وَكَذَا حَرْبِيٌّ وَمُرْتَدٌّ فِي الأَصَحِّ، وَقَاتِلٌ فِي الأَظْهَرِ،
===
ومحلُّ الصحة: بما يجوز له تملكه؛ فلا يصحُّ بالمصحف والعبد المسلم على النصِّ.
(وكذا حربي ومرتد في الأصحِّ) كالهبة والصدقة والبيع، ويفارق الوقف؛ لأنه يراد للدوام، وهذان مقتولان، والثاني المنع؛ للأمر بقتلهما، فلا معنى للوصية لهما ونقض التعليل: بالزاني المحصن؛ فإن الوصية تصحُّ له مع كونه مقتولًا.
ومحلُّ الخلاف في الحربي: إذا أوصى له بغير السلاح والخيل، فإن أوصى له بشيء منهما .. فهو كبيعه منه.
ومسألة المرتد من زوائد الكتاب على "المحرر" من غير تمييز، وإنما تأتي على القول ببقاء ملكه، كما قاله صاحب "الذخائر" وغيره، وحينئذ: فهذا من تفريع المرجوح.
وصورة المسألة: أن يوصي لشخص وهو مرتد، فلو أوصى لمن يرتد .. بطل، أو لمسلم فارتد .. فهي جائزة قطعًا، ذكرهما الماوردي (١).
(وقاتل في الأظهر) لأنها تمليك بعقد فضاهت الهبة، وخالفت الإرث، والثاني: المنع؛ لأنه مال مستحق بالموت؛ كالإرث، وخص ابن يونس في "شرح التعجيز" وابن الرفعة الخلافَ بالقاتل الحرّ (٢)؛ فلو أوصى للقاتل الرقيق .. صحت قطعًا، ولا حاجة إليه فإن الوصية لسيده وليس قاتلًا، ولهذا لو قتله السيد .. كانت وصية للقاتل.
وقد استشكل محلُّ الخلاف؛ فإنه إن كان فيما إذا أوصى لمن يقتله .. لم يصحَّ قطعًا، أو فيما إذا أوصى لشخص فقتله .. فليس بقاتل حقيقة عند الوصية قطعًا، والخلاف في هذه الحالة إنما يتجه في بطلانها لا في انعقادها؛ ولهذا قال صاحب "الذخائر": إن في العبارة تسمحًا، وتحريرها أن يقال: إذا قتل الموصى له الموصي أو وجد منه ما ينسب به القتل إليه .. هل تبطل الوصية أو لا؟ قولان.
стр. 1297
وَلِوَارِثٍ فِي الأَظْهَرِ إِنْ أَجَازَ بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّهِمْ وَإِجَازَتِهِمْ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَالْعِبْرَةُ فِي كَوْنِهِ وَارِثًا بِيَوْمِ الْمَوْتِ. وَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَارِثٍ بقَدْرِ حِصَّتِهِ .. لَغْوٌ، وَبِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ .. صَحِيحَةٌ، وَتَفْتَقِرُ إِلَى الإِجَازَةِ فِي الأَصَحِّ. وَتَصِحُّ بِالْحَمْلِ وَيُشْتَرَطُ انْفِصَالُهُ
===
(ولوارث) خاص (في الأظهر إن أجاز باقي الورثة) المطلقين التصرف؛ لما رواه البيهقي عن ابن عباس مرفوعًا: "لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ"، قال الذهبي: في "مختصره" وهو: صالح الإسناد (١)، وقياسًا على الوصية للأجنبي بالزائد على الثلث، والثاني: باطلة وإن أجازوها؛ لأنه صحَّ: "لا وَصِيَّةَ لوَارِثٍ" (٢).
(ولا عبرة بردِّهم وإجازتهم في حياة المُوصي) إذ لا استحقاق لهم قبل موته وقد يبرأ وقد يموتون قبله، وأفهم اعتباره: بعد موته ولو قبل القسمة وهو الصحيح، وقيل: كالإجازة قبل الموت.
(والعبرة في كونه وارثًا بيوم الموت) أي: حالة الموت، فلو أوصى لأخيه فحدث له ابن قبل موته .. صحت، ولو أوصى لأخيه وله ابن فمات قبل الموت .. فهي وصية لوارث.
(والوصية لكلِّ وارث بقدر حصته) مشاعًا؛ من نصف وربع ونحوهما بحسب فرض الوارث ( .. لغو) لأنه يستحقه بغير وصية.
(وبعين هي قدر حصته .. صحيحة، وتفتقر إلى الإجازة في الأصحِّ) لا ختلاف الأغراض في الأعيان ومنافعها؛ ولهذا لو أوصى ببيع عين ماله لزيد .. صحت الوصية على الأصحِّ، والثاني: لا يفتقر إليها؛ لأن حقوقهم في قيمة التركة لا في عينها، بدليل أنه لو باع المريض التركةَ بأثمان أمثالها .. صحَّ وإن لم يرضوا بذلك.
(وتصحُّ بالحمل) الموجود؛ كإعتاقه، (ويشترط) لصحة الوصية به (انفصاله
стр. 1298
حَيًّا لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَهَا، وَبِالْمَنَافِعِ، وَكَذَا بِثَمَرَةٍ أَوْ حَمْلٍ سَيَحْدُثَانِ فِي الأَصَحِّ، وَبِأَحَدِ عَبْدَيْهِ، وَبِنَجَاسَةٍ يَحِلُّ الانْتِفَاعُ بِهَا
===
حيًّا لوقت يعلم وجوده عندها) أي: عند الوصية؛ كما سبق في الوصية له، ويرجع إلى أهل الخبرة في حمل البهائم.
وقضية كلامه: البطلان إذا انفصل ميتًا مطلقًا، ويستثنى: ما لو انفصل بجناية جان .. فإن الوصية لا تبطل وتنفذ من الضمان؛ لأنه انفصل مُتقوَّمًا، بخلاف ما إذا أوصى لحمل وانفصل ميتًا بجناية جان .. فإنها تبطل؛ لأن المعتبر هناك المالكية (١).
(وبالمنافع) المباحة وحدها مؤبدة ومطلقة؛ لأنها أموال تقابل بالأعواض؛ كالأعيان، وكذا تصحُّ بالعين دون المنفعة، وبالعين لواحد والمنفعة لآخر.
(وكذا بثمرة أو حمل سيحدثان في الأصحِّ) لأن الوصية احتمل فيها وجوه من الغرر؛ رفقًا بالناس وتوسعة، فصحت بالمعدوم كما تصحُّ بالمجهول، والثاني: المنع؛ لأن التصرف يستدعي متصرفًا فيه ولم يوجد، والثالث: تصحُّ بالثمرة دون الحمل؛ لأنها تحدث من غير إحداث أمر في أصلها، بخلاف الولد، وإذا قلنا بالصحة في الحمل فولدته لأقلَّ من ستة أشهر .. لم يكن موصى به؛ لأنه كان موجودًا، وإنما أوصى بما سيحدث.
(وبأحد عبديه) لأن الوصية تحتمل الجهالة، فلا يؤثر فيها الإبهام ويعين الوارث، بخلاف: (أوصيت لأحد الرجلين)، فإنه باطل في الأصحّ؛ فإنه يحتمل في الموصى به ما لا يحتمل في الموصى له، ولهذا صحت: (بحمل سيحدث) لا (لحمل سيحدث).
نعم؛ لو قال: (أعطوا لأحد الرجلين كذا) .. صحَّ؛ كما لو قال لوكيله: (بع لأحد الرجلين).
(وبنجاسة يحلُّ الانتفاع بها) لثبوت الاختصاص فيها وانتقالها بالإرث والهبة، وخرج ما لا يحلُّ الانتفاع به؛ كالخنزير وفرعه، والكلب العقور، والخمر غير المحترمة.
стр. 1299
كَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ وَزِبْلٍ وَخَمْرٍ مُحْتَرَمَةٍ. وَلَوْ أَوْصَى بِكَلْبٍ مِنْ كِلَابِهِ .. أُعْطِيَ أَحَدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ .. لَغَتْ،
===
(ككلب مُعلَّم) على الصحيح؛ لجواز اقتنائه.
وقوله: (معلَّم): يفهم المنع في الجرو القابل للتعلم، والأصحُّ: جوازه بناء على جواز اقتنائه لذلك، وكذا تجوز الوصية بكلب يتخذ للدور وإن لم يكن معلَّمًا؛ لأنه يدافع بطبعه.
(وزِبْل) ونحوه مما ينتفع به؛ كالسَّماد، (وخمر محترمة) وهو ما عصر بقصد الخلية أو لا يقصد الخمر به على الخلاف فيه.
نعم؛ لو استحكمت المحترمة وأيس من عودها خلًّا إلا بصنع آدمي .. لم يجز إمساكها على الأشبه عند ابن الرفعة، وقياسه: بطلان الوصية بها.
(ولو أوصى بكلب من كلابه .. أُعطي أحدَها) والخيرة للوارث إن كان الموصى له صاحب صيد وزرع وحرث، فإن لم يعان واحدًا منها (١) .. ففي بطلان الوصية وجهان في "الحاوي" (٢)، قال الأَذْرَعي: الأقرب: المنع، وقد صححه في "شرح المهذب" بالنسبة إلى جواز اقتنائه.
وإن عانى أحدَها فقط، فهل يلزم الوارث ما يناسبه دون غيره أو يتخير فيعطيه ما شاء؟ وجهان: قال: المنكت: أوفقهما لإطلاقهم: لا يلزم (٣)، لكن جزم الدارمي بأنه يعطى ما يليق به، قال الأَذْرَعي: وهو المختار.
(فإن لم يكن له كلب .. لغت) سواء قال: (من كلابي) أو (مالي)، بخلاف: (أعطوه عبدًا من مالي) .. فإنه يشترى له؛ لإمكانه، بخلاف الكلب؛ فإنه يتعذر شراؤه، ولو تجدد له كلب .. قال الأَذْرَعي: فيشبه أن يكون على وجهين: أقربهما: الصحة؛ نظرًا إلى حالة الموت، لا حالة الوصية.
стр. 1300
وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَكِلَابٌ وَوَصَّى بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا .. فَالأَصَحُّ: نُفُوذُهَا وَإِنْ كَثُرَتْ وَقَلَّ الْمَالُ. وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلٌ يَحِلُّ الانْتِفَاعُ بِهِ كَطَبْلِ حَرْبِ أَوْ حَجِيجٍ .. حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلِ اللَّهْوِ .. لَغَتْ إِلَّا أَنْ يَصْلُحَ لِحَرْبٍ أَوْ حَجِيجٍ
===
(ولو كان له مال وكلاب ووصَّى بها أو ببعضها .. فالأصحُّ: نفوذها وإن كثرت وقلَّ المال) ولو كان دانقًا؛ إذ المعتبر أن يبقى للورثة ضعف الموصى به، وقليلُ المال خيرٌ من كثير الكلاب؛ إذ لا قيمة لها، والثاني: يقدر أنه لا مال له، وتنفذ في ثلث الكلاب؛ لأن الكلاب ليست من جنس المال، والثالث: تقوَّم الكلاب أو منافعها على خلاف فيه، وتضم إلى ماله وتنفذ الوصية في ثلث الجميع؛ أي: في قدره من الكلاب.
ولو أوصى بثلث المال لرجل، وبالكلاب لآخر .. قال القاضي أبو الطيب: تنفذ الوصية بجميع الكلاب؛ لأن ثلثي المال الذي يبقى للورثة .. خيرٌ من ضعف الكلاب، واستبعده في "الشامل"؛ لأن ما يأخذه الورثة من الثلثين هو حقهم؛ لنفوذ الوصية في الثلث، فلا يجوز أن يحسب عليهم مرة أخرى في وصية الكلاب، قال في "الروضة": وهذا أصحُّ (١).
(ولو أوصى بطبل وله طبل لهْوٍ وطبلٌ يحلُّ الانتفاع به؛ كطبل حرب أو حجيج .. حملت على الثاني) حملًا على الصحة؛ إذ الظاهر: أنه يقصد الثواب، وهو فيما تصحُّ الوصية به، هذا إذا لم يصلح طبل اللهو لمنفعة مباحة؛ فإن صلح لها .. يخير الوارث؛ كما صرح به الأصحاب، وكلام المصنف الآتي يشير إليه.
