أَوْ فَقِيرًا -لَا كَافِرًا، وَلَا هَاشِمِيًّا وَلَا مُطلِبِيًّا- سِتِّينَ مُدًّا مِمَّا يَكُونُ فِطْرَةً.
===
الروضة": والأصحُّ: ما قاله الإمام، وقد وافق عليه آخرون (١)، ويعرف دوام المرض شهرين: من العادة الغالبة، أو من قول الأطباء، (أو فقيرًا) لأنه أشد حالًا من المسكين، ويكفي البعض مساكين والبعض فقراء، (لا كافرًا ولا هاشميًّا ولا مطلبيًّا) كالزكاة؛ بجامع التطهير، ولا يجوز صرفها أيضًا إلى من تلزمه نفقته؛ كزوجة وقريب، ولا إلى عبد ومكاتب.
(ستين مدًّا) لكل واحد مد؛ ككفارة وقاع رمضان، وروى البيهقي في حديث سلمة بن صخر: أنه ﷺ أتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا، فقال: "تَصَدَّقْ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا" (٢)، ولأن الله تعالى عوّض عن كل جوعة شبعة مسكين، وغالبُها مد، (مما يكون فطرة) أي: جنس الطعام المخرج هنا جنس المخرج في الفطرة، فلا يجزئ الدقيق والسويق والخبز، ولا التغدية والتعشية.
* * *
стр. 1717
كتابُ اللّعان
يَسْبقُهُ قَذْفٌ. وَصَرِيحُهُ الزِّنَا، كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ: (زَنَيْتَ أَوْ زَنَيْتِ)، أَوْ (يَا زَانِي أَو يَا زَانِيَةُ). وَالرَّمْيُ بِإِيلَاجِ حَشَفَةٍ فِي فَرْجٍ مَعَ وَصْفِهِ بِتَحْرِيمٍ أَوْ دُبُرٍ صَرِيحَانِ
===
(كتاب اللعان)
هو لغة: المباعدة، ومنه: لعنه الله؛ أي: أبعده الله وطرده، سمي بذلك: لبعد الزوجين من الرحمة، أو لبعد كل منهما عن الآخر فلا يجتمعان أبدًا.
وفي الشرع: كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف مَنْ لطخ فراشه والحق العار به، سمي لعانًا؛ لقول الرجل: (عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين)، وإطلاقُه في جانب المرأة: من مجاز التغليب، والمغلب على اللعان حكم اليمين لا الشهادةِ على الأصحِّ.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآيات (١)، والأحاديث فيه كثيرة.
(يسبقه قذف) أو نفي الولد؛ لأنه حجة ضرورة لدفع الحد أو نفي الولد، ولا ضرورة قبل ذلك.
(وصريحه) أي: القذفِ (الزنا؛ كقوله لرجل أو امرأة: "زنيتَ أو زنيتِ"، أو "يا زاني أو يا زانية") لتكرر ذلك وشهرته، ولا يضر اللحن بالتذكير والتأنيث.
هذا إذا قاله لمن يمكن وطؤه في معرض التعيير، فلو قال لابنةِ سنةٍ مثلًا (زنيتِ) .. فليس بقذف؛ كما قاله الماوردي (٢)؛ لأن القذف ما احتمل الصدق أو الكذب، وهذا مقطوع بكذبه.
(والرميُ بإيلاج حشفة في فرج مع وصفه بتحريم) مطلق (أو دبر .. صريحان) لأنه صريح لا يقبل التأويل، وإنما اشترط الوصف بالتحريم في القبل دون الدبر؛ لأن
стр. 1718
وَ (زَنَأتَ فِي الْجَبَلِ) كِنَايَةٌ، وَكَذَا (زَنَأتَ) فَقَطْ فِي الأَصَحِّ. وَ (زَنَيْتِ فِي الْجَبَلِ) صَرِيحٌ فِي الأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (يَا فَاجِرُ)، (يَا فَاسِقُ)، وَلَهَا: (يَا خَبيثَةُ)، وَ (أَنْتِ تُحِبِّينَ الْخَلْوَةَ)، وَلِقُرَشِيٍّ: (يَا نَبَطِيُّ)، وَلِزَوْجَتِهِ: (لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاَءَ) كِنَايَةٌ، فَإِنْ أَنْكَرَ إِرَادَةَ قَذْفٍ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَقَوْلُهُ: (يَا بْنَ الْحَلَالِ)، وَ (أَمَّا أَنَا .. فَلَسْتُ بِزَانٍ)، وَنَحْوُهُ .. تَعْرِيضٌ لَيْسَ بِقَذْفٍ وَإِنْ نَوَاهُ. وَقَوْلُهُ: (زَنَيْتُ بِكِ) إِقْرَار بِزِنًا وَقَذْفٌ
===
الإيلاج في الدبر لا يكون إلا حرامًا، بخلاف القبل.
(و"زنأت) بالهمزة (في الجبل": كناية) لأن الزَّنْء في الجبل: الصعود فيه، وقيل: إنه صريح في العامي الذي لا يعرف اللغة.
(وكذا "زنأت") بالهمزة (فقط في الأصح) لأن ظاهره الصعود، والثاني: إنه صريح، والثالث: إن أحسن العربية .. فكناية، وإلا .. فصريح.
(و"زنيت في الجبل": صريح في الأصح) للظهور فيه؛ كما لو قال: (في الدار)، والثاني: إنه كناية؛ لأن (الياء) قد تقام مقام الهمزة، والثالث: إنه صريح في عالم باللغة دون غيره.
(وقوله: "يا فاجر" "يا فاسق"، ولها) -أي: للمرأة- (: "يا خبيثة" و"أنت تحبين الخلوة"، ولقرشي: "يا نبطي") وعكسه، (ولزوجته: "لم أجدك عذراء" .. كنايةٌ) لاحتمالها القذفَ وغيره.
والمراد في الثالثة: أنه كناية في قذف أُمّ المخاطب، ولو عبر بالعربي بدل القرشي .. لكان أعم.
(فإن أنكر إرادة قذف .. صدق بيمينه) لأنه أعرف بمراده، ويُعزَّر؛ للأذى.
(وقوله: "يا بن الحلال"، و"أما أنا فلست بزان"، ونحوه .. تعريض ليس بقذف وإن نواه) لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ المنوي، وههنا ليس في اللفظ إشعار به، وإنما يفهم بقرائن الأحوال، فلا يؤثر فيه؛ كمن حلف لا يشرب له ماء من عطش، ونوى ألا يتقلد له منّةً؛ فإنه إن شربه من غير عطش .. لم يحنث، وقيل: إنه كناية، وقطع به العراقيون.
(وقوله: "زنيت بك": إقرار بزنًا وقذفٌ) للمقول له، أما كونه إقرارًا ..
стр. 1719
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: (يَا زَانِيَةُ)، فَقَالَتْ: (زَنَيْتُ بِكَ) أَوْ (أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي) .. فَقَاذِفٌ وَكَانِيَةٌ، فَلَوْ قَالَتْ: (زَنَيْتُ وَأَنْتَ أَزْنَى مِنِّي) .. فَمُقِرَّة وَقَاذِفَةٌ. وَقَوْلُهُ: (زَنَى فَرْجُكِ) أَوْ (ذَكَرُكَ) قَذْف. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (يَدُكَ أَوْ عَيْنُكَ)، وَلِوَلَدِهِ: (لَسْتَ مِنِّي) أَوْ (لَسْتَ ابْنِي) كِنَايَةٌ،
===
فلقوله: (زنيت)، وأما كونه قذفًا .. فلقوله: (بك).
(ولو قال لزوجته: "يا زانية"، فقالت: "زنيت بك" أو "أنت أزنى مني" .. فقاذف وكانية) أما كونه قاذفًا .. فلصراحة اللفظ، وأما كونها كانيةً .. فلأن قولها الأول: يحتمل نفي الزنا؛ أي: (لم أفعل كما لم تفعل)، وهذا مستعمل عرفًا؛ كقولك لمن قال: (تغديتَ؟ تغديتُ معك)، وقولَها الثانيَ: يحتمل إرادة (ما وطئني غيرك، فإن كنت زانية .. فأنت أزنى مني؛ لأنني ممكِّنة وأنت فاعل)، (فلو قالت: "زنيت وأنت أزنى مني" .. فمقرة) بالزنا (وقاذفة) له؛ للفظ الصريح الذي لا يحتمل غيره.
(وقوله: "زنى فرجك" أو "ذكرك")، أو (قبلك) أو (دبرك) ( .. قذف) لأنه آلة ذلك العمل.
ولو قال لخنثى: (زنى فرجك) أو (ذكرك) .. قال في "البيان": الذي يقتضيه المذهب: أنه كإضافته إلى اليد، حتى يكون كناية على الأصحِّ، فلو جمع بين الفرج والذكر .. كان صريحًا، نقله عنه الرافعي في (باب حد القذف) والمصنف هنا (١).
(والمذهب: أن قوله: "يدُك أو عينُك"، ولولده: "لستَ مني" أو "لستَ ابني" .. كناية).
أما في الأولى .. فلأن المفهوم من زنا هذه الأعضاء اللمس والنظر على ما قاله النبي ﷺ : "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ" (٢)، فلا ينصرف إلى الزنا الحقيقي إلا بإرادته، ولهذا لو نسب ذلك إلى نفسه .. لم يكن إقرارًا قطعًا،
стр. 1720
وَلِوَلَدِ غَيْرِهِ: (لَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ) صَرِيحٌ، إِلَّا لِمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ. وَيُحَدُّ قَاذِفُ مُحْصَنٍ، ويُعَزَّرُ غَيْرُهُ. وَالْمُحْصَنُ: مُكَلَّفٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ، عَفِيفٌ عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ
===
وقيل: إنه صريح؛ قياسًا على الفرج؛ لأنه أضاف الزنا إلى عضو من الجملة، وأما في الثانية .. فلأن الأب يحتاج في تأديب الولد إلى مثل هذا الكلام؛ زجرًا له، فيحمل على التأديب.
(ولولد غيره: "لست ابن فلان" .. صريحٌ) في قذف أمه؛ لأنه لا يحتاج إلى تأديب ولد غيره، والطريق الثاني: حكاية قولين في ولده وولد غيره؛ أحدهما: أنه صريح فيهما؛ لأنه السابق إلى الفهم؛ لأنه لا يحتمل غير القذف.
(إلا لمنفي بلعان) أي: إذا قال لمن نفى نسبه في حال انتفائه: (لست ابن فلان) -يعني: الملاعن- .. فليس بصريح في قذف أمه؛ لجواز إرادة لست ابنه شرعًا، أو لست تشبهه خَلْقًا وخُلُقًا، فإن قال: (قصدت القذف) .. رتب عليه موجبه؛ من حد أو تعزير، أو (لم أرد قذفًا) .. حلف وعزر؛ للأذى، ولو قال له ذلك بعد استلحاق النافي له .. كان صريحًا في القذف على المذهب، اللهم؛ إلا أن يدعي احتمالًا ممكنًا؛ كقوله: (لم يكن ابنه حين نفاه)، فإنه يصدق بيمينه؛ كما رجحه في "زيادة الروضة"، ونقله عن الماوردي (١).
(ويحد قاذف محصن) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية، (ويعزر غيره) أي: قاذفُ غير المحصن؛ كالعبد والصبي والزاني؛ للإيذاء.
(والمحصن: مكلف، حر، مسلم، عفيف عن وطء يحد به) بالاتفاق؛ لأن الله تعالى شرط فيه الإحصان، وهو الكمال، وأضداد ما شرطناه نقص.
وفي الخبر: "مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ .. فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ" (٢)، وإنما جعل الكافر محصنًا في حد الزنا؛ لأن حده إهانة له، والحد بقذفه إكرامٌ.
стр. 1721
وَتَبْطُلُ الْعِفَّةُ بِوَطْءِ مَحْرَمٍ مَمْلُوكَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا زَوْجَتِهِ فِي عِدَّةِ شُبْهَةٍ وَأَمَةِ وَلَدِهِ وَمَنْكُوحَتِهِ بِلَا وَليٍّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ زَنَى مَقْذُوفٌ .. سَقَطَ الْحَدُّ، أَوِ ارْتَدَّ .. فَلَا. وَمَنْ زَنَى مَرَّةً ثُمَّ صَلُحَ .. لَمْ يَعُدْ مُحْصَنًا. وَحَدُّ الْقَذْفِ يُورَثُ وَيَسْقُطُ بِعَفْوٍ،
===
(وتبطل العفة بوطء محرم مملوكة) له (على المذهب) إذا علم التحريم؛ لدلالته على قلة مبالاته، بل غِشْيان المحارم أشد من مباشرة الأجنبيات.
