← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فَإِنْ وُضِعَ عَلَى حَدَثٍ .. وَجَبَ نَزْعُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ .. قَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ. === نادرٌ غيرُ دائم، فإن كان على محلّ التيمّم .. وجب القضاءُ قطعًا؛ لنقصان البدل والمبدل جميعًا. (فإن وُضع على حدث .. وجب نزعُه) إن أمكن بلا ضرر؛ لأنه مسح على ساتر، فاشترط فيه الوضع على طهر؛ كالخف، (فإن تعذّر) نزعُهُ ومسح وصلّى ( .. قضى على المشهور) لفوات شرطِ الوضع، والثاني: لا؛ لمكان العذر (١)، بخلاف الخفّ. * * *

стр. 177

بابُ الحَيْض أَقَلُّ سِنِّهِ: تِسْعُ سِنِينَ، وَأَقَلُّهُ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيهَا. وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: خَمْسَةَ عَشَرَ، === (باب الحيض) والاستحاضة والنفاس والحيض لغة: السَّيَلان، يقال: حاض الوادي: إذا سال، وشرعًا: دمٌ يخرج - بعد بلوغ المرأة - من قُبلها من أقصى رحمها، من غير سببٍ، في أوقات معلومة، بشرائط مخصوصة. والاستحاضة: دمٌ يَسيلُ من عِرق في أدنى الرحم، يقال له: (العاذل) بالذال المعجمة، وقيل: بالمهملة، وقيل: بمعجمة وراء، وهو دمُ علّةٍ لا جِبِلَّة، عكس الحيض. والنفاس: هو الدم الخارج بعد الولد. (أقل سنه: تسع سنين) قمريّة؛ للاستقراء، قال الشافعي ﵁: (أعجل من سمعته من النساء يحضن نساءُ تهامة، يحضن لتسع سنين) (١)، والمراد بالتسع: استكمال التاسعة، وقيل: نصفها، وقيل: الطعن فيهما. (وأقله: يوم وليلة) متصلة؛ لأنه أقلّ ما عُلم كما قاله الشافعي، قال الإمام: والمراد: مقدار ذلك (٢)، وهو أربعة وعشرون ساعة، (وأكثره: خمسةَ عشرَ بلياليها) للاستقراء أيضًا. (وأقلّ طهرٍ بين الحيضتين: خمسةَ عشرَ) يومًا؛ لأنه إذا كان أكثر الحيض خمسة عشر .. لزم في الطهر ذلك. وخرج بقوله: (بين الحيضتين) الطهرُ بين الحيض والنفاس إذا قلنا: الحاملُ تحيض، فإنه يجوز نقصُه عن ذلك في الأصحِّ، بل لو خرج متّصلًّا بالولادة بلا تخلُّلِ طهرٍ .. كان حيضًا. وخرج أيضًا: ما لو رأت النفاسَ ستين يومًا، ثم انقطع، ثم عاد الدم قبل خمسةَ

стр. 178

وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ. وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالْجَنَابَةِ، وَعُبُورُ الْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تلوِيثَهُ، وَالصَّوْمُ، ويجِبُ قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَمَا بَيْنَ سُرَّتهَا وَرُكْبَتِهَا، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْوَطْءِ === عشرَ، ففي جعله حيضًا هذان الوجهان؛ كما نقله في "شرح المهذب" في الكلام على النفاس عن المتولّي، وأقره (١)، وقضيته: ترجيح كونه حيضًا. وخرج أيضًا: أيام النقاء المتخلّلةِ بين أيام الحيض إذا قلنا بقول اللقط كما سيأتي. (ولا حَدَّ لأكثره) بالإجماع، فإنّ المرأة قد لا تحيض أصلًا، وسكت المصنفُ عن الغالب، وهو في الحيض: ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر. (ويحرم به) أي: بالحيض (ما حرم بالجنابة) لأنه أغلظ، (و) يزيد على ذلك (عبورُ المسجد إن خافت تلويثَه) صيانةً للمسجد عن التلويث، ولا خصوصيةَ للحائض بهذا؛ فإن المستحاضة، ومَنْ به حدث دائم، أو جراحةٌ تسيل كذلك، وكذا المتنعّل نعلًا ذا نجاسةٍ رطبةٍ، فليدلكه، ثم ليدخل. (والصوم) للإجماع على تحريمه، وعدم صحته، (ويجب قضاؤه، بخلاف الصلاة) لقول عائشة ﵂: (كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) (٢)، وانعقد الإجماع على ذلك. (وما بين سرّتها وركبتِها) أي: يحرم مباشرتُه؛ لأن ذلك حريمٌ للفرج، ومن حام حول الحِمَى يُوشِك أن يقع فيه. وسكتوا عن مباشرتها له فيما بين السرّة والركبة؛ كمس الفرج ونحوه، قال الإسنوي: والقياس: تحريمه (٣). (وقيل: لا يحرم غيرُ الوطء) لقوله ﷺ : "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ"، قال في "شرح المهذب": (وهذا أقوى من حيث الدليلُ) (٤).

стр. 179

فَإِذَا انْقَطَعَ .. لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ === وقال في "التحقيق"، و"التنقيح"، "والتصحيح": (إنه المختار) (١)، قال: ولكن الأول: هو المنصوص في الجديد والأصحُّ عند الأكثرين. أما تحريم الوطء .. فإجماع، ومُورِث علةً مؤلمة جدًّا للمُجامع، والجذامَ للولد، وكلامه يوهم الحصرَ فيما ذكره. وأورد تحريم الطلاق فيه، وأجيب: بأنه أشار إليه فيما بعد. وأورد أيضًا الغسل؛ فإنه يحرم قبل الانقطاع بنيةِ رفعِ الحدثِ إذا قصدت التعبد به مع علمها بأنه لا يصح؛ للتلاعب، ذكره في "شرح المهذب" (٢). (فإذا انقطع .. لم يحل قبل الغُسل غيرُ الصوم) لأن تحريمه بالحيض، لا بالحدث، بدليل صحته من الجنب، (والطلاقِ) لزوال المعنى المقتضي للتحريم، وهو تطويلُ العدّةِ بسبب الحيضِ. وأفهم: أن ما عدا الصوم والطلاق من المحرّمات لا يزول تحريمه إلّا بالغُسل، أما ما عدا الاستمتاع: فلأن المنع منه إنما هو لأجل الحدث، والحدثُ باقٍ. وأما الاستمتاع .. فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، فإنه قد قرئ بالتخفيف والتشديد في السبع (٣)؛ أمّا قراءة التشديد: فصريحة فيما قلناه، وأمّا التخفيف .. فإن كان المراد به أيضًا: الاغتسال كما قاله ابن عباس وجماعة؛ لقرينة قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ .. فواضح، وإن كان المرادُ به: انقطاعَ الحيض .. فقد ذكر بعده شرطًا آخر وهو قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فلا بدّ منهما معًا. وحكى الغزالي: أن الوطء قبل الغُسل يورث الجذام في الولد (٤). وأورد على حصر المصنف الاستثناءَ المنعُ من الطهارة، قال في "زيادة الروضة": وكذا تحريم عبور المسجد في الأصحِّ إذا قلنا بالوجه الضعيف: أنه يحرم

стр. 180

وَالاسْتِحَاضَةُ حَدَث دَائِمٌ كَسَلَسٍ، فَلَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَتَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ، وَتَتَوَضَّأُ وَقْتَ الصَّلَاةِ، === عبوره عند أمن التلويث (١)، ولا يستثنى نكاح المستبرأة وإن كان يرتفع أيضًا بالانقطاع؛ لأن الكلام فيما حرم بالحيض، وتحريم نكاح المستبرأة ثابتٌ قبل الحيض. ولو أبدل المصنف الغسل بالتطهير .. لكان أولى، ليشمل التيممَ بشرطه. (والاستحاضةُ حدث دائم كسَلَسٍ) أي: سلس البول ونحوِه (فلا تمنع الصومَ والصلاةَ) كسائر الأحداث، بخلاف الحيض، ولأمره ﵊ حمنة بهما (٢). وقوله: (حدث دائم) ليس تفسيرًا للاستحاضة، وإلّا .. يلزم كون سَلَسِ البول استحاضةً، وإنما هو بيان لحكمه الإجمالي، وإنما الاستحاضة دمٌ تراه المرأة، غيرُ دم الحيض والنفاس. ثم أخذ المصنفُ في بيان حكمها التفصيلي، فقال: (فتغسل المستحاضةُ فرجَها) وجوبًا قبل الوضوء، أو التيمم، إن كانت تتيمّم للطهارة عن النجاسة، (وتَعْصِبه) بعصابة على كيفية مشهورةٍ، وذلك بعد حشوه بقُطنة ونحوِها، دفعًا للنجاسة، أو تقليلًا لها، وهذا الحشو والتعصيب واجبان، إلّا إذا تأذّت بالشدّ، ويحرقها اجتماع الدم .. فلا يلزمها، وتصلي مع السيلان. ولو كانت صائمةً .. لم تَحْشُه نهارًا، وتقتصر على التعصيب، كما قاله الشيخان (٣). (وتتوضأ وقت الصلاة) لا قبل الوقت، كالمتيمم، وكان الأحسن أن يقول: (فتتوضأ) لأن الأصح في "شرح مسلم"، والمجزوم به في "التحقيق": اشتراطُ

стр. 181

وَتُبَادِرُ بِهَا، فَلَوْ أَخَّرَتْ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ؛ كَسَتْرٍ، وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ .. لَمْ يَضُرَّ، وَإِلَّا .. فَيَضُرُّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَجِبُ الْوُضْوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ، وَكَذَا تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ انْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَلَمْ تَعْتَدِ انْقِطَاعَهُ وَعَوْدَهُ، أَوِ اعْتَادَتْ وَوَسِعَ زَمَنُ الانْقِطَاعِ وُضُوءًا وَالصَّلَاةَ .. وَجَبَ الْوُضُوءُ === تعقب الوضوء غسل الفرج وتعصيبه (١)، (وتُبادِر بها) أي: بالصلاة بعد الوضوء تقليلًا للحدث. (فلو أَخّرت لمصلحةِ الصلاةِ؛ كسترٍ) لعورة (وانتظارِ جماعةٍ .. لم يضر) لأن تأخيرَ الصلاة لهذه الأسباب مندوبٌ إليه. واستشكل: بأن اجتناب النجاسةِ شرطٌ، ومراعاته أحقُّ من مراعاة المندوبات. (وإلّا) أي: وإن كان التأخير لا لمصلحة الصلاةِ ( .. فيضر على الصحيح) لأن ما جرى من الحدث كانت مستغنية عنه، والثاني: لا يضر، كالمتيمم. (ويجب الوضوءُ لكلِّ فرضٍ) لدوام الحدث، ولحديث: "تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة" (٢)، ولها أن تتنفل ما شاءت كالمتيمم. (وكذا تجديد العِصابة) وغسلُ فرجها وحشوُه (في الأصح) قياسًا على تجديد الوضوء، والثاني: لا؛ لأن النجاسة في محلّ العفو، ولم تتعدّ محلَّها، فإن تعدّت محلَّها، بأن ظهر الدم على جوانب العصابة أو زالت العصابة .. وجب التجديد قطعًا. (ولو انقطع دمُها بعد الوضوء، ولم تَعْتَد انقطاعَه وعودَه، أو اعتادت ووسع زمن الانقطاع وضوءًا والصلاةَ) التي تتوضأ لها ( .. وجب الوضوءُ) أمّا في الأولى .. فلاحتمال الشفاء، والأصل: عدم عوده، وأمّا في الثانية .. فلإمكان أداء الصلاةِ على الكمال في الوقت. وخرج بقوله: (وسع) ما لو اعتادت انقطاعًا لا يسعهما، وهو كذلك، وحينئذ فتصلّي بذلك الوضوء، ولو لم تعتد انقطاعَه، وأخبرها ثقةٌ عارفٌ بأنه لا يعود إلّا بعد

