← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

كتابُ الطَّلاق يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِهِ التَّكْلِيفُ إِلَّا السَّكْرَانَ. وَيَقَعُ بِصَرِيحِهِ بِلَا نِيَّةٍ، وَبِكِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ. وَصَرِيحُهُ: الطَّلَاقُ، وَكَذَا الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ عَلَى الْمَشْهُورِ === (كتاب الطلاق) هو لغة: حل القيد والإطلاق، ومنه ناقة طالق؛ أي: مرسلة بلا قيد، ترعى حيث شاءت، وشرعًا: حل قيد النكاح فقط. والآيات الواردة في الطلاق والأخبار المروية فيه غنيةٌ؛ لشهرتها عن الإيراد والتعداد، معتضدة بإجماع الملل أيَّ اعتضاد. (يشترط لنفوذه التكليف) فلا يقع طلاق صبي ومجنون ومغمى عليه ونائم تنجيزًا, ولا تعليقًا؛ لفساد عبارتهم، ورفع القلم عنهم. نعم؛ لو تولد جنون من سكر تعدى به .. نفذ طلاقه في جنونه. (إلا السكران) أي: فيقع طلاقه وإن كان غير مكلف. وهذا الاستثناء من زياداته على "المحرر"، وقال في "الدقائق": إنه لا بد منه؛ لأنه ليس بمكلف (١)، وعزى في "الروضة" كونه غير مكلف إلى قول أصحابنا وغيرهم في كتب الأصول، قال: (ولكن مراد أهل الأصول: أنه غير مخاطب حال السكر، ومرادنا هنا: أنه مكلف بقضاء العبادات بأمر جديد) (٢)، قال السبكي: ولا حاجة لهذه الزيادة؛ لأن مذهب الشافعي: أن السكران مكلف. انتهى، وحكاه الأَذْرَعي عن نص "الأم"، وعن جمع من المراوزة والعراقيين، منهم شيخ المراوزة القفال، وشيخ العراقيين أبو حامد. (ويقع بصريحه بلا نية) عند عدم الإكراه (وبكناية بنية) بالإجماع (وصريحه: الطلاق) وما اشتق منه؛ بالإجماع، (وكذا الفراق والسراح على المشهور) لتكررهما في القرآن بمعنى الطلاق، والثاني: أنهما كنايتان؛ لاستعمالهما فيه وفي غيره

стр. 1612

كَـ (طَلَّقْتُكِ) وَ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَ (مُطَلَّقَةٌ) وَ (يَا طَالِقُ)، لاَ (أَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ) فِي الأَصَحِّ. وَتَرْجَمَةُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ === كالحرام، وفي صراحة لفظ الخلع ما مر في بابه؛ كما قاله في "المحرر" (١)، ولا وجه لحذف المصنف له. ويستثنى من صراحة لفظ الفراق: ما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة، فقال لإحداهن: (فارقتك) فإن الأصح أنه فسخ. (كـ"طلقتك" و"أنت طالق" و"مطلقة") أي: بتشديد اللام، (و"يا طالق") وكذا: (أنت مفارقة) أو (مسرحة) بناء على المشهور في صراحة الفراق والسراح، ومحل صراحة (يا طالق): في غير من اسمها ذلك؛ كما ذكره المصنف بعد (٢). (لا "أنت طلاق"، و"الطلاق" في الأصح) بل هما كنايتان؛ لأنهما مصدران، والمصادر لم توضع للأعيان، وتستعمل فيها على سبيل التوسع، والثاني: أنهما صريحان؛ كـ (يا طالق). (وترجمة الطلاق بالعجمية صريح على المذهب) لشهرة استعمالها عندهم في معناها شهرةَ العربية عند أهلها، وقيل: وجهان، ثانيهما: أنه كناية؛ لأن اللفظ الوارد في القرآن هو العربي، قال الرافعي: ولم يورد أكثرهم سوى الأول؛ فلذلك رجح في "أصل الروضة" القطع به، ثم حكى طريقة الوجهين (٣). واقتصاره على الطلاق قد يفهم: أن ترجمة الفراق والسراح بالعجمية كناية، وهو ما نقله الرافعي عن تصحيح الإمام والروياني، وجزم بتصحيحه في "أصل الروضة"؛ لأن ترجمتهما بعيدة عن الاستعمال (٤)، وقضية ما في "الشرح الصغير": تصحيحه، لكن مقتضى ما في "المحرر": أنها صريح، فإنه قال: وترجمة الطلاق بسائر اللغات صريحة، ثم ذكر الفراق والسراح وقال: وترجمتهما كترجمته (٥)، قال: الأَذْرَعي:

стр. 1613

وَ (أَطْلَقْتُكِ) وَ (أَنْتِ مُطْلَقَةٌ) كِنَايَةٌ. وَلَوِ اشْتَهَرَ لَفْظٌ لِلطَّلَاقِ كَـ (الْحَلَالُ أَوْ حَلَالُ اللهِ عَلَيَّ حَرَامٌ) .. فَصَرِيحٌ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَكِنَايَتُهُ: كَـ (أَنْتِ خَلِيَّةٌ)، (بَرِيَّةٌ)، (بَتَّةٌ)، (بَتْلَةٌ)، (بَائِنٌ)، (اعْتَدِّي)، (اسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ)، (اِلْحَقِي === وهو المذهب، لا ما في "الروضة"، ونقل عن جمع: الجزم به، وبسط ذلك. (و"أطلقتك" و"أنت مطلقة") بإسكان الطاء فيهما (كناية) لعدم اشتهاره، وقيل: صريح (١). (ولو اشتهر لفظ للطلاق كـ"الحلالُ أو حلالُ الله علي حرام" .. فصريح في الأصح) لغلبة الاستعمال، وحصول التفاهم، ونقله الرافعي عن "التهذيب"، قال: (وعليه ينطبق ما في "فتاوى القفال" و"القاضي الحسين" والمتأخرين). انتهى (٢)، وحُكي عن القفال أنه كان يقول إذا استفتي عن هذه المسألة: إذا سمعت غيرك قال لامرأته هذا .. ما كنت تفهم منه؟ فإن فهصت منه الصريح .. فهو صريح لك. (قلت: الأصح: أنه كناية، والله أعلم) لأنه لم يتكرر في القرآن، ولا على لسان حملة الشريعة، فأشبه سائر الألفاظ، قال في "الروضة": (وقطع به العراقيون والمتقدمون). انتهى (٣)، ونقله الأَذْرَعي عن نص "الأم" و"البويطي". واحترز المصنف بقوله: (اشتهر) عن البلاد التي لم يشتهر فيها هذا اللفظ للطلاق، فإنه كناية في حق أهلها قطعًا. (وكنايته: كـ"أنت خلية") أي: من الزوج، فعيلة بمعنى: فاعلة ("برية") أي: منه أيضًا ("بتة") أي: مقطوعة الوصلة، مأخوذة من البت، وهو القطع، ("بتلة") أي: متروكة النكاح، ومنه: (نهى عن التبتل) (٤)، ("بائن") أي: مفارقة، من البين: وهو الفرقة، ("اعتدي"، "استبرئي رحمك"، "الحقي

стр. 1614

بِأَهْلِكِ)، (حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ)، لَا (أَنْدَهُ سَرْبَكِ)، (اعْزُبِي)، (اغْرُبِي)، (دَعِينِي)، (وَدِّعِينِي)، وَنَحْوِهَا. وَالإِعْتَاقُ كِنَايَةُ طَلَاقٍ وَعَكْسُهُ، وَلَيْسَ الطَّلَاقُ كِنَايَةَ ظِهَارٍ وَعَكْسُهُ === بأهلك") أي: لأني طلقتك ("حبلك على غاربك") أي: خليت سبيلك كما يخلى البعير في الصحراء بإلقاء زمامه على غاربه، وهو ما تقدم من الظهر، وارتفع عن العنق؛ ليرعى كيف شاء. (لا "أنده سربك") هو بفتح السين، وإسكان الراء، وأنده معناه: أزجر، والسَّرْبُ: الإبل وما يرعى من المال؛ فكأنه قال: (تركتك لا أهتم بشأنك) ("اعزبي") بـ (عين) مهملة، ثم (زاي) معجمة، معناه: اذهبي عني وتباعدي مني ("اغربي") بـ (غين) معجمة، ثم (راء) مهملة؛ أي: (صيري غريبة أجنبية مني) ("دعيني"، "ودعيني") أي: لأني طلقتك، و (الدال) من الثانية مشددة، و (الواو) من أصل الكلمة، ليست عاطفةً، وهو من الوداع، (ونحوها) مما يحتمل الفراق والسراح، ولم يشع استعماله فيه شرعًا ولا عرفًا كـ (تجردي)، و (تزودي)، و (سافري)، قال في "المحرر": ولا تكاد تنحصر (١). (والإعتاق) بألفاظه الصريحة والكناية (كناية طلاق وعكسه) أي: ألفاظ الطلاق صريحها وكنايتها كناية في العتق؛ لدلالة كل منهما على إزالة ما يملكه. نعم؛ يستثنى: ما إذا قال لعبده أو أمته: (أنا منك حر)، أو (أعتقت نفسي)، ونوى العتق، فإنه لا عتق على الأصحِّ، بخلاف الزوجة، لأن الزوجية تشمل الجانبين، بخلاف الرق؛ فإنه يختص بالمملوك، وما لو قال لعبده: (اعْتَدَّ) أو (استبرئ رحمك)، ونوى العتق .. لم يعتق؛ لاستحالته في حقه، فإن قاله لأمته .. فكناية في الأصحِّ؛ كالزوجة. (وليس الطلاق كنايةَ ظهار وعكسه) أي: وليس الظهار كناية طلاق وإن اشتركا في إفادة التحريم؛ لأن ما كان صريحًا في بابه ووجد نفاذًا في موضوعه .. لا يكون كناية في غيره، قال في "الوسيط": (ولا يمكن تنفيذهما جميعًا؛ لأن اللفظ لم يوضع

стр. 1615

وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) أَوْ (حَرَّمْتُكِ) وَنَوَى طَلاَقًا أَوْ ظِهَارًا .. حَصَلَ، أَوْ نَوَاهُمَا .. تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ -وَقِيلَ: طَلاَقٌ، وَقِيلَ: ظِهَارٌ- أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا .. لَمْ تَحْرُمْ === لهما وَضْعَ العموم، فصرف إلى ما هو صريح فيه) (١). (ولو قال: " أنت علي حرام"، أو "حرمتك"، ونوى طلاقًا أو ظهارًا .. حصل) ما نواه؛ لأن التحريم ينشأ عن الطلاق، وعن الظهار بعد العود، فصحت الكناية به عنهما، من باب إطلاق المسبب على السبب. (أو نواهما .. تخيَّر، وثبت ما اختاره) ولا يثبتان جميعًا؛ لأن الطلاق يزيل النكاح، والظهار يستدعي بقاءه، هذا إذا نواهما دفعة، فإن نواهما مرتبًا .. فعن ابن الحداد إن تقدم الظهار .. صحا جميعا، أو الطلاق البائن .. فلا معنى للظهار بعده، أو الرجعيَّ .. فالظهار موقوف، فإن راجعها .. فهو صحيح، والرجعة عود، وإلا .. فهو لغو، وقال الشيخ أبو علي: هذا التفصيل فاسد عندي؛ لأن اللفظ الواحد إذا لم يجز أن يراد به التصرفان .. فلا يفترق الحال بين أن يريدهما معًا أو متعاقبين، وأيضًا فإنه إذا نواهما على التعاقب .. كانت كل واحدة من النيتين مقارنة لبعض اللفظ، لا لجميعه، وفي ذلك خلاف سيأتي، كذا في "الروضة" و"أصلها" (٢)، وأطلق في "المحرر" و"الشرح الصغير" كـ "الكتاب" (٣)، وهو يقتضي: ترجيح مقالة الشيخ أبي علي. (وقيل: طلاقٌ) لأنه أقوى، من حيث أنه يزيل الملك، (وقيل: ظهارٌ) لأن الأصل: بقاء النكاح. (أو تحريمَ عينها) أو فرجها أو وطئها ( .. لم تحرم) لما روى النسائي: أن رجلًا سأل ابن عباس فقال: إني جعلت امرأتي علي حرامًا، فقال: كذبت، ليست عليك

