← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَالْمُكْثُ بِالْمَسْجِدِ لَا عُبُورُهُ، وَالْقُرْآنُ، وَتَحِلُّ أَذْكَارُهُ لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ. وَأَقَلُّهُ: نِيَّةُ رَفْعِ جَنَابَةٍ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْهِ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ، مَقْرُونَةٌ بِأَوَّلِ فَرْضٍ، وَتَعْمِيمُ شَعرِهِ وَبَشَرِهِ، === (والمكث بالمسجد (١)، لا عبوره) لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وخرج بـ (المسجد): المدارسُ، والرُّبطُ، ومصلّى العيدِ ونحوه. (والقرآن) باللفظ، وبالإشارة من الأخرس، لا بالقلب؛ تعظيمًا له، ويستثنى فاقدُ الطهورين، فإنه يَقرأ الفاتحةَ في صلاتِه عند المصنف (٢)، (وتحل أذكاره) أي: أذكار القرآن؛ كتسميةٍ وتحميدٍ واسترجاعٍ إذا كان ذلك (لا بقصد قرآن) لعدم الإخلال والحالةُ هذه بالتعظيم. وإن قصده وحده، أو معه الذكرَ .. حرم، وإن أطلق .. فلا، ومواعظُه وأخبارُه وأحكامُه كأذكاره. (وأقله) أي: الغسل (نيةُ رفعِ جنابةٍ) إن كان جنبًا، فأما الحائض: فتنوي رفعَ حدثِ الحيض، كذا في "الروضة" و"أصلها" (٣). ومقتضاه: أنه لا يصح أحدُهما بنية الآخر، وهو كذلك في الأصحِّ إن تعمد، فإن غلط .. صح جزمًا؛ كما ذكره في "شرح المهذب" في آخر (باب نية الوضوء) (٤). (أو استباحةِ مفتقرٍ إليه) أي: الغسل؛ كالصلاة ونحوِها؛ لما سبق في الوضوء. (أو أداءِ فرضِ الغُسلِ) أو فرض الغسل، أو الغسل المفروض، وكذا أداء الغسل بحذف (الفرض) كما ذكره في "الحاوي الصغير" (٥). (مقرونةً بأول فرضٍ) لما مر في الوضوء، وأولُ الفرض هنا: أولُ مغسولٍ، سواء كان من أعلى البدنِ أم أسفلِه؛ لأنه لا ترتيب في الغسل. (وتعميمُ شعرِه وبشرِه) لأن الحدث عَمَّ جميعَ البدنِ، فيجب تعميمُه بالغَسل،

стр. 142

وَلَا تَجِبُ مَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ. وَأَكْمَلُهُ: إِزَالَةُ الْقَذَرِ، ثُمَّ الْوُضُوءُ - وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ - ثُمَّ تَعَهُّدُ مَعَاطِفِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ وَيُخَلِّلُهُ، ثُمَّ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، وَيَدْلُكُ، وَيُثَلِّثُ، وَتُتْبِعُ لِحَيْضٍ أَثَرَهُ مِسْكًا، === - والمراد بالبشرة: ما يشمل الأظفارَ - بخلاف نقض الوضوء، ويستثنى من الشعر: ما ينبت في العين، فلا يجب غَسله. (ولا تجب مضمضة واستنشاق) كما في غسل الميت والوضوء. (وأكملُه: إزالةُ القَذَرِ) الظاهر؛ كالمني (ثم الوضوءُ) للتأسي (١)، (وفي قول: يؤخر غَسل قدميه) لفعله له ﷺ ؛ كما رواه البخاري عن ميمونة (٢)، ولا خلاف في أن كلًّا منهما سنة، وإنما الخلاف في الأفضل (٣). (ثم تعهد معاطفه) كالعُكنة والإبْط؛ لأنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء. (ثم يفيض) الماء (على رأسه ويخلله) قبل الإفاضة، فيخلل أصول شعره بأصابعه، وهي مبلولةٌ؛ اتباعا (٤). (ثم) على (شِقِّه الأيمنِ، ثم الأيسرِ) لأنه ﵊ كان يحب التيمن في طهوره (٥)، ولم يذكروا كيفية التيامن، قال الإسنوي: ويتجه أن يأتي فيه ما ستعرفه في غَسل الميت انتهى، وفيه نظر. (ويَدْلُك) ما وصلت إليه يدُه من بدنه؛ للخروج من خلاف من أوجبه. (ويثلث) غسل رأسه وبدنه؛ أما الرأس .. فبالنصّ، وأما البدن .. فقياسًا عليه وعلى الوضوء. (وتُتْبِع) المرأة (لحيضٍ أثرَه مِسكًا) بأن تَجعله على قطنةٍ، وتُدخلَها في فرجها؛

стр. 143

وَإِلَّا .. فَنَحْوَهُ. وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. وُيسَنُّ أَلَّا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُا، وَالْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ. وَمَنْ بِهِ نَجَسٌ .. يَغْسِلُهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَلَا تَكْفِي لَهُمَا === للأمر به في الصحيح (١). (وإلَّا .. فنحوَه) من طيبٍ يقوم مقامَه في تطييب المحلّ، وإزالةِ الريح الكريهة، فإن لم تجد طيبًا .. فالطين، فإن لم تجد .. كفى الماء (٢). وتستثنى المحدة، فإنها إنما تطيب المحلّ بقليل من قُسْط أو أظفار؛ كما ذكراه في (العِدَد)، وتلتحق بها المحرمة، قال الأَذرَعي: وهي أولى بالمنع؛ لقصر زمن الإحرام غالبًا. (ولا يسن تجديده) أي: الغُسل، وكذا التيمم؛ لأنه لم ينقل (بخلاف الوضوء) فإنه يسن؛ لحديث: "مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ .. كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ" (٣). ومحل استحباب التجديد: إذا صلّى بالوضوء الأول صلاة ما على الأصحِّ في (باب النذر) من "زوائد الروضة" (٤). (ويُسنَّ ألَّا يَنقص ماءُ الوضوءِ عن مدٍّ، والغسلِ عن صاعٍ) للاتباع؛ كما أخرجه مسلم (٥). قال الشيخ عز الدين: هذا من حجمُ بدنِه كحجم بدنِ رسول الله ﷺ ، وإلَّا .. اعتبر بالنسبة إلى جسدِه الكريم زيادةً ونقصًا. (ولا حد له) أي: لماء الوضوءِ والغسلِ، حتى لو نقص عما مرّ وأسبغ .. كفى بالإجماع، كما نقله ابن جرير، والمصنفُ في "شرح مسلم" (٦). (ومَنْ به) أي: ببدنه شيءٌ (نَجَسٌ .. يغسله ثم يغتسل، ولا تكفي لهما

стр. 144

غَسْلَةٌ، وكَذَا فِي الْوُضُوءِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَكْفِي، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ وَجُمُعَةٍ .. حَصَلَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا .. حَصَلَ فَقَطْ. قُلْتُ: وَلَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ .. كَفَى الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. === غسلة) واحدة (وكذا في الوضوء) لأنهما واجبان مختلفا الجنس، فلم يتداخلا، وهذا ما جزم به في "شرح مسلم" (١). واقتضى سياقه: أنه قول الأصحاب مطلقًا، وصححه السبكي والأَذرَعي وغيرهما؛ لأن ما استعمل في النجاسة لا يرفع الحدثَ، وهذا قد استعمل في إزالتها. (قلت: الأصح: تَكفي، والله أعلم) لأن واجبهما غَسل العضوِ، وقد وجد، وهذا ما صححه في جميع كتبه، خلا "شرح مسلم" (٢). (ومن اغتسل لجنابةٍ وجُمُعة .. حصلا) كما لو نوى الفرضَ وتحيةَ المسجد، (أو لأحدهما .. حصل فقط) عملًا بما نواه، وهذا ما صححه في سائر كتبه، ونقله عن الأكثرين (٣)، لكن صحح الرافعي في "الشرحين" حصول غُسل الجمعةِ بنية غُسل الجنابة؛ لأن مقصودَ غُسلِ الجمعة التنظيفُ، وقد حصل (٤). (قلت: ولو أحدث ثم أجنب، أو عكسُه) أي: أجنب ثم أحدث) .. كفى الغُسل على المذهب، والله أعلم) لأنهما طهارتان، فتداخلتا؛ كغُسل الجنابة والحيض، وقيل: لا يكفي، بل لا بدّ من الوضوء أيضًا؛ لاختلاف موجبهما. * * *

стр. 145

بابُ النَّجاسة هِيَ: كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ، وَكَلْبٌ، وَخِنْزِيرٌ، ....................... === (باب النجاسة) وإزالتِها وهي لغةً: المستقذر، وشرعًا: كلُّ عينٍ حَرُم تناولُها على الإطلاق في حالةِ الاختيار، مع إمكان التناولِ وسهولةِ التمييز، لا لحرمتها، ولا لضررها، ولا لاستقذارها. فاحترز بـ (الإطلاق) عما يباح قليله دون كثيره، كبعض النبات الذي هو سمّ، وبـ (الاختيار) عن الميتة ونحوِها، فإنها لا تحرم في المخمصة مع نجاستها، وبـ (إمكان التناول) عن الحجر ونحوِه من الأشياء الصلبة، وبـ (سهولة التمييز) عن أكل الدُّود الميت في الفاكهة والجبنِ ونحوِهما، وبـ (عدم الحرمة) عن الآدمي، فإنه يحرم تناولُ لحمِه، لا لنجاسته، بل لحرمته، وبـ (عدم الاستقذار) عن الْمُخاط والمني. وقد نَبَّه المصنفُ بِعَدِّه الأشياءَ النجسةَ على أن غيرَ المعدوداتِ طاهرةٌ. (هي كل مسكر مائع) أما الخمر: فهو إجماع، واحتج بعضهم بأنه لو كان طاهرًا .. لفات الامتنانُ بكون شرابِ الآخرةِ طهورًا، وقد قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، وأما غيرُه من المسكر: فبالقياس عليه، بجامع التنفيرِ عن المسكر. والتقييدُ بالمائع من زياداته على "المحرّر" (١). واحترز به: عن البَنْجِ والحشيش المسكرِ؛ فإنه ليس بنجِس وإن كان حرامًا، قاله في "الدقائق" (٢). وكان ينبغي أن يقول: (مائع الأصل) لئلا يرد عليه الخمرُ إذا جَمَدت، والحشيشُ إذا أذيب. (وكلب) للأمر بإراقة ما ولغ فيه (٣)، (وخنزير) لأنه أسوأ حالًا من الكلب؛

стр. 146

وَفَرْعُهُمَا، وَمَيْتَةُ غَيْرِ الآدَمِيِّ وَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَدَمٌ، وَقَيْحٌ، وَقَيْءٌ، ........ === لتحريم الانتفاعِ به، كذا علَّلُوه. ونُقِضَ بالحشرات، ولهذا قال في "شرح المهذب": دليل نجاسته ضعيفٌ، ومقتضى المذهبِ: طهارتُه؛ كالذئب (١). (وفرعُهما) أي: فرعُ كل منهما مع الآخر، أو مع غيره من الحيوانات الطاهرة، لأن الولد يتبع أخسَّ أبويه في النجاسة. (وميتةُ غيرِ الآدمي والسمكِ والجرادِ) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وتحريم ما لا حرمةَ له ولا ضرر فيه يدلُّ على نجاسته. وطهارةُ ميتةِ السمك والجرادِ: مجمعٌ عليها، وأما الآدمي .. فلقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وقضية التكريم: ألَّا نحكمَ بنجاستهم، وفي الخبر: "لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيْتًا" (٢). (ودمٌ) للنصِّ (٣) والإجماع، والمراد: المسفوح، ليخرج الكَبِدُ والطِّحالُ والعَلقةُ والمسك. واستثنى السبكيُّ: الدمَ الباقيَ على العظم واللَّحم؛ لمشقة الاحتراز، ولأنه ليس بمسفوحٍ، قال الأَذرَعيُّ: ولا يظهر استثناؤه؛ إذ الظاهر: أنه نَجَسٌ معفوٌّ عنه، لا أنه طاهرٌ. (وقيحٌ) لأنه دمٌ مستحيلٌ، (وقيءٌ) لأنه من الفضلات المستحيلةِ؛ كالبول، وفي معناه: الْمِرَّةُ، والبَلْغَمُ الخارج من المعدة، والماءُ السائلُ من فم النائم نَجِس إن كان من المعدة، ويعرف بصُفرةٍ ونَتْنٍ، وإن كان من اللهوات .. فطاهر، ويُعرف بانقطاعه عند طول النومِ.

