وَالثَّالِثَةُ، وَتَنْفَسِخُ الثَّانِيَةُ بِإِرْضَاعِ الثَّالِثَةِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا تَنْفَسِخُ، ويَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَنْ تَحْتَهُ صَغِيرَتَانِ أَرْضَعَتْهُمَا أَجْنَبيَّةٌ مُرَتَّبًا: أَتَنْفَسخَانِ أَمِ الثَّانِيَةُ؟
فَصْلٌ [في الإقرار والشهادة بالرضاع والاختلاف فيه]
قَالَ: (هِنْدٌ بِنْتِي أَوْ أُخْتِي بِرَضَاعٍ)، أَوْ قَالَتْ: (هُوَ أَخِي) .. حَرُمَ تَنَاكُحُهُمَا.
===
إرضاعها؛ إذ لا موجب له، (و) ينفسخ نكاح (الثالثة) لصيرورتها أختًا للثانية الباقية في نكاحه.
(وتنفسخ الثانية بإرضاع الثالثة) لأنهما صارتا أختين معًا؛ فأشبه ما لو أرضعتهما معًا، (وفي قول: لا تنفسخ) نكاح الثانية، بل يختص الانفساخ بالثالثة؛ لأن الجمع تمَّ بإرضاعها، فاختص الفساد بها، كما لو نكح أختًا على أخت يختص نكاح الثانية بالفساد، وهذا القول ينسب إلى الجديد، والأول إلى القديم.
قال الشيخان: لكنه الذي عليه عامة الأصحاب؛ فعلى هذا: المسألة مما رجح فيها القديم. انتهى (١)، قال في "المطلب": وقد نصَّ في "الأم" على القولين معًا.
(ويجري القولان فيمن تحته صغيرتان أرضعتهما أجنبية مرتبًا: أتنفسخان أم الثانية؟ ) وقضية ذلك: ترجيح انفساخ النكاحين، ولا خلاف في تحريم المرضعة على التأبيد؛ لأنها صارت أم زوجته.
واحترز بقوله: (مرتبًا) عما إذا أرضعتهما معًا .. فإنه ينفسخ نكاحهما قطعًا؛ لأنهما صارتا أختين معًا.
* * *
(فصل: قال: ) رجل ("هند بنتي أو أختي برضاع"، أو قالت) امرأة: ("هو أخي") أو ابني من رضاع ( .. حرم تناكحهما) مؤاخذة للمقر بإقراره.
هذا بشرط الإمكان؛ فإن لم يمكن؛ بأن قال: (فلانة بنتي)، وهي أكبر سنًّا
стр. 1787
وَلَوْ قَالَ زَوْجَانِ: (بَيْنَنَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ) .. فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَسَقَطَ الْمُسَمَّى، وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ وَطِئَ. وَإِنِ ادَّعَى رَضَاعًا فَأَنْكَرَتِ .. انْفَسَخَ وَلَهَا الْمُسَمَّى إِنْ وطِئَ، وَإِلَّا .. فَنِصْفُهُ، وَإِنِ أدَّعَتْهُ فَأَنْكَرَ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ زُوِّجَتْ بِرِضَاهَا، وَإِلَّا .. فالأَصَحُّ: تَصْدِيقُهَا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ وَطِئَ، وَإِلَّا .. فَلَا شَيْءَ. وَيُحَلَّفُ مِنْكِرُ رَضَاعٍ عَلَى نفْيِ عِلْمِهِ، وَمُدَّعِيهِ عَلَى بَتٍّ
===
منه .. فهو لغو؛ كما ذكره في (باب الإقرار) (١).
(ولو قال زوجان: "بيننا رضاع محرم" .. فرق بينهما) عملًا بقولهما (وسقط المسمَّى) إذ لم يصادف محلًّا، (ووجب مهر مثل إن وطى) لئلا يخلو الوطء عنه.
(وإن ادعى رضاعًا) محرمًا (فأنكرت .. انفسخ) عملًا باعترافه (ولها المُسمَّى إن وطئ) لاستقراره بالدخول، (وإلا) أي: وإن لم يطأ ( .. فنصفه) لورود الفرقة منه.
(وإن ادعته فأنكر .. صدق بيمينه إن زوجت برضاها) ممن عرفته بعينه، لتضمن رضاها به الإقرار بحلها له، فلا يقبل منها نقيضه، (وإلا) أي: وإن زوجت بغير رضاها أو أذنت مطلقًا، ولم تعين الزوج ( .. فالأصح: تصديقها) لاحتمال ما تدعيه، ولم يسبق منها ما يناقضه.
والثاني: يصدق الزوج، لاستدامة النكاح الجاري على الصحة ظاهرًا.
ومحل الأول: ما إذا لم تمكن من وطئها مختارة؛ فإن مكنته لم يقبل قولها.
(ولها مهر مثل إن وطئ) وهي جاهلة بالرضاع ثم علمت وادَّعت؛ لاستقراره وليس لها المُسمَّى؛ لأنها لا تستحقه بزعمها، (وإلا) أي: وإن لم يكن وطئ ( .. فلا شيء) لتبين فساده.
(ويحلَّف منكر رضاع على نفي علمه) لنفيه فعل الغير (ومدعيه على بت) لأنه حلف على إثبات فعل الغير.
стр. 1788
وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتينِ، وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ. وَالإِقْرَارُ بِهِ شَرْطُهُ رَجُلَانِ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ إِنْ لَمْ تَطْلُبْ أُجْرَةً، وَلَا ذَكَرَتْ فِعْلَهَا، وَكَذَا إِنْ ذَكَرَتْهُ فَقَالَتْ: (أَرْضَعْتُهُ) فِي الأَصَحِّ
===
(ويثبت) الرضاع (بشهادة رجلين) كسائر الحقوق (أو رجل وامرأتين، وبأربع نسوة) لأنه مما تختص النساء بالاطلاع عليه غالبًا، فأشبه الولادة، ولا يثبت بما دون أربع نسوة؛ فإن كلَّ امرأتين بمثابة رجل، وقد كرر المصنف المسألة في (الشهادات) (١).
قال في "التتمة": ومحل قبول شهادتهن: إذا كان النزاع في الارتضاع من الثدي.
أما إذا كان في الشرب، أو الإيجار من ظرف .. فلا تقبل فيه شهادة النساء المتمحضات؛ لأنه لا اختصاص لهن بالاطلاع.
نعم؛ تقبل شهادتهن على أن اللبن الحاصل في الظرف لبن فلانة؛ لأن الرجال لا يطلعون على الحلب غالبًا، وأقره الشيخان (٢).
(والإقرار به شرطه: رجلان) لاطلاع الرجال عليه غالبًا.
(وتقبل شهادة المرضعة إن لم تطلب أجرة) لأنها لا تجر بهذه الشهادة نفعًا، ولا تدفع ضررًا، فإن طلبت الأجرة .. لم تقبل؛ لأنها متهمة، (ولا ذكرت فعلها) بل شهدت بأخوة الرضاع بينهما.
ولا نظر إلى ما يتعلق به من ثبوت المحرمية، وجواز الخلوة والمسافرة؛ فإن الشهادة لا تردُّ بمثل هذه الأغراض، الا ترى أنه لو شهد أن فلانًا طلَّق زوجته، أو أعتق أمته .. تقبل وإن استفاد حل المناكحة.
(وكذا إن ذكرته، فقالت: "أرضعته" في الأصح) لِمَا تقدم من أنها لا تجرُّ لها نفعًا، ولا تدفع عنها ضررًا، وفعلها غير مقصود بالإثبات بل الاعتبار بوصول اللبن إلى الجوف، والثاني: المنع؛ كما لو شهدت على ولادتها.
стр. 1789
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي (بَيْنَهُمَا رَضَاع مُحَرِّمٌ)، بَلْ يَجِبُ ذِكْرُ وَقْتٍ وَعَدَدٍ، وَوُصُولِ اللَّبَنِ جَوْفَهُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بمُشَاهَدَةِ حَلَبٍ وَإِيجَارٍ وَازْدِرَادٍ، أَوْ قَرَائِنَ؛ كَالْتِقَامِ ثَدْيٍ وَمَصِّهِ وَحَرَكَةِ حَلْقِهِ بِتَجَرُّعٍ وَازْدِرَادٍ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهَا لَبُونٌ.
===
وفرق الأول: بأن الولادة يتعلق بها حقُّ النفقة والإرث، وسقوط القصاص وغيرها فلم تقبل؛ للتهمة، بخلاف الرضاع.
(والأصح: أنه لا يكفي "بينهما رضاع محرم"، بل يجب ذكر وقت وعدد) كخمس رضعات بعد التسع قبل الحولين؛ لاختلاف المذاهب في شروط الرضاع، والأصل: عدم الحرمة؛ فاشترط التفصيل ليعمل القاضي باجتهاده.
والثاني: يكفي الإطلاق.
قال الرافعي: ويحسن أن يتوسط، فيقبل إطلاق الفقيه الموثوق بمعرفته دون غيره، وينزل الكلامان عليه، أو يُخصّ الخلاف بما إذا لم يكن المطلق فقيهًا، وقد سبق مثله في الإخبار عن نجاسة الماء وغيره، والمانعون من قبول المطلقة ذكروا وجهين في قبولط الشهادة المطلقة على الإقرار بالرضاع (١).
وفي "الشرح" و"الروضة" عن "البحر" وغيره، أنه لو قال: (هي أختي من الرضاع) .. لا يفتقر إلى ذكر الشروط إن كان فقيهًا، وإلا .. فوجهان.
وفرقوا بين الشهادة والإقرار: بأن المقر يحتاط لنفسه، فلا يقر إلا عن تحقيق (٢).
(ووصول اللبن جوفه) في كلِّ رضعة؛ كما يشترط ذكر الإيلاج في شهادة الزنا، وقيل: لا يجب؛ لأنه لا يشاهد.
(ويعرف ذلك) أي: وصولط اللبن إلى جوفه (بمشاهدة حلب) بفتح اللام (وإيجار وازدراد، أو قرائن؛ كالتقام ثدي ومصه وحركة حلقه بتجرع وازدراد بعد علمه أنها لبون) أي: ذات لبن عند الإرضاع؛ لأن مشاهدة القرائن قد تفيد اليقين،
стр. 1790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وبتقدير ألا تفيده فتفيد الظنَّ القويَّ، وذلك تسلُّط على الشهادة.
وأفهم: أنه إذا لم يعلم أنها ذات لبن لا تحل له الشهادة، وهو الأصحُّ؛ لأن الأصل أن لا لبن لها، ووجه مقابلة: الأخذ بظاهر الحال.
* * *
стр. 1791
كتابُ النَّفقات
عَلَى مُوسِرٍ لِزَوْجَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ مُدَّا طَعَامٍ، وَمُعْسِرٍ مُدٌّ، وَمُتَوَسِّطٍ مُدٌّ وَنِصْفٌ ..
===
(كتاب النفقات)
هي جمع نفقة من الإنفاق، وهو الإخراج.
وأسباب وجوبها: ثلاثة: النكاح والقرابة وملك اليمين، وبدأ بالأول؛ لأنها معاوضة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولا تسقط بمضي الزمان، فهو أقوى من غيره.
والأصل في الباب: آيات؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ومن السنة أحاديث؛ منها: قوله ﷺ في خطبته في حجة الوداع: "فاتَّقُوا الله فِي النِّسَاءِ" إلى أن قال: "وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" رواه مسلم (١).
وأجمعت الأمة على وجوب نفقة الزوجات في الجملة، وكذلك نفقة الأقارب والمماليك.
(على موسر لزوجته) ولو أمة وكتابية وذمية وعكسهن (كل يوم) بليلته المتأخرة عنه (مدا طعام، ومعسر مد، ومتوسط مد ونصف) احتج الأصحاب لأصل التفاوت بقوله تعالى: (﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية، ولهذا التقدير بأن الله تعالى اعتبر جنس الإطعام في الكفارة بنفقة الأهل فقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وذلك يدل على المقاربة والمشابهة، فوجب إلحاقها بالكفارة، ووجدنا الشرع قدَّر الكفاية للمسلمين، وأقل ما أوجب للمسكين الواحد مدّ، وذلك في كفارة اليمين، وأكثر ما أوجب له مدان، وذلك في كفارة الأذى، فاعتبرنا النفقة بهما؛ لأن كلَّ واحد منهما مال يجب بالشرع ويستقر في الذمة، فأوجبنا على الموسر الأكثر، وعلى المعسر الأقل، وجعل المتوسط بينهما، ولأن المدَّ يكتفي به الزهيد، وينتفع به الرغيب، والمدان قدر المتوسع.