стр. 182

فصل [فيما تراه المرأة من الدماء] رَأَتْ لِسِنِّ الْحَيْضِ أَقَلَّهُ وَلَم يَعْبُرْ أَكْثَرَهُ .. فَكُلُّهُ حَيْضٌ، وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضٌ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ عَبَرَهُ؛ فَإِنْ كَانتْ مُبْتَدَأَةً مُمَيِّزَةً؛ بِأَنْ تَرَى قَوِيًّا وَضَعِيفًا .. فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَة، وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ إِنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ وَلَا عَبَرَ أَكْثَرَهُ، وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ عَنْ أَقَلَ الطُّهْرِ === ما يَسعهما، أو يعود قريبًا .. فكالاعتياد. ولو عبر المصنف بـ (الطهارة) بدلًا عن (الوضوء) .. لكان أحسنَ؛ ليشمل غَسل الفرج عن النجاسة ونحو ذلك. * * * (فصل: رأت) المرأة (لسنّ الحيض أقلّه) أي: الحيض (ولم يعبر أكثره .. فكلّه حيض) مطلقًا؛ لاجتماع الشروط، واحتمالُ تغيرِ العادةِ ممكنٌ، ويشترط: ألّا يكون قد بقي عليها بقيةُ طهرٍ. فلو عبر بقوله: (رأت لزمن إمكانِ الحيض) .. لاستقام. (والصفرة والكدرة حيض في الأصح) لأنهما أذى، وقد قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، والثاني: لا، إلّا في أيام عادتها؛ لقول أمّ عطية: (كنّا لا نعدّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا)، رواه أبو داوود، وصححه الحاكم (١). (فإن عبره) أي: عبر الدمُ أكثرَ الحيض (فإن كانت مبتدأة) وهي التي ابتدأها الدم (مميّزة؛ بأن ترى قويًّا وضعيفًا .. فالضعيف استحاضة، والقويّ حيض إن لم ينقص) القوي (عن أقلّه) أي: الحيض؛ ليمكن جعله حيضًا. (ولا عبر أكثره) وهو خمسةَ عشرَ يومًا متصلة؛ لأن الحيض لا يزيد على ذلك. (ولا نَقَص الضعيف) إن استمر (عن أقلّ الطهر) وهو خمسةَ عشرَ يومًا متصلةً

стр. 183

أَوْ مُبْتَدَأَةً لَا مُمَيِّزَةً؛ بِأَنْ رَأَتْهُ بِصِفَةٍ، أَوْ فَقَدَتْ شَرْطَ تَمْيِيزٍ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ حَيْضَهَا: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَطُهْرَهَا: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. أَوْ مُعْتَادَةً بِأَنْ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ .. فَتُرَدُّ إِلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا، === ليجعل طهرًا بين الحيضتين، فلو رأتْ يومًا سوادًا ويومًا حمرةً، وهكذا أبدًا .. لم يكن تمييزًا معتبرًا وإن كانت جملةُ الضعيف لم تنقص عن خمسةَ عشرَ؛ لكونها ليستْ متصلةً. وبما تُعرف القوةُ والضعف؟ فيه وجهان: أحدهما: باللون فقط؛ فالأسود أقوى، ثم الأحمر، ثم الأشقر، ثم الأصفر، ثم الأكدر إذا جعلناهما حيضًا، والأصحّ: بإحدى ثلاثِ خصالٍ، وهي: اللون والثخانة والرائحة الكريهة. وما له صفتان أقوى مما له صفةٌ واحدةٌ، وما له ثلاث أقوى مما له ثنتان، فإن تعادلا؛ بأن وجد في البعض صفة، وفي البعض الآخر صفة أخرى .. فالحكم للسابق منهما، كذا نقله الرافعي عن المتولّي، ثم قال: وهو موضع تأملٍ، وجزم به في "التحقيق" (١). (أو مبتدأة لا مميّزة؛ بأن رأته بصفة) واحدة (أو فقدت شرط تمييز) على ما مرّ ( .. فالأظهر: أن حيضها: يوم وليلة) لأن سقوطَ الصلاة عنها في هذا القدر متيقّن، وفيما عداه مشكوكٌ فيه، فلا يترك اليقينُ إلّا بيقين، أو أمارة ظاهرة؛ كالتمييز والعادة. (وطهرَها: تسعٌ وعشرون) لأنها تتمة الدور، والقول الثاني: أنها تردّ إلى الغالب، وهو ستّ أو سبع؛ لقوله ﷺ لحمنة: "تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ" (٢)، وكانت مبتدأة؛ إذ لو كانت معتادة أو مميّزة .. لردّها إلى ذلك. والمقدار على القولين يكون في كل شهر، ويكون أيضًا من أول الدم الذي تراه. (أو معتادة) غير مميزة (بأن سبق لها حيضٌ وطهر) وهي تَعلمهما (فترد إليهما قدرًا ووقتًا) كخمسة أيام من أول كل شهرٍ مثلًا؛ لقوله ﵊ في المرأة

стр. 184

وَتثبُتُ بِمَرَّةٍ فِي الأَصَحِّ، وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ الْمُمَيِّزَةِ بِالتَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ فِي الأَصَحِّ === التي استفتتْ لها أمُّ سلمة: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأيَّام الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ .. فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ"، رواه أبو داوود وغيره بإسناد صحيح (١). وحكى المرعشي قولًا: أنه لا أثر للعادة، واستُغرب. واعلم: أن المعتادة إذا جاوز الدمُ عادتَها .. أمسكتْ عمّا تُمسك عنه الحائضُ قطعا؛ لاحتمال انقطاعه على خمسةَ عشرَ، فإن انقطع على خمسةَ عشرَ فأقلَّ .. فالكلُّ حيضٌ، وإن عبرها .. قضت ما وراء قدر عادتها. وفي الدور الثاني وما بعده إذا عبر أيام عادتها .. اغتسلت، وصامت، وصلّت؛ لظهور الاستحاضة؛ لأنها تثبت بمرّة جزمًا. (وتثبت) العادة (بمرة في الأصح) لأن الحديث السابق قد دلّ على اعتبار الشهر الذي قبل الاستحاضة، ولأن الظاهرَ: أنها في هذا الشهر كالذي قبله؛ لكونه أقرب إليها، والثاني: لا بدّ من مرّتين؛ لأن العادةَ مشتقّةٌ من العَود. ومحلّ الخلاف: في عادة الحيض، أما الاستحاضة .. فتثبت بمرّة قطعًا؛ كما مرّ. وما تقدّم في العادة المتّفقة أو المختلفة المتسقة، أمّا المختلفة غير المتسقة .. فالصحيح الذي قطع به الجمهور: أنها تردّ إلى ما يلي شهر الاستحاضة، وإن كانت مختلفة متسقة ونسيت اتساقها .. فالأصحُّ: أنها تغتسل آخر كلِّ نوبةٍ. (ويُحكم للمعتادة المميّزة) حيث اختلفت العادة والتمييز؛ كما لو كانت عادتُها خمسةً من أوّل كلِّ شهرٍ، فاستحيضت، فرأت خمستَها حُمرةً، ثم رأت عقبها خمسة سوادًا وباقي الشهر حُمرةً (بالتمييز لا العادةِ في الأصح) لحديث: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ

стр. 185

أُوْ مُتَحَيِّرَةً؛ بِأَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا قَدْرًا وَوَقْتا .. فَفِي قَوْلٍ: كَمُبْتَدَأَةٍ، وَالْمَشْهُورُ: وُجُوبُ الاحْتِيَاطِ، فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَتُصَلِّي الْفَرَائِضَ أَبَدًا، وَكَذَا النَّفْلُ فِي الأَصَحِّ، === يعرَفُ" (١) لأن التمييزَ علامةٌ حاضرةٌ، والعادة منقضية، والثاني: يأخذ بالعادة؛ لأنها قد ثبتت واستقرّت، وصفةُ الدّم بصدد البطلان، وذلك عند نقصانه عن أقلّ الحيض، أو مجاوزته أكثرَه. (أو متحيّرة؛ بأن نسيت عادتَها قدرًا ووقتًا) وابتداءً؛ بأن جنّت ثم أفاقت مستحاضةً، ولا تمييز لها ( .. ففي قولٍ: كمبتدأة) بجامع فقدِ العادةِ والتمييزِ. وسمّيت هذه متحيّرةً؛ لتحيّرها في نفسها، وتسمّى أيضا مُحيِّرةً بكسر الياء؛ لأنها حَيَّرت الفقيهَ. (والمشهورُ: وجوب الاحتياط) بما يجيء؛ إذ كلّ زمن يَحتمل الحيضَ والطهرَ والانقطاعَ، ولا يمكن جعلُها حائضا دائمًا؛ لقيام الإجماع على بطلانه، ولا طاهرًا دائمًا؛ لقيام الدم، ولا التبعيض؛ لأنه تَحكّم، فاحتاطت للضرورة. لكن الأصحّ فيما لو طَلَقت ولم تعرف قدر دورها: أنها تعتدّ بثلاثة أشهر اعتبارًا بالغالب، ودفعا للضرر، وقيل: إنّها تحتاط في العدّة أيضًا؛ بأن تَقعُد إلى سنّ اليأس، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لاحتمال تباعد الحيض. (فيحرم الوطء) والاستمتاع بما بين السرّة والركبة على الزوج والسيد؛ لاحتمال الحيض، (ومس المصحف، والقراءةُ في غير الصلاة) لاحتماله أيضًا، أما في الصلاة: فجائزة مطلقًا، وقيل: تحرم الزيادةُ على الفاتحة. (وتصلي الفرائض) خارج المسجد (أبدًا) لاحتمال الطهر (وكذا النفل في الأصح) لأنه من مهمات الدين، فلا وجه لحرمانها ذلك، والثاني: لا؛ إذ لا ضرورة؛ كمسّ المصحف، والقراءة في غير الصلاة. وقضيةُ سكوتِ المصنفِ عن قضاء الصلاة بعد فعلها في الوقت، وتصريحه بوجوب

