وَكُلِّ شَفَةٍ نِصْفٌ، وَلِسَانٍ وَلَوْ لِألْكَنَ وَأَرَتَّ وَأَلْثَغَ وَطِفْلٍ دِيَةٌ، وَقِيلَ: شَرْطُ الطِّفْلِ ظُهُورُ أَثَرِ نُطْقٍ بِتَحْرِيكِهِ لِبُكَاءٍ وَمَصٍّ، وَلِأخرَسَ حُكُومَةٌ،
===
(وكل شفة نصف) سواء العليا والسفلى؛ لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم (١).
وفي بعض نسخ الكتاب: (وهي في عرض الوجه إلى الشدقين، وفي طوله ما يستر اللثة على الأصحِّ)، وكذا قاله في "المحرر" (٢)، وعن نسخة المصنف أنه ذكرها ثم ضرب عليها.
(ولسان) ناطق (ولو لألكن، وأرت، والثغ، وطفل دية) لإطلاق حديث عمرو بن حزم: "وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ" صححه ابن حبان والحاكم (٣).
وقضيته: وجوب الدية ولو كان فاقد الذوق، لكن جزم الماوردي بالحكومة كالأخرس (٤).
(وقيل: شرط الطفل ظهور أثر نطق بتحريكه لبكاء ومص) فإن لم يظهر؛ لقطعه ساعة ولادته .. فحكومة؛ لأن سلامته غير متيقنة، والأصل براءة الذمة، قال الرافعي: (وحكى الإمام قطع الأصحاب به، والذي يوجد في كتب عامة الأصحاب: وجوب الدية؛ أخذًا بظاهر السلامة؛ كما تجب الدية في يده ورجله وإن لم يكن بطش في الحال). انتهى (٥)، وقد جزم الرافعي في (باب القصاص) بأنه يقطع لسان المتكلم بلسان الرضيع إن ظهر فيه أثر النطق بالتحريك عند البكاء وغيره، وإلا .. لم يقطع، قال: وإن بلغ أوان التكلم ولم يتكلم .. لم يقطع به لسان المتكلم (٦).
(ولأخرس حكومة) لأن فيه جمالًا بدون منفعة يحتفل بها؛ إذ أعظم منافعه التعبير عما في القلب وهو مفقود، فأشبه اليد الشلاء، وهذا إذا لم يذهب بقطعه الذوق، أو
стр. 1927
وَكُلِّ سِنٍّ لِذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، سَوَاءٌ كَسَرَ الظَّاهِرَ مِنْهَا دُونَ السِّنْخِ أَوْ قَلَعَهَا بِهِ. وَفِي سِنٍّ زَائِدَةٍ حُكُومَةٌ، وَحَرَكَةُ السِّنِّ إِنْ قَلَّتْ .. فَكَصَحِيحَةٍ،
===
كان ذاهب الذوق، فأما إذا قطع لسان أخرس فذهب ذوقه .. وجبت الدية؛ لذهاب الذوق.
(وكل سن) أصلية (لذكر حر مسلم خمسة أبعرة) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ" صححه ابن حبان والحاكم (١).
وخرج بالذكر: المرأة؛ ففي سنها بعيران ونصف، وبالحر: العبد؛ فيجب في سنه نصف عشر قيمته، وبالمسلم: الكافر، ففي سنه نصف عشر دية صاحبه.
ولو عبر المصنف بنصف عشر دية صاحبه .. لتناول جميع الصور، واستفيد به التغليظ والتخفيف.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو انتهى صغر السن إلى الا يصلح للمضغ .. فليس فيها إلا حكومة.
(سواء كسر الظاهر منها دون السنخ، أو قلعها به) لأنه تابع فأشبه الكف مع الأصابع.
والسنخ: بكسر السين، ثم نون ساكنة، ثم خاء معجمة: أصل السن المستتر باللحم.
وقضيته: أنه لو تحركت السليمة وهي باقية في موضعها، ولكن أذهبت الجناية جميع منافعها .. عدم وجوب الدية، لكن صرح الماوردي بوجوب الدية بذلك (٢)، وذهاب جميع منافعها مع بقائها مستبعد؛ فإن منفعة الجمال، وحبس الطعام والريق موجودة مع بقائها.
(وفي سن زائدة حكومة) كالإصبع الزائدة، (وحركة السن إن قلت .. فكصحيحة) في وجوب القصاص والأرش.
стр. 1928
وَإِنْ بَطَلَتِ الْمَنْفَعَةُ .. فَحُكُومَةٌ، أَوْ نَقَصَتْ .. فَالأَصَحُّ: كَصَحِيحَةٍ. وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَبِيٍّ لَمْ يُثْغَرْ فَلَمْ تَعُدْ وَبَانَ فَسَادُ الْمَنْبتِ .. وَجَبَ الأَرْشُ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ .. فَلَا شَيْءَ، وَأَنَّهُ لَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَعَادَتْ .. لَا يَسْقُطُ الأَرْشُ، وَلَوْ قُلِعَتِ الأَسْنَانُ .. فَبِحِسَابِهِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَزِيدُ عَلَى دِيَةٍ إِنِ اتَّحَدَ جَانٍ وَجِنَايَةٌ
===
(وإن بطلت المنفعة .. فحكومة) فقط، للشين، ولعل المراد: منفعة المضغ لا كل منفعة؛ إذ إبطال كل المنافع مع بقائها بعيد كما مر، (أو نقصت .. فالأصح: كصحيحة) فيجب الأرش؛ لبقاء الجمال، وأصل النفع بها في المضمغ، وحفظ الطعام، ورد الريق، ولا أثر لضعفها؛ كضعف البطش والمشي، والثاني: لا، بل الواجب الحكومة؛ لنقصان المنفعة؛ كاليد الشلاء.
وكان ينبغي التعبير: بالأظهر؛ كما في "الروضة" و"أصلها"؛ فإن الخلاف قولان منصوصان في "الأم" (١).
(ولو قلع سن صبي لم يثغر فلم تعد) بعد أوان العود (وبان فساد المنبت .. وجب الأرش) كسن المثغور، فلو عادت .. لم يجب الأرش، بل الحكومة إن بقي شين، وإلا .. فلا، (والأظهر: أنه لو مات قبل البيان) أي: قبل تبين حال طلوعها وعدمه ( .. فلا شيء) لأن الأصل براءة الذمة، والظاهر: أنه لو عاش .. لعادت، والثاني: يجب الأرش؛ لتحقق الجناية، وا لأصل عدم العود، وعلى الأول: تجب الحكومة، خلافًا لما يوهمه كلام "الكتاب".
(وأنه لو قلع سن مثغور فعادت .. لا يسقط الأرش) لأن العائد نعمة جديدة، والثاني: نعم؛ لأن متعلق الأرش فساد المنبت مع القلع، وقد بأن أنه لم يفسد.
(ولو قلعت الأسنان .. فبحسابه) فيجب لكل سن خمس من الإبل؛ للحديث السابق (٢)، وهي تزيد غالبًا على قدر الدية، فتجب مئة وستون بعيرًا إذا كان كامل الأسنان، وهي اثنان وثلاثون سنًّا، (وفي قول: لا يزيد على دية إن اتحد جان وجناية) لأن الأسنان جنس متعدد من الأجزاء والأطراف فأشبهت الأصابع وسائر الأعضاء.
стр. 1929
وَكُلِّ لَحْيٍ نِصْفُ دِيَةٍ، وَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ الأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ فِي الأَصَحِّ
===
وفرق الأول: بأنا إنما اعتبرنا الأسنان في أنفسها وإن زاد أرشها على الدية؛ لأنها يختلف نباتها ويتقدم ويتأخر، فاحتيج إلى اعتبارها في أنفسها، بخلاف الأصابع؛ فإنها متساوية متفقة في النبات، فقسطت الدية عليها.
واحترز بقوله: (إن اتحد) عما لو تعدد الجاني؛ بأن قلع عشرين، وقلع آخر الباقي .. لزم الأول مئة، والثاني ستون قطعًا.
وإن تعددت الجناية؛ بأن قلع البعض ثم عاد وقلع الباقي بعد الاندمال؛ أي: بأن برأت اللثة وزال الالم .. لزمه مئة وستون قطعًا، وإن قلع الباقي قبل الاندمال .. فعلى القولين.
وقضية إطلاق المصنف: أنه لو زادت الأسنان على اثنين وثلاثين .. يجب لكل سن خمس من الإبل.
وفي المسألة وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا تجب للزائد إلا حكومة، ولم يرجحا شيئًا.
(وكل لحي نصف دية) أي: ففي اللحيين الدية؛ لأن فيهما جمالًا ومنفعة، فوجبت فيهما الدية، وفي أحدهما نصفها؛ كالأذنين.
واللحيان: هما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان السفلى، ويجتمع مقدمهما في الذقن، ومؤخرهما في الأذن.
(ولا يدخل أرش الأسنان في دية اللحيين في الأصح) إذا كان عليهما الأسنان، بل تجب دية اللحيين وأرش الأسنان؛ لأن كل واحد من العضوين مستقل برأسه، لكل واحد منهما بدل مقدر، فلا يدخل أحدهما في الآخر؛ كالأسنان واللسان، والثاني: يدخل، كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع.
وفرق الأول: بأن اسم اليد يشمل الكف والأصابع، ولا يشمل اسم اللحيين الأسنان؛ ولأن اللحيين كاملان في الخلق قبل الأسنان بدليل الطفل، بخلاف الكف مع الأصابع؛ لأنهما كالعضو الواحد.
