *
(فصل: يسن الإيصاء بقضاء الدين) لأنه إذا شرع له الوصية في حق غيره .. فحاجة نفسه أولى، وهذا في الدين الذي لا يعجز عن وفائه في الحال، أما الذي يعجز عن وفائه في الحال .. فالوصاية به واجبة؛ كما قاله في "الروضة"، وكذا
стр. 1333
وَتنفِيذِ الْوَصَايَا، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ. وَشَرْطُ الْوَصِيِّ: تَكْلِيفٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَالَةٌ، وَهِدَايَةٌ إِلَى التَّصَرُّفِ الْمُوصَى بِهِ، وَإِسْلَامٌ، لَكِنِ الأَصَحُّ: جَوَازُ وَصِيَّةِ ذِمِّيٍّ إِلَى ذِمِّيٍّ
===
الإيصاء برد المظالم واجب، وقد اعترض في "الروضة" على الرافعي على اقتصاره فيه على الاستحباب (١).
(وتنفيذِ الوصايا) أي: يسن أن يوصي بتنفيذ وصاياه إن أوصى بشيء، (والنّظرِ في أمر الأطفال) أي: يسن أيضًا. وإن كان القياس منعه؛ لانقطاع سلطنة الموصي وولايته بالموت، لكن الدليل قام على جوازه؛ فروى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة قال: أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة، منهم: عثمان والمقداد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود (٢)؛ فكان يحفظ أموالهم، وينفق عليهم من ماله، ولم يعرف لهم مخالف.
(وشرط الوصي: تكليف) لأن غيره مولّىً عليه، فكيف يلي أمر غيره؟ ! (وحرية) لأن الرقيق مشغول بسيده، والوصاية تستدعي فراغًا، وسواء عبده وعبد غيره، وسواء القن والمكاتب والمبعّض، (وعدالة) فلا تجوز إلى فاسق بالإجماع؛ لأنها ولاية وائتمان.
(وهداية إلى التصرف الموصى به) فلا تصحُّ إلى من لا يهتدي إليه؛ لسفه أو مرض أو هرم أو تغفل؛ إذ لا مصلحة في تولية مَنْ هذا حاله، (وإملام) فلا تصحُّ وصاية مسلم إلى كافر، لتهمته، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية.
(لكن الأصحُّ: جواز وصية ذمي إلى ذمي) بشرط كونه عدلًا في دينه؛ كما يجوز أن يكون وليًّا لأولاده، والثاني: المنع؛ كشهادته.
ويشترط أيضًا: ألّا يكون الوصي عدوًّا للطفل؛ كما حكاه الرافعي عن الروياني وآخرين، وإنهم حصروا الشرائط بلفظ مختصر فقالوا: ينبغي أن يكون الوصي بحيث
стр. 1334
وَلَا يَضُرُّ الْعَمَى فِي الأَصَحِّ، وَلَا تشتَرَطُ الذُّكُورَةُ، وَأُمُّ الأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا. وَيَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ بِالْفِسْقِ، وَكَذَا الْقَاضِي فِي الأَصَحِّ، لَا الإِمَامُ الأَعْظَمُ. وَيَصِحُّ الإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ. وَتنفِيذُ الْوَصِيَّةِ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ،
===
تقبل شهادته على الطفل (١). ونقض بالذمي، فإنه يوصي إلى الذمي ولا تقبل شهادته عليه.
وفي وقت اشتراط الشروط المذكورة أوجه: أصحها: حالة الموت.
(ولا يضر العمى في الأصحِّ) لأنه من أهل الشهادة، كالبصير، ويوكل فيما لا يمكنه، والثاني: يضر، لأنه لا يصحُّ بيعه وشراؤه بنفسه، فلا يفوّض إليه أمر غيره.
(ولا تشترط الذكورة) بالإجماع، وقد أوصى عمر ﵁ إلى ابنته حفصة ﵂؛ كما أخرجه أبو داوود (٢).
(وأم الأطفال أولى من غيرها) إذا حصلت الشروط فيها، لأنها أكثر شفقة.
(وينعزل الوصي بالفسق) لزوال الشرط، وفي معناه: قيم الحاكم، (وكذا القاضي في الأصحِّ) لزوال الشرط، والثاني: لا؛ كالإمام.
(لا الإمام الأعظم) لتعلق المصالح الكلية بولايته، بل تجوز تولية الفاسق ابتداء إذا دعت إليه ضرورة، وقيل: ينعزل، ونقل المَحاملي في (الأقضية) من "المجموع" الاتفاق عليه، سوى شذوذ من أصحاب الحديث، وصوّبه في "المطلب"، واقتضى كلامه: تفرد الرافعي بترجيح عدم الانعزال (٣).
(ويصحُّ الإيصاء بقضاء الدين، وتنفيذ الوصية من كلِّ حرٍّ مكلّف) لما سبق أول الباب (٤)، وكللامه يفهم: أن السفيه إذا صححنا وصيته بالمال .. أن له تعيين شخص
стр. 1335
وَيُشْتَرَطُ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ مَعَ هَذَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ. وَلَيْسَ لِوَصِيٍّ إِيصَاءٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ .. جَازَ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ إِلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ، فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ
===
لتنفيذها، قال السبكي: ولم أر فيه إلا ما اقتضاه هذا الكلام، وهو محتمل، ومنعه أيضًا يحتمل فيَليهِ الحاكم. انتهى، وقال في "المطلب": ينبغي إضافة الرشد إلى الشرطين المذكورين.
(ويشترط في أمر الأطفال) والمجانين (مع هذا) أي: مع الحرية والتكليف (أن يكون له ولاية عليهم) مبتدأة من الشرع لا بتفويض، فتثبت الوصاية عليهم للأب والجد وإن علا دون غيرهما من الأقارب، ويخرج الوصي والقيم، وكذا الأب والجد إذا نصبهما الحاكم في مال من طرأ سفهه؛ لأنه وليه الحاكم دونهما على الأصحِّ، ويخرج الأم أيضًا على المذهب.
(وليس لوصيّ إيصاءٌ) كالوكيل (فإن أُذن له فيه .. جاز في الأظهر) كالوكيل يوكل بالإذن، والثاني: لا؛ لبطلان إذنه بالموت.
وصورة الإذن: أن يضيف إليه بأن يقول: (أوصِ بتركتي) (ونحوه، أما إذا قال: (أوص لمن شئت) أو (إلى فلان) (ولم يضف إلى نفسه .. لم يوص عنه على الأصحِّ عند البغوي وأقرّاه (١).
ومحلُّ الخلاف: فيما إذا أذن له أن يوصي عن نفسه، أما إذا أذن له أن يوصي عن الموصي .. صحّ قطعًا، حكاه في "البيان" عن ابن الصباغ، ونقله ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ والروياني في (كتاب الوكالة)، قال: وكلام الرافعي مصرح بأن الخلاف في الثانية (٢).
(ولو قال: "أوصيت إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد، فإذا بلغ أو قدم .. فهو
стр. 1336
الْوَصِيُّ) .. جَازَ. وَلَا يَجُوزُ نَصْبُ وَصِيٍّ وَالْجَدُّ حَيٌّ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ، وَلَا الإِيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتٍ. وَلَفْظُهُ: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ)، أَوْ (فَوَّضتُ)، وَنَحْوُهُمَا. وَيَجُوزُ فِيهِ التَّوْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ
===
الوصي" .. جاز) وكذا لو قال: (أوصيت إليك سنة وبعدها وصيي فلان) لأن الأب هو الموصي إليهما، ولا يضر التعليق، إذ الوصية تحتمل الأخطار والجهالات، ولو قال: (أوصيت إليك؛ فإذا نزل بك حادث الموت فقد أوصيت إلى من أوصيت إليه)، أو (فوصيُّك وصيي) .. فباطلة على الأظهر، لجهالة الموصى إليه.
وكان ينبغي للمصنف: تأخير هذا إلى قوله: (ويجوز فيه التوقيت والتعليق) فإنه مثال له.
(ولا يجوز) للأب (نصب وصي) في أمر الأطفال) (والجدُّ حي بصفة الولاية) لأن ولايته ثابتة بالشرع، كولاية التزويج، وقيل: يجوز؛ لأنه أولى من الجد، فكذا نائبه.
واحترز بـ (صفة الولاية): عما إذا كان غير أهل، لفسق ونحوه .. فإنه يجوز، فلو تأهل للولاية بعد الموت .. قال الأَذْرَعي: فالقياس: انعزال الوصي.
(ولا الإيصاء بتزويج طفل وبنت) مطلقًا مع وجود الجد وعدمه وعدم الأولياء، لأن البالغين لا وصاية في حقهم، والصغائر لا يزوجهم غير الأب والجد.
(ولفظه) أي: لفظ الإيصاء كما قاله في "المحرر" (١) ("أوصيت إليك" أو "فوضت") إليك) (٢) (ونحوهما) كـ (أقمتك مقامي في أمر أولادي بعد موتي)، هذا في الناطق، أما الأخرس .. فتكفي إشارته المفهمة وكتابته.
(ويجوز فيه) أي: في الإيصاء (التوقيت) كـ (أوصيت إليك سنة)، أو (إلى بلوغ ابني)، (والتعليق) كـ (إذا مت .. فقد أوصيت إليك) لأنها تحتمل الأخطار والجهالات.
стр. 1337
وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ مَا يُوصِي فِيهِ - فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ) .. لَغَا - وَالْقَبُولُ، وَلَا يَصِحُّ فِي حَيَاتِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ وَصَّى اثْنَيْنِ .. لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا
===
(ويشترط: بيان ما يوصي فيه) كـ (أوصيت إليك في قضاء ديوني)، و (تنفيذ وصيتي)، و (التصرف في مال أطفالي)، ومتى خصص وصايته بحفظ ونحوه .. اتبع، أو عمم .. اتبع، وإن أطلق؛ بأن قال: (أوصيت إليك في أمري)، أو (أمر أطفالي) ولم يذكر التصرف .. ظاهر كلام المصنف: أنه لا يصحُّ، والمصحَّح في "الروضة": الصحة، ويتصرف ونقله الرافعي عن المتولي وأقرّه (١)، وقيل: إن له الحفظ فقط، وجزم به في "الحاوي الصغير" (٢).
(فإن اقتصر على: "أوصيت إليك" .. لغا) كما لو قال: ) (وكلتك) (ولم يبين ما وكل فيه.
(و) يشترط (القبول) لأنها عقد تصرف، فأشبهت الوكالة.
وقضية كلامه: اشتراطه لفظًا، لكن في "الروضة" و"أصلها": وهل يقوم عمل الوصي مقام لفظ قبوله؟ وجهان، وكلُّ هذا مأخوذ من الوكالة. انتهى (٣).
وهو قد يقتضي ترجيح عدم الاشتراط، وبه جزم القفال في "فتاويه"، كما نقله الأَذْرَعي.
(ولا يصحُّ) القبول (في حياته في الأصحِّ) لأنه لم يدخل وقت التصرف؛ كالوصية له بالمال، والثاني: يصحُّ؛ كالوكالة، والرد في حياة الموصي على هذا الخلاف.