وأشار بتعبيره بـ (المذهب): إلى أنا إذا أوجبنا الحد بذلك .. بطلت عفته، وإن لم نوجبه -وهو الأصح- .. بطلت أيضًا على الأصحِّ؛ لما قلناه.
(لا زوجته في عدة شبهة) لأن التحريم عارض يزول، (وأمة ولده ومنكوحته بلا ولي في الأصح) لقوة الشبهة فيهما، ومن ثَمّ لحق النسب فيهما، والثاني: أنها تبطل؛ لحرمته.
(ولو زنى مقذوف) قبل أن يحد له ( .. سقط الحد) عن قاذفه، (أو ارتد .. فلا).
والفرق: أن الزنا يكتم ما أمكن، فإذا ظهر .. أشعر بسبق مثله؛ لأن الله تعالى كريم لا يهتك الستر أول مرة على ما قاله عمر ﵁ (١)، والردةَ عقيدة، والعقائد لا تخفى غالبًا، فإظهارها لا يدل على سبق الإخفاء.
(ومن زنى مرة ثم صلح .. لم يعد محصنًا) أبدًا؛ لأن العرض إذا انثلم .. لم تنسد ثلمته، واستشكله الإمام؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٢).
(وحد القذف) وتعزيره (يورث) كسائر الحقوق، (ويسقط بعفو) عن جميعه؛ كغيره، فلو عفا عن بعضه .. لم يسقط منه شيء؛ كما ذكره الرافعي في (الشفعة) (٣)، ويسقط التعزير أيضًا بالعفو؛ كما قاله في "الروضة"، واستشُكل بتصحيحه في (باب التعزير) جوازَ استيفاء الإمام له مع العفو (٤).
стр. 1722
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَرِثُهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ .. فَلِلْبَاقِي كُلُّهُ.
فصلٌ [في قذف الزوج خاصة]
لَهُ قَذْفُ زَوْجَةٍ عَلِمَ زِنَاهَا أَوْ ظَنَّهُ ظَنًّا مُؤَكَّدًا كَشَيَاعٍ زِنَاهَا بِزَيْدٍ مَعَ قَرِينَةٍ؛ بِأَنْ رَآهُمَا فِي خَلْوَةٍ. وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ .. لَزِمَهُ نفْيُهُ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَطَأْ، أَوْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِينَ،
===
(والأصح: أنه يرثه كل الورثة) كالقصاص، فيقدم من يقدم في الإرث، والثاني: جميعهم إلا الزوجين؛ لارتفاع النكاح بالموت، والثالث: رجال العصبات فقط؛ لأنه لدفع العار، فاختص بهم؛ كولاية التزويج.
(وأنه لو عفا بعضهم .. فللباقي كله) لأن الحد يثبت لهم ولكل واحد منهم؛ كولاية التزويج وحق الشفعة، والثاني: يسقط جميعه؛ كالقصاص.
وفرق الأول: بأن القصاص له بدل يعدل إليه، فلم يفوت عليهم بالعفو شيئًا، بخلاف الحد.
والثالث: يسقط نصيب العافي ويستوفي الباقي؛ لأنه قابل للتقسيط، بخلاف القصاص.
* * *
(فصل: ) في قذف الزوج خاصة (له قذف زوجة علم زناها) بأن رآها تزني، (أو ظنه ظنًّا مؤكدًا؛ كشياع زناها بزيد مع قرينة؛ بأن رآهما في خلوة)، أو أقرت عنده بالزنا ووقع في قلبه صدقها، أو أخبره ثقة بزناها ولو لم يكن من أهل الشهادة؛ لأنه رواية؛ لأن الظن مع القرينة التحق في هذه الحالة بالعلم.
(ولو أتت بولد علم أنه ليس منه) أو ظنه ظنًّا مؤكدًا ( .. لزمه نفيه) لأن تركه يتضمن استلحاقه، وهو حرام.
(وإنما يعلم: إذا لم يطأ) أصلًا، (أو ولدته لدون ستة أشهر) من الوطء (١) (أو فوق أربع سنين) لأن الحمل لا يكون أقلَّ من ستة أشهر ولا أكثرَ من أربع سنين، فلزم
стр. 1723
فَلَوْ وَلَدَتْهُ لِمَا بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ بِحَيْضَةٍ .. حَرُمَ النَّفْيُ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِفَوْقِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الاسْتِبْرَاءِ .. حَلَّ النَّفْيُ فِي الأَصَحِّ
===
أن يكون من حمل آخر قبله أو بعده، ولو استدخلت ماءه .. لم يحل له النفي وإن كان لم يطأ.
(فلو ولدته لما بينهما) أي: بين ستة أشهر وأربع سنين (ولم يستبرئ بحيضة .. حرم النفي)، ولا عبرة بريبة يجدها في نفسه أو شبهةٍ تخيل إليه فسادًا، وقد صح من حديث أبي هريرة ﵁: أنه ﷺ قال: "أَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ .. احْتَجَبَ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخلائِقِ" (١).
(وإن ولدته لفوق ستة أشهر من الاستبراء .. حل النفي في الأصح) لأن الاستبراء أمارة ظاهرة على أنه ليس منه، لكن المستحب ألا ينفيه؛ لأن الحامل قد ترى الدم، وهذا ما رجحه في "المحرر" و"الشرح الصغير" (٢)، والثاني: إن رأى بعد الاستبراء القرينة المبيحة للقذف .. جاز النفي، بل يلزمه؛ لأن الغالب على الظن والحالة هذه أنه ليس منه، وإن لم ير شيئًا .. لم يجز، وهذا ما صححه في "زيادة الروضة" (٣)، وليس هو في "الرافعي"، بل اقتضاء إيراد "الشرح الكبير": ما صححه في "الكتاب"، وقال في "المهمات": إن المعتمد: ما صححه في "الروضة" (٤).
وقال الزركشي: يجب تقييد ما رجحه في "الكتاب": بما إذا كان هناك تهمة الزنا، وإلا .. فمجرد الاستبراء لا يبيح ذلك قطعًا، ونصّ "الأم" مصرّح به. انتهى.
وقوله: (من الاستبراء): تبع فيه الرافعي هنا، وصحح في "زيادة الروضة": اعتبارَها من حينِ يزني الزاني بها، ونقله عن جمع؛ لأن مستند اللعان زناه، فذا
стр. 1724
وَلَوْ وَطِئَ وَعَزَلَ .. حَرُمَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ عَلِمَ زِنَاهَا وَاحْتَمَلَ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَمِنَ الزِّنَا .. حَرُمَ النَّفْيُ، وَكَذَا الْقَذْفُ وَاللِّعَانُ عَلَى الصَّحِيح.
فصلٌ [في كيفية اللعان وشروطه وثمراته]
اللِّعَانُ: قَوْلُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: (أَشْهَدُ باللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بهِ هَذِهِ مِنَ الزِّنَا)،
===
ولدت لدون ستة أشهر من زناه ولأكثر من ستة أشهر من الاستبراء .. فالولد ليس من ذلك الزنا يقينًا، قال: وهذا واضح (١)، فكان ينبغي: أن يزيد ذلك في هذا (٢)؛ ليسلم من التناقض.
(ولو وطئ وعزل .. حرم) النفي (على الصحيح) لأن الماء قد يسبق من غير أن يحس به، ومقابله: احتمال للغزالي أقامه المصنف وجهًا (٣).
(ولو علم زناها واحتمل كون الولد منه ومن الزنا .. حرم النفي) لقيام الاحتمال، والولد للفراش.
(وكذا القذف واللعان على الصحيح) لأن نسبتها إلى الزنا وإثباته عليها يعير به الولد، وربما تطلق فيه الألسنة فيتضرر به، والثاني: يجوز انتقامًا منها؛ كما إذا لم يكن ولد، وهذا ما ذكر الإمام أنه القياس، فأثبته الشيخان وجهًا (٤).
* * *
(فصل: اللعان: قوله أربعَ مرات: "أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به) زوجتي (هذه من الزنا") إذا كانت حاضرة؛ أما اعتبار العدد .. فلقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، ولأن يمينه أقيمت مقام أربعة شهود من غيره؛ ليقام عليها الحد، ولذلك سميت شهادات، وهي في الحقيقة أيمان، وأما اعتبار تسمية ما رماها به .. فلأنه المحلوف عليه.
стр. 1725
فَإِنْ غَابَتْ .. سَمَّاهَا وَرَفَعَ نَسَبَهَا بِمَا يُمَيزُهَا، وَالْخَامِسَةَ: (أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا). وَإِنْ كَانَ وَلَدٌ يَنْفِيهِ .. ذَكَرَهُ فِي الْكَلِمَاتِ فَقَالَ: (وَإِنَّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ، أَوْ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ زِنًا لَيْسَ مِنِّي)
===
ومحل قوله: (من الزنا): إذا قذفها بالزنا، فإن لاعن لنفي ولد أو حملٍ بلا قذف .. قال: (إني لمن الصادقين فيما رميت به هذه من إصابة غيري لها على فراشي، وإن هذا الولد منه من تلك الإصابة لا منّي).
(فإن غابت) عن البلد أو مجلس اللعان لمرض أو حيض ونحوهما ( .. سماها ورفع نسبها بما يميزها) عن غيرها، دفعًا للاشتباه.
قال ابن الملقن: (ولا يبعد أن يقوم وصفها بما هي مشهورة به مقام الرفع في نسبها. انتهى (١).
وفي "تعليق الشيخ أبي حامد": ذكر ما يميزها عن سائر زوجاته إن كان في نكاحه غيرها، قال الرافعي: وهذا يشعر بالاستغناء بقوله: (زوجتي) عن الاسم والنسب إذا لم يكن تحته غيرها (٢).
(والخامسةَ: "أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا") للآية، ويعرفها في الغيبة والحضور، كما سلف.
(وإن كان ولد ينفيه .. ذكره في الكلمات) الخمس (فقال) في كل واحدة منها: ("وإن الولد الذي ولدته) إن كان غائبًا، (أو هذا الولد) إن كان حاضرًا (من زنًا ليس مني") لأن كل مرة بمنزلة شاهد، ولو أغفل ذكر الولد في بعض الكلمات .. احتاج إلى إعادة اللعان لنفيه.
وقضية كلامه: أنه لو اقتصر على ذكر (الزنا) ولم يقل: (ليس مني) .. أنه لا يكفي، وبه أجاب كثيرون، كما قاله الرافعي في "الشرح الكبير"، وحكاه في "الكفاية" عن الأكثرين، لكن صحح في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير": الاكتفاءَ به، ونقل تصحيحه في "الكبير": عن البغوي فقط، قال الأَذْرَعي:
стр. 1726
وَتقولُ هِيَ: (أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا)، وَالْخَامِسَةَ: (أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيهِ). وَلَوْ بُدِّلَ لَفْظُ شَهَادَةٍ بحَلِفٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ غَضبٍ بِلَعْنٍ، وَعَكْسِهِ أَوْ ذُكِرَا قَبْلَ تَمَامِ الشَّهَادَاتِ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ
===
والمذهب: أنه لا يكفي، ولم أر من رجح الاكتفاء به غير البغوي وأتباعه (١).
ولو اقتصر على قوله: (ليس مني) .. لم يكف على الصحيح؛ لاحتمال إرادته عدمَ الشبه في الخَلْق والخُلُق.
(وتقول هي: "أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا") إن كان رماها به، أما لو لاعن لنفي ولد من غير قذف .. لم تقل ذلك، بل ما يقتضيه الحال.
وكان ينبغي أن يقول: (ثم تقول) لأن تأخير لعانها شرط؛ كما سيأتي.
(والخامسةَ: "أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيه") أي: فيما رماني به من الزنا؛ للآية، والقول في تعريفه حاضرًا وغائبًا كما سبق في جانبها. ولا يحتاج إلى ذكر الولد على الصحيح؛ لأنه لا يتعلق بذكره في لعانها حكم، فلم يحتج إليه، ولو تعرضت له .. لم يضر.