стр. 1930
وَكُلِّ يَدٍ نِصْفُ دِيَةٍ إِنْ قَطَعَ مِنْ كَفٍّ، وَإِنْ قَطَعَ فَوْقَهُ .. فَحُكُومَةٌ أَيْضًا، وَكُلِّ إِصبَعٍ عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ، وَأَنْمُلَةٍ ثُلُثُ الْعَشَرَةِ، وَأَنْمُلَةِ إِبْهَامٍ نِصْفُهَا، وَالرِّجْلَانِ كَالْيَدَيْنِ. وَفِي حَلَمَتَيْهَا دِيَتُهَا،
===
(وكل يد نصف دية إن قطع من كف) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ" رواه أبو داوود (١)، ونقل ابن المنذر فيه الإجماع (٢)، وإنما حملنا اليد في الخبر على الكف؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وقطع ﵊ من مفصل الكف، فدل على أنها اليد لغة وشرعًا.
(وإن قطع فوقه) أي: الكف ( .. فحكومة أيضًا) مع دية اليد؛ لأنه تجاوز القدر فيضمن بدله؛ كما لو انفرد بالقطع؛ ولأن ما فوق الكف ليس بتابع، وليس فيه أرش مقدر، بخلاف الكف مع الأصابع؛ لأنهما كالعضو الواحد.
(وكل إصبع) من اليد من صاحب الدية الكاملة (عشرة أبعرة) لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم (٣).
(وأنملة ثلث العشرة) بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر (٤)، (وأنملة إبهام نصفها) عملًا بالتقسيط.
(والرجلان كاليدين) فيما سبق، ففيهما كمال الدية، وفي أحدهما: نصفها؛ لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم (٥).
وتكمل ديتهما بالتقاط أصابعهما، والقدم كالكف، والساق كالساعد، والفخذ كالعضد، وأناملهما كأنامل أصابع اليدين.
(وفي حلمتيها) وهما رأس ثدييها (ديتها) وفي إحداهما نصفها؛ لما فيهما من منفعة الإرضاع وجمال الثدي؛ كما أن منفعة اليد بالأصابع، وسواء ذهبت منفعة الإرضاع أم بقيت.
стр. 1931
وَحَلَمَتَيْهِ حُكُومَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: دِيَةٌ، وَفِي أُنْثَيَيْنِ دِيَةٌ، وَكَذَا ذَكَرٌ وَلَوْ لِصَغِيرٍ وَشَيْخٍ وَعِنِّينٍ. وَحَشَفَةٌ كَذَكَرٍ، وَبَعْضُهَا بِقِسْطِهِ مِنْهَا، وَقِيلَ: مِنَ الذَّكَرِ،
===
(وحلمتيه حكومة) لأنه ليس فيه منفعة الرضاع، فهو إتلاف جمال فقط، (وفي قول: دية) أي: دية رجل، للقاعدة: أن كل ما وجب فيه الدية من المرأة .. وجبت فيه من الرجل؛ كاليدين، قال الروياني: وليس للرجل ثدي وإنما هي قطعة لحم من صدره.
(وفي أنثيين دية، وكذا ذكر) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ" صححه ابن حبان والحاكم (١).
(ولو لصغير، وشيخ، وعنين) وخصي، لإطلاق الخبر المذكور، ولأن ذكر الخصي سليم، وهو قادر على الإيلاج، وإنما الفائت الإيلاد، وأيضًا العنة عيب في غير الذكر، لأن الشهوة في القلب، والمني في الصلب، وليس الذكر بمحل لأحدهما، فكان سليمًا من العيب، بخلاف الأشل.
(وحشفة كذكر) فتجب فيها دية، لأن ما عداها من الذكر تابع لها، كالكف مع الأصابع، فمعظم منافع الذكر وهو لذة المباشرة تتعلق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، (وبعضها بقسطه منها) لأن الدية تكمل بقطعها، فقسطت على أبعاضها، (وقيل: من الذكر) لأنه المقصود بكمال الدية، فإن كان المقطوع نصفها وهو سدس الذكر .. وجب نصف الدية على الأول، وسدسها على الثاني.
هذا إذا لم يختل مجرى البول، فإن اختل .. فعليه أكثر الأمرين من قسط الدية وحكومة فساد المجرى، نقلاه عن المتولي، وأقراه (٢)، وقاله البَنْدَنيجي أيضًا، قال الأَذْرَعي: وفي "البيان" عن النص ما يوافقه، ونقله الزركشي عن نص "الأم"، وتعقبه البُلْقيني بأن القطعة من الحشفة التي لها الحصة المعلومة لا تدخل في الحكومة، بل يجب أرشها بالنسبة على ما سبق، وتجب لفساد المجرى حكومة.
стр. 1932
وَكَذَا حُكْمُ بَعْضِ مَارِنٍ وَحَلَمَةٍ، وَفِي الأَلْيَيْنِ الدِّيَةُ، وَكَذَا شُفْرَاهَا، وَكَذَا سَلْخُ جِلْدٍ إِنْ بَقِيَ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَحَزَّ غَيْرُ السَّالِخِ رَقَبَتَهُ.
فَرْعٌ [في موجب إزالة المنافع]
فِي الْعَقْلِ دِيَةٌ،
===
(وكذا حكم بعض مارن وحلمة) أي: والأصحّ: التوزيع على الحلمة والمارن فقط، ومقابله: على الأنف والثدي.
(وفي الأليين الدية) وفي إحداهما نصفها؛ لما فيهما من الجمال والمنفعة في الركوب، والقعود، وسواء في ذلك الرجل والمرأة، وحدّهما ما أشرف على الظهر والفخذين.
(وكذا شفراها) لما فيهما من الجمال والمنفعة؛ إذ بهما يقع الالتذاذ بالجماع، وهما اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم، وقد عبر الشافعي عنهما بالإسكتين (١)، وفرق الأزهري بينهما بأن الإسكتين ناحيتا الفرج، والشفرين طرفا الناحيتين (٢).
(وكذا سلخ جلد) تجب فيه الدية؛ لأن في بقائه جمالًا ومنفعة ظاهرة، فهو كالشيء الذي ليس في البدن منه إلا واحدًا؛ كاللسان، والذكر (إن بقي حياة مستقرة وحز غير السالخ رقبته) أو مات بسبب آخر، فإن مات بسبب السلخ، أو حز السالخ رقبته .. فالواجب: دية النفس إن عفا عن القود.
* * *
(فرع) في إزالة المنافع، ويشتمل على ثلاثة عشر شيئًا؛ كما تقف عليه.
(في العقل دية) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر (٣)؛ ولأنه أشرف الحواس، ولا يجب القصاص فيه على المذهب؛ لاختلاف الناس في محله هل هو القلب، أو
стр. 1933
فَإِنْ زَالَ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ أَوْ حُكُومَةٌ .. وَجَبَا، وَفِي قَوْلٍ: يَدْخُلُ الأَقَلُّ فِي الأَكْثَرِ،
===
الدماغ، أو مشترك بينهما؟ والأكثرون على الأول، وقيل: مسكنه الدماغ، وتدبيره في القلب.
وأطلق العقل، وقال الماوردي: إنما تجب الدية في العقل الغريزي الذي يتعلق به التكليف، وهو العلم بالمدركات الضرورية، فأما العقل المكتسب الذي هو حسن التقدير، وإصابة التدبير .. فلا دية فيه مع بقاء العقل الغريزي، بل فيه حكومة لا تبلغ بها دية الغريزي (١).
وإنما تجب الدية في العقل إذا قال أهل الخبرة: لا يعود، أما إذا توقعوا عوده .. فإنه يوقف، فإن مات قبل العود .. ففي الدية وجهان؛ كما إذا قلع سن مثغور فمات قبل أن يعود، كذا نقلاه عن المتولي، وأقراه (٢).
وقولهما: (سن مثغور) صوابه: غير مثغور، وعبارة "التتمة": سن من لم يثغر.
هذا في زواله بالكلية، فلو زال بعضه؛ فإن أمكن الضبط بالزمان وغيره؛ كأن صار يجن يومًا ويفيق يومًا .. وجب قسط الزائل، فيجب نصف الدية، وإلا .. فحكومة.
(فإن زال) العقل (بجرح له أرش) مقدر؛ كالموضحة، واليد، والرجل (أو حكومة .. وجبا) أي: دية العقل، وأرش الجناية أو حكومتها، ولا يندرج الأرش في دية العقل؛ لأنها جناية أبطلت منفعة غير حالة في محل الجناية، فصار كما لو أوضحه فذهب بصره، (وفي قول: ) قديم (يدخل الأقل في الأكثر) فإن كانت دية العقل أكثر؛ كأن أوضحه فزال عقله .. دخل فيها أرش الموضحة، وإن كان أرش الجناية أكثر؛ بأن قطع يديه ورجليه فزال عقله .. دخل فيه دية العقل؛ لأن ذهابه يعطل منافع سائر الأعضاء، فأشبه ذهاب الروح، كذا علله الرافعي (٣).
стр. 1934
وَلَوِ ادُّعِيَ زَوَالُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَظِمْ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ فِي خَلَوَاتِهِ .. فَلَهُ دِيَةٌ بِلَا يَمِينٍ. وَفِي السَّمْعِ دِيَةٌ، وَمِنْ أُذُنٍ نِصْفٌ،
===
وكان مقتضى التشبيه بالروح: دخول الأرش في دية العقل.