стр. 186

وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرْضٍ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ثُمَّ شَهْرًا كَامِلَيْنِ، فَيَحْصُلُ مِنْ كُلٍّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ تَصُومُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ثَلَاثة أَوَّلَهَا، وَثَلَاثة آخِرَهَا، فَيَحْصُلُ الْيَوْمَانِ الْبَاقِيَانِ، === قضاء الصوم: أنه لا يجب قضاؤها، وهو ما في "البحر" عن النصّ، ونقله الماوردي، والدارمي، وابن الصبّاغ، ونصر المقدسي عن الجمهور، وقال في "المهمات": إنه المفتى به، لكن الذي رجّحه الشيخان وجوبُ القضاء (١). (وتَغتسل لكل فرض) لاحتمال الانقطاع، نعم؛ إن ذكرت وقت الانقطاع؛ كأن قالتْ: كان الدم ينقطع مع الغروب مثلًا .. لزمها الغُسلُ لكلّ يوم عقبَ الغروب فقط، قاله في "التحقيق" (٢). ويستثنى: ذات التقطع، فإنه لا يلزمها الغُسلُ زمنَ النقاء؛ إذ الغسل سببه الانقطاع، والدم منقطع. (وتصوم رمضان) لاحتمال الطهر في جميعه، (ثم شهرًا كامليْن، فيحصل من كلٍّ أربعة عشر) يومًا؛ لاحتمال أن يكون حيضُها أكثرَ الحيض، وأن يطرأ في أثناء يومٍ، وينقطع في أثناء السادس عشر من ذلك اليوم، ووجود الحيض في بعض اليوم مبطل له، فلزم ما ذكرناه. وقوله: (كاملين) حال من (رمضان) و (شهرٍ) وإن كان (شهر) نكرة. فلو كان رمضانُ ناقصًا .. حصل لها منه ثلاثةَ عشرَ يومًا، والمقضي منه بكل حال ستةَ عشرَ، فإذا صامت شهرًا كاملًا بعد ذلك .. بقي عليها يومان، فلو قال: وتصوم رمضان، ثم شهرًا كاملًا، وبقي يومان .. لأغنى عن (كاملين) وما بعده. (ثم تصوم من ثمانية عشر) يومًا ستةَ أيام (ثلاثةً أولّها، وثلاثةً آخرَها، فيحصل اليومان الباقيان) لأن الحيض إن طرأ في أثناء اليوم الأول من صومها .. انقطع في أثناء السادس عشر، فيحصل اليومان بعده. أو في اليوم الثاني .. انقطع في السابع عشر، فيحصل الأول والأخير.

стр. 187

وَيُمْكِنُ قَضاءُ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ ثُمَّ الثَّالِثِ وَالسَّابِعَ عَشَرَ. وَإِنْ حَفِظَتْ شَيْئًا .. فَلِلْيَقِينِ حُكْمُهُ، وَهِيَ فِي الْمُحْتَمِلِ كحَائِضٍ فِي الْوَطْءِ، وَطَاهِرٍ فِي الْعِبَادَةِ، === أو في اليوم الثالث، فيحصل اليومان الأولان (١). أو طرأ في أثناء السادس عشر، فينقطع في أثناء الأول، فيحصل الثاني والثالث. أو في السابع عشر، فينقطع في الثاني، فيحصل السادس عشر والثالث. أو في الثامن عشر، فينقطع في الثالث، فيحصل السادس عشر والسابع عشر، فتخرج بذلك عن العهدة بيقين، ولا تتعين هذه الكيفية، بل لو صامت أربعةً من هذه الستة في أول الثمانيةَ عشرَ واثنين في آخرها أو بالعكس، أو اثنين في أولها، واثنين في آخرها واثنين في الوسط كيف شاءت .. حصل اليومان الباقيان. والضابط في قضاء اليومين وغيرهما: أن نضعّف ما عليها، ونزيد عليه يومين، فتصوم ما عليها وِلاءً متى شاءت، ثم تأتي بذلك مرّةً أخرى من أول السابعَ عشرَ من صومها، ثم تأتي باليومين بينهما، سواءٌ كانا متصلين باليومين الأوّلين أو بالأخيرين، أو منفردين عنهما متفرقين أو مجتمعين، وكلّما زاد الواجب يومًا .. زاد الصوم يومين: يومًا في أول المدّة ويومًا في آخرها على ما سبق. قال الدارمي: ويمكن قضاءُ يومين فصاعدًا إلى آخر السابع بزيادة يوم واحد على الضعف، فلقضاء يومين تصوم يوما وثالثَه وسابعَ عشرِه وتاسعَ عشرِه، وتفطر رابعَه وسادسَ عشرِه ويبقى بينهما أحدَ عشرَ يومًا، تصوم منها يومًا أَيَّ يوم شاءت، فيحصل لها يومان بخمسة من تسعةَ عشرَ. (ويمكن قضاءُ يومٍ بصوم يومٍ، ثم الثالثِ) من الأول (والسابعَ عشرَ) منه؛ لوقوع يوم من الأيام الثلاثة في الطهر بكل تقدير؛ لما مرّ في اليومين. (وإن حفِظت شيئًا) من عادتها، ونسيت شيئًا؛ كالوقت دون القدر أو عكسه) .. فلليقين حكمُه) من حيض أو طهر. (وهي في المحتمِل كحائض في الوطء، وطاهرٍ في العبادة) لما سبق من وجوب الاحتياط، والمراد بـ (المحتمل): هو محتمِل الحيض والطهر.

стр. 188

وَإِنِ احْتَمَلَ انْقِطَاعًا .. وَجَبَ الْغُسْلُ لِكُلِّ فَرْضٍ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ وَالنَّقَاءَ بَيْنَ الدَّمِ .. حَيْضٌ === (وإن احتمل انقطاعًا .. وجب الغُسلُ لكلّ فرضٍ) احتياطًا، وإن لم يحتمله .. وجب الوضوء فقط. قال الأصحاب: والحافظةُ للقدر إنما تخرج عن التحيّر المطلق بحفظ قدر الدورِ وابتدائه، وقدرِ الحيض؛ كقولها: (كان حيضي ستة أيام من العشر الأول من كل شهر)، فالخامسُ والسادس حيضٌ بيقين، وما بعده إلى آخر العاشر طهرٌ مشكوك فيه؛ لأنه يحتمل الانقطاعَ، فتؤمر فيه بالاغتسال، وما قبلهما إلى الأول يحتمل الطروء فقط، فهو حيض مشكوكٌ فيه، فتتوضأ لكلّ صلاة، ولا تغتسل، ومن الحادي عشر إلى آخر الشهر طهرٌ بيقين. ومن أمثلة حفظ الوقت فقط: ما لو قالت: (أعلم أن حيضي في الشهر مرةً، وأكون في سادسه حائضًا) .. فالسادس حيضٌ بيقين، والعشر الأخير طهرٌ بيقين، ومن السابع إلى آخر العشرين طهر مشكوكٌ فيه؛ لاحتمال الانقطاع دون الطروء، ومن الأول إلى الخامس والسادس حيضٌ مشكوكٌ فيه؛ لاحتمال الطروء دون الانقطاع. (والأظهر: أن دم الحامل والنقاء بين الدم .. حيضٌ) أما في الأولى .. فلحديث: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ" (١)، ولأنه دمٌ لا يمنعه الرَّضاع، بل إذا وجد معه .. حُكِم بكونه حيضًا وإن ندر، فكذا لا يمنعه الحملُ. ووجه مقابله: أن الحمل يسدّ مخرج الحيض، وقد جعل دليلًا على براءة الرحم، فدلّ على أنّ الحامل لا تحيض، ويستثنى الدم الخارج عند الطلق أو مع خروج الولد؛ فإنه ليس بحيض ولا نفاس على الأصحِّ. ويستثنى من إجراء أحكام الحيض عليه: تحريمُ الطلاق؛ فإنه لا يحرم فيه، ولا تنقضي به عدةُ صاحب الحمل، وتنقضي به عدّةُ غيره في الأصحِّ؛ بأن وُطئت بشبهة زمنَ الحمل، وكذا لو كان الحملُ من زنًا. وأمّا في الثانية .. فلو قلنا بأنه طهر .. لانقضت العدة بثلاثة منه، ولا قائلَ به.

стр. 189

وَأَقَلُّ النِّفَاسِ: لَحْظَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: سِتُّونَ، وَغَالِبُهُ: أَرْبَعُونَ. وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالْحَيْضِ، وَعُبُورُهُ سِتِّينَ كَعُبُورِهِ أَكْثَرَهُ. === ووجه مقابله: أنه لما دلّ الدم على الحيض .. وجب أن يدلّ النَّقاءُ على الطهر، ويسمّى الأول: قول السحب، والثاني: قول اللقط وقول التلفيق. وقوله: (بين الدم) قال الشيخ بهاء الدين الفزاري: (كذا هو في عدّة نسخ، وقيل: إنه كان هكذا في نسخة المصنف، ثم أصلحه بعضهم بقوله: "بين أقل الحيض" لأن الراجح: أنه إنما ينسحب إذا بلغ مجموع الدماء أقلّ الحيض) انتهى. قال المنكّت: (وقد رأيت نسخةَ المصنف التي بخطه، وقد أُصلحت كما قال بغير خطه) (١). (وأقلُّ النفاس: لحظةٌ، وأكثرُه: ستون، وغالبُه: أربعون) اعتبارًا بالوجود، فلو ولدت ولم تر دمًا أصلًا حتى مضى خمسة عشر فصاعدًا .. فلا نفاس لها على الأصحِّ في "شرح المهذب" (٢). (ويحرم به ما حرم بالحيض) بالإجماع (وعُبورُه ستين كعبوره أكثرَه) أي: الحيض، فينظر أمبتدأة هي أم معتادة مُميِّزة، أم غير مُميِّزة؟ ويقاس على ما مرّ في الحيض؛ لأن النفاس كالحيض في غالب أحكامه، فكذلك الردّ إليه عند الإشكال. * * *

стр. 190

كتابُ الصَّلاة الْمَكْتُوبَاتُ خَمْسٌ: الظُّهْرُ، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ: زَوَالُ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ: مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ، . === (كتاب الصلاة) هي لغة: الدعاء بخير، وشرعًا: أفعال وأقوال مفتتحةٌ بالتكبير، مختتمةٌ بالتسليم بشرائطَ مخصوصةٍ. سُمِّيت بذلك لاشتمالها على الدعاء؛ إطلاقًا لاسم الجزء على الكلّ، وقيل: لما يعود على فاعلها من البركة، والبركة تسمى صلاةً. (المكتوباتُ خمسٌ) في كلّ يوم وليلة بالإجماع. (الظهر) لحديث جبريل الآتي، (وأولّ وقته: زوال الشمس، وآخره: مصيرُ ظلِّ الشيء مثلَه سوى ظلّ استواء الشمس) الموجود عند الزوال إن بقي ظلّ كغالب البقاع؛ لقوله ﷺ : "أَمَّنِي جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتينِ، فَصلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ ألشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالمشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ .. صَلَّى بِيَ الظّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ (١)، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ" (٢). (وهو أول وقت العصر) للحديث المار (ويبقى حتى تغرب) لحديث: "وَقْتُ