(ولو أوصى بطبل اللهو .. لغت) لأنه معصية (إلّا أن يصلح لحرب أو حجيج) ونحوهما؛ كطبل البازي، أو منفعة أخرى مباحة، وسواء صلح على هيئته أو بعد تغير يبقى معه اسم الطبل؛ فإن لم يصلح إلا بتغير يزيل اسمه .. لغت الوصية، كذا أطلقوه، وقال الإمام والغزالي: إذا كان من جوهر نفيس .. صحت؛ وكأنه أوصى برضاضه إذا كسر، والتعليق لا يقدح في الوصية (٢).
стр. 1301
فصَلٌ [في الوصية لغير الوارث وحكم التبرعات في المرض]
يَنْبَغِي أَلَّا يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَإِنْ زَادَ وَرَدَّ الْوَارِثُ .. بَطَلَتْ فِي الزَّائِدِ، وَإِنْ أَجَازَ .. فَإِجَازَتُهُ تَنْفِيذٌ، وَفِي قَوْلٍ: عَطِيَّة مُبْتَدَأَةٌ، وَالْوَصِيَّةُ بِالزِّيَادَةِ لَغْوٌ. وَيُعْتَبَرُ الْمَالُ يَوْمَ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْوَصِيَّةِ
===
(فصل: ينبغي ألَّا يوصي بأكثر من ثلث ماله) لقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثيرٌ" متفق عليه (١).
وقال القاضي والبَنْدَنيجي والماوردي: لا تجوز الزيادة على الثلث (٢)، وقال المتولي والبغوي والخوارزمي وابن أبي عصرون: تكره الزيادة (٣).
(فإن زاد وردّ الوارث .. بطلت في الزائد) بالإجماع؛ لأنه حقه، وهذا في الوارث الخاص، فإن لم يكن له وارث خاص .. فالزيادة على الثلث باطلة [على الصحيح]؛ لأن الحقَّ للمسلمين، فلا مجيز.
(وإن أجاز) المطلق التصرف في ماله ( .. فإجازته تنفيذ) أي: إمضاء لتصرف الموصي، وتصرفه موقوف على الإجازة؛ لأنه تصرف مصادف لملك، وحقُّ الوارث إنما يثبت في أثناء الحال، فأشبه بيع الشقص المشفوع، (وفي قول: عطيَّة مبتدأة، والوصية بالزيادة لغو) للنهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، ولأنها حق الوارث.
(ويعتبر المال يوم الموت) لأن الوصية تملك بعد الموت، وحينئذ تلزم، (وقيل: يوم الوصية) كما لو نذر التصدق بثلث ماله .. اعتبر يوم النذر، وردّ: بأن ذلك وقت اللزوم، فهو نظير الموت في الوصية.
وفائدة الخلاف: فيما لو زاد ماله بعد الوصية أو هلك الموجود عندها، ثم اكتسب غيره .. فتتعلق الوصية به على الأول، لا على الثاني.
стр. 1302
ويُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ أَيْضًا عِتْقٌ عُلِّقَ بِالْمَوْتِ، وَتَبَرُّعٌ نُجِّزَ فِي مَرَضِهِ كَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَعِتْقٍ وَإِبْرَاءٍ. وَإِذَا اجْتَمَعَ تَبَرُّعَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ وَعَجَزَ الثُّلُثُ؛ فَإِنْ تَمَحَّضَ الْعِتْقُ .. أُقْرِعَ، أَوْ غَيْرُهُ .. قُسِّطَ الثُّلُثُ، أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ .. قُسِّطَ بِالْقِيمَةِ، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ.
===
(ويعتبر من الثلث أيضًا عتق علّق بالموت) سواء علق في الصحة أو في المرض.
(وتبرّع نُجِّز في مرضه؛ كوقف وهبة وعتق وإبراء) لحديث: "إِنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ" رواه ابن ماجه، وفي إسناده مقال (١).
ويستثنى من العتق المنجز: عتق أم الولد في مرضه .. فإنها تعتق من رأس المال؛ كما سيأتي، مع أنه تبرع نجّز في المرض.
واحترز بقوله: (تبرع): عن الاستيلاد؛ فإنه ليس بتبرع، بل إتلاف واستمتاع، فهو من رأس المال.
(وإذا اجتمع تبرعات متعلقة بالموت وعجز الثلث؛ فإن تمحض العتق) كقوله: (إذا مت .. فأنتم أحرار)، أو (أعتقتكم بعد موتي) ( .. أقرع) فمن قرع .. عتق منه ما يفي بالثلث؛ لأن مقصود العتق التخلص من الرق، ولا يحصل مع التشقيص، وسواء وقع ذلك معًا أو مرتبًا.
(أو غيرُه .. قُسّط الثلث) على الجميع باعتبار القيمة أو المقدار؛ فلو أوصى لزيد بمئة ولعمرو بخمسين ولبكر بخمسين وثلث ماله مئة .. أُعطي زيد خمسين، ولكلِّ واحد خمسة وعشرون، ولا يقدم بعضها على بعض بالسبق؛ لأن الوصايا إنما تملك بالموت، فاستوى حكم المتقدم والمتأخر، هذا كلُّه عند الإطلاق، وأما لو قال: (أعتقوا سالمًا بعد موتي ثم غانمًا)، أو (ادفعوا إلى زيد مئة ثم إلى عمرو مئة) .. قدم ما قدّمه قطعًا.
(أو هو وغيره) كأن أوصى بعتق سالم ولزيد بمئة ( .. قُسّط) الثلث (بالقيمة) لاتحاد وقت الاستحقاق، (وفي قول: يقدم العتق) لقوته؛ لتعلق حق الله به وحق
стр. 1303
أَوْ مُنَجَّزَةٌ .. قُدِّمَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ حَتَّى يَتِمَّ الثُّلُثُ. فَإِنْ وُجِدَتْ دُفْعَةً وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ كَعِتْقِ عَبِيدٍ أَوْ إِبْرَاءِ جَمْعٍ .. أُقْرِعَ فِي الْعِتْقِ وَقُسِّطَ فِي غَيْرِهِ
===
الآدمي، قال الرافعي: هذا في وصايا التمليك مع العتق، أما إذا أوصى للفقراء بشيء وبعتق عبد .. فقال البغوي: هما سواء؛ لاشتراكهما في القربة، وقطع الشيخ أبو علي بطرد القولين؛ لوجود القوة والسراية، قال في "الروضة": وهذا أصحُّ. انتهى (١).
ولهذا أطلق المصنف الخلاف، وإذا سوينا فكان العبيد جماعة .. أقرع بينهم فيما يخصهم.
ويستثنى من إطلاق المصنف: مسألة وهي: ما لو دبر عبده وقيمته مئة، وأوصى له بمئة وثلث ماله مئة .. فإنه يعتق كلُّه ولا شيء للوصية على الأصحِّ.
(أو منجزةٌ) بأن أعتق وتصدق، ووقف وأبرأ، ووهب وأقبض ( .. قدّم الأول فالأول حتى يتم الثلث) لقوته ونفوذه؛ لأنه لا يفتقر إلى إجازة، بخلاف ما زاد على الثلث؛ فإن نفوذه يتعلق بإجازتهم.
وإنما قيدت الهبة بالإقباض؛ لأن تقديم الهبة لا يؤثر بلا قبض؛ لأن ملكها بالقبض؛ فلو وهب المريض ثم أعتق، أو حابى في بيع ثم أقبض الموهوب .. قدّم العتق والمحاباة، ولا تفتقر المحاباة في بيع ونحوه إلى قبض؛ لأنها في ضمن معاوضة.
(فإن وجدت دُفعةً) إما منه كقوله: (أعتقتكم) أو (أبرأتكم)، أو بوكالة (واتحد الجنس؛ كعتق عبيد أو إبراء جمع .. أقرع في العتق) خاصة (وقسِّط في غيره) باعتبار القيمة؛ لأن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له عند موته مال غيرهم، فدعاهم النبي ﷺ فجزأهم أثلاثًا، وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا، رواه مسلم (٢)، ولأن القصد من الإعتاق تخليصُ الرقبة، ولا يحصل هذا الغرض مع بقاء رق بعضه، والمقصودُ في الهبة ونحوها: التمليك، والتشقيص لا ينافيه.
стр. 1304
وَإِنِ اخْتَلَفَ وَتَصَرَّفَ وُكَلَاءُ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِتْقٌ .. قُسِّطَ، وَإِنْ كَانَ .. قُسِّطَ، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَقَطْ؛ سَالِمٌ وَغَانِمٌ، فَقَالَ: (إِنْ أَعْتَقْتُ غَانِمًا فَسَالِمٌ حُرٌّ)، ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ .. عَتَقَ وَلَا إِقْرَاعَ
===
(وإن اختلف) الجنس (وتصرَّف وكلاء) بأن وكل وكيلًا في بيع بمحاباة، وآخر في هبة، وآخر في صدقة ونحوها وتصرفوا دفعة واحدة، (فإن لم يكن فيها عتق .. قُسّط) الثلث على الكلِّ باعتبار القيمة؛ كما يفعل في الديون (وإن كان) فيها عتق ( .. قُسّط، وفي قول: يقدم العتق) هما القولان السابقان بتعليلهما، وصوره المصنف بالوكلاء؛ لأنه الغالب، وقد يكون منه؛ بأن يقال له: (أعتقت) و (أبرأت) و (وقفت)؟ فيقول: نعم.
وبقي من أقسام المسألة: ما لو وجدت منه تبرعات منجزة وأُخَر معلقة بالموت .. فتقدم المنجزة؛ لأنها تفيد الملك في الحال، ولازمة لا يتمكن المريض من الرجوع عنها.
(ولو كان له عبدان فقط؛ سالم وغانم، فقال: "إن أعتقت غانمًا .. فسالم حرّ" ثم أعتق غانمًا في مرض موته .. عتق) غانم لسبقه (ولا إقراع) على الصحيح؛ لأن القرعة قد تؤدي إلى إرقاقهما معًا؛ لجواز خروجها على سالم، فيلزم إرقاق غانم، ولا يمكن عتق سالم؛ لأنه مشروط بعتق غانم، والمشروط بدون شرطه محال، وقيل: يقرع، كما لو قال: أعتقتكما.
وقوله: (فقط): من زياداته على "المحرر" (١)، وفيه إشكال؛ لأنه إما أن يريد: لا مال له سواهما، أو لا عبيد؛ إن أراد الأول .. لم يستقم قوله آخرًا: (عتق)؛ فإنه حينئذ إنما يعتق من غانم ثلثاه إن تساوت قيمتهما، وإن تفاوتا .. فبقدر الثلث، وإن أراد الثاني -وهو ظاهر تصوير "الشرح" و"الروضة" (٢) - .. فينبغي حمله على ما إذا كان الثلث لا يُخرِجُ إلا أحدهما، أما إذا احتملهما الثلث .. فيعتقان؛ غانم بالمباشرة، وسالم بالصفة.
стр. 1305
وَلَوْ أَوْصَى بعَيْنٍ حَاضِرَةٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ وَبَاقِيهِ غَائِبٌ .. لَمْ تُدْفَعْ كُلُّهَا إِلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَتَسَلَّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الثُّلُثِ أَيْضًا.
فصلٌ [في بيان المرض المخوف ونحوه]
إِذَا ظَنَنَّا الْمَرَضَ مَخُوفًا .. لَمْ يَنْفُذْ تَبَرُّعٌ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ بَرَأَ .. نَفَذَ
===
(ولو أوصى بعين حاضرة هي ثلث ماله، وباقيه غائب .. لم تدفع كلُّها إليه في الحال) لأنه ربما تلف الغائب، فلا يحصل للورثة مِثْلا ما حصل للموصى له.
(والأصحُّ: أنه لا يتسلط على التصرف في الثلث أيضًا) أي: ثلث العين؛ لأن تسليطه يتوقف على تسليط الورثة على مثلي ما تسلط عليه، ولايمكن تسليطهم؛ لاحتمال سلامة الغائب، فيحصل للموصى له الجميع، والثاني: يتسلط؛ لأن استحقاقه لهذا القدر متيقن.
وحكم الدين حكم الغائب، وقد صرح به في "التنبيه" (١).
* * *
(فصل: إذا ظننَّا المرض مَخُوفًا .. لم ينفذ تبرُّع زاد على الثلث) لأنه محجور عليه فيه، و (المخوف): كلُّ ما يستعد الإنسان بسببه لما بعد الموت بالإقبال على الأعمال الصالحة، وضبطه الماوردي: بما لا يتطاول بصاحبه معه الحياة (٢).
ولا يشترط في كونه مخوفًا حصول الموت به، بل يكفي ألّا يكون نادرًا بدليل البِرْسَامِ، كذا نقلاه عن الإمام، وأقراه (٣).