стр. 147

وَرَوْثٌ، وَبَوْلٌ، وَمَذْي، وَوَدْيٌ، وَكَذَا مَنِيُّ غَيْرِ الآدَمِيِّ فِي الأَصَحِّ - قُلْتُ: الأَصَحُّ: طَهَارَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ - وَلَبَنُ مَا لَا يُؤْكَلُ غَيْرَ الآدَمِيِّ === (وروث) لأنه رِكْسٌ؛ كما ثبت في "الصحيح" (١)، ومعناه: النجس، والإنْفَحَّةُ من المأكول المذكَّى قبلَ أكلِ العلفِ طاهرٌ في الأصحِّ، (وبول) للأمر بالتنزه منه (٢)، (ومَذْي) وهو أصفرُ رقيقٌ، يخرج عند ثوران الشهوة بغير شهوة؛ لورود الأمر بغَسل الذكر منه في قصة علي ﵁ (٣)، (ووَدْيٌ) بالإجماع، وهو أبيضُ ثخينٌ، يخرج عند حمل الشيء الثقيل، وعقب البول. (وكذا مَنِيُّ غيرِ الآدمي في الأصح) كسائر المستحيلات، أما مني الآدمي .. فطاهر؛ لأن عائشة ﵂ كانت تَحُكُّه من ثوب رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، رواه ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما" (٤). (قلتُ: الأصحُّ: طهارةُ منِيِّ غيرِ الكلب والخنزيرِ وفرعِ أحدِهما، والله أعلم) لأنه أصلُ حيوانٍ طاهرٍ، فأشبه منِيَّ الآدميِّ، والثاني: إنه طاهر من المأكولِ، دون غيرِه. (ولبنُ ما لا يؤكل) لأن له مَقَرًّا يستحيل فيه، أما لبنُ المأكول .. فطاهر إجماعًا (غيرَ الآدمي) إذ لا يَليق بكرامته أن يكون نشوءه من نَجَس. وقضيةُ كلامه: طهارةُ لبن الرجل والصغيرة، وبه صَرَّح الصيمري في الرجل؛ فإنه قال: (لا يختلف المذهبُ في أنّ لبنَ الآدميين والآدميات طاهرٌ، يجوز شربه وبيعه). وكلام ابن سراقة في "التلقين"، وابنِ عبدان في "شرائط الأحكام" كالصريح في ذلك؛ فإن عبارةَ الأول: (إلّا لبن بني آدم)، والثاني: (إلّا مني الآدميين ولبنهم).

стр. 148

وَالْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ مِنَ الْحَيِّ كَمَيْتَتِهِ، إِلَّا شَعْرَ الْمَأْكُولِ؛ فَطَاهِرٌ. وَلَيْسَتِ الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ وَرُطُوبَةُ الْفَرْجِ بِنَجَسٍ فِي الأَصَحِّ === لكن جزم أبو الطيب وابنُ الصباغ بنجاسة لبن الرجل، وأما لبن الصغيرة .. فجزم العمرانيُّ بنجاسة لبنها، وتبعه ابنُ يونس، وجرى عليه في "الكفاية" (١). (والجزءُ المنفصلُ من الحيِّ) كإلية الشاةِ مثلًا (كميتته) أي: الحيِّ، إن طاهرًا .. فطاهر، وإن نجسًا .. فنجس؛ لحديث: "مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيْتٌ" (٢)، ويستثنى: فأرة المسك إذا انفصلت في حياة الظبية، فإنها طاهرة في الأصحِّ. واقتضى كلامُه: طهارَة ما أُبِينَ من سمكٍ وجرادٍ، وهو الأصحُّ، وما أُبِينَ من آدمي، وهو المرجح عند الشيخين تبعًا للإمام (٣). والذي عليه الجمهورُ، ونَصَّ عليه الشافعيُّ ﵁: النجاسةُ؛ كما ذكره في "المهمات"، وبسطه (٤). (إلا شَعَرَ المأكولِ؛ فطاهرٌ) بالإجماع، والصوفُ، والوبر، والريش في معنى الشعر؛ فلو رأى شعرة وشكّ هل هي من مأكولٍ أم من غيره؟ فالأصحُّ في "زيادة الروضة": الطهارةُ (٥). ومَثار الخلاف: أن الأصل في الأشياء: الإباحة أو التحريم؟ (وليستِ العَلَقَةُ، والْمُضْغَةُ، ورُطُوبَة الفرج) من آدمي وغيره من الحيوانات الطاهرةِ (بنَجَسٍ في الأصح) أما العلقة والمضغة .. فلأنهما أصلُ الآدمي، فأشبها المنِيَّ، وأما رطوبة الفرج .. فقياسًا على العرق. ووجهُ مقابله في العلقة: أنها دمٌ خارجٌ من الرحم، فأشبه الحيضَ، وفي المضغة: أنها كميتة الآدمي، وميتةُ الآدمي نجسةٌ على قولٍ، وفي الرطوبة: أنها متولدةٌ من محلّ النجاسات، فكانت منها.

стр. 149

وَلَا يَطْهُرُ نَجِسُ الْعَيْنِ إِلَّا خَمْرٌ تَخَلَّلَتْ، وَكَذَا إِنْ نُقِلَتْ مِنْ شَمْسٍ إِلَى ظِلٍّ وَعَكْسُهُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ .. فَلَا، وَجِلْدٌ نَجِسَ بِالْمَوْتِ، فَيَطْهُرُ بِدَبْغِهِ ظَاهِرُهُ، وَكَذَا بَاطِنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، === وفائدةُ الخلاف: وجوب غَسل ذكر الْمُجامع، ووجوبُ غَسل البَيْضِ. (ولا يَطهر نَجِسُ العين) بغسل ولا استحالة؛ لأن الغسل شُرع لإزالة ما طرأ على العين، وذلك مُنتف هنا، وأما الاستحالة .. فلأن العين باقيةٌ، وإنما تغيرت صفاتهُا، (إلَّا خمرٌ تَخلَّلتْ) بنفسها، ولم يقع فيها عينٌ بالإجماع. (وكذا إن نُقِلَتْ من شمسٍ إلى ظِلٍّ، وعَكسُه في الأصح) لما سيأتي في المسألة بعدها. (فإن خُلِّلَتْ بطرحِ شيءٍ) كملح ونحوه ( .. فلا) تطهر، ويَحرُم ذلك؛ لأنه ﵊ سُئِلَ عن الخمر تتّخَذُ خلًّا؟ فقال: "لَا" (١). واختلفوا في علته، فقيل: لأنه استعجل إلى مقصودِه بفعلِ محرمٍ، فعوقب بنقيض قصدِه؛ كما لو قتل مورثه، وقيل: لأن المطروحَ يتنجس بالملاقاة، ولا مزيلَ لنجاسته، فيكون منجسًا للخَلِّ بتقدير انقلابه، وهذا أصحُّ. وتنبني على التعليلين المسألةُ قبلها، فلا تطهر على الأول، وتطهر على الثاني. (وجلدٌ نَجُسَ بالموت، فيطهر بدبغه ظاهرُه، وكذا باطنُه على المشهور) لإطلاق قوله ﵊: "إِذَا دُبِغَ الإهَابُ .. فَقَدْ طَهُرَ" (٢)، والثاني: لا يطهر باطنُه؛ لأن الدواءَ لا يصل إليه، وضُعِّف بأن خاصية الحريفة تصل بواسطة الماء، ورطوبة الجلد، فعلى الثاني: لا يباع، ويُصلَّى عليه لا فيه، ويُستعمل في الأشياء الجافَّةِ، دون الرطبة، وعلى الأول: يجوز كلُّ ذلك. وقوله: (وجلد) قد يُخرج الشعر الذي عليه، والأظهر: أنه لا يطهر؛ لأن الشعر لا يتأثر بالدباغ، والثاني: يطهر تبعًا للجلد، وصححه جمع من الأصحاب، واختاره السبكي في بعض مجاميعه، وقال: إنه الذي أفتي به، كذا نقله عنه ولده في

стр. 150

وَالدَّبْغُ: نَزْعُ فُضُولهِ بِحِرِّيفٍ، لَا شَمْسٍ وَتُرَابٍ، وَلَا يَجِبُ الْمَاءُ فِي أَثنائِهِ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَدْبُوغُ كَثَوْبٍ نَجِسٍ. وَمَا نَجُسَ بِمُلَاقَاةِ شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ .. غُسِلَ سَبْعًا إِحْدَاهَا بِتُرَابٍ، === "التوشيح"، ونقل عنه في "التوشيح" علةَ اختيار الطهارة؛ لأن الشعر طاهر؛ كما هو إحدى روايتي إبراهيم البلدي، وإما لأنه يطهر بالدباغ. واستُثنِيَ مع ما ذَكره المصنفُ: دمُ الظبية إذا استحال مِسكًا، والبيضة الْمَذِرة التي صارتْ دمًا إذا استحالتْ فرخًا. (والدَّبغ: نَزْعُ فُضوله بِحِرِّيفٍ) كالقَرَظ، والشَّثِّ، والشَّبِّ، وذَرَق الطُيور وغير ذلك، والفضول هي: الفضلات المعفنة للجلد. وضابط نزعها منه: أن يطيب ريحه بحيث لو نقع في الماء .. لم يعد إليه الفسادُ والنَّتْنُ. (لا شمسٍ وترابٍ) وإن جف الجلد، وطابت رائحتُه؛ لأن الفضلاتِ لم تَزُلْ، وإنما جَمَدت؛ بدليل عودِها إذا نقع في الماء. (ولا يجب الماءُ في أثنائِه) أي: الدبغِ (في الأصح) تغليبًا لمعنى الإحالةِ، والثاني: يجب؛ تغليبًا لمعنى الإزالةِ. (والمدبوغُ كثوبٍ نَجِسٍ) فلا بد من غَسله ولو دبغ بطاهر على الأصحِّ؛ لإزالة بقايا الأدوية النجسة أو المتنجسة به. (وما نَجُسَ بملاقاة شيءٍ من كلبٍ .. غُسِلَ سبعًا إحداها بترابِ) لحديث: "طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ .. أَنْ يَغْسِلَ سَبع مَرَّاتٍ أُوَلَاهُنَّ بِالتُّرَابِ" رواه مسلم (١)، وفي رواية للدارقطني: "إِحْدَاهُنَّ بِالْبَطْحَاءِ" (٢). وعرقُه وسائرُ أجزائه وفضلاتُه كلعابه وأولى؛ لأن ما فيه أطيب من فيه؛ لكثرة ما يَلْهَثُ، وقد ورد النَّصُّ بتنجيسه، فأُلحق به ما عداه وقضية إطلاق المصنف: أنه لو كانت النجاسةُ عينيةً ولم يَزُل إلّا بست غسلات ..