(ولو بدل لفظ شهادة بحلف ونحوه) كقوله: (أقسم بالله) أو (أحلف بالله) .. قال المنكت: عبارة مقلوبة، وصوابه: (حلفٍ بشهادة)، لأن (الباء) تدخل على المتروك (٢)، (أو غضب بلعن، وعكسه) بأن ذكر الرجل الغضب والمرأة اللعن، وقوله: (وعكسه): من زيادته على "المحرر"؛ كما قاله في "الدقائق"، ولا يفهم العكس من قول "المحرر": (ولا يجوز إبدال الغضب باللعن) لتفاوت المعنى (٣)، (أو ذكرا) أي: الغضب واللعن (قبل تمام الشهادات .. لم يصح في الأصح)، الخلاف في هذه المسائل مبني: على أن المراعى في اللعان: اللفظ ونظم التنزيل، أو المعنى، وفيه وجهان، فلا يصح على الأول، ويصح على الثاني.
стр. 1727
ويُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرُ الْقَاضِي، ويُلَقَنُ كَلِمَاتِهِ، وَأَنْ يَتَأَخَّرَ لِعَانُهَا عَنْ لِعَانِهِ. وَيُلَاعِنُ أَخْرَسٌ بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ. وَيَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَفِيمَنْ عَرَفَ الْعَرَبِيّةَ وَجْهٌ
===
(ويشترط فيه) أي: في اللعان (أمر القاضي) أو نائبه؛ كاليمين في سائر الخصومات؛ لأن المغلب على اللعان حكم اليمين على الأصحِّ، وإن غلب فيه معنى الشهادة .. فهي لا تؤدى إلا عنده.
(ويلقن كلماته)، فيقول له القاضي أو من في معناه في كل مرة: (قل: كذا)، وكذلك للمرأة، فلو ابتدأ الملاعن بها .. لم يعتد بها دون إحلاف القاضي.
وعطفُه التلقينَ على الأمر يقتضي: أنهما متغايران، وليس كذلك، بل الأمر هو التلقين، ولهذا اقتصر في "الروضة" على الأمر (١)، ويحتمل أن يراد بالأمر: قوله: (قل)، و (أشهد) ... إلى آخره تلقينٌ.
(وأن يتأخر لعانها عن لعانه) لأن لعانها لإسقاط الحد، وإنما يجب الحد عليها بلعانه، فلا حاجة إلى لعانها قبله.
(ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة) كالبيع والنكاح وغيرهما، بل أولى؛ لأن اللعان مما تدعو الضرورة إليه، وهذا بناء على أن المغلب في اللعان: شائبة اليمين؛ إذ لو غلبت الشهادة .. لما صح؛ فإن شهادة الأخرس لا تقبل.
وأفهم: أن من لا تفهم إشارته ولا كتابته لا يصح لعانه، وهو كذلك؛ كغيره من العقود.
(ويصح بالعجمية) وإن عرف العربية؛ لأنه إما يمين أو شهادة، وكلاهما باللغتين سواء.
(وفيمن عرف العربية وجه): أنه لا يصح لعانه بغيرها؛ لأنها التي ورد الشرع بها، وقال في "المطلب": إنه الأشبه، وقال الأَذْرَعي: إنه الذي أورده جمهور العراقيين وغيرهم، وهو ظاهر النص، والرافعي تابع البغوي، في ترجيح الأول (٢).
стр. 1728
وَيُغَلَّظُ بِزَمَانٍ؛ وَهُوَ بَعْدَ عَصْرِ جُمُعَةٍ، وَمَكَانٍ؛ وَهوَ أَشْرَفُ بَلَدِهِ، فَبمَكَّةَ: بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَالْمَدِينَةِ: عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ: عِنْدَ الصخْرَةِ،
===
ثم إن جهل القاضي تلك اللغة .. فلا بدّ من مترجم، ويكفي اثنان، وقيل: يشترط من جانب الرجل أربعة.
(ويغلظ بزمان، وهو بعد) صلاة (عصر جمعة) لأن يوم الجمعة أشرف أيام الأسبوع، وإنما كان بعد صلاة العصر، لأن الإثم فيه أشد، فإن ساعة الإجابة فيه؛ كما رواه أبو داوود والنسائي، وصححه الحاكم (١)، وهذا إذا لم يكن طلب حاث، فإن كان .. فبعد العصر أيَّ يوم كان.
(ومكانٍ، وهو أشرف بلده) أي: اللعان (فبمكة: بين الركن) الذي فيه الحجر الأسود (والمقام)، وهو المُسمَّى بالحطيم، قال الزركشي: وما صرحوا به من كونه أشرفَ بقاع مكة .. مردود؛ فإنه لا شيء فيها أشرف من البيت، فالوجه: ما قاله القفال: إنه يكون في الحِجْر؛ لأنه من البيت.
(والمدينةِ: عند المنبر) مما يلي القبر الشريف؛ لقوله ﷺ : "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ" (٢).
وظاهر كلامه: أنه لا يصعد المنبر، وهو وجه، والأصح في "أصل الروضة": أنه يصعد، ونصّ عليه في "الأم" و"المختصر" (٣)، لقوله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا يَمِينًا آثِمَةً .. تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، صححه ابن حبان والحاكم (٤).
(وبيتِ المقدس: عند الصخرة) لأنها أشرف مكان فيه، إذ هي قبلة الأنبياء
стр. 1729
وَغَيْرِهَا: عِنْدَ مِنْبَرِ الْجَامِعِ، وَحَائِضٌ: بِبَابِ الْمَسْجِدِ، وَذِمِّيٌّ: فِي بِيعَةٍ وَكَنِيسَةٍ،
===
صلوات الله عليهم أجمعين، وفي "ابن ماجه": أنها من الجنة (١).
(وغيرِها) -أي: غير هذه الأماكن الثلاث- (عند منبر الجامع) لأنه المعظم منه، قالا: وطرد المتولي في صعوده الخلاف المار (٢)، وقضيته: ترجيح صعوده، وصححه صاحب "الكافي"، وقيل: لا يختص بالمنبر؛ إذ لا مزية لبعض الجامع على بعض، ويخالف المدينة؛ لخصوصية منبر النبي ﷺ بما مرّ.
(وحائضٌ) ونحوها: (بباب المسجد) لتحريم مكثها فيه، والباب أقرب إلى الموضع الشريف، قال المتولي: وهذا إذا رأى الإمام تعجيل اللعان، فلو رأى تأخيره إلى انقطاع الدم وغسلها .. جاز، نقله في "الكفاية"، قال: وهو في الجنب أولى (٣).
والمراد بالحائض: المسلمة، أما الذمية .. ففي المسجد على الأصحِّ، وكذا الذمي الجنب؛ كذا في "أصل الروضة" هنا، وقال الرافعي: إنه سبق في الصلاة كذلك، والذي سبق هناك: الجزم بمنع الحائض، وتصحيح الجواز في الجنب فقط (٤).
(وذميٌّ في بيعة) للنصارى (وكنيسة) لليهود؛ لأن ذلك عندهم كالمساجد عندنا.
ويقول اليهودي: (أشهد بالله الذي أنزل التوراة على موسى)، والنصراني: (أشهد بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى).
قال الماوردي: ولا يحلف اليهودي بموسى ﷺ ، كما لا يحلف المسلم بمحمد ﷺ ، بل ذلك محظور (٥).
стр. 1730
وَكَذَا بَيْتُ نَارِ مَجُوسِيٍّ فِي الأَصَحِّ، لَا بَيْتُ أَصْنَامِ وَثَنِيٍّ، وَجَمْعٍ أَقَلُّهُ أَرْبَعَةٌ. وَالتَّغْلِيظَاتُ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيُسَنُّ لِلقَاضِي وَعْظُهُمَا، ويُبَالِغُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، وَأَنْ يَتَلَاعَنَا قَائِمَيْنِ
===
(وكذا بيت نار مجوسي في الأصح) لأنهم يعظمونه، والمقصود الزجر عن الكذب، والثاني: لا، بل يكون في المسجد أو مجلس الحكم؛ لأنه لم يعظم في شريعة قط، بخلاف البِيَع والكنائس.
(لا بيتُ أصنام وثني)، بل في مجلس الحكم؛ لأن دخوله معصية؛ كما حكاه الماوردي عن الأصحاب (١).
وصورة المسألة: أن يدخل دارنا بهدنة أو أمان.
وسكت عمن لا ينتحل ملة؛ كالدهري والزنديق؛ فلا يغلظ في حقه في الأصحِّ؛ لأنه لا يعظم شيئًا، قالا: ويحسن أن يحلف بالله الذي خلقه ورزقه (٢).
(وجمع) من الأعيان والصلحاء؛ لأن فيه ردعًا عن الكذب، (أقلُّه أربعة) لأن اللعان سبب للحد، ولا يثبت الحد إلا بأربعة، فاستحب حضور ذلك العدد، قال ابن الرفعة في "حاشية الكفاية": (ومن هذا يظهر: اعتبار كونهم من أهل الشهادة؛ كما قاله الماوردي ((٣).
(والتغليظات سنة لا فرض على المذهب) كسائر الأيمان، وقيل: تجب؛ للاتباع، ولأنه لو لم تجب .. لما جاز؛ لما فيه من الاشتهار.
(ويسن للقاضي وعظهما) بالتخويف من عذاب الله تعالى؛ للاتباع، (ويبالغ عند الخامسة) لعله يرجع؛ لأنها موجبة، (وأن يتلاعنا قائمَين)، فيقوم الرجل عند لعانه والمرأةُ جالسة، ثم تقوم عند لعانها ويقعد الرجل؛ لثبوت ذلك في قصة هلال بن أمية (٤)، ولأن قيامه أبلغ في الردع.
стр. 1731
وَشَرْطُهُ: زَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَلَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ وَطْءٍ فَقَذَفَ وَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ .. لَاعَنَ، وَلَوْ لَاعَنَ ثُمَّ أَسْلَمَ فِيهَا .. صَحَّ، أَوْ أَصَرَّ .. صَادَفَ بَيْنُونَةً. وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ: فُرْقَةٌ، وَحُرْمَةٌ ومُؤَبَّدَةٌ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ،
===
(وشرطه: زوج)، فغير الزوج لا يصح لعانه؛ لأجل القذف، لظاهر الآية، والفرق بين الزوج وغيره: احتياج الزوج للقذف، لإفسادها فراشَه، بخلاف الأجنبي.
والمراد بالزوج: من له علقة النكاح؛ لئلا يرد لعان البائن لنفي الولد (١) ولإسقاط الحد بالقذف في النكاح، والموطوءة بِنكاح فاسد أو شبهة.
(يصح طلاقه) فلا يصح من صبي ومجنون ومكره، بخلاف السكران والذمي والرقيق والمحدود في القذف؛ لأن اللعان يمين، فاشترط فيه ما شرط في الحالف دون الشاهد، والمراد: من يصح طلاقه في الجملة؛ لئلا ترد (المسألة السُرَيجية) إذا فرعنا على إنسداد باب الطلاق؛ فإنه زوج لا يصح طلاقه، ومع ذلك يصح لعانه.
(ولو ارتد بعد وطء فقذف وأسلم في العدة .. لاعن) لدوام النكاح، (ولو لاعن) في الردة (ثم أسلم فيها) أي: في العدة ( .. صح) لتبين وقوعه في صلب النكاح، وكفره لا يمنع صحته؛ كالذمي، (أو أصر) على الردة إلى انقضاء العدة ( .. صادف بينونة) لتبين انقطاع الزوجية بالردة، فإن كان هناك ولد ونفاه باللعان .. نفذ، وإلا .. تبين فساده، ولا يندفع بذلك حد القذف في الأصحِّ.
(ويتعلق بلعانه) أي: الزوجِ ولو كاذبًا (فرقة، وحرمة مؤبدة) لحديث: "الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا"، رواه أبو داوود (٢)، (وإن أكذب نفسه)، فلا يفيده ذلك عود النكاح ولارفع تأبد الحرمة؛ لأنهما حق له وقد بطلا، فلا يتمكن من عودهما، بخلاف الحد ولحوق النسب، فإنهما يعودان؛ لأنهما حق عليه.