(فإن برأ .. نفذ) الجميع قطعًا؛ لأنه تبين صحة تبرعه، وأن ذلك المرض لم يكن مخوفًا، وإن لم يبرأ بل مات به .. لم ينفذ الزائد على الثلث.
هذا كلُّه إذا لم ينته إلى حالة يقطع فيها بموته عاجلًا، فإن انتهى إلى ذلك .. فلا اعتبار بكلامه في الوصية وغيرها.
стр. 1306
وَإِنْ ظَنَنَّاهُ غَيْرَ مَخُوفٍ فَمَاتَ؛ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْفَجْأَةِ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. فَمَخُوفٌ. وَلَوْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَخُوفًا .. لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِطَبيبَيْنِ حُرَّيْن عَدْلَيْنِ. وَمِنَ الْمَخُوفِ: قُولِنْجٌ، وَذَاتُ جَنْبٍ، وَرُعَافٌ دَائِمٌ، وَإِسْهَالٌ مُتَوَاتِرٌ، وَدِقٌّ، وَابْتِدَاءُ
===
(وإن ظنناه غير مخوف فمات) أي: اتصل به الموت (فإن حمل على الفجأة .. نفذ) جميع تبرعه، (وإلا) أي: وإن لم يحمل على الفجأة ( .. فمخوف) فلا ينفذ ما زاد على الثلث، وكلام المصنف مبهم؛ فإنه لا يدرى منه ما المحمول على الفجأة من غيره؟ ! وقال في "أصل الروضة": (إذا رأينا المرض غير مخوف فاتصل به الموت .. فينظر؛ إن كان بحيث لا يحال عليه الموت؛ كوجع الضرس ونحوه .. فالتبرع نافذ، والموت محمول على الفجأة، وإن كان غيره؛ كإسهال يوم أو يومين .. تبينا باتصال الموت به كونه مخوفًا، وكذلك حمى يوم أو يومين، قاله في "الوسيط") (١) انتهى.
فإن قيل: ما الفائدة في حكمنا بأنه غير مخوف مع أنه إذا اتصل به الموت .. ألحق بالمخوف؟ أجيب: بأن فائدته إذا قتله قاتل، أو غرق، أو سقط من سطح .. فإنه يكون من رأس المال، بخلاف ما إذا كان مخوفًا ثم قتل أو غرق .. فإنه يحسب من الثلث؛ كما حكاه في "زيادة الروضة" عن البغوي وأقرّه (٢).
(ولو شككنا في كونه مخوفًا .. لم يثبت إلا بطبيبين حرين عدلين) مقبولي الشهادة؛ لأنه تعلق به حقُّ آدمي من الموصى له والوارث، فاشترط فيه شروط الشهادة كغيرها.
(ومن المخوف: قُولنْج) وهو أن ينعقد الطعام في بعض الأمعاء فلا ينزل، ويصعد بسببه البخار إلى الدماغ فيهلك، (وذات جَنْب) وهو قروح تحدث في داخل الجنب بوجع شديد، ثم تنفتح في الجنب ويسكن الوجع، وذلك وقت الهلاك، (ورعاف دائم) لأنه ينزف الدم، وتسقط القوة، (وإسهال متواتر) فإنه يسقط القوة، (ودِقٌّ) بكسر الدال، وهو داء يصيب القلب، ولا تمتد معه الحياة غالبًا، (وابتداء
стр. 1307
فَالِجٍ، وَخُرُوجُ الطَّعَامِ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ، أَوْ كَانَ يَخْرُجُ بِشِدَّةٍ وَوَجَعٍ، أَوْ وَمَعَهُ دَمٌ، وَحُمَّى مُطْبِقَةٌ، أَوْ غَيْرُهَا
===
فالج) وهو استرخاء عام لأحد شقي البدن طولًا، وسببه: غلبة الرطوبة والبلغم، وإنما كان ابتداؤه مخوفًا؛ لأنه إذا هاج .. ربما أطفأ الحرارة الغريزية، وإذا استمر .. لم يخف منه الموت عاجلًا، فلا يكون مخوفًا.
(وخروج الطعام غيرَ مستحيل، أو كان يخرج بشدة ووجع) ويسمى: (الزحير)، (أو ومعه دم) من الكبد ونحوها من الأعضاء الشريفة؛ لأنه يسقط القوة.
وقضيته: أن خروج الطعام على هذه الصفة مخوف وإن لم يكن إسهال، قال السبكي: وهو بعيد، فكان الأصوب ذكره عقب قوله: (وإسهال متواتر)؛ فإنه من تتمته، وكذا صنع في "المحرر" فقال: (والإسهال إن كان متواترًا، وكذا إذا خرج الطعام غير مستحيل ... ) إلى (أو معه دم) (١).
(وحمّى مطبقة) أي: ملازمة؛ لأن إطباقها يذهب القوة التي هي دوام الحياة، هذا إذا جاوز الإطباق يومين، وفي وجه: هي مخوفة من أول حدوثها، وهو ظاهر تعبير المصنف.
وعلى الأول: لو اتصل الموت بحمى يوم أو يومين .. نظر؛ فإن تبرع قبل أن يعرق .. فمن الثلث ويتبين أنها مخوفة، أو بعده .. فمن رأس المال، نقلاه عن البغوي والمتولي وأقرّاه، وهذا يقيد إطلاق ما تقدم عن "الوسيط"، ونبه عليه الرافعي (٢).
(أو غيرها) أي: غير المطبقة، وهي أنواع: (وِرْد) وهي: التي تأتي في كل يوم. و (غِبّ) وهي: التي تأتي يومًا، وتقلع يومًا، و (ثِلْث) وهىِ: التي تأتي يومين وتنقطع في الثالث، و (حمى الأخوين) وهي: التي تأتي يومين وتنقطع يومين.
стр. 1308
إِلَّا الرِّبْعَ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمَخُوفِ: أَسْرُ كُفَّارٍ اعْتَادُوا قَتْلَ الأَسْرَى، وَالْتِحَامُ قِتَالٍ بَيْنَ مُتَكَافِئَيْنِ، وَتَقْدِيمٌ لِقِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ، وَاضْطِرَابُ رِيحٍ وَهَيَجَانُ مَوْجٍ فِي رَاكِبِ سَفِينَةٍ،
===
ويدخل في قوله: (أو غيرها): اليسيرة وليست بمخوفة؛ فكان ينبغي أن يقيده بـ (الشديدة).
(إلا الرِّبع) وهي التي تأتي يومًا وتقلع يومين؛ لأنه يقوى في يومي الإقلاع.
وأفهم قول المصنف: (ومن المخوف): عدم انحصار الأمراض المخوفة فيما ذكرها، وهو كذلك بل هي كثيرة، ومنها: الطاعون عافانا الله تعالى منه، فإذا وقع ببلد .. فمخوف في حق من أصابه قطعًا، وكذا في حق من لم يصبه على الأصحِّ في "الشرح الصغير" و"زيادة الروضة" (١)، وفي "الكافي": إن من أصابه مخوف، وإذا وقع في البلد في أمثاله: فهو مخوف على الأصحِّ.
قال الأَذْرَعي: وقوله: (في أمثاله) قيد حسن لا بدّ منه على ما شاهدناه.
(والمذهب: أنه يلحق بالمخوف: أسرُ كفار، اعتادوا قتل الأسرى، والتحامُ قتال بين متكافئين، وتقديم لقصاص أو رجم، واضطراب ريح وهيجان موج في راكب سفينة) اعلم: أن الشافعي نصّ في التقديم للقصاص: على أنه غير مخوف، وفي الباقي: على أنه مخوف (٢)، وفيه طريقان: أصحُّهما: قولان في الجميع، أصحُّهما: أنها تلحق بالمخوف؛ لأنه يخاف منها الهلاك؛ كالمرض وأولى؛ لأنه أسرع إتلافًا، ولا يندفع بدواء، والثاني: المنع؛ لأنه لم يلاقِ البدن وإنما يخاف منه قرب الأجل؛ كالهدم.
والطريق الثاني: تقرير النصين، والفرق: أن المقتص قد يرق فيعفو طمعًا في الثواب، أو المال.
وقوله: (أسر كفار) مثال جرى على الغالب، فلو اعتاده البغاة أو قطاع الطريق ..
стр. 1309
وَطَلْقُ حَامِلٍ، وَبَعْدَ الْوَضْعِ مَا لَمْ تَنْفَصِلِ الْمَشِيمَةُ
===
فينبغي أن يكون الحكم كذلك.
واحترز بقوله: (اعتادوا): عما إذا لم يعتادوه؛ كالروم .. فليس بمخوف.
واحترز بـ (الالتحام): عما قبله؛ فليس بمخوف وإن تراموا بالنُّشَّاب والحِراب.
واحترز بـ (المتكافئين): عما إذا لم يتكافأا .. فإنه لا خوف في حقِّ الغالبين قطعًا.
نعم؛ القريبان من التكافؤ كالمتكافئين.
وقوله: (القصاص) ليس بقيد، بل فيه تنبيه على جريانه في قاطع الطريق من باب أولى.
وقوله: (وهيجان موج) لا فائدة له بعد قوله: (واضطراب ريح)؛ فإن الظاهر: أنهما متلازمان، وهما شيء واحد.
واحترز بذلك: عما لو كان البحر ساكنًا .. فلا خوف.
(وطلق حامل) لعظم الأمر؛ ولهذا جُعل موتُها شهادة، والخلاف فيها: قولان - كما في "الروضة" و"أصلها" -: أحدهما: هذا، والثاني: ليس بمخوف؛ لغلبة السلامة (١).
وليس في المسألة طريقان؛ كما اقتضاه عطف المصنف.
(وبعد الوضع ما لم تنفصل المَشِيمة) لأنها تضاهي الجراحات الواصلة إلى الجوف.
وقضيته: أنه لا فرق بين وضع الولد الكامل وغيره، لكن صحح في "زيادة الروضة": أن إلقاء المضغة والعلقة لا خوف فيه، ونقله عن القاضي أبي الطيب عن الأصحاب؛ لأنه أسهل خروجًا من الولد (٢)، لكن في "الأم" أن الإسقاط والولادة سببان (٣)، ويمكن حمله على إسقاط الولد المتخلق.
стр. 1310
وَصِيغَتُهَا: (أَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا)، أَوِ (ادْفَعُوا إِلَيْهِ)، أَوْ (أَعْطُوهُ بَعْدَ موْتِي)، أَوْ (جَعَلْتُهُ لَهُ)، أَوْ (هُوَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي)، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلهِ: (هُوَ لَهُ) .. فَإِقْرَارٌ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: (هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي)، فَيَكُونُ وَصِيَّةً. وَتَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَالْكِتَابَةُ كِنَايَةٌ
===
وأفهم كلام المصنف: أنه إذا انفصلت .. زال الخوف، ومحله: إذا لم يحصل من الولادة جراحة أو ضَرَبانٌ شديد أو ورم، فإن حصل شيء من ذلك .. دام الخوف؛ كما قطع به المَحاملي.
(وصيغتها) أي: صيغة الوصية: ("أوصيت له بكذا"، أو "ادفعوا إليه"، أو "أعطوه بعد موتي"، أو "جعلته له"، أو "هو له بعد موتي") وهذه صرائح؛ لصراحة الأولى في المقصود، وتأدي الباقي إلى معنى الوصية بالإضافة إلى ما بعد الموت.
وقوله: (بعد موتي) في الموضعين: قيدٌ في المذكورين قبله، وهما: (ادفعوا إليه) و (جعلته له)، فلو ذكر هذا القيد عقب كلِّ صيغة .. لكان أحسن.
(فلو اقتصر على قوله: "هو له" .. فإقرار) لأنه من صرائحه، فلا يجعل كناية في الوصية (إلا أن يقول: "هو له من مالي" فيكون وصية) لأن الإقرار لا يصحُّ بذلك، فيحتمل إذن الوصية، فتقبل إرادتها، وظاهر كلامه: صراحته حينئذ؛ لذكره له مع الصرائح، والذي في كتب الرافعي و "الروضة": أنه كناية؛ لأنه يحتمل الهبة الناجزة والوصية، فافتقر إلى النية (١)، لكن رجح السبكي: أنه صريح، وقال: لو لم يكن صريحًا .. لكان إذا مات ولم يعلم أنه نوى أم لا .. تبطل الوصية؛ لأن الأصل عدمُ النية، ونصّ الشافعي في مسألتين يقتضي أنه صريح.