وإن كان الأرش أكثر، حتى لو قطع يديه ورجليه فذهب عقله .. لا تجب إلا دية واحدة؛ كما لو مات.
وأفهم كلام المصنف: أنه لو زال بما لا أرش فيه ولا حكومة؛ كاللطمة .. تجب دية العقل فقط، وهو كذلك.
نعم؛ يعزر على الأصحِّ.
(ولو ادُّعي زواله) وأنكر الجاني ونسبه إلى التجانن (فإن لم ينتظم قوله وفعله في خلواته .. فله دية بلا يمين) لأنه لا تجانن في الخلوات، ولأن يمينه تثبت جنونه، والمجنون لا يحلف.
نعم؛ لو كان الاختلاف فيمن يجن وقتًا ويفيق وقتًا .. حلفناه في زمن إفاقته؛ كما ذكره في "الكفاية" (١)، وإن انتظم قوله وفعله .. صدق الجاني بيمينه، وإنما يحلف؛ لاحتمال أنهما صدرا اتفاقًا، أو جريًا على عادته.
وقول المصنف: (ولو ادعي زواله) ينبغي أن يقرأ منيبًا لما لم يسم فاعله؛ أي: ادعى ذلك من له ولاية الدعوى، وهو الولي، لكن في "العجالة" بعد قول المصنف: (ولو ادعى) يعني: المجني عليه (٢)، ولا يصح ذلك؛ إذ كيف يدعي وهو مجنون؛ لأن المجنون لا تصح دعواه.
(وفي السمع دية) لأنه من أشرف الحواس، فكان كالبصر، بل قيل: إنه أفضل منه؛ لأن به يدرك الفهم، وقيل: عكسه؛ لأن به يدرك الأعمال، ونقل عن أكثر المتكلمين، هذا إذا ذهب، فلو لم يذهب ولكن ارتتق بالجناية داخل الأذن ارتقاقًا لا وصول إلى زواله .. فالأصحُّ: وجوب حكومة لا دية.
(ومن أذن نصف) أي: نصف دية، لا لتعدد السمع، ولكن ضبط النقصان
стр. 1935
وَقِيلَ: قِسْطُ النَّقْصِ، وَلَوْ أَزَال أُذُنَيْهِ وَسَمْعَهُ .. فَدِيَتَانِ، وَلَوِ ادَّعَى زَوَالَهُ وَانْزَعَجَ لِلصِّيَاحِ فِي نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ .. فَكَاذِبٌ، وَإِلَّا .. حَلَفَ وَأَخَذَ دِيَةً، وَإِنْ نَقَصَ .. فَقِسْطُهُ إِنْ عُرِفَ،
===
بالمنفذ أولى وأقرب من ضبطه بغيره، (وقيل: قسط النقص) من الدية فيعتبر ما نقص من السمع بحالة الكمال على ما سيأتي، قال الرافعي: (وقد يقال: تجب فيه حكومة، وذلك؛ لأن السمع واحد، وإنما التعدد في المنفذ، بخلاف ضوء البصر؛ فإن تلك اللطيفة متعددة، ومحلها الحدقة) (١).
(ولو أزال أذنيه وسمعه .. فديتان) لأن محل السمع غير محل القطع، فلم يتداخلا؛ كما لو أوضحه فعمي.
(ولو ادعى زواله، وانزعج للصياح في نوم وغفلة .. فكاذب) لأن ذلك يدل على التصنع، ويجب مع ذلك تحليف الجاني: إن سمعه لَباقٍ؛ لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقًا، أو بسبب آخر، ولا يكفيه أن يحلف: إن سمعه لم يذهب بجنايته؛ لأن الحلف في ذهاب السمع وبقائه، لا في ذهابه بجناية غيره، ولا يختص الانزعاج بالصياح، بل الرعد وطرح شيء له صوت من علو كذلك، وقيد الماوردي الصياح بصوت مزعج مهول يتضمن إنذارًا وتحذيرًا، قال: ويكرر ذلك من جهات، وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوال السمع بها (٢).
(وإلا) أي: وإن لم يظهر أثر ( .. حلف وأخذ دية) لأن السمع لا يرى، ولا يعلم ذهابه، وليس للبينة فيه مدخل، فتعين المصير إلى ما ذكرناه؛ لأن به يعرف وجوده من عدمه، وإذا ثبت زواله .. قال الماوردي: يراجع عدول الأطباء؛ فإن نفوا عوده .. وجبت الدية في الحال، وإن جوزوا عوده إلى مدة معينة .. انتظرت؛ فإن عاد فيها .. لم تجب الدية، وإلا .. وجبت (٣)، ولو ادعى ذهاب سمع إحدى أذنيه .. حشيت السليمة، وامتحن في الأخرى على ما سبق.
(وإن نقص) سمعه ( .. فقسطه إن عرف) قدر ما ذهب؛ بأن كان يسمع من
стр. 1936
وَإِلَّا .. فَحُكُومَةٌ بِاجْتِهَادِ قَاضٍ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ سَمْعُ قَرْنِهِ فِي صِحَّتِهِ، وَيُضْبَطُ التَّفَاوُتُ. وَإِنْ نَقَصَ مِنْ أُذُنٍ .. سُدَّتْ وَضُبِطَ مُنْتَهَى سَمَاعِ الأُخْرَى ثُمَّ عُكِسَ وَوَجَبَ قِسْطُ التَّفَاوُتِ. وَفِي ضَوْءِ كُلِّ عَيْنٍ نِصفُ دِيَةٍ، فَلَوْ فَقَأَهَا .. لَمْ يَزِدْ، وَإِنِ ادَّعَى زَوَالَهُ .. سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ،
===
موضع فصار يسمع من دونه، وطريق معرفته: أن يحدثه شخص ويتباعد إلى أن يقول: لا أسمع، فيعلي الصوت قليلًا، فإن قال: أسمع .. عرف صدقه، ثم يعمل كذلك من جهة أخرى؛ فإن اتفقت المسافتان .. ظهر صدقه، ثم ينسب ذلك من مسافة سماعه قبل الجناية إن عرفت، ويجب بقدره من الدية.
(وإلا) أي: وإن لم يعرف مقدار الذاهب، ولكن نقص سمعه وثقل ( .. فحكومة باجتهاد قاض) لأنه لا يمكن تقديره، (وقيل: يعتبر سمع قرنه) بفتح القاف وسكون الراء: من له مثل سنه (في صحته، ويضبط التفاوت) (وطريقه؛ بأن يجلس إلى جانب المجني عليه، ويؤمر من يرفع صوته، ويناديهما من مسافة بعيدة لا يسمعه واحد منهما، ثم يقرب المنادي شيئًا فشيئًا إلى أن يقولط السليم: (سمعت)، فيعلم على الموضع، ثم يديم المنادي ذلك الحد من رفع الصوت، ويقرب إلى أن يقول المجني عليه: (سمعت)، فيضبط ما بينهما من التفاوت، وإنما قدر النقصان بالمسافة؛ لأنه لا سبيل إلى إلغاء قول المجني عليه مع وجود الجناية، ولا إلى قبول قوله مع إمكان طريق يغلب على الظن صدقه.
(وإن نقص من أذن .. سدت وضبط منتهى سماع الأخرى، ثم عكس، ووجب قسط التفاوت) أي: يضبط ما بينهما من التفاوت، ويؤخذ قسطه من الدية، فإن لم ينضبط .. فالواجب: الحكومة.
(وفي ضوء كل عين نصف دية) لأن منفعة العين النظر، فذهابه كالشلل في اليد.
(فلو فقأها .. لم يزد) كما لو قطع يده، بخلاف ما لو قطع أذنه فذهب سمعه، والفرق: أن السمع ليس في الأذنين، وإنما مقره الرأس، بخلاف البصر.
(وإن ادعى) المجني عليه (زواله) أي: زوال البصر وأنكر الجاني ( .. سئل أهل الخبرة) فإنهم إذا وقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس، ونظروا في عينه ..
стр. 1937
أَوْ يُمْتَحَنُ بِتَقْرِيبِ عَقْرَبٍ أَوْ حَدِيدَةٍ مِنْ عَيْنِهِ بَغْتَةً، وَنُظِرَ هَلْ يَنْزَعِجُ؟ وَإِنْ نَقَصَ .. فَكَالسَّمْعِ. وَفِي الشَّمِّ دِيَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي الْكَلَامِ دِيَةٌ،
===
عرفوا أن الضوء ذاهب أم موجود، بخلاف السمع لا يراجعون فيه؛ إذ لا طريق لهم إليه.
(أو يمتحن بتقريب عقرب أو حديدة من عينه بغتة، ونظر هل ينزعج؟ ) فإن انزعج .. صدق الجاني بيمينه، وإلا .. فالمجني عليه.
وقضية كلامه - تبعًا لـ "المحرر" -: التخيير بين الأول والثاني، وبه قال المتولي، وجعل ذلك في "أصل الروضة" خلافًا فقال: وجهان، أحدهما -وهو نصه في "الأم"-: يراجع أهل الخبرة ... إلى آخره، والثاني: يمتحن بتقريب حديدة ... إلى آخره (١)، قال الأَذْرَعي: وقضية كلام الرافعي: ترجيح الأول، وبه أجاب العراقيون، وهو المذهب.