стр. 1792
وَالْمُدُّ: مِئَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: مِئَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِسْكِينُ الزَّكَاةِ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَوْقَهُ إِنْ كَانَ لَوْ كُلِّفَ مُدَّيْنِ رَجَعَ مِسْكِينًا .. فَمُتَوَسِّط، وَإِلَّا .. فَمُوسِرٌ. وَالْوَاجِبُ: غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ. قُلْتُ: فَإِنِ اخْتَلَفَ .. وَجَبَ لَائِقٌ بِهِ، وَيُعْتبَرُ الْيَسَارُ وَغَيْرُهُ طُلُوعَ الْفَجْرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
===
ويستثنى من الموسر: المكاتب؛ فإنه يلحق بالمعسر وإن كثر ماله، وكذا المبعض على الأصحِّ.
(والمد: مئة وثلاثة وسبعون درهمًا وثلث درهم، قلت: الأصح: مئة وأحد وسبعون وثلاثة أسباع درهم، والله أعلم) اختلاف الترجيح مبني على ما سبق في (زكاة النبات) من الاختلاف في قدر رطل بغداد.
(ومسكين الزكاة معسر، ومن فوقه إن كان لو كلف مدين رجع مسكينًا .. فمتوسط، وإلا .. فموسر) هذا التفسير نقلاه عن الإمام والغزالي، وقالا: إنه أحسن الأوجه، قالا: ولا بد مع ذلك من النظر إلى الرخص والغلاء (١)، ووراءه أوجه؛ أحدها: الرجوع فيه إلى العادة، وتختلف باختلاف الأحوال والبلاد، والثاني: أن الموسر من يزيد دخله على خرجه، والمعسر عكسه، والمتوسط من تساوى دخله وخرجه، والثالث: أن النظر إلى الكسب، فمن قدر على نفقة الموسرين في حق نفسه وفي حق من تلزمه نفقته من كسبه لا من أصل ماله .. فهو موسر، ومن لا يقدر على أن ينفق من كسبه .. فمعسر، ومن قدر أن ينفق من كسبه نفقة المتوسطين .. فمتوسط.
(والواجب: غالب قوت البلد) من الحنطة أو غيرها، حتى يجب الأقط في حق أهل البوادي الذين يقتاتونه؛ اعتبارًا بالفطرة والكفارة.
(قلت: فإن اختلف) قوت البلد، ولا غالب فيه ( .. وجب لائق به) أي: بالزوج، فلو كان يأكل فوق اللائق به تكلفًا .. لم نكلفه إخراج ذلك، أو دونه بخلًا أو زهدًا .. وجب اللائق به.
(ويعتبر اليسار وغيره) أي: التوسط والإعسار (طلوع الفجر، والله أعلم)
стр. 1793
وَعَلَيْهِ تَمْلِيكُهَا حَبًّا، وَكَذَا طَحْنُهُ وَخَبْزُهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا بَدَلَ الْحَبِّ .. لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ، فَإِنِ اعْتَاضَتْ .. جَازَ فِي الأَصَحِّ،
===
اعتبارًا بوقت الوجوب، (وعليه تمليكها حبًّا) لا خبزًا ودقيقًا؛ قياسًا على الكفارة، وزكاة الفطر.
وتعبيره يوهم: اعتبار الإيجاب والقبول، وليس كذلك بل الواجب الدفع؛ كما نقله في "البيان" عن الخراسانيين (١).
(وكذا طحنه وخبزه في الأصح) أي: عليه مؤنتهما ببذل المال أو بأن يتولاهما بنفسه أو بغيره؛ كما صرح به في "المحرر" (٢)؛ لأن الحب لا يتناول في العادة بدونهما وتكليفها ذلك ليس من المعاشرة بالمعروف، قال الرافعي: فعلى هذا: عليه مؤنة اللحم وما يطبخ به (٣)، والثاني: لا يجب مطلقًا؛ كالكفارات.
وفرق الأول: بأنها في حبسه فعليه أن يكفيها مؤنتها، بخلاف الكفارة، والثالث: إن كانت من أهل القرى الذين عادتهم الطحن والخبز بأنفسهم .. فلا، وإلا .. فنعم.
وقضية كلام ابن الرفعة: أنه المذهب، فإنه جزم به ثم حكى الأولين (٤)، وقال الأَذْرَعي: إنه الصحيح؛ لأنه العرف.
(ولو طلب أحدهما بدل الحب) الدقيق أو الخبز أو القيمة ( .. لم يجبر الممتنع) لأنه غير الواجب، والاعتياض شرطه التراضي، (فإن اعتاضت) عن الحب الواجب في الذمة نقدًا، أو غيره من العروض ( .. جاز في الأصح) لأنه طعام مستقرٌّ في الذمة لمعين، فجاز أخذ العوض عنه بالتراضي؛ كالقرض، والثاني: لا؛ كالمسلم فيه وطعام الكفارة.
ومحل الخلاف: إذا اعتاضت من الزوج، أما من غيره .. فلا قطعًا، قاله في "الروضة" (٥).
стр. 1794
إِلَّا خُبْزًا وَدَقِيقًا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ أَكَلَتْ مَعَهُ كَالْعَادَةِ .. سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ رَشِيدَةٍ وَلَمْ يَأْذَنْ وَلِيُّهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجِبُ أُدْمُ غَالِبِ الْبَلَدِ كَزَيْتٍ وَسَمْنٍ وَجُبْنٍ وَتَمْرٍ، وَيَخْتَلِفُ بِالْفُصُولِ،
===
(إلا خبزًا ودقيقًا على المذهب) حذرًا من الربا، وقيل: يجوز رفقًا ومسامحة.
(ولو أكلت معه) مختارة (كالعادة .. سقطت نفقتها في الأصح) تبع فيه "المحرر"، فإنه قال: إنه أولى (١)، وقال: في "زيادة الروضة": إنه الصحيح؛ لجريان الناس عليه في زمن النبي ﷺ وبعده من غير نزاع ولا إنكار ولا خلاف، ولم ينقل أن امرأة طالبت بنفقةٍ بعده، ولو كانت لا تسقط مع علم النبي ﷺ بإطباقهم عليه .. لأعلمهم بذلك، ولقضاه من تركة من مات ولم يوفه، وهذا مما لا شك فيه. انتهى (٢)، والثاني: لا تسقط، قال الرافعي: وهو الأقيس؛ لأنه لم يؤد الواجب، وتطوَّع بغيره (٣)، قال مُجَلِّي: ومحل الوجهين، إذا لم ترض بذلك عوضًا، فإن رضيت .. سقطت قطعًا.
(قلت: إلا أن تكون غير رشيدة ولم يأذن وليها، والله أعلم) أي: فلا تسقط قطعًا؛ كما قاله في "الروضة" (٤).
وأفهم: أنها بالإذن تصير كالرشيدة، وهو مشكل في الصغيرة؛ لأن قبضها غير معتدٍّ به وإن أذن الولي، اللهم إلا أن يجعل الزوج كالوكيل في شراء الطعام، وإنفاقه عليها.
(ويجب أدم غالب البلد؛ كزيت وسمن وجبن وتمر) لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وليس من المعاشرة بالمعروف: دفع القوت بلا أدم؛ إذ الطعام غالبًا لا ينساغ إلا به.
(ويختلف) الأدم (بالفصول) الأربعة، فيجب في كلِّ فصلٍ ما يليق به، ويعتاده
стр. 1795
وَيُقَدِّرُهُ قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ، ويُفَاوِتُ بَيْنَ مُوسِرٍ وَغَيْرِهِ، وَلَحْمٌ يَلِيقُ بِيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ كَعَادَةِ الْبَلَدِ، وَلَوْ كَانَتْ تَأْكُلُ الْخُبْزَ وَحْدَهُ .. وَجَبَ الأُدْمُ. وَكِسْوَةٌ تَكْفِيهَا؛ فيَجِبُ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَخِمَارٌ وَمُكَعَّبٌ،
===
الناس، قالا: وقد تغلب الفواكه في أوقاتها؛ فتجب (١).
(ويقدره قاض باجتهاده) عند التنازع فيه؛ إذ لا توقيف.
(ويفاوت بين موسر، وغيره) فينظر إلى جنس الأدم، وما يحتاج إليه المد؛ فيفرضه على المعسر ويضعفه على الموسر، والمتوسط بينهما، ووقع في كلام الشافعي ﵁ تقديره بمكيلة سمنٍ أو زيت (٢)، قال: الأصحاب: وهو تقريب، ويقال: إن المراد بالمكيلة: الأوقية؛ أي: الحجازية، وهي: أربعون درهمًا لا العراقية؛ كما حكاه الجيلي عن بعضهم.
(ولحمٌ يليق بيساره وإعساره) وتوسطه (كعادة البلد) في أكله، ولا يتقدر بشيء؛ إذ لا مستند، بخلاف تقدير الطعام، قالا: وفي كلام الشافعي أن يطعمها في كل أسبوع رطل لحم، ويوم الجمعة أولى، وقال الأكثرون: وإنما قال الشافعي هذا على عادة أهل مصر؛ لعزة اللحم عندهم يومئذ، وأما حيث يكثر اللحم .. فيزاد بحسب عادة البلد (٣)، والمراد بإيجاب الرطل: على المعسر، وعلى الموسر رطلان، والمتوسط رطلٌ ونصف.
(ولو كانت تأكل الخبز وحده .. وجب الأدم) لأنه حقها؛ كما لو كانت تأكل بعض الطعام .. فإنها تستحق جميعه.
(وكسوة تكفيها) أي: قدر كفايتها طولًا وقصرًا، وضخامة ونحافة، وتختلف باختلاف البلاد حرًّا وبردًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
(فيجب قميص وسراويل وخمار) وهو ما يغطى به الرأس (ومكعب) وهو مدَاس الرجل؛ لحصول الكفاية بذلك، فإن الخمار يستر الرأس، والقميص يستر ما يلي
стр. 1796
وَتزادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةٌ، وَجِنْسُهَا قُطْنٌ، فَإِنْ جَرَتْ عَادَةُ الْبَلَدِ لِمِثْلِهِ بِكَتَّانٍ أَوْ حَرِيرٍ .. وَجَبَ فِي الأَصَحِّ. وَيَجِبُ مَا تَقْعُدُ عَلَيْهِ كَزِلِّيَّةٍ أَوْ لِبْدٍ أَوْ حَصِيرٍ،
===
البدن، والسراويل أسافله ويصون العورة، والمُكعَّب يقي قدمها من الحر والبرد.
(وتزاد في الشتاء جبة) محشوة قطنًا؛ لدفع البرد، فإن احتاجت إلى ثنتين لشدة البرد .. وجبتا، قاله الرافعي بحثًا (١)، وصرح به الخوارزمي.
(وجنسها) أي: الكسوة (قطن) لأنه لباس أهل الدين، وما زاد عليه ترفهٌ ورعونة.
(فإن جرت عادة البلد لمثله بكتان أو حرير .. وجب في الأصح) اتباعًا للعادة، ويفاوت بين الموسر والمعسر في مراتب ذلك الجنس.
نعم؛ لو جرت العادة بلبس الثياب الرقيقة التي لا تستر، ولا تصح فيها الصلاة .. لم يعطها منها، لكن من الصفيق الذي يقرب منه في الجودة، والثاني: لا يلزمه الحرير ونحوه بل يقتصر على القطن؛ لما تقدم.
(ويجب ما تقعد عليه كزلية أو لبد أو حصير) لاقتضاء العرف ذلك، وقضيته: التخيير، وليس كذلك بل التنويع؛ فالزلية: على الموسر، واللبد: على المتوسط، والحصير: على المعسر، وفيما ذكره نقص عما في "الشرحين" و"الروضة"؛ فإن فيهما: يجب ما تفرشه للقعود عليه، ويختلف ذلك باختلاف حال الزوج، قال المتولي: فعلى الموسر: طنفسة في الشتاء ونطع في الصيف، وعلى المتوسط: زِلِّيَّة، وعلى الفقير: حصير في الصيف ولبد في الشتاء، ويشبه أن تكون الطنفسة، والنطع بعد بسط زلية أو حصير؛ فإن الطنفسة والنطع لا يبسطان وحدهما. انتهى (٢).
والزلية - بكسر الزاي وتشديد اللام -: مضرب صغير، وقيل: بساط صغير، وقيل: إنها الطنفسة، ويخدشه ما ذكراه من كونها تبسط تحتها.