(ولو وصى اثنين) (٤) بأن قال: (أوصيت إليكما)، كما قالاه في "الشرح" و"الروضة" (٥) (لم ينفرد أحدهما) تنزيلًا على الأخذ بالأقل والأحوط، وهو الاجتماع، وقد يكون أحدهما أوثق والآخر أحدق.
стр. 1338
إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِهِ. وَلِلْمُوصِي وَالْوَصِيِّ الْعَزْلُ مَتَى شَاءَ. وَإِذَا بَلَغَ الطِّفْلُ وَنَازَعَهُ فِي الإِنْفَاقِ عَلَيْهِ .. صُدِّقَ الْوَصِيُّ،
===
قال الشيخ عز الدين: وهو مشكل؛ لما فيه من مخالفة الظاهر الحقيقي حملًا على مجاز بعيد لم يدل عليه لفظ الإذن.
وإذا قلنا: باشتراط اجتماعهما .. قال الإمام: فليس المراد: تلفظهما بالعقد معًا، وإنما صدوره عن رأيهما وإن باشره أحدهما، أو غيرهما بأمرهما (١).
ومحلُّ وجوب الاجتماع: في أمر الأطفال وأموالهم، وتفرقة الوصايا غير المعينة، وقضاء دين ليس في التركة جنسه، أما ردُّ الودائع والمغصوب والعواري، وتنفيذ وصية معينة، وقضاء دين في التركة جنسه .. ففي "التهذيب" وغيره: لكل الانفراد؛ فإن لصاحبه الاستقلال بأخذه (٢).
قال الرافعي ما معناه: إن هذا واضح في وقوع المدفوع موقعه، وعدم نقضه، وأما جواز الإقدام على الانفراد .. فليس واضحًا؛ فإنهما لم يتصرفا إلا بالوصاية، فليكن بحسبها، قال: وفي كلامهم ما هو كالصريح فيما ذكرته، فلتجئ فيه الأحوال المذكورة في سائر التصرفات؛ أي: من إطلاق أو تصريح، باجتماع أو انفراد (٣).
(إلا إن صرح به) فيجوز الانفراد عملًا بالإذن؛ كالوكالة.
(وللموصي والوصيّ العزلُ متى شاء) كالوكالة، ويستثنى: ما إذا تعين عليه أو غلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم، قاله في "زيادة الروضة" (٤)، وسبقه إليه ابن الصلاح وابن عبد السلام وصرح بأنه لا يصحُّ عزله.
وصورة المسألة: إذا خلا ذلك عن العوض، قال الماوردي: وقد يكون بعوض إجارة فتلزم (٥).
(وإذا بلغ الطفل ونازعه في الإنفاق عليه .. صُدِّق الوصي) بيمينه، وكذا قيّم
стр. 1339
أَوْ فِي دَفْعٍ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ .. صُدِّقَ الْوَلَدُ.
===
الحاكم؛ لأنه أمين، وقيل: لا تقبل منه إلا ببينة؛ كما في دعوى البيع بالمصلحة.
وفرق الأول: بأن هنا تتعذر عليه إقامة البينة، بخلاف البيع، وهذا لا يختص بالطفل، فالمجنون بعد إفاقته والسفيه بعد رشده .. كذلك.
وأفهم كلامه: تصديق الأب والجد من باب أولى.
(أو في دفع إليه بعد البلوغ) والرشد ( .. صدق الولد) بيمينه؛ لأنه لا تعسر إقامة البينة عليه.
قيل: وهذه مكررة؛ فقد ذكرها في (الوكالة)، وردّ: بأن تلك في القيّم المنصوب من جهة الحاكم، وهذه في الوصي.
* * *
стр. 1340
كتابُ الوَدِيعة
مَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا .. حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَمَنْ قَدَرَ وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ .. كُرِهَ،
===
(كتاب الوديعة)
الوديعة لغةً: الشيء الموضوع عند غير صاحبه للحفظ، يقال كـ: أودعه: إذا دفعه إليه وقرره في يده أمانةً، وشرعًا: تطلق على المال نفسه، وعلى العقد المقتضي للاستحفاظ، ويصحُّ حملُ الترجمة على كلٍّ منهما، وعلى الثاني: فحقيقتها شرعًا: توكيل في حفظ مملوك أو محترم مختص على وجه مخصوص؛ ليدخل: النجاسة المنتفع بها، ويخرجَ: العين في يد الملتقط وما تطيّره الريح إلى داره ونحوه؛ فإنّ الائتمان فيها من جهة الشرع لا من المالك.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وهي وإن نزلت في رد مفاتيح الكعبة إلى عثمان بن طلحة .. فهي عامة في جميع الأمانات (١)، وقوله ﷺ : "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" حسنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط مسلم (٢)، ولأن بالناس ضرورةً إليها.
(من عَجَز عن حفظها .. حرم عليه قبولها) لأنه يعرضها للتلف، واعتبر في "الحاوي" و"المهذب" للتحريم مع العجز: عدمَ الوثوق بأمانة نفسه (٣).
(ومن قَدَر ولم يثق بأمانته .. كره)، المراد: من هو في الحال أمين ولكن يخاف الخيانة في ثاني الحال، ولا يلزم منه الفسق؛ فقد يخشى الأمين الخيانة.
وجزمه بالكراهة: لا يطابق كلام "المحرر"؛ فإنه قال: لا ينبغي أن يقبل،
стр. 1341
فَإِنْ وَثِقَ .. اسْتُحِبَّ. وَشَرْطُهُمَا: شَرْطُ مُوَكِّلٍ وَوَكِيلٍ
===
وأطلقا في "الشرح" و"الروضة" وجهين بلا ترجيح: أحدهما: يحرم، والثاني: يكره (١).
نعم؛ ما ذكره المصنف ظاهر؛ لأجل الشك في حصول المفسدة.
قال صاحب "المطلب": ويظهر: أن هذا كلَّه فيما إذا أراد قبولها من غير اطلاع المالك على الحال، أما إذا أطلعه فرضي بذلك .. فلا تحريم ولا كراهة، قال: وكذا محلُّ ذلك إذا لم يتعين القبول، أما إذا تعين .. فقد نقول عند الخوف به أيضًا؛ كما في ولاية القضاء. انتهى.
وصرح ابن يونس في "المحيط": بالقيد الأول، وفيه نظر، والوجه: تحريمه عند العجز عليهما، أما على المالك: فلإضاعته مالَه، وأما على المودع: فلإعانته على ذلك.
(فإن وَثِق) بأمانة نفسه وقدرته على حفظها ( .. استحب) لأنه من التعاون المأمور به.
هذا إذا لم يتعين، فإن لم يكن غيره .. وجب، قال الرافعي: وهو محمول على أصل القبول؛ كما بينه السَّرَخْسي، دون إتلاف منفعة نفسه وحرزِه مجّانًا (٢)، قال الزركشي: وهو يفهم: جواز أخذ الأجرة عليها في هذه الصورة، لكن صرح الفارقي وابن أبي عصرون: بأنه لا يجوز له في هذه الحالة أخذ أجرة على الحفظ؛ لأنه صار واجبًا عليه، ويجوز له أخذ أجرة مكانَها.
قال ابن الرفعة: وللخلاف التفات في بنائه على الخلاف فيما إذا تعيّن عليه إنقاذ غريق فشرط عليه أجرة .. هل يستحقها؟ ، أو تعيّن عليه تعليم الفاتحة فأصدقها إياها .. هل يصحُّ؟ والصحيح فيها: نعم.
(وشرطهما) أي: المودِع والمودَع (شرط موكِّل ووكيل) لأنها استنابة في الحفظ.
стр. 1342
وَيُشْتَرَطُ صِيغَةُ الْمُودِع؛ كـ (اسْتَوْدَعْتُكَ هَذَا)، أَوِ (اسْتَحْفَظْتُكَ)، أَوْ (أَنَبْتُكَ فِي حِفْظِهِ). وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَيَكْفِي الْقَبْضُ. وَلَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا .. لَمْ يَقْبَلْهُ، فَإِنْ قَبِلَ .. ضَمِنَ
===
(ويشترط: صيغة المودِع، كـ "استودعتك هذا"، أو "استحفظتك"، أو "أنبتك في حفظه") (ونحوها؛ كـ (أودعتك)، و (هو وديعة عندك)، و (احفظه)، وهي صرائح، وتنعقد بالكناية مع النية؛ كـ (خذه).
وهذا كلُّه في الناطق، أما الأخرس .. فتكفي إشارته المفهمة.
(والأصحُّ: أنه لا يشترط القبول لفظًا، ويكفي القبض) كما في الوكالة.
نعم؛ يشترط عدم الرد؛ كما قاله البغوي (١)، والثاني: يشترط؛ بناءً على أنها عقد، والثالث: يفرق بين صيغة الأمر، كـ (احفظه)، والعقد؛ كـ (أودعتك) كما في الوكالة.
وبنى المتولي الخلاف على أن النظر في العقود إلى اللفظ والمعنى.
وقوله: (ويكفي القبض) قد يفهم: أنه لا بدَّ في المنقول من النقل، والذي في "التهذيب": أنه لو جاء به فقال: (هذا وديعتي) أو (احفظه)، فقال: (قبلت) أو قال: (ضعه) .. كان إيداعًا (٢)، وقال المتولي: لا يكون إيداعًا ما لم يقبضه، وفي "فتاوى الغزالي": أنه إن كان الموضع في يده فقال: (ضعه) .. دخل المال في يده؛ لحصوله في الموضع الذي هو في يده، وإن لم يكن؛ بأن قال: (انظر إلى متاعي في دكاني)، فقال: (نعم) .. لم يكن وديعة (٣).
(ولو أودعه صبي أو مجنون مالًا .. لم يقبله) لأن إيداعهما كالعدم، (فإن قبل .. ضمن) إذا قبض؛ لعدم الإذن المعتبر؛ كالغاصب، ولا يبرأ إلا بالردِّ على وليه.
ويستثنى من تضمينه: صورتان: إحداهما: لو خاف هلاكه فأخذه حِسْبة صونًا له .. لم يضمنه في الأصحِّ، الثانية: لو أتلف الصبي وديعةَ نفسِه بلا تسليط من المودع
стр. 1343
وَلَوْ أَوْدَعَ صَبيًّا مَالًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ .. لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ .. ضَمِنَ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَحْجُورُ عَليْهِ بِسَفَهٍ كَصَبِيٍّ. وَتَرْتَفِعُ بِمَوْتِ الْمُودِعِ أَوِ الْمُودَعِ وَجُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ
===
عنده .. قال ابن الرفعة: فالظاهر: براءته لأن فعل الصبي لا يمكن إحباطه، وتضمينه مالَ نفسه محال، فتعين البراءة. انتهى، وبه صرح الرافعي في (الجراح) قبيل الفصل الثاني في المماثلة (١).
