لَا نَاشِزَةٌ. فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِمَسْكَنٍ .. دَارَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ، وَإِنِ انْفَرَدَ .. فَالأَفْضَلُ الْمُضِيُّ إلَيْهِنَّ، وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ ذَهَابِهِ إِلَى بَعْضٍ وَدُعَاءِ بَعْضٍ، إِلَّا لِغَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ مَضى إِلَيْهَا أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهَا. وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ بِمَسْكَنِ وَاحِدَةٍ وَيَدْعُوَهُنَّ إِلَيْهِ،
===
أو طبعيٌّ (١)؛ لأن المقصود الأنس لا الوطء.
ويستثنى من إطلاق الغزالي: المعتدة عن وطء شبهة، فإنه لا قسم لها؛ لحرمة الخلوة بها، قاله المتولي، وأقراه (٢).
(لا ناشزة) كما لا نفقة لها؛ إذ لا أنس مع نشوز.
(فإن لم ينفرد بمسكن .. دار عليهن في بيوتهن) توفيةً لحق القسم، (وإن انفرد .. فالأفضل: المضي إليهن) للاتباع، وصيانةً لهُنَّ عن الخروج.
(وله دعاؤهن) إلى مسكنه، وعليهنَّ الإجابة؛ لأن ذلك حقٌّ له، ومن امتنعت .. فهي ناشزة، واستثنى الماوردي: ما إذا كانت ذات قدر وخفر، ولم تعتد البروز .. فلا يلزمها إجابته، وعليه أن يقسم لها في بيتها (٣)، قال شيخنا: وفي "النهاية" ما يشير إليه، واستغربه الروياني.
(والأصح: تحريم ذهابه إلى بعض ودعاء بعض) لما فيه من الوحشة، والثاني: لا؛ كما له المسافرة ببعض دون بعض.
وفرق الأول: بأن المسافرة تكون بالقرعة، وهي تدفع الوحشة، فإن أقرع هنا .. قال الرافعي: وجب أن يجوز (٤).
(إلا لغرض؛ كقرب مسكن من مضى إليها أو خوف عليها) ونحوهما؛ كما لو كان تحته عجوز وشابة .. فحضر بيت الشابة، ودعا العجوز؛ لأن ذلك قرينة تصرف الميل عنه والأذى عنها.
(ويحرم أن يقيم بمسكن واحدة ويدعوهن إليه) لأن إتيان بيت الضرة شاقٌّ على
стр. 1577
وَأَنْ يَجْمَعَ ضَرَّتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ إِلَّا بِرِضَاهُمَا. وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَ الْقَسْمَ عَلَى لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَالأَصْلُ اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ تَبَعٌ، فَإِنْ عَمِلَ لَيْلًا وَسَكَنَ نَهَارًا كَحَارِسٍ .. فَعَكْسُهُ
===
النفس، ولا يلزمهن الإجابة، فإن أجبن .. فلصاحبة البيت المنع وإن كان المبيت ملك الزوج؛ لأن حق السكنى فيه لها، قاله ابن داوود، فلو رضين كلهن بذلك .. جاز.
(وأن يجمع بين ضرتين في مسكن) ولو ليلة؛ لما بينهما من التباغض (إلا برضاهما) لأن الحقَّ لهما، والمراد بالمسكن: البيت الواحد، فلو كان في الدار حجرة منفردة بالمرافق، وهي لائقة بالحال .. جاز.
وكلامه يقتضي: جواز الجمع بين الحرة والسرية؛ لأن الجوهري فسر الضرة بالزوجة (١)، لكن قال الماوردي والروياني: إنهما كالحرتين، قالا: وله الجمع بين إمائه في مسكن واحد (٢).
(وله أن يرتب القسم على ليلة ويوم قبلها أو بعدها) لحصول المقصود بكل منهما.
نعم؛ تقديم الليل أولى؛ كما صرح به العراقيون، بل في "المهذب" تعينه (٣)؛ لأن الذي عليه التواريخ الشرعية أن أول الأشهر الليالي، وكلام المصنف قد يقتضي دخوله إلى صاحبة النوبة من الغروب، ويخرج من طلوع الفجر؛ لأنه الليل الشرعي، قال ابن الرفعة: والوجه: الرجوع فيه إلى العرف الغالب.
(والأصل الليل) لأن الله جعله سكنًا (والنهار تبع) لأنه وقت التردد والانتشار.
(فإن عمل ليلًا وسكن نهارًا كحارس) وأَتُّونِيّ (فعكسه) أي: فيكون النهار في حقه أصلًا، والليل تابع؛ لأن نهاره كليل غيره، هذا في الحاضر، أما المسافر .. فعماده وقت نزوله من ليل أو نهار قلَّ أو كثر، وفي المجنون المتقطع جنونه العبرة بوقت الإفاقة، ويجعل أيام الجنون كالغيبة، نصَّ عليه.
стр. 1578
وَلَيْسَ لِلأَوَّلِ دُخُولٌ فِي نَوْبَةٍ عَلَى أُخْرَى لَيْلًا إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمَخُوفِ، وَحِينَئِذٍ: إِنْ طَالَ مُكْثُهُ .. قَضَى، وَإِلَّا .. فَلاَ، وَلَهُ الدُّخُولُ نَهَارًا لِوَضْعِ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ، وَيَنْبَغِي أَلَّا يَطُولَ مُكْثُهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لاَ يَقْضِي إِذَا دَخَلَ لِحَاجَةٍ،
===
(وليس للأول) أي: من ليله أصل (دخول في نوبة على أخرى ليلًا) وإن كان لحاجة على المذهب؛ لما فيه من إبطال حق صاحبة النوبة، (إلا لضرورةٍ؛ كمرضها المخوف) وشدة الطلق، والحريق؛ لأنه عذر ظاهر، وقد يخرج ما لو احتمل ذلك، وأراد الدخول ليتبين حال المرض، والأصحُّ: الجواز.
(وحينئذ: إن طال مكثه .. قضى) من نوبتها مثله؛ لأن حق الآدمي لا يسقط بالعذر، (وإلا) أي: وإن لم يطل مكثه ( .. فلا) يقضي لقلته، وهذا إذا لم يجامع؛ فإن جامع .. قضى مثل مدة المكث، إن طال لا إن قصر، ولا يكلف الجماع على الأصحِّ في "الروضة" (١).
(وله الدخول نهارًا لوضع متاع ونحوه) كتسليم نفقةٍ، وتعرُّفِ خبرٍ، لحديث عائشة ﵁: (كان رسول الله ﷺ يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومُها فيبيت عندها) رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٢).
(وينبغي ألا يطول مكثه) على قدر الحاجة، وكذلك لا يعتاد الدخول على واحدة في نوبة الأُخْرَيات، ولا في نوبة واحدة الدخول على غيرها، كذا قالاه (٣).
وقضيته: جواز ذلك إلا أنه خلاف الأولى، لكن صرح الشيخ أبو حامد بالتحريم، وجرى عليه جمهور العراقيين.
(والصحيح: أنه لا يقضي إذا دخل لحاجة) للحديث المار، ولأن النهار تابعٌ، والثاني: أن النهار كالليل.
وقضيته: أنه يقضي إذا طال، وقضية إطلاق الشيخين: أن الصحيح: أنه لا يقضي
стр. 1579
وَأَنَّ لَهُ مَا سِوَى وَطْءٍ مِنِ اسْتِمْتَاعٍ، وَأَنَّهُ يَقْضِي إِنْ دَخَلَ بِلَا سَبَبٍ، وَلَا تَجِبُ تسْوِيَةٌ فِي الإِقَامَةِ نَهَارًا. وَأَقَلُّ نُوَبِ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَجُوزُ ثَلاَثًا، وَلَا زِيَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ
===
وإن طال، وجزم به الماوردي، لكن في "الشامل" و"المهذب" و"البيان": وجوب القضاء، ونقله ابن الرفعة عن نصِّ "الأم" (١).
(وأن له ما سوى وطء من استمتاع) للحديث المار، والمسيس محمولٌ على الجماع، والثاني: المنع؛ لإفضائه إلى الوطء، أما الوطء .. فيحرم، وفيه وجه شاذ، قال الإمام: واللائق بالتحقيق: القطع بإباحة الوطء، وصرف التحريم إلى إيقاع المعصية لا إلى ما وقعت المعصية به (٢)، وقرنه بعضهم بأن تحريم الوطء ليس لعينه بل لأمر خارج، ومن عماد القسم في حقه النهار، فنهاره كليل غيره في جميع ما تقدم؛ كما دلَّ عليه قوله: (وليس للأول).
(وأنه يقضي إن دخل بلا سبب) أي: يقضي زمن الإقامة؛ لتعديه لا أنه يقضي الاستمتاع كما يوهمه كلامه، والثاني: لا يقضي؛ لأن النهار تابع.
(ولا تجب تسوية في الإقامة نهارًا) لأنه وقت الانتشار والتردد، وقد يكثر في يوم ويقل في آخر، والضبط فيه عَسِرٌ، بخلاف الليل.
(وأقل نوب القسم ليلة) ولا يجوز تبعيضها؛ لما فيه من تنغيصِ العيش وعُسْرِ الضبط، قال في "المطلب": وفي "الأم" ما يقتضي جوازه (وهو أفضل) من الزيادة عليها؛ للاتباع.
(ويجوز ثلاثًا) وليلتين وإن لم يرضين؛ لأنها مدة قريبة (ولا زيادة على المذهب) لئلا يؤدي إلى المهاجرة والإيحاش للباقيات بطول المقام عند الضرة، اللهم؛ إلا أن يرضين بذلك، والطريق الثاني: حكاية قولين أو وجهين، وإذا جوزنا .. فقيل: يجوز إلى سبع فقط؛ لأنها تستحق في القسم لتجديد النكاح، وقيل: إلى أربعة أشهر مدة تربص المولي.
стр. 1580
وَالصَّحِيحُ: وُجُوبُ قُرْعَةٍ لِلِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ. وَلَا يُفَضِّلُ فِي قَدْرِ نَوْبَةٍ، لكِنْ لِحُرَّةٍ مِثْلَا أَمَةٍ،
===
(والصحيح: وجوب قرعةٍ للابتداء) أي: لابتداء القسم؛ تحرزًا عن الترجيح، فيبدأ بمن خرجت قرعتها، فإذا مضت نوبتها .. أقرع بين الباقيات ثم بين الأخريين، فإذا تمت النوبة .. راعى الترتيب، ولا حاجة إلى إعادة القرعة.
نعم؛ لو ظلم فبدأ بلا قرعة .. أقرع بين الباقيات، فإذا تمت النوبة .. أقرع للابتداء، وعبارة المصنف تشمله؛ لأنه الآن ابتدأ القَسْم.
(وقيل: يتخير) فيبدأ بمن شاء بلا قرعة؛ لأن له الإعراض عنهن، وما لم يبت عند واحدة .. لا يلزمه القسم، وقال في "التتمة": إنه مكروه.
(ولا يفضل في قدر نوبة) أي: لا يجوز أن يفضل امرأة على امرأة في ذلك وإن اختصت بصفات شريفة، حتى يساوي بين المسلمة والكافرة؛ لأن القسم شُرعَ للعدل واجتناب التفضيل المفضي للوحشة، (لكن لحرة مثلا أمة) لحديث فيه مرسل (١)، وعضده الماوردي بأنه روي عن علي ﵁؛ كما رواه الدارقطني (٢)، ولا يعرف له مخالف فكان إجماعًا (٣).
وخالف حق الزفاف؛ إذ الغرض فيه زوال الحشمة، وهما فيه سواء، وسواء المدبرة والمكاتبة والمبعضة وأم الولد؛ كما قاله الماوردي وغيره (٤)، ويتصور اجتماع الحرة والأمة في نكاح العبد، وفي الحر بأن ينكح أمة بشرطه، ثم ينكح عليها حرة أو تكون تحته حرة لا تصلح للاستمتاع وجوزنا له نكاح الأمة كما سبق.
وهذا إذا استحقت الأمة النفقة بأن سلَّمها السيد ليلًا ونهارًا، أو ليلًا وقلنا: باستحقاقها النفقة، أما إذا قلنا: بعدم استحقاقها، وهو الأصحُّ .. فلا قسم لها.