стр. 1616

وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَذَا إِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ فِي الأَظْهَرِ، وَالثَّانِي: لَغْو. وَإِنْ قَالَهُ لِأمَتِهِ وَنَوَى عِتْقًا .. ثَبَتَ، أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا أَوْ لاَ نِيَّةَ .. فَكَالزَّوْجَةِ ................ === بحرام، ثم تلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية (١). (وعليه كفارة يمين) لأنه لو خاطب أمته بذلك .. لزمته، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ على الأشهر عند أهل التفسير، كما قاله البيهقي في "المعرفة" (٢). وقوله: (كفارة يمين) أي: مثل كفارة اليمين، وليست يمينًا، لأن اليمين لا تنعقد إلا باسم الله أو صفته. (وكذا إن لم تكن نية في الأظهر) لأن لفظ التحريم صريح في وجوب الكفارة، فلا معنى للنية، (والثاني: لغو) أي: لا شيء عليه فيه، وتكون هذه اللفظة كناية في الكفارة، وإلا .. لم تصر كناية في الطلاق والظهار، وهذا التفصيل في المسألة مستمر فيمن قال: (أنت علي حرام) في البلاد التي لم يشتهر فيها هذا اللفظ في الطلاق، وكذا حيث اشتهر إذا قلنا: إن الاشتهار لا يلحقه بالصرائح، أما إذا قلنا: إنه يلحقه بالصرائح .. قال الشيخان: فمقتضى ما في "التهذيب": أنه يتعين الطلاق، وقال الإمام: لا يمنع ذلك صرف النية إلى التحريم الموجب للكفارة، كما أنَّا وإن جعلناه صريحًا في الكفارة عند الإطلاق يجوز صرفه بالنية إلى الطلاق (٣). ومحل الخلاف: إذا قال: (أنت علي حرام) كما فرضه المصنف، فلو قال: (أنت حرام) ولم يقل: (علي) .. فإنه كناية قطعًا، كما قاله البغوي (٤). (وإن قاله لأمته، ونوى عتقًا .. ثبت) قطعًا، لأنه كناية فيه، ولا مجال للطلاق والظهار فيها، (أو تحريم عينها أو لا نية .. فكالزَّوجة) أي: فلا تحرم وعليه كفارة يمين في الأولى، وكذا في الثانية على الأظهر.

стр. 1617

وَلَوْ قَالَ: (هَذَا الثَّوْبُ أَوِ الطعَامُ أَوِ الْعَبْدُ حَرَامٌ عَلَيَّ) .. فَلَغْو. وَشَرْطُ نِيَّةِ الْكِنَايَةِ: اقْتِرَانُهَا بِكُلِّ اللَّفْظِ - وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلهِ - وَإِشَارَةُ نَاطِقٍ بِطَلَاقٍ لَغْو، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ. وَيُعْتَدُّ بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ فِي الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ، فَإِنْ فَهِمَ طَلَاقَهُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ .. فَصَرِيحَة، وَإِنِ اخْتَصَّ بِفهْمِهِ فَطِنُونَ .. فَكِنَايَةٌ .. === (ولو قال: "هذا الثوب أو الطعام أو العبد حرام علي" .. فلغو) لا تتعلق به كفارة ولا غيرها، لعدم قدرته على تحريم شيء من ذلك على نفسه، بخلاف الزوجة والأمة، فإنه يقدر على تحريمهما بالطلاق والعتق. (وشرط نية الكناية: اقترانها بكل اللفظ) فلو قارنت أوله، وعزبت قبل تمامه .. لم يقع؛ لأن ما قارنته النية غير مستقل بالإفادة، (وقيل: يكفي بأوله) لأنه حينئذ يعرف قصده من اللفظ، ويلتحق بالصرائح. وترجيح الأول تبع فيه "المحرر" (١)، والأصحُّ في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير"، واقتضاه إيراد "الكبير": تصحيح الثاني (٢)، وقال في "المهمات": إن الفتوى عليه (٣). (وإشارة ناطق بطلاق لغو) وإن أفهم بها كل أحد؛ لأن عدوله إليها مع القدرة يوهم أنه غير قاصد للطلاق، (وقيل: كناية) لحصول الإفهام بها كالكتابة، ورد: بأن استعمال الإشارة من الناطق في التفهيم نادر، بخلاف الكتابة. (ويعتد بإشارة أخرس في العقود، والحلول) والأقارير، والدعاوي وإن أمكنه الكتابة، للضرورة. (فإن فهم طلاقه بها كل أحد .. فصريحة) كما إذا قيل له: (كم طلقت امرأتك؟ ) فأشار بأصابعه الثلاث. (وإن اختص بفهمه فطنون .. فكناية) كما في لفظ الناطق، وهذا ما حكياه عن الإمام وآخرين، ومن الأصحاب من أدار الحكم على إشارته المفهمة، ويوقع الطلاق

стр. 1618

وَلَوْ كَتَبَ نَاطِقٌ طَلَاقًا، وَلَمْ يَنْوِهِ .. فَلَغْوٌ، وَإِنْ نَوَاهُ .. فَالأَظْهَرُ: وُقُوعُهُ، فَإِنْ كَتَبَ: (إِذَا بَلَغَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ) .. فَإِنَّمَا تَطْلُقُ بِبُلُوغِهِ، وَإِنْ كَتَبَ: (إِذَا قَرَأْتِ كِتَابِي) وَهِيَ قَارِئَةٌ، فَقَرَأَتْهُ .. طَلَقَتْ، وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهَا .. فَلَا فِي الأَصَحِّ، === بها نوى أو لم ينو، منهم البغوي، ولم يصححا في "الشرحين" و"الروضة" واحدة من المقالتين (١). (ولو كتب ناطق طلاقًا، ولم ينوه .. فلغو) إذ لا لفظ ولا نية، ويحتمل تجربة القلم والمداد. (وإن نواه) ولم يتلفظ بما كتبه ( .. فالأظهر: وقوعه) لأنها أحد الخطابين، إذ يقال: القلم أحد اللسانين، فجاز أن يقع بها الطلاق، كاللفظ، والثاني: لا؛ لأنه فعلٌ من قادر على القول، فلم يقع به الطلاق، كالإشارة من الناطق. والخلاف جار في الغَيْبة والحضور على أصح الطرق، فلو قرأ ما كتبه، واقترنت به النية .. طلقت جزمًا. وقوله: (ناطق) قيد مضر؛ إذ كتابة الأخرس أيضًا كناية على الأصحِّ. (فإن كتب: "إذا بلغك كتابي فأنت طالق") ونوى الطلاق ( .. فإنما تطلق ببلوغه) مراعاة للشرط، فلو انمحى كله قبل وصوله إليها .. لم تطلق في الأصحِّ؛ كما لو ضاع، وكذا لو لم يمح كله، ولكن بقي ما لا يمكن قراءته، أو انمحى موضع الطلاق على الصحيح، ولو ذهبت سوابقه ولواحقه؛ كالبسملة والحمدلة، وبقيت المقاصد .. وقع على الأصح وكذا لو انمحى وبقي ما يمكن قراءته. (وإن كتب: "إذا قرأت كتابي" وهي قارئة، فقرأته .. طلقت) لوجود المعلق عليه، وقضية تعبيره: اشتراط التلفظ به، وليس كذلك، بل نقل الإمام الاتفاق على أنها لو طالعته، وفهمت ما فيه .. طلقت وإن لم تتلفظ بشيء (٢)، وظاهر هذا: اشتراط قراءة جميعه، وقال الأَذْرَعي: ويشبه: الاكتفاء بالمقاصد. (وإن قرئ عليها .. فلا في الأصح) لعدم قراءتها مع الإمكان، والثاني: يقع؛

стр. 1619

وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَارِئَةً فَقُرِئَ عَلَيْهَا .. طَلُقَتْ. فَصْلٌ [في تفويض الطلاق إليها] لهُ تَفْوِيضُ طَلَاقِهَا إِلَيْهَا. وَهُوَ تَمْلِيكٌ فِي الْجَدِيدِ -فَيُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ: تَطْلِيقُهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ قَالَ: (طَلِّقِي بِأَلْفٍ) فَطَلَّقَتْ .. بَانَتْ وَلَزِمَهَا الأَلْفُ- وَفِي قَوْلٍ: تَوْكِيلٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ فَوْرٌ فِي الأَصَحّ، === إذ المقصود اطلاعها، وهو المصحح في نظيره من عزل القاضي. وفرق الأول: بأن المقصود من القاضي: إعلامه بالعزل، وسيأتي الفرق هناك. (وإن لم تكن قارئة فقرئ علبها .. طلقت) لأن القراءة في حق الأمي محمولة على الاطلاع، بخلاف القارئ، وقيل: لا يقع؛ نظرًا للفظ، قال الرافعي تبعًا للإمام: ومن ذهب إليه .. جعل تعليق الطلاق بقراءة الأمية كالتعليق بالأمور الممتنعة؛ مثل صعود السماء وغيره (١)، وفيه نظر؛ لإمكان حصوله بالتعلم. * * * (فصل: له تفويض طلاقها إليها) بالإجماع (٢). (وهو تمليك في الجديد) لأنه يتعلق بغرضها، كغيره من التمليكات. (فيشترط لوقوعه: تطليقها على الفور) لأن التمليك يقتضي الجواب على الفور، فلو أخرت بقدر ما ينقطع القبول عن الإيجاب، ثم طلقت .. لم يقع، ويشترط لصحة التفويض: التكليف، فإن كانت صغيرة أو مجنونة .. لم يصح. (وإن قال: "طلقي بألف" فطلَّقت .. بانت ولزمها الألف) ويكون تمليكًا بعوض؛ كالبيع، (وفي قول: توكيل) كما لو فوض طلاقها لأجنبي. (فلا يشترط فور في الأصح) كما في توكيل الأجنبي، والثاني: يشترط؛ لما فيه

стр. 1620

وَفِي اشْتِرَاطِ قَبُولهَا خِلَافُ الْوَكِيلِ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ: لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَطْلِيقِهَا. وَلَوْ قَالَ: (إِذَا جَاءَ رَمَضانُ فَطَلِّقِي) .. لَغَا عَلَى التَّمْلِيكِ. وَلَوْ قَالَ: (أَبينِي نَفْسَكِ)، فَقَالَتْ: (أَبَنْتُ) وَنَوَيَا .. وَقَعَ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي) فَقَالَتْ: (أَبَنْتُ) وَنَوَتْ، أَوْ (أَبينِي) وَنَوَى، فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ) .. وَقَعَ. وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي) وَنَوَى ثَلَاثًا فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ) وَنَوَتْهُنَّ .. فَثَلَاث، وَإِلَّا .. فَوَاحِدَ فِي الأَصَحِّ === من شائبة التمليك، (وفي اشتراط قبولها خلاف التوكيل) المتقدم في بابه، حتى يجيء الوجه الفارق بين صيغة الأمر، بأن يقول: (طلقي نفسك)، وصيغة العقد؛ كقوله: (وكلتك في طلاق نفسك). (وعلى القولين: له الرجوع قبل تطليقها) لأن التمليك والتوكيل يجوز الرجوع فيهما قبل القبول. (ولو قال: "إذا جاء رمضان فطلقي" .. لغا على التمليك) لأنه لا يصح تعليقه؛ كقوله: (ملكتك هذا العبد إذا جاء رأس الشهر)، ويصح على قول التوكيل؛ كما لو وكل أجنبيًّا بتطليقها بعد شهر. (ولو قال: "أبيني نفسك"، فقالت: "أبنت" ونويا) أي: نوى هو التفويض إليها عند قوله: (أبيني نفسك)، ونوت هي عند (أبنت نفسي) الطلاق ( .. وقع) لأن الكناية مع النية كالصريح، (وإلا .. فلا) أي: وإن لم ينويا، أو لم ينو أحدهما .. فلا يقع الطلاق؛ لأنه إن لم ينو هو .. فلا تفويض، وإن لم تنو هي .. فلا تطليق؛ إذ الطلاق لا يقع بهذا اللفظ وحده. (ولو قال: "طلقي") نفسك (فقالت: "أبنت" ونوت، أو "أبيني") نفسك (ونوى، فقالت: "طلَّقت" .. وقع) لأنها أُمرت بالطلاق، وقد فعلته في الحالين؛ كما لو قال: (بع) فباع بلفظ التمليك. (ولو قال: "طلقي" ونوى ثلاثًا فقالت: "طلَّقت" ونوتهن .. فثلاث) لأن اللفظ يحتمل العدد، وقد نوياه، (وإلا) أي: وإن لم تنو هي العدد ( .. فواحدة في الأصح) لأن صريح الطلاق كناية في العَدد؛ كما أن البينونة مثلًا كناية في أصل