стр. 151

وَالأَظْهَرُ: تَعَيُّنُ التُّرَابِ، === أنه تكفي غسلةٌ أخرى، وهو ما صححه في "الشرح الصغير"، واعتمده في "المهمات" (١)، لكن صحح المصنف في "زيادة الروضة" أنها تحسب غسلة واحدة، وتجب ست غسلات أخرى (٢). ومحلُّ اشتراطِ الترابِ: في غير الأرضِ الترابيةِ، أما فيها .. فيكفي الماء على الأصحِّ؛ إذ لا معنى لتتريب التراب. وقوله: (بتراب) أي: مع تراب، فلا بد من مزج التراب بالماء؛ ليصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل، والواجب من التراب: مقدارُ ما يكدر الماء، وقيل: ما ينطلق عليه الاسم. ولو وضعه في ماءٍ جارٍ، وجرى عليه سبعًا وهو كدر .. كفى، قاله في "الشرح الصغير"، ولو حركه في الماء الراكد الكدر سبعًا .. كفى؛ كما قاله في "التهذيب" (٣). وقضية كلام المصنف: إجزاء التراب في أي مرةٍ شاء، وهو ما نقله في "شرح المهذب" عن اتفاقهم (٤)، لكن نصّ الشافعي في "البويطي"، و"الأم" على أنه يتعين الترابُ في الأولى أو الأخرى، وجزم به جمعٌ من الأصحاب، وقال الأسنوي: إنه المذهب، والصواب من جهة الدليلِ، وبسط ذلك، وقرره تقريرًا حسنًا (٥). (والأظهرُ: تعينُ الترابِ) للحديث (٦)، والثاني: لا يتعين، بل يقوم مقامَه ما كان في معناه؛ كالصابون والأُشْنان، لأنه جامد أمر به في التطهير، فقام غيرُ المنصوص عليه مقامه؛ كالدباغ، فإنّ غير الشَّثِّ والقَرَظ يقوم مقامهما، مع ورود النص بهما.

стр. 152

وَأَنَّ الْخِنْزِيرَ كَكَلْبٍ، وَلَا يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ، وَلَا مَمْزُوج بِمَائِعٍ فِي الأَصَحِّ. وَمَا نَجُسَ بِبَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ غَيْرَ لَبَنٍ .. نُضِحَ، === (وأنّ الخنزيرَ ككلبٍ) لاشتراكهما في نجاسة العين، والثاني: إنه يكفي فيه الغَسل مرةً بلا ترابٍ، واختاره في "شرح المهذب" وغيره (١). (ولا يكفي ترابٌ نَجِسٌ، ولا ممزوجٌ بمائعٍ في الأصح). وجه الأصحِّ في الأولى: القياسُ على التيمم، ووجه مقابله: أن المقصودَ من التراب الاستعانةُ بشيءٍ آخر، فأشبه الدباغ. ووجه الأصحِّ في الثانية: قوله ﵊: "فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا" (٢)، تقديره: فليغسله بالماء سبعًا، وإلّا .. لجاز المائعُ في الجميع، ووجه مقابله: أن المقصودَ من تلك الغسلة: إنما هو الترابُ. ومثار الخلاف: أن الأمر بالتراب تعبدٌ، أو مُعلَّل بالاستطهار، أو بالجمع بين نوعي طهور. (وما نجس ببول صبيٍّ لم يطعم غير لبن .. نضح) لأنه ﵊ (أُتِيَ بصبيٍّ صغيرٍ لم يأكل الطعامَ، فأجلسه على حِجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنضحه، ولم يغسله) متفق عليه (٣). أما الأنثى: فلا بُدَّ فيها من الغَسل؛ لقوله ﵇: "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ" (٤). وفرق بينهما من وجوه، من أحسنها: أن الابتلاء بالصبيان أكثرُ، فإن الرجال والنساءَ يحملونهم، وأما البنات .. فلا يحملهن غالبًا إلا النساءُ، خصوصًا العرب، فإنها تَألَف البنين، وتَأنَف البنات، الثاني: أن بول الصبي من ماء وطين، وبولَ الجارية من لحم ودمٍ؛ لأن حواء خلقت من ضِلَع آدم القصير، وهذا رواه ابن ماجه في

стр. 153

وَمَا نَجِسَ بِغَيْرِهِمَا؛ إِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنٌ .. كَفَى جَرْيُ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ .. وَجَبَ إِزَالَةُ الطَّعْمِ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ عَسُرَ زَوَالُهُ، وَفِي الرِّيحِ قَوْلٌ. قُلْتُ: فَإِنْ بَقِيَا مَعًا .. ضَرَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلمُ === "سننه" عن الشافعي ﵁ (١). وعبارة "شرح المهذب": (لم يأكل غير اللبن للتغذي)، وهي تدل على أن ما يحنك به، والسَّفوف، والأشربة ونحوهما مما يستعمل للإصلاح لا تضر (٢). وقال ابن يونس، وابن الرفعة: لم يطعم ما يستقل به؛ كالخبز ونحوه (٣). والمراد بالنضح: استيعاب المحل بالماء، ويشترط المغالبة والمكاثرة في الأصحِّ، لا جريان الماء وتقاطره، وقضية هذا: أن الفرق بين النضح والغسل السيلانُ. (وما نجس بغيرهما) أي: بغير المغلظة والمخففة (إن لم تكن عينٌ) بأن كانت حكميةً، وهي: التي لا يُشاهَد لها عينٌ، ولا يدرك لها طعمٌ، ولا لون، ولا رائحة، والعينية: نقيض ذلك ( .. كفى جري الماء) على ذلك المحل؛ إذ ليس ثَمَ ما يزال. (وإن كانت) عينيةً ( .. وجب) بعد زوال عينها (إزالة الطعم) لأن بقاءه يدل على بقاء العين، (ولا يضر بقاءُ لونٍ أو ريحٍ عَسُرَ زوالُه) كلون الدم، ورائحة الخمر؛ للمشقة، قال في "البسيط": هذا في رائحة تدرك عند شم الثوب، دون ما يدرك في الهواء، فإن سهل زوالُه .. ضرّ؛ لدلالة ذلك على بقاء العين، (وفي الريح قولٌ) أنه يضر؛ كسهل الزوال (٤). (قلت: فإن بَقِيَا معًا .. ضرّ على الصحيح، والله أعلم) لقوة دلالتهما على بقاء العين، والثاني: لا؛ لاغتفارهما منفردين، فكذا مجتمعين.

стр. 154

وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ الْمَاءِ، لَا الْعَصْرُ فِي الأَصَحِّ. وَالأَظْهَرُ: طَهَارَةُ غُسَالَةٍ تنفَصِلُ بِلَا تغيُّرٍ وَقَدْ طَهَرَ الْمَحَلُّ. وَلَوْ نَجُسَ مَائِع .. تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ، وَقِيلَ: يَطْهُرُ الدُّهْنُ بِغَسْلِهِ. === (ويشترط) في طهر المحل (ورودُ الماء) القليلِ على المحلِّ المتنجس، فإن عكسه .. تنجس الماء، ولم يطهر المحلُّ، والفرق: قوة الوارد؛ لأنه عامل، والقوةُ للعامل. (لا العصرُ في الأصح) إذ البلل بعضُ المنفصلِ، والخلافُ مبنِيٌّ - كما نبه عليه في "المحرّر" - على أن الغسالةَ طاهرة أو نجسة؛ إن طهرناها .. لم يجب العصر، وإلّا .. وجب (١). (والأظهر: طهارةُ غسالةٍ تَنفصل) عن المحل قليلةٍ (بلا تغير وقد طَهَرَ المحلُّ) لأن البلل الباقيَ على المحلّ هو بعضُ المنفصل، فلو كان المنفصل نجسًا .. لكان المحل كذلك، فيكون المنفصل طاهرًا، لا طهورًا؛ لأنه مستعمل في الخبث، والثاني: إنها نجسة؛ لانتقال المنع إليها، وإن لم يطهر المحلُّ .. فالغسالة نجسةٌ؛ لأنها بعضُ المتصل، والمتصل نجسٌ. وأورد: ما لو انفصلت غيرَ متغيرة، ولكن زاد وزنُها عما كان .. فإنها نجسة؛ كما ذكره القاضي، والمتولّي، وجعله في "أصل الروضة" أصحَّ الطريقين (٢). (ولو نَجس مائعٌ .. تعذر تطهيرُه) إذ لا يأتي الماء على كله؛ لأنه بطبعه يمنع إصابةَ الماء، ويرد على مفهومه: الزِّئْبَق، فإنه جامد، وإذا تنجس .. تعذر تطهيره، (وقيل: يَطهُر الدهنُ بغَسله) قياسًا على الثوب النَّجِس. وكيفية تطهيره كما ذكره في "شرح المهذب": أن يصب عليه الماءَ ويكاثره، ثم يحركه بخشبة ونحوها بحيث يظن وصوله لجميعه، ثم يترك ليعلوَ، ثم يثقب أسفلَه، فإذا خرج الماء .. سدّ (٣). * * *

стр. 155

بابُ التَّيَمُّم يَتيمَّمُ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ لِأَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: فَقْدُ الْمَاءِ، فَإِنْ تيًقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَهُ .. تَيَمَّمَ بِلَا طَلَبٍ، === (باب التيمم) هو لغةً: القصد، تقول: يَمَّمْتُ فلانًا: إذا قصدتَهُ، وشرعًا: إيصالُ الترابِ إلى الوجه واليدين بشرائطَ مخصوصةٍ. وهو رخصة، وقيل: عزيمة، وقيل: إن تيمم لفقد الماء .. فعزيمة، أو لعذر .. فرخصة، ومن فوائد الخلاف: ما لو تيمم في سفرِ معصيةٍ لفقد الماء، فإن قلنا: رخصة .. وجب القضاءُ، وإلّا .. فلا، ذكره في "الكفاية" (١). (يتيمم المحدثُ) بالإجماع، (والجنبُ) لقصة عمّار في "الصحيح" (٢). والحائض والنفساء في معناهما، وكذا من ولدت ولدًا جافًّا، والمأمور بغُسلٍ مسنونٍ كغُسل جمعةٍ ونحوِه، فإنهم يَتيمَّمون أيضًا، قال الإسنوي: (والقياس: أن المأمور بوضوءٍ مسنونٍ يتيمّم أيضًا كما في نظيره من الغُسل، وكذلك الميت يُيمَّم) (٣) كما سيأتي. (لأسباب: أحدها: فقد الماء) لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، والفقد الشرعيُّ كالحسيِّ، فلا يتوضأ مما سُبِّل للشرب. قال الرافعي: والمبيح للتيمم هو العجز فقط إلّا أن العجزَ له أسبابٌ، ثم قال: ولا شكَّ أن الأسبابَ المبيحةَ يكفي فيها الظنُّ، ولا يُشترط اليقينُ (٤). (فإن تَيقَّن المسافرُ فقدَه) كأن كان في بعض رمال البوادي ( .. تيمم بلا طلبٍ) لأن الطلبَ حينئذ عبثٌ.

стр. 156

وَإِنْ تَوَهَّمَهُ .. طَلَبَهُ مِنْ رَحْلِهِ وَرُفْقَتِهِ، وَنَظَرَ حَوَالَيْهِ إِنْ كَانَ بِمُسْتَوٍ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى تَرَدُّدٍ .. تَرَدَّدَ قَدرَ نَظَرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ .. تَيَمَّمَ، === (وإن تَوهَّمه .. طَلبَه) وجوبًا؛ إذ لا يقال من لم يَطلب: لم يجد، والمقيمُ في الطلب كالمسافر وإن اختلفا في كيفيته، والتقييدُ إنما أتي به للغالب، (مِنْ رَحله) وهو منزله بأن يُفتِّشه (ورُفْقَته) ولا يجب أن يطلب من كلِّ واحدٍ بعينه، بل يكفي نداءٌ عامٌّ منه، أو من وكيله؛ بأن يقول: (من معه ماءٌ يبيعه، أو يجود به؟ ) ونحو ذلك، ويكفي طلبُ واحدٍ عن الركب بإذنهم. (ونَظَرَ حواليْه) من الجهات الأربع (إن كان بمستوٍ) من الأرض، ويَخص مواضعَ الْخُضْرَة، واجتماعِ الطيور بمزيدِ احتياطٍ. (فإن احتاج إلى تَردُّد) بأن كان ثمَّ وَهْدة، أو جبلٌ ونحوُ ذلك ( .. تَردَّد) إن لم يخف على نفسه أو مالِه (قدرَ نظرِه) لو كان بمستوٍ. وضبطه الإمام: بحدِّ الغوث، وهو الموضعُ الذي لو استغاث بالرِّفقة .. لم يبعد غوثهم عنه، مع تشاغلهم بأحوالهم والتفاوض في أقوالهم، ويختلف ذلك باستواء الأرضِ واختلافِها صعودًا وهبوطًا) (١). وتبعه الغزالِيُّ على ذلك، وجزم به في الروضة"، وقال الرافعي: لا يكفي هذا الضبط لغيره، وليس في الطرق ما يخالفه، قال ابن الرفعة: بل عبارة الماوردي توافقه (٢). وقال في "شرح المهذب": بل خالفوه، فإنهم قالوا: إن كان بمستوٍ .. نظر حواليه، ولا يلزمه المشيُ أصلًا، وإن كان بقربه جبلٌ .. صَعِد، ونظر حواليه إن أمكن (٣). (فإن لم يجد) بعد البحث المذكور ( .. تيمم) لحصول الفقد.