стр. 1581
وَتُخَصُّ بِكْرٌ جَدِيدَةٌ عِنْدَ زَفَافٍ بِسَبْعٍ بِلاَ قَضَاءٍ، وَثَيِّبٌ بِثَلاَثٍ، وَيُسَنُّ تَخْيِيرُهَا بَيْنَ ثَلاَثٍ بِلاَ قَضَاءٍ، وَسَبْعٍ بِقَضَاءٍ
===
وهذا إذا لم يطرأ العتق، فإن عتقت قبل تمام نوبتها .. التحقت بالحرة، فلو لم تعلم بالعتق حتى مرت عليها أدوار، وهو يَقسِمُ لها قَسْمَ الإماء، قال الماوردي: يستقبل التسوية من حين العلم، ولا يقضي لها ما مضى (١)، قال في "المطلب": والقياس: أن يقضي لها، وكلامه يوهم جواز ليلتين لها إذا كان للحرة أربعة، وليس كذلك بل الشرط ليلة لها وليلتان للحرة، ولا تجوز الزيادة على ذلك؛ لئلا يزاد القسم على ثلاث أو ينقص عن ليلة، وهما ممتنعان كما تقدم.
(وتخص) وجوبًا (بكر جديدة) ولو أمة على الأصحِّ (عند زفاف بسبع) ولاءً (بلا قضاء، وثيب) بنكاح أو زنًا أو وطء شبهة لا بمرض ووَثْبَة على الأصح (بثلاث) ولاءً بلا قضاء؛ لحديث: "سَبْعٌ لِلْبِكْرِ، وَثَلاَثٌ لِلثَّيِّبِ" صححه ابن حبان (٢).
وهو مؤيد برواية البخاري عن أنس: (من السنة إذا تزوج البكر على الثيب .. أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر .. أقام عندها ثلاثًا ثم قسم) (٣).
وقول الصحابي: (من السنة) في حكم المرفوع، والمقصود منه: أن ترتفع الحشمة، ويحصل الأنس، وخصت البكر بزيادة؛ لأن حياءها أكثر، والثلاث مدة مغتفرة في الشرع، والسبع؛ لأنها أيام الدنيا، وما زاد عليها يتكرر.
(ويسن تخييرها) أي: الثيب (بين ثلاث بلا قضاء، وسبع بقضاء) لقوله ﷺ لأم سلمة حين تزوج بها: "إِنْ شِئْتِ .. سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ، وَإِنْ شِئْتِ .. ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ" قالت: ثلِّث (٤).
فإن اختارت السبع، وأجابها .. قضى السبع للباقيات، وإن أقام السبع بغير اختيارها .. لم يقض إلا الأربع الزائدة على المذهب.
стр. 1582
وَمَنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ .. نَاشِزَةٌ، وَبِإِذْنِهِ لِغَرَضِهِ .. يَقْضِي لَهَا، وَلِغَرَضِهَا .. لَا فِي الْجَدِيدِ. وَمَنْ سَافَرَ لِنُقْلَةٍ .. حَرُمَ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضهُنَّ. وَفِي سَائِرِ الأَسْفَارِ الطَّوِيلَةِ -وَكَذَا الْقَصِيرَةُ فِي الأَصَحِّ- يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ،
===
(ومن سافرت وحدها بغير إذنه .. ناشزة) فلا قسم لها سواء أكان في حاجته أم في حاجتها.
نعم؛ لو كانت أمة وسافر بها السيد بعد أن بات عند الحرة ليلتين .. لم يسقط حقها من القسم، وعلى الزوج قضاء ما فات عند التمكن؛ لأن الفوات حصل بغير اختيارها، قاله المتولي، وأقراه (١).
(وبإذنه لغرضه) كما إذا أرسلها في شغله (يقضي لها) للإذن وغرضه، فهي كمن عنده وفي قبضته، (ولغرضها) كحج وعمرة وتجارة (لا في الجديد) أي: لا يقضي لها؛ لأنها ليست في قبضته، وفائدة الإذن: دفع الإثم، والقديم: نعم؛ لأنها سافرت بإذنه فصار كما لو سافرت بإذنه؛ لحاجته أو معه.
(ومن سافر لنُقلة .. حرم أن يستصحب بعضهن) دون بعض بقرعة ودونها؛ كما لا يجوز حضرًا، فإن فعل .. قضى للمتخلفات، وقيل: لا يقضي مدة السفر إن أقرع، ولو نقل بعضهن بنفسه وبعضهن بوكيله .. قضى لمن مع الوكيل في الأصحِّ إن أقرع، وإلا .. وجب قطعًا.
وكلامه قد يفهم: أنَّ له ترك الكل، وبه صرح المتولي، لكن صرح الغزالي بعدم الجواز، ونقله في "البسيط" عن الأصحاب؛ لما في ذلك من قطع أطماعهن من الوقاع، فأشبه الإيلاء بخلاف ما لو تمنع عن الدخول عليهن، وهو حاضر؛ لأنه لا ينقطع رجاؤهن.
(وفي سائر الأسفار الطويلة -وكذا القصيرة في الأصح- يستصحب بعضهن بقرعه) لأنه ﷺ (كان إذا أراد سفرًا .. أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها .. خرج بها معه) متفق عليه (٢).
стр. 1583
وَلَا يَقْضِي مُدَّةَ سَفَرِهِ، فَإِنْ وَصَلَ الْمَقْصِدَ وَصَارَ مُقِيمًا .. قَضَى مُدَّةَ الإِقَامَةِ، لَا الرُّجُوعِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا .. لَمْ يَلْزَمِ الزَّوْجَ الرِّضَا، فَإِنْ رَضِيَ وَوَهَبَتْ لِمُعَيَّنَةٍ .. بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَتَيْهِمَا،
===
والثاني: يمتنع في القصير؛ لأنه في حكم الإقامة، وليس للمقيم أن يخصص بعضهن بالقرعة، وقضية إطلاقه السفر: أنه لا يشترط كونه مباحًا لكن نقلا عن الغزالي اشتراط كونه مُرَخَّصًا، وتوقفا فيه (١)، قال الزركشي: ولا وجه للتوقف، فقد صرح به القفال في "محاسن الشريعة".
(ولا يقضي) للمقيمات (مدة سفره) لأنه لم ينقل، والمعنى فيه: أن المستصحبة وإن فازت بصحبته .. فقد لحقها من تعب السفر ومشقته ما يقابل ذلك، والمقيمة وإن فاتها حظها من الزوج .. فقد ترفهت بالدَّعة والإقامة؛ فتقابل الأمران فاستويا.
(فإن وصل المقصد) بكسر الصاد (وصار مقيمًا .. قضى مدة الإقامة) لخروجه عن حكم السفر، هذا إذا كان يساكنها؛ فإن اعتزلها مدة الإقامة .. لم يقض، جزم به في "الحاوي" (٢) (لا الرجوع في الأصح) لأنه خرج بقرعة فصار كمدة الذهاب، والثاني: يقضي؛ لأن السفر قد انقطع بالإقامة، والرجوع في معنى سفر جديد بلا قرعة.
(ومن وهبت حقها .. لم يلزم الزوج الرضا) لأنها لا تملك إسقاط حقه من الاستمتاع.
(فإن رضي ووهبت لمعينة .. بات عندها ليلتيهما) لأن سودة وهبت نوبتها لعائشة ﵄، فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومها ويومَ سودة، متفق عليه (٣).
وقضيته: أنه لا يشترط رضا الموهوب لها، وهو الصحيح، وليس لنا هبةٌ يقبل فيها غير الموهوب له مع تأهله للقبول إلا هذه.
стр. 1584
وَقِيلَ: يُوَالِيهِمَا، أَوْ لَهُنَّ .. سَوَّى، أَوْ لَهُ .. فَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَقِيلَ: يُسَوِّي.
فصلٌ [في بعض أحكام النشوز وسوابقه ولواحقه]
ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا .. وَعَظَهَا بِلَا هَجْرٍ. فَإِنْ تَحَقَّقَ نُشُوزٌ وَلَمْ يَتكَرَّرْ .. وَعَظَ وَهَجَرَ فِي الْمَضْجِعِ،
===
(وقيل: يواليهما) لأنه أسهل عيه، والمقدار لا يختلف، والصحيح: أنه يقسم كلًّا في وقتها كما كان، ولا يواليهما؛ لما فيه من تأخر حق من بين الليلتين؛ ولأن الواهبة قد ترجع بين الليلتين، والموالاة تفوِّت حقَّ الرجوع عليها، قال ابن الرفعة: وهذا إنما يتم إذا كانت ليلة الواهبة متأخرة، فإن كانت متقدمة وأراد تأخرها .. اتجه الجواز قطعًا (١).
(أو لهن .. سوى) لأنه ليست واحدة بالتخصيص أولى من غيرها، (أو له .. فله التخصيص) لأنها جعلت الحقَّ له؛ فيضعه حيث شاء، (وقيل: يسوي) فيجعل الواهبة كالمعدومة؛ لأن التخصيص يورث الإيحاش، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأشبه.
* * *
(فصل: ظهرت أمارات نشوزها) في قول؛ كخشونة جواب بعد لين، أو فعل؛ كتعبيس بعد إقبال وطلاقة (وعظها) بـ (اتقي الله في حقي عليكِ) (بلا هجر) لاحتمال ألَّا يكون نشوزًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.
(فإن تحقق نشوز ولم يتكرر .. وعظ وهجر في المضجع) بفتح الجيم، والمراد: أن يهجر فراشها فلا يضاجعها فيه، واحترز بالهجران في المضجع: عن الهجران في الكلام؛ فإنه حرامٌ فيما زاد على الثلاث.
هذا إذا كان لغير عذر، فإن كان عذر شرعي؛ بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق ونحوهما، أو كان فيه صلاحٌ لدِين الهاجر أو المهجور .. لم يحرم، قاله في "زوائد الروضة" (٢).
стр. 1585
وَلَا يَضْرِبُ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: يَضْرِبُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ تَكَرَّرَ .. ضَرَبَ. فَلَوْ مَنَعَهَا حَقَّهَا كَقَسْمٍ وَنَفَقَةٍ .. أَلْزَمَهُ الْقَاضِي تَوْفِيَتَهُ، فَإِنْ أَسَاءَ خُلُقَهُ وَآذَاهَا بِلَا سَبَبٍ .. نَهَاهُ، فَإِنْ عَادَ .. عَزَّرَهُ
===
(ولا يضرب في الأظهر) لأن الجناية لم تتأكد بالتكرر، وهذا ما رجحه جمهور العراقيين وغيرهم، وحكاه الماوردي عن الجديد (١)، وقوَّاه السبكي، واختاره الأَذْرَعي، (قلت: الأظهر: يضرب، والله أعلم) كما لو أصرَّت عليه، وصححه المصنف في "تصحيح التنبيه" (٢)، وقال في "الروضة": إنه المختار؛ لظاهر القرآن (٣)، قال السبكي: وما قاله في "الروضة" فيه نظر؛ لأن ظاهر القرآن إباحة ذلك في المرتبة الأولى، كما حكاه عن ابن كَجٍّ والحناطي، وهو لم يقل به، فالأكثرون جعلوا الثلاثة المأمور بها مرتبة على أحوالها الثلاث على خلاف الظاهر، فيكون المعنى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ فإن نشزن .. فاهجروهن، فإن أصررن .. فاضربوهن؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، وقد وافق المصنف الجمهور على عدم الضرب في المرتبة الأولى، ولم يقل: بالظاهر؛ فوافق الظاهر في شيء دون شيء.
(فإن تكرر .. ضرب) ضربًا غير مبرح إذا ظنَّ أن الضرب يصلحها، والمبرح: هو الشاق شديد الألم، للآية، وذلك مع الوعظ والهجران، وإذا ضرب .. فلا يبلغ به حدًّا، قال الشيخ عز الدين: وليس لنا موضع يضرب المستحق من منعه حقه غير هذا، والعبد يمتنع من حق سيده.
(فلو منعها حقها؛ كقسم ونفقة .. ألزمه القاضي توفيته) إذا طلبته؛ لعجزها عنه، بخلاف نشوزها، فإن له إجبارها على إيفاء حقه؛ لقدرته.