стр. 1621

وَلَوْ قَالَ: (ثَلَاثًا) فَوَحَّدَتْ أَوْ عَكْسُهُ .. فَوَاحِدَةٌ. فَصْلٌ [في بعض شروط الصيغة والمطلق] مَرَّ بِلِسَانِ نَائِمٍ طَلَاقٌ .. لَغَا. وَلَوْ سَبَقَ لِسَانٌ بِطَلَاقٍ بِلَا قَصْدٍ .. لَغَا، وَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا إِلَّا بِقَرِينَةٍ === الطلاق، ولو قال: (أبيني نفسك) ونوى، فقالت: (أبنت)، ولم تنو .. لا يقع الطلاق، فكذلك العدد، والثاني: تقع الثلاث، وتغني نيته في العدد عن نيتها، وكأنه فوض إليها أصل الطلاق، ونوى بنفسه العدد، وقد يرد على تعبيره: ما إذا نوت ثنتين .. فإنهما يقعان. (ولو قال: ) طلقي نفسك ("ثلاثًا" فوحَّدت) أي: قالت: (طلقت نفسي واحدة) (أو عكسه) أي: وَحَّدَ، فثلثت ( .. فواحدة) أما في الأولى .. فلأن ما أوقعته داخل في المفوض إليها، وأما في الثانية .. فلأن المفوض إليها واحدة، والزائد غير مأذون فيه، فيقع ما تملكه؛ كما إذا لم يبق للزوج إلا طلقة، فقال: (أنت طالق ثلاثًا). * * * (فصل: مرّ بلسان نائم طلاق .. لغا) لحديث: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ -منها- النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ (١). ولو استيقظ وقال: (أجزت ذلك الطلاق)، أو (أوقعته) .. فهو لغو، وفي معنى النائم: كل من زال عقله بسبب لم يعص به. (ولو سبق لسان بطلاق بلا قصد .. لغا) قياسًا على لغو اليمين (ولا يُصدَّق ظاهرًا) لتعلق حق الغير به، (إلا بقرينة) كما سيأتي فيمن اسمها طارق أو طالب، فقال: (يا طالق) وزعم أنه التفَّ الحرف بلا قصد، فيقبل في الظاهر؛ لظهور القرينة.

стр. 1622

وَلَوْ كَانَ اسْمُهَا طَالِقًا فَقَالَ: (يَا طَالِقُ) وَقَصَدَ النِّدَاءَ .. لَمْ تَطْلُقْ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ اسْمُهَا طَارِقًا أَوْ طَالِبًا فَقَالَ: (يَا طَالِقُ)، وَقَالَ: (أَرَدْتُ النِّدَاءَ فَالْتَفتَّ الْحَرْفُ) .. صُدِّقَ. وَلَوْ خَاطَبَهَا بِطَلَاقٍ هَازِلًا أَوْ لَاعِبًا، أَوْ هُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبيَّةً؛ بِأَنْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ نَكَحَهَا لَهُ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ وَلَم يَعْلَمْ .. وَقَعَ. وَلَوْ لَفَظَ أَعْجَمِيٌّ بِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ .. لَمْ يَقَعْ، وَقِيلَ: إِنْ نوَى مَعْنَاهُ .. وَقَعَ. وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مُكْرَهٍ، === (ولو كان اسمها طالقًا فقال: "يا طالق"، وقصد النداء) أي: نداءها باسمها ( .. لم تطلق) للقريط، (وكذا إن أطلق) ولم يقصد شيئًا (في الأصح) حملًا على النداء، والثاني: تطلق لصراحة اللفظ، ولم يقصد النداء. (وإن كان اسمها طارقًا أو طالبًا فقال "يا طالق"، وقال: "أردت النداء فالتفَّ الحرف" .. صدق) ظاهرًا؛ لظهور القرينة. (ولو خاطبها بطلاق هازلًا أو لاعبًا، أو هو يظنها أجنبية؛ بأن كانت في ظلمة، أو نكحها له وليه أو وكيله ولم يعلم .. وقع) أما في الهزل -وهو قصد اللفظ دون المعنى- .. فلحديث: "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ وَالنكاحُ وَالرَّجْعَةُ" حسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم (١)، ولأنه قصد اللفظ مختارًا، ولكنه لم يرض بحكمه، وذلك لا ينفعه؛ كما لو قال: (أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك)، وأما في الثانية .. فلوجود الخطاب في محله. (ولو لفظ أعجمي به) أي: بالورق (بالعربية ولم يعرف معناه .. لم يقع) كما لو لُقِّنَ كلمة الكفر وهو لا يعرف معناها، فتكلم بها .. لا نحكم بكفره، قال المتولي: هذا إذا لم يكن مخالطًا لأهل ذلك اللسان، فإن خالطهم .. لم يقبل ظاهرًا، ويدين. (وقيل: إن نوى معناه) عند أهله ( .. وقع) لأنه قصد لفظ الطلاق لمعناه، والأصحُّ: المنع؛ لأنه إذا لم يعرف معناه .. لا يصح قصده. (ولا يقع طلاق مكره) بغير حق؛ لحديث: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ

стр. 1623

فَإِنْ ظَهَرَ قَرِينَةُ اخْتِيَارٍ؛ بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى ثَلَاثٍ فَوَحَّدَ، أَوْ صَرِيحٍ أَوْ تَعْلِيقٍ فَكَنَى أَوْ نَجَّزَ، أَوْ عَلَى (طَلَّقْتُ) فَسَرَّحَ، أَوْ بِالْعُكُوسِ .. وَقَعَ. وَشَرْطُ الإِكْرَاهِ: قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ تغلُّبٍ، وَعَجْزُ الْمُكْرَهِ عَنْ دَفْعِهِ بِهَرَبٍ وَغَيْرِهِ، وَظَنُّهُ أَنَّهُ إِنِ === ومَا اسْتكرِهُوا عَلَيْهِ" (١). وحديث: "لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ" رواه أبو داوود، وصححه الحاكم على شرط مسلم (٢). وفسر الشافعي وأبو عبيد والخطابي وغيرهم الإغلاق: بالإكراه، ومنعوا أن يكون المراد: الغضب (٣)، فإن أكثر الطلاق إنما يقع في حال الغضب، وممن أفتى بعدم وقوع طلاق المكره عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ﵃، قال البيهقي: (ولا مخالف لهم من الصحابة) (٤). واستثني من عدم وقوع طلاق المكره: ما إذا نوى الإيقاع، فإنه يقع على الأصحِّ، وفيه نظر، فإن هذا ليس مكرهًا. نعم؛ يستثنى: ما لو أكرهه على طلاق زوجة نفسه، فإنه يقع على الأصحِّ؛ لأنه إذن وزيادة. (فإن ظهر قرينة اختيار؛ بأن أكره على ثلاث فوحد، أو صريح أو تعليق فكنى أو نجز، أو على "طلقت" فسرح أو بالعكوس) أي: أكره على واحدة فثلَّث، أو على كناية فصرَّح، أو على التنجيز فعلَّق، أو على أن يقول: (سرحتها)، فقال: (طلقتها) ( .. وقع) لأن مخالفته تشعر باختياره فيما أتى به. (وشرط) حصول (الإكراه: قدرة المكره) بكسر الراء (على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب، وعجز المكره) بفتح الراء (عن دفعه بهرب وغيره، وظنه أنه إن

стр. 1624

امْتَنَعَ .. حَقَّقَهُ. وَيَحْصلُ بِتَخْوِيفٍ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ إِتْلَافِ مَالٍ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ قَتْلٌ، وَقِيلَ: قَتْلٌ أَوْ قَطْع أَوْ ضرْبٌ مَخُوفٌ === امتنع .. حقَّقه) أي: فعل ما خوفه به؛ لأنه لا يتحقق العجز إلا بهذه الأمور الثلاثة. وتعبيره بالظن يقتضي: أنه لا يشترط تحققه، وهو الأصحُّ. وكان ينبغي أن يقول: قدرة المكره عاجلًا؛ ليخرج ما لو قال: (لأقتلنك غدًا)، فليس بإكراه، وألا يكون المهدد به مستحقًّا على المكره، فلو قال ولي القصاص للجاني: (طلقها، وإلا .. اقتصصت منك) .. لم يكن إكراهًا، ولا أثر لقوله: (طلق، وإلا .. قتلت نفسي). نعم؛ لو كان القائل ذلك أصلًا أو فرعًا للمطلق، فينبغي ألا يقع؛ كما لو قال أجنبي: (طلق، وإلا .. قتلت أباك أو ابنك) .. فإنه لا يقع. (ويحصل) الإكراه (بتخويف بضرب شديد أو حبس أو إتلاف مال ونحوها) كاستخفاف برجل وجيه وصفعه. وأطلق الحبس، وهو مقيد بالطويل؛ كما نقله في "الشامل" عن النص، وكذا قيده في "الروضة" على الوجه الذي صححه (١)، وما صححه من كون إتلاف المال إكراهًا خالفه في "الروضة"، فصحح: أنه ليس بإكراه (٢)، قال الأَذْرَعي وغيره: والصواب: ما في "الكتاب" فإنه المنصوص. نعم؛ يختلف باختلاف الناس، فلا يكون تخويف الموسر بأخذ خمسة دراهم إكراهًا. (وقيل: يشترط قتل) لأن ما دونه يدوم معه النظر والاختيار، (وقيل: قتل أو قطع أو ضرب مخوف) لإفضائهما إلى القتل، وما رجحه تبع فيه "المحرر" فإنه نسبه لاختيار الأكثرين (٣)، ورجَّح في "زيادة الروضة" ما يؤثر العاقل ارتكابه؛ حذرًا مما هدد به (٤)، قال: الزركشي: وهو في الحقيقة راجع لما صححه هنا وإن كان كلام

стр. 1625

وَلَا تشتَرَطُ التَّوْرِيَةُ؛ بِأَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا، وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ .. وَقَعَ. وَمَنْ أَثِمَ بمُزِيلِ عَقْلِهِ مِنْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ .. نَفَذَ طَلَاقُهُ وَتَصَرُّفُهُ لَهُ وَعَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، وَقِيلَ: عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: (رُبُعُكِ أَوْ بَعْضُكِ أَوْ جُزْؤُكِ أَوْ كَبِدُكِ أَوْ شَعْرُكِ أَوْ ظُفْرُكِ طَالِقٌ) .. وَقَعَ، === "الروضة" يفهم تغايرهما. (ولا تشترط التورية؛ بأن ينوي غيرها) أي: بأن ينوي بقوله: (طلقت فاطمة) غير زوجته، أو يقول عقب اللفظ: (إن شاء الله) سرًّا؛ لأنه مجبر على اللفظ، ولا نية له تشعر باختياره، (وقيل: إن تركها بلا عذر .. وقع) لإشعاره بالاختيار، ولهذا يلزمه التورية إذا أكره على كلمة الكفر. ونبه بقوله: (بلا عذر) إلى أنه لو تركها لعذر؛ كغباوة، أو دهشة .. فلا يقع قطعًا، كما قاله في "المحرر" (١). (ومن أثم بمزيل عقله من شراب أو دواء .. نفذ طلاقه وتصرفه له وعليه قولًا وفعلًا على المذهب) لتعديه. واحترز بقوله: (أثم) عما إذا لم يتعدَّ؛ كما لو أكره على شربها، أو شربَ دواءً يزيل العقل؛ لأجل التداوي، فإنه لا يقع طلاقه، ولا يصح تصرفه. (وفي قول: لا) لاختلال نظره؛ كالمجنون، (وفيل: عليه) أي: ينفذ فيما عليه؛ كالطلاق، لا فيما له؛ كالنكاح؛ تغليظًا عليه. ويرجع في حد السكر إلى العرف على الأقرب في "الشرح" و"الروضة" (٢)، وعن الشافعي ﵁ أنه الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم. (ولو قال: "ربعك أو بعضك، أو جزؤك، أو كبدك، أو شعرك، أو ظفرك طالق" .. وقع) بالإجماع، فيما عدا الشعر والظفر، وفي الشعر والظفر قول، وبالقياس على العتق، قال بعضهم: وفي القياس نظر؛ لأن العتق محبوب والطلاق مبغوض، ولأن العتق يقبل التجزئة، فصحت إضافته للبعض، بخلاف الطلاق.