стр. 157

فَلَوْ مَكَثَ مَوْضِعَهُ .. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ الطَّلَبِ لِمَا يَطْرَأُ. فَلَوْ عَلِمَ مَاءً يَصِلُهُ الْمُسَافِرُ لِحَاجَتِهِ .. وَجَبَ قَصْدُهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، === (فلو) طلب كما مرّ وتيمّم و (مكث موضعَه .. فالأصح: وجوبُ الطلب) ثانيًا (لما يَطرأ) مما يحوج إلى تيممٍ مستأنفٍ؛ كالحدث وفريضةٍ أخرى ونحوِهما؛ لأنه قد يطلع على بئرٍ خفيت عليه، أو يجد من يَدلُّه عليه، وقياسًا على إعادةِ الاجتهادِ في القبلة، لكن يجعل الطلبَ الثانِيَ أخفَّ، والثاني: لا؛ لأنه لو كان هناك ماءٌ .. لظفر به بالطلب الأول. ومحلُّ الخلافِ: ما إذا لم يحدث ما يوهم ماءً، فإن حدث ذلك - كطلوع رَكْب، وإطباق غمامةٍ - .. وجب الطلب جزمًا. وقوله: (مكث موضعه) من زياداته على "المحرّر" (١)، واحترز به: عمَّا إذا انتقل إلى موضعٍ آخر .. فإنه يجب الطلب قطعًا. (فلو علم) مسافر (ماءً يَصله المسافرُ لحاجته) كاحتطابٍ ونحوه ( .. وجب قصده) لأنه إذا كان يَسعى إليه لأشغاله الدنيوية .. فللعبادة أولى، وهذا المقدار هو المسمَّى بحد القرب، وهو أزيدُ من حدّ الغوث الذي يسعى إليه عند توهم الماء كما مرَّ، قال محمد بن يحيى: ولعلَّه يقرب من نصفِ فرسخٍ، كذا نقلاه عنه، وأقراه (٢). (إن لم يَخف ضررَ نفسٍ أو مالٍ) فإن خاف على نفسه أو طرفه من عدوٍّ أو سبع، أو خاف على ماله الذي معه، أو المخلّف في رحله من غاصب أو سارق .. لم يجب القصدُ، وله التيمم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وإطلاقه المال: شامل للقدر الذي يجب بذله ثمنًا أو أجرةً، وهو ما في "شرح المهذب" في موضع، وفي موضع آخر منه: أن الخوفَ على هذا القدر لا يَمنع وجوبَ الطلب (٣). قال في "المهمات": والأول هو مقتضى إطلاقِ الأكثرين والقياس؛ لأنه يأخذه

стр. 158

فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ .. تَيَمَّمَ. وَلَوْ تَيَقَّنَهُ آخِرَ ألْوَقْتِ .. فانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، أَوْ ظَنَّهُ .. فَتَعْجِيلُ التَّيَمُّمِ أَفْضَلُ فِي الأَظْهَرِ === من لا يستحقه، وخوفُ الانقطاع عن الرِّفقة كالخوف على النفس والمالِ إن تضرر بذلك، وكذا إن لم يتضرر على الأصحِّ؛ لما يلحقه من الوحشة (١). وخرج بـ (المال): ما إذا خاف على غير مالٍ من المنتفع به؛ ككلب وسرجين، قال في "المهمات": (والْمُتَّجَه: عدمُ وجوبِ الطلب) (٢). (فإن كان فوق ذلك) أي: فوق ما يَصله المسافرُ لحاجته المارَّةِ ( .. تيمم) لأنه فاقدٌ في الحال. وقضية كلامه: أنه يلزمه قصدُه إذا كان الماءُ في الحدِّ المذكورِ، لكن انتهى إلى المنزل في آخر الوقت؛ بحيث لو قصده .. فات الوقتُ، وبه صرح الرافعي في "الشرحين"، وقال: إنه الأشبهُ بكلام الأئمةِ، وحكاه في "الإبانة" عن النصِّ (٣). وخالف المصنف في الروضة"، و"شرح المهذب" وغيرهما، فقال: ليس الأمر كما قال الرافعي هنا، بل ظاهرُ نصِّ "الأم" وغيرِها، وهو المفهوم من عباراتهم في كتبهم المشهورةِ والمهجورةِ أنه لا يلزمه القصدُ والحالةُ هذه (٤)، قال السبكي: وهو الحقُ، وهذا في المسافر. (ولو تَيقَّنه آخرَ الوقت .. فانتظارُه أفضلُ) لأثر ابن عمر في ذلك (٥)؛ ولأن التقديم مستحبٌّ، والوضوء من حيث الجملة فرضٌ، فثوابه أكثر، (أو ظَنَّه) أي: ترجح عنده وجودُه آخرَه ( .. فتعجيلُ التيممِ أفضلُ في الأظهر) لأن فضيلةَ التقديم محققة، وفضيلةَ الوضوء موهومة، والثاني: التأخير أفضلُ ليأتي بالصلاة بالوضوء؛ لأنه الأصل والأكملُ.

стр. 159

وَلَوْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِيهِ .. فَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ، وَيَكُونُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ، وَيَجِبُ شِرَاؤُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ، أَوْ مُؤْنَةِ سَفَرٍ، أَوْ نفقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ. وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ أَوْ أُعِيرَ دَلْوًا .. وَجَبَ الْقَبُولُ فِي الأَصَحِّ، === ومحلُّ الخلاف: إذا اقتصر على صلاةٍ واحدةٍ، فإن صلّى أول الوقت بالتيمم، وبالوضوء في أثنائه .. فهو النهاية في إحراز الفضيلة، ولو تَرجَّح العدم على الوجود .. فالتقديم أفضل قطعًا، وكذا إذا استوى الطرفان على المذهب. (ولو وجد ماءً لا يكفيه .. فالأظهر: وجوبُ استعماله) لقدرته على البعض، كما يغسل الجريحُ مِنْ يده ما صَحَّ (١)، والثاني: لا يجب، بل يتيمم؛ كما لو وجد بعضَ الرقبة في الكفارة .. فإنه لا يجب إعتاقُه، ويَعدِل إلى الصوم. (ويكونُ) استعماله (قبلَ التيمم) لئلا يتيمم مع وجود الماء. ولفظة (ما) في كلامه ينبغي أن تُقرأ مهموزةً منونة، لا موصولةً؛ لئلا يرد عليه ما لو وجد ما يصلح للمسح، لا للغَسل؛ كثلج أو بَرَد لا يذوب؛ فإن الاْصحَّ: القطع أنه لا يجب مسحُ الرأس به؛ إذ لا يمكن ههنا تقديمُ مسحِ الرأس. (ويجب شراؤه) أي: الماء، وكذا التراب؛ كما صرح به الحناطي (بثمنِ مثلِه) إذا كان قادرًا عليه بنقد أو عرض، فاضلًا عَن حاجات سفره، وعن حاجات متاعه، ذهابًا وإيابًا، فإن بيع بغَبْنٍ .. فلا؛ للضرر، والأصحُّ: أن ثمن المثل: ما تنتهي إليه الرغباتُ، في ذلك الموضع، في تلك الحالة. (إلّا أن يَحتاج إليه) أي: الثمن (لدينٍ مُستغرِقٍ) ولو مؤجلًا؛ كما ذكره ابن الرفعة (٢)، ولا حاجةَ لتقييده بالمستغرق؛ لأن ما يفضل عن الدين غيرُ محتاج إليه فيه، (أو مُؤنةِ سفرٍ) مباح، ذهابًا وإيابًا، والمؤنة: هي المذكورة في الحجّ، (أو نفقةِ حَيَوَانٍ محترمٍ) لأن هذه الأمور لا بدل لها، بخلاف الماء، والمراد بالمحترم ما لا يباح قتله. (ولو وُهِبَ له ماءٌ، أو أُعِيرَ دلوًا .. وجب القبولُ في الأصح) لأن المسامحة به

стр. 160

وَلَوْ وُهِبَ ثَمَنَهُ .. فَلَا. وَلَوْ نَسِيَهُ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ بَعْدَ الطلَبِ فَتَيَمَّمَ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ فِي رِحَالٍ .. فَلَا. الثَّانِي: أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِعَطَشِ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ مَآلًا. الثَّالِثُ: مَرَضٌ يَخَافُ مَعَهُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى مَنْفَعَةِ عِضْوٍ، وَكَذَا بُطْءُ الْبُرْءِ، أَوِ الشَّيْنُ الْفَاحِشُ فِي عِضْوٍ ظَاهِرٍ فِي الأَظْهَرِ، === غالبة، فلا تعظم فيه المنةُ، والثاني: لا يجب قبولُ الماء؛ للمنة؛ كالثمن، ولا قبولُ العارية إذا زادت قيمةُ المستعار على ثمن الماء؛ لأنه قد يتلف، فيضمن زيادة على ثمن الماء. (ولو وُهِبَ ثمنَه .. فلا) بالإجماع؛ لعظم المنة. (ولو نَسِيه) أي: الماءَ (في رَحله، أو أَضلَّه فيه، فلم يجده بعد الطلب، فتيمم) وصلّى، ثم تذكره في النسيان، ووجده في مسألة الإضلال ( .. قضى في الأظهر) لأنه واجدٌ للماء، ولكنه قصر في الوقوف عليه، والثاني: لا قضاءَ؛ لعدم التقصير. (ولو أضلّ رحلَه في رحالٍ .. فلا) قضاءَ؛ لأن مُخيَّم الرِّفقة أوسعُ غالبًا، ولأنه صلّى ولا ماء معه. (الثاني: أن يَحتاج إليه لعطشِ مُحترمٍ ولو مآلًا) أي: مستقبلًا؛ إذ لا بدل للروح، بخلاف الوضوء، وسواء عطش نفسه، وعطش رفيقه، أو حيوان محترم هناك، بل يحرم الوضوء حينئذ. (الثالث: مرضٌ يخاف معه من استعماله على منفعة عضو) كالعمى ونحوه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى ... ﴾ الآية، وفهم منه: أن خوف النفس والعضو كذلك من باب أولى، وصرح بهما في "المحرّر" (١). (وكذا بُطء البُرء) وهو: امتداد مدة المرض وإن لم يزد الألَمُ، (أو الشَّيْنُ الفاحشُ في عضوٍ ظاهرٍ في الأظهر) فيهما؛ لأن ضرر ذلك فوق زيادة ثمن المثل، والثاني: لا؛ لانتفاء التلف. والمراد بـ (الظاهر): ما يبدو غالبًا عند المهنة؛ كالوجه واليدين، ويعتمد في