(فإن أساء خلقه وآذاها بلا سبب .. نهاه، فإن عاد .. عزره) إذا طلبت؛ لتعديه عليها، وظاهر كلامه: أنه لا يحال بينهما، وبه صرح الروياني، وقال الغزالي:
стр. 1586
فَإِنْ قَالَ كُلٌّ: إِنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَدٍّ .. تَعَرَّفَ الْقَاضِي الْحَالَ بِثِقَةٍ يَخْبُرُهُمَا وَمَنَعَ الظَّالِمَ، فَإِنِ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ .. بَعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، وَهُمَا وَكِيلاَنِ لَهُمَا، وَفِي قَوْلٍ: مُوَلَّيَانِ مِنَ الْحَاكِمِ،
===
يحال بينهما حتى يعود إلى العدل، وتبعه في "الحاوي الصغير" (١)، وزعما تفرُّدَ الغزالي به، واعترضه في "المهمات" بتصريح الإمام به (٢).
(فإن قال كل: إن صاحبه متعد .. تعرف القاضي الحال بثقة يَخبُرهما) إن كان في جوارهما خبير بهما، فإن لم يكن .. أسكنهما بجنب ثقة يبحث عن حالهما، ويُنهيها إليه؛ لأنه يعسر إقامة البينة على ذلك.
وتعبيره بالثقة يوهم: عدم اشتراط العدالة، لكن الرافعي قال: كذا أطلقوه، وظاهره: الاكتفاء بقول عدل واحد، ولا يصفو ذلك عن الشبهة. انتهى (٣)، وهو صريح في اعتبارهم العدالة دون العدد، وبه صرح في "التهذيب" و"الشافي" (٤).
(ومنع الظالم) من ظلمه، وطريقه في الزوج: ما سلف، وفي الزوجة: الزجر والتأديب.
(فإن اشتد الشقاق) أي: الخلاف والعداوة ( .. بعث حكمًا من أهله، وحكمًا من أهلها) للآية، وظاهره: وجوب البعث، وهو ما صححه في "زيادة الروضة" (٥)، لكن في "البحر" عن الشافعي: الاستحباب، وهو قضية "الشرح الصغير"، وصححه في "المهمات"؛ لنصِّ إمام المذهب عليه (٦)، ولا يشترط كونهما من أهل الزوجين، لكن أهلهما أولى.
(وهما وكيلان لهما) لأن البضع حق الزوج، والمال حق الزوجة، وهما رشيدان، فلا يولَّى عليهما، (وفي قول: موليان من الحاكم) لأن الله تعالى سمَّاهما
стр. 1587
فَعَلَى الأَوَّلِ: يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا، فَيُوَكِّلُ حَكَمَهُ بِطَلاَقٍ وَقَبُولِ عِوَضِ خُلْعٍ، وَتُوَكِّلُ حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ وَقَبُولِ طَلاَقٍ بِهِ.
===
حكمين، ولا امتناع أن يثبت على الرشيد الولاية عند الامتناع من أداء الحقوق؛ كالمفلس.
(فعلى الأول: يشترط رضاهما، فيوكل حكمه بطلاق وقبول عوض خلع، وتوكل حكمها ببذل عوض وقبول طلاق به) كسائر الوكلاء، وعلى الثاني: لا يشترط رضاهما في ذلك، ويحكمان بما يرياه مصلحة من الجمع والتفريق (١).
ويشترط في المبعوثين: التكليف، وكذا العدالة، والحرية، والإسلام، والاهتداء إلى ما هو المقصود من بعثهما على الأصحِّ في الكل، ويشترط: الذكورة، إن قلنا: حكمان، وإن قلنا: وكيلان .. قال الحناطي: لا يشترط في وكيلها، وفي وكيله: وجهان.
* * *
стр. 1588
كتابُ الخُلْع
هُوَ فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ بِلَفْظِ طَلاَقٍ أَوْ خُلْعٍ. شَرْطُهُ: زَوْجٌ يَصِحُّ طَلاَقُهُ، فَلَوْ خَالَعَ عَبْدٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ .. صَحَّ وَوَجَبَ دَفْعُ الْعِوَضِ إِلَى مَوْلاَهُ وَوَلِيِّهِ
===
(كتاب الخلع)
هو مأخوذ من الخَلْع، وهو النزع؛ لأن الله تعالى سمَّى كلًّا من الزوجين لباسًا للآخر، فهو بالخلع خالع له، وهو مجمع على جوازه.
(هو فرقة بعوض) يبذل للزوج، كذا فسره ابن عباس (١)، واشتهر على ألسنة حملة الشرع (بلفظ طلاق أو خلع) أي: لفظ يقع به الطلاق صريحًا كان أو كناية.
(شرطه: زوج يصح طلاقه) لأن الخلع طلاق، فلا يصح من صبي ومجنون ومكره.
(فلو خالع عبدٌ أو محجورٌ عليه بسفه .. صح) بإذن ودونه، بمهر المثل أو أقل؛ إذ لكل منهما أن يطلق مجّانًا فبعوض .. أولى.
(ووجب دفع العوض إلى مولاه) أي: مولى العبد؛ كأكسابه، ويستثنى: المكاتب؛ فإنه يجب التسليم إليه؛ لاستقلاله، وكذلك المبعض المهايأ إذا قلنا بدخول الكسب النادر في المهايأة، وخالع في نوبة نفسه، وإلا دفعت إليه ما يخصه، (ووليه) أي: ولي السفيه؛ كسائر أمواله.
نعم؛ لو دُفع إلى السفيه بإذن وليه .. ففي الاعتداد بقبضه وجهان؛ أصحهما: الاعتداد.
وما أطلقه المصنف وغيره من وجوب الدفع إلى الولي قيده الدِّزْمَارِي تبعًا للروياني والماوردي بما إذا كان على عوض في الذمة.
[فإن قيده بالدفع إليه؛ كقوله: (إن دفعتِ إليَّ هذا العبدَ فأنتِ طالق) .. جاز للزوجة الدفع إليه] (٢) ولا تدفع إلى وليه.
стр. 1589
وَشَرْطُ قَابِلِهِ: إِطْلاَقُ تَصَرُّفِهِ فِي الْمَالِ: فَإِنِ اخْتَلَعَتْ أَمَةٌ بِلاَ إِذْنِ سَيِّدٍ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنِ مَالِهِ .. بَانَتْ، وَلِلزَّوْجِ فِي ذِمَّتِهَا: مَهْرُ مِثْلٍ فِي صُورَةِ الْعَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهَا، وَفِي صُورَةِ الدَّيْنِ: الْمُسَمَّى، وَفِي قَوْلٍ: مَهْرُ مِثْلٍ. وَإِنْ أَذِنَ وَعَيَّنَ عَيْنًا لَهُ أَوْ قَدَّرَ دَيْنًا فَامْتَثَلَتْ .. تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ وَبِكَسْبِهَا فِي الدَّيْنِ،
===
وفرق بوجهين: أحدهما: أنَّ ما في الذمة ملكه قبل الدفع، وهنا لا يملكه إلا به، فلم تضمنه؛ لأنه ما تعلق بذمتها، ولم يملكه إلا بقبضه منها، الثاني: أنها لو دفعت إلى وليه .. لم تطلق، لعدم وجود المعلق عليه.
(وشرط قابله: إطلاق تصرفه في المال) لأن الاختلاع التزام للمال.
(فإن اختلعت أمة بلا إذن سيد بدين أو عين ماله .. بانت) لوقوعه بعوض فاسد؛ كالخلع على خمر، هذا إذا نجز الطلاق؛ فإن قيده بتمليك تلك العين .. لم تطلق، نبه عليه الماوردي، وهو ظاهر.
(وللزوج في ذمتها: مهر مثل في صورة العين) لأنه المَرد حينئذ، (وفي قول: قيمتها) إن كانت متقومة، وإلا .. فمثلها.
(وفي صورة الدين: المسمَّى) كما يصح التزام الرقيق بطريق الضمان، ويتبع به بعد العتق، وهذا ما صححه في "أصل الروضة" (١)، (وفي قول: مهر مثل) كما لو تزوج العبد بغير إذن سيده ووطئ .. فإن الواجب: مهر المثل، وهذا ما صححه في "المحرر" و"الشرح الصغير"، وكلام "الكبير" محتمل (٢)، فالذي فهمه منه السبكي ترجيح وجوب المُسمَّى، والذي فهمه منه الأَذْرَعي ومن تبعه ترجيح وجوب مهر المثل كـ"المحرر" (٣)، فما رجحه في "الكتاب" مخالفٌ لما في أصله من غير تنبيه.
(وإن أذن) وهو مطلق التصرف (وعين عينًا له أو قدر دينًا فامتثلت .. تعلق بالعين وبكسبها في الدين) وبما في يدها من مال التجارة إن كانت مأذونة [؛ لمهر العبد في
стр. 1590
وَإِنْ أَطْلَقَ الإِذْنَ .. اقْتَضَى مَهْرَ مِثْلٍ مِنْ كَسْبِهَا. وَإِنْ خَالَعَ سَفِيهَةً، أَوْ قَالَ: (طَلَّقْتُكِ عَلَى أَلْفٍ) فَقَبِلَتْ .. طَلُقَتْ رَجْعِيًّا، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ .. لَمْ تَطْلُقْ. وَيَصِحُّ اخْتِلاَعُ الْمَرِيضَةِ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الْثُّلُثِ إِلَّا زَائِدٌ عَلَى مَهْرِ مِثْلٍ، وَرَجْعِيَّةٍ فِي الأَظْهَرِ،
===
النكاح المأذون فيه، وإن لم تكن مكتسبة ولا مأذونة .. ] (١) ففي ذمتها تتبع به بعد عتقها ويسارها.
(وإن أطلق الإذن) فلم يذكر عينًا ولا دينًا ( .. اقتضى مهر مثل من كسبها) كما لو أذن لعبده في النكاح، فإن زادت عند الإطلاق على مهر المثل، أو على المُعيَّن في صورة التعيين .. تعلقت الزيادة بذمتها تتبع بها بعد العتق.
(وإن خالع سفيهة) محجورًا عليها (أو قال: "طلقتك على ألف" فقبلت .. طلقت رجعيًّا) إن كان بعد الدخول؛ لعدم ثبوت المال، فإنها لا تتصرف فيه، وسواء خالعت بعين أو دين، بإذن الولي أو دونه، وليس للولي صرف مالها في ذلك، هذا إذا لم يعلق الطلاق على شيء، أما لو قال لها: (إن أبرأتني من دينك .. فأنت طالق)، فقالت في الحال: (أبرأتك) .. لم يقع الطلاق، صرح به الخوارزمي؛ كما نقله البُلْقيني واعتمده، وهو واضح؛ لعدم وجود الصفة المعلق عليها وهي الإبراء.
(فإن لم تقبل .. لم تطلق) لأن الصيغة تقتضي القبول، فأشبه الطلاق المعلق على صفة، فلا بدَّ من حصولها.
(ويصح اختلاع المريضة مرض الموت) لأن لها صرف مالها في أغراضها وملاذها، بخلاف السفيه، (ولا يحسب من الثلث إلا زائد على مهر مثل) لأن الزائد تبرع؛ كالوصية للمخالع، ولا يكون كالوصية للوارث؛ لخروجه بالخلع عن الإرث إلا أن يكون وارثًا بجهة أخرى غير الزوجية؛ كابن عم مثلًا.
(ورجعية) أي: يصح اختلاع رجعية (في الأظهر) لأنها في حكم الزوجات، والثاني: لا؛ لعدم الحاجة إلى الافتداء؛ لجريانها إلى البينونة.
стр. 1591
لَا بَائِنٍ. وَيَصِحُّ عِوَضُهُ قَلِيلًا وَكَثِيرًا دَيْنًا وَعَيْنًا وَمَنْفَعَةً. فَلَوْ خَالَعَ بِمَجْهُولٍ أَوْ خَمْرٍ .. بَانَتْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: بِبَدَلِ الْخَمْرِ. وَلَهُمَا التَّوْكِيلُ، فَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: (خَالِعْهَا بِمِئَةٍ) .. لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا،
===
(لا بائن) بخلع أو غيره؛ إذ لا يملكها بضعَها حتى يزيله (١)، وحكى الماوردي فيه: إجماع الصحابة.
(ويصح عوضه قليلًا وكثيرًا، دينًا وعينًا ومنفعة) إذا كان متمولًا معلومًا مقدورًا على تسليمه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ولأنه عقد على منفعة البضع فجاز بما ذكرناه؛ كالصداق.
(فلو خالع بمجهول) كثوب غير معيَّن ولا موصوف (أو خمر .. بانت بمهر المثل، وفي قول: ببدل الخمر) هما القولان المتقدمان في مسألة الصداق، وقد سبق ما فيهما.