(وإن نقص .. فكالسمع) فإن عرف قدره؛ بأن كان يرى الشيء من مسافة فصار لا يراه إلا من بعضها .. وجب القسط من الدية، وإن لم يعرف .. وجبت حكومة، وإن نقص من عين .. فيمتحن ويجب القسط.
(وفي الشم دية على الصحيح) لأنه من الحواس النافعة، فكملت فيه الدية؛ كالسمع، والثاني: لا، بل حكومة دون الدية؛ لأنه ضعيف النفع، فإن منفعته إدراك الروائح والأنتان أكثر من الطيبات، فيكون التأذي أكثر من التلذذ، وعلى الصحيح: ففي ذهابه من أحد المنخرين نصف الدية، ولو نقص الشم .. وجب بقسطه من الدية إن أمكن معرفته، وإلا .. فالحكومة، ولو أنكر الجاني زواله .. امتحن المجني عليه في غفلاته بذي ريح حاد؛ فإن هش للطيب، وعبس للمنتن .. صدق الجاني بيمينه، وإلا .. فالمجني عليه، ولو قطع أنفه فذهب شمه .. فديتان؛ كما في السمع؛ لأن الشم لا يحل الأنف.
(وفي الكلام دية) لأن اللسان عضو مضمون بالدية، وأعظم منافعه النطق فضمن بها؛ كالبطش في اليد، وإنما تؤخذ الدية إذا قال أهل الخبرة: لا يعود نطقه؛ فإن
стр. 1938
وَفِي بَعْضِ الْحُرُوفِ قِسْطُهُ، وَالْمُوَزَّعُ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَقِيلَ: لَا يُوَزَّعُ عَلَى الشَّفَهِيَّةِ وَالْحَلْقِيَّةِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِهَا خِلْقَةً أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ .. فِدِيَةٌ، وَقِيلَ: قِسْطٌ،
===
أخذت فعاد .. استردت، (وفي بعض الحروف قسطه) فإن الكلام يتركب منها، وسواء ما خف منها على اللسان وما ثقل.
(والموزع عليها ثمانية وعشرون حرفًا في لغة العرب) فلكل سبع ربع الدية، وزافى الماوردي (لا) فيها (١)، وأسقطها الجمهور؛ لدخولها في الألف واللام، وجماعة من النحاة عدوها تسعة وعشرين، وزادوا (الهمزة)، ولم يعدوا المركب من الألف واللام.
ويختبر المجني عليه؛ بأن يستنطق بحروف المعجم حرفًا حرفًا، ويحكم له بالدية بقسط ما ذهب منها، قاله سليم وغيره.
واحترز بـ (لغة العرب): عن غيرها؛ فإن كانت لغته غيرها .. وزع على حروف لغته وإن كانت أكثر حروفًا.
(وقيل: لا يوزع على الشفهية) (وهي (الباء)، و (الفاء)، و (الميم)، و (الواو)، (والحلقية) (وهي (الهمزة)، و (الهاء)، و (العين)، و (الغين)، و (الحاء)، و (الخاء)، وإنما التوزيع على الحروف الخارجة من اللسان، وهي ما عداها فتكون ثمانية عشر على هذا؛ لأن منفعة اللسان هي النطق بها، فيكون التوزيع عليها، وتكمل الدية فيها، وأجاب من قال بالأول: بأن الحروف وإن كانت مختلفة المخارج إلا أن الاعتماد في جميعها على اللسان، وبه يستقيم النطق ويكمل.
(ولو عجز عن بعضها) أي: الحروف، كالأرت، والألثغ الذي لا يتكلم إلا بعشرين حرفًا (خلقة أو بآفة سماوية .. فدية) لأنه ناطق، وله كلام مفهوم، إلا أن في منطقه ضعفًا، وضعف منفعة العضو لايقدح في كمال الدية؛ كضعف البطش والبصر، (وقيل: قسط) أي: قسط الدية من جميع الحروف؛ لأن النطق مقدر بالحروف، بخلاف البطش.
стр. 1939
أَوْ بِجِنَايَةٍ .. فَالْمَذْهَبُ: لَا تُكُمَّلُ دِيَةٌ، وَلَوْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ رُبُعُ كَلَامِهِ أَوْ عَكَسَ .. فَنِصْفُ دِيَةٍ. وَفِي الصَّوْتِ دِيَةٌ، فَإِنْ بَطَلَ مَعَهُ حَرَكَةُ لِسَانٍ فَعَجَزَ عَنِ التَّقْطِيعِ وَالتَّرْدِيدِ .. فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ
===
(أو) أي: عجز عن بعضها (بجناية .. فالمذهب: لا تكمل دية) لئلا يتضاعف الغرم في القدر الذي أبطله الجاني الأول.
وتعبيره بالمذهب يقتضي: إثبات طريقين، وليس في "الروضة" و"أصلها" غير خلاف مرتب على الوجهين في المسألة قبلها (١).
(ولو قطع نصف لسانه، فذهب ربع كلامه، أو عكس .. فنصف دية) لأن اللسان مضمون بالدية، وكذا الكلام، ولو لم تؤثر الجناية إلا في أحدهما .. لوجبت الدية، فإذا أثرت فيهما .. وجب أن ينظر إلى الأكثر؛ لأنه لو انفرد .. لوجب قسطه (٢).
(وفي الصوت دية) لأن السنة مضت بذلك؛ كما رواه البيهقي عن زيد بن أسلم (٣)، قال البُلْقيني: ووجوب الدية في الصوت لم يذكره غير الإمام، وهو مردود، ويكاد أن يكون خرقًا للإجماع. انتهى، وقول زيد بن أسلم: محمول على أنه أراد به الكلام؛ كما ذكره الرافعي وغيره عنه (٤)، وكلام المتولي مصرح بأنه أراد ذلك.
(فإن بطل معه) أي: الصوت (حركة لسان فعجز عن التقطيع والترديد .. فديتان) لأنهما منفعتان مختلفتان في كل واحدة منهما إذا أفردت بالتفويت كمال الدية، فإذا فوتتا .. وجب ديتان، (وقيل: دية) لأن المقصود الكلام، لكنه يفوت بطريقين: بانقطاع الصوت، وعجز اللسان عن الحركة، وقد يجتمع الطريقان، وقد يوجد
стр. 1940
وَفِي الذَّوْقِ دِيَةٌ، وَتُدْرَكُ بِهِ حَلَاوَةٌ وَحُمُوضَةٌ وَمَرَارَةٌ وَمُلُوحَةٌ وَعُذُوبَةٌ، وَتُوَزَّعُ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ نَقَصَ .. فَحُكُومَةٌ. وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْمَضْغِ،
===
أحدهما خاصة، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، والرافعي إنما حكى ترجيحه عن اقتضاء نظم "الوجيز"، لكن في "الروضة" أطلق ترجيحه (١)، وقال الأَذْرَعي: لم أر حكاية ما رجحه في "الكتاب" في غير "النهاية"، ولم أر ترجيحه إلا في "الوجيز"، والذي فهمته من كلام الأصحاب تصريحا وتلويحًا الثاني، وهو ما يقتضيه كلامهم قطعًا.
(وفي الذوق دية) لأنه أحد الحواس الخمس فأشبه الشم.
وصور المسألة الجمهور: بأن يجني على لسانه فيفقد لذة ذوقه، والتمييز بين الطعوم الخمسة الآتية، واعترضه ابن الصباغ، بأن الشافعي ﵁ قد نص على أن في لسان الأخرس الحكومة، مع أن الذوق يذهب بذهابه، فدل على أن في الذوق الحكومة، قال ابن الرفعة: وهو حسن.
نعم؛ لو صح ما قاله المتولي: أن محل الذوق طرف الحلق .. لاندفع الإشكال.
(وتدرك به) أي: بالذوق (حلاوة، وحموضة، ومرارة، وملوحة، وعذوبة، وتوزع) الدية (عليهن) فلو أبطل إدراك واحد منها .. وجب خمس الدية، وهكذا.
(فإن نقص) نقصانًا لا يتقدر؛ بأن يحس بمذاق الخمس، لكنه لا يدركها على كمالها ( .. فحكومة) تختلف بقوة النقصان وضعفه، وإذا اختلفا في ذهاب الذوق .. جرب بالأشياء المرة، أو الحامضة الحادة، فإن ظهر منه تعبيس وكراهة .. صدق الجاني بيمينه، وإلا .. فالمجني عليه.
(وتجب الدية في المضغ) لأن المنفعة العظمى للأسنان المضغ، والأسنان مضمونة بالدية، فكذلك منفعتها؛ كالبصر مع العين، والبطش مع اليد.
وصورة ذهاب المضغ: أن يجني على أسنانه فتخدر وتبطل صلاحيتها للمضغ، أو بأن يتصلب مغرس اللحيين فتمتنع حركتهما مجيئًا وذهابًا.
стр. 1941
وَقُوَّةِ إِمْنَاءٍ بِكَسْرِ صُلْبٍ، وَقُوَّةِ حَبَلٍ وَذَهَابِ جِمَاعٍ، وَفِي إِفْضَائِهَا مِنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ دِيَةٌ - وَهُوَ: رَفْعُ مَا بَيْنَ مَدْخَلِ ذَكَرٍ وَدُبُرٍ، وَقِيلَ: ذَكَرٍ وبَوْلٍ -
===
(وقوة إمناء بكسر صلب) أي: يجب فيه الدية أيضًا؛ لفوات المقصود، وهو النسل، ولو قطع أنثييه فذهب ماؤه .. لزمه ديتان.