стр. 1797
وَكَذَا فِرَاشٌ لِلنَّوْمِ فِي الأَصَحِّ، وَمِخَدَّةٌ وَلِحَافٌ فِي الشِّتَاءِ. وَآلَةُ تَنْظِيفٍ كَمُشْطٍ، وَدُهْنٍ، وَمَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ، وَمَرْتَكٌ وَنَحْوُهُ لِدَفْع صُنَانٍ، لَا كُحْلٌ وَخِضَابٌ، وَمَا يَزِينُ، وَدَوَاءُ مَرَضٍ، وَأُجْرَةُ طَبِيبٍ وَحَاجِمٍ. وَلَهَا طَعَامُ أَيَّامِ الْمَرَضِ
===
(وكذا فراش للنوم في الأصح) غير ما تفرشه نهارًا للعادة الغالبة، والثاني: لا، وتنام على فراش النهار.
(ومخدة، ولحاف) أو كساء (في الشتاء) في البلاد الباردة على العادة نوعًا وكيفية؛ لحاجة دفع البرد.
(و) يجب لها أيضًا (آلة تنظيف؛ كمشط ودهن وما يغسل به الرأس) من سدر أو خطمي أو طين على حسب العادة؛ لاحتياجها إلى ذلك، والرجوع في قدرها إلى العادة، ويجب لها أيضًا: الأشنان والصابون والقلي، كما صرح به القفال والبغوي.
(ومرتك ونحوه لدفع صنان) إذا لم ينقطع بالماء والتراب؛ لتأذيها بالرائحة الكريهة، وتنفيره عن الاستمتاع.
(لا كحل، وخضاب، وما يزين) أي: لا يجب ذلك، وكذا الطيب والعطر؛ لأنه يراد لزيادة التلذذ وكمال الاستمتاع؛ فهو حق الزوج، وإذا هيأه .. وجب عليهما استعماله، وروى المحب الطبري في "أحكامه" من رواية أبي القاسم عبيد الله بن هارون القطان في مجلس من أماليه بواسط من حديث عائشة ﵂، أنه ﷺ قال: "إِنِّي لأُبْغِضُ الْمَرْأَةَ السَّلْتَاءَ وَالْمَرْهَاءَ" فقلت: يا رسول الله، وما هما؟ قال: "السَّلْتَاءُ: الَّتِي لَا تَخْتَضِبُ، وَالْمَرْهَاءُ: الَّتِي لَا تَكْتَحِلُ" (١) أي: مأخوذ من المره، بفتح (الميم (و (الراء)، وهو البياض.
(ودواء مرض، وأجرة طبيب، وحاجم) وفاصد، وخاتن؛ لأن ذلك لحفظ الأصل، فلا تجب على مستحق المنفعة؛ كعمارة الدار المستأجرة، وخالف مؤنة التنظيف؛ لأنه في معنى غسل الدار وكنسها.
(ولها طعام أيام المرض) (٢) لأنها محبوسة عليه، ولها صرفه في الدواء ونحوه.
стр. 1798
وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ أُجْرَةِ حَمَّامٍ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَثَمَنِ مَاءِ غُسْلِ جِمَاعِهِ وَنفَاسٍ فِي الأَصَحِّ، لَا حَيْضٍ وَاحْتِلَامٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَهَا آلَاتُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَطَبْخٍ، كَقِدْرٍ وَقَصْعَةٍ وَكُوزٍ وَجَرَّةٍ
===
(والأصح: وجوب أجرة حمام بحسب العادة) إن كانت عادتها دخول الحمام للحاجة إليه؛ عملًا بالعرف، قال الماوردي: ويجب في كل شهر مرة (١)، والثاني: لا يجب إلا إذا اشتدَّ البرد وعسر الغسل إلا في الحمام، وهذا كله تفريع على جواز دخول النساء الحمام بلا ضرورة، وهو الأصحُّ في "زيادة الروضة" في (باب عقد الذمة) لكنه يكره (٢)، وقيل: لا يجوز، واختاره الأَذْرَعي، وبسط الكلام على ذلك في (باب الغسل) من "الغنية".
(وثمن ماء غسل جماعه ونفاس) منه (في الأصح) لأنه بسببه، والثاني: لا يجب؛ لأنه متولد من مستحق.
(لا حيض، واحتلام في الأصح) إذ لا صنع منه، والثاني: يجب؛ لكثرة وقوع الحيض، وفي عدم إيجابه إجحاف بها.
والخلاف في الاحتلام تبع فيه "المحرر" (٣)، ولم يحكياه في "الشرحين" و"الروضة"، بل قطعا بعدم الوجوب (٤)، والصواب: ما في "المنهاج" فقد جزم القفال في "فتاويه" بوجوبه على الزوج، وعلله بأنه لحاجتها، قال: بخلاف ما لو زنت أو وطئت بشبهة، وكلام "البحر" في (باب الغسل) يشير إليه، قاله في "المهمات" (٥)، قال الرافعي: وينظر على هذا القياس في ماء الوضوء إلى أن السبب من جهته كاللمس أم لا (٦).
(ولها) على الزوج (آلات أكل وشرب وطبخ؛ كقدر وقصعة وكوز وجرة
стр. 1799
وَنَحْوِهَا وَمَسْكَنٌ يَلِيقُ بِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِلْكَهُ. وَعَلَيْهِ لِمَنْ لَا يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا إِخْدَامُهَا بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ، أَوْ بِالإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ صَحِبَتْهَا مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لِخِدْمَةٍ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ وَعَبْدٌ
===
ونحوها) من المِغرفة وما تغسل فيه ثيابها؛ لأن المعيشة لا تتم بدونه، فكان من المعاشرة بالمعروف، ويكفي كون الآلات من خشب أو حجر أو خزف؛ لحصول المقصود، وفي الظروف النحاسية للشريفة احتمال للإمام (١).
(و) يجب لها على الزوج (مسكن) لأن المطلقة يجب لها ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ فالزوجة أولى (يليق بها) في العادة؛ لأنها لا تملك الانتقال منه؛ فروعي فيه جانبها، بخلاف النفقة والكسوة حيث روعي فيها حال الزوج؛ لأنها تملك إبدالهما.
(ولا يشترط كونه ملكه) بل يجوز في موقوف ومستأجر ومعار؛ لحصول الإيواء، ولو سكنت هي والزوج في منزلها مدة .. سقط فيها حق السكنى، ولا مطالبة لها بأجرة سكنه معها إن كانت أذنت له في ذلك، لأن الإذن المطلق العري عن ذكر عوض ينزل على الإعارة والإباحة، قاله ابن الصلاح.
(وعليه لمن لا يليق بها خدمة نفسها إخدامها) لأنه من المعاشرة بالمعروف، والمعتبر: حالها في بيت أبيها، فلو كانت ممن لا تخدم فيه، ثم صارت عنده ممن تخدم .. لم يلزمه إخدامها، قاله الشيخ أبو حامد، وأقرَّاه (٢)، وقيد الماوردي الوجوب بسكان الأمصار دون البوادي (٣)، ولا يجب إخدامها بأكثر من واحدة وإن جلَّ قدرها وكان موسرًا، (بحرة أو أمة أو مستأجرة أو بالإنفاق على من صحبتها؛ من حرة أو أمة لخدمة) لحصول المقصود بجميع ذلك.
(وسواء في هذا) أي: في وجوب الإخدام (موسر ومعسر وعبد) كسائر المؤن، وقيل: لا تجب على المعسر.
стр. 1800
فَإِنْ أَخْدَمَهَا بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ بِأُجْرَةٍ .. فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا، أَوْ أَمَتِهِ .. أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِالْمِلْكِ، أَوْ بِمَنْ صَحِبَتْهَا .. لَزمَهُ نَفَقَتُهَا، وَجِنْسُ طَعَامِهَا جنْسُ طَعَامِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ مُدٌّ عَلَى مُعْسِرٍ، وَكَذَا مُتَوَسِّطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمُوسِرٌ: مُدَّ وَثُلُثٌ، وَلَهَا كِسْوَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهَا، وَكَذَا أُدْمٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لَا آلَةُ تنظِيفٍ، فَاِنْ كَثُرَ وَسَخٌ وَتَأَذَّتْ بِقَمْلٍ .. وَجَبَ أَنْ تُرَفَّهَ. وَمَنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا فِي الْعَادَةِ إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى خِدْمَة لِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ .. وَجَبَ إِخْدَامُهَا
===
(فإن أخدمها بحرة أو أمة بأجرة .. فليس عليه غيرها) أي: غير الأجرة، (أو أمته .. أنفق عليها بالملك، أو بمن صحبتها .. لزمه نفقتها) لأنه من المعاشرة بالمعروف.
(وجنس طعامها) أي: الخادمة (جنس طعام الزوجة) إذ من المعروف ألا تتخص عن خادمتها، (وهو) أي: مقداره (مد على معسر) إذ النفس لا تقوم بدونه، فلذلك ساوت المخدومة فيه، (وكذا متوسط في الصحيح) قياسًا على المعسر، والثاني: أنه كالموسر، (وموسر: مد وثلث) لأن نفقة الخادمة على المتوسط مدٌّ، وهو ثلثا نفقة المخدومة، والمد والثلث على الموسر ثلثا نفقة المخدومة.
(ولها) أي: للخادمة (كسوة تليق بحالها) كالنفقة؛ فيجب قميص وسراويل ومقنعة وخف وما تلتحف به؛ لاحتياجها إلى الخروج، بخلاف المخدومة، ويجب لها في الشتاء جبة أو فروة، (وكذا أدم على الصحيح) لأن العيش لا يتم بدونه، وجنسه جنس أدم المخدومة، لكن دون نوعه على الأصحِّ، والثاني: لا يجب، ويكتفى بما فضل عن المخدومة.
(لا آلة تنظيف) لأنها للزينة، واللائق بها تركها؛ لئلا تميل العين إليها، (فإن كثر وسخ وتأذت بقمل .. وجب أن ترفه) بأن يعطيها ما يزيل ذلك، وهذا ما استدركه القفال واستحسنوه.
(ومن تخدم نفسها في العادة إن احتاجت إلى خدمة لمرض أو زمانة .. وجب إخدامها) ولو كانت أمة؛ لأنها لا تستغني عنه فأشبهت من لا يليق بها خدمة نفسها،
стр. 1801
وَلَا إِخْدَامَ لِرَقِيقَةٍ، وَفِي الْجَمِيلَةِ وَجْهٌ. وَيَجِبُ فِي الْمَسْكَنِ: إِمْتَاعٌ، وَمَا يُسْتَهْلَكُ كَطَعَامٍ تَمْلِيكٌ، وَتَتَصَرَّفُ فِيهِ، فَلَوْ قَتَّرَتْ بِمَا يَضُرُّهَا .. مَنَعَهَا، وَمَا دَامَ نَفْعُهُ كَكِسْوَةٍ وَظُرُوفِ طَعَامٍ وَمُشْطٍ تَمْلِيكٌ، وَقِيلَ: إِمْتَاعٌ. وَتُعْطَى الْكِسْوَةَ أَوَّلَ شِتَاءٍ وَصَيْفٍ، فَلَوْ تَلِفَتْ فِيهِ بِلَا تَقْصِيرٍ .. لَمْ تُبْدَلْ إِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، فَإِنْ مَاتَتْ فِيهِ .. لَمْ تُرَدَّ،
===
(ولا إخدام لرقيقة) أي: لزوجة رقيقة في حال صحتها؛ لأن العرف أن تخدم نفسها، والمبعضة كالقنة، (وفي الجميلة وجه) لجريان العادة به.
(ويجب في المسكن: إمتاع) لأنه مجرد انتفاع؛ كالخادم.
(وما يستهلك كطعام تمليك) كما في (الكفارة) (وتتصرف فيه) الحرَّةُ بما شاءت؛ من بيع وغيره؛ كسائر أموالها.
(فلو قترت بما يضرها .. منعها) وكذا لو لم يضرها ولكنه ينفرهُ عنها؛ لحق الاستمتاع.
(وما دام نفعه؛ ككسوة) وفرش (وظروف طعام، ومشط تمليك) كالكسوة في الكفارة، وكالنفقة والأدم، (وقيل: إمتاع) كالمسكن والخادم من جهة الانتفاع مع بقاء العين، بخلاف الطعام.
وفرق الأول: بأن الكسوة تدفع إليها، والمسكن لا يدفع، وإنما يسكنها الزوج معه، ويتفرع على الخلاف: جواز كونه مستعارًا ومستأجرًا وغيره، وجواز تصرفها فيه بالبيع وغيره.
(وتعطى الكسوة أول شتاء وصيف) لقضاء العرف بذلك؛ هذا إن وافق النكاح أول الفصل، وإلا .. وجب إعطاؤها كل ستة أشهر من حين الوجوب، ومحله: في كسوة البدن، أما ما يبقى سنة فأكثر؛ كالفرش والبسط .. فيجدد في وقته على ما جرت العادة بتجديده، وكذا جبة الإبريسم، وعليه تطريفها على العادة.