(وتنعقد بالكناية) كـ (عينت هذا لزيد) كالبيع وأولى؛ لقبولها التعليق بالأغرار، وإذا قبلت التعليق بالأغرار .. فبأن تقبل الكنايات أولى.
(والكتابة) بالتاء (كناية) فتنعقد بها إذا نوى؛ كالبيع وأولى، قال الشيخ برهان الدين الفَزاري: الظاهر: أن قصد المصنف: فتنعقد بالكتابة؛ لأنها كناية، فذكر مقدمتين ولم يذكر النتيجة.
стр. 1311
وَإِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ .. لَزِمَتْ بِالْمَوْتِ بِلَا قَبُولٍ، أَوْ لِمُعَيَّنٍ .. اشْتُرِطَ الْقَبُولُ. وَلَا يَصِحُّ قَبُولٌ وَلَا رَدٌّ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَلَا يُشْتَرَطُ بَعْدَ مَوْتهِ الْفَوْرُ. فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَهُ .. بَطَلَتْ، أَوْ بَعْدَهُ .. فَيَقْبَلُ وَارِثُهُ. وَهَلْ يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي، أَمْ بِقَبُولِهِ، أَمْ مَوْقُوفٌ؛ فَإِنْ قَبِلَ .. بَانَ أَنَّهُ مَلَكَ بِالْمَوْتِ، وَإِلَّا .. بَانَ لِلْوَارِثِ؟ أَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: الثَّالِثُ،
===
(وإن أوصى لغير معين؛ كالفقراء .. لزمت بالموت بلا قبول) لتعذره منهم، (أو لمعين .. اشترط القبول) كالهبة، ولو كانت الوصية لمحجور عليه .. قبل له وليه.
والمراد بالمعين: إذا كان محصورًا، فإن كان غير محصور؛ كالعلوية - وقلنا بالصحة وهو الأظهر - .. فلا يشترط القبول في حقهم جزمًا؛ كالفقراء.
ومحلُّ اشتراط القبول من المعين: في غير العتق؛ فلو قال: (أعتقوا عبدي بعد موتي) .. لم يفتقر إلى قبول العبد؛ لأن فيه حقًّا لله تعالى، فكان كالجهة العامة، ومثله: التدبير إذا قلنا: إنه وصية؛ فإنه يتنجز بالموت من غير توقف على القبول؛ كما قاله الرافعي في الكلام على رهن المدبر (١).
(ولا يصحُّ قبول ولا ردٌّ في حياة الموصي) إذ لا حقَّ له قبل الموت، فأشبه إسقاط الشفعة قبل البيع.
(ولا يُشترط بعد موته الفور) بل يجوز تراخي القبول عن موت الموصي؛ إذ لو اعتبر .. لاعتبر عقب الإيجاب.
(فإن مات الموصَى له قبله) أي: قبل الموصي ( .. بطلت) لأنها قبل الموت غيرُ لازمة، فبطلت بالموت؛ كما لو مات أحد المتبايعين قبل القبول، (أو بعده) أي: بعد موت الموصي وقبل القبول والرد ( .. فيقبل وارثُه) أو يرد؛ لأنه فرعه، فقام مقامه في القبول؛ كالشفعة، وإذا قبل وارثه هل يقضى منه دين مورثه؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ كديته فإنها تقضى منها ديونه وإن قلنا: إنها تثبت للورثة ابتداءً.
(وهل يملك الموصى له بموت الموصي، أم بقبوله، أم موقوف؛ فإن قبل .. بان أنه ملك بالموت، وإلا .. بان للوارث؟ أقوال: أظهرها: الثالث) لأنه لا يمكن
стр. 1312
وَعَلَيْهَا تُبْنَى الثَّمَرَةُ وَكَسْبُ عَبْدٍ حَصَلَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقَبُولِ، وَنَفَقَتُهُ وَفِطْرَتُهُ، وَيُطَالِبُ الْمُوصَى لَهُ بالنَّفَقَةِ إِنْ تَوَقَّفَ فِي قَبُولِهِ وَرَدِّهِ.
فصلٌ [في أحكام الوصية الصحيحة ولفظها]
أَوْصى بِشَاةٍ .. تَنَاوَلَ صَغِيرَةَ الْجُثَّةِ وَكَبِيرَتَهَا، سَلِيمَةً وَمَعِيبَةً، ضَأْنًا وَمَعْزًا، وَكَذَا ذَكَرٌ فِي الأَصَحِّ،
===
جعله للميت؛ فإنه لا يملك، ولا للوارث؛ فإنه لا يملك إلا بعد الوصية والدين، ولا للموصى له، وإلا .. لم يصحَّ رده؛ كالإرث، فتعين وقفه مراعاة.
وقوله: (فإن قبل ... ) إلى آخره: تفسير الوقف، ووجه الأول: التشبيه بالإرث والتدبير، ووجه الثاني: أنه تمليك بعقد فيتوقف على القبول؛ كالبيع، وإذا قلنا بالأول .. فلا يستقر ملكه عليه حتى يقبل؛ كما حكاه العراقيون، وإذا قلنا بالثاني .. فالملك قبله للوارث في الأصحِّ، وقيل: للميت.
(وعليها)؛ أي: على هذه الأقوال (تبنى الثمرة وكسب عبد حصلا بين الموت والقبول، ونفقته وفطرته) فعلى الأول: هما له، وعليه النفقة والفطرة، وإن قلنا بالثاني .. فلا شيء له ولا عليه قبل القبول، أو بالأظهر .. فموقوفة؛ فإن قبل .. فله وعليه، وإلا .. فلا.
(ويطالب الموصى له بالنفقة إن توقف في قبوله وردّه) كما لو امتنع مطلق إحدى زوجتيه من التعيين؛ فإن لم يقبل ولم يرد .. خيّره الحاكم بين القبول والرد، فإن لم يفعل .. حكم عليه بالإبطال؛ كالمتحجر إذا امتنع من الإحياء.
* * *
(فصل: أوصى بشاة) وأطلق ( .. تناول صغيرةَ الجثة وكبيرتها، سليمةً ومعيبة، ضأنًا ومعزًا) لصدق الاسم، (وكذا ذَكَرٌ في الأصحِّ) لأنه اسم جنس؛ كالإنسان، وليست (التاء) فيه للتأنيث، بل للوحدة؛ كحمام وحمامة، ويدل له قولهم: لفظ (الشاة) يذكر ويؤنث، والثاني: المنع؛ نظرًا للعرف؛ فإنه لا يُسمَّى شاة، بل كبشًا
стр. 1313
لَا سَخْلَةٌ وَعَنَاقٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (أَعْطُوهُ شَاةً مِنْ غَنَمِي) وَلَا غَنَمَ لَهُ .. لَغَتْ،
===
أو تيسًا، وهذا ما نص عليه في "الأم" (١).
ومحلُّ الخلاف: ما إذا لم تدل قرينة على المراد؛ فلو قال: (شاة لينزيها على غنمه) .. فذكر، أو (يحلبها) أو (ينتفع بدَرّها ونسلها) .. فأنثى كبيرة تصلح لذلك، ولو قال: (لينتفع بصوفها) .. حمل على الضأن، أو (بشعرها) .. حمل على المعز.
(لا سخلة وعناق في الأصحِّ) لأن كلًّا منهما لا تُسمَّى شاة، كذا علله القاضي الحسين، وكأنه يريد عرفًا، والثاني: يتناولهما؛ لصدق الاسم لغة وشرعًا.
وترجيح الأول تبعا فيه الصَّيْدَلاني (٢)، قال الإمام: وهو خلاف مقتضى النصِّ، وقول صاحب "التقريب"، وأئمة العراق ومعظم المراوزة (٣)، وخلاف ما صرح به الأصحاب كلُّهم، واختاره السبكي.
و(السخلة): الأنثى من ولد الضأن ما لم يتم لها أربعة أشهر، و (العناق): الأنثى من ولد المعز ما لم يتم لها سنة، و (الجدي): ذكره.
وفهم من كلام المصنف: أنه إذا امتنع في الأنثى .. ففي الذكر أولى.
(ولو قال: "أعطوه شاة من غنمي" ولا غنم له .. لغت) لعدم ما تتعلق به الوصية، وليس المراد: لا غنم له حال الوصية كما يفهمه كلامه، بل لو ملكها بعد الوصية وقبل موته .. صحت على الأصحِّ.
وشمل إطلاقه الإلغاء: ما إذا كان له ظباء، لكن الرافعي حكى وجهين فيما لو قال: (أعطوه شاة من شياهي): وليس له إلا ظباء، قال في "زيادة الروضة": (ينبغي أن يكون الأصحُّ: تنزيل الوصية على واحدة منها) (٤).
стр. 1314
وَإِنْ قَالَ: (مِنْ مَالِي) وَلَا غَنَمَ لَهُ .. اشْتُرِيَتْ لَهُ. وَالْجَمَلُ وَالنَّاقَةُ يَتَنَاوَلَانِ الْبَخَاتِيَّ وَالْعِرَابَ، لَا أَحَدُهُمَا الآخَرَ. وَالأَصَحُّ: تَنَاوُلُ بَعِيرٍ نَاقَةً، لَا بَقَرَةٍ ثَوْرًا، وَالثَّوْرُ لِلذَّكَرِ. وَالْمَذْهَبُ: حَمْلُ الدَّابَّةِ عَلَى فَرَسٍ وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ
===
(وإن قال: "من مالي" ولا غنم له .. اشتريت له) (١) أي: اشتري ما ينطلق عليه الاسم عملًا بقوله.
(والجمل والناقة يتناولان البَخَاتيَّ والعِراب) لصدق الاسم (لا أحدهما الآخر) أي: لا يتناول الجمل الناقة ولا عكسه؛ لأن لفظ (الجمل) للذكر، و (الناقة) للأنثى؛ كما قاله الأزهري وغيره (٢).
(والأصحُّ: تناول بعيرٍ ناقةً) لأنه لغةً اسم جنس؛ كالإنسان، والثاني: المنع، وهو المنصوص ورجحه كثيرون، وقال الماوردي والإمام والغزالي: إنه المذهب؛ لأنه لا يُسمَّى بعيرًا عرفًا؛ كالجمل (٣).
(لا بقرةٍ ثورًا) على الأصحِّ؛ لأن اللفظ موضوع للأنثى، والثاني: يتناول، و (الهاء) للوحدة؛ كثمرة وزبيبة، وهو كالخلاف في الشاة، والتصحيح متعاكس.
وذكر المصنف في "التحرير": اتفاق أهل اللغة على وقوع البقرة على الذكر والأنثى (٤) مع حكايته الخلاف هنا، وهو يقدح في تعليلهم الأصحَّ بوضع اللفظ للأنثى.
(والثور للذكر) خاصة لاستعماله فيه لغة وعرفًا.
(والمذهب: حمل الدابة على فرس وبغل وحمار) لشهرة استعمالها في هذه الثلاثة وإن كانت لغة لكلِّ ما دب، وهذا هو المنصوص، وهو مطرد في جميع البلاد على الأصحِّ، وقال ابن سريج: إن المنصوص ذكره الشافعي على عادة أهل مصر في ركوبها جميعًا واستعمال الدابة فيها، وأما سائر البلاد فحيث لا يستعمل اللفظ إلا في
стр. 1315
وَيَتَنَاوَلُ الرَّقِيقُ: صَغِيرًا وَأُنْثَى وَمَعِيبًا وَكَافِرًا وَعُكُوسَهَا، وَقِيلَ: إِنْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ .. وَجَبَ الْمُجْزِئُ كَفَّارَةً. وَلَوْ أَوْصَى بِأَحَدِ رَقِيقِهِ فَمَاتُوا أَوْ قُتِلُوا قَبْلَ مَوْتِهِ .. بَطَلَتْ، وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ .. تَعَيَّنَ، أَوْ بِإِعْتَاقِ رِقَابٍ .. فَثَلَاثٌ،
===
الفرس؛ كالعراق .. لا يعطى إلا الفرس، هذا كلُّه عند الإطلاق، فلو قال: (للكَرّ والفرّ) .. فهو للفرس، أو (للحمل) .. حمل على البغل والحمار؛ فإن اعتادوا الحمل على البراذين .. دخلت.
(ويتناول الرقيقُ: صغيرًا وأنثى، ومعيبًا وكافرًا، وعكوسها) لصدق الاسم على الجميع، (وقيل: إن أوصى بإعتاق عبد .. وجب المجزئ كفارة) لأنه المعروف في الإعتاق، بخلاف: (أعطوه عبدًا)، واختاره أبو الطيب وغيره وغلط في "التجربة" من قال: (غيره)، والخلاف في عتق التطوع، فلو قال: (عن كفارة) .. تعين المجزئ فيها.