ومحل البينونة: إذا لم يكن فيه تعليق، أو علَّق بإعطاء مجهول يمكن إعطاؤه مع الجهالة، أما إذا قال: (إن أبرأتني من صداقكِ أو من دينكِ .. فأنت طالق)، فأبرأته وهي جاهلة به .. لم تطلق؛ لأن الإبراء لم يصح، فلم يوجد ما علق عليه الطلاق، قاله السبكي، وهو المعتمد، وكلام الماوردي يوافقه، وفي كلام القفال ما يدل عليه؛ خلافًا لما وقع في كلام ابن الصلاح، وجرى عليه في "الأنوار"، فقال: ولو قال: (إن برئت .. فأنت طالق) فأبرأته جاهلة .. لم يقع الطلاق، بخلاف: (إن أبرأتني) (٢).
(ولهما التوكيل) لأنه عقد معاوضة؛ كالبيع، (فلو قال لوكيله: "خالعها بمئة") من الدراهم من نقد معلوم ( .. لم ينقص منها)؛ لأنه دون المأذون فيه، وأفهم: جواز الزيادة، وهو كذلك إن كانت من جنسها قطعًا، كمئة وعشرة، وكذا من غيره على الأصحِّ؛ كمئة وثوب، قال في "التنقيح": وكان ينبغي ألا يصح؛ كـ (بعته من زيد بألف) لأنه قد يقصد محاباته.
стр. 1592
وَإِنْ أَطْلَقَ .. لَمْ يَنْقُصْ عَنْ مَهْرِ مِثْلٍ، فَإِنْ نَقَصَ فِيهِمَا .. لَمْ تَطْلُقْ، وَفِي قَوْلٍ: يَقَعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ
===
وفرق البُلْقيني بينهما: بأن الزوجة متعينة؛ أبدًا، بخلاف المشتري، فإذا عينه .. ظهر قصد محاباته، وفرق غيره: بأن الخلع ليس المقصود الأعظم منه المالية بل الفراق وقد حصل، فإذا زاد الوكيل لا يعد مخالفًا، ولم يضر، بخلاف البيع؛ فإن مقصوده المالية، فإذا زاد .. عدّ مخالفًا فلا يصح، ورجح هذا بأن الخلع يقع غالبًا عن شقاق، ومع ذلك يبعد قصد المحاباة.
(وإن أطلق .. لم ينقص عن مهر مثل) وله أن يزيد عليه؛ كما لو أطلق الأذن في البيع، وصورة الإطلاق: أن يقول: (خالعها بمال) ونحو ذلك، أو يقول: (خالعها) وقلنا: مطلق الخلع يقتضي المال، فإن قلنا: لا يقتضيه .. فلا بدَّ من ذكر المال.
(فإن نقص فيهما) أي: في المقدر عنه وفي المطلق عن مهر المثل ( .. لم تطلق) للمخالفة؛ كما لا ينفذ بيعه في مثل هذا، (وفي قول: يقع بمهر المثل) لأن الخلل في العوض لا يمنع الوقوع كخلع الزوج على عوض فاسد، وما رجحه تبع فيه "المحرر" (١)، لكن صحح في "أصل الروضة" و"تصحيح التنبيه" في حالة الإطلاق: أنه يقع بمهر المثل (٢)، ونقله الرافعي عن الأكثرين، وعبارته في "الشرح الكبير": رجَّح البغوي عدم الوقوع، وكأنه أقوى توجيهًا لكن العراقيون والروياني وغيرهم رجَّحوا الوقوع. انتهى (٣)، واختاره السبكي، وقال في "المهمات": إن الفتوى عليه؛ استنادًا للأكثرين (٤)، واتفقوا على ترجيح عدم الوقوع في صورة التقدير، والفرق: أن المخالفة في حالة التقدير صريحة، فلا يكون المأتي به مأذونًا فيه، بخلاف النقصان حالة الإطلاق؛ فإنه لا يخالف صريح قوله، واللفظ مطلق يشمل مهر المثل وغيره، وللطلاق قوة وغلبة؛ فعموم اللفظ يقتضي وقوعه، وأثر
стр. 1593
وَلَوْ قَالَتْ لِوَكِيلِهَا: (اخْتَلِعْ بِأَلْفٍ) فَامْتَثَلَ .. نَفَذَ، وَإِنْ زَادَ فَقَالَ: (اخْتَلَعْتُهَا بِأَلْفَيْنِ مِنْ مَالِهَا بِوَكَالَتِهَا) .. بَانَتْ وَيَلْزَمُهَا مَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: الأَكْثَرُ مِنْهُ وَمِمَّا سَمَّتْهُ. وَإِنْ أَضَافَ الْوَكِيلُ الْخُلْعَ إِلَى نَفْسِهِ .. فَخُلْعُ أَجْنَبِيٍّ وَالْمَالُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ عَلَيْهَا مَا سَمَّتْ وَعَلَيْهِ الزِّيَادَةُ
===
المخالفة يظهر في العوض.
(ولو قالت لوكيلها: "اختلع بألف" فامتثل .. نفذ) لوقوعه كما أمرته، وكذا بما دونها؛ كما صرح به في "المحرر" (١)، وحذفه المصنف؛ لفهمه من باب أولى.
(وإن زاد فقال: "اختلعتها بألفين من مالها بوكالتها" .. بانت، ويلزمها مهر مثل) لأن قضية فساد العوض الرجوع إليه، سواء أكان زائدًا على ما سمت أم ناقصًا، (وفي قول: الأكثر منه) أي: من مهر المثل (ومما سمته) لأن مهر المثل إن كان أكثر .. فهو المرجوع إليه، وإن كان المسمى أكثر .. فقد رضيت به، وحكاية هذا القول هكذا تابع فيه "المحرر" (٢)، والأصوب فيه على ما جوزاه في "الروضة" و"أصلها": أنه الأكثر مما سمَّته، ومن أقل الأمرين من مهر المثل ومما سمَّاه الوكيل، وبينهما تفاوت.
فلو كان مهر المثل ألفين، وسمَّت ألفًا .. فسمَّى الوكيل ألفًا وخمس مئة .. لزمها على قضية ما في "الكتاب" على القول الثاني: ألفان، وعلى ما في "الروضة" و"أصلها": ألف وخمس مئة.
(وإن أضاف الوكيل الخلع إلى نفسه .. فخلع أجنبي والمالُ عليه) ولا شيء عليها، منه؛ لأن اختلاع الأجنبي لنفسه صحيحٌ، فإضافته إلى نفسه (٣) إعراضٌ عن التوكيل، واستبداد بالخلع مع الزوج.
(وإن أطلق) فلم يضفه إليها ولا إلى نفسه، بل اقتصر على قوله: (اختلعت فلانة) ( .. فالأظهر: أن عليها ما سمَّت) لالتزامها إياه (وعليه الزيادة) لأنها لم
стр. 1594
وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ ذِمِّيًّا وَعَبْدًا وَمَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ. وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي قَبْضِ الْعِوَضِ. وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيلِهِ امْرَأَةً لِخُلْعِ زَوْجَتِهِ أَوْ طَلاَقِهَا
===
ترض بأكثر مما سمَّته، فكأنه افتداها بما سمَّته وزيادة من عند نفسه، والثاني: أنَّ عليها أكثر الأمرين من مهر المثل وما سمَّته؛ لأنه عقدٌ لها فأشبه ما إذا أضاف إليها؛ فإن بقي شيء مما سماه الوكيل .. فعلى الوكيل، وإن زاد مهر المثل على ما سماه الوكيل .. لم تجب تلك الزيادة؛ لأن الزوج رضي بما سمَّاه الوكيل، وعبارته توهم: أنه ليس على الوكيل سوى الزيادة، وليس كذلك، والذي في "الشرح" و"الروضة": على الوكيل ما سمَّاه، وفيما عليها منه قولان (١)؛ فإيجاب المُسمَّى بكماله على الوكيل لا نزاع فيه؛ أعني: مُسمَّى الوكيل لأنه التزمه بعقده ثم يرجع الوكيل عليها، إن غرم بمسماها فقط؛ بناءً على المشهور في تعلق العهدة بالوكيل.
(ويجوز توكيله) أي: الزوج في الخلع (ذميًّا) وإن كانت الزوجة مسلمة؛ لأنه قد يخالع المسلمة أو يطلقها؛ ألا ترى أنها لو أسلمت وتخلف فخالعها في العدة، أو طلقها ثم أسلم .. حكم بصحة الخلع والطلاق.
(وعبدًا ومحجورًا عليه بسفه)، وإن لم يأذن السيد والولي؛ إذ لا يتعلق بالوكيل هنا عهدة.
(ولا يجوز) أي: لا يصح (توكيل محجور عليه) بسفه (في قبض العوض) لأنه ليس أهلًا له، فإن فعل وقبض .. كان الزوج مضيِّعًا لماله، ويبرأ المخالع بالدفع، كذا حكياه عن "التتمة" وأقراه (٢)، وكلامه يوهم: امتناع توكيل الزوجة لهؤلاء، وليس كذلك، بل يجوز توكيلها الكافر، وكذلك العبد وإن لم يأذن السيد، لا محجورًا عليه بسفه وإن أذن الولي.
(والأصح: صحة توكيله امرأة لخلع زوجته أو طلاقها) لأنه يجوز أن يفوض طلاق زوجته إليها، فإن كان توكيلًا .. فهو ما نحن فيه، أو تمليكًا؛ فمَنْ صَحَّ أن يملك
стр. 1595
وَلَوْ وَكَّلاَ رَجُلًا .. تَوَلَّى طَرَفًا، وَقِيلَ: الطَّرَفَيْنِ.
فصلٌ [في الصيغة وما يتعلق بها]
الْفُرْقَةُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ طَلاَقٌ، وَفِي قَوْلٍ: فَسْخٌ لاَ يَنْقُصُ عَدَدًا
===
شيئًا .. صحَّ توكيله فيه، وهذا ما نقله العمراني عن النص (١)، والثاني: لا يصح؛ لأنها لا تستقل به فلا توكيل فيه.
والخلاف في توكيل الرجل للمرأة كما فرضه المصنف، أما توكيل المرأة للمرأة باختلاعها .. فجائز قطعًا، لأنها تملك الاختلاع استقلالًا.
بخلاف الخلع، ويستثنى من إطلاقه: ما إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة ثم وكلَّ امرأة في طلاق بعضهن .. فإنه لا يصح على الأصحِّ؛ لتضمنه الاختيار في النكاح، فكذا اختيار الفراق.
(ولو وكلا رجلًا .. تولى طرفًا) أي: أيهما شاء مع الآخر أو وكيله؛ كالبيع وسائر العقود، (وقيل: الطرفين) لأن الخلع يكفي فيه اللفظ والإعطاء من جانب؛ فعلى هذا: ففي الاكتفاء بأحد شقي العقد خلاف؛ كبيع الأب مال ولده.
* * *
(فصل: الفُرقَة بلفظ الخلع طلاقٌ) ينقص العدد كلفظ الطلاق؛ لأن الله تعالى ذكره بين طلاقين في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية، فدل على أنه ملحق بهما؛ ولأنه لفظ لا يملكه غير الزوج فوجب أن يكون طلاقًا؛ كما لو قال: (أنت طالق على ألف)، ولأنه لو كان فسخًا .. لَمَا جاز على غير الصداق؛ إذ الفسخ يوجب استرجاع البدل؛ كما في (الإقالة) لا يجوز بغير الثمن الأول.
(وفي قول: فسخ لا ينقص عددًا) لأنها فرقة حصلت بمعاوضة، فتكون فسخًا؛ كشراء زوجته، ولأن الطلاق ينفرد به الزوج، والخلع لا يتم إلا بهما، فدلَّ على أنه ليس بطلاق، وهذا القول اختاره كثيرون من أصحابنا، وأفتى به من المتأخرين الشيخ تاج الدين الفزاري وولده، ونصره الشيخ أبو حامد في "الخلاف".
стр. 1596
فَعَلَى الأَوَّلِ: لَفْظُ الْفَسْخِ كِنَايَةٌ. وَالْمُفَادَاةُ كَخُلْعٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَفْظُ الْخُلْعِ صَرِيحٌ، وَفِي قَوْلٍ: كِنَايَةٌ. فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ جَرَى بغَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ .. وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الأَصَحِّ. وَيَصِحُّ بِكِنَايَاتِ الطَّلاَقِ مَعَ النِّيَّةِ وَبِالْعَجَمِيَّةِ. وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُكِ نَفْسَكِ بِكَذَا)، فَقَالَتِ: (اشْتَرَيْتُ) .. فَكِنَايَةُ خُلْعٍ.