(فلو تلفت فيه) أي: في أثناء الفصل (بلا تقصير .. لم تبدل إن قلنا: تمليك) كالنفقة إذا تلفت في يدها، فإن قلنا: إمتاع .. أُبدلت، ولو أتلفتها أو تمزقت قبل أوان التمزق؛ لكثرة ترددها فيها وتحاملها عليها .. فعلى الخلاف.
(فإن ماتت) أو هو (فيه) أي: في أثناء الفصل ( .. لم ترد) على القول
стр. 1802
وَلَوْ لَمْ يَكْسُ مُدَّةً .. فَدَيْنٌ.
فَصْلٌ [في موجب المؤن ومسقطاتها]
الْجَدِيدُ: أَنَّهَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ لَا الْعَقْدِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. فَإِنْ لَمْ تَعْرِضْ عَلَيْهِ مُدَّةً .. فَلَا نَفَقَةَ فِيهَا، وَإِنْ عَرَضَتْ .. وَجَبَتْ مِنْ بُلُوغِ الْخَبَرِ. فَإِنْ غَابَ .. كَتَبَ الْحَاكِمُ لِحَاكِمِ بَلَدِهِ لِيُعْلِمَهُ فَيَجِيءَ أَوْ يُوَكِّلَ،
===
بالتمليك؛ كما لو سلم إليها نفقة اليوم، فماتت فيه؛ فإن قلنا: إمتاع .. استرد، (ولو لم يكس مدة .. فدين) إن قلنا: إنها تمليك، فإن قلنا: إمتاع .. فلا.
* * *
(فصل: الجديد: أنها) أي: النفقة والكسوة ونحوها (تجب بالتمكين) يومًا بيوم؛ لأنها سلمت ما ملك عليها فاستحقت ما يقابله من الأجرة، وهل التمكين سبب أو شرط؟ فيه وجهان، (لا العقد) لأنه ﷺ تزوج عائشة ﵂ وهي بنت ست، ودخل بها بعد سنتين (١)، ولم ينقل أنه أنفق عليها قبل الدخول، ولو كان حقًّا لها .. لساقه إليها، ولو وقع .. لنقل؛ ولأن المهر يجب بالعقد، والعقد لا يوجب عوضين مختلفين، والقديم: أنها تجب بالعقد؛ كالمهر.
(فإن اختلفا فيه) أي: في التمكين؛ فادعته وأنكره ( .. صدق بيمينه) لأن الأصل عدمه، وهذا تفريع على الجديد، وعلى القديم: هي المصدقة؛ لأن الأصل بقاء ما وجب بالعقد، وهذه إحدى فوائد الخلاف.
(فإن لم تعرض عليه مدة .. فلا نفقة فيها) على الجديد؛ لعدم التمكين، ويجب على القديم؛ لوجود الموجب، وهذه فائدة ثانية للخلاف.
(وإن عرضت .. وجبت من بلوغ الخبر) لأنه حينئذ مقصر، (فإن غاب) الزوج قبل عرضها عليه ( .. كتب الحاكم لحاكم بلده) بعد الرفع إليه وثبوت المطالبة (ليعلمه فيجيء أو يوكل) من يتسلمها له أو يحملها إليه.
стр. 1803
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَمَضَى زَمَنُ وُصُولهِ .. فَرَضَهَا الْقَاضِي. وَالْمُعْتبَرُ فِي مَجْنُونَةٍ وَمُرَاهِقَةٍ عَرْضُ وَلِيٌّ. وَتَسْقُطُ بِنُشُوزٍ وَلَوْ بِمَنْعِ لَمْسٍ بِلَا عُذْرٍ. وَعَبَالَةُ زَوْجٍ أَوْ مَرَضٌ يَضُرُّ مَعَهُ الْوَطْءُ عُذْرٌ. وَالْخُرُوجُ مِنْ بَيْتِهِ بِلَا إِذنٍ نشُوزٌ إِلَّا أَنْ يُشْرِفَ عَلَى انْهِدَامٍ. وَسَفَرُهَا بِإِذْنِهِ مَعَهُ أَوْ لِحَاجَتِهِ .. لَا يُسْقِطُ،
===
(فإن لم يفعل ومضى زمن وصوله) بعد بلوغه ذلك ( .. فرضها القاضي) من حين إمكان وصوله، وجُعل كالمتسلم لها؛ لأن الامتناع منه.
(والمعتبر في مجنونة ومراهمة عرض ولي) لأنه المخاطب بذلك، ولا اعتبار بعرضها إلا أن يتسلمها وينقلها إلى داره.
(وتسقط بنشوز) بعد التمكين والعرض على الجديد، وقبله على القديم؛ لأنها تجب بالتسليم أو تستقر به؛ فتسقط بالمنع؛ كالأجرة إذا امتنع الأجير من تسليم العين حتى مضت المدة، وأشار الإمام إلى الإجماع في ذلك.
(ولو) كان النشوز (بمنع لمس بلا عذر) إلحاقًا لمقدمات الوطء بالوطء، (وعبالة زوج (وهي كبر ذكره بحيث لا تحتمله المرأة، (أو مرض يضر معه الوطء عذر) لقيام المانع.
(والخروج من بيته بلا إذن نشوز) لمخالفتها الواجب عليها، (إلا أن يشرف على انهدام) للضرر الحاصل بالمقام فيه، وكذا إذا كان المنزل لغير الزوج وأخرجها منه صاحبه، أو خرجت منه لطلب حقها عند القاضي من الزوج، أو للحمام ونحوه من حوائجها التي يقتضي العرف خروج مثلها له؛ للعرف في رضا مثله بذلك، أو إلى بيت أبيها لزيارة أو عيادة.
(وسفرها بإذنه معه أو لحاجته) بإذنه أيضًا ولم تكن معه ( .. لا يسقط) لأنها ممكنة في الأولى، وفي غرضه في الثانية؛ فهو المسقط لحقه، وظاهر كلامه أنها لو سافرت معه لا بإذنه: السقوط، وصرحا في (قسم الصدقات) بعدم السقوط؛ لأنها تحت حكمه (١)، وقال الأَذْرَعي: يشبه أن يقال: إن منعها فخالفت .. فناشزة، وإن لم يمنع .. فلا، وقال: إنه التحقيق.
стр. 1804
وَلِحَاجَتِهَا .. يُسْقِطُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ نَشَزَتْ فَغَابَ فَأَطَاعَتْ .. لَمْ تَجِبْ فِي الأَصَحِّ، وَطَرِيقُهَا: أَنْ يَكْتُبَ الْحَاكِمُ كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ خَرَجَتْ فِي غَيْبَتِهِ لِزِيَارَةٍ وَنَحْوِهَا .. لَمْ تَسْقُطْ. وَالأَظْهَرُ: أَنْ لَا نفَقَةَ لِصَغِيرَةٍ، وَأَنَّهَا تَجِبُ لِكَبيرَةٍ عَلَى صَغِير. وَإِحْرَامُهَا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِلَا إِذْنٍ نشُوزٌ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا، وَإِنْ مَلَكَ .. فَلَا
===
(و) سفرها (لحاجتها) بإذنه لا معه (يسقط في الأظهر) لعدم التمكين، والثاني: لا يسقط؛ لوجود إذنه.
(ولو نشزت فغاب فأطاعت) في غيبته ( .. لم تجب في الأصح) لخروجها عن قبضته، فلا بد من تسليم وتسلم، ولا يحصلان مع الغيبة، والثاني: تجب، لزوال المُسقطِ، فيعود الاستحقاق.
(وطريقها) في عود الاستحقاق (أن يكتب الحاكم؛ كما سبق) في ابتداء التسليم، فإذا علم وعاد إليها، أو بعث وكيله فاستأنف تسلمها .. عادت النفقة، وإن مضى زمن إمكان العود ولم يعد ولا بعث وكيله .. عادت النفقة أيضًا.
(ولو خرجت في غيبته لزيارة ونحوها) كعيادة ( .. لم تسقط) إذ لا يُعدُّ ذلك نشوزًا عرفًا.
(والأظهر: أن لا نفقة) ولا توابعها (لصغيرة) لا توطأ، وإن سلمت إليه؛ لانتفاء التمكين، والثاني: تجب؛ لأنها عنده، وفوات الاستمتاع معذورة فيه؛ كالمريضة والرتقاء.
وفرق الأول: بأن المرض يطرأ ويزول، ولا يفوت الأنس وجميع الاستمتاعات، والرتق مانع دائم، ولا يمكن إدامة الحبس عليها مع نفي النفقة.
(وأنها تجب لكبيرة على صغير) لا يمكن وطؤه إذا سلَّمت نفسها أو عرضتها على الولي؛ لأن التسليم المستحق عليها وُجِدَ فاستحقت المقابل؛ كما لو تعذر الاستيفاء على المستأجر بعد تسليم العين، والثاني: لا تجب؛ لأن الزوج معذور في فوات الاستمتاع.
(وإحرامها بحج أو عمرة بلا إذن نشوز إن لم يملك تحليلها) لأنها منعته نفسها بذلك؛ فتكون ناشزة من وقت الإحرام وإن لم تخرج، (وإن ملك .. فلا) لأنها في
стр. 1805
حَتَّى تَخْرُجَ فَمُسَافِرَةٌ لِحَاجَتِهَا، أَوْ بِإِذْنٍ .. فَفِي الأَصَحِّ: لَهَا نَفَقَةٌ مَا لَمْ تَخْرُج. وَيَمْنَعُهَا صَوْمَ نَفْلٍ، فَإِنْ أَبَتْ .. فَنَاشِزَةٌ فِي الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَضَاءً لَا يَتَضيَّقُ كَنَفْلٍ فَيَمْنَعُهَا،
===
قبضته، وهو قادر على التحلل والاستمتاع؛ فإذا لم يفعل .. فهو المفوت على نفسه، (حتى تخرج؛ فمسافرة لحاجتها) فحينئذ إن خرجت بغير إذنه .. فناشزة، أو بإذنه معه .. استحقت، أو وحدها .. فلا.
(أو بإذن .. ففي الأصح: لها نفقة ما لم تخرج) لأنها في قبضته، وفوات الاستمتاع تولد من إذنه، والثاني: لا تجب؛ لفوات الاستمتاع.
وقوله: (ما لم تخرج) يفهم أنها لو خرجت .. سقطت نفقتها، وهو كذلك إن خرجت وحدها؛ فإن خرج معها .. لم تسقط.
(ويمنعها صوم نفل) إذ ليس بواجب، وحقهُ واجبٌ عليها (فإن أبت .. فناشزة في الأظهر) لامتناعها من التمكين، وإعراضها عنه بما ليس بواجب، وصومها حرام في هذه الحالة؛ كما صرح به في آخر صوم التطوع من "زوائد الروضة" (١)، والثاني: لا تكون ناشزة بذلك؛ لأنها في قبضته، ولكل منهما قطعه.
والمراد بنفل الصوم: النفل المطلق؛ كصوم الاثنين، والخميس، أما رواتبه؛ كعرفة، وعاشوراء .. فليس له المنع منه على الصحيح.
(والأصح: أن قضاء لا يتضيق كنفل؛ فيمنعها) لأنه على التراخي، وحقه على الفور، قال: في "الروضة": هذا ما قطع به الأكثرون (٢)، وقيل: فيها وجهان، فكان ينبغي التعبير بالمذهب، أما ما يتضيق كالفطر تعديًا أو بعذر، ولم يبق من شعبان إلا قدره .. فليس له المنع منه، والنفقة فيه واجبة، ولو أرادت قضاء الصلاة وأراد الاستمتاع بها .. قال الشيخ أبو حامد: تقدم حقه؛ لثبوت القضاء في الذمة، وقال الماوردي: الأصحُّ عندي: تقديم القضاء؛ لأنه مستحق في أول زمن الإمكان، فصار
стр. 1806
وَأَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْ تَعْجِيلِ مَكْتُوبَةٍ أَوَّلَ وَقْتٍ، وَسُنَنٍ رَاتِبَةٍ. وَتَجِبُ لِرَجْعِيَّةٍ الْمُؤَنُ إِلَّا مُؤْنَةَ تَنْظِيفٍ، فَلَوْ ظُنَّتْ حَامِلًا فَأَنْفَقَ فَبَانَتْ حَائِلًا .. اسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ بَعْدَ عِدَّتِهَا. وَالْحَائِلُ الْبَائِنُ بِخُلْعٍ أَوْ ثَلَاثٍ لَا نَفَقَةَ وَلَا كِسْوَةَ،
===
كالوقت شرعًا (١)، وقيل: هما مبنيان على أن الصلاة المتروكة تعديًا هل هي على الفور أم لا؟
(وأنه لا منع من تعجيل مكتوبة أول وقت) لحيازة فضيلته (وسنن راتبة) وهي ما لها وقت معين، سواء توابع الفرائض وغيرها؛ كالعيد والكسوفين؛ لتأكدها، والثاني: له المنع؛ كالنفل المطلق.