وقوله: (كفارة) هو منصوب على الحال، أو التمييز.
(ولو أوصى بأحد رقيقه) مبهمًا (فماتوا أو قتلوا قبل موته .. بطلت) الوصية؛ لأنه لا رقيق له، (وإن بقي واحد .. تعيّن) لأنه الموجود، وليس للوارث إمساكه وإعطاؤه قيمة المقتول.
واحترز بقوله: (قبل موته): عما بعد موته، فان كان القتل بعد القبول .. انتقل حقه إلى قيمة أحدهم بخيرة الوارث، أو قبل القبول .. فكذلك إن ملكناه بالموت أو توقفنا، وإلا .. بطلت، قاله الرافعي، قال في "الكفاية": وهو احتمال الإمام، قال هو: إنه لم يصر إليه أحد من الناس (١)، وحكى في "المطلب" ما قاله الرافعي عن المتولي، وحكى الأَذْرَعي وغيره عن القاضي الحسين: أنه لا فرق بين أن نقول: يملك بالموت أو بالقبول.
(أو بإعتاق رقاب .. فثلاث) لأنه أقلُّ الجمع على المرجح، والمراد: أنه أقلُّ ما يكفي ثلاثٌ، قال الشافعي: والاستكثار مع الاسترخاص أولى من الاستقلال مع الاستغلاء، ومعناه: أن إعتاق خمس رقاب قليلة القيمة .. أفضلُ من إعتاق أربع كثيرة
стр. 1316
فَإِنْ عَجَزَ ثُلُثُهُ عَنْهُنَّ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى شِقْصٌ بَلْ نَفِيسَتَانِ بِهِ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَنْفَسِ رَقَبَتَيْنِ شَيْءٌ .. فَلِلْوَرَثَةِ. وَلَوْ قَالَ: ثُلُثِي لِلْعِتْقِ .. اشْتُرِيَ شِقْصٌ. وَلَوْ وَصَّى لِحَمْلِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدَيْنِ .. فَلَهُمَا، أَوْ بِحَيٍّ وَمَيِّتٍ .. فَكُلُّهُ لِلْحَيِّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ حَمْلُكِ ذَكَرًا - أَوْ قَالَ: أُنْثَى - فَلَهُ كَذَا)، فَوَلَدَتْهُمَا .. لَغَتْ
===
القيمة، ولا يجوز صرف ما أوصى به إلى رقبتين مع إمكان ثلاث.
(فإن عجز ثُلُثه عنهن .. فالمذهب: أنه لا يُشترى شقص) أي: لا يسترى مع رقبتين شقص، (بل نفيستان به) أي: يشترى بما أوصى به نفيستان.
(فإن فضل) من الثلث (عن أنفَس رقبتين شيء .. فللورثة) لأن الشقص ليس رقبة، ألا ترى أنه لو أوصى بأن يشترى بثلثه رقبة، فلم يوجد به إلا شقص .. لم يُشتر قطعًا، وقيل: يشترى في مسألتنا الشقص؛ لأنه أقرب إلى غرض الموصي من صرف الفاضل للورثة، واختاره الغزالي، ومال إليه ابن الرفعة، ورجحه السبكي.
وتعبيره بالمذهب: يقتضي حكاية طريقين وليس في "الروضة" و"أصلها" إلّا وجهان (١).
(ولو قال: "ثلثي للعتق" .. اشتُرِي شقص) قطعًا؛ تحصيلًا لغرضه ما أمكن.
(ولو وصى لحملها فأتت بولدين) حيين ( .. فلهما) لأنه مفرد مضاف فعمَّ، ولا يفضل الذكر على الأنثى؛ كما لو وهب لرجل وامرأة شيئًا إلا أن يصرح بالتفضيل.
(أو بحي وميت .. فكلُّه للحي في الأصحِّ) لأن الميت كالمعدوم، والثاني: له النصف والباقي لورثة الموصي؛ كما لو أوصى لحيٍّ وميّت.
(ولو قال: "إن كان حملك ذكرًا - أو قال: أنثى - فله كذا"، فولدتهما .. لغت) لأنه شرط صفة الذكورة أو الأنوثة في جملة الحمل ولم يحصل، ولو ولدت غلامين .. فكذلك عند الغزالي (٢)، وقيل: يقسم بينهما، واختاره في "الروضة" (٣).
стр. 1317
وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ بِبَطْنِهَا ذَكَرٌ)، فَوَلَدَتْهُمَا .. اسْتَحَق الذَّكَرُ، أَوْ وَلَدَتْ ذَكَرَيْنِ .. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهَا وَيُعْطِيهِ الْوَارِثُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. وَلَوْ وَصَّى لِجِيرَانِهِ .. فَلأَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
===
بخلاف قوله: إن كان حملها ابنًا .. فله كذا، وإن كان بنتًا .. فلها كذا فولدت ابنين؛ فإنه لا شيء لهما، والفرق: أن الذكر والأنثى اسما جنس يقع على الواحد والعدد، بخلاف الابن والبنت، قال الرافعي: والفرق ليس بواضح، وخالفه المصنف، وقال: إنه واضح (١).
(ولو قال: "إن كان ببطنها ذكر") فله كذا (فولدتهما .. استحقّ الذكر) لأن الصيغة ليست حاصرة للحمل فيه، (أو ولدت ذكرين .. فالأصحُّ: صحتها) لأنه لم يحصر الحمل في واحد، بل حصر الوصية فيه، والثاني: المنع؛ لاقتضاء التنكير التوحيد.
(ويعطيه الوارث من شاء منهما) كما لو وقع الإبهام في الموصى به .. يرجع إلى بيان الوارث، وليس له التشريك بينهما، وقيل: يوزع عليهما، وقيل: يوقف إلى أن يتأهلا للقبول، فيصطلحا.
(ولو وصى لجيرانه .. فلأربعين دارًا من كلِّ جانب) من الجوانب الأربعة؛ لما رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" عن أبي هريرة مرفوعًا: "حَقُّ الْجِوَاِر إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا هَكَذَا وَهَكَذَا، وَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَمِينًا وَشِمَالًا، وَقُدَّامًا وَخَلْفًا" وفي إسناده ضعف، لكن له طرق تقويه، ورواه أبو داوود مرسلًا بإسناد صحيح (٢).
وقضية كلامه: أن المجموع مئة وستون، وبه صرح القاضي أبو الطيب، ويقسم المال على عدد الدور لا على عدد سكانها؛ كما جزم به في "الروضة"، قال السبكي: وينبغي أن يزاد فيه وتقسم حصة كلِّ دار على عدد سكانها، وما جزم به المصنف هو الصحيح المنصوص (٣).
стр. 1318
وَالْعُلَمَاءُ: أَصْحَابُ عُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَفِقْهٍ، لَا مُقْرِئٌ وَطَبِيبٌ وَمُعَبِّرٌ وَأَدِيبٌ،
===
وقيل: هو الملاصق داره، وقيل: من نسب إلى سكنى محلته، وقيل: أهل الزقاق غير النافذ، وقيل: غير ذلك.
(والعلماء) فيما إذا أوصى للعلماء (أصحاب علوم الشرع من تفسير وحديث وفقه) للعرف، والمراد بالتفسير: علم معاني كتاب الله تعالى خبرًا وحكمًا، وبالحديث: العلم بطرقه، ومعانيه، لا من يسمعه ولا علم له بطرقه ومتونه وأسماء رجاله؛ إذ السماع المجرد ليس بعلم، وبالفقه: معرفة الأحكام الشرعية نصًّا واستنباطًا؛ ولهذا لا تدخل فيه الظاهرية كما أجاب به ابن سريج والقاضي الحسين.
ولو أوصى لأعلم الناس .. صرف إلى الفقهاء؛ لتعلق الفقه بأكثر العلوم، قاله الماوردي (١).
وقضية كلام المصنف: الحصر في هذه الثلاثة، وليس كذلك بل يدخل العالم بأصول الفقه؛ كما قاله الصَّيْمَري وصاحب "البيان" لانبناء الفقه عليه (٢).
وعدّ الغزالي في مقدمة "المستصفى" من العلم الديني علم الباطن؛ يعني: علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة (٣).
(لا مقرئ وطبيب ومُعبِّر وأديب) ومنجم وحاسب ومهندس؛ لأن أهل العرف لا يعدونهم منهم، وكذا العالم باللغة والتصريف، والعروض والقوافي، والمعاني والبيان والبديع، والموسيقا ونحوها.
قال في "المطلب": والمراد بالمقرئ: التالي فقط، أما العالم بالروايات ورجالها .. فكالعالم بطرق الحديث، وقد أفهم كلام "الوسيط" (٤): أنه منهم، قال السبكي: وفيه نظر؛ فإن التالي قارئ لا مقرئ، وذكر كلامًا طويلًا، ثم اختار أن
стр. 1319
وَكَذَا مُتَكَلِّم عِنْدَ الأَكْثَرِينَ
===
العلماء بالقراءات علماء قطعًا يصرف إليهم من الوصية للعلماء، ومن الوقف عليهم؛ كما قاله ابن الرفعة، قال: بل هم أولى الناس بهذا، والمراد بالمعبر: مفسر المنام، والأفصح: عابر؛ لأنه يقال: عبرت - بالتخفيف - كما قال تعالى: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
وبالأديب: النحوي، وقال ابن يونس: ينبغي أن يدخل؛ لانبناء الفقه عليه.
(وكذا متكلم عند الأكثرين) للعرف، ونقله العبادي في "زياداته" عن النصِّ، وقيل: يدخل، ومال إليه الرافعي.
واقتضى كلامه: أن الدليل يقتضي التسوية بينه وبين المحدث والمقرئ، فإما أن يستووا في الدخول كلهم، أو في الخروج، ولأجل هذا التوقف عدل المصنف عن الأصحِّ إلى قوله: (عند الأكثرين).
وقال السبكي ما حاصله: إن العلم بالله وصفاته وما يجب له وما يستحيل عليه؛ ليرد على المبتدعة، ويميز بين الاعتقاد الفاسد والصحيح، وتقرير الحق ونمره .. من أجلِّ العلوم الشرعية، والعالم به من أفضلهم، ويصرف إليه من الوصية للعلماء والوقف عليهم.
ومَنْ دأبُه الجدل والشبه وخبط عشواء في الحق والباطل، والزيادة عليه إلى أن يكون مبتدعًا، أو داعيًا إلى ضلالة .. فذلك باسم الجهل أحق. انتهى.
وهذا هو القسم الذي أنكره الإمام الشافعي ﵁ وقال: لأن يلقى العبدُ ربه بكلِّ ذنب ما خلا الشرك .. خيرٌ من أن يلقاه بعلم الكلام.
وأما القسم الأول: فهو الذي عدوه في (كتاب السير) من فروض الكفايات.
قال السبكي: وكذا الصوفية ينقسمون إلى هذين القسمين، وذكر في ذلك كلامًا نفيسًا، وقال في آخره: ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين؛ كابن عربي وابن سبعين والقطب القونوي والعفيف التلمساني .. فهؤلاء ضلال جهال خارجون عن طريق الإسلام؛ فضلًا عن العلماء (١).
стр. 1320
وَيَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الْفقَرَاءِ الْمَسَاكِينُ وَعَكْسُهُ، وَلَوْ جَمَعَهُمَا .. شُرِّكَ نِصْفَيْنِ، وَأَقَلُّ كُلِّ صنْفٍ ثَلَاثَةٌ، وَلَهُ التَّفْضِيلُ. أَوْ لِزَيْدٍ وَالْفُقَرَاءِ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَأَحَدِهِمْ فِي جَوَازِ إِعْطَائِهِ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ، لكِنْ لَا يُحْرَمُ
===
(ويدخل في وصية الفقراء المساكينُ وعكسُهُ) فيجوز الصرف لهؤلاء من الوصية لهؤلاء وعكسه، لأن كلَّ واحد من الاسمين يقع على كلٍّ من الفريقين عند الانفراد في العرف.
قال ابن سراقة في "التلقين": وإنما تصرف الوصية لفقراء المسلمين؛ كالزكاة، وهل يختص بها فقراء بلد المال أو يجوز نقلها؟ فيه خلاف مرتب على الخلاف في نقل الزكاة، والمذهب في "أصل الروضة" هنا: الجواز (١)؛ لأن الأطماع لا تمتد إليها امتدادها في الزكاة.