===
(فعلى الأول: لفظ الفسخ كنايةٌ) يعني: إذا فرعنا على أن الخلع طلاق .. فلفظ الفسخ كناية في الطلاق؛ لأنه لم يستعمل عرفًا فيه.
(والمفاداة كخلع في الأصح) أي: كلفظ الخلع، فيكون على الخلاف الآتي في لفظ الخلع؛ لورود لفظ المفاداة في القرآن قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، والثاني: أنه كناية؛ لأنه لم يتكرر في القرآن، ولم يشتهر على لسان حملة الشريعة اشتهار لفظ الخلع.
(ولفظ الخلع صريح) في الطلاق؛ لأنه تكرر على لسان حملة الشرع، لإرادة الفراق؛ فكان كالمتكرر في القرآن، وعلى هذا: فيصير صرائح الطلاق أربعة، (وفي قول: كناية) فيفتقر إلى النية؛ لأن صرائح الطلاق منحصرة في ألفاظ ليس هذا منها.
ومحل القول بصراحته: إذا ذكر المال، فإن لم يذكر .. فكناية على الأصحِّ في "الروضة" و"تصحيح التنبيه" (١).
(فعلى الأول: ) وهو صراحة الخلع (لو جرى بغير ذكر مال .. وجب مهر مثل في الأصح) لاطراد العرف بجريان الخلع على مال، والثاني: لا؛ لعدم الالتزام.
وقضيته: وقوع الطلاق جزمًا، وهو مخالف لما قدمناه عن "الروضة" و"التصحيح" من كونه كناية على الأصحِّ، فيتعين حمل كلامه هنا على ما إذا وجد مقتضى الوقوع، وهو اقتران النية؛ جمعًا بين كلاميه.
(ويصح بكنايات الطلاق مع النية) إن جعلناه طلاقًا، وكذا فسخًا على الأصحِّ، (وبالعجمية) ولا يأتي خلاف النكاح؛ لانتفاء اللفظ المتعبد به.
(ولو قال: "بعتك نفسك بكذا"، فقالت: "اشتريت"، فكناية خلع)
стр. 1597
وَإِذَا بَدَأَ بِصيغَةِ مُعَاوَضَةٍ كـ (طَلَّقْتُكِ)، أَوْ (خَالَعْتُكِ بِكَذَا) وَقُلْنَا: الْخُلْعُ طَلاَقٌ .. فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ فِيهَا شَوْبُ تَعْلِيقٍ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبُولِهَا. وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهَا بِلَفْظٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ. فَلَوِ اخْتَلَفَ إِيجَابٌ وَقَبُولٌ كـ (طَلَّقْتُكِ بِأَلْفٍ) فَقَبِلَتْ بِأَلْفَيْنِ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ (طَلَّقْتُكِ ثَلاَثًا بِأَلْفٍ) فَقَبلَتْ وَاحِدَةً بِثُلُثِ أَلْفٍ .. فَلَغْوٌ. وَلَوْ قَالَ: (طلَّقْتُكِ ثَلاَثًا بِأَلْفٍ) فَقَبلَتْ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ .. فَالأَصَحُّ: وُقُوعُ الثَّلاَثِ وَوُجُوبُ أَلْفٍ. وَإِنْ بَدَأَ بِصِيغَةِ تَعْلِيقٍ كَـ (مَتَى أَوْ مَتَى مَا أَعْطَيْتِنِي) .. فَتَعْلِيقٌ
===
سواء جعلناه فسخًا أو طلاقًا.
(وإذا بدأ بصيغة معاوضة؛ كـ "طلقتك"، أو "خالعتك بكذا"، وقلنا: الخلع طلاق .. فهو معاوضة) لأنه يأخذ مالًا في مقابلة ما يخرج عن ملكه (فيها شوب تعليق) لأن وقوع الطلاق يترتب على قبول المال؛ كما يترتب الطلاق المعلق بالشرط عليه.
واحترز بقوله: (وقلنا: الخلع طلاق)، عمَّا إذا قلنا: فسخ .. فهو معاوضة محضة من الجانبين؛ إذ لا مدخل للتعليق فيها، بل هو كابتداء البيع.
(وله الرجوع قبل قبولها) لأن هذا شأن المعاوضات.
(ويشترط قبولها بلفظ غير منفصل) بكلام أجنبي أو زمن طويل؛ كما في البيع وسائر العقود، وظاهر كلامه: أنه لا يصح القبول بالفعل، لكن صرَّح ابن الصباغ والمتولي والروياني بالاكتفاء فيما إذا قال لها: (أنت طالق على ألف) فأعطته ألفًا، وكلام ابن داوود يقتضي: أنه المنصوص.
(فلو اختلف إيجاب وقبول كـ "طلقتك بألف" .. فقبلت بألفين أو عكسه، أو "طلقتك ثلاثًا بألف"، فقبلت واحدة بثلث ألف .. فلغو) كما في البيع.
(ولو قال: "طلقتك ثلاثًا بألف" فقبلت واحدة بألف .. فالأصح: وقوع الثلاث ووجوب ألف) لأن قبولها إنما يحتاج إليه للمال، وأصل الطلاق وعدده يستقلُّ به الزوج، والثاني: تقع واحدة بألف؛ لأنها لم تقبل سواها، والثالث: لا يقع شيء؛ لاختلاف الإيجاب والقبول.
(وإن بدأ بصيغة تعليق؛ كـ"متى أو متى ما أعطيتني" .. فتعليق) محض من
стр. 1598
فَلاَ رُجُوعَ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا وَلَا الإِعْطَاءُ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ قَالَ: (إِنْ، أَوْ إِذَا أَعْطَيْتِنِي) .. فَكَذَلِكَ، لكِنْ يُشْتَرَطُ إِعْطَاءٌ عَلَى الْفَوْرِ. وَإِنْ بَدَأَتْ بِطَلَبِ طَلاَقٍ فَأَجَابَ .. فَمُعَاوَضَةٌ
===
جانبه، ولا نظر فيه إلى شبهة المعاوضة؛ لأنه من صرائح ألفاظ التعليق، فلا يقع الطلاق من غير تحقق الصفة؛ كسائر التعليقات، (فلا رجوع له) قبل الإعطاء؛ كما لا يرجع عن التعليق إذا خلا عن العوض في نحو: (إن دخلت الدار .. فأنت طالق).
(ولا يشترط القبول لفظًا ولا الإعطاء في المجلس) أي: مجلس الواجب، وهو ما يرتبط به القبول بالإيجاب دون مكان العقد؛ كما ذكره في "المحرر" (١)، فمتى وجد الإعطاء .. طلقت؛ لدلالة اللفظ على الزمان وعمومه، ولا تصلح قرينة المعاوضة رافعة لمقتضاه.
وهذا بخلاف جانب المرأة؛ فإنها لو قالت: (متى طلقتني .. فلك علي ألف) .. اختص الجواب بمجلس التواجب، وفرَّق الغزالي بينهما: بأن الغالب على جانبه التعليق، وعلى جانبها المعاوضة (٢).
(وإن قال: "إن أو إذا أعطيتني" .. فكذلك) أي: فلا رجوع له، ولا يشترط القبول لفظًا، (لكن يشترط إعطاء على الفور) لأن ذكر العوض قرينة يقتضي التعجيل؛ لأن الأعواض تتعجل في المعاوضات، وإنما تركت هذه القرينة في نحو: (متى)؛ لأنها صريحةٌ في جواز التأخير، شاملةٌ لجميع الأوقات، بخلاف (إن)، و (إذا).
ومحل الفور: في الحرة، فالأمة أي وقت أعطت طلقت وإن امتد الزمان؛ لأنها لا تقدر على الإعطاء في المجلس؛ لأنه لا يد لها في الغالب ولا ملك، قاله المتولي وأقراه (٣)، لكن ابن الرفعة أنكره.
(وإن بدأت بطلب طلاق فأجاب .. فمعاوضة) لأنها تملك البضع بما تبذله من
стр. 1599
مَعَ شَوْبِ جَعَالَةٍ فَلَهَا الرُّجُوعُ قَبْلَ جَوَابِهِ. وَيُشْتَرَطُ فَوْرٌ لِجَوَابِهِ. وَلَوْ طَلَبَتْ ثَلاَثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ طَلْقَةً بِثُلُثِهِ .. فَوَاحِدَةٌ بِثُلُثِهِ. وَإِذَا خَالَعَ أَوْ طَلَّقَ بِعِوَضٍ .. فَلاَ رَجْعَةَ، فَإِنْ شَرَطَهَا .. فَرَجْعِيٌّ وَلَا مَالَ، وَفِي قَوْلٍ: بَائِنٌ بِمَهْرِ مِثْلٍ
===
العوض (مع شوب جعالة) لأنها تبذل المال في مقابلة ما يستقل به الزوج، وهو الطلاق، فإذا أتى به .. وقع الموقع وحصل غرضها؛ كما أن في الجعالة يبذل الجاعل المال في مقابلة ما يستقل العامل به في وقوعه الموقع وتحصيل الغرض.
(فلها الرجوع قبل جوابه) لأن هذا حكم المعاوضات والجعالات جميعًا، (ويشترط فور لجوابه) أي: في مجلس التواجب، فلو طلقها بعد تخلل مدة .. حمل على الابتداء على الصحيح، فيكون رجعيًّا إن لم يستكمل الثلاث، ولا يستحق عوضًا.
(ولو طلبت ثلاثًا بألف) وهو يملك عليها الثلاث (فطلق طلقة بثلثه .. فواحدة بثلثه) كما لو قال: (إن رددت عبيدي الثلاث .. فلك ألفٌ)، فردَّ واحدًا استحق ثلث الألف، وهذا بخلاف ما تقدم فيما إذا طلق ثلاثًا بألف .. فقبلت واحدة بثلثه فإنه لا يقع الطلاق.
والفرق: أن الخلع من جانبها معاوضة مشبهة بالجعالة، ومن جانبه تعليق فيه شائبة المعاوضات، ومن شرط الوقوع بالتعليق حصول الصفة المعلق عليها ومن شرط المعاوضة توافق الإيجاب والقبول، ولم يتحقق واحد من الشرطين.
(وإذا خالع أو طلق بعوض .. فلا رجعة) سواء أكان العوض صحيحًا أم فاسدًا، جعلناه فسخًا أم طلاقًا؛ لأنها بذلت المال لتملك بضعها، فلا يملك الزوج ولاية الرجوع إليه؛ كما أن الزوج إذا بذل المال صداقًا ليملك البضع .. لا يكون للمرأة ولاية الرجوع إلى البضع.
(فإن شرطها) بأن قال: (خالعتك أو طلقتك بكذا على أن لي عليك الرجعة) ( .. فرجعي ولا مال) لأن شرط الرجعة والمال متنافيان فيسقطان، ويبقى مجرد الطلاق، وقضيته: ثبوت الرجعة، (وفي قول: بائن بمهر مثل) لأن الخلع لا يفسد بفساد العوض؛ كالنكاح، ونقلا في "الروضة" و"أصلها"
стр. 1600
وَلَوْ قَالَتْ: (طَلِّقْنِي بِكَذَا) وَارْتَدَّتْ فَأَجَابَ؛ إِنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ بَعْدَهُ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ .. بَانَتْ بِالرِّدَّةِ وَلَا مَالَ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا .. طَلُقَتْ بِالْمَالِ. وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ كَلاَمٍ يَسِيرٍ بَيْنَ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ.
فصلٌ [في الألفاظ الملزمة للعوض وما يتبعها]
قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَوْ وَلِي عَلَيْكِ كَذَا) وَلَمْ يَسْبِقْ طَلَبُهَا بِمَالٍ .. وَقَعَ رَجْعِيًّا قَبِلَتْ أَمْ لَا، وَلَا مَالَ،
===
القطع بالأول عن الجمهور (١).
وقد يدخل في كلامه: ما لو خالعها بعوض على أنه متى شاء رده وكان له الرجعة، وقد نصَّ الشافعي فيه على البينونة بمهر المثل (٢)، فقيل: بطرد الخلاف، والمذهب: الجزم بالمنصوص؛ لأنه رضي بسقوط الرجعة هنا، ومتى سقطت .. لا تعود.