(وتجب لرجعية المؤن) من نفقة وكسوة وغيرهما؛ لبقاء حبس الزوج وسلطنته، وحكى الماوردي فيه الإجماع (٢).
ويستثنى: ما لو قال: (طلقتُ بعد الولادة فلي الرجعة)، وقالت: (بل قبلها وقد انقضت عدتي) .. فالقول قوله في بقاء العدة وثبوت الرجعة، ولا نفقة لها لزعمها؛ كما جزم به الرافعي (٣)، ومقتضاه: أنه لا نفقة لها وإن راجعها؛ لإنكارها استحقاقها، وكذا لو اختلفا في أصل الطلاق البائن وأنكره الزوج وحلف، قال في "المطلب": وهو ما أورده الرافعي في (كتاب القسم)، وجعله أصلًا مقيسًا عليه، قال: لكن ظاهر نصه في "الأم": الوجوب.
(إلا مؤنة تنظيف) لانتفاء المعنى الذي وجب لأجله.
(فلو ظنت حاملًا فأنفق فبانت حائلًا .. استرجع ما دفع بعد عدتها) لأنه تبيَّن أن ذلك ليس بواجب عليه.
(والحائل البائن بخلع أو ثلاث لا نفقة) لها (ولا كسوة) لزوال الزوجية فأشبهت المتوفى عنها.
واحترز بالبينونة بالخلع أو الثلاث: عن البائن بالفسخ وغيره، والأصحُّ: إن كان
стр. 1807
وَتَجِبَانِ لِحَامِلٍ لَهَا، وَفِي قَوْلٍ: لِلْحَمْلِ. فَعَلَى الأَوَّلِ: لَا تَجِبُ لِحَامِلٍ عَنْ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ. قُلْتُ: وَلَا نَفَقَةَ لِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَنَفَقَةُ الْعِدَّةِ مُقَدَّرَةٌ كَزَمَنِ النِّكَاحِ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْكِفَايَةُ، وَلَا يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ ظُهُورِ حَمْل،
===
بمقارن للعقد .. فلا نفقة؛ كما ذكره الرافعي في (باب الخيار)؛ لأنه رفع للعقد من أصله، وإن كان بسبب عارض؛ كالردة والرضاع .. فتجب؛ كما صححه الرافعي هنا؛ لأنه قطع للنكاح، كذا قاله الزركشي والدميري (١)، والذي في "الروضة" و"أصلها": المعتدة عن فرقة فسخ في استحقاقها النفقة إذا كانت حاملًا ... إلى آخره، وذكرا التفصيل في الحامل (٢)، وقضية كلام الزركشي والدميري: أنه في الحائل.
(وتجبان لحامل) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، ويجب الأدم أيضًا، والمعنى في ذلك: أنها مشغولة بمائه؛ فهو كالمستمتع برحمها؛ إذ النسل مقصود بالنكاح؛ كما أن الوطء مقصود؛ فصار كالاستمتاع في حال الزوجية (لها) بسبب الحمل؛ لأنها تجب مقدرة، ولا تسقط بمضي الزمان، ولو كانت للحمل .. لم تكن كذلك، (وفي قول: للحمل) لوجوبها بوجوده وعدمها بعدمه، وإنما صرفت إلى الأم؛ لكونه يتغذى بغذائها.
(فعلى الأول: لا تجب لحامل عن شبهة أو نكاح فاسد) لأنها لا تستحقها حال التمكين فبعده أولى، وعلى الثاني: تجب؛ كما يلزمه نفقته بعد الانفصال.
(قلت: ولا نفقة لمعتدة وفاة وإن كانت حاملًا، والله أعلم) لحديث: "لَيْسَ لِلْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا نَفَقَةٌ" رواه الدارقطني بإسناد صحيح (٣)، قال الشافعي: ولا أعلم مخالفًا في ذلك.
(ونفقة العدة مقدرة كزمن النكاح) لأنها من توابعه، (وقيل: تجب الكفاية) لعله قول من يقول: النفقة للحمل؛ لأنها نفقة قريب (ولا يجب دفعها قبل ظهور حمل)
стр. 1808
فَإِذَا ظَهَرَ .. وَجَبَتْ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَقِيلَ: حِينَ تَضَعُ، وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَى الْمَذْهَب.
فَصْلٌ [في حكم الإعسار بمؤن الزوجة]
أَعْسَرَ بِهَا؛ فَإِنْ صَبَرَتْ .. صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا .. فَلَهَا الْفَسْخُ عَلَى الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: أَنْ لَا فَسْخَ بِمَنْعِ مُوسِرٍ حَضَرَ أَوْ غَابَ
===
سواء جعلناها للحمل أم للحامل؛ لأنا لم نتحقق سبب الوجوب (فإذا ظهر) الحمل (وجبت يومًا بيوم) للآية السالفة؛ ولأنها لو أخرت إلى الوضع .. لتضررت، (وقيل: حين تضع) لأن الأصل البراءة حتى يتيقن السبب، والخلاف مبني: على أن الحمل يعلم أم لا؟ والأظهر: أنه يعلم.
(ولا تسقط بمضي الزمان على المذهب) وإن قلنا: إنها للحمل؛ لأن الزوجة هي التي تنتفع بها، والطريق الثاني: البناء على الخلاف في أن النفقة لها أو للحمل؟ فإن قلنا بالأول .. لم تسقط؛ كنفقة الزوجة، وإن قلنا بالثاني .. سقطت؛ كنفقة القريب.
* * *
(فصل: أعسر بها) أي: بالنفقة (فإن صبرت .. صارت دينًا عليه) وإن لم يفرضها القاضي؛ كسائر الديون المستقرة، (وإلا) أي: وإن لم تصبر ( .. فلها الفسخ على الأظهر) لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؛ فإذا عجز عن الأول .. تعين الثاني، والثاني: لا فسخ لها؛ لأنه معسر، والمعسر منظر، ولا فسخ لنفقة مدة ماضية على الأصح (١).
(والأصح: أن لا فسخ بمنع موسر حضر أو غاب) لتمكنها من تحصيل حقها بالحاكم وإن كان غائبًا؛ بأن يبعث إلى حكام بلده ليطالبه، والثاني: لها الفسخ؛ لحصول الضرر؛ كالإعسار، هذا إذا لم يكن له مال حاضر؛ فإن كان .. أنفق الحاكم منه قطعًا.
стр. 1809
وَلَوْ حَضَرَ وَغَابَ مَالُهُ؛ فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصرِ .. فَلَهَا الْفَسْخُ، وَإِلَّا .. فَلَا وَيُؤْمَرُ بِالإِحْضَارِ. وَلَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِهَا .. لَمْ يَلْزَمْهَا الْقَبُولُ. وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْكَسْبِ كَالْمَالِ
===
وقوله: (موسر) ليس بقيد؛ فإنه لو غاب وجهل حاله في اليسار والإعسار .. فلا فسخ؛ لأن السبب لم يتحقق، قاله الرافعي (١)، فلو شهدت البينة أنه غاب معسرًا .. فلا فسخ، كما أفتى به ابن الصلاح، استصحابًا لدوام النكاح، قال: فلو شهدت بإعساره الآن بناءً على الاستصحاب .. جاز لها ذلك إذا لم يعلم زواله، وجاز الفسخ حينئذ (٢).
(ولو حضر وغاب ماله؛ فإن كان بمسافة القصر .. فلها الفسخ) ولا يلزمها الصبر؛ للضرر كما في نظيره من فسخ البائع عند غيبة الثمن، (وإلا) أي: وإن كان على دون مسافة القصر ( .. فلا) فسخ (ويؤمر بالإحضار) عاجلًا؛ لأن ما دون مسافة القصر كالحاضر في البلد.
(ولو تبرع رجل بها) أي: بالنفقة على الزوج ( .. لم يلزمها القبول) لما فيه من المنة، ولو سلم المتبرع النفقة إلى الزوج، وسلَّم هو إليها .. فلا فسخ، قاله الخوارزمي، وهو ظاهر (٣).
(وقدرته على الكسب كالمال) لأنه ليس عليه أن يدخر للمستقبل، فلو كان يكسب في يوم ما يكفي لثلاثة أيام، ثم لا يكسب يومين أو ثلاثة، ثم يكسب في يوم ما يكفي الأيام الماضية .. فلا خيار؛ لأنه غير معسر، ولا تشق الاستدانة لما يقع من التأخير اليسير.
قال الماوردي والروياني: ولو كان الكسب بأعيان محرمة؛ كالسرقة وبيع الخمر ونحوهما .. فهو كالعدم، وإن كان الفعل الموصل للكسب محرمًا؛ كصُنَّاع آلة
стр. 1810
وَإِنَّمَا يُفْسَخُ بِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَةِ مُعْسِرٍ. وَالإِعْسَارُ بِالْكِسْوَةِ كَهُوَ بِالنَّفَقَةِ، وَكَذَا بِالأُدْمِ وَالْمَسْكَنِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: الْمَنْعُ فِي الأُدْمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي إِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا: تَفْسَخُ قَبْلَ وَطْءٍ لَا بَعْدَهُ
===
الملاهي المحرمة؛ فلا يستحق بها المُسمَّى من الأجرة، ولا بد أن يستحق لتفويت عمله أجرًا يصير به موسرًا، فلا خيار لزوجته، وكذلك كسب المنجم والكاهن قد يتوصل إليه بسبب محرم، لكنه أعطي عن طيب نفس فأجري مجرى الهبة، وإن كان محظور السبب، فيباح له إنفاقه، ولا خيار لزوجته. انتهى (١)، واستشكله القمولي وغيره.
(وإنما يفسخ بعجزه عن نفقة معسر) لأن الضرر يتحقق بذلك.
(والإعسار بالكسوة كهو بالنفقة) لأن البدن لا يقوم بدونها، وقيل: لا؛ لأن الحياة تبقى بدونها، وثم من الناس من لا يلبس الثياب.
(وكذا بالأدم والمسكن في الأصح) لأنه يعسر الصبر على الخبز البحت؛ ولأن الإنسان لا بد له من مسكن يقيه من الحر والبرد، ووجه المنع في المسكن: أن النفس تقوم بدونه؛ فإنها لا تعدم مسجدًا أو موضعًا مباحًا، وأجاب الأول: بأن الحوالة على المسجد كالحوالة في النفقة على السؤاله.
(قلت: الأصح: المنع في الأدم، والله أعلم) لقيام البُنية بدونه، بخلاف القوت، وهو ما صححه في "الشرح الصغير"، واقتضى كلام "الكبير": أن الأكثرين عليه (٢).
(وفي إعساره بالمهر أقوال، أظهرها: تفسخ قبل وطء) للعجز عن تسليم العوض مع بقاء المعوض؛ كالإفلاس، وهذا الفسخ على الفور؛ كما صرح به الرافعي (٣)، وكلام "التتمة" يقتضي خلافه، (لا بعده) لتلف المعوض، وصيرورة العوض دينًا في الذمة، والثاني: لا يثبت الفسخ مطلقًا؛ لأن النفس تقوم بدون المهر، وليس هو على قياس الأعواض حتى يفسخ العقد بتعذره، والثالث: يثبت مطلقًا، أما قبل الوطء .. فلما ذكرناه، وأما بعده .. فلأن البضع لا يتلف حقيقة بوطئة فأكثر.
стр. 1811
وَلَا فَسْخَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ قَاضٍ إِعْسَارُهُ فَيَفْسَخُهُ أَوْ يَأْذَنُ لَهَا فِيهِ. ثُمَّ فِي قَوْلٍ: يُنَجَّزُ الْفَسْخُ، وَالأَظْهَرُ: إِمْهَالُهُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، وَلَهَا الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَ نَفَقَتَهُ. وَلَوْ مَضَى يَوْمَانِ بِلَا نَفَقَةٍ وَأَنْفَقَ الثَّالِثَ وَعَجَزَ الرَّابعَ. . بَنَتْ، وَقِيلَ: تَسْتَأنِفُ. وَلَهَا الْخُرُوجُ زَمَنَ الْمُهْلَةِ لِتَحْصِيلِ النَّفَقَةِ، وَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ لَيْلًا.