стр. 191

وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْنِ. وَالْمَغْرِبُ: بِالْغُرُوبِ، وَيَبْقَى حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ فِي الْقَدِيمِ، وَفِي الْجَدِيدِ: يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ، وَلَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ .. جَازَ عَلَى === الْعَصْرِ مَا لَمْ تغرُبِ الشَّمْسُ" رواه ابن أبي شيبة وإسناده في مسلم (١)، (والاختيار: ألّا تؤخر عن مصيرِ الظلِّ مثلين) بعد ظلّ الاستواء؛ لحديث جبريل المار، وسمي مختارًا؛ لما فيه من الرجحان، وقيل: لاختيار جبريل إياه. (والمغربُ: بالغروب) لحديث جبريل (ويبقى) وقتها (حتى يَغيب الشفقُ الأحمر في القديم) لحديث: "وَقْتُ الْمَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ" رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢). (وفي الجديد: ينقضي بمضيّ قدرِ وضوءٍ، وسترِ عورةٍ، وأذانٍ، وإقامةٍ، وخمسِ ركعات) لأن جبريل صلاها في اليومين في وقت واحد بخلاف غيرها، وإنما استثُني قدرُ هذه الأمور؛ للضرورة وجواز جمع المغرب والعشاءِ تقديمًا إنما ساغ لأن الوقت المذكور يَسع ذلك خصوصًا إذا كانت الشروط عند الوقت مجتمعة فيه، فإن فُرض ضيقُه عنها لأجل اشتغاله بالأسباب .. امتنع الجمعُ لفوات شرطه، وهو وقوع الصلاتين في وقت إحداهما. ولو عَبَّر بـ (الطهارة) بدلًا عن (الوضوء) .. لكان أولى؛ ليشمل التيمم والغسلَ وإزالة النجاسة. والتعبير بـ (ستر العورة) يخالف ما ذكروه؛ من استحباب التعمم والتقمص والارتداء ونحوها، ولهذا عبر الماوردي في "الإقناع" وغيره بـ (لبس الثياب)، قال الإسنوي: (وهو حسن) (٣). (ولو شَرَعَ في الوقت) على الجديد (ومَدَّ حتى غاب الشفقُ .. جاز على

стр. 192

الصَّحِيحِ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْعِشَاءُ: بِمَغِيبِ الشَّفَقِ، وَيَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ، وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ ثلُثِ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفِهِ. وَالصُّبْحُ: بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَهُوَ الْمُنْتشَرُ ضَوْؤُهُ مُعْتَرِضًا بِالأُفُقِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، === الصحيح) لأنه ﷺ قرأ فيها بـ (الأعراف) في الركعتين، رواه الحاكم وصححه (١)، والثاني: لا تجوز، لوقوع بعضها خارج الوقت. (قلت: القديم أظهر، والله أعلم) لما مرّ، وقد علق الشافعي في "الإملاء" - وهو من الجديد - القول به على صحة الحديث فيه، قال ابن الصلاح: وقد ثبت الحديث (٢)، بل أحاديث، فيكون قولُ الاتساع جديدًا (٣). (والعشاء: بمغيب الشفق) الأحمر؛ لما سبق (ويبقى إلى الفجر) الصادق لحديث: "لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الأُخْرَى" رواه مسلم (٤)، (والاختيار: ألّا تؤخر عن ثلث الليل) لأن جبريل ﵇ صلاها في اليوم الثاني كذلك، (وفي قول: نصفِه) لقوله ﷺ : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي .. لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّوَاكَ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ، وَلأَخرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" رواه الحاكم وصححه (٥). وقضية كلام "شرح المهذب": أن الأكثرين على هذا القول، وبه صرح سليم في "الفروع"، ولهذا قال في "شرح مسلم": (إنه الأصح)، وقال البيهقي في "خلافياته": إنه الصحيح في المذهب (٦). (والصبح: بالفجر الصادق) بالإجماع (وهو: المنتشر ضوؤه معترضًا بالأُفُقِ) لا الفجر الكاذب وهو: الذي يبدو مستطيلًا كذَنَب السِّرْحان، وهو: الذئب، ثم تعقبه ظلمة، (ويبقى حتى تَطلُع الشمسُ) لحديث: "وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ

стр. 193

وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنِ الإِسْفَارِ. قُلْتُ: يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ: عِشَاءً، وَالْعِشَاءِ: عَتَمَةً، وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا إِلَّا فِي خَيْرٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ، === الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ" رواه مسلم (١)، (والاختيار: ألّا تُؤخَّر عن الإسفار) وهو الإضاءة؛ لأنه ﵊ صلاها في اليوم الثاني كذلك. (قلت: يكره تسمية المغرب: عِشاء، والعشاءِ: عَتَمَةً) لثبوت النهي عن ذلك في الصحيح (٢)، (والنوم قبلها) لأنه ﵇ كان يكرهه، متفق عليه (٣). والمعنى فيه: مخافة استمراره إلى خروج الوقت، ولهذا قال ابن الصلاح: (تعمّ جميعَ الصلوات). (والحديثُ بعدها) لكراهته ﵊ له أيضًا، متفق عليه (٤)، ولأن الله تعالى قد جعل الليل سكنًا، وهذا يُخرجه عن ذلك، (إلّا في خيرٍ، والله أعلم) كقراءة الحديث، ومذاكرة الفقه، وحكاياتِ الصالحين، وإيناس الضيف ونحوِ ذلك؛ لأنه خير ناجز، فلا يُترك لمفسدة متوهمة، وقد جاءت به أحاديث صحيحة (٥)، واستثنى في "زيادة الروضة" مع ذلك: ما إذا تكلم لعذر (٦). (ويُسن تعجيلُ الصلاة لأول الوقت) استباقا للخيرات، ولقوله ﵊ في جواب أيّ الأعمال أفضل؟ "الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا" رواه الدارقطني وابن حبان في "صحيحه" (٧). واعلم: أنه إنما يجوز التأخيرُ عن أول الوقت بشرط العزم على الفعل في أثنائه على

стр. 194

وَفِي قَوْلٍ: تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ. وَيُسَنُّ الإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَالأَصَحُّ: اخْتِصَاصُهُ بِبَلَدٍ حَارٍّ، وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ === الأصحِّ في "شرح المهذب" (١)، ويستثنى من ذلك مسائلُ: منها: الإبراد؛ كما سيأتي، والمقيم بمنى، فإنه يندب له تأخير الظهر وتقديم الرمي، وكذا المسافر إذا كان سائرًا وقتَ الأولى، فإنّ التأخير أفضلُ كما ذكره في بابه، ومَنْ يدافعه الخبث، أو حضره طعامٌ يتوق إليه، وكذا كلّ عذر مُرخِّص في ترك الجماعة، وغيرُ ذلك مما تكثر صورُه وأمثلتُه. والضابط: أن يعارض ما هو أرجح من فعلها أول الوقت كتيقن وجود الماء والسترة في أثناء الوقت. (وفي قول: تأخير العشاء أفضلُ) ما لم يجاوز وقتَ الاختيار؛ للحديث السالف، وقال في "شرح المهذب": (إنه أقوى دليلًا) (٢)، واختاره السبكي، وقال الأَذرَعي: (إنه المنصوص في أكثر كتبه الجديدة). (ويُسن الإبرادُ بالظهر في شدة الحرِّ) إلى أن يصير للحيطان ظلٌّ يمشي فيه الساعون للجماعة؛ لحديث: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ .. فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" متفق عليه (٣). واحترز بـ (الظهر) عن الجمعة؛ فإنه لا يسن الإبراد فيها على الأصحِّ. (والأصح: اختصاصه ببلدٍ حارٍّ) كالحجاز؛ لأن الأمر هين في غيرها، (وجماعةِ مسجدٍ يَقصِدونه من بُعدٍ) ويمشون إليه في الشمس، لأن من صلّى منفردًا أو بيتُه قريبٌ من المسجد .. ليس فيه كبيرُ مشقة، والثاني: لا يختص بذلك؛ لإطلاق الخبر، والمنفرد إذا قصد الصلاةَ في المسجد يُبرد كما أشعر به كلام الرافعي، وقال الإسنوي: (إنه الأوجه)، بخلاف ما أشعر به كلام "الكتاب" (٤).

стр. 195

وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ رَكْعَةً .. فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ، وَإِلَّا .. فَقَضَاءٌ. وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ .. اجْتَهَدَ بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ صَلَاتَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيُبَادِرُ بِالْفَائِتَةِ، === (ومن وقع بعضُ صلاته في الوقت .. فالأصح: أنه إن وقع ركعةً .. فالجميع أداءٌ، وإلا .. فقضاءٌ) كلها؛ لحديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ .. فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" متفق عليه، زاد مسلم: "كُلَّهَا" (١)، دل بمنطوقه على الأول، وبمفهومه على الثاني، والثاني: الجميع قضاءٌ؛ اعتبارًا بآخر الصلاة، والثالث: ما وقع في الوقت أداءٌ، وما وقع بعده قضاءٌ؛ نظرًا إلى الواقع، والرابع: إن أخر بعذر وأدرك ركعة .. فأداءٌ، وإلّا .. فلا. (ومن جهل الوقتَ) لعارض غيم ونحوه ( .. اجتهد (ولو أعمى وجوبًا؛ قياسًا على الأحكام الشرعية (بوِردٍ) من قراءة ودرسٍ (ونحوِه) كخياطة وغيرِها، ومن الأمارات: صياحُ الديك المجرَّب. وأورد على المصنف: أن محلّ الاجتهاد: ما إذا لم يُخبره ثقةٌ عن علم، فإن أخبره عن علم بمشاهدة؛ كقوله: (رأيت الفجر طالعًا)، أو (الشمسَ غاربة) .. لزمه قبولُه، ولا يجتهد. وأجيب: بأنه متى أخبره ثقةٌ عن علم .. فهو غير جاهل بالوقت، ولو أخبره عن اجتهاد .. قلده الأعمى دون البصير القادرِ على الاجتهاد. (فإن تيقن صلاتَه قبل الوقت) بعد أن اجتهد وصلّى وقد خرج الوقت ( .. قضى في الأظهر) لفوات شرطها وهو الوقت، والثاني: لا قضاءَ؛ اعتبارًا بظنه، فإن كان الوقتُ باقيًا .. وجبت الإعادة فيه قطعًا. (وإلّا) أي: وإن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت؛ بأن لم يتبيّن الحالُ، أو بأن وقوعُها فيه أوبعده ( .. فلا) قضاء عليه. (ويبادر بالفائتة) (٢) تعجيلًا لبراءة ذمته، ثم إن كان الترك بغير عذر .. فالمبادرة