(ولو جمعهما) أي: أوصى للفقراء والمساكين ( .. شُرِّك نصفين) كما في الزكاة، بخلاف ما إذا أوصى لبني زيد وبني عمرو .. فإنه يقسم على عددهم ولا ينصف.
(وأقلُّ كلِّ صنف ثلاثة) لأنه جمع، وأقلُّ الجمع ثلاثة، فلو دفع الوصي إلى اثنين .. غرم للثالث الثلث، أو أقلَّ ما يتمول، فيه الخلاف في نظيره من الزكاة، والمنصوص عليه في "الأم" في مسألتنا: أنه يضمن الثلث؛ كما قاله الماوردي (٢)، هذا إذا لم يكونوا محصورين، فإن أوصى لفقراء بلد وهم محصورون .. اشترط استيعابهم والتسوية بينهم؛ كتعيينهم.
(وله التفضيل) بين آحاد كلِّ صنف بحسب الحاجة، ولا تجب التسوية بل يتأكد تفضيل الأشدِّ حاجة وعيالًا.
(أو لزيد والفقراء .. فالمذهب: أنه كأحدهم في جواز إعطائه أقلَّ متموَّل) لأنه ألحقه بهم (لكن لا يحرم) قطعًا وإن كان غنيًّا لنصه عليه.
وقوله: فـ (المذهب): عبر في "الروضة": بالأصحِّ، وحكى في المسألة سبعة
стр. 1321
أَوْ لِجَمْعٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مُنْحَصِرٍ .. صَحَّتْ فِي الأَظْهَرِ، وَلَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ. أَوْ لِأقَارِبِ زَيْدٍ .. دَخَلَ كُلُّ قَرَابَةٍ وَإِنْ بَعُدَ، إِلَّا أَصْلًا وَفَرْعًا فِي الأَصَحِّ،
===
أوجه؛ منها: أن لزيد ربع الوصية؛ لأن أقلَّ من يقع عليه اسم الفقراء ثلاثة، ومنها: أن له النصف ولهم النصف؛ لأنه قابل بينه وبينهم في الذكر، فأشبه ما إذا أوصى لزيد وعمرو (١)، وقد اعتمده السبكي فيما لو وقف على مدرس وإمام وعشرة فقهاء .. فقال: المذهب: أنه يقسم على ثلاثة للعشرة ثلثها.
(أو لجمع معين غيرِ منحصر) كالعلوية (٢)، والهاشمية، وبني تميم ونحوها ( .. صحت في الأظهر) كالوصية للفقراء.
(وله الاقتصار على ثلاثة) كما في الفقراء، والثاني: البطلان؛ لأن التعميم يقتضي الاستيعاب وهو ممتنع، بخلاف الفقراء؛ فإن عرف الشرع خصصه بثلاثة فأتبع.
(أو لأقارب زيد .. دخل كلُّ قرابة وإن بعد) ووارثًا وغيره، ومسلمًا وكافرًا، وغنيًّا وفقيرًا وإن بعد؛ لشمول الاسم للكلِّ، ولا يختص هنا بالجمع وإن كان جمعًا حتى لو لم يكن سوى قريبين أو قريب واحد .. أخذ الكلَّ لا القسط في الأصحِّ.
وأفهم قوله: (كل قرابة): وجوب استيعابهم، ومحله: إذا انحصروا، فإن لم ينحصروا .. فكالوصية للعلوية.
(إلا أصلًا وفرعًا في الأصحِّ) إذ لا يسمون أقارب عرفًا، وعبر عنه في "المحرر" بالأظهر (٣)، والثاني: يدخلان، وصححه في "الكفاية"؛ لأنهما يدخلان في الوصية لأقرب الأقارب، فكيف لا يكونان من الأقارب؟ ! (٤)
قال السبكي بعد أن نقل عن جماعة الجزم به: وهذا أظهر نقلًا وبحثًا، وقال البُلْقيني: إنه المختار، وإن نص "الأم" و"المختصر" ظاهر فيه.
стр. 1322
وَلَا تَدْخُلُ قَرَابَةُ أُمٍّ فِي وَصِيَّةِ الْعَرَبِ فِي الأَصَحِّ، وَالْعِبْرَةُ بِأَقْرَبِ جَدٍّ يُنْسَبُ إِلَيْهِ زَيْدٌ، وَتُعَدُّ أَوْلَادُهُ قَبِيلَةً. وَيَدْخُلُ فِي أَقْرَبِ أَقَارِبِهِ الأَصْلُ وَالْفَرْعُ
===
والثالث: لا يدخل الأبوان والأولاد؛ لأن القريب في العرف من انتمى بواسطة، ويدخل الأجداد والأحفاد، قال الرافعي في "الشرحين": وهذا أظهر من جهة النقل حتى إن الأستاذ أبا منصور حكى إجماع الأصحاب عليه، وجعله في "الروضة" الأصحَّ، وقال في "المهمات": إن العمل عليه؛ لتصريح الرافعي بأنه أظهر نقلًا، والمذهب نقل (١).
(ولا تدخل قرابة أم في وصية العرب في الأصحِّ) فإنهم لا يفتخرون بها ولا يعدونها قرابة، والثاني: تدخل؛ كما في وصية العجم، وهذا هو الأصحُّ في "الروضة"، والأقوى في "الشرحين" و"التذنيب"، وبه قطع العراقيون، قال في "المهمات": والفتوى عليه؛ لموافقته ظاهر النص وقول الأكثرين (٢).
(والعبرة بأقرب جد ينسب إليه زيد، وتُعدُّ أولاده قبيلة) يعني: أولاد ذلك الجد، فيرتقي في بني الأعمام إلى أقرب جد يعرف به، مثاله: أوصى لأقارب الشافعي في زمانه .. صرف إلى من ينسب إلى شافع؛ لأنه أقرب جد يعرف به الشافعي، ولا يصرف إلى ما ينسب إلى جد بعد شافع؛ كأولاد علي والعباس أخوي شافع؛ لأنهم إنما ينسبون إلى المطلب.
ولو أوصى لأقارب بعض أولاد الشافعي في هذا الوقت .. دخل فيها أولاد الشافعي دون غيرهم من أولاد شافع.
ولو أوصى حسني لأقاربه .. لم يدخل الحسينيون - بالتصغير - أو حسيني لم يدخل الحسنيون - بالتكبير - لأنه لولا ذلك .. أدى إلى دخول جميع الناس؛ فإن آدم يجمعهم.
وخرج بقوله: (ينسب إليه): جدُّ الأم؛ فإنه لا ينسب إليه.
(ويدخل في أقرب أقاربه الأصلُ والفرع) لأن أقربهم هو المنفرد بزيادة القرابة، وهما كذلك.
стр. 1323
وَالأَصَحُّ: تقدِيمُ ابْنٍ عَلَى أَبٍ، وَأَخٍ عَلَى جَدٍّ، وَلَا يُرَجَّحُ بِذُكُورَةٍ وَوِرَاثَةٍ، بَلْ يَسْتَوِي الأَبُ وَالأُمُّ، وَالابْنُ وَالْبِنْتُ، وَيُقدَّمُ ابْنُ الْبِنْتِ عَلَى ابْنِ ابْنِ الابْنِ. وَلَوْ أَوْصَى لِأقَارِبِ نَفْسِهِ .. لَمْ تَدْخُلْ وَرَثَتُهُ فِي الأَصَحِّ
===
واعترض قوله: (ويدخل في أقرب أقاربه الأصل والفرع) فإنه ليس أقرب الأقارب غيرهما، فكان ينبغي أن يقول: وأقرب الأقارب الأصل والفرع.
وأجيب عنه: بأنهما أقرب الأقارب على الإطلاق، ويصحُّ إطلاق الدخول بمعنى أن كلًّا منهما داخل.
(والأصحُّ: تقديم ابنٍ على أب) لأنه أقوى إرثًا وتعصيبًا، فيقدم الأولاد، ثم أولادهم وإن سفلوا، ويسوى بين أولاد البنين وأولاد البنات، ثم الأبوان، ثم الأجداد إن لم يكن أخ أو أخت، والثاني: يستويان؛ لاستواء درجتهما، فعلى هذا: يقدم الأب على ابن الابن، والأم في ذلك كالأب؛ كما صرح به الجرجاني.
(وأخٍ على جدٍّ) لقوة البنوة، وليس لنا موضع يقدم فيه الأخ على الجد إلا هنا، وفي الولاء، والثاني: يستويان؛ لاستوائهما في الإدلاء، والأخت في ذلك كالأخ؛ كما في "الكفاية" عن الروياني (١).
وإطلاق المصنف الأخ والجد يشمل الأخ للأم والجد للأم، وهو الصحيح، فيجري الخلاف في الجد أب الأب، والجد أب الأم، مع الأخ للأب والأخ للأم.
(ولا يُرجَّح بذكورة ووراثة (٢)، بل يستوي الأب والأم، والابن والبنت) والأخ والأخت؛ كما يستوي المسلم والكافر، ويقدم الشقيق على غيره قطعًا، ويستوي الأخ من الأب والأخ من الأم.
(ويقدم ابن البنت على ابن ابن الابن) لأنه أقرب منه.
(ولو أوصى لأقارب نفسه .. لم تدخل ورثته في الأصحِّ) اعتبارًا بعرف الشرع لا بعموم اللفظ، ولأن الوارث لا يوصى له غالبًا، فيختص بالباقين، والثاني: يدخلون؛ لأن اللفظ يتناولهم، ثم يبطل نصيبهم، ويصحُّ للباقين.
стр. 1324
فصلٌ [في أحكام معنوية للموصى به]
تَصِحُّ بِمَنَافِعِ عَبْدٍ وَدَارٍ وَغَلَّةِ حَانُوتٍ، وَيَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ، وَأَكْسَابَهُ الْمُعْتَادَةَ، وَكَذَا مَهْرُهَا فِي الأَصَحِّ، لَا وَلَدٌ فِي الأَصَحِّ، بَلْ هُوَ كَالأُمِّ؛ مَنْفَعَته لَهُ، وَرَقَبَته لِلْوَارِثِ،
===
(فصل) في الأحكام المعنوية: (تصحُّ بمنافع عبد ودار وغلّةِ حانوت) مؤبدة، ومؤقتة، ومطلقة؛ لأنها أموال مقابلة بالأعواض، فكانت كالأعيان، والإطلاق يقتضي التأبيد، وقد ذكر المصنف في أوائل الباب: الوصية بالمنافع (١)، وإنما أعادها؛ لأجل ترتيب الأحكام الآتية عليها.
(ويملك الموصى له منفعة العبد، وأكسابَه المعتادة) كاحتطاب، واصطياد، وأجرة حرفة ونحوها؛ لأنها أبدال المنافع الموصى بها، أما النادرة؛ كاتهابه والتقاطه .. فلا يملكها على الأصحِّ؛ لأنها لا تقصد بالوصية.
(وكذا مهرها في الأصحِّ) أي: مهر الموصى بمنفعتها إذا وجبت بنكاح أو وطء شبهة؛ لأنه من فوائد الرقبة؛ كالكسب، وتبع في هذا التصحيح "المحرر"، ولم يصرحا بتصحيح في "الروضة" و "أصلها" بل نسبا هذا لقطع العراقيين والبغوي، ومقابله -وهو كونه لورثة الموصي-: للمراوزة وقطع المتولي وتصحيح الغزالي، ثم قالا: وهو الأشبه، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأظهر؛ لأنه بدل منفعة البضع، وهي لا يوصى بها، فلا تستحق بالوصية بدلها، قال في "المهمات": والراجح نقلًا: ما في "المحرر"، واختاره السبكي (٢).
(لا ولد) (٣) من نكاح أو زنا (في الأصحِّ، بل هو كالأم؛ منفعته له، ورقبته للوارث) لأنه جزء الأم، والثاني: يملكه الموصى له؛ كالموقوفة.
стр. 1325
وَلَهُ إِعْتَاقُهُ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً، وَكَذَا أَبَدًا فِي الأَصَحِّ، وَبَيْعُهُ إِنْ لَمْ يُؤَبِّدْ كَالْمُسْتَأْجَرِ، وَإِنْ أَبَّدَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْمُوصَى لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ تُعْتبَرُ قِيمَةُ الْعَبْدِ كُلُّهَا مِنَ الثُّلُثِ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا،
===
وفرق الأول: بأن الملك في الموقوفة أقوى؛ ولهذا يملك الرقبة على قول فقوي الاستتباع، بخلاف هنا.