(ولو أودع صبيًّا) أو مجنونًا (مالًا فتلف عنده) (ولو بتفريط ( .. لم يضمن) إذ ليس عليه حفظه، فهو كما لو تركه عند بالغ من غير استحفاظ.
(وإن أتلفه .. ضمن في الأصحِّ) لأنه لم يسلطه على إتلافه، وهو من أهل الضمان، والثاني: لا؛ كما لو باعه شيئًا وسلمه إليه.
وفرق الأول: بأن البيع إذن في الاستهلاك، بخلاف الإيداع.
وخصص بعضهم الخلاف: بغير القتل، وقال: لو كان عبدًا فقتله .. ضمن قطعًا، قال الأَذْرَعي: فإن صحَّ هذا .. جاء مثله في كلِّ ما لا يؤكل من الحيوان. انتهى.
وذكر الشيخان في فوائد الخلاف: أن الوديعة إن قلنا: عقد .. لم يضمن الصبي، أو مجردُ ائتمان .. ضمن، قالا: والموافق لإطلاق الأكثرين: أنها عقد. انتهى (٢).
وقضيته: تصحيح عدم الضمان عكسَ المرجح هنا.
(والمحجور عليه بسفه كصبي) في جميع ما مر في إيداعه والأخذِ منه والإيداعِ عنده وعدم تضمينه بالتلف عنده، وكذا تضمينه بإتلافه؛ كما صرح به الماوردي (٣)؛ لما سبق من التوجيه.
(وترتفع بموت المودِع أو المودَع وجنونه وإغمائه) لأنها وكالة في الحفظ، وهذا حكم الوكالة، وترتفع أيضًا: بطريان حجر السفه؛ كما قاله في "الحاوي"
стр. 1344
وَلَهُمَا الاسْتِرْدَادُ وَالرَّدُّ كُلَّ وَقْتٍ. وَأَصْلُهَا: الأَمَانَةُ، وَقَدْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِعَوَارِضَ: مِنْهَا: أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ بِلَا إِذْنٍ وَلَا عُذْرٍ، فَيَضْمَنُ، وَقِيلَ: إِنْ أَوْدَعَ الْقَاضِيَ .. لَمْ يَضْمَنْ. وَإِذَا لَمْ يُزِلْ يَدَهُ عَنْهَا .. جَازَتِ الاسْتِعَانَةُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا إِلَى الْحِرْزِ أَوْ يَضَعُهَا فِي خِزَانَةٍ مُشْتَرَكَةٍ. وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا .. فَلْيَرُدَّ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ،
===
و"الشامل" و"البيان" (١)، وبعزل المالك، وبالجحود المضمن، وبكل فعل مضمن، وبالإقرار بها لآخر، وبنقل الملك فيها ببيع ونحوه.
(ولهما الاسترداد والرد كلَّ وقت) أي: للمودِع أن يسترده متى شاء؛ لأنه المالك، وللمودع الردُّ كذلك؛ لأنه متبرع بالحفظ.
(وأصلها: الأمانة) فلو تلفت بلا تفريط .. لم يضمن؛ لأن الله تعالى سماها أمانة، والضمان ينافيه، ولأن المودعَ يحفظها للمالك، فيدُه كيده، ولو ضمن المودَع .. لرغب الناس عن قبول الودائع.
(وقد تصير مضمونة بعوارضَ؛ منها: أن يودع غيره بلا إذن ولا عذرٍ، فيضمن) لأن المالك لم يرض بأمانة غيره ولا يدِه، (وقيل: إن أودع القاضي .. لم يضمن) لأن أمانة القاضي أظهر من أمانته، والصحيح: الضمان؛ لأنه مع حضور المالك أو وكيله لا ولاية للقاضي عليه، وفي غيبتهما لا ضرورة بالمودع، ولم يرض المالك بيد غيره.
(وإذا لم يُزِل يده عنها .. جازت الاستعانة بمن يحملُها إلى الحرز) (ولو أجنبيًّا، (أو يضعُها في خِزانة مشتركة) بينه وبين المعين، كما لو كانت خزانته وخزانة ابنه واحدة فدفعها إلى ابنه ليضعها في الخزانة المشتركة؛ لجريان العادة به؛ كما لو استعان في سقي البهيمة وعلفها.
وكان حقه أن يقول: (وإذا لم يزل يده عنها ولا نظرَه) كما صرح به ابن سُرَيج، قال الرافعي: وتابعوه (٢).
(وإذا أراد سفرًا) (وإن قَصُر ( .. فليرد إلى المالك أو وكيله) المطلق، أو في
стр. 1345
فَإِنْ فَقَدَهُمَا .. فَالْقَاضِي، فَإِنْ فَقَدَهُ .. فَأَمِينٌ. فَإِنْ دَفَنَهَا بِمَوْضِعٍ وَسَافَرَ .. ضَمِنَ، فَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا أَمِينًا يَسْكُنُ الْمَوْضِعَ .. لَمْ يَضْمَنْ فِي الأَصَحِّ
===
استرداد هذه خاصةً؛ ليخرج من العهدة، (فإن فقدهما) لغَيبة ونحوها ( .. فالقاضي) لأنه نائب عن كلِّ غائب، ويلزمه القبول على الأصحِّ، وكذا الإشهاد على نفسه بقبضها، قاله الماوردي (١)، وهذا في القاضي الأمين؛ كما نقله الأَذْرَعي عن تصريح الأصحاب، (فإن فقده .. فأمين) لئلا يتضرر بتأخير السفر، وهل يجب عليه الإشهاد على الأمين؟ فيه وجهان في "الكفاية" بلا ترجيح، قال ابن الملقن: ويظهر: ترجيح الوجوب؛ لأن الأمين قد ينكر (٢).
ولو ترك هذا الترتيب .. ضمن.
(فإن دفنها بموضع وسافر .. ضمن) ولو كان حرزًا؛ لأنه عرّضها للأخذ، (فإن أعلم بها أمينًا يسكن الموضع) (وهو حرز مثلها ( .. لم يضمن في الأصحِّ) لأن ما في الموضع في يد ساكنه، فكأنه أودعه إياه، والثاني: يضمن؛ لأن ذلك إعلام لا إيداع؛ لعدم التسليم.
وهل هذا الإعلام سبيله سبيل الإشهاد حتى يجب إعلام رجلين حضرا الدفن أو رجلٍ وامرأتين، أو سبيل الائتمان فيكفي إعلام امرأة لم تحضره؟ وجهان؛ أصحهما: الثاني.
وقوله: (يسكن الموضع) ليس بقيد؛ فإنّ مراقبتها من الجوانب أو من فوقُ مراقبةَ الحارس .. كذلك؛ كما نقلاه عن الإمام، وأقراه (٣).
وصورة المسألة؛ كما قاله المصنف في "نكت التنبيه"، واقتضاه كلام "الشرح" و"الروضة" ونقله ابن الرفعة عن الأكثرين: عند فقد الحاكم (٤)، فإن قدر عليه وقلنا: إذا لم يكن حاكم يضمن .. فهنا أولى، وإن قلنا: لم يضمن؛ كما هو
стр. 1346
وَلَوْ سَافَرَ بِهَا .. ضَمِنَ إِلَّا إِذَا وَقَعَ حَرِيقٌ أَوْ غَارَةٌ وَعَجَزَ عَمَّنْ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ كَمَا سَبَقَ. وَالْحَرِيقُ وَالْغَارَةُ فِي الْبُقْعَةِ، وَإِشْرَافُ الْحِرْزِ عَلَى الْخَرَابِ .. أَعْذَارٌ؛ كَالسَّفَرِ. وَإِذَا مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا .. فَلْيَرُدَّهَا إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَإِلَّا .. فالْحَاكِمِ أَوْ أَمِينٍ أَوْ يُوصِي بِهَا،
===
المذهب .. فهي مسألة ما إذا أودع الأمينَ مع القدرة على الحاكم، وفيها وجهان؛ وقضيته: ترجيح التضمين.
(ولو سافر بها .. ضمن) لأن حرز السفر دون حرز الحضر، هذا إذا أودع حاضرًا، فإن أودع مسافرًا فسافر بها، أو منتجعًا فانتجع بها .. فإنه لا ضمان؛ لأن المالك رضي بذلك حين أودعه مع العلم بحاله، (إلا إذا وقع حريق أو غارة وعجز عمن يدفعها إليه كما سبق) أي: من المالك أو وكيله ثم الحاكم ثم أمين؛ فإنه لا يضمن؛ لقيام العذر، ويلزمه السفر بها حينئذ، وإلا .. كان مضيعًا لها.
وقضيته: أنه لا بدَّ في نفي الضمان من اجتماع الأمرين؛ العذر المذكور، والعجز عمن يدفعها إليه، وليس كذلك؛ فالعجز كافي، فلو سافر بها عند العجز من غير عذر من حريق ونحوه .. لم يضمن على الأصحِّ؛ لئلا ينقطع عن مصالحه وينفر الناس عن قبول الودائع.
(والحريقُ والغارة في البقعة، وإشرافُ الحرز على الخراب) (ولم يجد هناك حرزًا آخر ينقلها إليه ( .. أعذار؛ كالسفر) في جواز الإيداع كما سبق؛ لظهور العذر.
والغارة لغة قليلة، والأفصح: الإغارة.
(وإذا مرض مرضًا مَخُوفًا .. فليردها إلى المالك أو وكيله) المطلق أو في قبضها، (وإلا) أي: وإن لم يمكنه ردها إلى أحدهما ( .. فالحاكمِ أو أمينٍ) إن عجز عن الحاكم، (أو يوصي بها) إلى الحاكم إن أمكنه، أو إلى آمين؛ كما لو أراد سفرًا.
وقيل: تكفي الوصية وإن أمكن الرد إلى المالك، قال الزركشي: وهو حسن وسيأتى النص يشهد له؛ لأن الأصل عدمُ الموت.
والمراد بالوصية بها: أن يعلم بها ويصفها بما تتميز به، أو يشير إلى عينها ويأمر الوصي بردها بعد موته من غير أن يخرجها من يده، فإن سلّمها إلى الوصي ليردها ..
стр. 1347
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ .. ضمِنَ، إِلَّا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ، بِأَنْ مَاتَ فَجْأَةً
===
كان في حكم الإيداع، ولا بدّ مع ذلك من الإشهاد على ما يفعله؛ صونًا لها عن الإنكار، حكاه الرافعي عن الغزالي وأقره، وأسقطه من "الروضة"، وجزم به في "الكفاية" (١).
قال الأَذْرَعي: والظاهر: أن كلَّ حالة يعتبر فيها الوصية من الثلث مما سبق .. كالمرض المخُوف ههنا، فمن ذلك: الطلق، والأسر، والطاعون، وهيجان البحر، كما سبق بيانه، وفي "الروضة" و"أصلها" هنا: أن الحبس ليقتل كالمرض المخوف (٢)، وهذا قد يخالف كلامهم في الوصية، حيمث عدوا من المخوف التقدّمَ للقتل، فمقتضاه: أن ما قبل ذلك من الحبس ليس بمخوف.