стр. 196

وَيُسَنُّ تَرْتيبُهُ وَتقدِيمُهُ عَلَى الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يَخَافُ فَوْتَهَا. وَتكرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الاسْتِوَاءِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ، وَالْعَصْرِ حَتَّى تغرُبَ، === واجبة، وإلّا .. فمستحبةٌ على الأصحِّ فيهما، وقيل: واجبة فيهما، وقيل: مستحبة فيهما، وعن ابن بنت الشافعي: أن غير المعذور لا يقضي، وحكمته: التغليظ عليه، وقواه الشيخ عزُّ الدين، وصاحب "الإقليد" وأيده بأن تارك الأبعاض عمدًا لا يَسجد على وجه، مع أنه أحوج إلى الجبر. (ويسن ترتيبه وتقديمه على الحاضرة التي لا يَخاف فوتَها) للخروج من خلاف من أوجب ذلك، فإن لم يرتب .. جاز؛ لأن كلَّ واحدة عبادةٌ مستقلة، والترتيبَ إنما وجب في الأداء لضرورة الوقت، فإنه حين وجبت الظهرُ .. لم تجب العصر، فماذا فات .. لم يجب الترتيب في قضائه؛ كصوم رمضان، فإن خاف فوتَ الحاضرة .. لزمه البداءة بها؛ لئلّا تصيرَ فائتةً أيضًا. (وتكره الصلاة عند الاستواء) للنهي عنه في "صحيح مسلم" (١). ووقت الاستواء لطيف جدًّا لا يتسع لصلاة، ولا يكاد يشعر به حتى تزول الشمس، إلا أن التحرم قد يمكن إيقاعُه فيه، فلا تصح الصلاة. (إلّا يوم الجمعة) لأنه ﵊ استحب التبكير إليها، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء. (وبعدَ) فعل (الصبح حتى ترنفع الشمسُ كرمح) فيما يراه الناظر (و) بعد (العصرِ حتى تغرب) للنهي عنه في الصحيح أيضًا) (٢). وأهمل وقتين آخرين ذكرهما في "المحرّر" وهما: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند الاصفرار حتى تغرب (٣)؛ لتوهمه اندراجهما في قوله: (وبعد الصبح ... وبعد العصر)، وليس كذلك؛ فإنه إنما يتناول من صلاهما، والكراهة في هذين الوقتين تعم ذلك وغيرَه.

стр. 197

إِلَّا لِسَبَبٍ كَفَائِتةٍ، وَكُسُوفٍ، وَتَحِيَّةٍ، وَسَجْدَةِ شُكْرٍ، وَإِلَّا فِي حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ === وهذه الكراهةُ كراهةُ تحريم على الصحيح، وصحح المصنف في "التحقيق" أنها للتنزيه، وجزم به في "شرح المهذب" في الطهارة، مع تصحيحه هنا فيه بالتحريم (١). (إلّا لسببٍ) متقدم أو مقارن (كفائتةٍ) ولو نافلة إذا قلنا: تقضى؛ لحديث: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا .. فَكَفَّارَتهُا: أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا" متفق عليه (٢)، ولصلاته ﵇ سنة الظهر بعد العصر لما شغله عنها الوفد (٣). (وكُسوفٍ، وتَحيّةٍ) لأنهما معرضان للفوات، ولأن الأدلة الطالبة لهما عامةٌ في الأوقات، خاصةٌ بتلك الصلوات، وأحاديث النهي بالعكس، وترجحت الأولى بأنه لم يدخلها تخصيصٌ، وأحاديث النهي دخلها التخصيصُ بالفائتة؛ للحديث. و(صلاة الجنازة) فإنه إجماع كما نقله ابن المنذر، ومحلّ ما ذكره في التحية إذا دخل لا لقصد التحية، فإن دخل بقصد التحية فقط .. كره على الأصحِّ. (وسجدهِ شكر) وتلاوة؛ لفواتها بالتأخير، وفي "الصحيح" في توبة كعب بن مالك أنه سجد سجدة للشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس (٤)، وسجدة التلاوة مقيس عليها. (وإلّا في حرم مكةَ على الصحيح) لقوله ﷺ : "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ" صححه الترمذي وغيره (٥). والمعنى فيه: ما في الصلاة في تلك الأماكن من زيادة الفضيلة، فلا يُحرَم المقيمُ هناك من استكثارها.

стр. 198

فصل [فيمن تجب عليه الصلاة] إِنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ طَاهِرٍ، وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ إِلَّا الْمُرْتَدَّ، === نعم؛ في "مقنع المحاملي": الأولى: عدم الفعل خروجًا من خلاف مالك وأبي حنيفة، والثاني: أنها تكره لعموم الأخبار، وحمل الصلاة المذكورة في هذا الحديث على ركعتي الطواف، وإنما تكلف لهذا الحمل؛ لأن الحديثين إذا كان كلٌّ منهما أعمَّ من الآخر من وجه .. لا يُقدَّم خصوصُ أحدهما على عموم الآخر إلّا بمرجح، وقيل: إن الاستثناء يختص بالمسجد الحرام، وقيل: بنفس البلد. * * * (فصل: إنما تجب الصلاة على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ طاهرٍ) الوجوبُ - على من اجتمعت فيه هذه الشروط - مجمعٌ عليه. وأما عدمه على من عداه .. فقد يراد به عدمُ المطالبة بها في الوقت، وقد يراد عدمُ التأثيم بالترك، والأول مجمعٌ عليه أيضا، والثاني: كذلك إلا في الكافر، فإن الأصحَّ عندنا: أنه مخاطبٌ بالفروع، ويعاقب عليها في الآخرة. فإن حمل كلام المصنف على المعنيين معًا .. ورد الكافر، وإن حمل على أحدهما .. فات الآخر مع ورود الكافر أيضًا على تقدير الحمل على الثاني. (ولا قضاءَ على الكافر) إذا أسلم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقد يؤدي إيجاب ذلك إلى التنفير. (إلّا المرتدَّ) لأنه التزم الصلاة بالإسلام، فلا تسقط بالردة؛ كحقوق الآدميين. نعم؛ لا تَقضي المرتدة زمن الحيض ونحوه، بخلاف زمن الجنون. قال الإمام: والفرق: أن الحائض مخاطبةٌ بترك الصلاة في زمن الحيض، فهي مؤدية ما أمرت به، والمجنون ليس مخاطبًا بترك الصلاة في زمن جنونه حتى يقال: إنه أدى ما أمر به (١).

стр. 199

وَلَا الصَّبِيِّ، وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَلَا ذِي حَيْضٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، === (ولا الصبيِّ) إذا بلغ، وكذا الصبية لعدم التكليف. (ويؤمر) الصبي (بها لسبع، ويضرب عليها لعشر) للأمر بذلك؛ كما صححه الترمذي وغيره (١). وحكمة الأمر والضرب: التمرين على الصلاة؛ ليسهل إذا بلغ، ولا يقتصر في الأمر على مجرد صيغته بل لا بدّ معه من التهديد، قاله المحب الطبري، وكما يؤمر بالأداء .. يؤمر بالقضاء أيضًا، فإن بلغ .. لم يؤمر بها، ذكره الشيخ عز الدين في "مختصر النهاية" في (باب اللعان). والأمر والضرب واجبان على الولي سواء أكان أبًا أم جدًّا، أم وصيًّا أم قيمًا، وقيل: مستحبان. (ولا ذي حيضٍ) ونحوه؛ لما مرّ في بابه، وهذه مكررة فقد مرت في (باب الحيض). (أو جنونٍ، أو إغماءٍ) ونحوهما كالمُبَرْسَم والمعتوه؛ لحديث: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ (٢): عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ" (٣) حسنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم (٤). وإنما لم يجب قضاء الصلاة على المغمى عليه وإن وجب قضاءُ الصوم على من أُغمِي عليه جميعَ النهار .. لمشقة قضاء الصلاة؛ لأنها قد تكثر بخلاف الصوم، قال في "البحر": ويكره القضاء للحائض ويستحب للمجنون والمغمى عليه (٥)، وقال

стр. 200

بِخِلَافِ السُّكْرِ. وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الأَسْبَابُ وَبَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ تَكْبِيرَةٌ .. وَجَبَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي قَوْلٍ: تشتَرَطُ رَكْعَةٌ. وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الظُّهْرِ بِإِدْرَاكِ تكبِيرَةٍ آخِرَ الْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ آخِرَ الْعِشَاءِ === البيضاوي في الأولى: لا يجوز. (بخلاف السُّكْرِ) المتعدي به؛ لتعديه، وفي معناه: من شرب دواء مزيلًا للعقل لا لحاجة، ولا قضاءَ على معذور كمكره، ومن جهل كونَه مسكرًا، أو من شرب دواءً يزيل العقل وجهل حاله. (ولو زالت هذه الأسبابُ) وهي: الكفر الأصلي، والصبي، والجنونُ وما في معناه، والحيضُ، والنفاسُ. (وبقي من الوقت تكبيرة .. وجبت الصلاة) تغليبًا للإيجاب كما لو اقتدى المسافر بمتم في جزء من صلاته .. يلزمه الإتمامُ. (وفي قول: تشترط ركعةٌ) لمفهوم حديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ .. فَقَدْ أَدْرَكَهَا" (١). ولا يشترط: أن يدرك مع التكبيرة أو الركعة قدرَ الطهارة على الأظهر؛ لأنها لا تختص بالوقت. نعم؛ يشترط بقاء السلامة حتى يَمضي زمن الطهارة وتلك الصلاة بأخف ما يمكن، فلو عاد العذر قبل ذلك .. لم يلزمه القضاءُ. (والأظهر: وجوب الظهر بإدراك تكبيرةٍ آخرَ العصر، والمغربِ) بإدراك تكبيرة (آخرَ العشاء) لاتحاد وقتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في العذر، ففي الضرورة - وهي فوق العذر - أولى، والثاني: لابد مع التكبيرة التي في آخر العصر من أربعِ ركعاتٍ، ومع التكبيرة التي في آخر العشاء من ثلاثِ ركعاتٍ؛ لأن اتحاد الصلاتين سببُه: الحمل على الجمع كما ذكرناه، وصورة الجمع كما ذكرناه إنما يتحقق إذا وقع إحدى الصلاتين في الوقت وشرع في الأخرى (٢).