стр. 161

وَشِدَّةُ الْبَرْدِ كَمَرَضٍ. وَإِذَا امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي عُضْوٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَاتِرٌ .. وَجَبَ التَّيَمُّمُ، وَكَذَا غَسْلُ الصَّحِيحِ عَلَى الْمَذْهَبِ، === كون الغَسل يفضي إلى ما مَرَّ ظَنَّ نفسِهِ إن كان عارفًا بالطب، وإلّا .. فبقول طبيبٍ حاذق مسلم مُكلَّفٍ عدل، وقيل: لا بد من اثنين، فإن جهل ولم يجد طبيبًا بشرطه .. ففي "زيادة الروضة" عن أبي علي السنجي لا يتيمم؛ لأنه لم يثبت المقتضي لترك الوضوء (١). قال في "شرح المهذب": ولم أجد لغيره ما يوافقه، ولا ما يخالفه (٢). واعترض: بأن البغوي قد خالفه، فقال في "فتاويه": يصلي بالتيمم، ثم يعيد إذا وجد المخبر، قال الإسنوي: وهذا هو المتجه اللائقُ بمحاسن الشريعة، لاسيما عند قيام المظنةِ التي هي المرضُ ونحوُه (٣). واحترز بـ (الفاحش): عن اليسير، وبـ (الظاهر): عن الشين الفاحش في الباطن؛ فإنه لا أثر له؛ لأنه ليس فيه ضررٌ كثيرٌ، كذا قالاه (٤). واستشكله الشيخ عز الدين، وقال: لا سيما إذا كان في رقيق؛ فإن الخسران فيه أكثر من الخسران الحاصل من شراء الماءِ بزيادة على ثمن المثل. (وشدةُ البردِ كمرض) فيجيء ما مَرَّ، ولا يخفى أن محل هذا إذا عجز عن تدفئة الأعضاءِ وتسخين الماء، فلهذا أهمله المصنف. (وإذا امتنع استعمالُه في عضو) لجرح ونحوه: (إن لم يكن عليه ساترٌ .. وجب التيمم) بدلًا عن غَسل العليل. وعرف (التيمم) بالألف واللام؛ ليرد على من قال من العلماء: أنه يُمِرّ التراب على المحل المعجوز عنه. (وكذا غسلُ الصحيح على المذهب) قطعًا بحسب الإمكان ولو بوضع خرقةٍ مبلولةٍ

стр. 162

وَلَا تَرْتيبَ بَيْنَهُمَا لِلْجُنُبِ، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا .. فَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ التَيمُّمِ وَقْتَ غَسْلِ الْعَلِيلِ، فَإِنْ جُرِحَ عُضْوَاهُ .. فَتَيَمُّمَانِ. وَإِنْ كَانَ كَجَبِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ نَزْعُهَا .. غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ كَمَا سَبَقَ، وَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ مَسْحُ كُلِّ جَبِيرَتِهِ بِمَاءٍ، وَقِيلَ: بَعْضِهَا. فَإِذَا تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ === بالقرب من الجرح، ويتحامل عليها؛ لينغسل ما حواليه من غير أن يسيل إليه، والطريق الثاني: أنه على القولين فيما إذا وَجد من الماء ما لا يكفيه. (ولا ترتيب بينهما) أي: بين التيمم وغسل الصحيح (للجنب) والحائض والنفساء؛ لأن التيمم بدلٌ عن غَسل العليل، والمبدل لا يجب فيه الترتيب، فكذلك بدله. نعم؛ الأولى: تأخير الغسل؛ ليذهب أثر التراب بالماء، نُصَّ عليه. (فإن كان محدثًا .. فالأصح: اشتراط التيمم وقت غَسل العَليل) رعاية للترتيب، فلا ينتقل من العضو المعلول إلّا بعد كمال طهارته أصلًا وبدلًا، والثاني: يجب تقديمُ غَسل الصحيح؛ لوجود ماءٍ لا يكفيه، والثالث: يتخير؛ كالجنب. (فإن جُرح عضواه .. فتيمّمان) بناء على الأصح، وهو: اشتراط التيمم وقت غَسل العليل؛ لتعدد العليل. (وإن كان) على العضو الذي امتنع استعمال الماء فيه ساترٌ (كجبيرة لا يمكن نزعُها) لمحذور مما مرّ ( .. غَسل الصحيحَ وتيمم كما سبق) من مراعاة الترتيب في المحدث ونحوِ ذلك، فإن أمكن النزعُ بلا خوف .. وجب قطعًا. ويشترط في الساتر: أن يضعه على طهر، وألّا يأخذ من الصحيح تحته إلّا القدرَ الذي لا بدّ منه للاستمساك. (ويجب مع ذلك مسحُ كلِّ جبيرته بماء) لأنه مسح أُبيح للعجز، فوجب فيه التعميم، كالمسح في التيمم، (وقيل: بعضِها) كما في مسح الخف. وقوله: (بماء) يُفهم: أن الجبيرة لو كانت على عضوِ التيمم .. لم يجب مسحُها بالتراب، وهو الأصحُّ؛ لأنه ضعيفٌ فلا يؤثر من وراء حائلٍ. (فإذا تيمم) الذي غَسل الصحيحَ، وتيمّم عن الباقي، وأدّى فريضةً (لفرضٍ

стр. 163

ثَانٍ وَلَمْ يُحْدِثْ .. لَمْ يُعِدِ الْجُنُبُ غُسْلًا، وَيُعِيدُ الْمُحْدِثُ مَا بَعْدَ عَلِيلِهِ، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفَانِ، وَقِيلَ: الْمُحْدِثُ كَجُنُبٍ. قُلْتُ: هَذَا الثَّالِثُ أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فصل [في شروط التيمم وكيفيته] يَتيمَّمُ بِكُلِّ تُرَابٍ طَاهِرٍ === ثانٍ، ولم يُحدث) ولم يبطل تيممه بشيء من مبطلات التيمم (لم يُعد الجنبُ غُسلًا) لأن التيمم طهارةٌ مستقلةٌ في الجملة، فلا يلزم بارتفاع حكمِها انتقاضُ طهارةٍ أخرى. وإن كان بعضًا منها في هذه الصورةِ؛ كما لو اغتسل الجنب ثم أحدث .. يلزمه الوضوء ولا ينتقض غُسله وإن كان أعضاءُ الوضوء بعضَ المغسول في الجنابة؛ لأن الوضوءَ عبادةٌ مستقلةٌ في الجملة. (ويُعيد المحدثُ ما بعد عليله) مراعاةً للترتيب، (وقيل: يَستأنفان) أي: الجنب الغُسلَ، والمحدثُ الوضوءَ؛ لأنها طهارةٌ مركبةٌ من أصل وبدلٍ، فإذا بطل البدلُ .. بطل الأصلُ؛ كنزع الخف، (وقيل: المحدث كجنب) فلا يعيد غَسل ما بعد عليلِه؛ لأن طهارةَ العليل باقيةٌ بدليل جواز التنفل، وإنما وجب إعادة تيممه؛ لضعفه عن أداء الفرض. (قلت: هذا الثالث أصح، والله أعلم) ونقله في "زيادة الروضة" عن المحققين، وفي "شرح المهذب" عن الأكثرين (١). وخرج بقوله: (ولم يحدث) ما إذا أحدث .. فإنه يعيد جميعَ ما مَرَّ، قال في "شرح المهذب": فلو أجنب صاحبُ الجبيرة .. اغتسل وتيمم، ولا يجب نزعُها، بخلاف الخف (٢)، والفرق: أن في إيجاب النزعِ هنا مشقةً. * * * (فصل: يتيمم بكلِّ) ما صَدَقَ عليه اسمُ (ترابٍ) لقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا﴾، قال ابن عباس: هو التراب، (طاهرٍ) فلا يجوز بنجس؛ كالماء؛ لقوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾

стр. 164

حَتَّى مَا يُدَاوَى بهِ، وَبِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ، لَا بِمَعْدِنٍ وَسُحَاقَةِ خَزَفٍ وَمُخْتَلِطٍ بِدَقِيقٍ وَنَحْوِهِ - وَقِيلَ: إِنْ قَلَّ الْخَلِيطُ .. جَازَ - وَلَا بِمُسْتَعْمَلٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ: مَا بَقِيَ بِعِضْوِهِ، وَكَذَا مَا تنَاثَرَ فِي الأَصَحِّ === قال ابن عمر وابن عباس: هو الطاهر (١)، (حتى ما يُداوَى به) كالأرمني، وكذا ما يؤكل سفهًا، وهو الخراساني، لوقوع اسم التراب عليه، ولا بد أن يكون له غبارٌ يَعْلَقُ بالعضو؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾، فاقتضى أن يكون المسح ببعضه، (وبرملٍ فيه غبارٌ) منه، حتى لو سُحِق الرمل وتيمم به .. جاز؛ كما قاله المصنف في "فتاويه" لأنه من طبقات الأرض، والتراب جنسٌ له (٢). (لا بمعدنٍ) كنفط (وسُحاقةِ خزفٍ) وهو ما يتخذ من الطين ويشوى؛ كالكِيزَانِ؛ لأنه لا يسمّى ترابًا، (ومختلطٍ بدقيقٍ ونحوِه) كجِصّ، وزَعْفَران؛ لمنعه وصولَ الترابِ للعضو، (وقيل: إن قلَّ الخليطُ .. جاز) كالماء. وفرق الأول: بأن الماءَ لطيفٌ، فلا يمنعه غيرُه من وصوله إلى البشرة، بخلاف التراب؛ فإنه كثيفٌ يمنعه غيرُه من إيصاله إلى البشرة. (ولا بمستعملٍ على الصحيح) كالماء، والثاني: يجوز؛ لأنه لا يَرفع الحدث، فلا يتأثر بالاستعمال، بخلاف الماء، كذا علّله الرافعي (٣). وقضيته: إلحاق الماءِ الذي استعمله دائمُ الحدث بالتراب؛ لأن حدثَه لا يرتفع على الصحيح. (وهو) أي: المستعمل (ما بقي بعضوه) بعد المسح به، (وكذا ما تَناثر) بعدما أصاب العضو (في الأصح) كالمتقاطر من الماء، والثاني: لا؛ لأن الترابَ كثيفٌ إذا علق منه شيء بالمحل .. منع غيرَه أن يلتصق به، وإذا لم يلتصق به .. فلا يؤثر، بخلاف الماء، فإنه رقيقٌ يلاقي المحلّ بجميعه. وعلم من كلام المصنف: أنه يجوز أن يتيمم الجماعةُ، أو الواحد مرات كثيرةً من

стр. 165

ويُشْتَرَطُ قَصْدُهُ، فَلَوْ سَفَتْهُ رِيحٌ عَلَيْهِ فَرَدَّدَهُ وَنَوَى .. لَمْ يُجْزِ، وَلَوْ يُمِّمَ بِإِذْنِهِ .. جَازَ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عُذْرٌ. وَأَرْكَانُهُ: نَقْلُ التُّرَابِ، فَلَوْ نَقَلَ مِنْ وَجْهٍ إِلَى يَدٍ أَوْ عَكَسَ .. كَفَى فِي الأَصَحِّ === ترابٍ يسيرٍ في خرقة ونحوِها؛ كما يجوز الوضوءُ مراتٍ من إناءٍ واحدٍ. (ويُشترط قصدُه) أي: التراب؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ اقصدوا. (فلو سفته ريح عليه فردده) على العضو (ونوى .. لم يُجز) لأنه لم يقصد الترابَ، وإنما هو أتاه. (ولو يُمِّم بإذنه .. جاز) كالوضوء، بل يجب عند العذر، ولا بدّ من نية الإذن، فلو يَمَّمه بلا إذن ونوى .. كان كتعرضه للريح، ذكره في "شرح المهذب" (١)، (وقيل: يشترط عذرٌ) لأنه لم يقصد الترابَ، وأجاب الأول: بإقامة فعلِ نائبِه مقامَ فعله. (وأركانه) خمسةٌ كما في "الكتاب"، وعدها في "أصل الروضة" سبعةً، فزاد الترابَ، وقصدَه، وذكر الرافعي في آخر الكلام على الأركان أن إسقاطَهما أولى؛ لأن الترابَ كالماء في الوضوء، ولم يَعدُّوه ركنًا، وأما القصد .. فلدخوله في النقل؛ فإنه إذا نَقل الترابَ على الوجه المشروطِ وقد نوى .. كان قاصدًا بلا شك (٢). (نفلُ التراب) فلو كان على العضو ترابٌ، فردده عليه من جانبٍ إلى جانب .. لم يكف؛ لأن القصدَ شرط كما مرّ، وإنما يكون قاصدًا إذا نقل الترابَ، قال الرافعي: وغير هذا الاستدلال أوضح منه (٣). (فلو نَقل من وجهٍ إلى يدٍ أو عكس) أي: نقل من يد إلى وجه ( .. كفى في الأصح) لوجود مسمّى النقل، والثاني: لا يكفي؛ لأنه منقولٌ من محلّ الفرض، فأشبه ما لو نقل من أعلى الوجه إلى أسفله، فعلى الأول: لو نقل من إحدى اليدين إلى الأخرى .. ففيه وجهان في "الكفاية": وجه المنع: أن اليدين كعضو واحد (٤).