стр. 1732
وَسُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ، وَوُجُوبُ حَدِّ زِنَاهَا، وَانْتِفَاءُ نَسَبٍ نَفَاهُ بِلِعَانِهِ. وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى نَفْيِ مُمْكِنٍ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ؛ بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتة أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ، أَوْ طَلَّقَ فِي مَجْلِسِهِ، أَوْ نَكَحَ وَهُوَ بِالْمَشْرِقِ وَهِيَ بِالْمَغْرِبِ .. لَمْ يَلْحَقْهُ. وَلَهُ نَفْيُهُ مَيتًا
===
(وسقوطُ الحد عنه) بسبب قذفها وقذف من زنا بها إن سماه في اللعان؛ للآية، فإن لم يسمه .. لم يسقط عنه حده في الأصحِّ.
وكان ينبغي التعبير: بـ (العقوبة) بدل (الحد) ليشمل حد القذف وتعزيره.
(ووجوبُ حد زناها) إن لم تلتعن؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]، فدل على وجوبه عليها بلعانه، هذا إذا قذفها بزنًا أضافه إلى حال الزوجية وكانت مسلمة، أما لو قذفها بزنًا أضافه إلى ما قبل الزوجية .. فسيأتي.
وإن كانت كتابية .. فالنص: أنها لا تجبر على اللعان، ولا تحد إذا امتنعت حتى ترضى بحكمنا، فإذا رضيت .. حكمنا في حقها بما نحكم به في حق المسلمة (١).
(وانتفاءُ نسب نفاه بلعانه) للسنة الثابتة فيه (٢).
وقد يفهم: حصر أحكام لعانه في هذه الخمسة، وليس كذلك، بل يتعلق بلعانه أيضًا: سقوطُ حصانتها في حق الزوج إن لم تلاعن، وتشطّرُ الصداق قبل الدخول، واستباحةُ نكاح أختها وأربع سواها في عدتها؛ كما قاله في "زيادة الروضة" (٣).
(وإنما يحتاج إلى نفي ممكن منه، فإن تعذّر؛ بأن ولدته) تامًّا (لستة أشهر من العقد، أو طلق في مجلسه) -أي: مجلس العقد- (أو نكح وهو بالمشرق وهي بالمغرب)، ولم يمض زمن يمكن فيه اجتماع ووطء وحمل أقل مدة الحمل، أو كان الزوج صغيرًا لا يمكن العلوق منه أو ممسوحًا ( .. لم يلحقه) لاستحالة كونه منه.
(وله نفيه ميتًا) لأن نسبه لا ينقطع بالموت، بل يقال: (مات ابن فلان)، و (هذا قبر ولد فلان)، وفائدته: إسقاط مؤنة التجهيز.
стр. 1733
وَالنَّفْيُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْجَدِيدِ وَيُعْذَرُ لِعُذْرٍ. وَلَهُ نَفْيُ حَمْلٍ وَانْتِظَارُ وَضْعِهِ. وَمَنْ أَخَّرَ وَقَالَ: (جَهِلْتُ الْوِلَادَةَ) .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ غَائِبًا، وَكَذَا الْحَاضِرُ فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ جَهْلُهُ فِيهَا
===
ولو استلحق الولد المنفي بعد موته .. لحقه واستحق إرثه، ولو استلحقه ثم نفاه .. لم ينتف عنه جزمًا.
(والنفي على الفور في الجديد) لأنه شُرِع لدفع ضرر تحقق، فكان على الفور؛ كالرد بالعيب وخيار الشفعة، والقديم: المنع؛ لأن أمر النسب خطير، وربما احتاج إلى نظر وتأمل، وعلى هذا؛ قيل: يمتد ثلاثة أيام؛ لأن الشرع اعتبرها في مواضع؛ للتروي، وقيل: على التراخي أبدًا، ولا يسقط إلا بالإسقاط.
ومحل الخلاف: في نفي الولد، أما اللعان .. فله تأخيره.
(ويعذر) في تأخير النفي (لعذر) من مرض وكل عذر مسقط للجمعة؛ لأنه لا يعد مقصرًا، لكن إن أمكنه الإشهاد .. فعليه أن يشهد، وإلا .. بطل حقه.
(وله نفيُ حمل) لقصة هلال بن أمية؛ فإنه لاعن عن الحمل قبل وضعه، متفق عليه (١)، (وانتظارُ وضعه) ليلاعن على يقين؛ فان المتوهم حملًا قد يكون ريحًا فينفش.
نعم؛ لو قال: (علمت أن الحمل ولد، وأخرت طمعًا في موته أو موتها فأُكْفَى اللعانَ) .. لحقه في الأصحِّ المنصوص؛ لتفريطه مع علمه.
(ومن أخر وقال: "جهلت الولادة" .. صدق بيمينه إن كان غائبًا) لموافقته الظاهرَ.
نعم؛ إن استفاض واشتهر .. لم يصدق؛ كما حكياه عن "الشامل" وأقراه (٢).
(وكذا الحاضر في مدة يمكن جهله فيها) كأن كانا في محلتين وأمكن الخفاء عليه؛ لاحتمال صدقه، فإن لم يمكن؛ بأن كانا في دار واحدة ومضت مدة يبعد
стр. 1734
وَلَوْ قِيلَ لَهُ: (مُتِّعْتَ بِوَلَدِكَ) أَوْ (جَعَلَهُ اللهُ لَكَ وَلَدًا صَالِحًا) فَقَالَ: (آمِينَ)، أَوْ (نَعَمْ) .. تَعَذَّرَ نَفْيُهُ، وَإِنْ قَالَ: (جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا) أَوْ (بَارَكَ اللهُ عَلَيْكَ) .. فَلَا. وَلَهُ اللِّعَانُ مَعَ إِمْكَانِ بيِّنَةٍ بزِنَاهَا، وَلَهَا لِدَفْع حَدِّ الزِّنَا.
فصلٌ [في المقصود الأصلي من اللعان]
لَهُ اللِّعَانُ لِنَفْيِ وَلَدٍ وَإِنْ عَفَتْ عَنِ الْحَدِّ وَزَالَ النِّكِّاحُ، وَلِدَفْعِ حَدِّ الْقَذْفِ وَإِنْ زَالَ النِّكاحُ وَلَا وَلَدَ، وَلِتَعْزِيرِهِ، إِلَّا تَعْزِيرَ تأدِيبٍ لِكَذِبٍ؛ كَقَذْفِ طِفْلَةٍ لَا تُوطَأُ
===
الخفاء فيها .. لم يقبل؛ لمخالفة الظاهر إذن.
(ولو قيل له: "متعت بولدك" أو "جعله الله لك ولدًا صالحًا"، فقال: "آمين" أو "نعم" .. تعذر نفيه) ولحقه الولد؛ لأن ذلك يتضمن الرضا به.
(وإن قال: "جزاك الله خيرًا"، أو "بارك الله عليك" .. فلا) يتعذر النفي؛ لاحتمال أنه قصد مقابلة الدعاء، فلا يكون مقرًا بالشك.
وصورة المسألة: أن يقول ذلك وهو متوجه إلى الحاكم، أو في حالة يعذر فيها بالتخلف؛ كالليل ونحوه، أو يهنئه من لا يسقط الحق بإخباره.
(وله اللعان مع إمكان بينة بزناها) لأن كلًّا منهما حجة، (ولها لدفع حد الزنا) المتوجه عليها بلعان الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]، ولا يحل لها النكول عن اللعان إذا كانت صادقة في نفس الأمر؛ كي لا يكون عونًا على جلدها أو رجمها وفضيحة أهلها، قاله الشيخ عز الدين، وصوّب (١).
* * *
(فصل: له اللعان لنفي ولد وإن عفت عن الحد وزال النكاح) بطلاق أو غيره؛ للحاجة إليه، بل نفي النسب آكد من درء الحد.
(ولدفع حد القذف وإن زال النكاح ولا ولد) لحاجته إليه أيضًا.
(ولتعزيره) الواجب على القاذف؛ كقذف زوجته الذمية أو الأمة؛ لأنه غرض صحيح، (إلا تعزير تأديب لكذب؛ كقذف طفلة لا توطأ) أي: لا يمكن وطؤها؛
стр. 1735
وَلَوْ عَفَتْ عَنِ الْحَدِّ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِزِنَاهَا أَوْ صَدَّقَتْهُ وَلَا وَلَدَ يَنْفِيهِ، أَوْ سَكَتَتْ عَنْ طَلَبِ الْحَدِّ أَوْ جُنَّتْ بَعْدَ قَذْفِهِ .. فَلَا لِعَانَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَبَانَهَا أَوْ مَاتت ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا مُطْلَقٍ، أَوْ مُضَافٍ إِلَى مَا بَعْدَ النِّكَاحِ .. لَا عَنَ إِنْ كَانَ وَلَدٌ يَلْحَقُهُ، فَإِنْ أَضَافَ إِلَى مَا قَبْلَ النِّكاحِ .. فَلَا لِعَانَ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ،
===
للعلم بكذبه، بل يعزر؛ تأديبًا على الكذب حتى لا يعود للإيذاء.
(ولو عفت عن الحد) أو التعزير، (أو أقام بينة بزناها، أو صدقته، ولا ولد) ولا حمل (ينفيه (١)، أو سكتت عن طلب الحد) ولم تعف، (أو جُنّت بعد قذفه .. فلا لعان في الأصح) في المسائل الخمس.
وجه الأصحِّ في عفوها: أن اللعان حجة ضرورية، إنما يستعمل لغرض مهم؛ وهو دفع النسب أو عقوبة القذف، ولا ضرورة هنا، ووجه مقابله: قطع النكاح ودفع عار الكذب عنه.
ووجه الأصحِّ في إقامة البينة أو تصديقها: ثبوت قوله بحجة أقوى من اللعان، فلا فائدة في اللعان، ووجه مقابله: قصد التحريم المؤبد وغيره.
ووجه الأصحِّ فيما إذا سكتت أو جُنت: عدم ضرورته إليه، وإنما تلاعن عند الضرورة إليه، ووجه مقابله: أن له غرضًا في إسقاط الحد؛ لأنه معرض للطلب في كل وقت.
وكان الأولى: تأخير قوله: (ولا ولد) إلى آخر الصور؛ لئلا يرد عليه: ما لو كان ولدٌ أو حمل في مسألتي السكوت والجنون .. فإن له اللعانَ قطعًا.
وكلامه يوهم: تساوي الكل في عدم اللعان، وليس كذلك، بل هو في الثلاث الأُوَل مطلق وفي الأخيرتين منفي في الحال خاصة، فإذا طولب .. لاعن.
(ولو أبانها) بثلاث أو غيرها (أو ماتت، ثم قذفها بزنًا مطلق أو مضاف إلى ما بعد النكاح .. لاعن إن كان ولد يلحقه) للحاجة إلى النفي؛ كما في صلب النكاح.
(فإن أضاف إلى ما قبل النكاح .. فلا لعان إن لم يكن ولد) ويحد؛ لأنه غير محتاج إليه؛ كقذف الأجنبية.
стр. 1736
وَكَذَا إِنْ كَانَ فِي الأَصَحِّ لكِنْ لَهُ إِنْشَاءُ قَذْفٍ وُيلَاعِنُ، وَلَا يَصِحُّ نَفْيُ أَحَدِ تَوْءَمَيْنِ.
===
(وكذا إن كان) ولد أو حمل (في الأصح) لتقصيره بذكر التاريخ.
وتبع في هذا التصحيح "المحرر"، ونقله في "زيادة الروضة" عنه وقال: إنه أقوى (١).
والثاني: له اللعان، كما لو أطلق، وعزاه في "الشرح الصغير" للأكثرين، ولم يذكر ترجيحًا سواه، واقتضى كلام "الكبير": ترجيحه، وقال في "المهمات": إن الفتوى عليه؛ لكونه قول الأكثرين (٢).
(لكن له إنشاء قذف) تفريعًا على أنه لا يلاعن (ويلاعن) لنفي النسب للضرورة، فإن لم يفعل .. حد.
(ولا يصح نفي أحد توءَمين) قطعًا؛ لأن الله تعالى لم يجر العادة بأن يجتمع في الرحم ولدان من ماء رجلين؛ لأن الرحم إذا اشتمل على المني .. انسد فمه فلا يتأتى منه قبول مني آخر، ومجيء الولدين إنما هو من كثرة مادة الزرع، فإن نفى أحدهما واستلحق الآخر، أو سكت عن نفيه مع إمكانه .. لحقاه.