===
وما صححه من الفسخ قبل الدخول محله: إذا لم تقبض منه شيئًا، فإن قبضت بعضه كما هو المعتاد، وأعسر بالباقي. . فأفتى ابن الصلاح: بأنها لا تفسخ؛ لأنه قد استقَّر للزوج بقبضها بعض المهر من البضع بقسطه، فلو جاز لها الفسخ. . لعاد إليها بكماله؛ لأنه لا يمكن فيه التشريك لكن أفتى الشيخ شرف الدين البارزي: بأن لها الفسخ وإن قبضت البعض، وصرح به الجوري، قال الأَذْرَعي: وهو الوجه نقلًا ومعنىً، وبسط ذلك.
(ولا فسخ) بإعسار بمهر أو نفقة ونحوهما (حتى يثبت عند قاضٍ إعساره فيفسخه أو يأذن لها فيه) لأنه مجتهدٌ فيه، (ثم في قول: ينجز الفسخ) لأن سببه الإعسار وقد حصل، (والأظهر: إمهاله ثلاثة أيام) لأنه قد يتعسر عليه وجود النفقة لعوارض تخفى ثم تزول، وهذه مدة قريبة يمكن تجزئتها باستقراض وغيره.
(ولها الفسخ صبيحة الرابع) بلا مهلة؛ لتحقق الإعسار، (إلا أن يسلم نفقته) أي: نفقة الرابع، فلا فسخ لما مضى حينئذ؛ لأنه صار دينا في ذمته، وليس لها جعل ما سلمه عما مضى؛ إذ العبرة بقصد المؤدي.
(ولو مضى يومان بلا نفقة وأنفق الثالث وعجز الرابع. . بنت) لتضررها بالاستئناف، فتصبر يومًا آخر ثم تفسخ في ثالثه (١)، (وقيل: تستأنف) الأيام الثلاثة من أولها؛ لأن العجز الأول قد زال.
(ولها الخروج زمنَ المهلة لتحصيل النفقة) لأنه إذا لم يوف ما عليه. . لا يملك الحجر، (وعليها الرجوع ليلًا) إلى منزل الزوج؛ لأنه وقت الإيواء دون العمل والاكتساب.
стр. 1812
وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ أَوْ نَكَحَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ. . فَلَهَا الْفَسْخُ بَعْدَهُ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ بالْمَهْرِ. . فَلَا. وَلَا فَسْخَ لِوَليِّ صَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ بِإِعْسَارِهِ بِمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ. وَلَوْ أَعْسَرَ زَوْجُ أَمَةٍ بِالنَّفَقَةِ. . فَلَهَا الْفَسْخُ، فَإِنْ رَضِيَتْ. . فَلَا فَسْخَ لِلسَّيِّدِ فِي الأَصَحِّ، وَلَهُ أَنْ يُلْجِئَهَا إِلَيْهِ؛ بأَلَّا يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَيَقُولَ: (افْسَخِي أَوْ جُوعِي).
فَصْلٌ [في مؤن الأقارب]
تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْوَالِدِ وَإِنْ عَلَا، وَالْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ،
===
(ولو رضيت بإعساره أو نكحته عالمة بإعساره. . فلها الفسخ بعده) أي: بعد ذلك في الصورتين؛ لأن الضرر يتجدد كلَّ يوم واليسر متوقع، (ولو رضيت بإعساره بالمهر. . فلا) تفسخ بعده؛ لأن الضرر لا يتجدد، والحاصل مرضي به بخلاف النفقة.
(ولا فسخ لولي صغيرة ومجنونة بإعساره بمهر ونفقة) وإن كان فيه مصلحتها؛ لأن الخيار يتعلق بالطبع والشهوة فلا يفوَّض إلى غير مستحقه، وكما لا ينوب عنها في الطلاق.
(ولو أعسر زوج أمةٍ بالنفقة. . فلها الفسخ) لأنها صاحبة حقٍّ في تناولها؛ كما تفسخ بالجَبِّ والعُنَّة (فإن رضيت. . فلا فسخ للسيد في الأصح) لأن النفقة في الأصل لها، ثم يتلقاها السيد فيكون الفسخ لها، والثاني: له الفسخ؛ لأن النفقة له ملكًا، وضرر فواتها يعود إليه.
(وله أن يلجئها إليه؛ بألَّا ينفق عليها، ويقول: "افسخي أو جوعي") دفعًا للضرر عنه.
* * *
(فصل: تلزمه نفقة الوالد وإن علا، والولد وإن سفل) سواء الوارث وغيره، والذكر والأنثى، أما وجوب نفقة الوالدين. . فلقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، ومن المعروف: القيام بكفايتهما عند حاجتهما، والأجداد والجدات ملحقون بهما، وأما في الولد. . فلقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله ﷺ لهند: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" (١)،
стр. 1813
وَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُنْفِقِ بِفَاضِلٍ عَنْ قُوتهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي يَوْمِهِ. وَيُبَاعُ فِيهَا مَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ. وَيَلْزَمُ كَسُوبًا كَسْبُهَا فِي الأَصَحِّ. وَلَا تَجِبُ لِمَالِكِ كِفَايَتِهِ وَلَا مُكْتَسِبِهَا. وَتَجِبُ لِفَقِيرٍ غَيْرِ مُكْتَسِبٍ إِنْ كَانَ زَمِنًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا،
===
وإذا ثبت وجوبها على الأب. . فعلى الأم أولى؛ لأن بعضيتها محققة، وبعضيته مظنونة، والأحفاد ملحقون بالأولاد إن لم يتناولهم إطلاق ما تقدم، ويشترط: الحرية في المنفق والمنفق عليه.
نعم؛ المبعض تلزمه نفقة قريبة في الأظهر، وينفق نفقةً كاملةً؛ كالحر، وقيل: بحسب حريته؛ ولا يلزم الولد نفقة والده المكاتب على الأصحِّ في "زيادة الروضة" (١).
واقتصاره على الأصل والفرع يفهم: عدم وجوبها لغيرهما من الأقارب، وهو كذلك خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه أوجب نفقة كلِّ ذي محرم.
(وإن اختلف دينهما) لعموم الأدلة، ووجود الموجب، وهو البعضية، وفارق الميراث؛ فإنه مبني على المناصرة وهي مفقودة عند اختلاف الدين.
(بشرط يسار المنفق بفاضل عن قوته وقوت عياله في يومه) لأن المعسر ليس من أهل المساواة، وأطلق العيال، وخصه الرافعي وغيره بالزوجة (٢).
(ويباع فيها ما يباع في الدين) من عقار وغيره؛ لأن نفقة القريب مقدمة على الدين، وإذا بيع ذلك في الدين. . فبيعه فيما هو مقدم عليه أولى.
(ويلزم كسوبًا كسبها في الأصح) إحياء لأصله وبعضه؛ كما يلزمه إحياء نفسه بالكسب، والثاني: لا؛ كما لا يلزمه لقضاء الدين.
وفرق الأول: بأن النفقة قدرها يسير، والدين لا ينضبط قدره.
(ولا تجب لمالك كفايته) لاستغنائه عنها (ولا مكتسبها) لاستغنائه بذلك، ويشترط كون الكسب؛ لائقًا به على أقوى الوجهين.
(وتجب لفقير غير مكتسب إن كان زمنًا أو صغيرًا أو مجنونًا) لعجزه عن كفاية
стр. 1814
وَإِلَّا. . فَأَقْوَالٌ، أَحْسَنُهَا: تَجِبُ، وَالثَّالِثُ: لِأصْلٍ لَا فَرْعٍ. قُلْتُ: الثَّالِثُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَهِيَ الْكِفَايَةُ، وَتَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا، وَلَا تَصِيرُ دَيْنًا إِلَّا بِفَرْضِ قَاضٍ أَوْ إِذْنِهِ فِي اقْتِرَاضٍ لِغَيْبَةٍ أَوْ مَنْعٍ.
===
نفسه، وفي معنى الزمن: العاجز بالمرض، والعمى، (وإلا) أي: وإن لم يكن غير المكتسب كذلك (. . فأقوال أحسنها: تجب) مطلقًا للأصل والفرع؛ لأنه يقبح بالإنسان أن يكلف قريبه الكسب مع اتساع ماله، والثاني: المنع مطلقًا؛ لأنه مستغن بكسبه عن أن يحمل غيره كله.
(والثالث) تجب (لأصل لا فرع) لتأكد حرمته، (قلت: الثالث أظهر، والله أعلم) لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ وليس من المعاشرة بالمعروف تكليفهما الكسب مع كبر السن، وهذا هو الأصحُّ في "أصل الروضة"، واقتضاه إيراد "الشرحين" (١).
(وهي الكفاية) لقوله ﷺ : "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" (٢)، ولأنها مواساة فيعطيه ما يستقل به، ويتمكن من التردد والتصرف، ويدفع ألم الجوع، ولا يجب الإشباع التام، ويجب الأدم كما يجب القوت، وتجب الكسوة والسكنى على ما يليق بالحال، وإذا احتاج إلى الخدمة. . وجبت مؤنة الخادم.
(وتسقط بفواتها) بمضي الزمان وإن تعدى المنفق بالمنع؛ لأنها وجبت لدفع الحاجة الناجزة وقد زالت، بخلاف نفقة الزوجة فإنها معاوضة.
(ولا تصير دينًا) في الذمة؛ لما سبق (إلا بفرض قاض أو إذنه في اقتراض لغيبة أو منع) فإنها تصير دينًا في الذمة؛ لتأكد ذلك بفرض القاضي وإذنه فيه، وما ذكره من صيرورتها دينًا بمجرد فرض القاضي، قال في "المهمات": لم أره لغير الغزالي في "الوسيط" و"الوجيز" فتابعه الشيخان، ولم يحكه ابن الرفعة مع اطلاعه إلا عن الرافعي، وهو مردود نقلًا وبحثًا، ثم نقل عن جمع كثير من الأصحاب التصريح بعدم
стр. 1815
وَعَلَيْهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا اللِّبَأَ، ثُمَّ بَعْدَهُ إِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا هِيَ أَوْ أَجْنَبيَّةٌ. . وَجَبَ إِرْضَاعُهُ، فَإِنْ وُجِدَتَا. . لَمْ تُجْبَرِ الأُمُّ، فَإِنْ رَغِبَتْ وَهِيَ مَنْكُوحَةُ أَبِيهِ. . فَلَهُ مَنْعُهَا فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا، وَصَحَّحَهُ الأَكثَرُونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنِ اتّفَقَا وَطَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلٍ. . أُجيبَتْ، أَوْ فَوْقَهَا. . فَلَا، وَكَذَا إِنْ تَبَرَّعَتْ أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ رَضِيَتْ بِأَقَلَّ فِي الأَظْهَرِ. وَمَنِ اسْتَوَى فَرْعَاهُ.
===
استقرارها بفرض القاضي، وبسط ذلك (١).
(وعليها) أي: الأم (إرضاع ولدها اللبأ) وهو اللبن النازل أوائل الولادة؛ لأن الولد لا يعيش بدونه غالبًا، ومدته يسيرة، (ثم بعده) أي: بعد إرضاعه اللبأ (إن لم يوجد إلا هي أو أجنبية. . وجب إرضاعه) على الأم في الأولى، وعلى الأجنبية في الثانية؛ إبقاءً للولد.
(فإن وجدتا. . لم تجبر الأم) لأن الإرضاع في حق الصغير بمنزلة النفقة في حق الكبير، وهي لا تجب على الأم مع يسار الأب.
(فإن رغبت) في إرضاعه مجانًا (وهي منكوحة أبيه. . فله منعها في الأصح) لأنه يستحق الاستمتاع بها في الأوقات المصروفة إلى الرضاع، لكن يكره له المنع، (قلت: الأصح: ليس له منعها، وصححه الأكثرون، والله أعلم) (٢) لأن فيه إضرارًا بالولد؛ لأنها عليه أشفق، ولبنها له أصلح وأوفق.
(فإن اتفقا) على أن الأم ترضعه (وطلبت أجرة مثل. . أجيبت) وكانت أحق بها؛ لوفور شفقتها، (أو فوقها. . فلا) يلزمه الإجابة؛ لتضرره، وله استرضاع أجنبية.
(وكذا إن تبرعت أجنبية أو رضيت بأقل) من أجرة المثل (في الأظهر) لأن في تكليفه الأجرة مع المتبرعة والزيادة على ما رضيت به إضرارًا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، والثاني: تجاب الأم؛ نظرًا لها وللطفل.