стр. 166

وَنيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، لَا رَفع الْحَدَثِ، وَلَوْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ .. لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ، وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِالنَّقْلِ، وَكَذَا اسْتِدَامَتُهَا إِلَى مَسْحِ شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ نَوَى فَرْضًا وَنَفْلًا .. أُبِيحَا، === وصورةُ النقل من الوجه إلى اليدين: أن يَزول الترابُ الذي مسح به وجهَه، ويَحدُث عليه ترابٌ آخر، وإلّا .. كان المنقولُ مستعملًا لا يُجزئ على الصحيح. (ونيةُ استباحة الصلاة) ونحوها مما يفتقر استباحته إلى طهر؛ كطواف وحمل مصحف؛ لما مرّ في الوضوء، [والكلام في صحة التيمم من حيث الجملة، أما ما يستبيح به .. فسيأتي] (١)، (لا رفعِ الحدث) لأنه لو رفعه .. لما بطل بغيره وهو وجود الماء. (ولو نوى فرض التيمم .. لم يَكف في الأصح) لأنه ليس مقصودًا في نفسه، وإنما يؤتى به للضرورة فلا يصلح مقصدًا، ولهذا لا يستحب تجديدُه، بخلاف الوضوء، والثاني: يكفي؛ كالوضوء. (ويجب قرنُها) أي: النية (بالنقل) إلى الوجه؛ لأنه أول أركانه، حتى لو أخذ التراب فأحدث .. لا يستعمله، بخلاف الماء؛ إذ لا نقل فيه. (وكذا استدامتها إلى مسح شيءٍ من الوجه على الصحيح) حتى لو عَزَبت قبل مسح شيء منه .. لم يصح؛ لأنه المقصود، وما قبله - وإن كان ركنًا - فليس مقصودًا في نفسه، والثاني: لا يجب ذلك؛ كما لو قارنت أول غسل الوجه في الوضوء وعَزَبت بعده. وقضية كلامه: طرد الخلاف في مقارنتها النقل ومسح الوجه مع عزوبها بينهما. قال الإسنوي: لكن في "شرح المفتاح" لأبي خلف الطبري الاكتفاءُ، وهو المتجه (٢). (فإن نوى) بتيممه (فرضًا ونفلًا .. أُبيحا) عملًا بنيته، وعُلم من تنكيره (الفرضَ) عدمُ اشتراط التعيين، وهو الأصح، فلو أطلق .. صلّى أيَّ فرضٍ شاء،

стр. 167

أَوْ فَرْضًا .. فَلَهُ النَّفْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَوْ نَفْلًا أَوِ الصَّلَاةَ .. تنَفَّلَ لَا الْفَرْضَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَسْحُ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ، === وإن عَيَّن واحدةً .. جاز أن يصلي غيرَها. (أو فرضًا .. فله النفل على المذهب) لأنه تبعٌ له، ووجه المنع: أنه لم ينوه. وقيل: له ذلك بعد الفرض لا قبله؛ لأن التابع لا يقدم، وينبغي حمل إطلاقه الفرضَ على فرض العين؛ لئلّا يرد عليه ما لو نوى بتيممه صلاةَ الجنازة؛ فإن الأصحَّ: أنه كالتيمم للنفل. (أو) نوى (نفلًا) من الصلو ات (أو الصلاةَ) وأطلق ( .. تنفل، لا الفرضَ على المذهب). أما في الأولى .. فلأن الفرض أصلٌ والنفلَ تابع، فلا يجعل المتبوع تابعًا، وقيل: يستبيح الفرض قياسًا على الوضوء. وأما في الثانية .. فقياسًا على ما لو تحرم بالصلاة .. فإنّ صلاتَه تنعقد نفلًا، وقيل: يستبيح الفرض أيضًا؛ لأن الصلاة اسمُ جنس يتناول النوعين، فيستبيحهما؛ كما لو نواهما، قال الإسنوي: وهو متجه؛ لأن المفرد الْمُحلَّى بـ (أل) للعموم عند الشافعي. [ولو نوى بتيممه حملَ المصحف، أو سجود التلاوة أو الشكرِ، أو نوى الجنب ونحوُه الاعتكاف أو قراءة القرآن، أو الحائضُ استباحة الوطء وصححناه .. فهو كنية النفل حتى يستبيح الناوي ما نواه، ولا يصلي به الفريضة، وكذا لا يصلي النافلة على الأصحِّ في "التحقيق" و"شرح المهذب" (١)؛ لأن النافلة آكد] (٢). (ومسحُ وجهه، ثم يديه مع مرفقيه) لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، ولا بدّ فيهما من التعميم، وليتفطن إلى القدر الذي أقبل من أنفه على شفته، فإنه من الوجه، ويُغفَل عنه كثيرًا. وما ذكره المصنف من الاستيعاب إلى المرفقين هو الجديد؛ لحديث: "التَّيَمُّمُ

стр. 168

وَلَا يَجِبُ إِيصَالُهُ مَنْبِتَ الشَّعرِ الْخَفِيفِ. وَلَا تَرْتيبَ فِي نَقْلِهِ فِي الأَصَحِّ، فَلَوْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ وَجْهَهُ وَبِيَسَارِهِ يَمِينَهُ .. جَازَ. وَتندَبُ التَّسْمِيَةُ، وَمَسْحُ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِضَرْبَتَيْنِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: وُجُوبُ ضَرْبَتَيْنِ وَإِنْ أَمْكَنَ بِضَرْبَةٍ بخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ === ضرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ" رواه الحاكم مرفوعًا من رواية ابن عمر، وأثنى عليه، لكن قال الدارقطني والبيهقي: الصواب: وقفه على ابن عمر (١)، والقديم: يكفي مسحهما إلى الكوعين، ورجحه في "شرح المهذب"، و"التنقيح" لحديث عمّار بن ياسر، وقال في "الكفاية": إنه الذي يتعين ترجيحُه (٢). ونَبَّه المصنفُ بـ (ثم) على اشتراط الترتيب، وهو كذلك قياسًا على الوضوء، لكن روى البخاري وغيره في بعض روايات حديث عمّار: (أنه ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه)، وهو يقتضي عدم الترتيب (٣). (ولا يجب إيصاله) أي: التراب (منبتَ الشعر الخفيف) بخلاف الوضوء؛ لما فيه من العسر. (ولا ترتيبَ في نقله في الأصح، فلو ضرب بيديه) التراب دفعة واحدةً (ومسح بيمينه وجهَه، وبيساره يمينَه .. جاز) وكذا لو ضرب اليمين قبل اليسار، ثم مسح بيساره وجهَه، وبيمينه يسارَه؛ لأن الغرض الأصليَّ المسحُ، والنقلُ وسيلةٌ إليه، فلا يُشترط في الوسيلة ما يُشترط في المقصد، والثاني: يشترط؛ كالمسح. (وتُندب التسميةُ) كالوضوء (ومسحُ وجهِه ويديه بضربتين) لورودهما في الأخبار. (قلت: الأصح المنصوص: وجوب ضربتين وإن أمكن بضربةٍ بخرقةٍ ونحوِها، والله أعلم) لحديث ابن عمر المارِّ، ولأن الاستيعاب غالبًا لا يتأتّى بدونهما، فأشبه

стр. 169

ويُقَدِّمُ يَمِينَهُ وَأَعْلَى وَجْهِهِ، وَيُخَفِّفُ الْغُبَارَ، وَمُوَالَاةُ التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ. قُلْتُ: وَكَذَا الْغُسْلُ، وَيُنْدَبُ تَفْرِيقُ أَصَابِعِهِ أَوَّلًا، وَيَجِبُ نَزْعُ خَاتَمِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ مَاءٍ فَوَجَدَهُ؛ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ .. بَطَلَ === الأحجارَ الثلاثَ في الاستنجاء، لكن حديث عمّار يدل على الاكتفاء بضربةٍ واحدةٍ؛ لأنه ﷺ قال له: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا"، ثم ضرب بيديه ضربةً واحدةً (١). (ويُقدم يمينَه وأعلى وجهِه) على أسفله؛ لما مرّ في الوضوء، (ويُخفِّف الغبارَ) بنفخه، ونفضِ اليد إذا كان كثيرًا بحيث لا يبقى إلا قدرُ الحاجة؛ للاتباع (٢). أما مسح التراب من أعضاء التيمم .. فالأحب كما قاله في "الأم": ألّا يفعله حتى يفرغ من الصلاة (٣). (وموالاةُ التيممِ كالوضوء) فيأتي القولان، وإذا اعتبرنا هناك الجفافَ .. اعتبر هنا أيضًا بتقدير التراب ماء، (قلت: وكذا الغسل) أي: موالاته كالوضوء؛ لأن كلًّا منها طهارةٌ عن حدث. (ويندب تفريق أصابعه أوّلَّا) أي: أول الضرب في الضربتين جميعا؛ لأنه أبلغ في إثارة الغبار، فيكون تعميمُ الوجه بضربةٍ واحدة أسهلَ وأمكنَ. (ويجب نزع خاتَمه في الثانية، والله أعلم) ليبلغ التراب محلّه، بخلاف الوضوء؛ لأن التراب كثيفٌ، لا يسري إلى ما تحت الخاتم، بخلاف الماء، ولا يجب في الأولى، بل يستحب؛ ليكون مسحُ جميع الوجهِ باليد اتباعًا للسنة. (ومَن تَيمّم لفقد ماءً فوجده؛ إن لم يكن في صلاة .. بطل) تَيمُّمه وإن ضاق الوقت عن الوضوء بالإجماع؛ كما قاله ابن المنذر (٤). ووجود ثمن الماءِ عند إمكان شرائه كوجود الماء، وتوهُّمُ الماء كوجوده، حتى لو

стр. 170

إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَانِعٍ كَعَطَشٍ، أَوْ فِي صَلَاةٍ لَا تَسْقُطُ بهِ .. بَطَلَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَسْقَطَهَا .. فَلَا، وَقِيلَ: يَبْطُلُ النَّفْلُ. وَالأَصَحُّ: أَنًّ قَطْعَهَا لِيَتَوَضَّأَ أَفْضَلُ، === طلع ركبٌ، أو أطبق غيمٌ بقربه أو تخيّل السراب ماءً .. بطل تَيمُّمُه. ومِن التوهم -كما نقله الرافعي في (كفارة الظهار) عن بعضهم وأقره-: أن يسمع شخصًا يقول: (عندي ماء أودعني إياه فلانٌ)، بخلاف ما لو قال: (أودعني فلان ماء) (١)، وذكر الرافعي هنا: أنه لو سمع من يقول: (أودعني فلان ماء)، وهو حين يسمع يَعرف غيبةَ المودع .. أن ذلك مانع اقترن بوجوده (٢). وقضيته: البطلان إن لم يعرف غيبته، وهو يُخالف ما ذكره في (الظهار). واحترز بقوله: (لفقد ماء) عمّا إذا تيمّم لمرض ونحوِه .. فإنّه إنما بطل تيَمُّمُه بالقدرة على استعماله، ولا أثر لوجوده. (إن لم يقترن بمانع؛ كعطش) وسبع؛ لأن وجودَه - والحالة هذه - كالعدم. (أو في صلاةٍ لا تسقط به) أي: لا يسقط قضاؤها بالتيمم؛ بأن تيمّم في مكان يغلب فيه وجودُ الماء ( .. بطلت على المشهور) إذ لا فائدةَ في الاشتغال بها؛ لأنه لا بدّ من إعادتها، والثاني: لا تبطل؛ محافظة على حرمتها، ويعيدها، وهو وجه لا قول، فكان ينبغي أن يقول: على الصحيح. (وإن أسقطها .. فلا) تبطل؛ لتلبسه بالمقصود؛ كوجود الْمُكفِّر الرقبةَ بعد شروعه في الصوم. ويستثنى من إطلاقه: ما لو يُمِّمَ الميتُ لفقد الماء، وصلّي عليه، ثم وجد الماء في أثنائها، أو بعدها .. فإنه يجب غَسله والصلاة عليه؛ كما ذكره البغوي في "فتاويه"، ثم قال: ويحتمل ألّا يجب. (وقيل: يَبطُل النفلُ) الذي يسقط بالتيمم؛ لقصور حرمته عن حرمة الفرض؛ إذ الفرض يلزم بالشروع، بخلاف النفل، والأصح: المنع كالفرض. (والأصح: أن قطعَها) أي: الفريضة التي تسقط بالتيمم (ليتوضأ أفضلُ) من