* * *
стр. 1737
كتاب العِددَ
عِدَّةُ النِّكاحِ ضَرْبَانِ: الأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِفُرْقَةِ حَيٍّ بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ وَطْءٍ أَوِ اسْتِدْخَالِ مَنِيِّهِ
===
(كتاب العِدد)
هي جمع عدة، أصلها: من العدد؛ لاشتمالها على عدد من الأقراء والأشهر، وهي في الشرع: اسم لمدة معلومة تتربص فيها المرأة لتعرف براءة رحمها، وذلك يحصل: بوضع حمل، أو مضي أقراء أو أشهر.
والأصل فيها قبل الإجماع: الآيات والأخبار الواردة في الباب.
(عدة النكاح ضربان: الأول متعلق بفرقة حي بطلاق أو فسخ)، بعيب أو لعان أو غيرهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والفسخ في معنى الطلاق.
وخرج بـ (عدة النكاح): المزني بها؛ فلا عدة عليها بالاتفاق، لكن يرد عليه عدة وطء الشبهة.
وضبط في "التتمة" وجوب العدة: بكل وطء لا يوجب الحد على الواطئ، قال: حتى المجنون لو زنى بعاقلة .. تجب عليها العدة، لأن الجنون أبلغ في العذر من الغلط، وكذا المراهق والمكره؛ لأنا جعلناه عذرًا في إسقاط الحد، فصار الماء محترمًا.
(وإنما تجب: بعد وطء) ولو من صبي ومجنون ومكره وخصي، ولو في دبر، فإن طلقت قبله .. لم تجب؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.
(أو استدخال منيه) أي: مني الزوج؛ لأنه أقرب إلى العلوق من مجرد الإيلاج، ولا عبرة بقول الأطباء: إن المني إذا ضربه الهواء .. لا ينعقد منه الولد؛ لأنه ظن لا ينافي الإمكان.
ونقل الماوردي عن الأصحاب: أن شرط وجوبِ العدة ولحوق النسب باستدخال
стр. 1738
وإنْ تُيُقِّنَ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، لَا بِخَلْوَةٍ فِي الْجَدِيدِ. وَعِدَّة حرَّة ذَاتِ أَقْرَاءٍ ثَلَاثةٌ؛ وَالْقَرْءُ: الطُّهْرُ،
===
ماء الزوج: أن يوجد الإنزال والاستدخال معًا في الزوجية، فلو أنزل ثم تزوجها فاستدخلت الماء .. لم تجب العدة ولم يلحق الولد، ولو أنزل وهي زوجته ثم أبانها ثم استدخلته .. لم تجب العدة ولم يلحق الولد (١).
ونقل البغوي: اشتراط كون الماء من غير زنًا، أما لو استدخلت ماء الزوج من الزنا .. فلا، ثم أبدى فيه احتمالًا لنفسه بالوجوب، وحكياه عنه في موانع النكاح (٢).
(وإن تيقن براءة الرحم)، هذا متعلق بقوله: (بعد وطء) أي: وإن تيقن أن الوطء غير شاغل للرحم؛ كوطء صبي في سن لا يحبل أو طفلة لا تحبل، حتى لو علق الطلاق على براءة الرحم يقينًا وحصلت الصفة؛ بأن مضى لها بعد وضع الحمل ستة أشهر من غير وطء .. وجبت العدة إذا كانت مدخولًا بها؛ لعموم مفهوم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فيكفي جريان سبب الشغل، وهو الإيلاج؛ لظهوره، لا الشغل، وهو المني؛ لخفائه.
(لا بخلوة في الجديد) لمفهوم الآية السالفة، والقديم: تجب بها العدة؛ لقول عمر وعلي ﵄: (إذا أغلق بابًا وأرخى سترًا .. فلها الصداق كاملًا وعليها العدة)، وأجيب: بأنه منقطع؛ كما قاله البيهقي (٣).
(وعدة حرة ذات أقراء ثلاثة) من أقراء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
(والقرء: الطهر) كما قاله جمع من علماء الصحابة وفقهاء المدينة؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ أي: في زمن عدتهن؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: فيه، وإذا كان المعنى: في زمن عدتهن .. كان إذنًا في
стр. 1739
فَإِنْ طُلِّقَتْ طَاهِرًا .. انْقَضَتْ بالطَّعْنِ فِي حَيْضَةٍ ثَالِثَةٍ، أَوْ حَائِضًا .. فَفِي رَابِعَ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ بَعْدَ الطَّعْنِ. وَهَلْ يُحْسَبُ طُهْرُ مَنْ لَمْ تَحِضْ قَرْءًا؟ قَوْلَانِ؛ بنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَرْءَ انْتِقَالٌ مِنْ طُهْرٍ إِلَى حَيْضٍ، أَمْ طُهْرٌ مُحْتَوَشٌ بِدَمَيْنِ؟ وَالثَّانِي: أَظْهَرُ
===
الطلاق في زمن العدة، ومعلوم أنه في الحيض محرم، فينصرف الإذن إلى زمن الطهر، فيكون هو زمنَ العدة.
(فإن طلقت طاهرًا .. انقضت بالطعن في حيضة ثالثة) لأن بعض الطهر -وإن قل- يصدق عليه اسم قرء، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وهو شهران وبعض الثالث.
هذا إذا بقي من الطهر بعد وقوع الطلاق بقية، فإن انطبق على آخره إما إتفاقًا، أو قال: (أنت طالق في آخر جزء من أجزاء طهرك) .. لم تعتد به على الأصحِّ.
(أو حائضًا .. ففي رابعة)، وما بقي من الحيض لا يحسب قرءًا قطعًا؛ لأن الطهر الأخير إنما يتبين كماله بالشروع في الحيضة التي بعده، وهي الرابعة.
(وفي قول: يشترط يوم وليلة بعد الطعن) في الحيضة الثالثة في الصورة الأولى، والرابعة في الصورة الثانية؛ لاحتمال كونه دمَ فساد، والأصل: بقاء العدة، فلا تنقضي بالشك.
وسكت المصنف عن حكم الطلاق في النفاس، وقضية كلام "الروضة" و"أصلها" في الحال الثاني في اجتماع عدتين: أن النفاس لا يحسب من العدة (١).
(وهل يحسب طهر من لم تحض قرءًا؟ قولان؛ بناءً على أن القرء انتقال من طهر إلى حيض، أم طهر محتوَش بدمين؟ ) فعلى الأول: يحسب، وعلى الثاني: لا؛ لأنه لم يتصل طرفاه بحيض، (والثاني: أظهر) في المبني، وهو عدم حسبانه قرءًا؛ لأن اللفظ مأخوذ من قولهم: قرأت الماء في الحوض؛ أي: جمعته، فزمن الطهر يجمع الدم في الرحم، وزمن الحيض يجمع شيئًا ويرسل شيئًا إلى أن يدفع الكل، وهنا لا جمع ولا ضم.
стр. 1740
وَعِدَّةُ مُسْتَحَاضَةٍ: بِأَقْرَائِهَا الْمَرْدُودَةِ إِلَيْهَا. وَمُتَحَيِّرَةٍ: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: بَعْدَ الْيَأْسِ. وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُكَاتبًةٍ وَمَنْ فِيهَا رِقٌّ: بِقَرْأَيْنِ، وَإِنْ عَتَقَتْ فِي عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ .. كَمَّلَتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ فِي الأَظْهَرِ،
===
ووجه مقابله: دلالته على البراءة؛ أخذًا من قولهم: قرأ النجم: إذا طلع، وقرأ: إذا غاب.
والأظهر أيضًا في المبني عليه: أن القرء: هو المحتوَش بدمين، قال الرافعي: وفيه مخالفة لما سبق في (الطلاق): من أن الأكثرين أوقعوا الطلاق في الحال إذا قال لمن لم تحض قط: (أنت طالق في كل قرء طلقة)، وهي متعلقة بهذا، ويحتمل أن ترجيحهم في هذه لمعنى يخصها، لا لرجحان القول بأن القرء هو الانتقال. انتهى (١).
قال البُلْقيني والأَذْرَعي: والمعنى في ذلك: أن القرء اسم للطهر، فوقع الطلاق؛ لصدق الاسم، والاحتواش شرط لانقضاء العدة؛ ليغلب ظن البراءة.
(وعدة مستحاضة: بأقرائها المردودة إليها)، فالمعتادة ترد إلى عادتها، والمميزة إلى التمييز، والمبتدأة إلى الأقل على الأظهر، وعلى القولين: إذا مضت ثلاثة أشهر .. انقضت عدتها؛ لاشتمال كل شهر على حيضة وطهر غالبًا.
(ومتحيرة: بثلاثة أشهر في الحال) لأن للمرأة في كل شهر حيضًا وطهرًا غالبًا، وصبرها إلى سن اليأس فيه مشقة عظيمة.
وتعتبر الأشهر بالأهلة؛ فإن وقع في أثناء الشهر .. اعتبرنا الباقي قرءًا إن كان أكثر من خمسة عشر يومًا، وإلا .. فلا في الأصحِّ، (وقيل: بعد اليأس) لأنها قبله متوقعة للحيض المستقيم.
(وأم ولد ومكاتبة ومن فيها رق: بقرأين) لأن الأمة على النصف من الحرة في القسم والحد، فكذا هنا، إلا أنه لا يمكن تنصيف القرء، فكمل؛ كما في طلاق العبد.
(وإن عتقت في عدة رجعية .. كملت عدة حرة في الأظهر) (٢) لأن الرجعية زوجة
стр. 1741
أَوْ بَيْنُونَةٍ .. فَأَمَةٍ فِي الأَظْهَرِ. وَحُرَّةٍ لَمْ تَحِضْ أَوْ يئسَتْ: بِثلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ طُلِّقَتْ فِي أَثناءِ شَهْرٍ .. فَبَعْدَهُ هِلَالَانِ وَتكُمِّلُ الْمُنْكَسِرَ ثَلَاثِينَ، فَإِنْ حَاضَتْ فِيهَا .. وَجَبَتِ الأَقْرَاءُ، وَأَمَةٍ: بِشَهْرٍ وَنصْفٍ، وَفِي قَوْلٍ: شَهْرَانِ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثة. وَمَنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِعِلَّةٍ كَرَضَاعٍ وَمَرَضٍ .. تَصبِرُ حَتَّى تَحِيضَ، أَوْ تيأَسَ .. فَبِالأَشْهُرِ، أَوْ لَا لِعِلِّةٍ .. فَكَذَا فِي الْجَدِيدِ،
===
في أكثر الأحكام، (أو بينونةٍ .. فأمةٍ في الأظهر) لأنها كالأجنبية؛ لقطع الميراث وسقوط النفقة، والثاني: تتم عدة حرة؛ اعتبارًا بوجود الكاملة قبل الناقصة، فتنتقل؛ كالدم في الأشهر.
فحصل في المعتقة ثلاثة أقوال؛ كما صرحا به في "الروضة" و"أصلها": أحدها: تتم عدة حرة مطلقًا، والثاني: عدة أمة مطلقًا، والثالث: التفصيل بين البائن والرجعية (١).
(و) عدةً (حرةٍ لم تحض أو يئست: بثلاثة أشهر) بالأهلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤].
(فإن طلقت في أثناء شهر .. فبعده هلالان، وتكمل المنكسر) وهو الأول (ثلاثين) ولو كان ناقصًا، (فإن حاضت فيها) أي: في أثناء الأشهر ( .. وجبت الأقراء) بالإجماع، ولا يحسب ما مضى للصغيرة قرءًا على الأصحِّ.
(وأمةٍ) لم تحض أو يئست (بشهر ونصف) لإمكان التبعيض، بخلاف الأقراء، (وفي قول: شهران) لأنهما بدل عن القرأين، (وفي قول: ثلاثة) لعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾.
(ومن انقطع دمها لعلة) تعرف (كرضاع ومرض .. تصبر حتى تحيض) فتعتد بالأقراء، (أو تيأس .. فبالأشهر)، ولا تبالي بطول مدة الانتظار؛ لعدم اليأس.