(وله إعتاقه) أي: للوارث إعتاق العبد الموصى بمنفعته ولو مؤبدًا؛ لأن رقبته خالص ملكه، ومحل عتقه: في التبرع، فلو أعتقه عن الكفارة .. لم يجز عنها في الأصحِّ؛ لعجزه عن الكسب؛ كالزمن، وليس له كتابته على الأصحِّ؛ لاستحقاق أكسابه، وإذا أعتقه .. فالصحيح: بقاء الوصية بحالها؛ كالإجارة.
(وعليه) أي: على الوارث (نفقته إن أوصى بمنفعته مدة) لأنه مالك الرقبة؛ كما إذا أجر عبده.
(وكذا أبدًا في الأصحِّ) لما قلناه، فإن شق عليه .. فخلاصه: أن يعتقه، والثاني: أنها على الموصى له؛ كالزوج، والفطرةُ كالنفقة.
(وبيعُه إن لم يؤبِّد كالمستأجَر) أي: بيع الموصى بمنفعته مدة؛ كبيع العين المأجورة، فيصحُّ في الأظهر، والجامع: استحقاق المنفعة مؤقتة، قال في "المطلب": ويظهر تقييد الخلاف بما إذا كانت المدة معينة، فإن كانت مجهولة؛ كحياة زيد .. فيتعين القطع بالبطلان.
(وإن أبّد .. فالأصحُّ: أنه يصح بيعه للموصى له دون غيره) إذ لا فائدة له فيه، والثاني: يصحُّ مطلقًا؛ لكمال الملك فيه، والثالث: لا يصحُّ مطلقًا؛ لاستغراق المنفعة بحقِّ العين، ونقله القاضيان أبو الطيب والحسين عن الأكثرين، وقالا: إنه المذهب.
(وأنه تعتبر قيمة العبد كللُّها) رقبة ومنفعة (من الثلث إن أوصى بمنفعته أبدًا) لأنه حال بينه وبين الوارث، والحيلولة كالإتلاف، الا ترى أن الغاصب يضمن بها؟
والثاني: يعتبر ما نقص من قيمته؛ إذ لا بدَّ أن تبقى له قيمة طمعًا في إعتاقه، وولائه، ولبقاء الرقبة للوارث، فلا معنى لاحتسابها على الموصى له، وصححه
стр. 1326
وَإِنْ أَوْصَى بِهَا مُدَّةً .. قُوِّمَ بِمَنْفَعَتِهِ ثُمَّ مَسْلُوبَهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَيُحْسَبُ النَّاقِصُ مِنَ الثُّلُثِ. وَتصِحُّ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ فِي الأَظْهَرِ، وَيُحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ أَوِ الْمِيقَاتِ كَمَا قَيَّدَ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَمِنَ الْمِيقَاتِ فِي الأَصَحِّ. وَحَجَّةُ الإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ أَوْصَى بِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَال أَوِ الثُّلُثِ .. عُمِلَ بِهِ،
===
الغزالي وطائفة، فعلى هذا: تحسب قيمة الرقبة على الوارث على الأصحِّ.
مثاله: أوصى بعبد قيمته بمنافعه مئة وبدونها عشرة؛ فعلى الأول .. تعتبر المئة من الثلث، ويشترط: أن يكون له مئتان سوى العبد، وعلى الثاني .. المعتبر تسعون فقط، فيشترط: أن يبقى للورثة ضعف التسعين مع العشرة على وجه، ودونها على وجه.
(وإن أوصى بها مدة .. قوِّم بمنفعته ثم مسلوبَها تلك المدة، ويحسب الناقص من الثلث) لأن الحيلولة بعرض الزوال؛ فإذا قوّم بالمنفعة بمئة ثم بدونها تلك المدة بثمانين .. فالوصية بعشرين هذا أصحُّ الطرق، وقيمة الرقبة هنا محسوبة من التركة قطعًا، والطريق الثاني: طرد الخلاف في الوصية المؤبدة، والئالث: أنا إن اعتبرنا هناك ما بين القيمتين .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان، أحدهما: التفاوت، والثاني: الرقبة.
والرابع: أن المعتبر من الثلث: أجرة مثل تلك المدة، وذكر العبد مثال؛ فإن منفعة الدار وثمرة البستان كذلك.
(وتصحُّ) الوصية (بحجِّ تطوُّع في الأظهر) الخلاف مبني على جواز النيابة فيه، والأظهر: الجواز؛ لأنه عادة تدخل النيابة في فرضها فتدخل في نفلها؛ كأداء الزكاة، وهو محسوب من الثلث؛ كسائر التبرعات، والعمرة في ذلك كالحج.
واحترز بالتطوع: عن الفرض؛ فيصحُّ قطعًا.
(ويُحجُّ من بلده أو الميقات كما قيَّد) عملًا بوصيته، (وإن أطلق .. فمن الميقات في الأصحِّ) حملًا على أقلِّ الدرجاتِ، والثاني: من بلده؛ لأنه العرف فيه.
(وحجة الإسلام من رأس المال) وإن لم يوص بها على المشهور؛ كسائر الديون، والحجة المنذورة كحجة الإسلام.
(فإن أوصى بها من رأس المال أو الثلث .. عُمل به) وهو في الأولى تأكيد؛ لأنه
стр. 1327
وَإِنْ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ بِهَا .. فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَقِيلَ: مِنَ الثُّلُثِ، وَيُحَجُّ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَلِلأَجْنَبِيِّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيْتِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فِي الأَصَحِّ
===
المفعول بدونها، وفي الثانية قصد الرفق بالورثة، وفائدة جعلها من الثلث: مزاحمة الوصايا، فيقسم الثلث بينها بالسوية، ويكمل الواجب من رأس المال؛ فإن لم يكن غير الوصية بالحج .. فلا فائدة في قولهم: (تعتبر من الثلث) لأنه يجب قضاؤه على كلِّ تقدير.
(وإن أطلق الوصية بها .. فمن رأس المال) كما لو لم يوص، وتحمل الوصية بها على التأكيد والتذكار بها، (وقيل: من الثلث) لأنها من رأس المال، فوصيته بها قرينة دالة على أنها من الثلث؛ إذ هو مصرف الوصايا، وهذا قول لا وجه، فكان الصواب أن يقول: (وفي قول).
(ويُحجُّ من الميقات) أي: ميقات بلده؛ لأنه لو كان حيًّا .. لم يلزمه سواه، ولا يخرج من ماله إلا ما كان مستحقًّا عليه.
(وللأجنبي أن يحج عن الميت بغير إذنه في الأصحِّ) كقضاء دينه، والثاني: المنع؛ لافتقاره إلى النية فلا بدَّ من استنابة، وصححه المصنف في نظيره من الصوم في (كتاب الصيام) (١) لكن فرق: بأن للصوم بدلًا وهو الأمداد.
وقوله: (بغير إذنه): ظاهره: إذن الميت، ويشترط: كون إذنه في حال جواز الاستنابة، وقال ابن الملقن: أي: بغير إذن الوارث، وكذا صورها في "الروضة" و"أصلها"، وهو صحيح أيضًا؛ فإنه يصحُّ بإذن الوارث، قطعًا (٢).
قال الأَذْرَعي: وحينئذ ينبغي أن يقال: (بغير إذن) ليشمل إذنه وإذن الوارث والحاكم حيث لا وارث.
واحترز بقوله: (بغير إذنه): عما إذا أذن هو أو وارثه .. فإنه يجوز قطعًا.
وبالأجنبي: عن الوارث .. فإنه يجوز له جزمًا، هذا كلُّه في حجِّ الفرض، أما التطوع .. فقال العراقيون: إن لم يوص به .. لم يصحَّ عنه، ونقل المصنف في "شرح
стр. 1328
وَيُؤَدِّي الْوَارِثُ عَنْهُ الْوَاجِبَ الْمَالِيَّ فِي كَفَّارَةٍ مُرَتّبَةٍ، وَيُطْعِمُ وَيَكْسُو فِي الْمُخَيَّرَةِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْتِقُ أَيْضًا، وَأَنَّ لَهُ الأَدَاءَ مِنْ مَالِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ، وَأَنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ،
===
المهذب" هناك الاتفاق عليه، مع حكايته هنا تبعًا للرافعي عن السَّرَخْسي: أن للوارث الاستنابة، وأن الأجنبي لا يستقل به على الأصحِّ (١).
(ويؤدي الوارث عنه) من التركة (الواجب المالي في كفارة مرتبة) ككفارة القتل والوقاع والظهار.
والمراد بـ (الواجب المالي): العتق أو غيره، ويكون الولاء للميت إذا أعتق.
واحترز بـ (المالي): عن البدني، كالصوم وهو بناء على الجديد، وسبق أن المختار: القديم في أنه يؤديه عنه أيضًا.
(ويطعم ويكسو) من التركة (في المخَيَّرة) ككفارة اليمين، [ونذر اللجاج، وتحريم عين الأمة] (٢). و (الواو) في (ويكسو) بمعنى (أو).
(والأصحُّ: أنه يعتق أيضًا) كالمرتبة، لأنه نائبه شرعًا، فإعتاقه كإعتاقه، والثاني: لا؛ لأن فيه إلحادتى الولاء بالميت، ولا ضرورة إليه.
(وأن له) أي: للوارث (الأداء من ماله إذا لم تكن تركةٌ) سواء العتق وغيره، كقضاء الدين، والثاني: المنع، لبعد العبادة عن النيابة، والثالث: يمتنع الإعتاق فقط، لبعد إثبات الولاء للميت.
وقوله: (إذا لم تكن تركة): يفهم منعه عند وجود تركة، وقال السبكي: إن الذي يظهر جواز الأداء من ماله مع وجود تركة، قال: ثم رأيت في "البيان" ما يوافقه، وفي كلام الرافعي ما يخالفه بحثًا، فإنه قال: يشبه أنه كالأجنبي، ونازعه السبكي فيه (٣).
(وأنه يقع عنه لو تبرع أجنبي بطعام أو كسوة) على الأصحِّ، كقضاء الدين،
стр. 1329
لَا إِعْتَاقٍ فِي الأَصَحِّ. وَينْفَعُ الْمَيْتَ صَدَقَةٌ وَدُعَاءٌ مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ.
===
والثاني: لا؛ لبعد العبادة عن النيابة.
(لا إعتاق في الأصحِّ) لاجتماع عدم النيابة، وبعد إثبات الولاء للميت، والثاني: يقع عنه؛ كالوارث، وتابع "المحرر" في هذا الترجيح، وليس في "الشرحين" و"الروضة" هنا ترجيح بل قالا: قيل على الوجهين؛ أي: في تبرعه عنه لغيره (١).
وقيل: بالمنع قطعًا، لكن في "الروضة" و"أصلها" في (باب كفارة اليمين) تصحيح المنع في المخيرة، والجواز في المرتبة؛ بناء على إحدى العلتين في المخيرة، وهي سهولة التكفير بغير الإعتاق (٢).
(وينفع الميتَ صدقةٌ ودعاء من وارث وأجنبي) بالإجماع؛ كما نقله المصنف وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ فدل على أن هذا ينفعهم، وفي "الصحيح": "أَوْ وَلَدٍ صَالِحِ يَدْعُو لَهُ" (٣).
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله يَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أَنَّى لِي هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ" (٤).
وفي الصحيحِ: (أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله؛ إن أمي توفيت أفأتصدق عنها؛ قال: "نعَمْ" قال: أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: "سَقْيُ الْمَاءِ") (٥).
وشمل إطلاقه الصدقة: الوقف، وذكر صاحب "العدة": أنه لو أنبط عينًا، أو حفر نهرًا، أو غرس شجرًا، أو وقف مصحفًا في حياته، أو فعله عنه غيره بعد موته ..
стр. 1330
فَصْلٌ [في الرجوع عن الوصية]
لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الْوَصِيَّةِ وَعَنْ بَعْضِهَا
===
يلحق الثواب الميت، قال الرافعي: ولا يختص الحكم بوقف المصحف بل يجري في كلِّ وقف (١).
وكلام المصنف قد يفهم: أنه لا ينفعه ثواب غير ذلك؛ كالصلاة عنه قضاء أو غيره، وقراءة القرآن وهو المشهور عندنا (٢).
نعم؛ يستثنى: ركعتا الطواف؛ فإن الأجير يأتي بهما عن المحجوج عنه تبعًا للطواف على الأصحِّ.
وحكى في "شرح مسلم" وجهًا: أن ثواب القراءة يصل إلى الميت، واختاره جماعة من الأصحاب منهم: ابن أبي عصرون، وابن الصلاح، وعليه عمل الناس، وما رآه المسلمون حسنًا .. فهو عند الله حسن، وألحق الماوردي القراءة عند القبر بالحج عنه، وذلك يقتضي وصول الثواب إليه.