(ولو قالت: "طلقني بكذا" وارتدت فأجاب؛ إن كان قبل دخولٍ أو بعده وأصرَّت حتى انقضت العدة .. بانت بالردة ولا مال) لانقطاع النكاح بالردة في الحالتين، (وإن أسلمت فيها) أي: في العدة ( .. طلقت بالمال) لأنا تبيَّنا صحة الخلع، (ولا يضر تخلل كلام يسير بين إيجاب وقبول) سواء أكان الكلام من الرجل أم من المرأة؛ لأن الكلام اليسير لا يُعدُّ قائله به معرضًا عما هو فيه، وقد اضطرب كلام الشيخين في ذلك، وقدمنا بيانه في أوائل (النكاح).
* * *
(فصل: قال: "أنت طالق وعليك) ألف (أو ولي عليك كذا"، ولم يسبق طلبها بمال .. وقع رجعيًّا قبلت أم لا ولا مال)، إذ لم يشع في العرف استعمال هذا اللفظ في طلب العوض، وإلزامه؛ لأنه أوقع الطلاق مجانًا، ثم أخبر أن له عليها كذا فلا يلزمها، وحكى الإمام فيه الاتفاق، وشبهه الشافعي بما إذا قال: (أنت طالق
стр. 1601
فَإِنْ قَالَ: (أَرَدْتُ مَا يُرَادُ بِـ"طَلَّقْتُكِ بِكَذَا") وَصَدَّقَتْهُ .. فَكَهُوَ فِي الأَصَحِّ، وإِنْ سَبَقَ .. بَانَتْ بِالْمَذْكُورِ. وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْكِ كَذَا) .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَـ (طَلَّقْتُكِ بِكَذَا)، فَإِذَا قَبِلَتْ .. بَانَتْ وَوَجَبَ الْمَالُ
===
وعليك حج) (١)، وهذا بخلاف قولها: (طلقني ولك عليَّ ألف) فأجابها، فإنه يقع بائنًا بالألف؛ لأن المتعلق بها من عقد الخلع الالتزام فيحمل لفظها عليه، والزوج ينفرد بالطلاق على الصحيح، فإذا لم يأت بصيغة المعاوضة .. حمل كلامه على ما ينفرد به.
واحترز بقوله: (ولم يسبق طلبها بمال) عمَّا إذا سبق؛ فإن الصيغة تكون مقتضية للالتزام.
(فإن قال: "أردت ما يراد بطلقتك بكذا" وصدقته .. فكهو في الأصح) أي: فهو في حكم قوله: (طلقتك بكذا)، فيقع بائنًا بذلك المسمَّى؛ لأنه يصلح أن يكون كناية في اقتضاء العوض، والثاني: المنع؛ لأن قوله: (ولي عليك كذا) إخبار لا إلزام، فلا يصح توافقهما على خلافه.
واحترز بقوله: (وصدقته) عمَّا إذا لم تُصدِّقه .. فلا يلزمها المال قطعًا، سواء قبلت أم لا.
(وإن سبق) الطلب منها ( .. بانت بالمذكور) إذا كان معيَّنًا؛ لأنه لو اقتصر على قوله: (طلقتك) .. كان كذلك؛ فقوله: (وعليك ألف) إن لم يكن مؤكدًا .. لا يكون مانعًا.
وإن سبق طلبها بمبهم؛ كـ (طلقني ببدل) فقال: (طلقتك) .. بانت بمهر مثل.
(وإن قال: "أنت طالق على أن لي عليك كذا" .. فالمذهب: أنه كـ"طلقتك بكذا"، فإذا قبلت .. بانت ووجب المال) لأن (على) للشرط؛ فجعل كونه عليها شرطًا، فإذا ضمنته .. طلقت هذا هو المنصوص المقطوع به، ومقابله: قول الغزالي: يقع الطلاق رجعيًّا ولا مال؛ لأن الصيغة صيغة شرط، والشرط في الطلاق
стр. 1602
وَإِنْ قَالَ: (إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ)، فَضَمِنَتْ فِي الْفَوْرِ .. بَانَتْ وَلَزِمَهَا اأَلْفُ، وَإِنْ قَالَ: (مَتَى ضَمِنْتِ)؛ فَمَتَى ضَمِنَتْ .. طَلُقَتْ، وَإِنْ ضَمِنَتْ دُونَ أَلْفٍ .. لَمْ تَطْلُقْ، وَلَوْ ضَمِنَتْ أَلْفَيْنِ .. طَلُقَتْ، وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا)، فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ وَضَمِنْتُ) أَوْ عَكْسُهُ .. بَانَتْ بِأَلْفٍ، وَإِنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا .. فَلَا. وَإِذَا عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ مَالٍ فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ .. طَلُقَتْ،
===
يلغو إذا لم يكن من قضاياه (١)؛ كما لو قال: (أنت طالق على ألا أتزوج بعدك).
(وإن قال: "إن ضمنت لي ألفًا فأنت طالق"، فضمنت في الفور) أي: في مجلس التواجب ( .. بانت ولزمها الألف) لوجود الشرط والعقد المقتضي للإلزام إيجابًا وقبولًا.
(وإن قال: "متى ضمنت"، فمتى ضمنت .. طلقت) ولا يشرط فور؛ لأن هذا اللفظ صريح في التراخي ولا يحتمل سواه؛ بدليل أنه لو قال: (متى أعطيتني الساعة) كان محالًا.
(وإن ضمنت دون ألف .. لم تطلق) لعدم وجود الصفة المعلق عليها.
(ولو ضمنت ألفين .. طلقت) لوجود الصفة مع زيادة، بخلاف قوله: (طلقتك على ألف) فقبلت بألفين؛ لأن تلك صيغة معاوضة، فاعتبر فيها توافق الإيجاب والقبول.
(ولو قال: "طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفًا"، فقالت: "طلقت وضمنت" أو عكسه) أي: ضمنت وطلقت ( .. بانت بألف) لأن أحدهما شرط في الآخر يعتبر اتصاله به فهما قبول واحد فاستوى تقديم أحدهما وتأخيره.
(وإن اقتصرت على أحدهما) بأن ضمنت ولم تطلق أو عكسه ( .. فلا) لأنه فوَّض إليها التطليق وجعل له شرطًا، فلا بُدَّ من التطليق والشرط.
والمراد بالضمان في هذه المسائل: الالتزام لا الضمان المحتاج إلى الأصالة.
(وإذا علق بإعطاء مال .. فوضعته) أو أزيد منه (بين يديه .. طلقت) وإن لم يأخذه إذا كان متمكنًا من أخذه؛ لأنه إعطاء عرفًا، ولهذا يقال: (أعطيته
стр. 1603
وَالأَصَحُّ: دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ قَالَ: (إِنْ أَقْبَضْتِنِي) .. فَقِيلَ: كَالإِعْطَاءِ، وَالأَصَحُّ: كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ فَمَا يَمْلِكُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلإِقْبَاضِ مَجْلِسٌ. قُلْتُ: وَيَقَعُ رَجْعِيًّا، وَيُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الصِّفَةِ أَخْذٌ بِيَدِهِ مِنْهَا
===
فلم يأخذ)، ولا يقع بإعطاء وكيلها.
نعم؛ إن حضرت وقالت لوكيلها: (سلِّمه إليه) .. وقع، قاله المتولي وأقراه (١)، وأفتى به ابن الصلاح.
(والأصح: دخوله في ملكه) بمجرد الوضع وإن لم يقبضه؛ لأن التعليق يقتضي الوقوع عند الإعطاء، فإذا ملكت المعوض .. اقتضت الضرورة دخول العوض في ملك الزوج؛ لأن ملك العوضين متقارنان، الثاني: لا؛ لأن حصول الملك من غير لفظ تمليك من جهتها بعيد، فيرد المعطى، ويرجع إلى مهر المثل.
(وإن قال: "إن أقبضتني" .. فقيل: كالإعطاء) فيأتي فيه ما سبق لأن ذِكْرهُ مشعرٌ بقصد تحصيله.
(والأصح: كسائر التعليق فما يملكه) (٢) لأن الإقباض لا يقتضي التمليك فهو صفة محضة، بخلاف الإعطاء، وخصه المتولي بما إذا لم يسبق منه قرينة تدل على التمليك، فإن سبقت كقولها: (طلقني بألف) .. فقال: (إن أقبضتني ألفًا .. فأنت طالق)، أو قال ابتداءً: (إن أقبضتني ألفًا وجعلتها لي، أو لأصرفها في حوائجي) .. فهو كالإعطاء، قال في "زيادة الروضة": وهو متعين (٣)، وقال في "الشرح الصغير": لا خلاف فيه.
(ولا يشترطُ للإقباض مجلسٌ) تفريعًا على عدم الملك؛ لأنه صفة محضة؛ كالتعليق بدخول الدار، (قلت: ويقع رجعيًّا) لأن الإقباض لا يقتضي التمليك بخلاف الإعطاء؛ فكأنه لم يطمع في شيء.
(ويشترط لتحقق الصفة أخذ بيده منها) فلا يكفي الوضع بين يديه؛ لأنه لا يسمَّى
стр. 1604
وَلَوْ مُكْرَهَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ عَبْدٍ وَوَصَفَهُ بِصِفَةِ سَلَمٍ، فَأَعْطَتْهُ لَا بِالصِّفَةِ .. لَمْ تَطْلُقْ، أَوْ بِهَا مَعِيبًا .. فَلَهُ رَدُّهُ وَمَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُ سَلِيمًا. وَلَوْ قَالَ: (عَبْدًا) .. طَلُقَتْ بِعَبْدٍ، إِلَّا مَغْصُوبًا فِي الأَصَحِّ،
===
قبضًا، وهذا الشرط ذكراه في "الشرح" و"الروضة" في صيغة: (إن قبضت منك) لا في: (إن أقبضتني)، وبينهما فرق (١).
نعم؛ في "الوسيط" و"الوجيز" كما في "الكتاب" (٢)، لكن صرح الإمام في "النهاية" بأنه إذا قال: (إن أقبضتني) فجاءت به وأوقعته بين يديه: أن هذا إقباض ولا يشترط أن يقبضه بالبراجم (٣).
(ولو مكرهة، والله أعلم) لوجود الصفة وهذا أيضًا إنما ذكراه في "الشرح" و"الروضة" في صيغة: (إن قبضت منك)، فَذِكْرهُ في: (إن أقبضتني) سهوٌ؛ كما قاله السبكي؛ لأن الإقباض بالإكراه المُلغى شرعًا لا اعتبارَ به.
(ولو علق بإعطاء عبد ووصفه بصفة سلم، فأعطته لا بالصفة .. لم تطلق) لعدم وجود المعلق عليه.
(أو بها) أي: بالصفة (معيبًا .. فله رده) لأن الإطلاق يقتضي السلامة، (ومهر مثل، وفي قول: قيمته سليمًا) الخلاف مبني على: أن بدل الخلع في يد الزوجة مضمون ضمان عقد أو ضمان يد؟
(ولو قال: "عبدًا") أي: أطلقه ولم يصفه ( .. طلقت بعبد) أيّ عبد كان، كبيرًا كان أو صغيرًا، مدبرًا أو معلقًا عتقه بصفة، سليمًا أو معيبًا؛ لوجود الاسم، ولا يملكه الزوج؛ لأن الملك يثبت معاوضة، والمجهول لا يصلح عوضًا، فيجب الرجوع إلى عوض البضع، وهو مهر المثل، وهذا معنى قوله بعد: (وله مهر المثل).
(إلا مغصوبًا في الأصح) أي: فلا تطلق به؛ لأن الإعطاء يقتضي التمليك، فلا
стр. 1605
وَلَهُ مَهْرُ مِثْلٍ، وَلَوْ مَلَكَ طَلْقَةً فَقَطْ فَقَالَتْ: (طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ)، فَطَلَّقَ الطَّلْقَةَ .. فَلَهُ أَلْفٌ، وَقِيلَ: ثُلُثُهُ، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَتِ الْحَالَ .. فَأَلْفٌ، وَإِلَّا .. فَثُلُثُهُ، وَلَوْ طَلَبَتْ طَلْقَةً بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ بِمِئَةٍ .. وَقَعَ بِمِئَةٍ، وَقِيلَ: بِأَلْفٍ، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ
===
يصدق بدفع ما لا يمكن تمليكه إذ ذاك، والثاني: تطلق؛ لأنه لا يملك المعطى، فلا فرق بين المغصوب وغيره، وعلى هذا: يرجع بمهر المثل.