(أو لا لعلة) معروفة ( .. فكذا في الجديد) كما لو انقطع لعلة؛ لأن الله تعالى لم يجعل الاعتداد بالأشهر إلا للتي لم تحض والآيسة، وهذه ليست واحدة منهما؛ لأنها
стр. 1742
وَفِي الْقَدِيمِ: تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ بِالأَشْهُرِ. فَعَلَى الْجَدِيدِ: لَوْ حَاضَتْ بَعْدَ الْيَأْسِ فِي الأَشْهُرِ .. وَجَبَتِ الأَقْرَاءُ، أَوْ بَعْدَهَا .. فَأَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: إِنْ نَكَحَتْ .. فَلَا شَيْءَ، وَإِلَّا .. فَالأَقْرَاءُ، وَالْمُعْتبَرُ: يَأْسُ عَشِيرَتِهَا،
===
ترجو عود الدم، فأشبهت من انقطع دمها لعارض معروف.
(وفي القديم: تتربص تسعة أشهر، وفي قول) قديم: (أربع سنين)، وفي قول مخرج على القديم: ستة أشهر.
وحاصل القديم: أنها تتربص مدة الحمل؛ ليعرف فراغ الرحم، لكن غالب مدة الحمل أو أكثره أو أقله.
(ثم تعتد بالأشهر) تعبدًا، وقد اختار البارزي القديم وأفتى به؛ لعظم مشقة الانتظار إلى سن اليأس، لا سيما الشواب، قال: ويتجه ذلك أيضًا فيما إذا انقطع لعلة.
(فعلى الجديد: لو حاضت بعد اليأس في الأشهر .. وجبت الأقراء) للقدرة على الأصل قبل تمام البدل، ويحسب ما مضى قرءًا قطعًا؛ لأنه طهر احتوشه دمان.
(أو بعدها) -أي: بعد تمام الأشهر- ( .. فأقوال؛ أظهرها: إن نكحت .. فلا شيء) لتعلق حق الزوج، والشروع في المقصود؛ كالمتيمم يرى الماء بعد الشروع في الصلاة، (وإلا) أي: وإن لم تكن نكحت ( .. فالأقراء) لأنه بان أنها ليست يائسة، والثاني: تنتقل إلى الأقراء مطلقًا؛ لما ذكرناه من تبين كونها ليست يائسة، والثالث: المنع مطلقًا؛ لانقضاء العدة ظاهرًا؛ كما لو حاضت الصغيرة بعد الأشهر.
(والمعتبر: يأس عشيرتها) أي: أقاربها من الأبوين؛ لتقاربهن طبعًا وخلقًا، ويعتبر الأقرب فالأقرب إليها.
ولو اختلفت عادتهن .. اعتبر بأقل عادة امرأة منهن، وقيل: أكثرهن عادة، قال في "المطلب": وهو الأشبه.
وإذا لم يكن لها قرابة أو تعذر معرفة حالهن .. قال في "الكافي": اعتبر يأس نساء العالم.
стр. 1743
وَفِي قَوْلٍ: كُلُّ النِّسَاءِ. قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في العدة بوضع الحمل]
عِدَّةُ الْحَامِل بِوَضْعِهِ بِشَرْطِ نِسْبَتِهِ إِلَى ذِي الْعِدَّةِ وَلَوِ احْتِمَالًا كَمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ، وَانْفِصَالِ كُلِّهِ حَتَّى ثَانِي تَوْءَمَيْنِ،
===
(وفي قول: كل النساء) للاحتياط وطلب اليقين، قال الإمام: ولا يمكن طوف العالم والتفحص عن سكان الأقاليم، وإنما المراد: ما يبلغنا خبره ويعرف (١)، (قلت: ذا القول أظهر، والله أعلم)، وهذا ما رجحه في "أصل الروضة"؛ لقول الرافعي: إن إيراد الأكثرين يقتضي ترجيحه (٢).
فعلى هذا: هل ينظر إلى نساء زمانها أو النساء مطلقًا في جميع الأعصار؟ قال الأَذْرَعي: إيراد القاضي والفوراني والمتولي والإمام والغزالي: يقتضي الأول، وكلام كثيرين أو الأكثرين: يقتضي الثاني.
وفي أقصى سن اليأس أوجه: أصحها: اثنان وستون سنة.
* * *
(فصل: عدة الحامل بوضعه) لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، (بشرط نسبته إلى ذي العدة) زوجًا كان أو غيره (ولو احتمالًا؛ كمنفي بلعان)، فإذا لاعن الحامل ونفى الحمل ثم وضعته .. انقضت عدتها به وإن كان غير لاحق به؛ لأن نفيه عنه ليس بقطعي؛ لجواز كذبه وصدقها، ولهذا لو استلحقه .. لحقه.
فإن لم يمكن كونه منه؛ كما إذا مات صبي لا يتصور منه الإنزال عن زوجة حامل .. فعدتها بالأشهر؛ كما سيأتي؛ فإن الولد غير لاحق به، وكذا الممسوح ومن وضعته لدون ستة أشهر من العقد.
(وانفصالِ كله حتى ثاني توءمين) لظاهر الآية المذكورة.
стр. 1744
وَمَتَى تَخَلَّلَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ .. فَتَوْءَمَانِ. وَتنقَضِي بمَيْتٍ لَا عَلَقَةٍ، وَبِمُضغَةٍ فِيهَا صُورَةُ آدَميٍّ خَفِيَّة أَخْبَرَ بِهَا الْقَوَابِلُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ صُورَةٌ وَقُلْنَ: هِيَ أَصْلُ آدَمِيٍّ .. انْقَضتْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ ظَهَرَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ حَمْل لِلزَّوْجِ .. اعْتَدَّتْ بوَضْعِهِ. وَلَوِ ارْتَابَتْ فِيهَا .. لَمْ تنكِحْ حَتَّى تزولَ الرِّيبَةُ، أَوْ بَعْدَهَا وَبَعْدَ نِكَاحٍ اسْتَمَرَّ إِلَّا أَنْ تَلِدَ لِدُونِ سِتَّهِ أَشْهُرٍ مِنْ عَقْدِهِ، أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ نِكَاحٍ .. فَلْتَصْبِرْ لِتَزُولَ الرِّيبَةُ،
===
(ومتى تخلل دون ستة أشهر .. فتوءمان) لأن الستة أقل مدة الحمل، فإن تخلل بينهما ستة أشهر فأكثر .. كانا حملين.
(وتنقضي بميت) لإطلاق الآية، (لا علقة) لأنها لا تسمَّى حملًا.
(و) تنقضي (بمضغة فيها صورة آدمي خفية أخبر بها القوابل) لوجود اسم الولد، (فإن لم تكن صورة) خفية (وقلن) أي: القوابل (هي أصل آدمي)، ولو بقي .. لتخلقت ( .. انقضت على المذهب) لأن براءة الرحم تحصل برؤية الدم، فهذا أولى، هذا هو المنصوص هنا، ونصّ على أنه لا تجب به الغرة، ولا يثبت به الاستيلاد (١)، فقيل: قولان في الجميع، وقيل: بتقرير النصين.
والفرق: أن العدة تتعلق ببراءة الرحم وقد حصلت، والأصل براءة الذمة من الغرة، وأمومة الولد إنما ثبتت؛ تبعًا للولد، وهذا لا يُسمَّى ولدًا.
(ولو ظهر في عدة أقراء أو أشهر حمل للزوج .. اعتدت بوضعه) لأنه يدل على البراءة قطعًا، بخلافهما.
(ولو ارتابت فيها) أي: في العدة؛ لثقل وحركة تجدها ولم يظهر الحمل بأمارة ( .. لم تنكح) بعد الأقراء والأشهر (حتى تزول الريبة) بمرور زمان يزعم النساء أنها لا تلد فيه أو غير ذلك؛ لأن العدة قد لزمتها بيقين فلا تخرج عنها إلا بيقين.
(أو بعدها) أي: بعد تمام الأقراء والأشهر (وبعد نكاح استمر) النكاح؛ لحكمنا بانقضاء العدة ظاهرًا وثبوت حق الزوج الثاني، (إلا أن تلد لدون ستة أشهر من عقده) فإنه يحكم ببطلانه؛ لتحقق كونها حاملًا يوم العقد، (أو بعدها قبل نكاح .. فلتصبر لتزول الريبة) للاحتياط.
стр. 1745
فَإِنْ نَكَحَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: عَدَمُ إِبْطَالِهِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ عُلِمَ مُقْتَضِيهِ .. أَبْطَلْنَاهُ. وَلَوْ أَبَانَهَا فَوَلَدَتْ لِأرْبَعِ سِنِينَ .. لَحِقَهُ، أَوْ لِأكْثَرَ .. فَلَا، وَلَوْ طَلَّقَ رَجْعِيًّا .. حُسِبَتِ الْمُدَّةُ مِنَ الطَّلَاقِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ انْصِرَامِ الْعِدَّةِ
===
(فإن نكحت .. فالمذهب: عدم إبطاله في الحال) لما سبق في الاستمرار.
(فإن عُلِم مقتضيه) أي: مقتضي البطلان ( .. أبطلناه) لتبين فساده، هذا أصح الطرق، والطريق الثاني: القطع بالبطلان مع الريبة؛ لأنها لا تدري هل هي حلال للأزواج أم لا، والثالث: قولان؛ كمن باع مال أبيه ظانًّا حياته فبان موته.
(ولو أبانها) بخلع أو غيره ولم ينف الحمل (فولدت لأربع سنين) فما دونها ولى تتزوج بغيره ( .. لحقه) لقيام الإمكان؛ بناءً على أن أكثر مدة الحمل أربع سنين.
ودليله: الاستقراء، وحكي عن مالك وغيره وقوعُه عن جماعة.
وتعتبر هذه المدة: من وقت الفراق؛ كذا أطلقوه، واعترضه منصور التميمي؛ بأنه يلزم منه أن تكون مدة الحمل أكثر من أربع سنين؛ لتقدم العلوق على الطلاق، قال: فينبغي أن يقال: من وقت إمكان العلوق قبل الفراق، قال الرافعي: وهذا قويم، وفي إطلاقهم تساهل، وقال في "الشرح الصغير": إنه الحق (١).
قال ابن الرفعة: وما ذكره منصور فيه تساهل أيضًا؛ لأن الطلاق قد يقع مع الإنزال بالتنجيز اتفاقًا أو بالتعليق، وفي هذه الصورة يصح ما قاله الشافعي والأصحاب دون ما ذكره المعترض، فظهر حينئذ: أن لما قاله الشافعي والأصحاب محملًا صحيحًا، وكذلك لما قاله المعترض، وهو ما عدا ما فرضناه، فلينزل كلام كل من المطلقين على ما يقتضي صحته.
(أو لأكثر .. فلا) لعدم الإمكان، وهذه تقدمت في (باب اللعان) (٢).
(ولو طلق رجعيًّا .. حسبت المدة من الطلاق، وفي قول: من انصرام العدة)، هذه العبارة بعيدة عن المراد، ومراده: أنه إذا طلق رجعيًّا ثم ولدت لأربع سنين فأقل .. لحقه، أو لأكثر .. فلا؛ كالبائن، وإنما تخالف البائن في أن ابتداء السنين
стр. 1746
وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَوَلَدَتْ لِدُونِ سِتة أَشْهُرٍ .. فَكَأَنَّهَا لَمْ تنكِحْ، وَإِنْ كَانَ لِسِتَّةٍ .. فَالْوَلَدُ لِلثَّانِي. وَلَوْ نَكَحَتْ فِي الْعِدَّةِ فَاسِدًا فَوَلَدَتْ لِلإِمْكَانِ مِنَ الأَوَّلِ .. لَحِقَهُ وَانْقَضَتْ بِوَضْعِهِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلثَّانِي،
===
يحسب في البائن من الطلاق؛ لانقطاع الفراش، وفي هذه قولان: أصحهما: كذلك؛ لأنها كالبائن في تحريم الوطء، فكذا في أمر الولد، وفي قول: من انصرام العدة؛ لأنها كالمنكوحة في غالب الأحكام؛ من لحوق الطلاق، والإيلاء، والظهار، والإرث، فكذلك في لحوق الولد، وعلى هذا: قيل: تتمادى مدة اللحوق بلا تقدير إن لم تقر بانقضاء العدة؛ لأن الفراش على هذا القول إنما يزول بانقضاء العدة والطهر قد يتباعد سنين.
والأصحُّ: أنه إذا مضت العدة بالأقراء أو الأشهر ثم ولدت لأكثر من أربع سنين .. لم يلحقه؛ لأنا تحققنا أنه لم يكن موجودًا في الأقراء والأشهر، فتبين بانقضائه، وتصير كما لو بانت بالطلاق ثم ولدت لأكثر من أربع سنين.