(ومن استوى فرعاه) في القرب والوراثة أو عدمها، والذكورة والأنوثة؛ كابنين
стр. 1816
أَنْفَقَا، وَإِلَّا. . فَالأَصَحُّ: أَقْرَبُهُمَا، فَإِنِ اسْتَوَيَا. . فَبِالإِرْثِ فِي الأَصَحِّ، وَالثَّانِي: بِالإِرْثِ ثُمَّ الْقُرْبِ. وَالْوَارِثَانِ يَسْتَوِيَانِ أَمْ يُوَزَّعُ بِحَسَبهِ؟ وَجْهَانِ. وَمَنْ لَهُ أَبَوَانِ. . فَعَلَى الأَبِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِمَا لِبَالِغٍ. أَوْ أَجْدَادٌ وَجَدَّاتٌ، إِنْ أَدْلَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. . فَالأَقْرَبُ،
===
أو بنتين (. . أنفقا) بالسوية وإن تفاوتا في قدر اليسار، لأن علة إيجاب النفقة تشملهم، (وإلا) أي: وإن لم يستويا فيما ذكرناه (فالأصح: أقربهما) فإنه أولى بالاعتبار.
(فإن استويا. . فبالإرث في الأصح) لقوته؛ كابن ابن، وابن بنت، فيلزم ابن الابن؛ لقوة قرابته، والثاني: لا أثر للإرث بل القرابة المجردة موجبةٌ للنفقة.
(والثاني: بالإرث ثم القرب) فإن كان أحدهما وارثًا دون الآخر. . فالنفقة على الوارث، وإن كان غير الوارث أقرب وإن تساويا في الإرث. . فالأقرب.
(والوارثان يستويان أم يوزع بحسبه؟ ) أي: بحسب الإرث (وجهان) وجه الأول: اشتراكهما في أصل الوراثة، ووجه الثاني: إشعار زيادة الإرث بزيادة قوة القرابة، ولم يرجحا في "الشرحين" و"الروضة" أيضًا واحدًا من الوجهين (١)، وهذا هو الموضع الثاني في "المنهاج" بلا ترجيح، كما مر التنبيه عليه في (صلاة الجماعة)، وذكر الرافعي في "شرحيه" في اجتماع الأصول فيما إذا اجتمع أبوه وأمه، والمحتاج كبير أن الأصحَّ: أنها على الأب (٢)، والثاني: أنها توزع عليهما، قال: وعلى هذا يسوَّى بينهما أو تجعل أثلاثًا بحسب الإرث؟ فيه وجهان، رجح منهما الثاني (٣)، وقياسه: ترجيح الثاني هنا أيضًا.
(ومن له أبوان. . فعلى الأب) لقوة الذكورة، (وقيل: عليهما لبالغ) لاستوائهما في القرب والولادة.
(أو أجداد وجدات؛ إن أدلى بعضهم ببعض. . فالأقرب) أي: فالنفقة على
стр. 1817
وَإِلَّا. . فَبالْقُرْبِ، وَقِيلَ: الإِرْثِ، وَقِيلَ: بِوِلَايَةِ الْمَالِ. وَمَنْ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ. . فَفِي الأَصَحِّ: عَلَى الْفَرْعِ وَإِنْ بَعُدَ. أَوْ مُحْتَاجُونَ. . يُقَدِّمُ زَوْجَته ثُمَّ الأَقْرَبَ، وَقِيلَ: الْوَارثَ، وَقِيلَ: الْوَليَّ.
فَصْلٌ [في الحضانة]
الْحَضَانَةُ: حِفْظُ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ وَتَرْبِيَتُهُ.
===
الأقرب؛ لإدلاء الأبعد به، (وإلا) أي: وإن لم يدل بعضهم ببعض (. . فبالقرب، وقيل: الإرث) على ما تقدم في جانب الفروع، (وقيل: بولاية المال) لأنها تشعر بتفويض التربية إليه.
أمثلة: أبو أب وأبو أم، هما سواء على القرب، وعلى أبي الأب على الأخيرين.
أم أم وأم أب، هما سواء على الأولين، وتلزم أم الأب على الثالث لإدلائها بولي.
أبو أم وأم أب، هما سواء على الأول، وتلزم أم الأب على الأخيرين.
(ومن له أصل وفرع. . ففي الأصح: على الفرع وإن بعد) كأب وابن ابن؛ لأن عصوبته أقوى، وهو أولى بالقيام بشأن أبيه؛ لعظم حرمته، والثاني: أنها على الأب؛ استصحابًا لما كان في الصغر، والثالث: أنها عليهما؛ لاستوائهما في القرب.
(أو محتاجون) من النوعين أو أحدهما مع زوجة، وضاق الموجود عنهم (. . يقدم زوجته) لأن نفقتها آكد؛ لأنها لا تسقط بمضي الزمان، ولا بغناها؛ فالتحقت بالديون (ثم الأقرب) فالأقرب، (وقيل: الوارث، وقيل: الولي) هذا هو الخلاف المار في اجتماع فروع المنفق عليه، وقد مر ما فيه.
* * *
(فصل: الحضانة: حفظ من لا يستقل) بأمره؛ لعدم تمييزه، (وتربيته) بما يصلحه ويقيه عما يهلكه.
والحضانة: بفتح الحاء؛ مأخوذة من الحِضن، بكسر الحاء، وهو الجَنْب؛ لأنها تضمه إلى حضنها.
стр. 1818
وَالإِنَاثُ أَلْيَقُ بِهَا، وَأَوْلَاهُنَّ: أُمٌ ثُمَّ أُمَّهَاتٌ يُدْلِينَ بِإِنَاثٍ يُقَدَّمُ أَقْرَبُهُنَّ. وَالْجَدِيدُ: يُقَدَّمُ بَعْدَهُنَّ أُمُّ أَبٍ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْمُدْلِيَاتُ بِإِنَاثٍ ثُمَّ أُمُّ أَبِي أَبٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ أُمُّ أَبِي جَدٍّ كَذَلِكَ. وَالْقَدِيمُ: الأَخَوَاتُ وَالْخَالَاتُ عَلَيْهِنَّ.
===
(والإناث أليق بها) لأنهن بها أبصر، وعلى القيام بها أصبر، (وأولاهن) عند التنازع في طلبه (أُمٌّ) لفرط حُنوِّها، هذا إذا كان المحضون حرًّا؛ فإن كان رقيقًا. . فحضانته لسيدته.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو كان للمحضون زوج، وأمكن الاستمتاع. . فالزوج والزوجة أحقُّ بالكفالة من جميع الأقارب وإن كانا أجنبيين؛ لما بينهما من السكون والمودة، كذا حكياه هنا عن الروياني، وأقراه (١).
(ثم أمهات يدلين بإناث) وارثات؛ لمشاركتهن الأم في الإرث والولادة (يقدم أقربهن) لوفور الشفقة.
(والجديد: يقدم بعدهن أم أب) لمشاركتها أم الأم في المعنى السابق، وإنما قدمت أمهات الأم وإن علون؛ لأن الولادة فيهن محققة، وفي أمهات الأب مظنونة، (ثم أمهاتها المدليات بإناث) وارثات؛ لما سبق، (ثم أم أبي أب كذلك) ثم أمهاتها المدليات بالإناث، (ثم أم أبي جد كذلك) ثم أمهاتها المدليات بالإناث؛ لأن لهن ولادة ووراثة؛ كالأم وأمهاتها.
(والقديم: الأخوات والخالات) يقدمن (٢) (عليهن) أما الأخوات. . فلأنهن اجتمعن في الصلب والبطن أو في أحدهما وشاركنه في النسب؛ فهُنَّ عليه أشفق، وأما الخالات. . فلقوله: ﷺ في قضية ابنة حمزة: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ" رواه البخاري (٣)، وأجاب الجديد: بأن النظر هنا إلى الشفقة، وهي في الجدات أغلب.
стр. 1819
وَتُقَدَّمُ أُخْتٌ عَلَى خَالَةٍ، وَخَالَةٌ عَلَى بِنْتِ أَخٍ وَأُخْتٍ، وَبِنْتُ أَخٍ وَأُخْتٍ عَلَى عَمَّةٍ، وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَالأَصَحُّ: تقدِيمُ أُخْتٍ مِنْ أَبٍ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أُمٍّ، وَخَالَةٍ وَعَمَّةٍ لِأبٍ عَلَيْهِمَا لِأمٍّ. وَسُقُوطُ كُلِّ جَدَّةٍ لَا تَرِثُ دُونَ أُنْثَى غَيْرِ مَحْرَمٍ كَبِنْتِ خَالَةٍ.
===
(وتقدم أخت) من أي جهة كانت (على خالة) لقربها (وخالة على بنت أخ و) بنت (أخت) لأنها كالأم (وبنت أخ و) بنت (أخت على عمة) كما يقدم ابن الأخ في الميراث على العم، (وأخت من أبوين على أخت من أحدهما) لأن شفقتها أتم؛ لاجتماعها معه في الصلب والرحم.
(والأصح: تقديم أخت من أب على أخت من أم) لقوة إرثها؛ لأنها قد تصير عصبة، والثاني: تقدم الأخت من الأم؛ لأنها تدلي بالأم، فتقدم على من تدلي بالأب، (وخالة وعمة لأب عليهما لأم.) لقوة الجهة؛ كالأخت، والثاني: لا؛ لأن التقديم في المسألة قبلها كان لقوتها في الإرث، وهنا لا إرث لواحدة منهما.
(وسقوط كل جدة لا ترث) كأم أبي الأم؛ لأنها تدلي بمن لا حقَّ له في الحضانة؛ فأشبهت الأجانب، والثاني: لا؛ لولادتهن، وشمول أحكام البعضية لهُنَّ لكن يتأخرن عن جميع المذكورات أولًا؛ لضعفهن، قال الشيخان: وفي معنى الجدة الساقطة: كلُّ مَحرم تدلي بذكر لا يرث؛ كبنت ابن البنت، وبنت العم للأم. انتهى (١).
وكون بنت العم محرمًا ذهولٌ.
(دون أنثى غير محرم؛ كبنت خالة) وبنت عمة، وبنتي الخال والعم، فلا تسقط على الأصحِّ؛ لشفقتها بالقرابة، وهدايتها بالأنوثة، والثاني: لا حق لهن؛ كالجدات الساقطات.
وفرق الأول: بأن الجدات الساقطات تدلين بغير وارث، بخلاف هؤلاء، كذا قاله الرافعي (٢)، واعترض: بأنه ليس في هؤلاء من تدلي بوارث غير بنت العم العصبة.
стр. 1820
وَتَثْبُتُ لِكُلِّ ذَكَرٍ مَحْرَمٍ وَارِثٍ عَلَى تَرْتيبِ الإِرْثِ، وَكَذَا غَيْرُ مَحْرَمٍ كَابْنِ عَمٍّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا تُسَلَّمُ إِلَيْهِ مُشْتَهَاةٌ بَلْ إِلَى ثِقَةٍ يُعَيِّنُهَا. وَإِنْ فُقِدَ الإِرْثُ وَالْمَحْرَمِيَّةُ أَوِ الإِرْثُ. . فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَإِنِ اجْتَمَعَ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ. . فَالأُمُّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا ثُمَّ الأَبُ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْخَالَةُ وَالأُخْتُ مِنَ الأمِّ. وَيُقَدَّمُ الأَصْلُ عَلَى الْحَاشِيَةِ،
===
(وتثبت لكل ذكر محرم وارث) كالأب والجد وإن علا، والأخ وابنه والعم؛ لوفور شفقته، وقوة مرتبته بالإرث والمحرمية (على ترتيب الإرث) كما تقرر في بابه.
(وكذا غير محرم؛ كابن عم على الصحيح) لوجود القرابة والإرث والشفقة، والثاني: لا؛ لفقد المحرمية.
وأورد على إطلاقه: المعتق؛ فإنه وارث غير محرم، ولا حضانة له على الصحيح؛ لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة.
(ولا تسلم إليه مشتهاة) حذرًا من الخلوة (بل إلى ثقة يعينها) ولو بأجرة من ماله؛ لأن الحقَّ له في ذلك.
(وإن فقد الإرث والمحرمية) كابن الخال وابن العمة (أو الإرث) مع وجود المحرمية؛ كأب الأم والخال (. . فلا) حضانة لهم (في الأصح) لفقدان الإرث والمحرمية في الأولى، ولضعف قرابته في الثانية؛ لأنه لا يرث بها ولا يلي ولا يعقل، والثاني: نعم؛ لوفور شفقته.