قال البُلْقيني: ويمكن أن يفرق: بأن وقتَ التقديم للقتل وقتُ دهشة، فلو قلنا: له أن يؤخر الوصية إليه ثم تركها وضمناه .. لم يوف له بعذر الدهشة، وإن قلنا: يؤخر ثم إذا ترك لا يضمن .. لكنا مضيعين لحق مالك الوديعة، فمن أجل ذلك جُعِل وقتُ وصيته ما ذكره الأصحاب، وأما كونه في هذه الحالة لا يحسب تبرعه من الثلث .. فلأن بدنه صحيح ولم يغلب على ظنه حصول الهلاك، بخلاف ما إذا قُدّم للقتل؛ فإنه يغلب ذلك، فكان تبرعه فيه من الثلث. انتهى
(فإن لم يفعل) ما ذكر ( .. ضمن) لتقصيره، فإنه عرّضها للفوات؛ إذ الوارث يعتمد يده ويدّعيها له، وقيد ابن الرفعة ذلك: بما إذا لم يكن بالوديعة بينة باقية؛ لأنها كالوصية (٣).
(إلا إذا لم يتمكن؛ بأن مات فجأة) أو قُتل غِيلة؛ لانتفاء التقصير (٤) (وهذا الاستثناء منقطع؛ فإنه لم يدخل في قوله: (وإذا مرض مرضًا مخوفًا).
стр. 1348
وَمِنْهَا: إِذَا نَقَلَهَا مِنْ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ إِلَى أُخْرَى دُونَهَا فِي الْحِرْزِ .. ضَمِنَ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَمِنْهَا: أَلَّا يَدْفَعَ مُتْلِفَاتِهَا، فَلَوْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً فَتَرَكَ عَلْفَهَا .. ضَمِنَ، فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ
===
(ومنها: إذا نقلها من مَحَلّة) إلى محلة (أو دار إلى) دار (أخرى دونها في الحرز .. ضمن) لأنه عرضها للتلف، (وإلا .. فلا) أي: فإن تساويا في الحرز أو كان المنقول إليه أحرزَ .. لم يضمن؛ لعدم التفريط.
نعم؛ لو نهاه عن النقل .. ضمن وإن نقل إلى أحرز، وكذا لو تلف بسبب النقل؛ كانهدام الدار المنقول إليها؛ فإنه يضمن وإن كانت أحرز.
واحترز بقوله: (إلى أخرى): عما إذا نقلها من بيت إلى بيت في دار واحدة أو خانٍ واحد .. فإنه لا ضمان وإن كان الأولُ أحرزَ؛ كما نقلاه عن "التهذيب" وأقراه، وحكى الإمام فيه الاتفاق (١).
وهذا كلُّه فيما إذا أطلق الإيداع، فإن أمره بالحفظ في موضع معين .. فسيأتي.
(ومنها: ألا يدفع متلِفاتها) مع المكنة؛ لأنه يجب عليه دفعها على المعتاد؛ لأنه من أصول حفظها، (فلو أودعه دابة فترك علْفها) - بإسكان اللام - مدةً يموت مثلها فيها لتَرْكِ العَلْف ( .. ضمن) سواء أمره به أو سكت عنه؛ لتعدّيه؛ فإنه يلزمه أن يعلفها لحق الله تعالى، وبه يحصل الحفظ الذي التزمه بقبولها، وإن نقصت .. ضمن النقصان، وتختلف المدة باختلاف الحيوانات، وإن ماتت قبل مضيها .. فلا ضمان إن لم يكن بها جوع سابق، فإن كان وهو عالم به .. ضمن، وإلا .. فلا على الأصحِّ.
والسقي كالعلف فيما ذكر.
(فإن نهاه عنه .. فلا على الصحيح) كما لو أذن في الإتلاف، والثاني: يضمن؛ لأنه لا حكم لنهيه عما أوجبه الشرع؛ بدليل أنه أثم قطعًا.
هذا إذا نهاه لا لعلة، فإن كان لقُولَنْج أو تُخَمة .. لزمه امتثال نهيه، فلو خالف وعلفها قبل زوال العلة فماتت .. ضمن.
стр. 1349
فَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَالِكُ عَلَفًا .. عَلَفَهَا مِنْهُ، وَإِلَّا .. فَلْيُرَاجعْهُ أَوْ وَكِيلَهُ، فَإِنْ فُقِدَا .. فَالْحَاكِمَ، وَلَوْ بَعَثَهَا مَعَ مَنْ يَسْقِيهَا .. لَمْ يَضْمَنْ فِي الأَصَحِّ. وَعَلَى الْمُودَع تَعْرِيضُ ثِيَابِ الصُّوفِ لِلرِّيحِ؛ كَيْلَا يُفْسِدَهَا الدُّودُ، وَكَذَا لُبْسُهَا عِنْدَ حَاجَتِهَا. وَمِنهَا: أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْحِفْظِ الْمَأمُورِ بِهِ وَتَلِفَتْ بِسَبَبِ الْعُدُولِ .. فَيَضْمَنُ،
===
(فإن أعطاه المالك علفًا) بفتح اللام ( .. علفها منه، وإلا .. فليراجعه أو وكيلَه) (١) ليستردها أو يعطيَ علفها، (فإن فُقدا .. فالحاكمَ) ليقترض عليه، أو يبيع جزءًا منها، أو يؤجرها ويصرف الأجرة في مؤنتها؛ كما في هرب الجمّال.
(ولو بعثها مع من يسقيها .. لم يضمن في الأصحِّ) لأنه العادة، وهو استنابة لا إيداع، والثاني: يضمن؛ لإخراجها من حرزها على يد من لم يأتمنه المالك.
ومحلُّ الخلاف: إذا كان المبعوث معه أمينًا ولا خوفَ، والمودع لا يخرج دوابه للسقي وعادتُه سقي دوابه بنفسه؛ فمع غير الأمين والخوف يضمن قطعًا، ومع إخراج دوابه للسقي أو كونه لا يسقي دوابه بنفسه لا ضمان قطعًا.
(وعلى المودَع تعريض ثياب الصوف) وما في معناها من شعر ووبر (للريح؛ كيلا يفسدها الدود، وكذا لُبْسها عند حاجتها) إذا تعيّن طريقًا لدفع الدود بسبب عَبَق ريح الآدمي بها.
ونبّه بالعلة -وهو خوف الإفساد- على جريانه في كلِّ ما في معناه؛ كركوب الدابة خوفًا عليها من الزَّمانة بكثرة الوقوف.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يأمره بذلك أم لا، وهو كذلك.
نعم؛ إن نهاه .. لم يضمن.
وهذا كلُّه إذا عَلِم المودعَ، فإن لم يعلم؛ بأن كانت في صندوق أو كيس مشدود ولم يُعلمْه المالك .. فلا ضمان.
(ومنها: أن يعدل عن الحفظ المأمور به، وتلفت بسبب العدول .. فيضمن) لأن التلف حصل من جهة المخالفة.
стр. 1350
فَلَوْ قَالَ: (لَا تَرْقُدْ عَلَى الصُّنْدُوقِ) فَرَقَدَ وَانْكَسَرَ بِثِقَلِهِ وَتَلِفَ مَا فِيهِ .. ضَمِنَ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِهِ .. فَلَا عَلَى الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (لَا تُقْفِلْ عَلَيْهِ قُفْلَيْنِ) فَأَقْفَلَهُمَا. وَلَوْ قَالَ: (ارْبِطِ الدَّرَاهِمَ فِي كُمِّكَ) فَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ فَتَلِفَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ ضَاعَتْ بِنَوْمٍ وَنسْيَانٍ .. ضَمِنَ،
===
(فلو قال: "لا ترقُد على الصندوق"، فرقد وانكسر بثقله وتلف ما فيه .. ضمن) للمخالفة، (وإن تلف بغيره .. فلا على الأصحِّ) (١) لأنه زاد خيرًا ولم يأت التلف مما جاء به، والثاني: يضمن؛ لأن رقوده عليه يوهم السارق نفاسةَ ما فيه فيقصده.
وصورة المسألة: ما إذا كان في بيت محرز وأخذه اللص مطلقًا، أو كان في صحراء وأخذه من رأس الصندوق، فإن كان في صحراء وأخذه اللص من جانب الصندوق .. ضمن في الأصحِّ، قال الرافعي: وإنما يظهر: إذا أخذه من جانب لو لم يرقُد فوقه لرقد هناك؛ بأن كان يرقُد قدّام الصندوق فانتهز السارق الفرصة، أو أمره بالرقاد قدامه فرقد فوقه فسرق من قدامه، قال: وقد تعرض لهذا القيد متعرضون (٢).
(وكذا لو قال: "لا تقفل عليه قفلين" فأقفلهما) فلا ضمان على الأصحِّ، لأنه زاد احتياطًا، والثاني: يضمن؛ لأنه أغرى السارق به.
ومثله: ما لو قال: (لا تقفل عليه أصلًا) فأقفل قفلًا، أو (لا تغلق الباب) فغلقه.
قال صاحب "المعين": ومحلُّ الخلاف: في بلد لم تجر عادتهم بذلك، وإلا .. فلا ضمان قطعًا.
(ولو قال: "اربط الدراهم في كمك"، فأمسكها بيده فتلفت .. فالمذهب: أنه إن ضاعت بنوم ونسيان .. ضمن) لحصول التلف بالمخالفة؛ لأنها لو كانت مربوطة لم تَضِع بهذا السبب.
ولو قال: (أو نسيان) كما في "المحرر" .. لكان أحسن (٣).
стр. 1351
أَوْ بأَخْذِ غَاصِبٍ .. فَلَا، وَلَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبهِ بَدَلًا عَنِ الرَّبْطِ فِي الْكُمِّ .. لَمْ يَضْمَنْ، وَبِالعَكْسِ .. يَضْمَنُ. وَلَوْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ بِالسُّوقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الْحِفْظِ فَرَبَطَهَا فِي كُمِّهِ وَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ أَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ .. لَمْ يَضْمَنْ،
===
(أو بأخذ غاصب .. فلا) لأن اليد أمنع للغصب حينئذ، وهذا نصه في "عيون المسائل"، ونقل المزني: أنه لا ضمان مطلقًا (١)، والربيع عكسه.
ومقابل المذهب في كلام المصنف: إجراء قولين مطلقًا، وقيل: يضمن قطعًا.
وقضية كلامه: أنه إذا امتثل وربط .. لم يضمن مطلقًا، وفيه تفصيل؛ وهو أنه إن جعل الخيط خارج الكم فأخذها الطرَّار .. ضمن، أو استرسلت .. لم يضمن إذا أحكم الربط، وإن جعله داخله .. فبالعكس، هكذا أطلقوه، واستشكله الرافعي؛ لأن المأمور به مطلق الربط، فإذا أتى به .. لا ينظر إلى جهات التلف، بخلاف ما إذا عدل عن المأمور إلى غيره فحصل التلف، قال: وقضية ما قالوه: أنه لو قال: (احفظه في البيت) فوضعه في زاوية منه فانهدمت .. ضمن؛ لأنه لو كان في زاوية غيرها .. لسلم، وهو بعيد (٢).