(ولو نكحت بعد العدة فولدت لدون ستة أشهر) من النكاح الثاني ( .. فكأنها لم تنكح)، ويكون الحكم كما مر؛ وهو إن ولدته لأربع سنين فأقل من طلاق الأول .. لحقه، أو لأكثر .. لم يلحقه، وحيث لحقه فنكاح الثاني باطل؛ لجريانه في العدة، وإذا لم يلحقه .. فأقرب الوجهين: أنا لا نحكم بفساد النكاح الثاني؛ حملًا على أنه من زنًا، قاله الأَذْرَعي، وجزم به في "المطلب"، وجرى عليه المنكت (١).
(وإن كان لستة) فأكثر من إمكان الاجتماع والوطء ( .. فالولد للثاني) وإن أمكن كونه من الأول؛ لأن فراش الثاني موجود، وهو أقوى؛ لصحة نكاحه ظاهرًا.
(ولو نكحت في العدة فاسدًا فولدت للإمكان من الأول) دون الثاني؛ بأن ولدته لدون ستة أشهر من وطء الثاني، ولأربع سنين فأقل من طلاق الأول ( .. لحقه وانقضت) عدة الأول (بوضعه، ثم تعتد للثاني) حيث حصل إصابة شبهة؛ بأن ظن انقضاء العدة، أو أن المعتدة لا يحرم نكاحها، وكان قريب العهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، فإن لم تحصل إصابة .. لغا العقد.
стр. 1747
أَوْ لِلإِمْكَانِ مِنَ الثَّانِي .. لَحِقَهُ، أَوْ مِنْهُمَا .. عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بأَحَدِهِمَا .. فَكَالإمْكَانِ مِنْهُ فَقَطْ.
فصلٌ [في تداخل العدتين]
لَزِمَهَا عِدَّتَا شَخْصٍ مِنْ جِنْسٍ؛ بِأَنْ طَلَّقَ ثُمَّ وَطِئَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ جَاهِلًا أَوْ عَالِمًا فِي رَجْعِيَّةٍ .. تَدَاخَلَتَا، فَتبتَدِئُ عِدَّةً مِنَ الْوَطْءِ، وَتَدْخُلُ فِيهَا بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا حَمْلًا وَالأُخْرَئ أَقْرَاء
===
ولو قال المصنف كـ"المحرر": (ولو نكحت فاسدًا؛ بأن نكحت في العدة) .. لكان صوابًا (١)؛ لأن النكاح في العدة لا يكون إلا فاسدًا.
(أو للإمكان من الثاني) دون الأول؛ بأن ولدته لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول ( .. لحقه) لما سبق.
(أو منهما) بأن ولدته لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، ولدون أربع سنين من طلاق الأول ( .. عرض على القائف) لما سيأتي في بابه، (فإن ألحقه بأحدهما .. فكالإمكان منه فقط)، فيجيء ما تقدم.
واحترز بقوله: (ألحقه بأحدهما): عما لو ألحقه بهما، أو نفاه عنهما، أو اشتبه الأمر عليه، أو لم يكن قائف .. فينتظر بلوغه وانتسابه بنفسه.
* * *
(فصل: لزمها عدتا شخص من جنس؛ بأن طلق ثم وطى في عدة أقراء أو أشهر)، ولم تحبل من هذا الوطء، (جاهلًا) إن كان الطلاق بائنًا؛ بأن ظنها زوجته الأخرى أو نسي الطلاق أو جهل التحريم، (أو عالمًا) أو جاهلًا (في رجعية .. تداخلتا) أي: العدتان، (فتبتدئ عدة من الوطء، وتدخل فيها بقية عدة الطلاق) لأن مقصود عدة الوطء والطلاق واحد، فلا معنى للتعدد، ويكون قدر البقية مشتركًا بين العدتين، والباقي يتمحض للوطء الثاني، فله الرجعة في قدر البقية لا بعدها.
(فإن كانت إحداهما حملًا والأخرى أقراءً) بأن طلقها وهي حامل ثم وطئها قبل
стр. 1748
تَدَاخَلَتَا فِي الأَصَحِّ؛ فَتَنْقَضِيَانِ بِوَضْعِهِ، وَيُرَاجِعُ قَبْلَهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْحَمْلُ مِنَ الْوَطْءِ .. فَلَا. أَوْ لِشَخْصَيْنِ؛ بِأَنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ زَوْجٍ أَوْ شُبْهَةٍ فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ كَانَتْ زَوْجَةً مُعْتَدَّةً عَنْ شُبْهَةٍ فَطُلِّقَتْ .. فَلَا تَدَاخُلَ، فَإِنْ كَانَ حَمْلٌ .. قَدَّمَتْ عِدَّتَهُ،
===
الوضع، أو طلقها وهي حائل ثم وطئها في الأقراء وأحبلها ( .. تداخلتا في الأصح) لأنهما من شخص واحد، فأشبها المتجانسين، والثاني: لا؛ لأنهما جنسان، فلا تتداخلان؛ كما لو زنى بكرًا ثم ثيبًا.
(فتنقضيان بوضعه) لأنه ثمرة التداخل، (ويراجع قبله) أي: قبل الوضع، سواء طرأ الوطء على الحمل، أو طرأ الحمل، أما الأول .. فبالاتفاق؛ لأنها في عدة طلاق رجعي، والحمل لا يتبعض، وأما الثاني .. فعلى الأصحِّ؛ لأنها في عدة الطلاق وإن لزمها عدة أخرى.
(وقيل: إن كان الحمل من الوطء .. فلا) رجعة؛ بناء على أن عدة الطلاق قد سقطت، وهي الآن معتدة عن الوطء.
وجميع ما تقدم: فيما إذا كانت لا ترى الدم على الحمل، أو رأته ولم نجعله حيضًا، فإن قلنا: هو حيض .. انقضت به العدة الأخرى في الأصحِّ.
(أو لشخصين؛ بإن كانت في عدة زوج أو شبهة فوطئت بشبهة)، والواطئ غير صاحب العدة، (أو نكاح فاسد، أو كانت زوجة معتدة عن شبهة فطلقت .. فلا تداخل)، وتعتد عن كل منهما عدة كاملة؛ لأثر عمر في ذلك؛ كما رواه الشافعي عن مالك بسنده (١)، ولأنهما حقان مقصودان لآدميين، فلم يتداخلا؛ كالدينين.
(فإن كان حمل .. قدمت عدته) في جميع هذه الصور، سواء تقدم سببها أو تأخر؛ كما صرح به في "المحرر" (٢)؛ لأن عدة الحمل لا تقبل التأخير، فإن كان الحمل للمطلق .. انقضت به عدتها، ثم تعتد للشبهة بالأقراء بعد النفاس.
وله الرجعة قبل الوضع، قال الروياني: إلا في حال اجتماع الواطئ بها؛ لأنها
стр. 1749
وَإِلَّا: فَإِنْ سَبَقَ الطَّلَاقُ .. أَتَمَّتْ عِدَّتَهُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَتِ الأُخْرَى، وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي عِدَّتِهِ، فَإِذَا رَاجَعَ .. انْقَطَعَتْ وَشَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الشبْهَةِ، وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا حَتَّى تَقْضِيَهَا. وَإِنْ سَبَقَتِ الشُّبْهَةُ .. قَدَّمَتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، وَقِيلَ: الشُّبْهَةِ.
فصلٌ [في حكم معاشرة المفارق للمعتدة]
عَاشَرَهَا كَزَوْجٍ بِلَا وَطْءٍ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ .. فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: إِنْ كَانَتْ بَائِنًا .. انْقَضَتْ، وَإِلَّا .. فَلَا
===
حينئذ خارجة عن عدة الأول وفراش لغيره، وأقراه (١).
(وإلا) أي: وإن لم يكن حمل (فإن سبق الطلاق) وطء الشبهة ( .. أتمت عدته) لتقدمها وقوتها؛ لأنها تستند إلى عقد جائز وسبب مسوغ، (ثم استأنفت الأخرى) لعدم التزاحم، (وله الرجعة في عدته) إن كان الطلاق رجعيًّا؛ لأنها زوجة في عدة طلاق رجعي، (فإذا راجع .. انقطعت) عدته (وشرعت في عدة الشبهة، ولا يستمتع بها حتى تقضيها) لأنها معتدة عن غيره، وهل له تجديد النكاح إن كان الطلاق بائنًا؟ وجهان؛ أصحهما: نعم؛ لأنها في عدته.
(وإن سبقت الشبهة .. قدمت عدة الطلاق) لأن سبب عدة الطلاق أقوى؛ لتعلقها بالنكاح، (وقيل: الشبهةِ) لسبقها عدة الوطء.
* * *
(فصل: عاشرها) المطلق (كزوج) بالخلوة بها والنوم معها (بلا وطء في عدة أقراء أو أشهر .. فأوجه: أصحها: إن كانت بائنًا .. انقضت، وإلا .. فلا) لأن مخالطة البائن محرمة بلا شبهة، فأشبهت المزني بها، فلا أثر للمخالطة، وفي الرجعية الشبهةُ قائمةٌ، وهو بالمخالطة مستفرش لها، فلا يحسب زمن الافتراش من العدة؛ كما لو نكحت غيره في العدة وهو جاهل بالحال .. لا يحسب زمن افتراشه عن العدة، والثاني: لا تنقضي مطلقًا؛ لأنها بالمعاشرة كالزوجة، والثالث: عكسه؛ لأن هذه المخالطة لا توجب عدة، فلا تمنعها.
стр. 1750
وَلَا رَجْعَةَ بَعْدَ الأَقْرَاءِ وَالأَشْهُرِ. قُلْتُ: وَيَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ،
===
وما رجحه من التفصيل: نقلاه عن الأئمة، وفي "المحرر": عن المعتبرين (١).
واعترضه الأَذْرَعي وغيره: بإنما هو احتمال للقاضي الحسين، ومن قال به .. فقد تلقاه عنه؛ فإن القاضي قال هنا: إذا طلقها وعاشرها معاشرة الأزواج .. لم يحسب ذلك عن العدة وإن امتدت وطات؛ هكذا قاله الأصحاب، ولم يفصلوا بين الرجعية والبائن، وينبغي عندي: أن يفصل بين الرجعية والبائن، وَوَجّهَهُ.
وخرج بقول المصنف: (بلا وطء): ما إذا وطئ؛ فإنه إن كان الطلاق بائنًا .. لم يمتنع انقضاء العدة؛ فإنه زنًا لا حرمة له، وإن كان رجعيًّا .. امتنع المضي في العدة ما دام يطؤها؛ لأن العدة لبراءة الرحم، وهي مشغولة.
واحترز بقوله: (في عدة أقراء أو أشهر): عن الحمل؛ فإن المعاشرة لا تمنع انقضاء العدة به بحال.
(ولا رجعة بعد الأقراء والأشهر) وإن لم نحكم بانقضاء العدة؛ عملًا بالاحتياط في الجانبين؛ كما لو وطئ الرجعية بعد مضي قرء من وقت الطلاق .. عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من وقت الوطء، ولا تجوز الرجعة في القرء الثالث، هذا ما حكاه في "المحرر" عن المعتبرين، وفي "الشرح الصغير" عن الأئمة، لكن في "الكبير" نقله عن البغوي فقط وقال: إن في "فتاوي القفال" ما يوافقه (٢).
واعترض: بأن ما نقله عن البغوي إنما هو احتمال له فقط؛ فإنه نقل في "فتاويه" عن الأصحاب: أن له الرجعةَ، فقال: قال الأصحاب: لا نحكم بانقضاء العدة وإن مضت لها أقراء، وله الرجعة، ثم ذكر احتماله بمنع الرجعة، قال في "المهمات": والمعروف الذي به الفتوى: ثبوت الرجعة (٣).
(قلت: ويلحقها الطلاق إلى انقضاء العدة) إذا قلنا: بمنع الانقضاء، عملًا بالاحتياط.