(وقوة حبل) أي: إذا أبطل من المرأة قوة الإحبال .. وجب فيه الدية؛ لفوات النسل.
(وذهاب جماع) أي: إذا كسر صلبه فأذهب شهوة جماعه؛ بأن صار لا يلتذ به، ولا رغبة له فيه مع عدم انقطاع مائه وسلامة ذكره .. تجب الدية؛ لأن المجامعة من أصول المنافع، واستبعد الإمام ذهاب الشهوة مع بقاء المني، ثم قال: إن أمكن ذلك .. فيجب أن يقال: إذا ذهب بالجناية شهوة الطعام .. تجب الدية بطريق الأولى إن صح تصويره (١)، وصور الماوردي ذهاب المجامعة بذهاب المني، وعدم انتشار الذكر لا لشلل فيه (٢).
(وفي إفضائها من الزوج وغيره دية) روي ذلك عن زيد بن ثابت ﵁ (٣)، وعلله الماوردي بأنه يقطع التناسل؛ لأن النطفة لا تستقر في محل العلودتى لامتزاجها بالبول، فأشبه قطع الذكر (٤)، (وهو) يعني: الإفضاء (رفع ما بين مدخل ذكر ودبر) أي: فيجعل سبيل الجماع والغائط واحدًا؛ إذ به تفوت المنفعة بالكلية، مأخوذ من الفضاء بمعنى السعة، (وقيل: ذكر وبول) فيجعل سبيل الجماع والبول واحدًا؛ لأن الأصحاب فرضوه بالذكر، وما بين القبل والدبر قوي لا يرفعه الذكر وإن كان الحكم بغيره؛ كالإفضاء به.
وما صححه تبع فيه "المحرر" و"الشرح الصغير" هنا، وصححه في "أصل الروضة" ولم يصرح في "الكبير" هنا بترجيح (٥)، وجزما في "الشرح" و"الروضة"
стр. 1942
فإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْوَطْءُ إِلَّا بِإِفْضَاءٍ .. فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ اقْتِضَاضَهَا فَأَزَالَ الْبَكَارَةَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ .. فَأَرْشُهَا، أَوْ بِذَكَر لِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً .. فَمَهْرُ مِثْلٍ ثَيِّبًا وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَقِيلَ: مَهْرُ بِكْرٍ،
===
في (باب الخيار في النكاح) بالثاني (١)، وصحح المتولي أن كلًّا منهما إفضاء موجب للدية؛ لأن الاستمتاع يحُل بكل منهما؛ فإن أزالهما .. فديتان، قال البُلْقيني: والأصحُّ: هو المذكور هنا.
(فإن لم يمكن الوطء إلا بإفضاء) لكبر في آلة الرجل، أو ضيق في المرأة ( .. فليس للزوج) الوطء؛ لإفضائه إلى الإفضاء المحرم، ولا يلزمها التمكين والحالة هذه.
(ومن لا يستحق اقتضاضها (٢) أي: البكر (فأزال البكارة بغير ذكر) كإصبع، وخشبة ( .. فأرشها) أي: البكارة، وهو الحكومة بتقدير الرق؛ كما سيأتي في بابه، وجنس الواجب من الإبل لا من نقد البلد على الأصحِّ؛ لأنها قاعدة الجناية على الحر.
(أو بذكر لشبهة) كظنها زوجته، (أو مكرهة .. فمهر مثل ثيبًا وأرش البكارة) ولا يندرج أرش البكارة في المهر؛ لأن المهر يجب لاستيفاء منفعة البضع، والأرش يجب لإزالة تلك الجلدة، وهماجةتان مختلفتان، (وقيل: مهر بكر) فقط؛ لأن القصد من هذا الفعل الاستمتاع، وإزالة تلك الجلدة يحصل في ضمن الاستمتاع، وهذا ما رجحه في "أصل الروضة" في (باب خيار النقص) (٣)، وقيل: يلزمه مهر بكر، وأرش بكارة، وجزما به في (البيوع المنهي عنها) فيما إذا وطئ الجارية في الشراء الفاسد (٤)، واختاره السبكي في (الغصب).
وعلم من قوله: (لشبهة أو مكرهة) أنه عند انتفائهما لا يجب شيء، وهو كذلك
стр. 1943
وَمُسْتَحِقُّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنْ أَزَالَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ .. فَأَرْشٌ. وَفِي الْبَطْشِ دِيَةٌ، وَكَذَا الْمَشْيُ، وَنَقْصِهِمَا حُكُومَةٌ، وَلَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَجِمَاعُهُ أَوْ وَمَنِيُّهُ .. فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ.
فَرْعٌ [في اجتماع جنايات على شخص]
أَزَالَ أَطْرَافًا وَلَطَائِفَ تَقْتَضِي دِيَاتٍ فَمَاتَ سِرَايَةً .. فَدِيَةٌ،
===
في الحرة، أما الأمة: فيجب الأرش إذا قلنا: يفرد عن المهر، كما ذكروه في (الغصب).
(ومستحقه) أي: الاقتضاض (لا شيء عليه) لأنه إن أزاله بذكره .. فذاك، أو بغيره فقد أتلف حقه، (وقيل: إن أزال بغير ذكر .. فأرش) لعدوله عن طريقة استحقاقه، فأشبه الأجنبي.
(وفي البطش دية) كأن ضرب اليد فزالت القوة، لزوال منفعتها المقصودة، (وكذا المشي) إذا كسر صلبه .. ففات مشيه والرجل سليمة؛ لفوات المنفعة المقصودة منها، (ونقصِهما) أي: البطش والمشي (حكومة) لأجل ما فات.
(ولو كسر صلبه فذهب مشيه وجماعه أو) ذهب مشيه (ومنيه .. فديتان) لأن كل واحد منهما مضمون بالدية عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع، (وقيل: دية) لأنهما منفعة عضو واحد؛ لأن الذي تلف منفعة الظهر، والرجلان والذكر على حالة الصحة.
* * *
(فرع: أزال) الجاني (أطرافًا) كالأذنين، والأنف (ولطائف) كالسمع، والبصر، والشم (تقتضي ديات، فمات سراية .. فدية) (واحدة؛ لأنها صارت نفسًا.
وكان ينبغي أن يقول: (فمات سراية منها) كما في "المحرر" (١)؛ ليخرج ما إذا مات سراية من بعضها بعد اندمال بعض، وسرى ما لم يندمل .. فلا يدخل المندمل في دية النفس قطعًا.
стр. 1944
وَكَذَا لَوْ حَزَّهُ الْجَانِي قَبْلَ انْدِمَالِهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ حَزَّ عَمْدًا وَالْجِنَايَاتُ خَطَأً أَوْ عَكْسُهُ .. فَلَا تَدَاخُلَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ حَزَّ غَيْرُهُ .. تَعَدَّدَتْ.
فَصْلٌ [في الجناية التي لا تقدير لأرشها والجناية على الرقيق]
تَجِبُ الْحُكُومَةُ فِيمَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ؛ وَهِيَ جُزْءٌ نِسْبَتُهُ إِلَى دِيَةِ النَّفْسِ - وَقِيلَ: إِلى
===
وقد تجب في الشخص سبعة وعشرون دية، وهو حي إذا كان رجلًا، وستة وعشرون إذا كان امرأة، يظهر ذلك بالتأمل فيما سبق، كذا قاله ابن الملقن (١)، ولم يظهر بلوغها إلى سبعة وعشرين في الرجل، ولا إلى ستة وعشرين في المرأة.
(وكذا لو حزه الجاني قبل اندماله في الأصح) لأن دية النفس وجبت قبل استقرار بدل الأطراف، فيدخل فيها بدل الأطراف؛ كما لو سرت، والثاني: تجب ديات الأطراف مع دية النفس، ولا تداخل؛ كما لو حز بعد الاندمال، وكما لو كان الحاز غيره.
واحترز بقوله: (قبل اندماله): عما بعده؛ فإنه تجب دية الأطراف، وفى ية النفس قطعًا؛ لاستقرار دية الأطراف بالاندماله.
(فإن حز عمدًا والجنايات خطأ أو عكسه .. فلا تداخل في الأصح) بل يستحق بدل الطرف والنفس؛ لاختلافهما واختلاف من تجب عليه، والثاني: يتداخلان؛ كما لو كانا عمدين أو خطأين.
(ولو حز غيره .. تعددت) ولا تداخل قطعًا؛ لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره.
* * *
(فصل: تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه) ولم تعرف نسبته من المقدر، فإن عرفت نسبته من مقدر .. وجب ذلك.