(وإن اجتمع ذكور وإناث. . فالأم ثم أمهاتها) المدليات بالأمهات؛ لما تقدم، (ثم الأب) لأن مَنْ عداه إن أدلى به. . فهو مقدم عليه؛ كالإرث، وإن لم يدل به. . فمن يدلي به مقدمٌ عليه، والمقدم على المقدم مقدم، (وقيل: تقدم عليه الخالة، والأخت من الأم) لإدلائهما بالأم؛ فأشبها أمهاتهما.
ولو حذف قوله: (من الأم) لكان أخصر وأشمل؛ إذ في كلِّ واحدةٍ من الأخوات الثلاث وجه أنها تقدَّمُ على الأب.
(ويقدم الأصل على الحاشية) أي: وتتقدم الأصول على الأقارب الواقعين في حواشي النسب؛ كالأخت والعمة؛ لقوة الأصول، وجزمه بتقديم الأصل على
стр. 1821
فَإِنْ فُقِدَ. . فالأَصَحُّ: الأَقْرَبُ، وَإِلَّا. . فَالأُنْثَى، وَإِلَّا. . فَيُقْرَعُ وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ وَمَجْنُونٍ، وَفَاسِقٍ
===
الحاشية كذا هو في "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" (١)، وهو مخالف لقولهما قبل: (وقيل: تقدم عليه الخالة، والأخت من الأم).
(فإن فقد) الأصل (. . فالأصح) أنه يقدم (الأقرب) فالأقرب؛ كالإرث ذكرًا كان أو أنثى، (وإلا) أي: وإن لم يوجد الأقرب؛ بأن فقد أو استوى جمع في القرب (. . فالأنثى) مقدمة على الأصحِّ؛ لكونها أصبر وأبصر.
(وإلا) أي: فإن استوى اثنان من كل وجه؛ كأخوين أو أختين (. . فيقرع) قطعًا للنزاع، والثاني: أن نساء القرابة وإن بعدن أولى بالحضانة من الذكور وإن كانوا عصبات؛ لأنهن أصلح للحضانة، والثالث: العصبات أولى منهن؛ لقوة نسبهم، وقيامهم بالتأديب، وما صححه تبعًا لأصله من تقديم الأقرب. . هو ما صححه في "أصل الروضة" (٢)، ونقل في "الشرحين" تصحيحه عن الروياني، وأقره (٣)، وهو مخالف لما جزما به من قبلُ من تقديم الخالة على بنات الإخوة والأخوات على الجديد والقديم؛ فكيف يمكن جعله أصح مع مخالفته الجديد والقديم؟ !
(ولا حضانة لرقيق) ولو مبعضًا ومدبرًا ومكاتبًا ومستولدة ولو أذن السيد في الحضانة؛ لأنها ولاية وليس من أهلها.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو أسلمت أم ولد الكافر. . فإن ولدها يتبعها وحضانته لها ما لم تتزوج وإن كانت رقيقة، نقلاه في (كتاب أمهات الأولاد) عن أبي إسحاق المروزي، وأقراه (٤).
(ومجنون) ولو تقطع جنونه إلا أن يقلَّ؛ كيوم في سنة؛ لأنه محضون، (وفاسق) لأنها ولاية، وهو لا يلي، واقتصاره على نفي الفسق يقتضي عدم اشتراط
стр. 1822
وَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَنَاكِحَةِ غَيْرِ أَبِي الطفْلِ إِلَّا عَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَابْنَ أَخِيهِ فِي الأَصَحِّ.
وَإِنْ كَانَ رَضِيعًا. . اشْتُرِطَ أَنْ ترْضِعَهُ
===
العدالة الباطنة حتى يكتفى بالمستور، وهو العدالة الظاهرة حتى يتبين الفسق، وبه صرح الماوردي والروياني (١).
(وكافر على مسلم) بخلاف العكس على الصحيح؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، ولأنه قد يفتنه عن الدين، (وناكحة غير أبي الطفل) وإن لم يدخل بها؛ لأن النكاح يشغلها بحق الزوج.
وقوله: (غير أبي الطفل) أي: وإن علا؛ ليدخل الجد، وإلا. . فيرد على حصره الاستثناء في المسلمة بعدها؛ فلو نكحت الجد أبا الأم. . بطل حقها؛ كما صرح به البغوي، والمصنف في "فتاويه" و"تحريره" (٢)، لكن نقل الأَذْرَعي في "القوت" عن جمع من العراقيين بأنه لا يسقط حقها، قال: وهذا هو الأصحُّ المختار، بخلاف ما ذكرته في "الغنية".
ويستثنى من سقوط الحضانة بالنكاح: ما لو خالع زوجته بألف، وحضانة الصغير سنة فتزوجت في أثناء السنة. . فليس له انتزاعه منها؛ لأن الإجارة عقد لازم، كذا حكياه في آخر (الخلع) عن "فتاوى القاضي الحسين"، وأقراه (٣).
(إلا عمه وابن عمه وابن أخيه في الأصح) لأن هؤلاء أصحاب حق في الحضانة، والشفقة تحملهم على رعاية الطفل، فيتعاونان على كفالته بخلاف الأجنبي، والثاني: يبطل حقها؛ لاشتغالها بالزوج، ولا حقَّ له في الحضانة الآن، فأشبه الأجنبي.
ويرد على حصره: ما إذا تزوجت أخته لأمه بأخيه (٤) لأبيه، وضابطه: كل من له حق في الحضانة.
(وإن كان) المحضون (رضيعًا. . اشترط) في استحقاقها الحضانة (أن ترضعه
стр. 1823
عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ كَمُلَتْ نَاقِصَةٌ أَوْ طَلُقَتْ مَنْكُوحَةٌ. . حَضَنَتْ، وَإِنْ غَابَتِ الأُمُّ أَوِ امْتَنَعَتْ. . فَلِلْجَدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
===
على الصحيح) لعسر استئجار مرضعة تترك بيتها، وتنتقل إلى مسكن الأم، والثاني: لا، وعلى الأب أن يستأجر مرضعة ترضعه عند الأم.
وبقي للحضانة موانع آخر؛ منها: المرض الذي لا يرجى زواله؛ كالسل والفالج إذا كان يشغله الألم عن الكفالة، وإن لم يشغله وإنما يؤثر في عسر الحركة والتصرف. . سقطت الحضانة في حق من يباشرها بنفسه دون من يدبر الأمور، ويباشرها غيره، قال الرافعي: ومنها: العمى، فلا حضانة لأعمى (١)، كما أفتى به عبد الملك بن إبراهيم المقدسي الهمداني شارح "المفتاح"، وهو من أقران ابن الصباغ، ومنها: الرشد فلا حضانة لسفيه؛ كما قاله الماوردي والقاضي أبو الطيب، قال الزركشي: ونصَّ عليه في "المختصر"، ومنها: التغفل، فلا حضانة لمغفل؛ كما قاله الجرجاني في "الشافي"، قال الأَذْرَعي: وهو حسن متعين في حق غير المميز، ومنها: الجذام والبرص يسقط الحضانة، كما صرح به الشيخ صلاح العلائي في "قواعده"؛ لحديث: "لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ" (٢).
(فإن كملت ناقصة أو طلقت منكوحة. . حضنت) لزوال المانع، وتستحق المطلقة الحضانة في الحال قبل انقضاء العدة على المذهب.
(وإن غابت الأم أو امتنعت. . فللجدة) أم الأم (على الصحيح) كما لو ماتت أو جنت، والثاني: تنتقل إلى الأب، والثالث: إلى السلطان؛ لبقاء أهلية الأم؛ كما لو غاب ولي النكاح أو عضل يزوج السلطان لا الأبعد، وإنما تنتقل الحضانة إلى الجدة بعد الأم إذا لم يرض الأب؛ فإن رضي الأب باستمراره عند الأم المزوجة ورضي الزوج بذلك. . فلا حق لمجدة على الصحيح في "أصل الروضة" (٣)، وظاهره: بقاء حق الأم، وصححه البغوي والخوارزمي، وجرى عليه في "الكفاية"، واستغربه في
стр. 1824
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ مُمَيِّزٍ، وَالْمُمَيِّزُ إِنِ افْتَرَقَ أَبَوَاهُ. . كَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا جُنُونٌ أَوْ كُفْرٌ أَوْ رِقٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ نَكَحَتْ. . فَالْحَقُّ لِلآخَرِ. وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أُمٍّ وَجَدٍّ، وَكَذَا أَخٌ أَوْ عَمٌّ أَوْ أَبٌ مَعَ أُخْتٍ أَوْ خَالَةٍ فِي الأَصَحِّ، فَإِنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ الآخَرَ. . حُوِّلَ إِلَيهِ.
===
"المطلب"؛ إذ كيف يسقط حق الجدة برضا الأب، وقال الأَذْرَعي: الأقيس: عدم السقوط.
(هذا كله في غير مميز، والمميز إن افترق أبواه) مع أهليتهما ومقامهما في بلد واحد (. . كان عند من اختار منهما) لأنه ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه، حسنه الترمذي (١)، وسواء الغلام والجارية عندنا.
(فإن كان في أحدهما جنون أو كفر أو رق أو فسق أو نكحت. . فالحق للآخر) لوجود المانع به، فإن زال الخلل. . أنشئ التخيير.
(ويخير بين أم وجد) وإن علا عند فقد الأب أو عدم أهليته، لأنه بمنزلته، وكذلك الجدة أم الأم مع الأب.
(وكذا أخ أو عم، أو أب مع أخت أو خالة في الأصح) لما رواه الشافعي عن عُمَارة الجَرْمي قال: خيرني رسول الله ﷺ بين أمي وعمي، وكنت ابن سبع أو ثمان سنين (٢)، والثاني: لا بل الأم أحق؛ لقربها وولادتها، كما قبل التمييز.
(فإن اختار أحدهما ثم الآخر. . حول إليه) لأنه قد يبدو له الأمر على خلاف ما ظنه.
نعم؛ لو كثر التردد بحيث يغلب على الظن أن سببه نقصانه وقلة تمييزه. . جعل عند الأم كما قبل التمييز، وكذا لو بلغ وهو على نقصانه وخبله، كذا في "الروضة"
стр. 1825
فَإِنِ اخْتَارَ الأَبَ ذَكَرٌ. . لَمْ يَمْنَعْهُ زِيَارَةَ أُمِّهِ وَيَمْنَعُ أُنْثَى، وَلَا يَمْنَعُهَا دُخُولًا عَلَيْهِمَا زَائِرَةً، وَالزِّيَارَةُ مَرَّةً فِي أَيَّامٍ، فَإِنْ مَرِضَا. . فالأُمُّ أَوْلَى بِتَمْرِيضِهِمَا؛ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فِي بَيْتِهِ، وَإِلَّا. . فَفِي بَيْتِهَا. وَإِنِ اخْتَارَهَا ذَكَرٌ. . فَعِنْدَهَا لَيْلًا وَعِنْدَ الأَبِ نَهَارًا يُؤَدِّبُهُ وَيُسَلِّمُهُ لِمَكْتَبٍ وَحِرْفَةٍ،
===
و"أصلها" (١)، وقال الإمام: لا وجه عندي في ذلك إلا اتباعه بشرط ألا تتعطل الحضانة بالتردد؛ فإن ذلك لا ينكر في حال الصبي (٢)، وسبقه إلى ذلك الماوردي فقال: وعلى هذا أبدًا كلما اختار واحدًا بعد واحدٍ. . حُوِّل إليه (٣).
(فإن اختار الأب ذكر. . لم يمنعه زيارة أمه) وجوبًا؛ كما قاله في "الكفاية"؛ لئلا يكون ساعيًا في العقوق (٤)، (ويمنع أنثى) من زيارة أمها؛ لئلا تعتاد البروز، ولتألف الصيانة، وفي "فتاوى ابن الصلاح" أن للأم أن تطلب البنت، فتنفذ إلى زيارتها (٥).
(ولا يمنعها) أي: الأم (دخولًا عليهما) أي: على الابن والبنت (زائرة) لما تقدم، (والزيارة مرة في أيام) عملًا بالعادة.
(فإن مرضا. . فالأم أولى بتمريضهما) لأنها أهدى إليه وأصبر عليه، (فإن رضي به في بيته، وإلا. . ففي بيتها) والأب مخير بين الحالتين، ويجب الاحتراز عن الخلوة عند التمريض في بيته، وعند زيارتها الولد.
(وإن اختارها ذكر. . فعندها ليلًا، وعند الأب نهارًا يؤدبه ويسلمه لمكتب وحرفة) على ما يليق به، ولا يكله في ذلك إلى أمه؛ لعجز النساء عن القيام بمثل ذلك، ويجب ذلك على الولي أبا كان أو جدًّا، أو وصيًّا أو قيمًا، وأجرة ذلك في مال الصبي؛ فإن لم يكن. . فعلى من تلزمه نفقته.