стр. 171

وَأَنَّ الْمُتَنَفِّلَ لَا يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا مَنْ نَوَى عَدَدًا فَيُتِمُّهُ. وَلَا يُصَلِّي بِتيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ، وَيَتَنَفَّلُ مَا شَاءَ، === إتمامها بالتيمم؛ خروجًا من خلاف مَن أوجب القطعَ، ولأنه انتقالٌ إلى الأفضل، والثاني: أن الإتمام أفضلُ؛ لأن الخروج فيه إبطالٌ للعمل، وقيل: إن ضاق الوقتُ .. حرم قطعُها، وإلّا .. فلا، كذا حكياه في "الروضة"، و"أصلها" عن الإمام (١). وقضية كلامهما: أنه وجهٌ ضعيفٌ، لكن قال في "شرح المهذب": وهذا متعيّن، لا أعلم أحدًا يُخالفه، وفي "التحقيق": إن ضاق وقتُها .. حرم قطعُها اتفاقًا (٢). (وأن المتنفل لا يجاوز ركعتين) لأنه الأحب المعهود في النوافل (إلّا من نوى عددًا فيُتمُّه) لأن إحرامَه قد انعقد كذلك، فأشبه المكتوبةَ المقدرةَ. وكان الأحسن أن يقول؛ (إلّا من نوى شيئًا) ليشمل ما لو أحرم بركعة؛ فإنه لا يزيد عليها. (ولا يصلّي بتيمم غيرَ فرض) لأن الوضوءَ كان يجب لكلّ فرض، والتيممَ بدلٌ عنه، ثم إنّ إيجاب ذلك نسخَ بالنسبة إلى الوضوء، فبقي التيمم على الأصل، ولا يصح قياسُه عليه؛ لأنه طهارةُ ضرورةٍ، وعدل عن تعبير الرافعي في "الشرح": (ولا يؤدي) إلى قوله: (ولا يصلي) لئلا يرد تمكين المرأةِ الزوجَ، فإنه فرضٌ، ومع ذلك يجمع بين وَطَآت، وبين ذلك وفرض آخر؛ كما صححه في (الحيض) من "شرح المهذب" (٣)، لكن في عبارة المصنف قصورٌ، فإنه يمتنع الجمع أيضًا بين طوافين مفروضين، وبين فرض طواف وفرض صلاة، وبين صلاة الجمعة وخطبتها، وعبارة "الشرح" شاملةٌ لذلك (٤). (ويتنفل ما شاء) لأن النوافل لا تنضبط، فيؤدي إيجابُ التيمم لكل صلاةٍ منها إلى

стр. 172

وَالنَّذْرُ كَفَرْضٍ فِي الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ جَنَائِزَ مَعَ فَرْضٍ، وَأَنَّ مَنْ نَسِيَ إِحْدَى ألْخَمْسِ .. كَفَاهُ تَيَمُّمٌ لَهُنَّ. وَإِنْ نَسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ .. صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ بِتَيَمُّمٍ، وَإِنْ شَاءَ .. تَيَمَّمَ مَرَّتينِ وَصَلَّى بِالأَوَّلِ أَرْبَعًا وِلَاءً، وَبِالثَّانِي أَرْبَعًا لَيْسَ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا، ...... === الترك، أو إلى حرج عظيمٍ. ويؤخذ من ذلك: أن من صلّى فرضًا بالتيمم .. له إعادتُه به، لأن الفرض الأولى كما سيأتي في موضعه، وبه صرح الْخَفَّاف في "الخصال"، وفرضه في المتيمم المسافر. (والنذرُ كفرضٍ في الأظهر) للزومه، والثاني: لا، لأنه واجبٌ بعارض، فلا يلحق بالفرض الأصلي. (والأصح: صحةُ جنائزَ مع فرضٍ) بتيمم؛ لأنها ليست من جنسِ فرائضِ الأعيان، والثاني: لا؛ كما لا يصليها قاعدًا مع القدرة، ولا على الراحلة. وفرق الأول: بأن ركنَها الأعظمَ القيامُ، فتجويزُها قاعدًا وراكبًا يمحو صورتَها. (وأن من نَسي إحدى الخمس) ولم يعلم عينَها .. وجب عليه أن يصليَ الخمسَ؛ لتبرأ ذمتُه بيقينٍ، وإذا أراد صلاتهن بالتيمم ( .. كفاه تيممٌ لهن) لأن الفرض واحدٌ، وما عداه وسيلةٌ، وقيل: لكل واحدةٍ تيممٌ؛ لأن الجميعَ واجبٌ. (وإن نسي مختلفتين) كظهر وعصر ( .. صلّى كلَّ صلاةٍ) من الخمس (بتيمم) فيصلي الخمسَ بخمس تيمّمات، وهذه طريقة ابن القاص. (وإن شاء .. تيمم مرتين، وصلّى بالأول أربعًا وِلاءً) كالصبح، والظهر، والعصر، والمغرب. (وبالثاني أربعًا ليس منها التي بدأ بها) كالظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فيخرج عمّا عليه بيقين؛ لأنه صلّى الثلاثةَ المتوسطةَ، وهي الظهر والعصر والمغرب مرّتين بتيمّمين. فإن كانت الفائتتان في هذه الثلاث .. فقد تأدت كلّ واحدة بتيمّم. وإن كانت الفائتتان الصبحَ والعشاءَ .. فقد تأدّت الصبحُ بالتيمّم الأول، والعشاءُ بالثاني، وكذا لو كانت إحدى الفائتتين إحدى الثلاث، والأخرى الصبحَ أو العشاءَ،

стр. 173

أَوْ مُتَّفِقَتَيْنِ .. صَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِتَيَمُّمَيْنِ. وَلَا يَتَيَمَّمُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِ فِعْلِهِ، وَكَذَا النَّفْلُ الْمُؤَقَّتُ فِي الأَصَحِّ === وهذه طريقة ابن الحداد. وقول المصنف: (ولاء) ليس بشرط، بل لو أتى بها متفرقةً .. صح؛ كما يقتضيه كلامُ "الشرح" وغيره، وقال الإسنوي: لا وجه لاشتراط الولاءِ (١)، وفي وجه ضعيفٍ: أنه يلزمه في صورة الكتاب أن يتيمّم مرّتين، ويصلّي بكلّ واحد منهما الصلواتِ الخمسَ. (أو متفقتين) ولا يعرف عينهما، ولا يكون ذلك إلّا من يومين ( .. صلّى الخمس مرّتين) فيصلّي صبحين، وظهرين، وعصرين، ومغربين، وعشاءين؛ ليخرج عن العهدة بيقين (بتيممين) هذا هو الأصحُّ، وقيل: لابدّ من عشر تيمّماتٍ. (ولا يتيمّم لفرضٍ قبل وقتِ فعله) لأنه طهرُ ضرورة ولا ضرورةَ قبل الوقت. وشمل إطلاقُه الفرضَ المنذورةَ المتعلقةَ بوقتٍ معيّنٍ، وبه صرّح المتولّي، قال في "الكفاية": ويظهر تخريجُه على القاعدة المعروفة، وهي: أنه يسلك بالنذر مسلكَ واجبِ الشرع أو جائزِه (٢). وشمل أيضًا صلاةَ الجنازة، ويدخل وقتُها بالغسل، وقيل: بالموت، ووقع في "الشرح الكبير" هنا شيءٌ عجيبٌ، فإنه قسم النافلةَ إلى مؤقتةٍ وغيرِها، ثم جعل من المؤقتة صلاةَ الجنازة، وقضيته: أنها نافلة، ولا قائل به (٣). (وكذا النفل المؤقّت في الأصح) كالفرض، والثاني: يجوز قبل وقته؛ لأن أمره أوسعُ، ولهذا جاز الجمع بين نوافلَ بتيمّمٍ. واحترز بالمؤقّت: عن النوافل المطلقةِ؛ فإنه يتيمم لها متى شاء، إلّا في أوقات الكراهة في الأصح.

стр. 174

وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا .. لَزِمَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنْ يُصلِّيَ الْفَرْضَ وَيُعِيدَ. وَيَقْضي الْمُقِيمُ المُتَيَمِّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ، لَا الْمُسَافِرُ، === (ومن لم يجد ماءً ولا ترابًا .. لزمه في الجديد أن يصليَ الفرضَ) لحرمة الوقت؛ كالعاجز عن السترة، وإزالة النجاسة. (ويعيدَ) إذا قدر على ما يُسقط الفرضَ؛ من ماء أو تراب؛ لأنه عذرٌ نادرٌ لا يدوم، ولا عبرة بوجود التراب بموضعٍ لا يَسقط القضاءُ به، ومقابل الجديد أقوالٌ: أحدها: تجب الصلاة بلا إعادة، والثاني: لا يجب فعلها في الوقت، وإنما يستحب، وتجب الإعادةُ، والثالث: يستحب الفعل بلا إعادة. واحترز بـ (الفرض): عن النفل، فلا يجوز له التنفل بحالٍ، وكذا مَسُّ المصحف وحملُه، ولا أن يجلسَ في المسجد إن كان حدثُه أكبرَ، ولا يقرأ من عليه حدثٌ أكبرُ غيرَ الفاتحة جزمًا، ولا الفاتحةَ على الأصح عند الرافعي، لكن صحّح المصنف وجوبَ قراءتِها (١). ولا يلزم الفاقدَ المذكورَ أن يقضيَ في تلك الحالةِ صلاةً تركها بلا عذر، وهل يجوز له ذلك، ثم يقضي إذا قدر على الطهور؛ فيه وجهان حكاهما في "شرح المهذب"، وقال: إن الصوابَ منهما: أنه لا يجوز؛ لعدم الفائدة (٢)، والمراد بالإعادة: القضاءُ؛ كما عبّر به في "المحرّر" (٣)، لا الاصطلاح الأصولي (٤). (ويَقضي المقيم المتيمم لفقد الماء) لندور الفقد، وعدم دوامه، (لا المسافرُ) وإن قصر سفرُه؛ لعموم الفقد فيه، وإطلاقه المقيمَ والمسافرَ جرى فيه على الغالب في وِجدان الماء في الإقامة، وفقده في السفر، فلو انعكس الحالُ .. انعكس الحكم. فإذا أقام في مفازة، أو موضع يعدم فيه الماء غالبًا .. لم يعد، ولو دخل المسافرُ في طريقه بلدةً أو قرية، وعدم الماء .. أعاد في الأصحِّ وإن كان حكمُ السفر باقيًا، قال