وفرق ابن الرفعة: بأن جهاتِ الربط مختلفة، وجهاتِ البيت مستوية، فإن فرض اختلافها في البناء والقرب من الشارع ونحوه .. فقد نقول: يختلف الحكم، ثم قال: والحق: صحة إشكال الرافعي، فإن الربط في الكم حرز كيف كان، ولا يجب الحفظ في الأحرز. انتهى.
(ولو جعلها في جيبه بدلًا عن الربط في الكم .. لم يضمن) لأنه أحرز، إلا إذا كان واسعًا غير مزرور، ) (وبالعكس .. يضمن) لأن الجيب أحرز منه؛ لأنه بإرسال الكم قد تسقط.
(ولو أعطاه دراهم بالسوق ولم يبين كيفية الحفظ، فربطها في كمه وأمسكها بيده أو جعلها في جيبه .. لم يضمن) لأنه احتاط في الحفظ.
نعم؛ إن كان الجيب واسعًا غير مزرور .. ضمن، لسهولة أخذها منه باليد.
стр. 1352
وَإِنْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ .. لَمْ يَضْمَنْ إِنْ أَخَذَهَا غَاصِبٌ، وَيَضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ بِغَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ، وَإِنْ قَالَ: (احْفَظْهَا فِي الْبَيْتِ) .. فَلْيَمْضِ إِلَيْهِ وَيُحْرِزْهَا فِيهِ، فَإِنْ أَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ .. ضمِنَ. وَمِنْهَا: أَنْ يُضَيِّعَهَا؛ بِأَنْ يَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهَا، أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهَا سَارِقًا أَوْ مَنْ يُصَادِرُ الْمَالِكَ. فَلَوْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ حَتَّى سَلَّمَهَا إِلَيْهِ .. فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ فِي الأَصَحِّ، ثُمَ يَرْجِعُ
===
ولو ربطها في كمه ولم يمسكها بيده .. قال الرافعي: فقياس ما سبق: أن ينظر إلى كيفية الربط وجهة التلف (١).
(وإن أمسكها بيده) من غير ربط في شيء ( .. لم يضمن إن أخذها غاصب، ويضمنُ إن تلفت بغفلة أو نوم) لأنه حصل بسبب من جهته، بخلاف أخذ الغاصب منه.
(وإن قال) (وهو في السوق ("احفظها في البيت" .. فليمض إليه) في الحال (ويحوزها فيه) عقب وصوله، (فإن أخّر بلا عذر .. ضمن) لتفريطه، قال السبكي: وينبغي: أن يرجع فيه إلى العرف، وهو يختلف باختلاف نفاسة الوديعة وطول التأخير وضدهما.
(ومنها: أن يضيعها؛ بأن يضعها في غير حرز مثلها) بغير إذن المالك وإن قصد بذلك إخفاءها، (أو يدل عليها سارقًا، أو من يصادر المالك) لأنه مأمور بحفظها في حرز مثلها والتحرّزِ عن أسباب تلفها.
وقضية كلامه: التضمين بمجرد الدلالة، حتى لو ضاعت بغير السرقة أو المصادرة .. ضمنت، وبه صرح القفال والماوردي والسنجي في "شرح التلخيص"، وكلامُ "الشرح" و"الروضة" مضطرب في اقتضاء ذلك (٢).
ولا ينحصر التضييع فيما ذكره المصنف، بل لو ضاعت بالنسيان .. ضمنها في الأصحِّ.
(فلو أكرهه ظالم حتى سلمها إليه .. فللمالك تضمينه) أي: المودع (في الأصحِّ) لتسليمه، والضمان يستوي فيه الاختيار والاضطرار، (ثم يرجع) المودع
стр. 1353
عَلَى الظَّالِمِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا؛ بِأَنْ يَلْبَسَ أَوْ يَرْكَبَ خِيَانَةً، أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ لِيَلْبَسَهُ أَوِ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا .. فَيَضْمَنَ
===
(على الظالم) لاستيلائه عليها، والثاني: المنع؛ لأنه مُلجأ؛ كما لو أخذها الغاصب بنفسه، ولا يلزمه أن يقي مال غيره بنفسه؛ كما لو صال عليه فحل فقتله.
واحترز بقوله: (سلمها إليه): عما لو أخذها منه قهرًا من غير دلالة .. فالضمان على الظالم فقط قطعًا، فلو لم يسلمها لكن دل عليها فأخذها .. قال الماوردي: المذهب: أنه لا يضمن؛ كالمُحْرِم إذا دل على صيد .. لا يضمنه؛ تقديمًا للمباشرة على السبب (١).
ويلزمه إخفاء الوديعة عن الظالم، ويحلف كاذبًا جوازًا؛ كما قاله الشيخان، وقال الغزالي في "الوسيط": وجوبًا (٢)، ثم إذا حلف بالله .. لزمه الكفارة، أو بالطلاق .. وقع على الأصحِّ، بخلاف ما لو أخذ القطاع مال رجل وقالوا: لا نتركك حتى تحلف بالطلاق أنك لا تخبر بنا، فحلف وأطلقوه وأخبر بهم .. فإنه لا يحنث؛ لأنهم أكرهوه على الحلف عينًا، وهنا خير بين الحلف والاعتراف، فتعينه لأحدهما اختيار له.
(ومنها: أن ينتفع بها؛ بأن يلبس أو يركب خيانة) لتعدّيه، قال البغوي: ومنه القراءة في الكتاب.
واحترز بقوله: (خيانة): عن لبس الصوف لدفع الدود ونحو ذلك.
نعم؛ يرد عليه: ما لو انتفع بها ظانًّا أنها ملكه .. فإنه يضمن؛ كما نقلاه عن الإمام في أوائل (باب الغصب) مع أنه لا خيانة (٣).
(أو يأخذ الثوب ليلبَسه أو الدراهم لينفقها .. فيضمن) وإن لم يلبَس ولم ينفق؛ لاقتران الفعل بنية التعدي، قال البغوي: ويضمن قيمتها إذا تلفت في يده، فإن مضت
стр. 1354
وَلَوْ نَوَى الأَخْذَ وَلَمْ يَأْخُذْ .. لَمْ يَضمَنْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ خَلَطَهَا بِمَالِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ .. ضَمِنَ. وَلَوْ خَلَطَ دَرَاهِمَ كِيسَيْنِ لِلْمُودِع .. ضَمِنَ فِي الأَصَحِّ. وَمَتَى صَارَتْ مَضْمُونَةً بِانْتِفَاعٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ الْخِيَانَةَ .. لَمْ يَبْرَأ، فَإِنْ أَحْدَثَ لَهُ الْمَالِكُ اسْتِئْمَانًا .. بَرِئَ فِي الأَصَحِّ
===
في يده مدة بعد التعدي .. وجب عليه أجرة مثل تلك المدة.
واحترز بقوله: (الدراهم) عما لو أخذ منها درهمًا لينفقه ثم رده .. فإنه يصير مضمونًا وحده دون الباقي على الأصحِّ، فلو تلف الكلُّ .. لم يلزمه إلا درهم.
(ولو نوى الأخذ ولم يأخذ .. لم يضمن على الصحيح) لأنه لم يحدث فعلًا، والثاني: يضمن؛ كما لو أخذ ابتداءً بنية الخيانة.
(ولو خلطها بماله ولم يتميز .. ضمن) لأنه لم يرض به، فإن تميزت بسكّة أو عتق أو حداثة، أو كانت دراهم فخلطها بدنانير .. فإنه لا ضمان.
نعم؛ إن حدث بالخلط نقص .. ضمن؛ كما نقله في "الكفاية" عن الماوردي (١).
(ولو خلط دراهم كيسين للمودِعِ) (ولم تتميز ( .. ضمن في الأصحِّ) لتعديه، والثاني: لا؛ لأنه كلَّه لمالك واحد.
(ومتى صارت مضمونة بانتفاع وغيره ثم ترك الخيانة .. لم يبرأ) كما لو جحدها ثم اعترف بها، وعليه ردها إلى مالكها.
(فإن أحدث له المالك استئمانًا) من غير ردٍّ إليه؛ كقوله: (استأمنتك عليها)، أو (أذنت لك في حفظها)، ونحو ذلك ( .. برئ في الأصح) لأنه أسقط حقه، والثاني: لا حتى يردها إليه أو إلى وكيله؛ لحديث: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" (٢).
стр. 1355
وَمَتَى طَلَبَهَا الْمَالِكُ .. لَزِمَهُ الرَّدُّ، بِأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَإِنْ أَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ .. ضَمِنَ. وَإِنِ ادَّعَى تَلَفَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا، أَوْ ذَكَرَ خَفِيًّا كَسَرِقَةٍ .. صدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ ظَاهِرًا كَحَرِيقٍ؛ فَإِنْ عُرِفَ الْحَرِيقُ وَعُمُومُهُ .. صدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ عُرِفَ دُونَ عُمُومِهِ .. صدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ جُهِلَ .. طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ يُحَلَّفُ عَلَى التَّلَفِ بِهِ. وَإِنِ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ .. صدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ كَوَارِثهِ، أَوِ ادَّعَى وَارِثُ الْمُودَع الرَّدَّ عَلَى الْمَالِكِ، أَوْ أَوْدَعَ عِنْدَ سَفَرِهِ أَمِينًا فَادَّعَى الأَمِينُ الرَّدَّ عَلَى الْمَالِكِ .. طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ. وَجُحُودُهَا بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ مُضَمِّنٌ.
===
وكان ينبغي التعبير: بالأظهر؛ فإدن الرافعي حكى عن بعضهم رواية الوجهين عن النصِّ (١).
(ومتى طلبها المالك .. لزمه الردُّ) لما مر أولَ الباب (بأن يخلي بينه وبينها)، ومؤنةُ الردِّ على المالك، (فإن أخر بلا عذر .. ضمن) لتعديه، فإن أخر بعذر؛ كصلاة وطهارة وأكل وملازمة غريم ونحو ذلك .. لم يضمن.
(وإن ادعى تلفها ولم يذكر سببًا، أو ذكر خفيًّا، كسرق .. صدق بيمينه) بالإجماع؛ كما قاله ابن المنذر؛ لأنه ائتمنه (٢)، ) (وإن ذكر ظاهرًا؛ كحريق وإن عرف الحريق وعمومه .. صدق بلا يمين) لأن ظاهر الحال يغنيه عن اليمين، (وإن محرف دون عمومه .. صدق بيمينه) لاحتمال ما ادعاه، (وإن جهل .. طولب ببينة) على السبب الظاهر، (ثم يحلف على التلف به) لاحتمال أنها لم تتلف به.
(وإن ادعى ردها على من ائتمنه) (وهو أهل للقبض حالَ الردِّ ( .. صدق بيمينه) لأنه لو ادعى تلفها .. قبل إجماعًا، فكذا ردها، وسواء كان من ائتمنه مالكًا أو متكلمًا على غيره؛ كالولي والقيم والحاكم، (أو على غيره؛ كوارثه، أو ادعى وارث المودع الرد على المالك، أو أودع عند سفره أمينًا فادعى الأمين الردَّ على المالك .. طولب ببينة (إذ الأصل عدمُ الردِّ، ولم يأتمنه.