стр. 1626

وَكَذَا دَمُكِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا فَضْلَةٌ كَرِيقٍ وَعَرَقٍ، وَكَذَا مَنِيٌّ وَلَبَنٌ فِي الأَصحِّ. وَلَو قَالَ لِمَقْطُوعَةِ يَمِينٍ: (يَمِينُكِ طَالِقٌ) .. لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ) وَنَوَى تَطْلِيقَهَا .. طَلُقَتْ، وَإِنْ لَمْ يَنوِ طَلَاقًا .. فَلَا، === وإذا وقع فهل يقال: يقع على المذكور ثم يسري إلى الباقي، أو هو من باب التعبير بالبعض عن الكل؟ وجهان، قال الرافعي: يشبه أن يكون الأصحّ: الأول. وتظهر فائدة الخلاف فيما لو قال: (إن دخلت الدار .. فيمينك طالق) فقطعت يمينها، ثم دخلت؛ إن قلنا: بالثاني .. طلقت، وإلا .. فلا (١). (وكذا "دمك" على المذهب) لأن به قوام البدن؛ كالروح، والطريق الثاني: وجهان: أحدهما: كذلك، والثاني: المنع؛ كالفضلات. (لا فضلة كريق وعرق) لأنها غير متصلة اتصال خلقة، فلا يلحقها حل ولا تحريم، وإنما البدن وعاء لها، والطلاق شرع لقطع الحل الثابت بالعقد، وقيل: يقع؛ كالدم. (وكذا مني ولبن في الأصح) لأنهما مهيئان للخروج؛ كالفضلات، بخلاف الدم، والثاني: الوقوع؛ كالدم؛ لأنه أصل كل واحد منهما. (ولو قال: لمقطوعة يمين: "يمينك طالق" .. لم يقع على المذهب) لأنا وإن جعلنا البعض عبارة عن الكل .. فلا بد من وجود المضاف إليه لتنتظم الإضافة، فإذا لم تكن .. لغت؛ كما لو قال لها: (لحيتكِ) أو (ذكركِ طالق)، والطريق الثاني: تخريجه على الخلاف؛ فإن جعلناه من باب التعبير بالبعض عن الكل .. وقع، أو من باب السراية .. فلا. (ولو قال: "أنا منك طالق" ونوى تطليقها .. طلقت) لأن على الزوج حجرًا من جهتها؛ فإنه لا ينكح أختها ولا أربعًا سواها، وأنه يلزمه صونها ومؤنتها، فإضافته إليه حل لهذا الحجر. (وإن لم ينو طلاقًا .. فلا) لأن اللفظ خرج عن الصراحة بإضافته إلى غير محله، فشرط فيه: ما يشترط في الكناية من قصد الإيقاع.

стр. 1627

وَكَذَا إِنْ لَمْ يَنْوِ إِضَافَتَهُ إِلَيْهَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ) .. اشْتُرِطَ نِيَّةُ الطَّلَاقِ، وَفِي الإِضَافَةِ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ قَالَ: (اسْتبرِئي رَحِمِي مِنْكِ) .. فَلَغْوٌ، وَقِيلَ: إِنْ نَوَى طَلَاقَهَا .. وَقَعَ. فَصْلٌ [في بيان محل الطلاق والولاية عليه] خِطَابُ الأَجْنَبِيَّةِ بِطَلَاقٍ، وَتَعْلِيقُهُ بِنِكَاح وَغَيْرِهِ لَغْوٌ === (وكذا إن لم ينو إضافته إليها في الأصح) لأن محل الطلاق: المرأة لا الرجل، واللفظ مضاف إليه، فلا بد من نية صارفة، تجعل الإضافة إليه إضافة إليها، والثاني: يكفي نية الطلاق، وإن لم يضفه، فإن الطلاق يقتضي رفع العقد، وإذا ارتفع العقد .. فلا حاجة للتنصيص على المحل نطقًا، أو نية. (ولو قال: "أنا منك بائن") ونحوها من الكنايات ( .. اشترط نية الطلاق) كسائر الكنايات، (وفي) نية (الإضافة) إليها (الوجهان) في (أنا منك طالق)، وقد تقدم، ولا حاجة إلى ذكره هذه المسألة بعد ذكر التي قبلها؛ لأنه إذا شرطت النية في (أنا منك طالق) وهي من الصرائح .. اشترطت في (أنا منك بائن) بطريق أولى. (ولو قال: "استبرئي رحمي منك" .. فلغو) لأن اللفظ غير منتظم في نفسه، والكناية شرطها: أن تحتمل معنيين فصاعدًا، وهي في بعض المعاني أظهر، (وقيل: إن نوى طلاقها .. وقع) ويكون المعنى: (استبرئي الرحم التي كانت لي). * * * (فصل: خطاب الأجنبية بطلاق، وتعليقه بنكاح) كقوله: (إن تزوجتها فهي طالق) (وغيره) كقوله لأجنبية: (إذا دخلت الدار .. فأنت طالق)، ثم نكحها، ثم دخلت ( .. لغو) أما المنجز .. فبالإجماع، وأما المعلق .. فلقوله ﷺ : "لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). وحمل المخالف له على الطلاق المنجز، وتصحيح التعليق يرده ما رواه الدارقطني

стр. 1628

وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَعْلِيقِ الْعَبْدِ ثَالِثَةً؛ كَقَوْلهِ: (إِنْ عَتَقْتُ أَوْ إِنْ دَخَلْتِ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا)، فَيَقَعْنَ إِذَا عَتَقَ أَوْ دَخَلَتْ بَعْدَ عِتْقِهِ. وَيَلْحَقُ رَجْعِيَّةً لَا مُخْتَلَعَةً. وَلَوْ عَلَّقَهُ بِدُخُولٍ فَبَانَتْ ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ .. لَمْ يَقَعْ إِنْ دَخَلَتْ فِي الْبَيْنُونَةِ، === عن زيد بن علي بن الحسين يسنده عن آبائه ﵃: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن أمي عرضت علي قرابة لها، فقلت: هي طالق إن تزوجتها، فقال ﷺ : "هَل كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِلْكٌ؟ " قلت: لا، قال: "لَا بَأْسَ" (١)، فإنّ هذا صريح في بطلان التعليق، فيكون الحديث الأول على عمومه. ونَاظَرَ الكسائي أبا يوسف في هذه المسألة، وتعلق بقولهم: السيل لا يسبق المطر، وتعليق العتق بالملك كتعليق الطلاق بالنكاح بلا فرق. (والأصح: صحة تعليق العبد ثالثة؛ كقوله: "إن عتقت، أو إن دخلت .. فأنت طالق ثلاثًا" فيقعن إذا عتق أو دخلت بعد عتقه) لأن ملك النكاح مفيد لملك الطلقات الثلاث بشرط الحرية، وقد وُجد، والثاني: لا يصح؛ لأنه لا يملك تنجيزها، فلا يملك تعليقها؛ كالطلاق قبل النكاح، قال الرافعي: ويجري الوجهان في قوله لأمته الحائل: (إذا ولدت .. فولدك حر) (٢)، فلو كانت حاملًا عند التعليق .. عتق قطعًا. (ويلحق) الطلاق (رجعيةً) لأنها في حكم الزوجات، قال الشافعي: الرجعية زوجة في خمس آيات في كتاب الله (٣)، يريد بذلك لحوق الطلاق، وصحة الظهار، واللعان، والإيلاء، والميراث، (لا مختلعة) لقطع الزوجية؛ إذ لو كانت زوجة .. لثبت له الرجعة، وصَحَّ إيلاؤه منها ونحوه. (ولو علقه بدخول) بصيغة (إن) ونحوها مما لا يقتضي التكرار (فبانت ثم نكحها ثم دخلت .. لم يقع إن دخلت في البينونة) حتى إذا علق الطلاق الثلاث بالدخول .. فبانت، ودخلت في البينونة، ثم دخلت بعد النكاح .. لم يقع؛ لأن اليمين تناولت

стр. 1629

وَكَذَا إِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي الأَظْهَرِ، وَفِي ثَالِثٍ: يَقَعُ إِنْ بَانَتْ بدُونِ ثَلَاثٍ. وَلَوْ طَلَّقَ دُونَ ثَلَاثٍ وَرَاجَعَ أَوْ جَدَّدَ وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ .. عَادَتْ بِبَقِيَّةِ الثَّلَاَثِ، وَإِنْ ثلَثَ .. عَادَتْ بِثَلَاثٍ. وَلِلْعَبْدِ طَلْقَتَانِ فَقَطْ، وَلِلْحُرِّ ثَلَاثٌ === دخولًا واحدًا، وقد وجد في حالة لا تقع فيها، فانحلت. (وكذا إن لم تدخل في الأظهر) لامتناع أن يريد النكاح الثاني؛ لأنه يكون تعليق طلاق قبل نكاح، فتعين أن يريدَ الأول، والأول قد ارتفع، والثاني: يقع؛ لقيام النكاح في حالتي التعليق والصفة، وتخلل البينونة لا يؤثر؛ لأنه ليس وقت الإيقاع ولا وقت الوقوع. (وفي ثالث: يقع إن بانت بدون ثلاث) لأن العائد في النكاح الثاني ما بقي من الطلقات من الأول، فتعود بصفتها وهي التعليق بالفعل المعلق عليه، بخلاف ما لو بانت بالثلاث؛ لأنه استوفى ما علق من الطلاق، والعائد طلقات جديدة. (ولو طلق دون ثلاث وراجع أو جدد ولو بعد زوج) وإصابةٍ ( .. عادت ببقية الثلاث) أما إذا لم يكن زوج .. فبالإجماع، وأما بعد الزوج .. فهو قول أكابر الصحابة، كما قاله ابن المنذر، منهم عمر ﵁ (١)، ولم يظهر لهم مخالف؛ ولأنها إصابة ليست بشرط في الإباحة، فلم تؤثر؛ كإصابة السيد أمته المطلقة ثلاثًا. (وإن ثلث .. عادت بثلاث) لأن دخول الثاني أفاد حل النكاح للأول، ولا يمكن بناؤه على العقد الأول، فثبت نكاح مستفتح بأحكامه. (وللعبد طلقتان فقط) وإن كانت الزوجة حرة؛ لأن الاعتبار في الطلاق بالزوج؛ لأنه المالك له، وعن عمر ﵁: (العبد يطلق طلقتين، وتعتد الأمة بقرئين) (٢)، وروى الدارقطني مرفوعًا: "طَلَاقُ الْعَبْدِ اثنتَانِ" (٣)، والمدبر والمكاتب والمبعض كالقن. (وللحر ثلاث) وإن كانت زوجته أمته؛ لما ذكرناه من أن اعتبار الطلاق بالرجال؛

стр. 1630

وَيَقَعُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَيَتَوَارَثَانِ فِي عِدَّةِ رَجْعِيٍّ لَا بَائِنٍ، وَفِي الْقَدِيمِ: تَرِثُهُ. فَصْلٌ [في تعدد الطلاق بنية العدد فيه أو ذكره وما يتعلق بذلك] قَالَ: (طَلَّقْتُكِ)، أَوْ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَنَوَى عَدَدًا .. وَقَعَ، وَكَذَا الْكِنَايَةُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً) وَنَوَى === ولأنه ﷺ سئل عن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أين الثالثة؟ فقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ رواه أبو داوود، وصححه ابن القطان (١)، وعمومها يشمل الأمة. (ويقع في مرض موته) كما يقع في صحته (ويتوارثان في عدة رجعي) بالإجماع؛ لبقاء أثر الزوجية (لا بائنٍ) لانقطاع الزوجية، وكما لا يرثها لو ماتت قبله بالاتفاق، (وفي القديم: ترثه) لأن عبد الرحمن بن عوف ﵁، طلق امرأته الكلبية في مرض موته، فورَّثها عثمان ﵁، رواه مالك في "الموطأ" (٢)، قال: ابن داوود والماوردي: فصولحت من ربع الثمن على ثمانين ألف، قيل: دنانير (٣)، وقيل: دراهم، وهذا القول نص عليه في الجديد أيضًا (٤)، كما قاله: القاضي أبو الطيب، والمَحاملي، وسليم الرازي، قال في "زيادة الروضة": إنما ترث على القديم إذا كانت وارثة وطلقها بغير رضاها في مرض مخوف، واتصل به الموت، ومات بسببه (٥). * * * (فصل: قال: "طلقتك"، أو "أنت طالق"، ونوى عددًا .. وقع، وكذا الكناية) أي: إذا نوى بها عددًا .. وقع؛ لأن اللفظ يحتمل العدد؛ بدليل جواز تفسيره به، وما احتمله إذا نواه .. وقع؛ كالطلاق بالكناية. (ولو قال: "أنت طالق واحدة") بالنصب؛ كما ضبطه المصنف بخطه (ونوى