(وهي) أي: الحكومة (جزء) من الدية (نسبته إلى دية النفس - وقيل: إلى
стр. 1945
عُضْوِ الْجِنَايَةِ - نِسْبَةُ نَقْصِهَا مِنْ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ رَقِيقًا بِصِفَاتِهِ. فَإِنْ كَانَتْ لِطَرَفٍ لَهُ مُقَدَّرٌ .. اشْتُرِطَ أَلَّا تبلُغَ مُقَدَّرَهُ، فَإِنْ بَلَغَتْهُ .. نَقَصَ الْقَاضِي شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ، أَوْ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ كَفَخِذٍ .. فَأَلَّا تَبْلُغَ دِيَةَ نَفْسٍ
===
عضو الجناية - نسبة نقصها من قيمته لو كان رقيقًا بصفاته) أي: يقوم المجني عليه بصفاته التي هو عليها لو كان رقيقًا، وينظر كم نقصت الجناية من قيمته .. فيوجب من الدية بمثل تلك النسبة، فإذا قوم بمئة قبل الجناية، وبعدها بتسعين .. فالتفاوت العشر، فتجب عشر دية النفس، والوجه الثاني: يعتبر قدر النقصان من دية العضو الذي وردت الجناية عليه لا من دية النفس، فلو نقص عشر القيمة بالجناية على اليد .. وجب عشر دية اليد، وبالجناية على الرأس .. تجب عشر دية الموضحة.
وأفهم قوله: (من دية النفس) اعتبار الإبل في الحكومة، وهو كذلك، لكن قضية كلامه: أنه يقوم بالنقد، وعليه جرى الأصحاب، ونص الشافعي ﵁ على التقويم بالإبل، حكاه البُلْقيني، ثم قال: وهو صحيح جار على أصله في الديات: أن الإبل هي الأصل، فلا حاجة للتقويم بالنقد قال: ولم أر من ذكر ذلك من الأصحاب.
(فإن كانت لطرف له مقدر .. اشترط ألا تبلغ مقدره، فإن بلغته .. نقص القاضي شيئًا باجتهاده) لأن العضو مضمون بالأرش لو فات، فلا يجوز أن تكون الجناية عليه مضمونة بما يضمن به العضو نفسه مع بقائه، قال في "الأم": فلا أوجب في الجناية على أنملة دية أنملة بل أنقص عنها (١)؛ يعني: كما ينقص التعزير عن الحد، والرضخ عن سهم الغنيمة.
وقضية قوله: (شيئًا): أنه يكفي أقل متمول، وصرح الإمام بأنه لا يكفي، ونقل في "المطلب" عن الماوردي: أن أقله: ما يجوز أن يكون ثمنًا أو صداقًا.
(أو لا تقدير فيه كفخذ) (وكتف وظهر) .. فألا تبلغ دية نفس) فإن بلغتها .. نقص منها، وأفهم جواز بلوغها دية عضو مقدر؛ كاليد، والرجل، وأن يزاد عليه، وهو كذلك، فيجوز أن تبلغ حكومة الساعد والعضد دية الأصابع الخمس وتزيد عليها.
стр. 1946
وَيُقَوَّمُ بَعْدَ انْدِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ نَقْصٌ .. اعْتُبِرَ أَقْرَبُ نَقْصٍ إِلَى الانْدِمَال، وَقِيلَ: يُقَدِّرُهُ قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ، وَقِيلَ: لَا غُرْمَ. وَالْجُرْحُ الْمُقَدَّرُ كَمُوضِحَةٍ يَتبعُهُ الشَّيْنُ حَوَالَيْهِ، وَمَا لَا يَتَقَدَّرُ يُفْرَدُ بِحُكُومَةٍ فِي الأَصَحِّ. وَفِي نَفْسِ الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ، وَفِي غَيْرِهَا مَا
===
(ويقوم) لمعرفة الحكومة (بعد اندماله) لا قبله؛ لأن الجراحة قد تسري إلى النفس، أو إلى ما يكون واجبه مقدرًا، فيكون ذلك هو الواجب لا الحكومة.
(فإن لم يبق نقص) في الجمال ولا المنفعة، ولا تأثرت به القيمة ( .. اعتبر أقرب نقص إلى الاندمال) لئلا تحبط الجناية على المعصوم، ولو لم يظهر نقمان إلا في حال سيلان الدم .. اعتبرنا القيمة حينئذ، فلو كانت الجراحة خفيفة لا تؤثر في حال سيلان الدم .. ففي "الوسيط": أنا نلحقها باللطمة والضرب؛ للضرورة (١)، وفي "التتمة": أن الحاكم يوجب شيئًا بالاجتهاد، ورجحه البُلْقيني.
(وقيل: يقدره قاض باجتهاده) أي: يوجب شيئا قدر ما أوصل إليه من الألم، وينظر إلى خفة الجناية وفحشها في المنظر؛ كيلا تذهب الجناية هدرًا، (وقيل: لا غرم) بل يجب التعزير فقط؛ كما في الضرب والصفع الذي لم يبق له أثر.
(والجرح المقدر كموضحة يتبعه الشين حواليه) ولا يفرد بحكومة؛ لأنه لو استوعب بالإيضاح جميع موضع الشين .. لم يكن فيه إلا أرش موضحة.
ويستثنى من الاستتباع: ما لو أوضح جبينه، وأزال حاجبه .. فعليه الأكثر من أرش موضحة، وحكومة الشين، وإزالة الحاجب، قاله المتولي وأقراه (٢).
(وما لا يتقدر) أرشه (يفرد) الشين الذي حوله (بحكومة) ولا يتبع حكومة الجرح بل تجب حكومتان (في الأصح) لأن الاستتباع إنما يكون في المقدر، وحيث لا تقدير لكل حكمه.
(وفي نفس الرقيق قيمته) سواء زادت القيمة على دية الحر أم لا؛ لما تقدم في الغصب، وسواء القن والمدبر والمكاتب وأم الولد، (وفي غيرها) أي: النفس (ما
стр. 1947
نَقَصَ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّرْ فِي الْحُرِّ، وَإِلَّا .. فَنِسْبَته مِنْ قِيمَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مَا نَقَصَ، فَلَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ .. فَفِي الأَظْهَرِ: قِيمَتَانِ، وَالثَّانِي: مَا نَقَصَ، فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ .. فَلَا شَيْءَ.
===
نقص إن لم يتقدر في الحر) لأنا نشبه الحر في الحكومة بالعبد، ليعرف قدر التفاوت ليرجع به، ففي المشبه به أولى.
(وإلا) أي: وإن تقدر من الحر؛ كالموضحة، وقطع اليد ( .. فنسبته من قيمته) أي: فيجب جزء من قيمته، نسبته إلى القيمة كنسبة الواجب في الحر إلى الدية، رواه البيهقي عن عمر وعلي ﵄ (١)، ولأنه أشبه الحر في أكثر الأحكام؛ بدليل التكاليف، فألحقناه به في التقدير، فعلى هذا في يديه قيمته، وفي إحداهما: نصفها، (وفي قول: ما نقص) من قيمته؛ لأنه مملوك؛ كالبهيمة.
وقد استوفى المصنف في (باب الغصب) حكم الجناية على الرقيق وغيره من الحيوان أحسن من هنا.
(فلو قطع ذكره وأنثياه .. ففي الأظهر: قيمتان) كما يجب فيها من الحر ديتان، (والثاني: ما نقص) من قيمته؛ كالبهيمة (فإن لم يثقص) القيمة بقطع الذكر والأنثيين ( .. فلا شيء) لعدم النقص.
* * *
стр. 1948
بابُ موجبات الدِّية والعاقلة والكفَّارة
صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ لَا يُمَيزُ عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ فَوَقَعَ بِذَلِكَ فَمَاتَ .. فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ: قِصَاصٌ. وَلَوْ كَانَ بِأَرْضٍ، أَوْ صَاحَ عَلَى بَالِغٍ
===
[باب موجبات الدية والعاقلة والكفارة]
تقدم الكلام على لفظ الدية في الباب قبله.
والعاقلة: سموا بذلك؛ لأنهم يعقلون الإبل بفناء دار القتيل، وقيل: لأنهم يمنعون عنه، والعقل: المنع، وقيل: لإعطائها العقل الذي هو الدية.
والكفارة: تقدم الكلام عليها في بابها، وأراد بالكفارة كفارة القتل، وكان ينبغي أن يزيد: وجناية العبد والغرة؛ فإنهما من فصول الباب.
(صاح على صبي لا يميز) وكذا ضعيف التمييز؛ كما قاله الإمام (١) على طرف سطح) أو شفير بئر، أو نهر صيحة منكرة (فوقع بذلك فمات) منه ( .. فدية مغلظة على العاقلة) لأنه يتأثر بالصيحة الشديدة كثيرًا، فأحيل الهلاك عليها، ولم يتعرض الجمهور للارتعاد، وتعرض له الإمام والغزالي والرافعي (٢)، قال الأَذْرَعي: وكأنه ملازم لهذه الحالة.
والمجنون، والمعتوه، والذي يعتريه الوسواس، والنائم، والمرأة الضعيفة .. كالصبي الذي لا يميز.
(وفي قول: قصاص) لأن التأثير بها غالب، والأصحُّ: المنع؛ فإنه لا يهلك غالبًا، قال الرافعي: (وقياس من يوجب القصاص: أن يوجب الدية مغلظة على الجاني) انتهى (٣)، ونقل ابن الرفعة هذا عن تصريح البَنْدَنيجي.