стр. 1751
وَلَوْ عَاشَرَهَا أَجْنَبِيٌّ .. انْقَضَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّة بِظَنِّ الصِّحَّةِ وَوَطِئَ .. انْقَطَعَتْ مِنْ حِينِ وَطِئَ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ: مِنَ الْعَقْدِ. وَلَوْ رَاجَعَ حَائِلًا ثُمَّ طَلَّقَ .. اسْتأْنَفَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: تبنِي إِنْ لَمْ يَطَأ، أَوْ حَامِلًا .. فَبِالْوَضْعِ، فَلَوْ وَضعَتْ ثُمَّ طَلَّقَ .. اسْتأْنَفَتْ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ الْوَضْعِ .. فَلَا عِدَّةَ
===
(ولو عاشرها أجنبي .. انقضت، والله أعلم) لأنه لا شبهة له.
نعم؛ لو طلق زوجته الأمة فعاشرها السيد .. فإن فيه الخلافَ السابقَ، حتى لا تنقضي في الرجعية.
(ولو نكح معتدة بظن الصحة ووطئ .. انقطعت من حين وطئ) لأن العقد الفاسد لا حرمة له، فلا تصير المرأة فراشًا إلا بالوطء، (وفي قول أو وجه: من العقد) لإعراضها عن عدة الأول بعقد النكاح.
(ولو راجع حائلًا) ووطئها (ثم طلق .. استأنفت) لاقتضاء الوطء عدة كاملة؛ لقطعه ما مضى من العدة.
(وفي القديم: تبني إن لم يطأ) كما لو أبانها ثم جدد نكاحها وطلقها قبل أن يمسها، والجديد: أنها تستأنف أيضًا؛ لأن الرجعية زوجة.
وخرج بقوله: (راجع ثم طلق): ما إذا طلق الرجعية قبل أن يراجعها، والمذهب: أنها تبني على العدة الأولى؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا رجعة، فصار كما لو طلقها طلقتين معًا، وقيل: القولان.
(أو حاملًا .. فبالوضع) أي: لو راجع المطلقة وهي حامل فطلقها ثانيًا .. انقضت عدتها بوضعه أصابها أو لم يصبها؛ لعموم الآية، (فلو وضعت ثم طلق .. استأنفت) قطعًا إن أصابها، وعلى المذهب: إن لم يصبها؛ لأنه طلاق في نكاح وجد فيه المسيس، فيوجب العدة، والوضع حصل في صلب النكاح، والعدة لا تنقضي بما يوجد في صلب النكاح.
(وقيل: إن لم يطأ بعد الوضع .. فلا عدة)، ونحكم بانقضاء عدتها بالوضع وإن كان في صلب النكاح.
стр. 1752
وَلَوْ خَالَعَ مَوْطُوءَةً ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ طَلَّقَ .. اسْتَأْنَفَتْ وَدَخَلَ فِيهَا الْبَقِيَّةُ.
فصلٌ [في الضرب الثاني من ضربي عدة النكاح]
عِدَّةُ حُرَّةٍ حَائِلٍ لِوَفَاةٍ وَإِنْ لَمْ تُوطَأْ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، وَأَمَةٍ: نِصْفُهَا. وَإِنْ مَاتَ عَنْ رَجْعِيَّةٍ .. انْتَقَلَتْ إِلَى وَفَاةٍ، أَوْ بَائِنٍ .. فَلَا. وَحَامِلٍ: بِوَضْعِهِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ،
===
(ولو خالع موطوءة ثم نكحها) في العدة (ثم وطئ ثم طلق) أو خالع ثانيًا ( .. استأنفت) العدة (ودخل فيها البقية) لأنهما من شخص واحد.
واقتضى كلامه: صحة نكاح المختلعة في عدته، وهو المذهب، وخالف فيه المزني، وأن النكاح يقطع العدة الأولى، وهو الأصحُّ.
* * *
(فصل: عدة حرة حائل لوفاة وإن لم توطأ: أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها) بالإجماع، ولأنه لو لم تجب على غير المدخول بها .. لاتخذ إنكار الإصابة ذريعة إلى النكاح، ولا منازع محقق، ولأن الموت في تقرير المهر كالوطء، فكذا في العدة.
(وأمة: نصفها) لأنها على النصف من الحرة، وهو ممكن القسمة.
(وإن مات عن رجعية .. انتقلت إلى وفاة) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر (١)، فتثبت أحكام عدة الوفاة من إحداد وغيره، وتلغى أحكام الرجعية، فتسقط نفقتها، (أو بائن .. فلا) لأنها ليست بزوجة.
(وحامل: بوضعه بشرطه السابق) وهو انفصال كله، وإمكان نسبته إلى الميت؛ للآية، ولقوله ﷺ لسُبَيْعة الأسلمية وقد وضعت بعد موت زوجها بنصف شهر: "قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ" متفق عليه (٢).
стр. 1753
فَلَوْ مَاتَ صَبِيٌّ عَنْ حَامِلٍ .. فَبِالأَشْهُرِ، وَكَذَا مَمْسُوحٌ؛ إِذْ لَا يَلْحَقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَلْحَقُ مَجْبُوبًا بَقِيَ أُنْثَيَاهُ فَتَعْتَدُّ بهِ، وَكَذَا مَسْلُولٌ بَقِيَ ذَكَرُهُ بهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتيهِ وَمَاتَ قَبْلَ بَيَانٍ أَوْ تَعْيينٍ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأ .. اعْتَدَّتَا لِوَفَاةٍ، وَكَذَا إِنْ وَطِئَ وَهُمَا ذَوَاتَا أَشْهُرٍ، أَوْ أَقْرَاءٍ وَالَطَّلَاقُ رَجْعِيٌّ، فَإِنْ كَانَ بَائِنًا .. اعْتَدَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بالأَكْثَرِ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ وَثَلَاثَةٍ مِنْ أَقْرَائِهَا، وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ: مِنَ الْمَوْتِ، وَالأَقْرَاءِ: مِنَ الطَّلَاقِ
===
(فلو مات صبي عن حامل .. فبالأشهر) لا بالوضع؛ لأنه منفي عنه يقينًا.
(وكذا ممسوح؛ إذ لا يلحقه) الولد (على المذهب) لأنه لا ينزل؛ فإن الأنثيين محل المني الذي يتدفق بعد انفصاله من الظهر، ولم يعهد لمثله ولادة، وقيل: يلحقه؛ لأن معدن الماء الصلب، وهو باقٍ، وقضى به ابن حربويه بمصر.
(ويلحق مجبوبًا بقي أنثياه) لبقاء أوعية المني وما فيها من القوة المحيلة للدم، والذكر آلة توصل الماء إلى الرحم بالإيلاج، وقد يصل بغير إيلاج، (فتعتد به) أي: بوضع الحمل؛ كالفحل.
(وكذا مسلول بقي ذكره على المذهب) لأن آلة الجماع باقية، وقد يبالغ في الإيلاج فيلتذ وينزل ماءً رقيقا، وقيل: لا يلحقه، وقيل: إن سلت اليمنى .. لم يلحقه؛ لأنها للمني واليسرى للشعر، وإلا .. لحقه.
(ولو طلق إحدى امرأتيه ومات قبل بيان أو تعيين؛ فإن كان لم يطأ) واحدة منهما ( .. اعتدتا لوفاة) احتياطًا؛ لأن كل واحدة منهما يجوز أن تكون زوجة، فتكون عليها العدة، (وكذا إن وطئ) كلًّا منهما (وهما ذواتا أشهر، أو أقراء والطلاق رجعي) لما سبق.
(فإن كان بائنًا .. اعتدت كل واحدة بالأكثر من عدة وفاة وثلاثة من أقرائها) لأن كل واحدة وجبت عليها عدة، واشتبهت عليها بعدة أخرى، فوجب أن تأتي بذلك فتخرج عما عليها بيقين؛ كمن أشكلت عليه صلاة من صلاتين؛ يلزمه أن يأتي بهما.
(وعدة الوفاة: من الموت، والأقراء: من الطلاق) حتى لو مضى قرء من الطلاق
стр. 1754
وَمَنْ غَابَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ لَيْسَ لِزَوْجَتِهِ نِكَاحٌ حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ أَوْ طَلَاقُهُ، وَفِي الْقَدِيمِ: تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِوَفَاةٍ. فَلَوْ حَكَمَ بِالْقَدِيمِ قَاضٍ .. نُقِضَ عَلَى الْجَدِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ وَالْعِدَّةِ فَبَانَ مَيْتًا .. صَحَّ عَلَى الْجَدِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَيَجِبُ الإِحْدَادُ عَلَى مُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ، لَا رَجْعِيَّةٍ، وَيُسْتَحَبُّ لِبَائِنٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ،
===
ثم مات الزوج .. فعليها الأقصى من عدة الوفاة ومن قرأين من أقرائها؛ لبينونة إحداهما بالطلاق.
(ومن غاب وانقطع خبره ليس لزوجته نكاح حتى يتيقن موته أو طلاقه) لأن الأصل بقاء حياته، ولأن ماله لا يورث وأم ولده لا تعتق، فكذلك زوجته.
والمراد باليقين هنا: الطرف الراجح لا القطع، فلو ثبت ذلك بعدلين .. كفى، ولا يفيد إلا الظن.
(وفي القديم: تتربص أربع سنين، ثم تعتد لوفاة) أي: عدة الوفاة؛ اتباعًا لقضاء عمر ﵁ (١)، واعتبرت هذه المدة؛ لأنها أكثر مدة الحمل.
(فلو حكم بالقديم قاض .. نقض على الجديد في الأصح) لأن المجتهد لا يجوز له تقليد الصحابة في الجديد، والثاني: المنع؛ لشبهة الخلاف.
(ولو نكحت بعد التربص والعدة فبان) وقت الحكم بالفرقة (ميتًا .. صح على الجديد في الأصح) اعتبارًا بما في نفس الأمر، والثاني: المنع؛ لفقد العلم بالصحة حالة العقد.
(ويجب الإحداد على معتدة وفاة) بالإجماع، وسواء في ذلك الكافره والرقيقة والصغيرة والمجنونة وأضدادها، وعلى الولي أن يجنب الصغيرة والمجنونة ما تجتنبه المكلفة على المذهب، (لا رجعية) لبقاء أكثر الأحكام فيها.
(ويستحب لبائن) لئلا تدعو الزينة إلى الفساد، (وفي قول: يجب) كالمتوفى عنها.
وفرق الأول: بأنها مجفوة بالطلاق، فلا يليق بها التفجع، بخلاف المتوفى عنها.
стр. 1755
وَهُوَ: تَرْكُ لُبْسِ مَصْبُوغٍ لِزِينَةٍ وَإِنْ خَشُنَ، وَقِيلَ: يَحِلُّ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ. وَيُبَاحُ غَيْرُ مَصْبُوغٍ مِنْ قُطْنٍ وَصُوفٍ وَكَتَّانٍ،
===
ولا يجب على الموطوءة بشبهة ونكاح فاسد ومستولدة قطعًا، بل قال الرافعي: إن في الحديث دلالةً على تحريمه عليهن (١).
(وهو) أي: الإحداد (ترك لبس مصبوغ لزينة وإن خشن) لحديث: "وَلَا تلبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ" متفق عليه (٢).
وروى النسائي وأبو داوود بإسناد حسن عن أم سلمة مرفوعًا: "الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تلبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ وَلَا الْمُمَشَّقَةَ وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَخْتَضِبُ" (٣).
وقوله: (لزينة): متعلق بـ (مصبوغ) أي: إن كان المصبوغ مما يقصد للزينة؛ كالأحمر والأصفر، وكذا الأخضر والأزرق الصافيان.
(وقيل: يحل ما صبغ غزله ثم نسج) لقوله ﵊: "إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ"، بفتح العين وإسكان الصاد المهملتين، وهو نوع من البرود يصبغ غزله ثم ينسج.
والمذهب: عدم الفرق؛ لأن المحذور حمل النفوس إليها بالزينة، وهو موجود في الحالتين، بل المصبوغ قبل النسج هو الأحسن؛ لأنه لا يصبغ قبل النسج إلا الرفيع، والحديث المذكور محمول على ما يباح من المصبوغ، على أنه في رواية للبيهقي: "وَلَا ثَوْبَ عَصْبٍ"، لكن قال: إنها ليست بمحفوظة (٤).
(ويباح غير مصبوغ من قطن وصوف وكتان) لأن تقييده ﷺ الثوبَ بالمصبوغ يفهم: أن غير المصبوغ مباح، ولأن نفاستها من أصل الخلقة لا من زينة دخلت عليها.