стр. 175

إِلَّا الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ تَيَمَّمَ لِبَرْدٍ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، أَوْ لِمَرَضٍ يَمْنَعُ الْمَاءَ مُطْلَقًا، أَوْ فِي عِضْوٍ وَلَا سَاتِرَ .. فَلَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِجُرْحِهِ دَمٌ كَثيرٌ، وَإِنْ كَانَ سَاتِرٌ .. لَمْ يَقْضِ فِي الأَظْهَرِ إِنْ وُضِعَ عَلَى طُهْرٍ، === الأصحاب: وضابط الإعادة لفقد الماء: إن كان بموضع يندر فيه العدمُ .. أعاد، وإلّا .. فلا، والجمعة لم تدخل في كلام المصنف؛ إذ لا تُقضى، قال الإسنوي: (والمتجه: فعلُها، وقضاءُ الظهر). (إلّا العاصيَ بسفره) فإنه يقضي (في الأصح) لأن سقوط الفرض به رخصةٌ، فلا تناط بسفر المعصية، والثاني: لا يقضي؛ لأن التيمّم إذا وجب عليه .. صار عزيمةً. (ومن تيمّم لبرد) وصلّى ( .. قضى في الأظهر) لأن البرد - وإن لم يكن نادرًا، لكن العجز عمّا يُسخن به الماء، وعن ثيابٍ يتدفأ بها .. نادرٌ - لا يدوم إذا وقع، والثاني: لا يقضي؛ إذ لم يأمر ﵊ عمرًا بالإعادة (١). ومحل القولين: في السفر، فإن كان حاضرًا .. فالمشهور: القطع بالوجوب. (أو لمرض يمنع الماء مطلقًا، أو) يمنعه (في عضوٍ ولا ساتر) على ذلك العضو ( .. فلا) قضاء عليه؛ لأنه عذر عامّ، وسواء فيه المقيم والمسافر، والمراد بالمرض هنا: أعمّ من الجرح وغيره. (إلّا أن يكون بجرحه دمٌ كثيرٌ) بحيث لا يعفى عنه، ويخاف من غسله محذورًا مما مرّ، فيصلي معه ويقضي؛ لأن العجز عن إزالته بماء مسخن ونحوه نادرٌ لا يدوم، والتقييد بالكثير زاده على "المحرّر"، ونبه عليه في "الدقائق" (٢). وما جزم به هنا من القضاء رجح خلافَه في (شروط الصلاة)، فصحح من "زوائده": أن موضع الفصد والحجامة كالبثرات (٣)، ومقتضاه: العفو عن الكثير. (وإن كان ساترٌ) كجبيرة على غير أعضاء التيمّم ( .. لم يقض في الأظهر إن وُضع على طهر) لأنه أولى من مسح الخف؛ للضرورة هنا، والثاني: يقضي؛ لأنه عذرٌ

стр. 176

فَإِنْ وُضِعَ عَلَى حَدَثٍ .. وَجَبَ نَزْعُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ .. قَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ. === نادرٌ غيرُ دائم، فإن كان على محلّ التيمّم .. وجب القضاءُ قطعًا؛ لنقصان البدل والمبدل جميعًا. (فإن وُضع على حدث .. وجب نزعُه) إن أمكن بلا ضرر؛ لأنه مسح على ساتر، فاشترط فيه الوضع على طهر؛ كالخف، (فإن تعذّر) نزعُهُ ومسح وصلّى ( .. قضى على المشهور) لفوات شرطِ الوضع، والثاني: لا؛ لمكان العذر (١)، بخلاف الخفّ. * * *

стр. 177

بابُ الحَيْض أَقَلُّ سِنِّهِ: تِسْعُ سِنِينَ، وَأَقَلُّهُ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيهَا. وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: خَمْسَةَ عَشَرَ، === (باب الحيض) والاستحاضة والنفاس والحيض لغة: السَّيَلان، يقال: حاض الوادي: إذا سال، وشرعًا: دمٌ يخرج - بعد بلوغ المرأة - من قُبلها من أقصى رحمها، من غير سببٍ، في أوقات معلومة، بشرائط مخصوصة. والاستحاضة: دمٌ يَسيلُ من عِرق في أدنى الرحم، يقال له: (العاذل) بالذال المعجمة، وقيل: بالمهملة، وقيل: بمعجمة وراء، وهو دمُ علّةٍ لا جِبِلَّة، عكس الحيض. والنفاس: هو الدم الخارج بعد الولد. (أقل سنه: تسع سنين) قمريّة؛ للاستقراء، قال الشافعي ﵁: (أعجل من سمعته من النساء يحضن نساءُ تهامة، يحضن لتسع سنين) (١)، والمراد بالتسع: استكمال التاسعة، وقيل: نصفها، وقيل: الطعن فيهما. (وأقله: يوم وليلة) متصلة؛ لأنه أقلّ ما عُلم كما قاله الشافعي، قال الإمام: والمراد: مقدار ذلك (٢)، وهو أربعة وعشرون ساعة، (وأكثره: خمسةَ عشرَ بلياليها) للاستقراء أيضًا. (وأقلّ طهرٍ بين الحيضتين: خمسةَ عشرَ) يومًا؛ لأنه إذا كان أكثر الحيض خمسة عشر .. لزم في الطهر ذلك. وخرج بقوله: (بين الحيضتين) الطهرُ بين الحيض والنفاس إذا قلنا: الحاملُ تحيض، فإنه يجوز نقصُه عن ذلك في الأصحِّ، بل لو خرج متّصلًّا بالولادة بلا تخلُّلِ طهرٍ .. كان حيضًا. وخرج أيضًا: ما لو رأت النفاسَ ستين يومًا، ثم انقطع، ثم عاد الدم قبل خمسةَ

стр. 178

وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ. وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالْجَنَابَةِ، وَعُبُورُ الْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تلوِيثَهُ، وَالصَّوْمُ، ويجِبُ قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَمَا بَيْنَ سُرَّتهَا وَرُكْبَتِهَا، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْوَطْءِ === عشرَ، ففي جعله حيضًا هذان الوجهان؛ كما نقله في "شرح المهذب" في الكلام على النفاس عن المتولّي، وأقره (١)، وقضيته: ترجيح كونه حيضًا. وخرج أيضًا: أيام النقاء المتخلّلةِ بين أيام الحيض إذا قلنا بقول اللقط كما سيأتي. (ولا حَدَّ لأكثره) بالإجماع، فإنّ المرأة قد لا تحيض أصلًا، وسكت المصنفُ عن الغالب، وهو في الحيض: ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر. (ويحرم به) أي: بالحيض (ما حرم بالجنابة) لأنه أغلظ، (و) يزيد على ذلك (عبورُ المسجد إن خافت تلويثَه) صيانةً للمسجد عن التلويث، ولا خصوصيةَ للحائض بهذا؛ فإن المستحاضة، ومَنْ به حدث دائم، أو جراحةٌ تسيل كذلك، وكذا المتنعّل نعلًا ذا نجاسةٍ رطبةٍ، فليدلكه، ثم ليدخل. (والصوم) للإجماع على تحريمه، وعدم صحته، (ويجب قضاؤه، بخلاف الصلاة) لقول عائشة ﵂: (كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) (٢)، وانعقد الإجماع على ذلك. (وما بين سرّتها وركبتِها) أي: يحرم مباشرتُه؛ لأن ذلك حريمٌ للفرج، ومن حام حول الحِمَى يُوشِك أن يقع فيه. وسكتوا عن مباشرتها له فيما بين السرّة والركبة؛ كمس الفرج ونحوه، قال الإسنوي: والقياس: تحريمه (٣). (وقيل: لا يحرم غيرُ الوطء) لقوله ﷺ : "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ"، قال في "شرح المهذب": (وهذا أقوى من حيث الدليلُ) (٤).

стр. 179

فَإِذَا انْقَطَعَ .. لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ === وقال في "التحقيق"، و"التنقيح"، "والتصحيح": (إنه المختار) (١)، قال: ولكن الأول: هو المنصوص في الجديد والأصحُّ عند الأكثرين. أما تحريم الوطء .. فإجماع، ومُورِث علةً مؤلمة جدًّا للمُجامع، والجذامَ للولد، وكلامه يوهم الحصرَ فيما ذكره. وأورد تحريم الطلاق فيه، وأجيب: بأنه أشار إليه فيما بعد. وأورد أيضًا الغسل؛ فإنه يحرم قبل الانقطاع بنيةِ رفعِ الحدثِ إذا قصدت التعبد به مع علمها بأنه لا يصح؛ للتلاعب، ذكره في "شرح المهذب" (٢). (فإذا انقطع .. لم يحل قبل الغُسل غيرُ الصوم) لأن تحريمه بالحيض، لا بالحدث، بدليل صحته من الجنب، (والطلاقِ) لزوال المعنى المقتضي للتحريم، وهو تطويلُ العدّةِ بسبب الحيضِ. وأفهم: أن ما عدا الصوم والطلاق من المحرّمات لا يزول تحريمه إلّا بالغُسل، أما ما عدا الاستمتاع: فلأن المنع منه إنما هو لأجل الحدث، والحدثُ باقٍ. وأما الاستمتاع .. فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، فإنه قد قرئ بالتخفيف والتشديد في السبع (٣)؛ أمّا قراءة التشديد: فصريحة فيما قلناه، وأمّا التخفيف .. فإن كان المراد به أيضًا: الاغتسال كما قاله ابن عباس وجماعة؛ لقرينة قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ .. فواضح، وإن كان المرادُ به: انقطاعَ الحيض .. فقد ذكر بعده شرطًا آخر وهو قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فلا بدّ منهما معًا. وحكى الغزالي: أن الوطء قبل الغُسل يورث الجذام في الولد (٤). وأورد على حصر المصنف الاستثناءَ المنعُ من الطهارة، قال في "زيادة الروضة": وكذا تحريم عبور المسجد في الأصحِّ إذا قلنا بالوجه الضعيف: أنه يحرم

стр. 180

وَالاسْتِحَاضَةُ حَدَث دَائِمٌ كَسَلَسٍ، فَلَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَتَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ، وَتَتَوَضَّأُ وَقْتَ الصَّلَاةِ، === عبوره عند أمن التلويث (١)، ولا يستثنى نكاح المستبرأة وإن كان يرتفع أيضًا بالانقطاع؛ لأن الكلام فيما حرم بالحيض، وتحريم نكاح المستبرأة ثابتٌ قبل الحيض. ولو أبدل المصنف الغسل بالتطهير .. لكان أولى، ليشمل التيممَ بشرطه. (والاستحاضةُ حدث دائم كسَلَسٍ) أي: سلس البول ونحوِه (فلا تمنع الصومَ والصلاةَ) كسائر الأحداث، بخلاف الحيض، ولأمره ﵊ حمنة بهما (٢). وقوله: (حدث دائم) ليس تفسيرًا للاستحاضة، وإلّا .. يلزم كون سَلَسِ البول استحاضةً، وإنما هو بيان لحكمه الإجمالي، وإنما الاستحاضة دمٌ تراه المرأة، غيرُ دم الحيض والنفاس. ثم أخذ المصنفُ في بيان حكمها التفصيلي، فقال: (فتغسل المستحاضةُ فرجَها) وجوبًا قبل الوضوء، أو التيمم، إن كانت تتيمّم للطهارة عن النجاسة، (وتَعْصِبه) بعصابة على كيفية مشهورةٍ، وذلك بعد حشوه بقُطنة ونحوِها، دفعًا للنجاسة، أو تقليلًا لها، وهذا الحشو والتعصيب واجبان، إلّا إذا تأذّت بالشدّ، ويحرقها اجتماع الدم .. فلا يلزمها، وتصلي مع السيلان. ولو كانت صائمةً .. لم تَحْشُه نهارًا، وتقتصر على التعصيب، كما قاله الشيخان (٣). (وتتوضأ وقت الصلاة) لا قبل الوقت، كالمتيمم، وكان الأحسن أن يقول: (فتتوضأ) لأن الأصح في "شرح مسلم"، والمجزوم به في "التحقيق": اشتراطُ
следующие страницы →