(ولو كان) الصبي الذي لا يميز (بأرض) ومات من الصيحة (أو صاح على بالغ
стр. 1949
بِطَرَفِ سَطْحٍ .. فَلَا دِيَةَ فِي الأَصَحِّ. وَشَهْرُ سِلَاحٍ كَصِيَاحٍ، وَمُرَاهِقٌ مُتَيَقِّظٌ كَبَالِغٍ. وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَيْدٍ فَاضْطَرَبَ صَبِيٌّ وَسَقَطَ .. فَدِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَلَوْ طَلَبَ سُلْطَانٌ مَنْ ذُكِرَتْ بِسُوءٍ فَاَجْهَضَتْ .. ضُمِنَ الْجَنِينُ. وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فَأَكَلَة سَبُعٌ .. فَلَا ضَمَانَ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ انْتِقَالٌ .. ضَمِنَ
===
بطرف سطح) فسقط، ومات ( .. فلا دية في الأصح) لندور الموت بذلك والحالة هذه، فيحمل موته على موافقة قدر، والثاني: تجب، أما في الصبي .. فكما لو سقط من سطح، وأما في البالغ .. فلأنه مع الغفلة كالصبي.
(وشهر سلاح) على بصير يراه (كصياح) فيما تقدم، والتهديد الشديد كذلك.
(ومراهق متيقظ كبالغ) فلا دية على الأصحِّ؛ لعدم تأثره بذلك غالبًا.
(ولو صاح على صيد فاضطرب صبي وسقط .. فدية مخففة على العاقلة) لأنه لم يقصده، فهو خطأ.
(ولو طلب سلطان من ذكرت بسوء فأجهضت) أي: ألقت الجنين فزعًا ( .. ضمن الجنين) لأن عليًّا أشار على عمر ﵄ بذلك في هذه الحالة، فرجعوا إليه؛ كما أخرجه البيهقي، فكان إجماعًا (١).
واحترز بقوله: (أجهضت): عما لو ماتت فزعًا من الطلب .. فلا ضمان؛ لأن مثله لا يفضي إلى الموت، ولو هدد غير الإمام حاملًا وأجهضت فزعًا .. قال الرافعي: فليكن كالإمام؛ لأن إكراهه كإكراهه (٢).
نعم؛ إن ماتت بالإجهاض .. ضمن عاقلته ديتها؛ لأن الإجهاض قد يحصل منه موت الأم، قاله البُلْقيني.
(ولو وضع صبيًّا في مسبعة فأكله سبع .. فلا ضمان) لأن الوضع ليس بإهلاك، ولم يوجد منه ما يلجئ السبع إليه، بل الغالب أن السبع ينفر من الإنسان في المكان الواسمع، (وقيل: إن لم يمكنه انتقال) يخلص به ( .. ضمن) لأنه إهلاك عرفًا؛ فإن أمكنه الانتقال فلم ينتقل .. فلا ضمان قطعًا؛ كما لو فتح عِرْقه فلم يعصبه حتى مات.
стр. 1950
وَلَوْ تَبِعَ بِسَيْفٍ هَارِبًا مِنْهُ فَرَمَى نَفْسَهُ بِمَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ مِنْ سَطْحٍ .. فَلَا ضَمَانَ، وَلَوْ وَقَعَ جَاهِلًا لِعَمَىً أَوْ ظُلْمَةٍ .. ضَمِنَ، وَكَذَا لَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ فِي هَرَبِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ سُلِّمَ صَبِيٌّ إِلَى سَبَّاح لِيُعَلِّمَهُ فَغَرِقَ .. وَجَبَتْ دِيَتُهُ
===
وخرج بالصبي: البالغ فإنه لا يجب الضمان قطعًا؛ كما قاله في "أصل الروضة" (١) والرافعي إنما ذكره عن مفهوم كلام الغزالي، ثم قال: ويشبه أن يقال: الحكم منوط بالقوة والضعف، لا بالصغر والكبر (٢)، وهذا الذي بحثه يرشد إليه قول الماوردي، والروياني، والشيخ في "المهذب": لو ربط يدي رجل ورجليه، وألقاه في مسبعة .. فهو شبه عمد (٣).
(ولو تبع بسيف هاربًا منه فرمى نفسه بماء أو نار أو من سطح .. فلا ضمان) لأنه باشر إهلاك نفسه قصدًا، والمباشرة مقدمة على السبب، فصار كما لو حفر بئرًا فجاء آخر وردى نفسه فيها.
(ولو وقع) في المهلك المذكور ونحوه (جاهلًا لعمى أو ظلمة .. ضمن) المتبع؛ لأنه لا يقصد إهلاك نفسه، وقد ألجأه المتبع إلى الهرب المفضي إلى المهلك.
(وكذا لو انخسف به سقف في هربه في الأصح) لأنه حمله على الهرب، وألجأه إليه، فأشبه ما إذا وقع في بئر مغطاة، وهذا ما نص عليه في "الأم"، والثاني: لا ضمان؛ لأن المعنى المهلك لم يشعر به واحد منهما، فأشبه ما إذا عرض سبع فافترسه.
ومحل الخلاف: ما إذا كان سبب الانخساف ضعف السقف، ولم يشعر به المطلوب، أما إذا ألقى نفسه عليه من علو فانخسف لثقله .. فالحكم: كما لو ألقى نفسه في ماء أو نار.
(ولو سلم صبي إلى سباح ليعلمه فغرق .. وجبت ديته) لأنه غرق بإهماله، وتكون دية شبه عمد؛ كما لو ضرب الصبي للتأديب فهلك.
стр. 1951
وَيَضْمَنُ بِحَفْرِ بِئْرٍ عُدْوَانًا، لَا فِي مِلْكِهِ وَمَوَاتٍ، وَلَوْ حَفَرَ بِدِهْلِيزِهِ بِئْرًا وَدَعَا رَجُلًا فَسَقَطَ .. فَالأَظْهَرُ: ضَمَانُهُ، أَوْ بِمِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ مُشْتَرَكٍ بِلَا إِذْنٍ .. فَمَضْمُونٌ،
===
واحترز بالصبي: عن البالغ، فإنه إذا سلم نفسه ليعلمه السباحة .. ففي "الوسيط": أنه إن خاض معه اعتمادًا على يده فأهمله .. احتمل أن يجب الضمان (١)، والذي ذكره العراقيون، والبغوي: أنه لا ضمان؛ لأنه مستقل، وعليه أن يحتاط لنفسه، قال في "الشرح الصغير": وهو المشهور.
(ويضمن بحفر بئر عدوانًا) بأن حفرها في ملك غيره بغير إذنه، أو في شارع ضيق؛ لتعديه بذلك، ويشترط أن يستمر العدوان إلى السقوط فيها، فلو رضي المالك بإبقائها .. زال الضمان في الأصحِّ، وكذا لو ملك المتعدي تلك البقعة من مالكها.
(لا في ملكه، وموات) للتملك أو للارتفاق، لعدم التعدي، وعلى الموات حمل الحديث الصحيح: "الْبئْرُ جُبَارٌ" (٢).
ويستثنى: ما لو حفر بالحرم بئرًا في ملكه، أو في موات .. فإنه يضمن المحب الواقع فيه على الأصحِّ، ذكره الرافعي في (باب محرمات الإحرام)، ونقل الإمام فيه الإجماع (٣).
(ولو حفر بدهليزه بئرًا، ودعا رجلًا فسقط .. فالأظهر: ضمانه) لأنه غره، ولم يقصد هو إهلاك نفسه، فإحالته على السبب الظاهر أولى، والثاني: لا؛ لأنه غير ملجأ فهو المباشر لإهلاك نفسه باختياره.
ويشترط في الضمان: ألا يعلمه بالبئر، ولا يرى أثرًا يدل عليها؛ لظلمة، أو تغطية، أو كان أعمى، والمراد بالضمان: إيجاب الدية، أما القصاص .. فلا يجب في الأظهر؛ كما ذكراه في أول (الجراح) (٤).
(أو بملك غيره أو مشترك بلا إذن .. فمضمون) لتعديه؛ فإن كان بالإذن .. فهو
стр. 1952
أَوْ بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ يَضُرُّ الْمَارَّةَ .. فَكَذَا، أَوْ لَا يَضُرُّ وَأَذِنَ الإِمَامُ .. فَلَا ضَمَانَ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ حَفَرَ لِمَصْلَحَتِهِ .. فالضَّمَانُ، أَوْ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَمَسْجِدٌ كَطَرِيقٍ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ جَنَاحٍ إِلَى شَارِعٍ فَمَضْمُونٌ،
===
كحفره في ملكه، (أو بطريق ضيق يضر المارة .. فكذا) أي: فيجب ضمان ما هلك بها وإن أذن الإمام؛ إذ ليس له أن يأذن فيما يضر (أو لا يضر) لسعة الطريق، أو لانحراف البئر عن الجادة، (وأذن الإمام .. فلا ضمان) جزمًا إن كان لمصلحة عامة، وكذا إن كان لمصلحة الحافر على الأصحِّ.
(وإلا) أي: وإن لم يأذن (فإن حفر لمصلحته .. فالضمان) لافتئاته على الإمام (أو مصلحة عامة .. فلا في الأظهر) لما فيه من المصلحة العامة، وقد تعسر مراجعة الإمام في مثله، والثاني: نعم، والجواز مشروط بسلامة العاقبة.
(ومسجد كطريق) أي: الحفر فيه كهو في الطريق، كما صرح به في "المحرر"، و"الشرح الكبير" (١).
وقضيته: أنه يجوز أن يحفر فيه بئرًا لمصلحة نفسه خاصة بإذن الإمام، قال البُلْقيني: وهذا لا يقوله أحد، قال: وأما الحفر للمصلحة العامة .. فلا يجوز أيضًا؛ لأن الواقف إنما جعل المسجد للصلاة. انتهى، وفي "زيادة الروضة" في آخر (باب شروط الصلاة) نقلًا عن الصيمري: أنه يكره حفر البئر في المسجد. انتهى (٢)، والظاهر: أن ذلك فيما إذا حفره في مصلحة عامة، أما لمصلحة نفسه الخاصة .. فيحرم قطعًا.