стр. 201

وَلَوْ بَلَغَ فِيهَا .. أَتَمَّهَا وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ بَعْدَهَا .. فَلَا إِعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ حَاضَتْ أَوْ جُنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ .. وَجَبَتْ تِلْكَ إِنْ أَدْرَكَ قَدْرَ الْفَرْضِ، === وخرج من كلام المصنف: الصلاةُ التي لا تجمع مع ما قبلها وهي الصبح والظهر، والعصر والمغرب، إذا زال العذر في آخرها .. فإن الواجب هي فقط؛ لانتفاء العلة وهي جعل الوقتين كالوقت الواحد. (ولو بلغ فيها) أي: في الصلاة بالسن ( .. أتمها) وجوبًا (وأجزأتْه على الصحيح) لأمره بها، وضربه عليها، وقد شرع فيها بشرائطها، ووقوعُ أولها نفلًا لا يمنع وقوعَ باقيها واجبًا كحج التطوع، والثاني: لا يجب إتمامها بل يستحب، وتجب إعادتهُا؛ لأنه لم ينو الفرضَ. (أو بعدها) أي: بلغ بعد فعلها إمّا بالسن وإمّا بالاحتلام والوقتُ باق ( .. فلا إعادةَ على الصحيح) لأدائه وظيفةَ الوقت كما أُمِرَ؛ كما لو صلت الأمة مكشوفةَ الرأس ثم عتقت، والثاني: تجب الإعادة؛ لأن المأتي به نفل (١)، فلا يسقط به الفرضُ؛ كما لو حج ثم بلغ. وأجاب الأول: بأن المأتي به مانعٌ من الخطاب بالفرض لا مسقطٌ. والفرق بين الصلاة والحج: أن الصبي مأمور بالصلاة مضروبٌ عليها، بخلاف الحج، ولأن الحج لما كان وجوبه في العمر مرةً واحدةً .. اشتُرط وقوعُه في حال الكمال، بخلاف الصلاة. (ولو حاضتْ أو جُنَّ أولَ الوقت .. وجبت تلك) الصلاة لا الثانية التي تجمع معها (إن أدرك) من الوقت (قدرَ الفرض) لتمكنه من الفعل في الوقت، فلا يسقط بما يطرأ بعده؛ كما لو هلك النصابُ بعد الحول وإمكان الأداء .. فإن الزكاة لا تسقط. والمعتبر في قدر الفرض: أخفّ ما يجزئ، حتى لو طرأ على مسافر عذر بعد مضي ما يسع ركعتين من وقت صلاةٍ مقصورةٍ .. وجب القضاءُ، ولا يُعتبر قدرُ ما يسع الستارة؛ لتقدم إيجابها، وكذا قدر الطهارة على الأصحِّ، إلّا إذا لم يجز تقديمها؛ كالمتيمم ودائم الحدث.

стр. 202

وَإِلَّا .. فَلَا. فصل [في بيان الأذان والإقامة] الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ === (وإلّا) أي: وإن لم يدرك قدر الفرض ( .. فلا) تجب، لعدم التمكن. * * * (فصل: الأذان والإقامة سنة) على الكفاية؛ لأنه ﷺ لم يَأمر بهما في حديث الأعرابي مع ذكره الوضوءَ والاستقبال وأركان الصلاة (١)، كذا قاله في "شرح المهذب" (٢)، وذكر ابن الملقن أن الإقامة ثابتة فيه في رواية "أبي داوود"، ولأنهما للإعلام للصلاة، فلم يجبا، كقوله: (الصلاة جامعة)، حيث يشرع ذلك (٣). (وقيل: فرضُ كفايةٍ) واختاره السبكي، للأمر به في قوله ﵇: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ .. فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ" متفق عليه (٤). ولأنهما من الشعائر الظاهرة، وفي تركهما تهاونٌ، فصارا كرد السلام، ولا يَسقط الوجوبُ إلّا بإظهارهما في البلد أو القرية، بحيث يعلم به جميعُ أهلها لو أصغوا، ففي القرية يكفي الأذانُ الواحد، وفي البلد لا بدّ منه في مواضعَ. قال في "شرح المهذب": والصواب -وهو ظاهرُ كللامِ الجمهور- إيجابُه لكل صلاة (٥). وقيل: يجب في اليوم والليلة مرةً واحدةً (٦).

стр. 203

وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ لِلْمَكْتُوبَةِ، وَيُقَالُ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. وَالْجَدِيدُ: نَدْبُهُ لِلْمُنْفَرِدِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ إِلَّا بِمَسْجِدٍ وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ. وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ، وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْجَدِيدِ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ كَانَ فَوَائِتُ .. لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ الأُولَى === وإن قلنا: إنهما سنةٌ .. فتحصل السنة بالطريق المذكور على القول بأنهما فرضٌ. (وإنما يُشرعان للمكتوبة) لعدم ورودهما في غيرها. (ويقال في العيد ونحوه: الصلاةَ جامعةً) للفرق بين الفرائض والنوافل. (والجديد: ندبه) أي: الأذان (للمنفرد) لأنه لا يَسمع مَدى صوته جنٌّ ولا إنس إلّا شهد له يوم القيامة؛ كما رواه البخاري (١)، والقديم: لا يندب له؛ لانتفاء المعنى المقصود منه وهو الإعلام، وأما الإقامة .. فمستحبة للمنفرد على القولين. (ويَرفع) المنفرد (صوتَه) للخبر المارّ (إلّا بمسجدٍ وقعتْ فيه جماعةٌ) وانصرفوا، فيستحب: ألّا يرفع صوته؛ لئلا يَتوهم السامعون دخولَ وقت صلاة أخرى سِيّما في يوم الغيم، وفي اشتراط وقوع الجماعة نظر؛ لحصول الإيهام على أهل البلد أيضًا، ولو قال: بـ (موضع) بدل (مسجد) .. لكان أشمل. (ويقيم للفائتة) لأنها لافتتاح الصلاة، وهو موجود، (ولا يُؤذِّن في الجديد) لزوال الوقت، (قلت: القديم أظهر، والله أعلم) قال في "شرح المهذب": وصححه الجمهور؛ لثبوته في "صحيح مسلم" (٢). (فإن كان فوائتُ .. لم يُؤذِّن لغير الأولى) بلا خلاف؛ كما ذكره في "المحرّر" و"الشرح" والروضة" (٣)، لكن حكى ابن كَجٍّ فيه وجهًا، وفي الأولى الخلافُ المار، ويقيم لكل منها؛ لما سبق. هذا إذا قضاهُنَّ على الولاء، فإن قضاهُنَّ متفرقات .. ففي الأذان لكلِّ واحدة الخلافُ المارُّ.

стр. 204

وَيُنْدَبُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ الإِقَامَةُ، لَا الأَذَانُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَالأَذَانُ مَثْنَى، وَالإِقَامَةُ فُرَادَى إِلَّا لَفْظَ الإِقَامَةِ. وُيسَنُّ إِدْرَاجُهَا، وَتَرْتِيلُهُ، وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ، === (ويُندب لجماعة النساءِ الإقامةُ) لأنها استفتاح الصلاة (لا الأذانُ على المشهور) فيهما؛ لأن في الأذان رفعَ الصوت دون الإقامة، وفي قول: يستحبان لكن يحرم رفعُ صوتها فوق ما يسمعه صواحبُها؛ اقتداء بعائشة ﵂ (١)، وفي قول: لا يستحبان. وقوله: (لجماعة النساء) المنفردة كذلك إذا استحببنا الأذان للمنفرد، قاله الرافعي، والخنثى كالمرأة (٢). (والأذان مثنى) أي: معظمه، فإن التكبير في أوله أربعًا، و (لا إله إلا الله) في آخره مرة. (والإقامة فرادى إلا لفظَ الإقامة) لحديث أنس: (أمر بلالٌ أن يَشفع الأذانَ ويُوتر الإقامةَ إلّا الإقامة) متفق عليه (٣)، والمعنى في تثنية لفظ الإقامة: كونها المصرحة بالمقصود. (ويسن إدراجُها، وترتيلُه) للأمر بذلك؛ كما أخرجه الحاكم (٤). والإدراج: هو الإتيانُ بالكلمات من غير فصل، والترتيل: التأنِّي وتركُ العَجَلة. (والترجيعُ فيه) أي: في الأذان؛ لثبوته في "صحيح مسلم" في حديث أبي محذورة (٥)، وهو: ذكر الشهادتين مرتين سرًّا قبل الجهر. والحكمة فيه: تذكُّر إخفاءِ الشهادة في أول الإسلام ثم إظهارهما، وفي ذلك نعمةٌ ظاهر، وسمي بذلك؛ لأنه رجع إلى الرفعِ بعد أن تركه، أو إلى الشهادتين بعد ذكرِهما. وقضية تعبير "الشرحين" والروضة": أن الترجيع اسم للمجموع من السرِّ

стр. 205

وَالتَّثْوِيبُ فِي الصُّبْحِ، وَأَنْ يُؤَذِّنَ قَائِما لِلْقِبْلَةِ. وَيُشْتَرَطُ تَرْتِيبُهُ، وَمُوَالَاتُهُ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَضُرُّ كَلَام وَسُكُوتٌ طَوِيلَانِ === والجهر، وفي "شرح المهذب" و"التحقيق" و"الدقائق" و"لغات التنبيه": أنه اسم للأول، وفي "شرح مسلم": أنه الثاني (١). (والتثويبُ في الصبح) وهو قوله بعد الحيعلتين: (الصلاة خير من النوم) مرتين؛ لثبوته في حديث أبي محذورة؛ كما صححه ابن حبان (٢). وإطلاقُه شاملٌ لأذاني الصبح، وهو ما صحّحه في "التحقيق"، وقال البغوي: إن ثَوَّبَ في الأول .. لا يُثوب في الثاني على الأصح، وأقره في "الروضة" تبعا لـ "أصلها" (٣). (وأن يؤذن) ويقيم (قائمًا للقبلة) لأنه المنقولُ سلفًا وخلفًا إلّا في الحيعلتين فإنه يُسنّ الالتفاتُ فيهما بعُنقه في الأولى يمينًا، وفي الثانية شمالًا. (ويشترط ترتيبُه، وموالاتُه) لأن تركهما يوهم اللعبَ، ويُخِلّ بالإعلام، ولا يضرّ كلامٌ وسكوتٌ قصيران قطعًا. نعم؛ في رفع الصوت باليسير ترددٌ للجويني (٤). (وفي قول: لا يضر كلامٌ وسكوتٌ طويلان) لأن ذلك في الخطبة لا يوجب استئنافًا، فالأذانُ أولى، ورُدَّ بأن كلماتِ الخطبة غيرُ متعيِّنة بخلاف كلمات الأذان، فيعد قاطعًا معرضًا. ومحل الخلاف: ما إذا لم يَفحُش الطولُ، فان فَحُش بحيث لا يسمّى مع الأول أذانًا .. استأنف جزمًا، قاله في "شرح المهذب" (٥).