ويرد على حصره الاستثناء في المغصوب: المكاتب والمرهون والجاني المتعلق برقبته مال، والمشترك بينها وبين غيرها، والموقوف، والمستأجر من غيره إن منع بيعه؛ فإنها كالمغصوب في ذلك، وعبارة "المحرر" سالمةٌ من ذلك؛ فإنه لم يذكره على وجه الاستثناء (١).
(وله مهر مثل) في غير المغصوب ونحوه؛ لأنه لم يطلق مجانًا.
(ولو ملك طلقة فقط، فقالت: "طلقني ثلاثًا بألف"، فطلق الطلقة .. فله ألف) لأن الواحدة حينئذ كالثلاث في تحصيل البينونة الكبرى، (وقيل: ثلثه) كما يغرم قالع عين الأعور النصف، (وقيل: إن علمت الحال .. فألف، وإلا .. فثلثه) فعلى هذا: لو اختلفا؛ فقال الزوج: (كنت تعلمين ذلك)، وأنكرت .. تحالفا، فإذا حلفا .. لزمها مهر المثل، وفي وجه رابع: أنه يستحقُّ مهر المثل، وخامس: أنه لا يستحقُّ شيئًا؛ لأنه لم يطلِّق كما سألت.
(ولو طلبت طلقة بألف، فطلق بمئة ... وقع بمئة) لأنه قادر على الطلاق بغير عوض؛ فببعض العوض أولى، وقد رضي بالمبذول، فلا يزاد عليه، (وقيل: بألف) لأنها بانت بقوله: (طلقتك)، واستحق الألف، وأُلغيَ قوله: (بمئة)، (وقيل: لا يقع) للمخالفة؛ كما لو خالفت في قبولها.
وأهمل من "المحرر" مسألة، وهي ما لو قالت: (طلقني واحدة بألف)، فقال: (أنت طالق ثلاثًا) .. وقع الثلاث، واستحق الألف، ولو أعاد ذكر الألف فقال: (أنت طالق ثلاثًا بألف) .. فكذلك على الأظهر، وكأن ذلك سقط من نسخة
стр. 1606
وَلَوْ قَالَتْ: (طَلِّقْنِي غَدًا بِأَلْفٍ)، فَطَلَّقَ غَدًا أَوْ قَبْلَهُ .. بَانَتْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: بِالْمُسَمَّى. وَإِنْ قَالَ: (إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ)، فَقَبِلَتْ وَدَخَلَتْ .. طَلُقَتْ
===
المصنف بـ"المحرر" وهو ثابت في النسخ الصحيحة، وحكي عن نسخة المصنف.
(ولو قالت: "طلقني غدًا بألف"، فطلق غدًا أو قبله .. بانت) لأنه إن طلق في الغد .. فقد حصل مقصودها، وإن طلق قبله .. فقد حصله مع زيادة؛ فأشبه ما لو قالت: (طلقني واحدة بألف) فطلق ثلاثًا بألف.
واحترز بقوله: (قبله) عما إذا أجاب بعده .. فيقع رجعيًّا لا بائنًا؛ لأنه خالف وأخرَّ، فكان مبتدئًا، فإن ذكر مالًا اشترط في وقوعه القبول (بمهر المثل) بناءً على فساد الخلع؛ لأنه سلم في الطلاق، والطلاق لا يثبت في الذمة، وإذا فسدت الصيغة .. رجع بمهر المثل (وقيل: في قول: بالمسمَّى) أشار المصنف بهذا إلى حكاية طريقين:
أصحهما: القطع بالأول.
والثاني: حكاية قولين:
أحدهما: مهر المثل.
والثاني: المسمَّى؛ كالقولين فيما إذا خالع على خمر أو مغصوب.
وقضية كلامه كـ"المحرر" و"الشرح الصغير": أنه لا فرق بين أن يعلم بفساد الخلع أم لا، لكن القاضي والبغوي والمتولي خصوه بالجاهل، فإن علم فساده .. وقع رجعيًّا، وضعفه الإمام، وقال: لا حاصل له، واستشهد بالخلع على الخمر وسائر الأعواض الفاسدة؛ فإنه لا فرق في ثبوت المال بين العلم والجهل، ولم يصرحا في "الشرح و"الروضة" بترجيح شيء من ذلك (١).
(وإن قال: "إذا دخلت الدار .. فأنت طالق بألف"، فقبلت ودخلت .. طلقت
стр. 1607
عَلَى الصَّحِيحِ بِالْمُسَمَّى، وَفِي وَجْهٍ أَوْ قَوْلٍ: بِمَهْرِ الْمِثْلِ. وَيَصِحُّ اخْتِلَاعُ أَجْنَبِيٍّ وَإِنْ كَرِهَتِ الزَّوْجَةُ، وَهُوَ كَاخْتِلَاعِهَا لَفْظًا وَحُكْمًا
===
على الصحيح) لوجود المعلق عليه، والثاني: لا تطلق، لأن المعاوضات لا تقبل التعليق، فيمتنع ثبوت المال، وإذا لم يثبت .. لم تطلق؛ لارتباطه به، وعلى الأول: يشترط قبولها على الاتصال على الصحيح، وإليه أشار بقوله: (فقبلت) بفاء التعقيب، (بالمسمَّى) أي: ويجوز الاعتياض عن الطلاق المعلق كما يجوز عن المنجَّز، وهل يلزم تسليمه المُسمَّى حالًا أو عند حصول الصفة؟ وجهان، صحح في "أصل الروضة" الأول (١)، والذي يقتضيه كلام "الكتاب": الثاني، (وفي وجه أو قول: بمهر المثل) لأن المعاوضات لا تقبل التعليق؛ فتؤثر في فساد العوض دون الطلاق، لقبوله التعليق، وإذا فسد العوض .. وجب مهر المثل.
(ويصح اختلاع أجنبي وإن كرهت الزوجة) لأن الطلاق مما يستقلُّ به الزوج، والأجنبي مستقلٌّ بالالتزام، وله بذل المال، والتزامه فداء، لأن الله تعالى سمَّى الخلع فداءً فجاز كفداء الأسير، وكما يبذل المال في عتق عبد لسيده، تخليصًا له من الرق، وقد يكون للأجنبي فيه غرض ديني أو دنيوي لغرض مباح.
وهذا إذا أتى بلفظ الطلاق أو بلفظ الخلع وقلنا: إنه طلاق، فإن جعلناه فسخًا .. لم يصح؛ لأن الزوج لا ينفرد بالفسخ بلا سبب.
(وهو كاختلاعها لفظًا) أي: في ألفاظ الالتزام (وحكمًا) في جميع ما تقدم.
نعم، يستثنى من قوله: (وحكمًا) صور: إحداها: لو قال الأجنبي: (طلقها على هذا المغصوب أو على هذا الخمر أو على عبد زيد هذا)، فطلق .. وقع رجعيًّا، بخلاف ما إذا التمست المرأة ذلك، نقلاه عن البغوي وأقراه (٢)، والفرق: أن
стр. 1608
وَلِوَكِيلِهَا أَنْ يَخْتَلِعَ لَهُ. وَلِأجْنَبيٍّ تَوْكِيلُهَا فَتَتَخَيَّرُ هِيَ. وَلَوِ اخْتَلَعَ رَجُلٌ وَصَرَّحَ بِوَكَالَتِهَا كَاذِبًا .. لَمْ تَطْلُقْ. وَأَبُوهَا كَأَجْنَبِيٍّ فَيَخْتَلِعُ بِمَالِهِ، فَإِنِ اخْتَلَعَ بِمَالِهَا وَصَرَّحَ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِلاَيَةٍ .. لَمْ تَطْلُقْ، أَوْ بِاسْتِقْلَالٍ .. فَخُلْعٌ بِمَغْصُوبٍ.
===
البضع وقع للمرأة؛ فلزمها بدله بخلاف الأجنبي، الثانية: تحريمه في الحيض إذا سأله الأجنبي، بخلافها؛ كما ذكره في الطلاق، الثالثة: لو كان له امرأتان فخالعه الأجنبي عنهما بألف من ماله .. صح بالألف قطعًا وإن لم يفصل حصة كل منهما؛ لأن الألف تجب للزوج على الأجنبي وحده، بخلاف الزوجتين إذا اختلعتا؛ فإنه يجب أن يفصل ما تلتزمه كل منهما، قاله الماوردي (١).
(ولوكيلها أن يختلع له) أي: لنفسه بالتصريح أو بالنية، فيكون خلع أجنبي، والمال عليه كوكيل المشتري، (ولأجنبي توكيلها) في اختلاع نفسها على ماله (فتتخير هي) بين أن يخالع عن نفسها أو عنه بوكالته، فإن أطلقت .. قال الأَذْرَعي: فالظاهر: وقوعه عنها.
(ولو اختلع رجل، وصرح بوكالتها كاذبًا .. لم تطلق) لأنه مربوط بالمال، وهو لم يلتزمه في نفسه، وقد بان أن لا التزام منها؛ فأشبه ما إذا خاطبها .. فلم تقبل.
(وأبوها كأجنبي فيختلع بماله) صغيرةً كانت أو كبيرة، (فإن اختلع بمالها وصرح بوكالة) كاذبًا، (أو ولاية .. لم تطلق) لارتباط الطلاق بلزوم المال عليها، وهي لم تلتزمه، (أو باستقلال) كـ (اختلعت لنفسي أو عن نفسي) (فخلع بمغصوب) لأنه غاصب لمالها فيقع الطلاق بائنًا جزمًا إن لم يعلم الزوج، وكذا إن علم على الأصحِّ، ويرجع الزوج عليه بمهر المثل على الأظهر، وببذل المُسمَّى على قول.
* * *
стр. 1609
فصلٌ [في الاختلاف في الخلع أو في عوضه]
ادَّعَتْ خُلْعًا فَأَنْكَرَ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ قَالَ: (طَلَّقْتُكِ بِكَذَا) فَقَالَتْ: (مَجَّانًا) .. بَانَتْ وَلَا عِوَضَ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ عِوَضِهِ أَوْ قَدْرِهِ وَلَا بَيِّنَةَ .. تَحَالَفَا وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَلَوْ خَالَعَ بِأَلْفٍ وَنَوَيَا نَوْعًا .. لَزِمَ، وَقِيلَ: مَهْرُ مِثْلٍ، وَلَوْ قَالَ: (أَرَدْنَا دَنَانِيرَ)، فَقَالَتْ: (بَلْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا) .. تَحَالَفَا عَلَى الأَوَّلِ،
===
(فصل: ادعت خلعًا فأنكر) ولا بيِّنة ( .. صدق بيمينه) إذ الأصل بقاء النكاح وعدم الخلع، (وإن قال: "طلقتك بكذا" .. فقالت: "مجانًا" .. بانت ولا عوض) إذا حلفت، أما البينونة .. فلإقراره، وأما عدم العوض .. فلأن الأصل براءة ذمتها.
(وإن اختلفا في جنس عوضه أو قدره) أو نوعه أو صفته أو أجله (ولا بينة .. تحالفا) كالمتبايعين؛ فإن أقام أحدهما بينة .. عمل بها وقضي له، وإن أقاما بينتين .. تساقطتا على الصحيح، (ووجب مهر المثل) لأنه تعذر رد البضع إليه فرجع إلى بدله، وهو مهر المثل؛ كما لو وقع التحالف بعد تلف المبيع، وأما البينونة .. فواقعة.
وأثر التحالف في العوض خاصة، وفي كيفية اليمين ومن يبدأ به على ما تقدم في البيع.
(ولو خالع بألف ونويا نوعًا .. لزم) جعلًا للمنوي كالملفوظ، بخلاف البيع؛ لأنه يحتمل في الخلع ما لا يحتمل في البيع، ولهذا يملك العوض فيه بالإعطاء، بخلاف البيع.
وصورة المسألة: ألا يكون في البلد نقد غالب؛ فإن كان .. حمل عليه.
(وقيل: مهر مثل) أي: وتفسد التسمية؛ للجهل بالعوض كالبيع.
(ولو قال: "أردنا) بالألف التي أطلقناها (دنانير"، فقالت: "بل دراهم أو فلوسًا" .. تحالفا على الأول) وهو قولنا: (لو نويا نوعًا .. لزم)، كما لو اختلفا في
стр. 1610
وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ بِلَا تَحَالُفٍ فِي الثَّانِي.
===
الملفوظ، فإذا حلفا .. وجب مهر المثل، (ووجب مهر مثل بلا تحالف في الثاني) وهو قولنا: بوجوب مهر المثل فيما إذا نويا نوعًا؛ لأنهما لو اتفقا على الإرادة .. وجب؛ فلا أثر للتنازع.