(وجحودها بعد طلب المالك مضمِّن) كخيانته، فلو جحد ثم قال: (كنت
стр. 1356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
غلطت) أو (نسيت) .. لم يبرأ، إلا أن يصدقه المالك.
واحترز بقوله: (بعد طلب المالك): عما لو قال ابتداءً: (لا وديعة لأحد عندي)، أو جوابًا لسؤال غير المالك بحضور المالك أو غيبته .. فإنه لا يفض؛ لأن إخفاءها أبلغ في حفظها.
ولو لم يطلب المالك ولكن قال: (لي عندك وديعة) فأنكر .. لم يضمن على الأصحِّ؛ لأنه قد يكون في الإخفاء غرض صحيح، بخلاف ما بعد الطلب.
* * *
стр. 1357
كتابُ قَسْم الفيء والغنيمة
الْفَيْءُ: مَالٌ حَصلَ مِنْ كُفَّارٍ بِلَا قِتَالٍ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ كَجِزْيَةٍ، وَعُشْرِ تِجَارَةٍ، وَمَا جَلَوْا عَنْهُ خَوْفًا، وَمَالِ مُرْتَدٍّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ، وَذِمِّيٍّ مَاتَ بِلَا وَارِثٍ
===
(كتاب قَسْم الفيء والغنيمة)
هذا شطر بيت موزون، والقَسْم - بفتح القاف -: مصدر بمعنى: القسمة، والفيء: مصدر فاء يفيء إذا رجع، ثم استعمل في المال الراجع من الكفار إلينا، من استعمال المصدر في الفاعل، أو في المفعول؛ لأنه مردود، والغنيمة: فعيلة من الغنم، وهو الربح، وقيل: الفائدة الحاصلة بلا بدل.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآيتان، وفي حديث وفد عبد القيس وقد فسر لهم الإيمان: "وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ" متفق عليه (١).
وقد اختلف في الفيء والغنيمة، فقيل: اسم الفيء يشملها، واسم الغنيمة خاص بما أخذ بقتال، وقيل: يطلق كلٌّ منهما على الآخر عند الإفراد بالذكر، فإذا ذكرا .. افترقا؛ كالفقير والمسكين، والأصحُّ: تباينهما.
(الفيء: مال حصل من كفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب، كجزية، وعُشْر تجارة، وما جَلَوْا عنه خوفًا، ومال مرتد قتل أو مات، وذمي مات بلا وارث) هذا التعريف ليس بجامع، فإن (المال) يخرج: الاختصاصات مع أن لها حكمَ المال، فلو قال: (ما أخذ) .. لكان أحسن، وليس بمانع، لدخول: من دخل دار الحرب متلصصًا وسرق شيئًا، مع أنه غنيمة مخمسة على الصحيح، وكذا ما أهدوه والحرب قائمة.
و(الواو) في قوله: (خيل وركاب) بمعنى (أو)؛ فإن إيجاف أحدهما كاف في انتفاء حكم الفيء، قاله السبكي، وأما (الواو) التي بين القتال والإيجاف: فمحتملة
стр. 1358
فَيُخَمَّسُ، وَخُمُسُهُ لِخَمْسَةٍ: أَحَدُهَا: مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ كَالثُّغُورِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ، يُقَدَّمُ الأَهَمُّ
===
لمعنى (أو) (ولمعنى (الواو).
وقول المصنف: (خوفًا) لو حذفه .. لكان أولى؛ ليدخل: المال الذي جلوا عنه لضر أصابهم؛ فإنه فيء وإن لم يكن خوف.
والإيجاف: إسراع السير، والركاب: الإبل خاصة.
(فيخمس) الجميع خمسةَ أسهم متساوية؛ كالغنيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية، فأطلق ههنا وقيّد في الغنيمة، فحمل المطلق على المقيد؛ جمعًا بينهما؛ لاتحاد الحكم واختلاف السبب، فإن الحكم واحد؛ وهو رجوع المال من المشركين للمسلمين، إلا أنه اختلف سببه بالقتال وعدمه؛ كما حملت الرقبة في الظهار على المؤمنة في كفارة القتل.
(وخمسه لخمسة) أي: يؤخذ سهم من السهام الخمسة فيقسم خمسة أجزاء متساوية.
(أحدها: مصالح المسلمبن؛ كالثغور) (وهي مواضع الخوف من أطراف بلاد المسلمين الملاصقة لبلاد المشركين، فتشحن بالعُدّة المقاتلة وعمارة الحصون والقناطر والمساجد.
(والقضاةِ والعلماءِ) لأن بها حفظ المسلمين، فيرزقون منه.
وهذا السهم كان لرسول الله ﷺ ينفق منه على نفسه وأهله ومصالحه، وما فضل جعله في السلاح عُدّة في سبيل الله وفي سائر المصالح.
والمراد بـ (العلماء): علماء الشرع، وطلبةُ العلم يدخلون فيهم؛ فإنهم إن لم يكفوا .. لم يتمكنوا من الطلب، ونبه بذلك: على ما فيه مصلحة عامة للمسلمين؛ كالأئمة والمؤذنين.
(يقدم الأهم) فالأهم وجوبًا، وأهمها: سد الثغور؛ كما قاله في "التنبيه" (١)؛ لأنه حظ المسلمين.
стр. 1359
وَالثَّانِي: بَنُو هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ؛ يَشْتَرِكُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالنِّسَاءُ، وَيُفَضَّلُ الذَّكَرُ كَالإِرْثِ
===
(والثاني: بنو هاشم و) بنو (المطلب)، ومنهم إمامنا الشافعي، وهم آل النبي ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، وهم من ذكهم المصنف، دون بني عبد شمس ونوفل، وهما ابنا عبد مناف أيضًا؛ لأن سيدنا رسول الله ﷺ وضع سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك الآخرين، وقال حين سئل عن تركهم: "نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ" رواه البخاري (١).
واعلم: أن هاشمًا والمطلب شقيقان، وذوي قربى النبي ﷺ حقيقةً: هم بنو هاشم؛ لأنه جده، فأدخل ﵇ معهم بني المطلب؛ لأنهم لى يفارقوا بني هاشم في نصرة النبي ﷺ في جاهلية ولا إسلام، دون أولاد شقيقهما عبد شمس جدِّ عثمان بن عفان، وأخيهما لأبيهما نوفل جدِّ جبير بن مطعم، فلم يدخلا في ذوي القربى وإن شملهما اسمها، لأن السنة بينت أن الاستحقاق بالقرابة والنصرة لا القرابةِ المجردة.
والاعتبارُ: بالانتساب إلى الآباء، أما من انتسب منهم إلى الأمهات .. فلا.
(يشرك الغني والفقير) لإطلاق الآية، وإعطاءِ النبي ﷺ العباسَ منه وكان من أغنى قريش (٢)، ) (والنساء) لأن الزبير كان يأخذ منه سهم أمه صفيةَ عمةِ النبي ﷺ (٣)، وكان الصديق يدفع لفاطمة ﵂ منه، ولولا ذلك .. لم يدفع لهن، لأن الآية لا تدل إلا على الصرف للذكور، فإن (ذوي): مختص بهم.
(ويفضل الذكر؛ كالإرث) للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فإنه عطية من الله تعالى، فأشبه الإرث.
стр. 1360
وَالثَّالِثُ: الْيَتَامَى، وَهُوَ: صَغِيرٌ لَا أَبَ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ فَقْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ: الْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبيلِ. وَيَعُمُّ الأَصْنَافَ الأَرْبَعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْحَاصِلِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ فِيهَا مِنْهُمْ. وَأَمَّا الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ
===
(والثالث: اليتامى) (١) للآية، (وهو) أي: اليتيم: (صغير) لم يبلغ الحلم (لا أب له)، سواء كان له جد أم لا على الصحيح.
(ويشترط: فقره على المشهور) لأن لفظ (اليتيم) يشعر بالضعف والحاجة، ولأنه إذا امتنع لاستغنائه بمال أبيه .. فبماله أولى، والثاني: لا يشترط؛ قياسًا على ذوي القربى.
(والرابع والخامس: المساكين، وابن السبيل) للآية، وسيأتي بيانهما في الباب بعده.
وفُهِم من ذكره المساكين: جواز صرفه إلى الفقراء؛ لأنهم أشد حاجة منهم، وإطلاقُه يوهم: عدم اشتراط الفقر في ابن السبيل، وليس كذلك، صرح به الفوراني وغيره.
(ويعم الأصناف الأربعة المتأخرة) غائبَهم عن موضع حصول الفيء وحاضرَهم؛ لظاهر الآية، ويجوز أن يفاوت بين اليتامى وبين المساكين وبين أبناء السبيل؛ لأنهم يستحقون بالحاجة، فتراعى حاجتهم، بخلاف ذوي الفربى؛ فإنهم يستحقون بالقرابة.
(وقيل: يختص بالحاصل في كل ناحيةٍ من فيها منهم) فما حصل من كفار الروم دفع إلى من في الشام، ومن الترك إلى من بخراسان؛ كالزكاة، ولمشقة النقل.
(وأما الأخماس الأربعة) التي كانت لرسول الله ﷺ في حياته مضمومةً إلى خمس الخمس، فجملة ما كان له ﷺ أحدٌ وعشرون
стр. 1361
فَالأَظْهَرُ: أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ - وَهُمُ: الأَجْنَادُ الْمُرْصَدُونَ لِلْجهَادِ - فَيَضَعُ الإِمَامُ دِيوَانًا، وَيَنْصبُ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ عَرِيفًا، وَيَبْحَثُ عَنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ وَعِيَالِهِ وَمَا يَكْفِيهِمْ، فَيُعْطِيهِ كِفَايَتَهُمْ. وَيُقَدِّمُ فِي إِثْبَاتِ الاسْمِ وَالإِعْطَاءِ قُرَيْشًا - وَهُمْ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ -.
===
سهمًا من خمسة وعشرين سهمًا ( .. فالأظهر: أنها للمرتزقة، وهم: الأجناد المرصدون للجهاد) لأنها كانت للنبي ﷺ ؛ لحصول النصرة به، فبعده للمرصدين للنصرة، وعملًا بفعل السلف، والثاني: أنها للمصالح؛ كخمس الخمس، وأهمها: المرتزقة، فيبدأ بهم، فما فضل عنهم صرف في باقي المصالح، فهما متفقان على أن الصرف للمرتزقة، وإنما الخلاف في الفاضل عنهم، والثالث: أنها تقسم كما يقسم الخمس.
(فيضع الإمام ديوانًا) تأسيًا بعمر ﵁ (١)، والديوان: الدفتر الذي يُثبت فيه أسماءهم، وقيل: الكتّاب الذين يضبطون أسماءهم.