стр. 206

وَشَرْطُ الْمُؤَذِّنِ: الإِسْلَامُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالذُّكُورَةُ. وَيُكْرَهُ لَلْمُحْدِثِ، وَلِلْجُنُبِ أَشَدُّ، وَالإِقَامَةُ أَغْلَظُ. وَيُسَنُّ صَيِّتٌ، حَسَنُ الصَّوْتِ، عَدْلٌ. وَالإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ === وفي اشتراط النية في الأذان وجهان حكاهما الروياني قبيل صلاة المسافر من "بحره" (١). (وشَرط المؤذن: الإسلامُ) فلا يصح من الكافر؛ لأنه عبادة. (والتمييزُ) فلا يصح ممن لا تمييز له؛ لأنه ليس من أهل العبادة، (والذكورةُ) فلا يصح من المرأة للرجال كإمامتها بهم. وقضية هذا التعليل: أنه لا يصح أذانها لمحارمها، قال الإسنوي: وفيه نظر، وأما أذانُها لنفسها وللنساء .. فجائز لا مستحبٌّ، والخنثى كالمرأة (٢). (ويكره للمحدث) لأنه دعاء وذكرٌ (وللجنب أشد) لأن حدثه أغلظُ، وللحائض أشدُّ من الجنب. (والإقامة أغلظ) لما فيه من تعريض الجماعة للفوات. (ويسن صَيِّت) أي: عالي الصوت؛ لأنه أبلغ في الإعلام، (حسن الصوت) لأنه أبعث على الإجابة، (عدلٌ) ليُقبَل خبرُه بدخول الوقت، ويَغُضَّ عن عورة من يَعلوه. (والإمامة أفضل منه) أي: من الأذان (في الأصح) لاختيار النبي ﷺ وخلفائه الإمامةَ، وواظبوا عليها، ولأن القيام بالشيء أولى من الدعاء إليه. (قلت: الأصح: أنه أفضل، والله أعلم) لدعائه ﵇ له بالمغفرة، وللإمام بالإرشاد (٣)، والمغفرة أعلى من الإرشاد كما قاله الرافعي، ولأنه أمين، والإمام ضمين، والأمين أحسن حالًا من الضمين (٤).

стр. 207

وَشَرْطُهُ الْوَقْتُ إِلَّا الصُّبْحَ فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَيُسَنُّ مُؤَذِّنَانِ لِلْمَسْجِدِ، يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَآخَرُ بَعْدَهُ === واستنبط ابن حبان في "صحيحه" من قوله ﵇: "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ .. فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" (١) أن المؤذن يكون له مثلُ أجر من صلّى بأذانه. واستُشكل تصحيحُ المصنف أفضليةَ الأذان، مع موافقة الرافعي على تصحيحه: أنه سنة، وتصحيحه فرضيةَ الجماعة، فكيف تُفضَّل سنة على فرض؟ ! وإنما رجّحه عليها مَنْ رآهما سنةً، وقيل: إن عَلم من نفسه القيامَ بحقوق الإمامة .. فهي أفضلُ، وإلّا .. فالأذان، وحُكي عن نص "الأم" (٢). (وشرطه: الوقت) لأنه إنما يُراد للإعلام بدخول الوقت، فلا يجوز قبله، وهذا إجماع (إلّا الصبحَ) لقوله ﷺ : "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" متفق عليه، زاد البخاري: (وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ) (٣). (فمن نصف الليل) لذهاب معظم الليل، وقُربِ الأذان من الوقت، فهو منسوب إلى الصبح، ولهذا تقول العربُ بعده: (أَنعِم صباحًا)، وقيل: يؤذن في الشتاء لسُبع يَبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سُبع، وصححه الرافعي في "الشرحين"، وضعفه في "زيادة الروضة"، وقال: إن قائله اعتمد حديثًا باطلًا مُحرَّفًا (٤)، وقيل: غير ذلك. (ويسن مؤذنان للمسجد، يؤذن واحدٌ قبل الفجر، وآخرُ بعده) لحديث ابن عمر: (أنه كان لمسجد رسول الله ﷺ مؤذنان: بلالٌ وابنُ أمِّ مَكتوم، ولم يكن بينهما إلّا أن يَنزل هذا، ويَرقى هذا) متفق عليه (٥). وقضيته: أنه لا تسن الزيادة عليهما وهو كذلك.

стр. 208

وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ مِثْلُ قَوْلهِ، إِلَّا فِي حَيْعَلَتَيْهِ فَيَقُولُ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ). قُلْتُ: وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ، فَيَقُول": صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلِكُلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ فَرَاغِهِ، === نعم؛ تجوز، قال الرافعي: ويستحب: ألّا يزيد على أربعة، قال في "زيادة الروضة": كذا قاله أبو علي الطَّبري، وأنكره كثيرون وقالوا: ضابطه: الحاجة والمصلحة، فإن كانت في الزيادة على أربعة .. زاد، وإن رأى الاقتصار على اثنين .. لم يزد، وهو الأصحُّ المنصوص (١). (ويسن لسامعه مثلُ قوله) لقوله ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ .. فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ" متفق عليه (٢). ويستحب ذلك في الإقامة أيضًا، ويستثنى من إطلاقه: المصلي؛ فإنه لا يجيب فيها على الأصح، بل يكره، وإنما يتدارك بعد الفراغ منها، وكذا المجامع، وقاضي الحاجة، وحيث أجاب في الصلاة .. فصلاتُه صحيحةٌ، إلّا في: (حي على الصلاة)، أو (الصلاة خير من النوم)، وكذا (صدقتَ وبَرِرْتَ). (إلا في حيعلتيه، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله) لثبوت ذلك في "صحيح مسلم" (٣)، وهو مُبيِّنٌ لإطلاق الحديث الذي قبلَه. وقوله: (لا حول ... ) إلى آخره؛ أي: لا حول لي عن المعصية، ولا قوةَ لي على ما دعوتنَي إليه إلّا بكَ. (قلت: وإلّا في التثويب، فيقول: صدقتَ وبَرِرْتَ، والله أعلم) لأنه مناسب، وقال في "الكفاية": (لخبرٍ وَرَدَ فيه) (٤)، واعترض: بأنه لا أصل له. (و) يستحب (لكل) من المؤذن والسامع (أن يصلي على النبي ﷺ بعد فراغه) لقوله ﵊: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ .. فَقُولُوا مِثْلَ مَا

стр. 209

ثُمَّ: (اللَّهُمَّ؛ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ؛ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ). فصل [في بيان القبلة وما يتبعها] اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ === يقُولُ، ثُمَّ صلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً .. صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا" (١)، ويندب السلام عليه أيضًا؛ لأنه يكره إفرادُ الصلاة دونه. (ثم) يقول: (اللهم؛ ربَّ هذه الدعوةِ التامةِ، والصلاةِ القائمةِ؛ آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه) لقوله ﷺ : "مَنْ قَالَ ذَلِكَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ .. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" رواه البخاري (٢). ويندب الدعاءُ بين الأذان والإقامة؛ لأنه لا يُرَدُّ؛ كما رواه أبو داوود والترمذي وحسنه (٣). * * * (فصل: استقبال القبلة شرطٌ لصلاة القادر) على الاستقبال؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: نحوَه، والاستقبالُ لا يجب في غير الصلاة فتعيّن فيها. وقوله ﷺ للمسيء صلاته: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ .. فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ وَكَبِّرْ" رواه مسلم (٤)، والمعتبر: الاستقبال بالصدر لا بالوجه. وخرج بـ (القادر): العاجز؛ كمربوط على خَشبة، وغريقٍ على لوح يَخاف من استقباله الغرقَ، ومريضٍ عجز عمن يُوجهه، فيصلي على حسب حاله ويُعيدُ. والفرضُ في حقِّ القريبِ من الكعبة: إصابةُ عينها، وكذا البعيد على الأظهر، ولكن بالظنّ.

стр. 210

إِلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَنَفْلِ السَّفَرِ. فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَلَا يُشْتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِقْبَالُ الرَّاكِبِ فِي مَرْقَدٍ، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ .. لَزِمَهُ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ سَهُلَ الاسْتِقْبَالُ .. وَجَبَ، === (إلّا في شدة الخوف) فإنه لا يشترط لا في الفرض ولا في النفل، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ قال ابن عمر: مستقبلي القبلةِ أو غيرَ مستقبليها، رواه البخاري، قال: وقال نافع: لا أراه ذَكَرَ ذلك إلّا عن النبي ﷺ (١). نعَمْ؛ لو أَمِنَ وهو راكب (٢)، فأراد أن يَنْزِلَ .. فإنه يشترط في بنائه ألّا يستدبرَ القبلةَ، فإن استدبرَها .. بطلت صلاتُه بالاتفاق؛ كما قاله في "الروضة" (٣). (ونفلِ السفر) المباح. (فللمسافر) إلى مَقصِدٍ معلومٍ (التنفل راكبًا) لثبوت ذلك عن فعله ﵊ (٤)، (وماشيًا) قياسا على الراكب، والمعنى في ذلك: أن الناس محتاجون إلى الأسفار، فلو شرطنا فيها الاستقبالَ للتنفل .. لأدى إلى ترك أورادِهم، أو مصالحِ معاشِهم. واحترز بـ (المسافر) عن الحاضر، فإنه يمتنع عليه ذلك، لأن الغالب من حاله المكثُ والاستقرارُ. (ولا يشترط طولُ سفره على المشهور) لعموم الحاجة، والثاني: يشترط كالقصر، وفرق الأولُ: بأن النفلَ أخفُّ، ولهذا جاز قاعدًا في الحضر مع القدرة على القيام. (فإن أمكن استقبالُ الراكب في مَرقَدٍ، وإتمامُ ركوعه وسجودِه .. لزمه) لتيسُّر ذلك عليه. (وإلّا) أي: وإن لم يمكنه ذلك كأن كان على سَرْجٍ ( .. فالأصح: أنه إنْ سَهُلَ الاستقبالُ) بأن كانت الدابةُ واقفةً وسهل إدارتُها، أو انحرافه عليها ( .. وجب) لتيسّره عليه.