* * *
стр. 1611
كتابُ الطَّلاق
يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِهِ التَّكْلِيفُ إِلَّا السَّكْرَانَ. وَيَقَعُ بِصَرِيحِهِ بِلَا نِيَّةٍ، وَبِكِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ.
وَصَرِيحُهُ: الطَّلَاقُ، وَكَذَا الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ عَلَى الْمَشْهُورِ
===
(كتاب الطلاق)
هو لغة: حل القيد والإطلاق، ومنه ناقة طالق؛ أي: مرسلة بلا قيد، ترعى حيث شاءت، وشرعًا: حل قيد النكاح فقط.
والآيات الواردة في الطلاق والأخبار المروية فيه غنيةٌ؛ لشهرتها عن الإيراد والتعداد، معتضدة بإجماع الملل أيَّ اعتضاد.
(يشترط لنفوذه التكليف) فلا يقع طلاق صبي ومجنون ومغمى عليه ونائم تنجيزًا, ولا تعليقًا؛ لفساد عبارتهم، ورفع القلم عنهم.
نعم؛ لو تولد جنون من سكر تعدى به .. نفذ طلاقه في جنونه.
(إلا السكران) أي: فيقع طلاقه وإن كان غير مكلف.
وهذا الاستثناء من زياداته على "المحرر"، وقال في "الدقائق": إنه لا بد منه؛ لأنه ليس بمكلف (١)، وعزى في "الروضة" كونه غير مكلف إلى قول أصحابنا وغيرهم في كتب الأصول، قال: (ولكن مراد أهل الأصول: أنه غير مخاطب حال السكر، ومرادنا هنا: أنه مكلف بقضاء العبادات بأمر جديد) (٢)، قال السبكي: ولا حاجة لهذه الزيادة؛ لأن مذهب الشافعي: أن السكران مكلف. انتهى، وحكاه الأَذْرَعي عن نص "الأم"، وعن جمع من المراوزة والعراقيين، منهم شيخ المراوزة القفال، وشيخ العراقيين أبو حامد.
(ويقع بصريحه بلا نية) عند عدم الإكراه (وبكناية بنية) بالإجماع (وصريحه: الطلاق) وما اشتق منه؛ بالإجماع، (وكذا الفراق والسراح على المشهور) لتكررهما في القرآن بمعنى الطلاق، والثاني: أنهما كنايتان؛ لاستعمالهما فيه وفي غيره
стр. 1612
كَـ (طَلَّقْتُكِ) وَ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَ (مُطَلَّقَةٌ) وَ (يَا طَالِقُ)، لاَ (أَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ) فِي الأَصَحِّ. وَتَرْجَمَةُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ
===
كالحرام، وفي صراحة لفظ الخلع ما مر في بابه؛ كما قاله في "المحرر" (١)، ولا وجه لحذف المصنف له.
ويستثنى من صراحة لفظ الفراق: ما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة، فقال لإحداهن: (فارقتك) فإن الأصح أنه فسخ.
(كـ"طلقتك" و"أنت طالق" و"مطلقة") أي: بتشديد اللام، (و"يا طالق") وكذا: (أنت مفارقة) أو (مسرحة) بناء على المشهور في صراحة الفراق والسراح، ومحل صراحة (يا طالق): في غير من اسمها ذلك؛ كما ذكره المصنف بعد (٢).
(لا "أنت طلاق"، و"الطلاق" في الأصح) بل هما كنايتان؛ لأنهما مصدران، والمصادر لم توضع للأعيان، وتستعمل فيها على سبيل التوسع، والثاني: أنهما صريحان؛ كـ (يا طالق).
(وترجمة الطلاق بالعجمية صريح على المذهب) لشهرة استعمالها عندهم في معناها شهرةَ العربية عند أهلها، وقيل: وجهان، ثانيهما: أنه كناية؛ لأن اللفظ الوارد في القرآن هو العربي، قال الرافعي: ولم يورد أكثرهم سوى الأول؛ فلذلك رجح في "أصل الروضة" القطع به، ثم حكى طريقة الوجهين (٣).
واقتصاره على الطلاق قد يفهم: أن ترجمة الفراق والسراح بالعجمية كناية، وهو ما نقله الرافعي عن تصحيح الإمام والروياني، وجزم بتصحيحه في "أصل الروضة"؛ لأن ترجمتهما بعيدة عن الاستعمال (٤)، وقضية ما في "الشرح الصغير": تصحيحه، لكن مقتضى ما في "المحرر": أنها صريح، فإنه قال: وترجمة الطلاق بسائر اللغات صريحة، ثم ذكر الفراق والسراح وقال: وترجمتهما كترجمته (٥)، قال: الأَذْرَعي:
стр. 1613
وَ (أَطْلَقْتُكِ) وَ (أَنْتِ مُطْلَقَةٌ) كِنَايَةٌ. وَلَوِ اشْتَهَرَ لَفْظٌ لِلطَّلَاقِ كَـ (الْحَلَالُ أَوْ حَلَالُ اللهِ عَلَيَّ حَرَامٌ) .. فَصَرِيحٌ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَكِنَايَتُهُ: كَـ (أَنْتِ خَلِيَّةٌ)، (بَرِيَّةٌ)، (بَتَّةٌ)، (بَتْلَةٌ)، (بَائِنٌ)، (اعْتَدِّي)، (اسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ)، (اِلْحَقِي
===
وهو المذهب، لا ما في "الروضة"، ونقل عن جمع: الجزم به، وبسط ذلك.
(و"أطلقتك" و"أنت مطلقة") بإسكان الطاء فيهما (كناية) لعدم اشتهاره، وقيل: صريح (١).
(ولو اشتهر لفظ للطلاق كـ"الحلالُ أو حلالُ الله علي حرام" .. فصريح في الأصح) لغلبة الاستعمال، وحصول التفاهم، ونقله الرافعي عن "التهذيب"، قال: (وعليه ينطبق ما في "فتاوى القفال" و"القاضي الحسين" والمتأخرين). انتهى (٢)، وحُكي عن القفال أنه كان يقول إذا استفتي عن هذه المسألة: إذا سمعت غيرك قال لامرأته هذا .. ما كنت تفهم منه؟ فإن فهصت منه الصريح .. فهو صريح لك.
(قلت: الأصح: أنه كناية، والله أعلم) لأنه لم يتكرر في القرآن، ولا على لسان حملة الشريعة، فأشبه سائر الألفاظ، قال في "الروضة": (وقطع به العراقيون والمتقدمون). انتهى (٣)، ونقله الأَذْرَعي عن نص "الأم" و"البويطي".
واحترز المصنف بقوله: (اشتهر) عن البلاد التي لم يشتهر فيها هذا اللفظ للطلاق، فإنه كناية في حق أهلها قطعًا.
(وكنايته: كـ"أنت خلية") أي: من الزوج، فعيلة بمعنى: فاعلة ("برية") أي: منه أيضًا ("بتة") أي: مقطوعة الوصلة، مأخوذة من البت، وهو القطع، ("بتلة") أي: متروكة النكاح، ومنه: (نهى عن التبتل) (٤)، ("بائن") أي: مفارقة، من البين: وهو الفرقة، ("اعتدي"، "استبرئي رحمك"، "الحقي
стр. 1614
بِأَهْلِكِ)، (حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ)، لَا (أَنْدَهُ سَرْبَكِ)، (اعْزُبِي)، (اغْرُبِي)، (دَعِينِي)، (وَدِّعِينِي)، وَنَحْوِهَا. وَالإِعْتَاقُ كِنَايَةُ طَلَاقٍ وَعَكْسُهُ، وَلَيْسَ الطَّلَاقُ كِنَايَةَ ظِهَارٍ وَعَكْسُهُ
===
بأهلك") أي: لأني طلقتك ("حبلك على غاربك") أي: خليت سبيلك كما يخلى البعير في الصحراء بإلقاء زمامه على غاربه، وهو ما تقدم من الظهر، وارتفع عن العنق؛ ليرعى كيف شاء.
(لا "أنده سربك") هو بفتح السين، وإسكان الراء، وأنده معناه: أزجر، والسَّرْبُ: الإبل وما يرعى من المال؛ فكأنه قال: (تركتك لا أهتم بشأنك) ("اعزبي") بـ (عين) مهملة، ثم (زاي) معجمة، معناه: اذهبي عني وتباعدي مني ("اغربي") بـ (غين) معجمة، ثم (راء) مهملة؛ أي: (صيري غريبة أجنبية مني) ("دعيني"، "ودعيني") أي: لأني طلقتك، و (الدال) من الثانية مشددة، و (الواو) من أصل الكلمة، ليست عاطفةً، وهو من الوداع، (ونحوها) مما يحتمل الفراق والسراح، ولم يشع استعماله فيه شرعًا ولا عرفًا كـ (تجردي)، و (تزودي)، و (سافري)، قال في "المحرر": ولا تكاد تنحصر (١).
(والإعتاق) بألفاظه الصريحة والكناية (كناية طلاق وعكسه) أي: ألفاظ الطلاق صريحها وكنايتها كناية في العتق؛ لدلالة كل منهما على إزالة ما يملكه.
نعم؛ يستثنى: ما إذا قال لعبده أو أمته: (أنا منك حر)، أو (أعتقت نفسي)، ونوى العتق، فإنه لا عتق على الأصحِّ، بخلاف الزوجة، لأن الزوجية تشمل الجانبين، بخلاف الرق؛ فإنه يختص بالمملوك، وما لو قال لعبده: (اعْتَدَّ) أو (استبرئ رحمك)، ونوى العتق .. لم يعتق؛ لاستحالته في حقه، فإن قاله لأمته .. فكناية في الأصحِّ؛ كالزوجة.
(وليس الطلاق كنايةَ ظهار وعكسه) أي: وليس الظهار كناية طلاق وإن اشتركا في إفادة التحريم؛ لأن ما كان صريحًا في بابه ووجد نفاذًا في موضوعه .. لا يكون كناية في غيره، قال في "الوسيط": (ولا يمكن تنفيذهما جميعًا؛ لأن اللفظ لم يوضع
стр. 1615
وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) أَوْ (حَرَّمْتُكِ) وَنَوَى طَلاَقًا أَوْ ظِهَارًا .. حَصَلَ، أَوْ نَوَاهُمَا .. تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ -وَقِيلَ: طَلاَقٌ، وَقِيلَ: ظِهَارٌ- أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا .. لَمْ تَحْرُمْ
===
لهما وَضْعَ العموم، فصرف إلى ما هو صريح فيه) (١).
(ولو قال: " أنت علي حرام"، أو "حرمتك"، ونوى طلاقًا أو ظهارًا .. حصل) ما نواه؛ لأن التحريم ينشأ عن الطلاق، وعن الظهار بعد العود، فصحت الكناية به عنهما، من باب إطلاق المسبب على السبب.
(أو نواهما .. تخيَّر، وثبت ما اختاره) ولا يثبتان جميعًا؛ لأن الطلاق يزيل النكاح، والظهار يستدعي بقاءه، هذا إذا نواهما دفعة، فإن نواهما مرتبًا .. فعن ابن الحداد إن تقدم الظهار .. صحا جميعا، أو الطلاق البائن .. فلا معنى للظهار بعده، أو الرجعيَّ .. فالظهار موقوف، فإن راجعها .. فهو صحيح، والرجعة عود، وإلا .. فهو لغو، وقال الشيخ أبو علي: هذا التفصيل فاسد عندي؛ لأن اللفظ الواحد إذا لم يجز أن يراد به التصرفان .. فلا يفترق الحال بين أن يريدهما معًا أو متعاقبين، وأيضًا فإنه إذا نواهما على التعاقب .. كانت كل واحدة من النيتين مقارنة لبعض اللفظ، لا لجميعه، وفي ذلك خلاف سيأتي، كذا في "الروضة" و"أصلها" (٢)، وأطلق في "المحرر" و"الشرح الصغير" كـ "الكتاب" (٣)، وهو يقتضي: ترجيح مقالة الشيخ أبي علي.
(وقيل: طلاقٌ) لأنه أقوى، من حيث أنه يزيل الملك، (وقيل: ظهارٌ) لأن الأصل: بقاء النكاح.
(أو تحريمَ عينها) أو فرجها أو وطئها ( .. لم تحرم) لما روى النسائي: أن رجلًا سأل ابن عباس فقال: إني جعلت امرأتي علي حرامًا، فقال: كذبت، ليست عليك