(ويَنْصِبُ لكل قبيلة أو جماعة عريفًا) ليعرض عليه أحوالهم ويجمعهم عند الحاجة، ونصبه: مستحب.
(ويبحث) الإمام وجوبًا (عن حال كلِّ واحد وعياله وما يكفيهم، فيعطيه كفايتهم) من نفقة وكسوة وسائر مؤنهم؛ ليتفرغ للجهاد، ويراعي الزمان والمكان، والرخص والغلاء، وحالة مروءة وضدها، وعادة البلد في المطاعم والملابس.
والمراد بـ (عياله): من تلزمه نفقتهم، ويزاد كلما زادت الحاجة؛ بكبر ولد وزيادة زوجة ولو لتمام أربع، ويسوّي بينهم في إعطاء كل قدر حاجته، لا في القدر المعطى، ولا يقدم بشرف نسب أو دين، أو سبق في الإسلام أو الهجرة، وسائر الخصال المرضية، بل يستوون؛ كالإرث والغنيمة.
(ويقدم في إثبات الاسم والإعطاء قريشًا) ندبًا؛ لحديث: "قَدِّمُوا قُرَيْشًا، وَلَا تَقَدَّمُوهَا" رواه الشافعي وغيره (٢)، ) (وهم ولد النضر بن كنانة) بن خزيمة بن
стр. 1362
وَيُقَدِّمُ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ ثُمَّ عَبْدِ شَمْسٍ ثُمَّ نَوْفَلٍ ثُمَّ عَبْدِ الْعُزَّى ثُمَّ سَائِرَ الْبُطُونِ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ الأَنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ الْعَرَبِ، تُمَّ الْعَجَمَ. وَلَا يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ أَعْمَى وَلَا زَمِنًا وَلَا مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ
===
مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، قال الأستاذ أبو منصور: هذا قول أكثر النسابين، وهو أصح ما قيل، وأقره الشيخان، لكن البيهقي نسب إلى أكثر أهل العلم: أنهم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة (١).
وسموا قريشًا: لتقرشهم، أي: تجمعهم، على أحد الأقوال فيه.
(ويُقدِّم منهم بني هاشم) لأن الله شرفهم بكون المصطفى منهم، ونسبُهم إلى هاشم بن عبد مناف؛ لأنه كان يَهشِم الثريد لقومه وغيرهم جودًا، واسمه عمرو، قال الشاعر: [من الكامل]
عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ
(و) بني (المطلب) لأنه ﷺ قرنهم بهم كما سبق، (ثم) بني (عبد شمس) لأنه أخو هاشم لأبويه، (ثم) بني (نوفل) لأنه أخو هاشم لأبيه، (ثم) بني (عبد العزى) لأنهم أصهار النبي ﷺ ؛ فإن خديجة ﵂ بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، والشافعي ﵁ من بني عبد مناف، (ثم سائر البطون) من قريش (الأقرب فالأقرب إلى رسول الله ﷺ لفضيلة القرب، (ثم الأنصار) لآثارهم الحميدة في الإسلام، (ثم سائر العرب) بعد الأنصار، (ثم العجم) لأن العرب أقرب إلى رسول الله ﷺ منهم وأشرف.
وهذا الترتيب: مستحب لا مستحق؛ كما نقلاه عن الأئمة، قال ابن الرفعة: وفيه نظر، وظاهر فعل عمر ﵁ يدل على الاستحقاق (٢).
(ولا يثبت في الديوان أعمى ولا زَمِنًا ولا من لا يصلح للغزو) إذ لا كفاءة فيهم.
هذا في المرتزقة، أما عيالهم .. فهم تبع لهم، فيثبتون ولو كانوا بهذه
стр. 1363
وَلَوْ مَرِضَ بَعْضُهُمْ أَوْ جُنَّ وَرُجِيَ زَوَالُهُ .. أُعْطِيَ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُعْطَى، وَكَذَا زَوْجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ إِذَا مَاتَ
===
الأوصاف، قاله شيخنا قاضي القضاة جلال الدين البُلْقيني.
(ولو مرض بعضهم أو جُنّ ورُجِي زواله) وإن طال، كما قاله ابن الرفعة (١) ( .. أعطي) (ويبقى اسمه في الديوان، لأن الإنسان لا يخلو من عارض، وكيلا يرغب الناس عن الجهاد ويقبلوا على الكسب لهذه العوارض.
(فإن لم يرج .. فالأظهر: أنه يعطى) لما ذكرناه، ولأنه إذا بقي على الذرية .. فعليه أولى، لكن يقطع اسمه من الديوان، والثاني: لا يعطى؛ لخروجه منهم بعجزه.
ومحلُّ الخلاف: في إعطائه في المستقبل، أما الماضي .. فقال في "الكفاية": ينبغي أن يكون، كما لو مات، إذا قلنا بسقوطه في المستقبل (٢).
(وكذا زوجته وأولاده إذا مات) أي: الذي تجب عليه نفقتهم في حياته؛ لئلا يعرضوا أو يشتغلوا بالكسب إذا علموا ضياع عيالهم بعدهم، والثاني: المنع؛ لأن تبعيتهم زالت بموت المتبوع.
وإفراده (الزوجة) (وجمعه (الأولاد): يوهم: اعتبار الوحدة في الزوجة، والأصحُّ: خلافه.
ولم يبين المصنف قدر ما يعطوه، قال المنكت: والمراد: ما يليق بهم لا ما كان يأخذه المرتزق (٣).
واستنبط السبكي من هذه المسألة: أن الفقيه أو المعيد أو المدرس إذا مات .. تعطى زوجته وأولاده مما كان يأخذ ما يقوم بهم، ترغيبًا في العلم كالترغيب هنا في الجهاد، فإن فضل المال عن كفايتهم .. صرف الباقي لمن يقوم بالوظيفة، قال: وليس فيه تعطيل لشرط الواقف، فإنّ قصدَه تلك الصفةُ، وقد حصلت مدةً من أبيهم،
стр. 1364
فَتُعْطَى الزَّوْجَةُ حَتَّى تَنْكِحَ، وَالأَوْلَادُ حَتَّى يَسْتَقِلُّوا. فَإِنْ فَضَّلَتِ الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ عَنْ حَاجَاتِ الْمُرْتَزِقَةِ .. وُزِّعَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مُؤْنَتِهِمْ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصرَفَ بَعْضهُ فِي إِصْلَاحِ الثُّغُورِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ. هَذَا حُكْمُ مَنْقُولِ الْفَيْءِ، فَأَمَّا عَقَارُهُ ... فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ
===
والصرفُ لهم بعده بطريق التبعية، ومدتهُم مغتفرةٌ في جنب ما مضى؛ كزمن البطالة، قال المنكت: وقد يفرق بينهما: بأن العلمَ محبوب للنفوس لا يصد الناس عنه شيء، فيوكل الناس فيه إلى ميلهم إليه، والجهادَ مكروه للنفوس، فيحتاج الناس في إرصاد أنفسهم له إلى التاليف، وإلا .. فمحبة الزوجة والولد قد تصد عنه (١).
(فتعطى الزوجة حتى تنكح) لاستغنائها بزوجها، فإن كان زوجها الثاني صن المرتزقة .. قرر لها كفايتها تبعًا له، (والأولاد حتى يستقلوا) بالكسب أو القدرة على الجهاد، فلو بلغوا عاجزين لعمى أو زَمانة .. فكمن لم يبلغ.
هذا في الذكور، وأما الإناث .. فيرزقن حتى ينحكن؛ كما نقله الرافعي عن قضية "الوسيط" وأقره (٢).
(فإن فضّلت (٣) الأخماس الأربعة عن حاجات المرتزقة) (وقلنا بالأظهر: أنها لهم خاصة، ( .. وزع عليهم على قدر مؤنتهم) لأنه حقهم، فإذا كان لواحد نصف ولآخر ثلث .. وزع عليهم كذلك.
(والأصحُّ: أنه يجوز أن يصرف بعضه) أي: الفاضل عن حاجاتهم، والتفريع على الأظهر (في إصلاح الثغور والسلاح والكُراع) (وهو الخيل؛ لأنه معونة لهم، والثاني: المنع، بل يوزع عليهم لاستحقاقهم له؛ كالغنيمة، وصححه في "الكفاية" (٤).
(هذا حكم منقول الفيء، فأما عقاره) من بناء وأرض ( .. فالمذهب: أنه
стр. 1365
يُجْعَلُ وَقْفًا، وَتُقْسَمُ غَلَّتُهُ كَذَلِكَ.
فَصْلٌ [في الغنيمة وما يتبعها]
الْغَنِيمَةُ: مَالٌ حَصَلَ مِنْ كُفَّارٍ بِقِتَالٍ وَإِيجَافٍ
===
يجعل وقفًا، وتقسم غلته كذلك) في كلِّ عام؛ لأنه أنفع لهم.
وتعبيره يقتضي أمورًا:
أحدها: أنها لا تصير وقفًا بنفس الحصول، بل لا بدَّ من إنشاء وقف، وهو الأصحُّ، وقيل: تصير وقفًا بنفس الحصول؛ كرق النساء بنفس الأسر، ثانيها: تحتّم الوقف، وهو خلاف المذكور في "الشرح" و"الروضة"، من تخيير الإمام بين وقفه، أو قسمته، أو بيعه وقسمة ثمنه (١)، لكن قال البُلْقيني: إن هذا لم يصححه أحد من الأصحاب، والذي عليه الأئمة؛ كما في "النهاية": أنه لا يجوز بيع شيء من ذلك وأن الأراضي تبقى موقوفة.
وقال الأَذْرَعي: قد يقال: لا اختلاف بين "المنهاج" و"الشرح" و"الروضة"، بل مذهبنا: ما في "المنهاج"، فإن رأى الإمام المجتهد غيره .. فلا اعتراض عليه، وللمسألة نظائر، وفيه نظر، وإنما تخيير الإمام وجه آخر حكاه الإمام. انتهى.
ثالثها: أن المراد: الوقف الشرعي، وهو الأصحُّ، وقيل: المراد: الوقف عن التصرف بالقسمة لا الوقف الشرعي.
هذا حكم الأخماس الأربعة، وأما الخُمُس الباقي .. ففيه اختلاف، وحاصله عند التأمل: أن المذهب: أنه يجعل وقفًا أيضًا، قاله الرافعي (٢).
* * *
(فصل: الغنيمة: مال حصل من كفار) أصليين حربيين (بقتال وإيجاف) خيل أو ركاب.
وخرج بقوله: (مال): الكلاب التي يجوز اقتناؤها؛ فإنها لا تكون غنيمة، وقد
стр. 1366
فَيُقَدَّمُ مِنْهُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ، وَهُوَ: ثِيَابُ الْقَتِيلِ وَالْخُفُّ وَالرَّانُ،
===
ذكر المصنف حكمها في (كتاب السير) (١)، وهل يلتحق جلد الميتة بالكلب أو بالمال؛ فيه احتمالان لابن الرفعة.
وقوله: (حصل): كان ينبغي أن يقول: حصلناه؛ ليخرج ما حصله أهل الذمة من أهل الحرب بقتال، فالنص: أنه ليس بغنيمة (٢).