стр. 211

وَإِلَّا .. فَلَا يَجِبُ. وَيَخْتَصُّ بِالتَّحَرُّمِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي السَّلَامِ أَيْضًا. وَيَحْرُمُ انْحِرَافُهُ عَنْ طَرِيقِهِ إِلَّا إِلَى الْقِبْلَةِ. وَيُومِئُ بِرُكُوعِهِ، وَسُجُودُهُ أَخْفَضُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الْمَاشِيَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا وَفِي إِحْرَامِهِ، وَلَا يَمْشِي إِلَّا فِي قِيَامِهِ وَتشهُّدِهِ === وقوله: (إن سهل الاستقبال) أي: استقبال الراكب، سواء أكان مع استقبال المركوبِ أم لم يكن. (وإلّا) أي: وإن لم يَسهل؛ بأن كانت الدابةُ سائرةً وهي مقطورة أو جَموح ( .. فلا يجب) لتعسره، والثاني: يجب عليه مطلقًا؛ لوقوع أول الصلاة بالشروط، ثم يجعل ما بعده تابعًا له، والثالث: لا يجب مطلقًا؛ كما في دوام الصلاة. (ويختص) وجوبُ الاستقبال (بالتحرم) ليكون الابتداءُ على صفة الكمال. (وقيل: يشترط في السلام أيضًا) لأنه أحد طرفي الصلاة، فاشترط فيه كالتحرم، والأصح: المنع، كما في سائر الأركان. وقضية كلام الشيخين: أن الدابة الواقفةَ التي يَسهل الانحرافُ عليها .. لا يجب فيها الاستقبالُ في غير التحرُّم (١)، لكن قال ابن الصباغ: والقياس: أنه مهما دام واقفًا .. فلا يُصلِّي إلّا إلى القبلة، فإذا أراد السيرَ .. انحرف إلى طريقه، قال الإسنوي: والذي ذكره متعين (٢). (ويحرم انحرافه عن طريقه) لأن استقباله وتركَ القبلة إنما كان للحاجة، ولا حاجةَ له في غيره (إلّا إلى القبلة) لأنها الأصلُ. (ويومئ بركوعه) لثبوته عن فعله ﵊ (٣)، (و) يكون (سجوده أخفض) من ركوعه وجوبًا، ليميز بينهما. (والأظهر: أن الماشيَ يتم ركوعه وسجودَه) لسهولة ذلك عليه، (ويستقبل فيهما وفي إحرامه) للسهولة أيضًا، (ولا يمشي إلّا في قيامه وتشهده) لطول زمنهما،

стр. 212

وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا عَلَى دَابّةٍ وَاسْتَقْبَلَ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَهِيَ وَاقِفَةٌ .. جَازَ، أَوْ سَائِرَةٌ .. فَلَا. وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا أَوْ بَابَهَا مَرْدُودًا أَوْ مَفْتُوحًا مَعَ ارْتفاعِ عَتبَتِهِ ثلثَي ذِرَاعٍ، أَوْ عَلَى سَطْحِهَا مُسْتَقْبلًا مِنْ بنَائِهَا مَا سَبَقَ .. جَازَ. وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ .. حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ وَالاجْتِهَادُ، وَإِلَّا .. أَخَذَ بِقَوْلِ ثِقَةٍ يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ، === والثاني: لا يمشي إلّا في القيام فقط، والثالث: لا يشترط اللُّبْثُ بالأرض في شيء، ويومئ بالركوع والسجودِ؛ كا لراكب. (ولو صلّى فرضًا على دابةٍ واستقبل وأتم ركوعَه وسجودَه) وسائرَ الأركان؛ بأن كان في هَوْدَجٍ ونحوِه، (وهي واقفة .. جاز) كما لو صلّى على سرير، وفيل: لا؛ لأنها ليست للقرار، وقَيَّدَ في "المحرّر"، و"التذنيب" الواقفة بـ (المعقولة)، وقال في "الدقائق": الصواب: حذفه (١). (أو سائرةٌ .. فلا) لنسبة سيرها إليه؛ بدليل صحة الطواف عليها. (ومن صلّى في الكعبة) فرضًا أو نفلًا (واستقبل جدارَها أو بابها مردودًا أو مفتوحًا مع ارتفاع عتبته ثلثي ذراع) بذراع الآدمي تقريبًا، (أو) صلّى (على سطحِها مستقبلًا من بنائها ما سبق) وهو قدرُ ثلثي ذراع ( .. جاز) لتوجهه إلى جزء من البيت، وكذا لو جمع تراب العَرْصَة أو السطح، واستقبله أو استقبل خشبة مُسمَّرة أو شجرةً نابتة، بخلاف الزرع والخشبةِ المغروزة على الأصحِّ. (ومن أمكنه علم القبلة) بالمعاينة ( .. حرم عليه التقليد والاجتهاد) كالحاكم يجد النصَّ. نعم؛ الحاضر بمكة إذا حال بينه وبين الكعبة حائلٌ خلقي؛ كجبل، أو حادث؛ كبناء .. يجتهد للمشقة في تكليف المعاينة. (وإلّا) أي: وإن لم يمكنه علمُها لغيبته عنها ( .. أخذ) وجوبًا (بقول ثقةٍ) بصير مقبول الرواية؛ كعبد وامرأة، لا صبيٍّ وفاسقٍ على الأصحِّ (يُخبر عن علمٍ) ولا يجتهد كما في الوقت.

стр. 213

فَإِنْ فُقِدَ وَأَمْكَنَ الاجْتِهَادُ .. حَرُمَ التَّقلِيدُ. وَإِنْ تَحَيَّرَ .. لَمْ يُقَلِّدْ فِي الأَظْهَرِ، وَصَلَّى كَيْفَ كَانَ وَيَقْضي. وَيَجِبُ تَجْدِيدُ الاجْتِهَادِ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَحْضُرُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الاجْتِهَادِ وَتَعَلُّمِ الأَدِلَّةِ كَأَعْمَى .. قَلَّدَ ثِقَة عَارِفًا، === (فإن فُقد) ما ذكر (وأمكن الاجتهاد) بأن كان بصيرًا يَعرف أدلة القبلة ( .. حرم التقليد) وهو قبول قول المخبر عن اجتهاد؛ لأن المجتهد لا يُقلد المجتهدَ، بل يَجتهد بالأدلة، وهي كثيرة، أضعفُها: الرياح، وأقواها: القُطْبُ وهو: نَجْمٌ صغيرٌ بين الْجَدْي والفَرْقَدَيْنِ (١)، يجعله المصلي بالشام وراءَه، وبمصر على عاتقه الأيسرِ (٢)، هذا إذا اتسع الوقت، فإن ضاق عن الاجتهاد .. فالأصحُّ: أنه لا يجتهد، بل يُصلِّي على حسب حاله ويُعيد وإن كان قد وافق القبلةَ. (وإن تَحيَّر) المجتهد لغَيْمٍ أو تعارضِ أدلةٍ ( .. لم يقلد في الأظهر) لأنه مجتهد، والتحير عارض قد يزول عن قُرب، (وصلى كيف كان) لحرمة الوقت (ويقضي) لأنه عذرٌ نادرٌ، والثاني: يُقلِّد؛ كالأعمى بجامع العجز. (ويجب تجديد الاجتهاد لكل صلاة تَحضُر على الصحيح) سعيًا في إصابة الحق؛ لأن الاجتهاد الثاني إن وافق الأولَ .. قوّاه، وإن خالفه .. فإنما يخالف إذا كان أقوى، والأخذُ بالأقوى واجبٌ. والثاني: لا يجب؛ لأن الأصل استمرارُ الظنِّ الأولِ، وهذا في الفريضة، مؤداةً كانت أو فائتةً، أما النافلةُ .. فلا يحتاج إلى إعادة اجتهاد قطعًا كما قاله في "الكفاية"، وإعادةُ التقليد في حقّ المقلِّد كإعادة الاجتهاد (٣). (ومن عَجَزَ عن الاجتهاد، وتعلُّمِ الأدلة؛ كأعمى .. قلد ثقةً عارفًا) بالأدلة؛ كالعامي في الأحكام، واحترز بالثقة: عن الكافر والصبي.

стр. 214

وَإِنْ قَدَرَ .. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ التَّعَلُّمِ فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ. وَمَنْ صَلَّى بِالاجْتِهَادِ فَتيَقَّنَ الْخَطَأَ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، فَلَوْ تيقَّنَهُ فِيهَا .. وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا === (وإن قَدَرَ) على تعلم الأدلة (فالأصح: وجوب التعلم) عينًا؛ كتعلم أركان الصلاة، (فيحرم التقليد) فإن قلد .. لزمه القضاءُ، فإن ضاق الوقتُ .. فكتحير المجتهد وقد مرّ، والثاني: أن تعلم أدلة القبلةِ فرضُ كفاية مطلقًا؛ كالعلم بالأحكام الفُروعية، والثالث: أنه فرض كفاية للمقيم، وفرضُ عين للمسافر؛ لكثرة الاشتباه، واختاره في "الروضة" وصححه في "التحقيق" و"شرح المهذب" (١). (ومن صلى بالاجتهاد، فتيقن الخطأ .. قضى في الأظهر) كما ينقض الحاكم اجتهاده إذا خالف النص، والثاني: لا يقضي، وبه قال الأئمة الثلاثة، ونقله الترمذي عن أكثر أهل العلم (٢)؛ لأنه ترك القبلة بعذر، فأشبه تركَها في حال القتال، وفارق الحاكم؛ لأن خطأه نادر فكان نقضه أخفَّ وهو يتعلق بآدمي. وفرق الأول بين حال القتال وبين ما نحن فيه: بأنه هناك مأمور بالصلاة إلى غير القبلة مع تحققها، ولا كذلك هنا. واحترز باليقين: عن الظن؛ فإنه لا قضاء قطعًا؛ لأن الاجتهاد لا يَنقُض بالاجتهادَ، والمراد باليقين هنا: ما يمتنع معه الاجتهاد، فيدخل فيه خبرُ الثقة عن المعاينة. وقوله: (قضى) يشعر بأن صورة المسألة: أن يكون التبين بعد الوقت، فإن بأن فيه .. وجبت الإعادةُ قطعًا؛ كنظيره من الاجتهاد في وقت الصلاة والصوم. قال الإسنوي: وفي كلام الرافعي في الباب ما يدل عليه، لكن في كتاب "دلائل القبلة" لابن القاص ما حاصله: جريان القولين مطلقًا. انتهى (٣). وشمل كلام المصنف ما إذا تيقن الخطأَ، ولم يتيقن معه الصوابَ، وهو الأصح. (فلو تيقنه فيها) أي: في الصلاة ( .. وجب استئنافُها) إن أوجبنا القضاءَ بعد

стр. 215

وَإِنْ تغيَّرَ اجْتِهَادُهُ .. عَمِلَ بِالثَّانِي وَلَا قَضَاءَ، حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالاجْتِهَادِ .. فَلَا قَضَاءَ. === الفراغ؛ لعدم الاعتداد بما مضى، وإن لم نوجبه .. انحرف إلى جهة الصواب، وبنى إن ظهر له مع ذلك جهةُ الصواب؛ لأن الماضيَ معتدٌّ به. (وإن تغير اجتهادُه .. عمل بالثاني) لأنه الصوابُ في ظنه المتأخرِ؛ كالحاكم، بخلاف الأواني. والفرقُ: أن هذه قضيةٌ أخرى، ولا يلزم منها نقضُ الاجتهاد بالاجتهاد. (ولا قضاء) لأن الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد (حتى لو صلى أربعَ ركعاتٍ لأربع جهات بالاجتهاد .. فلا قضاء) لأن كلّ واحدةٍ مؤداةٌ باجتهاده، ولم يتعين فيها الخطأُ، هذا إذا ظهر له الصوابُ مقارنًا لخطأ الأول، فإن لم يظهر له الصوابُ مقترنًا به .. بطلت صلاتُه، ووجب عليه الاستئنافُ على الصواب في "زيادة الروضة" (١). * * *
следующие страницы →