стр. 1631

عَددًا .. فَوَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: الْمَنْوِيُّ. قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ وَاحِدَةٌ) وَنَوَى عَدَدًا .. فَالْمَنْوِيُّ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا) فَمَاتَتْ قَبْلَ تَمَامِ طَالِقٌ .. لَمْ يَقَعْ، أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ ثَلَاثٍ .. فَثَلَاثٌ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ، === عددًا .. فواحدة) لأن الملفوظ يناقض المنويَّ، واللفظ أقوى، فالعمل به أولى، (وقيل: المنويُّ) ومعنى (أنت واحدة) أنك تتوحدين مني بالعدد الذي أوقعته، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر"، ورجح في "أصل الروضة": الثاني، وكلام "الشرح" يشعر به، فإنه نقل الأولَ عن الغزالي وحده، والثاني عن البغوي وغيره (١)، وفي وجه ثالث: إن بسط الثلاث على جميع اللفظ .. لم يقع الثلاث، وإن نوى الثلاث بقوله: (أنت طالق) .. وقع الثلاث، ولغا ذكر الواحدة بعده، ولو قال: (أردت طلقة ملفقة من أجزاءِ ثلاثِ طلقات) .. وقع الثلاث على الصحيح، ولو قال: (أنت واحدة) بالنصب، وحذف لفظة (طالق)، قال الزركشي وغيره: الظاهر: أنه كقوله: (أنت طالق واحدة) انتهى، ويؤيده عدم الفرق بين قوله: (أنت طالق واحدة) بالرفع، وبين قوله: (أنت واحدة) بالرفع، وحذف (طالق)، كما سيأتي. (قلت: ولو قال: "أنت واحدة") بالرفع (ونوى عددًا .. فالمنوي) حملًا للتوحيد على التوحد والتفرد عن الزوج با لعدد المنوي، (وقيل: واحدة، والله أعلم) لأن لفظ الواحدة نص لا يحتمل ما زاد عليها، فإيقاع الزائد إيقاع بالنية دون اللفظ، ويجري الخلاف فيما لو قال: (أنت طالق واحدة) بالرفع، ولو قال: (واحدة) بالخفض أو السكون .. فعن " المطلب": أنه لا يبعد جريان الخلاف فيه. (ولو أراد أن يقول: "أنت طالق ثلاثًا"، فماتت قبل تمام "طالق .. لم يقع) لخروجها عن محل الطلاق قبل تمامه، (أو بعده قبل "ثلاث" .. فثلاث) لأنه كان قاصدًا للثلاث حين قال: (أنت طالق)، وهذه اللفظة مع قصد الثلاث تقتضي وقوع الثلاث؛ لأن قوله: (ثلاثًا) مبيِّن لقوله: (أنت طالق)، (وقيل: واحدةٌ) ولغى

стр. 1632

وَقِيلَ: لَا شَيْءَ === قوله: (ثلاثًا) لوقوعه بعد موتها، (وقيل: لا شيء) إذ الكلام الواحد لا يتبعض، وقد ماتت قبل تمامه. وتظهر فائدة الخلاف في المدخول بها هل يرثها أم لا؟ فعلى الأول: لا يرثها، وعلى الآخرَين: يرثها، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر" فإنه قال: إنه رُجِّحَ، ونقلا تصحيحه في "الروضة" و"أصلها" عن البغوي، ثم قالا: وقال إسماعيل البُوشَنْجي: الذي تقتضيه الفتوى: أنه إن نوى الثلاث بقوله: (أنت طالق)، وقصد تحقيقه باللفظ .. وقع الثلاث، وإلا .. فواحدة، وكذا قال المتولي في تعبيره عن هذا الوجه. انتهى (١)، قال في "التوشيح": ويظهر ترجيح ما قاله البُوشَنْجي، وكأنه تحقيق مناط، وقال الأَذْرَعي: إن كان التصوير كما ذكره البُوشَنْجي .. فلا شك في رجحان ما قاله، لكن الظاهر: أن الذي أراده الأصحاب: أنه قصد أولًا الطلاق بمجموع قوله: (أنت طالق ثلاثًا) فهذا محل الأوجه، وحينئذ يقوي وقوع طلقة؛ لأن الثلاث والحالة هذه إنما تقع بمجموع اللفظ. وذكر الموت في كلام المصنف مثال، ومثله ما إذا ارتدت، أو أسلمت قبل قوله: (ثلاثا) في غير المدخول بها، وكذا لو أخذ شخص على فمه ومنعه أن يقول: (ثلاثًا). واحترز بقوله: (ولو أراد أن يقول: "أنت طالق ثلاثًا") عما لو قال: (أنت طالق)، على عزم الاقتصار عليه، فماتت، فقال: (ثلاثًا)، قال: الإمام: لا شك أن الثلاث لا تقع بل تقع واحدة (٢)، وحاول الرافعي تخريج وجه بعدم وقوع الواحدة أيضًا. واختلفوا في قوله: (أنت طالق ثلاثًا)، كيف سبيله؟ فقيل: قوله: (ثلاثًا) منصوب بالتفسير والتمييز، قال الإمام: وهذا جهل بالعربية (٣)، وإنما هو صفة

стр. 1633

وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ) وَتَخَلَّلَ فَصْلٌ .. فَثَلَاثٌ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدًا .. فَوَاحِدَةٌ، أَوِ اسْتِئْنَافًا .. فَثَلَاثٌ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدًا وَبِالثَّالِثَةِ اسْتِئْنَافًا أَوْ عَكَسَ .. فَثِنْتَانِ، أَوْ بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الأَولَى .. فَثَلَاثٌ فِي الأَصَحِّ === لمصدر محذوف؛ أي: طالق طلاقًا ثلاثًا؛ كقوله: ضربت زيدًا شديدًا؛ أي: ضربًا شديدًا (١). (وإن قال: "أنت طالق أنت طالق أنت طالق"، وتخلل فصل .. فثلاث) سواء قصد التأكيد أم لا؛ لأنه خلاف الظاهر، ولأن التأكيد لا يكون مع الفصل، وهذا في الظاهر، أما في الباطن .. فيدين. والمراد بالفصل: أن يسكت ما فوق سكتة التنفس، وهذا في الطلاق المنجَّز، أما المعلق إذا كرره، وقال: (أردت التأكيد) .. قُبلَ منه وإن طال الفصل على الصحيح في "الروضة" و"أصلها" في آخر باب الإيلاء (٢). (وإلا) أي: وإن لم يتخلل فصل (فإن قصد تأكيدًا) أي: تأكيد الأولى بالأخريين ( .. فواحدة) لأن التأكيد في كلامهم معهود في جميع اللغات، وقد ورد به الشرع، (أو استئنافًا .. فثلاث) لأن اللفظ ظاهر فيه، وتأكد بالنية. (وكذا إن أطلق في الأظهر) عملًا بظاهر اللفظ؛ لأن حمله على فائدة جديدة أولى منه على التأكيد، والثاني: لا يقع إلا واحدة؛ لأنه يحتمل التأكيد والاستئناف، فلا يقع ما زاد على واحدة بالشك. (وإن قصد بالثانية تأكيدًا) أي: تأكيد الأولى (وبالثالثة استئنافًا، أو عكس) أي: قصد بالثانية استئنافًا، وبالثالثة تأكيد الثانية ( .. فثنتان) عملًا بقصده، (أو بالثالثة تأكيد الأولى .. فثلاث في الأصح) لتخلل الفاصل بين المؤكد والمؤكد، والثاني: طلقتان، ويغتفر الفصل اليسير.

стр. 1634

وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ) .. صَحَّ قَصْدُ تَأْكِيدِ الثَّانِي بِالثَّالِثِ، لَا الأَوَّلِ بِالْثَّانِي. وَهَذِهِ الصُّوَرُ فِي مَوْطُوءَةٍ، فَلَوْ قَالَهُنَّ لِغَيْرِهَا .. فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ قَالَ لِهَذِهِ: (إِنْ دَخَلْتِ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ) فَدَخَلَتْ .. فَثِنْتَانِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ لِمَوْطُوءَةٍ: (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَ أَوْ مَعَهَا طَلْقَةٌ) .. فَثِنْتَانِ، وَكَذَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ أَوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ) .. فَثِنْتَانِ فِي مَوْطُوءَةٍ، === (وإن قال: "أنت طالق وطالق وطالق " .. صح قصد تأكيد الثاني بالثالث) لتساويهما في الصيغة، (لا الأول بالثاني) لاختصاص الثاني بـ (واو) العطف، وموجبه التغاير. (وهذه الصور في موطوءة، فلو قالهن لغيرها .. فطلقة بكل حال) لأنها تبين بالأولى، فلا يقع ما بعدها. (ولو قال لهذه) أي: لغير المدخول بها ("إن دخلت .. فأنت طالق وطالق" فدخلت .. فثنتان في الأصح) لأنهما معلقان بالدخول، ولا ترتيب بينهما، وإنما يقعان معًا، والثاني: لا يقع إلا واحدة؛ كالمنجز. وبنى القاضي أبو الطيب والمتولي الوجهين على أن (الواو) للجمع أو للترتيب، وفي وجه ثالث: إن قدم الجزاء فقال: (أنت طالق، وطالق إن دخلت الدار) .. وقعت ثنتان، وإن عكس .. فواحدة، ولو عطف ب (ثم) بدل (الواو) .. لم يقع بالدخول إلا واحدة؛ لأن (ثم) للتراخي، وسواء قدم الشرط أو أخره؛ كما نقلاه عن المتولي وأقراه (١). (ولو قال: لموطوءة: "أنت طالق طلقة مع أو معها طلقة " .. فثنتان) لقبول المحل، وظاهره أنهما يقعان معًا، وهو الأصحُّ، وقيل: على الترتيب. (وكذا غير موطوءة في الأصح) هذا الخلاف مرتب على الخلاف السابق في الموطوءة إن قلنا: يقعان معًا .. فكذا ههنا؛ كقوله: (أنت طالق طلقتين)، وإن قلنا: بالترتيب .. لا يقع إلا واحدة؛ لأنها تبين بالأولى. (ولو قال: "طلقة قبل طلقة أو بعدها طلقة" .. فثنتان في موطوءة) إذ مقتضاه

стр. 1635

وَطَلْقَةٌ فِي غَيْرِهَا. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ أَوْ قَبْلَهَا طَلْقَةٌ) .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً فِي طَلْقَةٍ) وَأَرَادَ مَعَ .. فَطَلْقَتَانِ، أَوْ الظَّرْفَ أَوِ الْحِسَابَ أَوْ أَطْلَقَ .. فَطَلْقَةٌ، وَلَوْ قَالَ: (نِصْفَ طَلْقَةٍ فِي طَلْقَةٍ) .. فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ === إيقاع طلقتين إحداهما في الحال، وتعقبها الأخرى، فيقعان كذلك، (وطلقة في غيرها) لأنها تبين بالأولى، فلم تصادف الثانية نكاحًا. (ولو قال: "طلقة بعد طلقة، أو قبلها طلقة" .. فكذا في الأصح) أي: فتقع اثنتان في موطوءة، وواحدة في غيرها، أما الواحدة في غيرها: فواضح، وأما الاثنتان في الموطوءة .. فلأن مضمون اللفظين إيقاع طلقة تسبقها طلقة، فتقع عليه طلقتان متعاقبتان، والثاني: لا تقع إلا واحدة؛ لجواز أن يكون المعنى قبلها طلقة مملوكة أو ثابتة. وفي كيفية وقوع الاثنتين: وجهان: أصحهما: وقوع المضمنة أولًا ثم المنجزة، إذ المعنى يقتضي ذلك، وثانيهما: عكسه، ويلغو قوله قبلها؛ كما لو قال: (أنت طالق أمس) .. يقع. (ولو قال: "طلقة في طلقة"، وأراد مع .. فطلقتان) لأن لفظة (في) تستعمل بمعنى (مع)، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم، (أو الظرفَ أو الحساب أو أطلق .. فطلقة) إذ مقتضى الظرف، والحساب ذلك، وأما عند الإطلاق .. فلأنه الأقل. (ولو قال: "نصف طلقة في طلقة" .. فطلقة بكل حال) كذا هو في كثير من النسخ، وحكي عن نسخة المصنف، ولا يستقيم ذلك، فإنه يقع عند قصد المعية طلقتان، والذي في "المحرر" و"الروضة"، وبعض نسخ "المنهاج": نصف طلقة في نصف طلقة (١)، قال ابن الملقن: وقد خرجت في نسخة المصنف بغير خطه (٢). ووجه وقوع الطلقة في هذه الصورة: فيما إذا قصد الظرف أو الحساب أو أطلق