وقوله: (وإيجاف) (الواو) هنا ينبغي أن تكون بمعنى (أو) لئلا يرد المأخوذ بقتال الرجّالة وفي السفن؛ فإنه غنيمة ولا إيجافَ فيه، وما إذا التقى الصفان فانهزم الكفار قبل شهر السلاح وتركوا مالهم .. فإنه غنيمة - كما قاله الإمام (٣) - ولا قتال فيه، وكذا لو صالحونا على مال عند القتال .. فإنه غنيمة؛ كما قاله الروياني في "الحلية" وأقراه (٤)، وكذا ما أهدوه لنا والحربُ قائمة؛ كما مر.
نعم؛ يرد على طرده: ما تركوه بسبب حصول خيلنا وركابنا في دارهم؛ فإنه ليس غنيمة في أصحِّ الوجهين عند الإمام مع وجود الإيجاف، وعلى عكسه ما أخذ على وجه السرقة؛ فإن الأصحَّ في "الروضة" في (السير): أنه غنيمة مخمسة (٥).
(فيقدَّم منه) أي: من أصل المال (السَّلَب للقاتل) المسلم، لحديث: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ: بَيِّنَةٌ .. فَلَهُ سَلَبُهُ" متفق عليه (٦).
ويشترط في المقتول: ألا يكون منهيًّا عن قتله، فلو قتل صبيًّا أو امرأة لم يقاتلا .. فلا سلب، فإن قاتلا .. استحقه في الأصحِّ، ولو أعرض مستحق السلب عنه .. لم يسقط حقه منه على الأصحِّ؛ لأنه متعين له.
(وهو) أي: السَّلَب بالتحريك (ثياب القتيل) التي عليه، (والخف والران) وهو كالخف لكن لا قدم له، وهو أطول من الخف يلبس للساق، قاله في "شرح
стр. 1367
وَآلَاتُ الْحَرْبِ كَدِرْعٍ وَسِلَاحٍ، وَمَرْكُوبٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ، وَكَذَا سِوَارٌ وَمِنْطَقَةٌ وَخَاتَمٌ، وَنَفَقَةٌ مَعَهُ، وَجَنِيبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ فِي الأَظْهَرِ، لَا حَقِيبَةٌ مَشْدُودَةٌ عَلَى الْفَرَسِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِرُكُوبِ غَرَرٍ يَكْفِي بِهِ شَرَّ كَافِرٍ فِي حَالِ
===
المهذب" في (الحج) (١)، ) (وآلات الحرب؛ كدرع) (وهو الزَّرَدِيّة، (وسلاح، ومركوب وسَرْج ولِجام)، ومِهْماز وجُلّ ومِقْوَد؛ لثبوت يده على ذلك حسًّا، وسواء في المركوب كان راكبه أم قاتل راجلًا وعِنانُه بيده.
(وكذا سِوار ومِنْطَقَة وخاتم، ونفقة معه، وجَنِيبة تقاد معه في الأظهر) لأن هذه الأشياء متصلة به وتحت يده، والجَنِيبة قد يحتاج إليها، فهي كركوبه الذي أمسكه بِعنانه وهو يقاتل راجلًا، والثاني: لا؛ لأنه ليس مقاتلًا بها، فأشبه ما في خيمته.
ويجري الخلاف أيضًا: في الطوق والهِمْيَان الذي فيه النفقة.
واحترز بقوله: (ونفقة معه): عما إذا كانت في رَحْله، وقوله: (وجنيبة) قد يفهم: أنه لو كان معه جنائب .. لا يستحق إلا واحدة، وهو ما نقله الرافعي عن أبي الفرج الزاز، ثم قال: فعلى هذا: يبقى النظر في أن السلب أيتها هل يعينها الإمام أم يقرع؟ وقال المصنف: تخصيص أبي الفرج بجنيبة فيه نظر، وإذا قيل به .. فينبغي: أن يختار القاتل جنيبة منها؛ لأن كلَّ واحدة جنيبة، هذا هو المختار، بل الصواب، بخلاف ما أبداه. انتهى (٢).
(لا حقيبةٌ مشدوده على الفرس على المذهب) (وما فيها من نقد ومتاع؛ إذ ليست من لباسه ولا حليه ولا حلي فرسه، والطريق الثانية: طرد القولين في الجنيبة (٣)، واختار السبكي: دخولها في السلب.
والحَقِيبة - بفتح الحاء المهملة وكسر القاف -: وعاء يجمع فيه المتاع يجعل على حقو البعير.
(وإنما يَسْتحِق) السلبَ (بركوب غرر يَكفي به شرَّ كافر) أصلي (في حال
стр. 1368
الْحَرْبِ، فَلَوْ رَمَى مِنْ حِصْنٍ أَوْ مِنَ الصَّفِّ أَوْ قَتَلَ نَائِمًا أَوْ أَسِيرًا أَوْ قَتَلَهُ وَقَدِ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ .. فَلَا سَلَبَ. وَكِفَايَةُ شَرِّهِ: أَنْ يُزِيلَ امْتِنَاعَهُ؛ بِأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ،
===
الحرب)، هذه قيود ثلاثة بيّنها من بعدُ، والضمير في (به): يعود على (ركوب) أو (غرر)، وهما سواء.
(فلو رمى من حصن أو من الصف، أو قتل نائمًا أو أسيرًا، أو قتله وقد انهزم الكفار .. فلا سلب) لأنه في مقابلة ارتكاب الخطر والتغرير بالنفس في القتل ونحوه، وهو منتفٍ ههنا.
والمراد: انهزام الكفار بالكلية، أما لو فروا عن قرب وكان ذلك عن خديعة، أو تحيزوا إلى فئة .. فإن حكم القتال باقٍ وليست هزيمة حقيقية؛ كما أشار إليه الماوردي (١)، وهو ظاهر.
وقوله: (من الصف): عبارة "المحرر" (من وراء الصف)، وكذا كتبها المصنف بخطه في "المنهاج"، ثم ضرب على لفظة (وراء)، والصورتان في "الروضة" و"الشرحين" (٢)، فأتى "المنهاج" بما ليس في "أصله"؛ لكونه يفهم منه ما في "أصله" من طريق الأولى، قال السبكي: وهو حسن لمن لا يلتزم في الاختصار معنى الأصل، وإلا .. لم يحسن.
(وكفاية شره: أن يزيل امتناعه؛ بأن يفقأ عينيه، أو يقطع يديه ورجليه) فإنه ﷺ أعطى سلب أبي جهل لمثخنه دون قاتله (٣)، فدل على أن المناط: كفاية الشر.
وعبارة "الروضة": (بأن يعميه)، وهي أحسن من تعبير "المنهاج"، لشمولها مَن بعين واحدة، ومن ضرب رأسه فأذهب ضوء عينيه، وعبارة "المحرر": (أن يقتله، أو يزيل امتناعه) (٤)، فاقتصر المصنف على الثاني؛ ليفهم الأولى من باب أولى.
стр. 1369
وَكَذَا لَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَبَعْدَ السَّلَبِ تُخْرَجُ مُؤْنَةُ الْحِفْظِ وَالنَّقْلِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ يُخَمَّسُ الْبَاقِي:
===
(وكذا لو أسره، أو قطع يديه أو رجليه في الأظهر) أما في الأسر .. فلأنه أبلغ من القتل، وأما القطع .. فكما لو فقأ عينيه، والثاني: لا، أما في الأسر .. فلأن شره لم يندفع كله، وأما في الباقي .. فلأنه قد يقاتل راكبًا بعد قطع الرجلين بيديه، وبعد قطع اليدين قد يهرب ويجمع القوم.
ويجري الخلاف: فيما لو قطع يدًا ورجلًا.
وترك بعضهم الخلاف على حالين؛ إن لم يبق فيه قتال .. استحق، وإن بقي .. فلا، وصححه الإمام (١).
وصورة مسألة الأسير: أن يقتله الإمام أو يمن عليه، فيكون سلبه لمن أسره، فلو استرقه أو فاداه بمال .. فهل تكون رقبته أو المال المفادى به لمن أسره؟ قولان، قال الرافعي: ويشبه أن يكون الأظهر هنا: المنع، وأطلق تصحيحه في "الشرح الصغير" (٢).
(ولا يخمس السلب على المشهور) لأنه ﷺ قضى به للقاتل ولم يخمسه، رواه أبو داوود وصححه ابن حبان، وفي "مسلم": "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" (٣)، والثاني: يخمس؛ لإطلاق الآية كغيره من الغنيمة، فيدفع خمسه إلى أهل الخمس، والباقي للقاتل.
(وبعد السلب تخرج مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما) من المؤن اللازمة؛ كأجرة حمّال وراعٍ ونحوه، للحاجة إليها، (ثم يخمس الباقي) فيجعل خمسة أقسام متساوية، ويؤخذ خمس رقاع ويكتب على واحدة: لله أو للمصالح، وعلى أربعة: للغانمين، وتدرج في بنادق من طين أو شمع متساوية، ويجففها، ويخرج لكل سهم
стр. 1370
فَخُمُسُهُ لِأهْلِ خُمُسِ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ كَمَا سَبَقَ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ النَّفَلَ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصالِح إِنْ نَفَلَ مِمَّا سَيُغْنَمُ فِي هَذَا الْقِتَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ الْحَاصِلِ عِنْدَهُ،
===
رقعة، فما خرج لله. . جعل بين أهل الخمس على خمسة، ويقسم الباقي على الغانمين؛ كما سيأتي.
ويقسم للغانمين قبل قسمة الخمس على أربابه؛ لأنهم حاضرون ومحصورون، وكلام المصنف: قد يوهم خلافه.
قال الرافعي: ولا يكره قسمتها في دار الحرب، قال المصنف: بل يستحب، بل في "التهذيب" وغيره: يكره التأخير إلى دار الإسلام من غير عذر (١).
(فخمسه لأهل خمس الفيء يقسم كما سبق) في قسم الفيء.
(والأصحُّ: أن النفل) بفتح النون والفاء وإسكانها (يكون من خمس الخمس المرصد للمصالح) لرواية الشافعي عن مالك عن أبي الزناد: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: (كان الناس يعطون النفل من الخمس)، قال الشافعي: يريد: من خمس النبي ﷺ (٢).
والثاني: من أصل الغنيمة؛ كالسلب، والثالث: من أربعة أخماسها؛ كالمصحح في الرَّضْخ.
(إن نفل مما سيغنم في هذا القتال) أي: هذا الخلاف إذا شرط مما سيغنم في هذا القتال؛ وفاء بالشرط والوعد، ويغتفر الجهل به، فيشترط الربع أو الثلث أو غيرهما.
وقوله: (نفل): قال السبكي: يجوز فيه التشديد إذا عديته إلى اثنين، والتخفيف إذا عديته إلى واحد، وقد كتب المصنف عليه بخطه: (خف) لأن معناه: جعل النفل.
(ويجوز أن ينفل من مال المصالح الحاصل عنده) في بيت المال ومما يتجدد فيه؛