وجوز القاضي الحسين الاستئجارَ على قراءة القرآن عند الميت، قال ابن الصلاح: وينبغي أن يقول: (اللهم؛ أوصل ثواب ما قرأناه لفلان)، فيجعله دعاء، وينبغي: الجزم بنفع هذا؛ لأنه إذا نفع الميت الدعاء، وجاز بما ليس للداعي .. فلأن يجوز بما له أولى، وهذا لا يختص بالقراءة، بل يجري في سائر الأعمال (٣).
* * *
(فصل: له الرجوع عن الوصية وعن بعضها) لأنها عطية لم يزل عنها ملك معطيها، فأشبهت الهبة قبل القبض، وقد روى البيهقي تعليقًا عن عمر ﵁: (يغير الرجل من وصيته ما شاء)، وأسنده عن عائشة ﵂ بإسناد صحيح (٤).
стр. 1331
بِقَوْلهِ: (نَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ)، أَوْ (أَبْطَلْتُهَا)، أَوْ (رَجَعْتُ فِيهَا)، أَوْ (نَسَخْتُهَا)، أَوْ (هَذَا لِوَارِثِي). وَبِبَيْعٍ وَإِعْتَاقٍ وَإِصْدَاقٍ، وَكَذَا هِبَةٌ أَوْ رَهْنٌ مَعَ قَبْضٍ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الأَصَحِّ. وَبِوَصِيَّةٍ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَكَذَا تَوْكِيلٌ فِي بَيْعِهِ وَعَرْضُهُ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ
===
(بقوله: "نقضت الوصية"، أو "أبطلتها"، أو "رجعت فيها"، أو "نسختها") (١) وكذا أزلتها، ورددتها، ودفعتها ونحوها من الصرائح، (أو) قال: ("هذا لوارثي") بعد موتي، أو (هو ميراث عني) لأنه لا يكون للوارث إلا وقد ردّه إلى نفسه فهو كقوله: (رددته).
(و) يحصل (ببيعٍ) وإن فسخ في زمن الخيار، (وإعتاق وإصداق) ونحوه من التصرفات الناجزة اللازمة في الحياة بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر، ولأنه يدل على الإعراض عن الوصية.
(وكذا هبة أو رهن مع قبض) لزوال الملك في الأولى، وتعريضه للبيع في الثانية، (وكذا دونه في الأصحِّ) لأنه عرضه لزوال الملك، وذلك يدل على الإعراض عن الوصية، والثاني: لا فيهما؛ أما في الهبة .. فلأنه لم يؤثر في ملكه، فكذا في رجوعه، وأما الرهن .. فلأنه لا يزيل الملك بل هو نوع انتفاع؛ كالاستخدام.
وإطلاقه قد يشمل: الهبة الفاسدة، وفيها أوجه في "الحاوي": ثالثها: إن أقبض .. كان رجوعًا، وإلا .. فلا، قال في "الكفاية": وكلامه يفهم: طردها في الرهن الفاسد أيضًا (٢).
(وبوصية بهذه التصرفات) أي: بالبيع وما بعده؛ لإشعاره بالرجوع.
(وكذا توكيل في بيعه وعرضُه عليه في الأصحِّ) لأنه توسل إلى أمر يحصل به الرجوع، والثاني: لا؛ لأنه قد لا يوجد، هذا كلُّه في الوصية بمعين، أما إذا أوصى بثلث ماله ثم تصرف فيما يملكه ببيع أو إعتاق أو غيرهما .. لم يكن رجوعًا، ولو هلك جميع ماله .. لم تبطل الوصية؛ لأن الثلث مطلقًا لا يختص بما عنده حال الوصية، بل العبرة بما يملكه عند الموت.
стр. 1332
وَخَلْطُ حِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ رُجُوعٌ، فَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَخَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا .. فَرُجُوعٌ، أَوْ بِمِثْلِهَا .. فَلَا، وَكَذَا بِأَرْدَأَ فِي الأَصَحِّ. وَطَحْنُ حِنْطَةٍ وَصَّى بِهَا، وَبَذْرُهَا، وَعَجْنُ دَقِيقٍ، وَغَزْلُ قُطْنٍ، وَنَسْجُ غَزْلٍ، وَقَطْعُ ثَوْبٍ قَمِيصًا، وَبِنَاءٌ وَغِرَاسٌ فِي عَرْصَةٍ .. رُجُوعٌ.
فَصْلٌ [في الإيصاء وما يتبعه]
يُسَنُّ الإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ،
===
(وخلطُ حنطة معيَّنة رجوعٌ) سواء خلطها بمثلها أو أجود أو أردأ؛ لتعذر التسليم بما أحدثه في العين.
(فلو أوصى بصاع من صبرة) معينة (فخلطها بأجود منها .. فرجوع) لأنه أحدث بالخلط زيادة لم يرض بتسليمها، (أو بمثلها .. فلا) قطعًا؛ فإنه لا يحدث تغييرًا؛ إذ لا فرق بين المثلين.
(وكذا بأردأ في الأصحِّ) لأن التغيير عيبه بالنقص، فأشبه تعييب الموصى به، أو إتلاف بعضه، والثاني: رجوع؛ لأنه غيَّر الموصى به عما كان، فأشبه الخلط بالأجود، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب ونسبه إلى عامة الأصحاب، واختاره الإمام، ولم ينسب الشيخان ما رجحاه لأحد (١).
(وطحنُ حنطة وصَّى بها، وبذرُها، وعجن دقيق، وغزل قطن، ونسج غزل، وقطع ثوب قميصًا، وبناء وغراس في عرصة .. رجوع) لزوال الاسم، وإشعاره بالإعراض.
* * *
(فصل: يسن الإيصاء بقضاء الدين) لأنه إذا شرع له الوصية في حق غيره .. فحاجة نفسه أولى، وهذا في الدين الذي لا يعجز عن وفائه في الحال، أما الذي يعجز عن وفائه في الحال .. فالوصاية به واجبة؛ كما قاله في "الروضة"، وكذا
стр. 1333
وَتنفِيذِ الْوَصَايَا، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ. وَشَرْطُ الْوَصِيِّ: تَكْلِيفٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَالَةٌ، وَهِدَايَةٌ إِلَى التَّصَرُّفِ الْمُوصَى بِهِ، وَإِسْلَامٌ، لَكِنِ الأَصَحُّ: جَوَازُ وَصِيَّةِ ذِمِّيٍّ إِلَى ذِمِّيٍّ
===
الإيصاء برد المظالم واجب، وقد اعترض في "الروضة" على الرافعي على اقتصاره فيه على الاستحباب (١).
(وتنفيذِ الوصايا) أي: يسن أن يوصي بتنفيذ وصاياه إن أوصى بشيء، (والنّظرِ في أمر الأطفال) أي: يسن أيضًا. وإن كان القياس منعه؛ لانقطاع سلطنة الموصي وولايته بالموت، لكن الدليل قام على جوازه؛ فروى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة قال: أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة، منهم: عثمان والمقداد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود (٢)؛ فكان يحفظ أموالهم، وينفق عليهم من ماله، ولم يعرف لهم مخالف.
(وشرط الوصي: تكليف) لأن غيره مولّىً عليه، فكيف يلي أمر غيره؟ ! (وحرية) لأن الرقيق مشغول بسيده، والوصاية تستدعي فراغًا، وسواء عبده وعبد غيره، وسواء القن والمكاتب والمبعّض، (وعدالة) فلا تجوز إلى فاسق بالإجماع؛ لأنها ولاية وائتمان.
(وهداية إلى التصرف الموصى به) فلا تصحُّ إلى من لا يهتدي إليه؛ لسفه أو مرض أو هرم أو تغفل؛ إذ لا مصلحة في تولية مَنْ هذا حاله، (وإملام) فلا تصحُّ وصاية مسلم إلى كافر، لتهمته، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية.
(لكن الأصحُّ: جواز وصية ذمي إلى ذمي) بشرط كونه عدلًا في دينه؛ كما يجوز أن يكون وليًّا لأولاده، والثاني: المنع؛ كشهادته.
ويشترط أيضًا: ألّا يكون الوصي عدوًّا للطفل؛ كما حكاه الرافعي عن الروياني وآخرين، وإنهم حصروا الشرائط بلفظ مختصر فقالوا: ينبغي أن يكون الوصي بحيث
стр. 1334
وَلَا يَضُرُّ الْعَمَى فِي الأَصَحِّ، وَلَا تشتَرَطُ الذُّكُورَةُ، وَأُمُّ الأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا. وَيَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ بِالْفِسْقِ، وَكَذَا الْقَاضِي فِي الأَصَحِّ، لَا الإِمَامُ الأَعْظَمُ. وَيَصِحُّ الإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ. وَتنفِيذُ الْوَصِيَّةِ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ،
===
تقبل شهادته على الطفل (١). ونقض بالذمي، فإنه يوصي إلى الذمي ولا تقبل شهادته عليه.
وفي وقت اشتراط الشروط المذكورة أوجه: أصحها: حالة الموت.
(ولا يضر العمى في الأصحِّ) لأنه من أهل الشهادة، كالبصير، ويوكل فيما لا يمكنه، والثاني: يضر، لأنه لا يصحُّ بيعه وشراؤه بنفسه، فلا يفوّض إليه أمر غيره.
(ولا تشترط الذكورة) بالإجماع، وقد أوصى عمر ﵁ إلى ابنته حفصة ﵂؛ كما أخرجه أبو داوود (٢).
(وأم الأطفال أولى من غيرها) إذا حصلت الشروط فيها، لأنها أكثر شفقة.
(وينعزل الوصي بالفسق) لزوال الشرط، وفي معناه: قيم الحاكم، (وكذا القاضي في الأصحِّ) لزوال الشرط، والثاني: لا؛ كالإمام.
(لا الإمام الأعظم) لتعلق المصالح الكلية بولايته، بل تجوز تولية الفاسق ابتداء إذا دعت إليه ضرورة، وقيل: ينعزل، ونقل المَحاملي في (الأقضية) من "المجموع" الاتفاق عليه، سوى شذوذ من أصحاب الحديث، وصوّبه في "المطلب"، واقتضى كلامه: تفرد الرافعي بترجيح عدم الانعزال (٣).
(ويصحُّ الإيصاء بقضاء الدين، وتنفيذ الوصية من كلِّ حرٍّ مكلّف) لما سبق أول الباب (٤)، وكللامه يفهم: أن السفيه إذا صححنا وصيته بالمال .. أن له تعيين شخص
стр. 1335
وَيُشْتَرَطُ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ مَعَ هَذَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ. وَلَيْسَ لِوَصِيٍّ إِيصَاءٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ .. جَازَ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ إِلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ، فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ
===
لتنفيذها، قال السبكي: ولم أر فيه إلا ما اقتضاه هذا الكلام، وهو محتمل، ومنعه أيضًا يحتمل فيَليهِ الحاكم. انتهى، وقال في "المطلب": ينبغي إضافة الرشد إلى الشرطين المذكورين.
(ويشترط في أمر الأطفال) والمجانين (مع هذا) أي: مع الحرية والتكليف (أن يكون له ولاية عليهم) مبتدأة من الشرع لا بتفويض، فتثبت الوصاية عليهم للأب والجد وإن علا دون غيرهما من الأقارب، ويخرج الوصي والقيم، وكذا الأب والجد إذا نصبهما الحاكم في مال من طرأ سفهه؛ لأنه وليه الحاكم دونهما على الأصحِّ، ويخرج الأم أيضًا على المذهب.
(وليس لوصيّ إيصاءٌ) كالوكيل (فإن أُذن له فيه .. جاز في الأظهر) كالوكيل يوكل بالإذن، والثاني: لا؛ لبطلان إذنه بالموت.
وصورة الإذن: أن يضيف إليه بأن يقول: (أوصِ بتركتي) (ونحوه، أما إذا قال: (أوص لمن شئت) أو (إلى فلان) (ولم يضف إلى نفسه .. لم يوص عنه على الأصحِّ عند البغوي وأقرّاه (١).
ومحلُّ الخلاف: فيما إذا أذن له أن يوصي عن نفسه، أما إذا أذن له أن يوصي عن الموصي .. صحّ قطعًا، حكاه في "البيان" عن ابن الصباغ، ونقله ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ والروياني في (كتاب الوكالة)، قال: وكلام الرافعي مصرح بأن الخلاف في الثانية (٢).
(ولو قال: "أوصيت إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد، فإذا بلغ أو قدم .. فهو