стр. 1636

وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً فِي طَلْقَتَيْنِ) وَقَصَدَ مَعِيَّةً .. فَثَلَاثٌ، أَوْ ظَرْفًا .. فَوَاحِدَةٌ، أَوْ حِسَابًا وَعَرَفَهُ .. فَثِنْتَانِ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَقَصَدَ مَعْنَاهُ .. فَطَلْقَةٌ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا .. فَطَلْقَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: ثِنْتَانِ إِنْ عَرَفَ حِسَابًا. وَلَوْ قَالَ: (بَعْضَ طَلْقَةٍ) .. فَطَلْقَةٌ، أَوْ (نِصْفَيْ طَلْقَةٍ) .. فَطَلْقَةٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ كُلَّ نِصْفٍ مِنْ طَلْقَةٍ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: (نصْفَ طَلْقَتَيْنِ) طَلْقَةٌ، === ظاهر، وأما إذا نوى المعية .. فلأنه في معنى نصفي طلقة، ولو قال ذلك .. لم يقع إلا طلقة. (ولو قال: "طلقة في طلقتين"، وقصد معيةً .. فثلاث) لما سبق في قوله: (طلقة في طلقة)، (أو ظرفًا .. فواحدة) لأن مقتضاه وقوع المظروف دون الظرف؛ كما لو قال: (أنت طالق في الدارين)، (أو حسابًا وعرفه .. فثنتان) لأنه موجبه عند أهل الحساب. (وإن جهله، وقصد معناه) عند أهل الحساب ( .. فطلقة) لأن ما لا يعلم لا يصح إرادته، (وقيل: ثنتان) لأنه موجبه عند أهل الحساب، وقد قصده، والوجهان كالوجهين فيما لو تلفظ العجمي بكلمة الطلاق، وقال: (أردت به ما يريده العربي)، وهو لا يعرف معناه. (وإن لم ينو شيئًا .. فطلقة) سواء عرف الحساب أو جهله؛ لأنه يحتمل الحساب والظرف، فلا يزاد على المستيقن، وهو طلقة، وما زاد مشكوك فيه، (وفي قول: ثنتان إن عرف حسابًا) لأن عرفه كذلك، وفي ثالث: يقع ثلاث؛ لتلفظه بها. (ولو قال: "بعض طلقة") أو نصف طلقة ( .. فطلقة) لأن الطلاق لا يتبعض، فإيقاع بعضه كإيقاع جميعه؛ لقوته، (أو "نصفي طلقة" .. فطلقة) لأن ذلك طلقة (إلا أن يريد كل نصف من طلقة) فيقع ثنتان؛ عملًا بقصده. (والأصح: أن قوله: "نصف طلقتين" طلقة) لأن ذلك نصفهما، فحمل اللفظ عليه صحيح، فلا نوقع ما زاد من غير يقين، والثاني: طلقتان؛ لأنه أضاف النصف إلى طلقتين، فقضيته: النصف من هذه، والنصف من هذه، فيقع من كل طلقة نصفها، وتكمل.

стр. 1637

وَ (ثَلَاثةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ)، أَوْ (نِصفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ) طَلْقَتَانِ. وَلَوْ قَالَ: (نِصفَ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ) .. فَطَلْقَةٌ. وَلَوْ قَالَ لِأرْبَعٍ: (أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا) .. وَقَعَ عَلَى كُلٍّ طَلْقَةٌ، === (و"ثلاثة أنصاف طلقة"، أو "نصف طلقة وتلث طلفة" طلقتان) أما في الأولى .. فلأن ثلاثة أنصاف طلقة طلقة ونصف، فيكمل النصف، ووجه مقابله فيها، وهو وقوع طلقة واحدة: أن الأجزاء المذكورة مضافة إلى طلقة، والواحدة لا تشتمل على تلك الأجزاء فتلغو الزيادة، ويصير كأنه قال: (أنت طالق نصفي طلقة أو ثلاثة أثلاث طلقة)، وفيها وجه ثالث: أنه يقع ثلاث طلقات، ويجعل كل نصف من طلقة، وضابط هذا الخلاف: أنا هل ننظر إلى المضاف أو إلى المضاف إليه. وأما في الثانية .. فلأنه أضاف كل جزء إلى طلقة وعطف، فاقتضى ذلك التغاير، ووجه مقابله فيها، وهو وقوع طلقة: أن الطلقة وإن كررت فهي محتملة للتأكيد، والأجزاء وإن كانت متغايرة فهي مضافة، والمضاف يتبع المضاف إليه، ولو لم يدخل (الواو) فقال: (أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقة) .. لم يقع إلا طلقة. وفرقوا: بأنه إذا لم يدخل (الواو) .. كان الكل بمنزلة كلمة واحدة، وإذا أدخلها .. فلكل واحدة حكمها؛ فيقع بقوله: (نصف طلقة) طلقة، وبقوله (ثلث طلقة) طلقة، ولهذا لو قال: (أنت طالق طالق) .. لم يقع إلّا واحدة، ولو قال: (أنت طالق وطالق) .. وقع طلقتان. (ولو قال: "نصف وثلث طلقة " .. فطلقة) لأن مجموع النصف والثلث لا يزيد على طلقة. (ولو قال لأربع: "أوقعت عليكن أو بينكن طلقة أو طلقتين أو ثلاثًا أو أربعًا" .. وقع على كل طلقة) لأنه إذا وزَّع ذلك عليهن .. أصاب كل واحدة منهن طلقة أو بض طلقة، فتكمل، وفي وجه شاذ، فيما زاد على قوله طلقة: أنه يقسم كل طلقة عليهن. قال ابن الملقن بعد حكايته لهذا الوجه عن "الذخائر": نعم؛ لو نوى ذلك .. عمل به؛ لأن ظاهر اللفظ يقتضي التشريك (١)، وتبعه الأَذْرَعي، وهو عجيب منهما،

стр. 1638

فَإِنْ قَصَدَ تَوْزِيعَ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَيْهِنَّ .. وَقَعَ فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ، وَفِي ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ ثَلَاثٌ، فَإِنْ قَالَ: (أَرَدْتُ بَيْنَكُنَّ بَعْضَهُنَّ) .. لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ لِأخْرَى: (أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا)، أَوْ (أَنْتِ كَهِيَ)؛ فَإِنْ نَوَى .. طَلَقَتْ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ آخَرُ ذَلِكَ لامْرَأَتِهِ. === فإنه عَيْنُ كلام المصنف الآتي. نبه عليه شيخنا الوالد أمتع الله بحياته (١). (فإن قصد توزيع كل طلقة عليهن .. وقع في ثنتين ثنتان، وفي ثلاث وأربع ثلاث) (٢) عملًا بقصده، بخلاف ما إذا أطلق؛ لبعده عن الفهم. (فإن قال: "أردت بينكن بعضهن" .. لم يقبل ظاهرًا في الأصح) لخروجه عن ظاهر اللفظ من اقتضاء الشركة، والتاني: يقبل؛ لأنه قد يطلق ويراد به: الحصر لا التشريك؛ كما يقول من اتهم واحدًا من جمع بالسرقة: السرقة بين هؤلاء؛ يريد الحصر لا التشريك. ومحل الخلاف: فيما إذا قال: (بينكن) كما مثل به المصنف، فإن قال: (عليكن) .. لم يقبل قطعًا، قاله الإمام والبغوي، لكن نازع الرافعي فيه بطرد الخلاف (٣)، وكلام المصنف قد يقتضي: أنه لو فضل بعضهن على بعض كما لو أوقع بينهن ثلاثًا ثم قال: (أردت إيقاع طلقتين على هذه، وقسمت الأخرى على الباقيات) أنه لا يقبل، وهو وجه، والأصح المنصوص: القبول؛ كما في "زيادة الروضة" (٤). (ولو طلقها ثم قال لأخرى: "أشركتك معها"، أو "أنت كهي" فإن نوى .. طلقت، وإلا .. فلا) لأن ذلك كناية، (وكذا لو قال آخر ذلك لامرأته) لما قلناه. * * *

стр. 1639

فَصْلٌ [في الاستثناء] يَصحُّ الاسْتِثْنَاءُ بِشَرْطِ اتِّصَالِهِ، وَلَا تَضُرُّ سَكْتَةُ تنَفُّسٍ وَعِيٍّ. قُلْتُ: ويُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الاسْتِثْنَاءَ قَبْلَ فَرَاغِ الْيَمِينِ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ويُشْتَرَطُ عَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ، === (فصل: يصح الاستثناء) لوقوعه في القرآن والسنة وكلام العرب، والاستثناء يطلق على نوعين، أحدهما: الإخراج بـ (إلا) وأخواتها، والثاني: التعليق بمشيئة الله تعالى، وتسمية هذا استثناء مشهور في عرف الشرع. (بشرط اتصاله) بإجماع أهل اللغة، كذا احتج به الأصوليون، واعتُرض بخلاف ابن عباس، فإن انفصل فهو لغو. (ولا تضر سكتة تنفس وعي) لأن ذلك لا يشعر بالانفصال، ويعد في العادة متصلًا قال الإمام: والاتصال المشروط هنا أبلغ مما يشترط بين الإيجاب والقبول؛ لأنه يحتمل بين كلام شخصين ما لا يحتمل بين كلام شخص واحد، ولذلك لا ينقطع الإيجاب والقبول بتخلل كلام يسير في الأصحِّ، وينقطع الاستثناء بذلك على الصحيح، كذا نقله عنه الشيخان، وأقراه (١)، وقد حكينا في أول (كتاب البيع) اضطرابًا في تخلل الكلام اليسير. (قلت: ويشترط: أن ينوي الاستثناء قبل فراغ اليمين في الأصح، والله أعلم) سواء وجد في أول اليمين فقط، أو في أثنائها فقط، أو في آخرها فقط، فلو لم يستثن إلا بعد فراغ اليمين لم يصح، وحكى الفارسي فيه الإجماع، لكن فيه وجه عن الأستاذ أبي إسحق: أنه يصح، ورجحه جمع، وقال ابن الرفعة: إن نص الشافعي يقتضيه. (ويشترط: عدم استغراقه) فالمستغرق باطل بالإجماع؛ كما نقله الإمام والآمدي (٢)، ويشترط أيضًا: التلفظ بالاستثناء بحيث يسمع نفسه، فلو نواه من غير تلفظ لم يؤثر.

стр. 1640

وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً) .. فَوَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، أَو (ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً) .. فَثَلَاثٌ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ. وَهُوَ نَفْيٌ مِنْ إِثْبَاتٍ وَعَكْسُهُ، فَلَوْ قَالَ: (ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ إِلَّا طَلْقَةً) .. فَثِنْتَانِ، أَوْ (ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ) .. فَثِنْتَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، وَقِيلَ: طَلْقَةٌ، أَوْ (خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثًا) .. فَثِنْتَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، === (ولو قال: "أنت طالق ثلاثًا إلا ثنتين وواحدة" .. فواحدة) بناء على عدم جمع العدد المعطوف بعضه على بعض في المستثنى والمستثنى منه، بل يفرد كل بحكمه، وهو المنصوص في "الأم" و"البويطي" (١)، (وقيل: ثلاث) بناء على الجمع، فيقع الثلاث؛ لكونه مستغرقًا. (أو "ثنتين وواحدة إلا واحدة" .. فثلاث) بناء على عدم الجمع، فتكون الواحدة مستثناة من واحدة، فيقع الثلاث؛ لكونه مستغرقًا، (وقيل: ثنتان) بناء على الجمع، وكأنه استثنى واحدة من ثلاث. (وهو نفي من إثبات) بالاتفاق (وعكسه) خلافًا لأبي حنيفة (٢). (فلو قال: "ثلاثًا إلا ثنتين إلّا طلقة" .. فثنتان) لأن المعنى ثلاثًا يقعن إلّا ثنتين لا تقعان إلّا واحدة تقع (أو "ثلاثًا إلّا ثلاثًا إلا ثنتين" .. فثنتان) لأنه لما عقب الاستثناء بالاستثناء .. خرج الأول عن كونه مستغرقًا، وكأنه استثنى ثلاثًا إلا اثنتين من ثلاث، فكأنه قال: ثلاثًا إلا واحدة، (وقيل: ثلاث) لأن الاستثناء الأول مستغرق لاغ، والثاني مترتب على ما هو لغو، فيلغو أيضًا، (وقيل: طلقة) لأن الاستثناء الأول فاسد؛ لاستغراقه، فينصرف الثاني إلى أصل الكلام، ويصير كأنه قال: (أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين). (أو "خمسًا إلا ثلاثًا" .. فثنتان، وقيل: ثلاث) أشار بهذا إلى أنه إذا زاد على العدد المملوك .. فهل ينصرف الاستثناء إلى الملفوظ به؛ لأنه لفظ، فيتبع فيه موجب اللفظ، أم إلى المملوك؛ لأن الزيادة عليه لغو، فلا عبرة بها، وفيه وجهان:

стр. 1641

(أَوْ ثَلَاثًا إِلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ) .. فَثَلَاثٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ)، أَوْ (إِنْ لَمْ يَشَأِ اللهُ) وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ .. لَمْ يَقَعْ، وَكَذَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ تَعْلِيقٍ وَعِتْقٍ وَيَمِينٍ === أصحهما: الأول، ومنه يعلم مأخذ الوجهين في مسألة الكتاب. (أو "ثلاثًا إلا نصف طلقة" .. فثلاث على الصحيح) لأنه إذا استثنى بعض طلقة .. بقي بعضها، ومتى بقي .. كملت، والثاني: يقع ثنتان، ويجعل استثناء النصف كاستثناء الكل، والصحيح: الأول؛ لأن التكميل إنما يكون في طريق الإيقاع؛ تغليبًا للتحريم. (ولو قال: "أنت طالق إن شاء الله"، أو "إن لم يشأ الله" وقصد التعليق .. لم يقع) أما في الأولى .. فلقوله ﵇: "مَنْ حَلَفَ ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله .. فَقَدِ اسْتَثْنَى" حسَّنه الترمذي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (١). وهو عام في الطلاق والأيمان، وفي "معرفة الصحابة" لأبي موسى الأصفهاني من رواية معدي كرب مرفوعًا: "مَنْ أَعْتَقَ أَوْ طَلَّقَ وَاسْتَثْنَى .. فَلَهُ ثنيَاهُ" (٢)، وقياسًا على التعليق بالشروط والصفات، والمعنى في عدم الوقوع: أن مشيئة الله لا تدرى، فصار الوصف المعلق عليه مجهولًا. وأما في الثانية .. فلأن عدم المشيئة غير معلوم؛ كما أن المشيئة غير معلومة؛ ولأن الوقوع بخلاف مشيئة الله تعالى محال، فأشبه قوله: (إن صعدت السماء .. فأنت طالق). واحترز بقوله: (وقصد التعليق) عما إذا قصد التبرك، أو سبقت كلمة المشيئة إلى لسانه؛ لتعوده بها، ونحو ذلك؛ فإنه يقع. (وكذا يمنع) الاستثناء (انعقاد تعليق) كقوله: (أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله)، (وعتق) كقوله: (أنت حر إن شاء الله)، (ويمين) كقوله: (والله

стр. 1642

وَنَذْرٍ وَكُلِّ تَصَرُّفٍ. وَلَوْ قَالَ: (يَا طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللهُ) .. وَقَعَ فِي الأَصحِّ، أَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) .. فَلَا فِي الأَصَحِّ. فَصْلٌ [في الشك في الطلاق] شَكَّ فِي طَلَاقٍ .. فَلَا، ... === لأفعلن إن شاء الله)، (ونذر) كقوله: (لله علي كذا إن شاء الله)، (وكل تصرف) كالبيع، والإقرار، والإجارة. وما جزم به من منع المشيئة للانعقاد حكى الرافعي في (كتاب الأيمان) فيه وجهين: أحدهما: أنها يمين منعقدة، لكن المشيئة غير معلومة، فلا نحكم بالحنث؛ للشك، والثاني: أنها ليست منعقدة أصلًا (١). (ولو قال: "يا طالق إن شاء الله " .. وقع في الأصح) ويلغو الاستثناء؛ لأنه إنما يعتاد ويعمل في الأفعال دون الأسماء، فلا يحسن قولك: (يا أسود إن شاء الله)، والثاني: لا يقع؛ لأنه إنشاء في المعنى؛ كقوله: (طلقتك)، أو (أنت طالق). وحاصل الخلاف: أنَّا هل نراعي الوضع في الاستثناء، أو نراعي المعنى المراد باللفظ، ونقيمه مقام الموضوع؟ (أو قال: "أنت طالق إلا أن يشاء الله" .. فلا في الأصح) (٢) معناه: إلا أن يشاء الله عدم تطليقك؛ فلا يقع شيء؛ لأن المشيئة لا اطلاع لنا عليها، والثاني: يقع؛ لأنه أوقعه، وجعل الخلاص بالمشيئة، وهي غير معلومة، فلا يحصل الخلاص، وصار كما لو قال: (أنت طالق إلا أن يشاء زيد)، فمات زيد، ولم يعلم مشيئته .. فإنه يقع الطلاق، وهذا ما عليه الجمهور؛ كما قاله الأَذْرَعي. * * * (فصل: شك في طلاق) أي: هل تطلق أم لا؟ ( .. فلا) يقع؛ بالإجماع.

стр. 1643

أَوْ فِي عَدَدٍ .. فَالأَقَلُّ، وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ ذَا الطَّائِرُ غُرَابًا .. فَأَنْتِ طَالِقٌ)، وَقَالَ آخَرُ: (إِنْ لَمْ يَكُنْهُ .. فَامْرَأَتِي طَالِقٌ) وَجُهِلَ .. لَمْ يُحْكَمْ بِطَلَاقِ أَحَدٍ، فَإِنْ قَالَهُمَا رَجُلٌ لِزَوْجَتَيْهِ .. طَلُقَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَزِمَهُ الْبَحْثُ وَالْبَيَانُ. وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ جَهِلَهَا .. وُقِفَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَلَا يُطَالَبُ بِبَيَانٍ إِنْ صَدَّقَتَاهُ فِي الْجَهْلِ. === (أو في عدد) أي: تحقق وقوع الطلاق، وشك في عدده ( .. فالأقل) لأنه اليقين، والأصل: عدم الزائد، (ولا يخفى الورع) في الصورتين: [وهو الأخذ بالأحوط، (١) فيراجع في الأولى إن كان له الرجعة، وإلا .. فيجدد نكاحها إن كان له فيها رغبة، وإلا .. فلينجز طلاقها؛ لتحل لغيره يقينًا، وفي الثانية: إن شك في أنه طلَّق ثلاثًا أو ثنتين .. لم ينكحها حتى تنكح زوجا غيره، وإن شك هل طلق ثلاثًا أم لم يطلق شيئًا؟ طلقها ثلاثًا لتستبيح نكاح غيره بيقين؛ كذا قاله الرافعي (٢)، وفيه نظر؛ فإنها تحل لغيره في الصورة الثانية بأي شيء أوقعه ولو طلقة. نعم؛ فائدة إيقاع الثلاث: أنه لو تزوجها بعد دخول الثاني بها وتطليقه إياها .. ملك عليها الثلاث بيقين. (ولو قال: "إن كان ذا الطائر غرابًا .. فأنت طالق"، وقال آخر: "إن لم يكنه .. فامرأتي طالق"، وجهل .. لم يحكم بطلاق أحد) لأنه لو انفرد أحدهما بما قال: لم نحكم بوقوع طلاقه؛ لجواز أنه غير غراب، والأصل: بقاء النكاح، فتعليق الآخر لا يغيِّر حكمه. (فإن قالهما رجل لزوجتيه .. طلقت إحداهما) لأنه لا بدَّ فيه من أحد الوصفين؛ إذ ليس بين النفي والإثبات واسطة، (ولزمه البحث والبيان) والامتناع عنهما إلى أن يتبيَّن الحال؛ لجواز أن يكون عنده علم منه. (ولو طلق إحداهما بعينها ثم جهلها) بنسيان ونحوه ( .. وقف) عنهما (حتى يتذكر) وجوبًا؛ لأن إحداهما حرمت عليه بالطلاق، والأخرى بالاشتباه. (ولا يطالب ببيان إن صدقتاه في الجهل) لأن الحق لهما، وإن كذبتاه أو بادرت

стр. 1644

وَلَوْ قَالَ لَهَا وَلِأجْنَبيَّةٍ: (إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ)، وَقَالَ: (قَصَدْتُ الأَجْنَبيَّةَ) .. قُبِلَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (زَيْنَبُ طَالِقٌ)، وَقَالَ: (قَصَدْتُ الأَجْنَبيَّةَ) .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: (إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ) وَقَصَدَ مُعَيَّنَةً .. طَلُقَتْ، وَإِلَّا .. فَإِحْدَاهُمَا، === واحدة وقالت: (أنا المطلقة) .. لم يقنع منه بقوله: (نسيت)، أو (لا أدري) وإن كان قوله محتملًا، بل يطالب بيمين جازمة أنه لم يطلقها، فإن نكل .. حلفت، وقضي لها. (ولو قال لها ولأجنبية: "إحداكما طالق"، وقال: "قصدت الأجنبية" .. قبل في الأصح) بيمينه، لأن اللفظ متردد بينهما، يحتمل لهذه، ويحتمل لهذه، فإذا قال: (عينتها) .. صار كما لو قال للأجنبية: (أنت طالق)، والثاني: لا يقبل؛ لأن ظاهر اللفظ ينصرف إلى المملوك شرعًا. وأفهم قوله: (قصدت الأجنبية) أنه لو لم تكن له إرادة .. تطلق زوجته، ونقلاه عن "فتاوى البغوي" (١)، قال في "المطلب": وفيه نظر، لما سبق في تعليل الأصح. (ولو قال: "زينب طالق") وهو اسم زوجته واسم الأجنبية (وقال: "قصدت الأجنبية" .. فلا) يقبل (على الصحيح) فتطلق ظاهرًا، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى. والفرق بين هذه والصورة التي قبلها: أن قوله: (إحداكما) يتناولهما تناولًا واحدًا، ولم يوجد منه تصريح باسم زوجته، ولا وصف لها، ولا إشارة بالطلاق، وههنا صرح باسمها، والظاهر: أنه أرادها، فلذلك لم يقبل قوله، والثاني: يقبل؛ كالصورة قبلها؛ لأن التسمية محتملة، والأصل: بقاء النكاح. (ولو قال لزوجتيه: "إحداكما طالق"، وقصد معينة .. طلقت) لأن اللفظ صالح لكل منهما، فإذا صرفه بالنية إلى واحدة .. انصرف. (وإلا) أي: وإن لم يقصد معينة، بل أرسل اللفظ ( .. فإحداهما) لعدم النية المميزة.

стр. 1645

وَيَلْزَمُهُ الْبَيَانُ فِي الْحَالَةِ الأُولَى، وَالتَّعْيِينُ فِي الثَّانِيَةِ، وَتُعْزَلَانِ عَنْهُ إِلَى الْبَيَانِ أَوِ التَّعْيِينِ، وَعَلَيْهِ الْبدَارُ بِهِمَا، وَنَفَقَتُهُمَا فِي الْحَالِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِاللَّفْظِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُعَيِّنْ .. فَعِنْدَ التَّعْيِينِ، === (ويلزمه البيان في الحالة الأولى، والتعيين في الثانية) لتعلم المطلقة؛ فيرتب عليها أحكام الفراق، ومحل هذا: في الطلاق البائن، أما الرجعي .. فلا يلزمه فيه بيان ولا تعيين في الحال على الأصحِّ؛ لأنها زوجة. (وتعزلان عنه إلى البيان أو التعيين) لاختلاط المحظور بالمباح (وعليه البِدار بهما) أي: بالبيان أو التعيين؛ لرفع حبسه عمن زال ملكه عنها، فلو أخر بلا عذر .. عصى وعزر، (ونفقتهما في الحال) إلى البيان أو التعيين؛ لأنهما محبوستان عليه حبس الزوجات، وإذا بيَّن أو عيَّن .. لا يسترد المصروف إلى المطلقة، قال الإمام: وهو من النوادر؛ فإنها نفقة لبائن (١). وقوله: (في الحال) قال المنكت: لم أفهم ما أراد به (٢)، وقال غيره: أشار به إلى أنها لا تؤخر إلى البيان أو التعيين؛ لأن الأصل: بقاء النكاح فيهما، فيعمل بموجبه حتى يتحقق. (ويقع الطلاق باللفظ) جزمًا إذا قصد معينة، وكذا إن لم يقصد على الأصحِّ؛ لأن لفظ الأيقاع قد وجد منجزًا، فلا بد من الحكم بالوقوع، لكن محله غير معين، فإذا عينه .. عمل لفظ الإيقاع من حينئذ، ألا ترى أنه لا يحتاج وقت التعيين إلى لفظ إيقاع جديد. (وقيل: إن لم يعين .. فعند التعيين) لأنه لو وقع قبله .. لوقع لا في المحل، والطلاق شيء معين، فلا يقع إلا في محل معين. وقد يُفْهِمُ كلامه: اعتبار العدة من اللفظ أيضًا، وهو كذلك إذا قصد معينة، أما إذا لم يقصد .. فمن التعيين على الأصحِّ، وهذا في حياة الزوجتين، وسيأتي أنهما إذا ماتتا أو إحداهما .. تبقى المطالبة بالتعيين؛ لبيان الإرث، وحينئذ فإن أوقعنا الطلاق

стр. 1646

وَالْوَطْءُ لَيْسَ بَيَانًا وَلَا تَعْيِينًا، وَقِيلَ: تَعْيِينٌ. وَلَوْ قَالَ مُشِيرًا إِلَى وَاحِدَةٍ: (هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ) .. فَبَيَانٌ، === باللفظ .. فذاك، وإن أوقعنا بالتعيين .. فلا سبيل إلى إيقاع طلاق بعد الموت، فلا بدَّ من إسناده، للضرورة، وإلى ما يسند؟ وجهان: أصحهما عند الإمام: إلى وقت اللفظ (١)، فيرتفع الخلاف، وأرجحهما عند الغزالي: إلى قبيل الموت. (والوطء ليس بيانًا) للتي قصدها؛ لأن الطلاق لا يقع بالفعل، فكذا بيانه، ولو بين الطلاق في الموطوءة .. حُدَّ إن كان الطلاق بائنًا، ويلزمه المهر؛ لجهلها كونها المطلقة، وإن بين في غيرها .. قبل، فإن ادعت الموطوءة أنه أرادها .. حلف، فإن نكل وحلفت .. طلقتا، وعليه المهر، ولا حد؛ للشبهة. (ولا تعيينًا) للموطوءة للنكاح؛ لأن ملك النكاح لا يحصل بالفعل ابتداءً، فلا يتدارك به، ولذلك لا تحصل الرجعة بالوطء، (وقيل: تعيين) لأن هذا تعيين شهوة واختيار، فصح بالوطء؛ لأنه يدل على ذلك؛ كوطء المبيعة في زمن الخيار، يجعل فسخًا من البائع وإجازةً من المشتري. وفرق الأول: بأن ملك النكاح لا يحصل بالفعل ابتداءً، فلا يتدارك بالفعل، بخلاف ملك اليمين. وترجيح الأول تبع فيه "المحرر"، وقال في "زيادة الروضة": إنه المختار، واستند إلى قول ابن الصباغ: إنه الظاهر من مذهب الشافعي؛ لأنه نص على منعه منهما، ومن يجعله تعيينًا لا يمنعه منهما، ولا ترجيح في "الشرحين" (٢)، ونقل الماوردي الثاني عن الأكثرين (٣)، وحكاه المَحاملي عن سائر الأصحاب سوى ابن أبي هريرة. وإذا جعلناه تعيينًا .. ففي كون سائر الاستمتاعات تعيينًا وجهان: بناء على الخلاف في تحريم الربيبة بذلك. (ولو قال مشيرًا إلى واحدة: "هذه المطلقة" .. فبيان) عملًا بقوله، ولو قال:

стр. 1647

أَوْ (أَرَدْتُ هَذِهِ وَهَذِهِ)، أَوْ (هَذِهِ بَلْ هَذِهِ) .. حُكِمَ بِطَلَاقِهِمَا. وَلَوْ مَاتَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ بَيَانٍ أَوْ تَعْيِينٍ .. بَقِيَمتْ مُطَالَبَته لِبَيَانِ الإِرْثِ. وَلَوْ مَاتَ .. فَالأَظْهَرُ: قَبُولُ بَيَانِ وَارِثهِ لَا تَعْيِينِهِ === (هذه الزوجة)، أو (لم أطلق هذه) .. بان الطلاق في الأخرى. (أو "أردت هذه وهذه"، أو "هذه بل هذه") وكذا هذه مع هذه ( .. حكم بطلاقهما) لأنه أَقَرَّ بطلاق الأولى ثم رجع، وأقر بطلاق الثانية، فلم يقبل رجوعه، وقبل إقراره بطلاق الثانية؛ لأنه أقر بحق غيره عليه. ولو عطف بـ (الفاء) أو بـ (ثم) .. فقال القاضي وصاحباه البغوي والمتولي: تطلق الأولى فقط؛ لأنهما للترتيب، واعترض الإمام بأنه اعترف بطلاقهما فليكن كهذه وهذه، قال الرافعي: وهذا هو الحق، وقال في "زيادة الروضة": قول القاضي أظهر، ومال في "المطلب" إلى ترجيحه، وقال في "المهمات": إنه المتجه من جهة البحث (١). وأشار المصنف بقوله: (حكم بطلاقهما) إلى أن هذا في ظاهر الحكم، وتطلق في الباطن المنوية لا غير، وهذا في الطلاق المعين، ويدل عليه قوله: (فبيان)، فأما في الطلاق المبهم .. فالمطلقة هي الأولى، سواء عطف بـ (الواو)، أو (الفاء)، أو (ثم)، أو (بل) لأنه إنشاء اختيار، وليس له اختيار إلا واحدة. (ولو ماتتا أو إحداهما قبل بيان أو تعيين) والطلاق بائن ( .. بقيت مطالبته لبيان الإرث) لأنه ثبت إرثه في إحداهما بيقين، فيوقف من مال كل منهما نصيب زوج، فإن بين في الميتة .. لم يرثها، أو في الحية .. ورث الميتة، فإن نازعه ورثتها .. حلف لهم، فإن نكل .. حلفوا ولا إرث له. (ولو مات) الزوج قبل البيان أو التعيين ( .. فالأظهر: قبول بيان وارثه لا تعيينه) لأن البيان: إخبار، وقد يقف على مراد مورثه منه أو من غيره، والتعيين: اختيار شهوة، فلم يخلفه فيه؛ كما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة، ومات قبل الاختيار،

стр. 1648

وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ غُرَابًا .. فَأمْرَأَتِي طَالِقٌ، وَإِلَّا .. فَعَبْدِي حُرٌّ) وَجُهِلَ .. مُنِعَ مِنْهُمَا إِلَى الْبَيَانِ، فَإِنْ مَاتَ .. لَمْ يُقْبَلْ بَيَانُ الوَارِثِ عَلَى الْمَذْهَبِ، بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ؛ فَإِنْ قَرَعَ .. عَتَقَ، === والثاني: يقوم مقامه فيهما؛ كما في الرد بالعيب وحق الشفعة، والثالث: المنع فيهما؛ لأن حقوق النكاح لا تورث. (ولو قال: "إن كان غرابًا .. فامرأتي طالق، وإلا .. فعبدي حر"، وجهل .. منع منهما) أي: من استخدامِ العبد والاستمتاعِ بالمرأة (إلى البيان) لأنه عُلِمَ زوال ملكه عن أحدهما، فأشبه طلاق إحدى زوجتيه، وعليه نفقتها إلى البيان، وكذا نفقته على الأصحِّ. (فإن مات .. لم يقبل بيان الوارث على المذهب) للتهمة في إخباره بالحنث في الطلاق؛ ليرق العبد، ويسقط إرث الزوجة، والطريق الثاني: فيه الخلاف في الطلاق المبهم قال السَّرَخْسي: ومحل الخلاف: ما إذا قال الوارث: حنث في الزوجة، فإن عكس .. قبل قطعًا لإضراره بنفسه، قال الرافعي: وهو حسن، زاد في "الروضة" قد قال به غير السَّرَخْسي، وهو متعين، وردَّه في "المهمات" من حيث النقل والمعنى بما فيه طول (١)، وقال البُلْقيني: ليس ما قاله السَّرَخْسي متعينًا فإن القرعة داخلة، وللعبد بها حق في العتق، وللميت حق في رقه، وإذا كان عليه دين .. فيوفى منه، ولا يقبل قول الوارث والحالة ما ذكر، فإن لم يكن هناك ما يمنع من ذلك .. تعين ما قاله السَّرَخْسي، وغيره. (بل يقرع بين العبد والمرأة) رجاء خروج القرعة على العبد؛ لتأثيرها في العتق وإن لم تؤثر في الطلاق؛ كما يصغى إلى شهادة رجل وامرأتين في السرقة؛ لتأثيرها في الضمان وإن لم تؤثر في القطع. (فإن قرع) أي: خرجت القرعة للعبد ( .. عتق) من رأس المال إن كان التعليق في الصحة، وإلا .. فمن الثلث؛ إذ هو فائدة القرعة، وترث المرأة، إلا إذا ادعت الحنث فيها، والطلاق بائن.

стр. 1649

أَوْ قَرَعَتْ .. لَمْ تَطْلُقْ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرِقُّ. فَصْلٌ [في بيان الطلاق السني والبدعي] الطَّلَاقُ: سُنِّيٌّ وَبِدْعِيٌّ، وَيَحْرُمُ الْبِدْعِيُّ، وَهُوَ ضرْبَانِ: طَلَاقٌ فِي حَيْضِ مَمْسُوسَةٍ === (أو قرعت .. لم تطلق) إذ لا مدخل لها في الطلاق، بدليل ما لو طلق إحدى امرأتيه .. لا تدخل القرعة، بخلاف العتق، فإن النص ورد بها فيه، ولكن الورع أن تترك الميراث. (والأصح: أنه لا يرق) لأن القرعة لم تؤثر فيما خرجت عليه، ففي غيره أولى، والثاني: يرق؛ لأن القرعة تعمل في العتق والرق، فكما يعتق إذا خرجت عليه .. يرق إذا خرجت على عديله، وقال شارح "التعجيز": إن جمهور النقلة قطعوا به، وقال الروياني: إنه ظاهر المذهب، وعلى هذا: يزول الإشكال، وعلى الأول: يبقى الإبهام بحاله كما كان، وقيل: لا يزال يعيد القرعة حتى يخرج العبد، وضعفه الإمام، وقال: ينبغي لقائله أن يقطع بعتق العبد، ويترك تضييع الزمان في إخراج القرعة (١). وقوله: (يرق) هو بفتح أوله وكسر ثانيه، كذا ضبطه المصنف بخطه، وصحح عليه. * * * (فصل: الطلاق: سني وبدعي) لأنه لم يزل العلماء قديمًا وحديثًا يصفونه بهما. وقضية كلامه: انقسام الطلاق إلى قسمين فقط: سني وبدعي، ولا واسطة بينهما، والمشهور: خلافه، بل طلاق الصغيرة والآيسة والتي قد استبان حملها منه وغير المدخول بها .. لا سنة فيه ولا بدعة. (ويحرم البدعي) لحصول الضرر به؛ كما سيأتي، (وهو ضربان: طلاق في حيضِ ممسوسة) بالإجماع؛ كما نقله الماوردي وغيره (٢)؛ لأن ابن عمر طلق امرأته

стр. 1650

-وَقِيلَ: إِنْ سَأَلتْهُ .. لَمْ يَحْرُمْ- وَيَجُوزُ خُلْعُهَا فِيهِ لَا أَجْنَبِيٍّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ حَيْضِكِ) .. فَسُنِّيٌّ فِي الأَصَحِّ، أَوْ (مَعَ آخِرِ طُهْرٍ) لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ .. فَبِدْعِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ === وهي حائض، فسأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاءَ .. أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ .. طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاُء" متفق عليه (١). والمعنى فيه: أن الطلاق في الحيض يطول عليها العدة، فإن بقية الحيض لا تحسب من العدة، وفي ذلك إضرار بها، والنفاس في معنى الحيض؛ لأن المعنى المحرم شامل له قاله الرافعي هنا، قال في "المهمات": وكلامه في باب الحيض يخالفه (٢). وشمل إطلاق المصنف: ما لو حاضت الحامل فطلقها، وليس كذلك؛ إذ عدتها بالوضع، وما لو طلق المولِّي وقد طولب في زمن الحيض، أو طلق القاضي عليه، أو طلق الحكمان؛ للحاجة إلى دفع الشقاق، وليس كذلك في الجميع. (وقيل: إن سألته .. لم يحرم) لرضاها بتطويل العدة، والأصحُّ: التحريم؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: للوقت الذي يشرعن في العدة. (ويجوز خلعها فيه) أي: في الحيض؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، (لا أجنبي في الأصح) لأنها لم ترض بالتطويل، ومقابله: احتمال للإمام (٣). (ولو قال: "أنت طالق مع آخر حيضك" .. فسني في الأصح) لاستعقابه الشروع في العدة، والثاني: بدعي؛ لمصادفته الحيض. (أو "مع آخر طهر" لم يطأها فيه .. فبدعي على المذهب) لأنه لا يستعقب
следующие страницы →