(وما تولد من جناح) (وهو الخارج من الخشب (إلى شارع فمضمون) (وإن لم يكن مضرًّا بالمارة، لأن الارتفاق بالشارع إنما يجوز بشرط سلامة العاقبة، ولم يفرقوا بين إذن الإمام وعدمه كما في الحفر.
والفرق - كما ذكره الرافعي -: أن الحاجة إلى الجناح أغلب وأكثر، والحفر في الطريق مما تقل الحاجة إليه، وإذا كثر الجناح .. كثر تولد الهلاك منه، فلا يحتمل
стр. 1953
وَيَحِلُّ إِخْرَاجُ الْمَيَازِيبِ إِلَى الشَّارِعِ، وَالتَّالِفُ بِهَا مَضْمُونٌ فِي الْجَدِيدِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فِي الْجِدَارِ فَسَقَطَ الْخَارِجُ .. فَكُلُّ الضَّمَانِ، وَإِنْ سَقَطَ كُلُّهُ .. فَنِصْفُهُ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ بَنَى جِدَارَهُ مَائِلًا إِلَى شَارِعٍ .. فَكَجَنَاح، أَوْ مُسْتَوِيًا فَمَالَ وَسَقَطَ .. فَلَا ضَمَانَ،
===
إهداره (١)، والمراد بكونه مضمونًا: على ما سيأتي في الميزاب، فيضمن الكل بالخارج فقط، والنصف بالجميع.
واحترز بالشارع: عن إخراجه إلى ملكه؛ فإنه لا ضمان فيه، وكذا إلى ملك غيره بإذنه، فإن كان بغير إذنه .. ضمن.
(ويحل إخراج الميازيب إلى الشارع) لما فيه من الحاجة الظاهرة، وليكن عاليًا كالجناه.
(والتالف بها مضمون في الجديد) لأنه ارتفاق بالشارع، فيكون جوازه مشروطًا بسلامة العاقبة؛ كالجناح، والقديم: لا ضمان؛ لأنه ضروري لتصريف المياه، بخلاف الجناح؛ فإنه لاتساع المنفعة، ومنع الجديد كونه ضروريًّا؛ إذ يمكنه أن يتخذ لماء السطح بئرًا في داره.
(فإن كان بعضه في الجدار فسقط الخارج) أو بعضه ( .. فكل الضمان) لأن التلف حصل من المضمون وحده، (وإن سقط كله .. فنصفه في الأصح) لأنه هلك بالداخل في ملكه وهو غير مضمون، وبالخارج وهو مضمون، فوزع على النوعين، والثاني: يوزع على الداخل والخارج، فيجب قسط الخارج، ويكون التوزيع بالوزن، وقيل: بالمساحة، وقيل: يضمن جميع الدية؛ لأن الداخل جذبه الخارج.
(وإن بنى جداره مائلًا إلى شارع .. فكجناح) فيضمن ما تلف به على ما مر.
واحترز بقوله: (إلى شارع) عما لو كان مائلًا إلى ملكه .. فلا ضمان؛ لأن له أن يبني في ملكه كيف شاء، لكن يرد عليه ما لو بناه مائلًا إلى ملك غيره بلا إذن .. فإنه كالشارع.
(أو مستويًا فمال) إلى الشارع (وسقط .. فلا ضمان) لأنه بنى في ملكه، والميل
стр. 1954
وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَ هَدْمُهُ وَإِصْلَاحُهُ .. ضَمِنَ، وَلَوْ سَقَطَ بِالطَّرِيقِ فَعَثَرَ بِهِ شَخْصٌ أَوْ تَلِفَ بِهِ مَالٌ .. فَلَا ضَمَانَ فِي الأَصَحِّ. وَلوْ طَرَحَ قُمَامَاتٍ وَقُشُورَ بِطِّيخٍ بِطَرِيقٍ .. فَمَضْمُونٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ تَعَاقَبَ سَبَبَا هَلَاكٍ .. فَعَلَى الأَوَّلِ؛ بِأَنْ حَفرَ وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا عُدْوَانًا فَعَثَرَ بِهِ وَوَقَعَ بِهَا .. فَعَلَى الْوَاضِعِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ الْوَاضِعُ .. فَالْمَنْقُولُ: تَضْمِينُ الْحَافِرِ،
===
لم يحصل بفعله، فأشبه ما إذا سقط بلا ميل، (وقيل: إن أمكن هدمه وإصلاحه .. ضمن) لتقصيره بترك النقض والإصلاح، ورجحه جمع، والضمان في هذه المسائل على العاقلة.
(ولو سقط بالطريق، فعثر به شخص، أو تلف به مال .. فلا ضمان في الأصح) لأن الهلاك حصل بغير فعله، وسواء طالبه الوالي أو غيره بالنقض أم لا، والثاني: يضمن؛ لتقصيره.
(ولو طرح قمامات) بضم القاف، وهي الكناسة، (وقشور بطيخ بطريق .. فمضمون على الصحيح) لأن الارتفاق بالطريق مشروط بسلامة العاقبة، والثاني: لا ضمان؛ لاطراد العادة بالمسامحة به مع الحاجة، والثاك: إن القاها في متن الطريق .. ضمن، وإلا .. فلا.
واحترز بالطريق: عما إذا ألقاها في ملكه، أو موات .. فإنه لا ضمان.
(ولو تعاقب سببا هلاك .. فعلى الأول) لأنه المهلك إما بنفسه، وإما بواسطة الثاني، فأشبه التردية مع الحفر (بأن حفر) بئرًا عدوانًا (ووضع آخر حجرًا عدوانًا فعثر به، ووقع بها .. فعلى الواضع) لأن التعثر به هو الذي ألجأه إلى الوقوع في البئر، فكأنه أخذه فرداه فيه.
(فإن لم يتعد الواضع) بأن وضعه في ملكه، وحفر متعد هناك بئرًا فتعثر رجل به، ووقع فيها ( .. فالمنقول: تضمين الحافر) لأنه المتعدي بخلاف الواضع، قال الرافعي: وينبغي أن يقال: لا يضمن؛ كما لو حفر بئرًا عدوانًا، ووضع السيل أو سبع حجرًا فعثر به إنسان، وسقط في البئر .. فهو هدر على الصحيح (١).
стр. 1955
وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا وَآخَرَانِ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِمَا .. فالضَّمَانُ أَثْلَاثٌ، وَقِيلَ: نِصْفَانِ، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ رَجُلٌ فَدَحْرَجَهُ فَعَثَرَ بِهِ آخَرُ .. ضَمِنَهُ الْمُدَحْرِجُ. وَلَوْ عَثَرَ بِقَاعِدٍ أَوْ نَائِمٍ أَوْ وَاقِفٍ بِالطَّرِيقِ، وَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا .. فَلَا ضَمَانَ إِنِ اتَّسَعَ الطَّرِيقُ، وَإِلَّا .. فَالْمَذْهَبُ: إِهْدَارُ قَاعدٍ وَنَائِمِ لَا عَاثِرٍ بِهِمَا، وَضَمَانُ وَاقِفٍ لَا عَائِرٍ بِهِ.
===
(ولو وضع حجرًا) عدوانًا (وآخران حجرًا، فعثر بهما .. فالضمان أثلاث) (وإن تفاوت فعلهم؛ نظرًا إلى عدد رؤوس الجناة؛ كما لو مات بجراحة ثلاثة، واختلفت الجراحات، (وقيل: نصفان) نصفه يتعلق بالمنفرد، ونصفه على الآخرين؛ لأن الهلاك حصل بالحجرين.
(ولو وضع حجرًا) عدوانًا (فعثر به رجل فدحرجه فعثر به آخر .. ضمنه المدحرج) لأن الحجر إنما حصل هناك بفعله.
(ولو عثر بقاعد أو نائم أو واقف بالطريق، وماتا أو أحدهما .. فلا ضمان إن اتسع الطريق) ظاهر هذا الكلام: أنه يهدر العاثر، والقاعد، والنائم، والواقف، وليس كذلك؛ فإن عاقلة العاثر تضمن دية القاعد، والنائم، والواقف؛ لأنه غير متعد، والعاثر يمكنه التحرز، وإنما يهدر العاثر؛ لأنه قتل نفسه، هكذا ذكراه في "الشرح" و"الروضة" (١)، فلو قال: (فلا ضمان على القاعد ومن بعد) .. لاستقام.
(وإلا) أي: وإن ضاق الطريق ( .. فالمذهب: إهدار قاعد ونائم) لأن الطريق للطروق، وهما بالنوم والقعود مقصران (لا عاثر بهما) بل على عاقلتهما ديته (وضمان واقف) لأن الشخص قد يحتاج إلى الوقوف؛ لكلال، أو انتظار رفيق، أو سماع كلام، فالوقوف من مرافق الطريق؛ كالمشي، بخلاف القعود والنوم؛ فإنهما ليسا من مرافقه، ففاعلهما عرض نفسه للهلاك.
(لا عاثر به) لأنه لا حركة منه، فالهلاك حصل بحركة الماشي، والطريق الثاني: وجوب دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر مطلقًا، هذا كله إذا لم يوجد من الواقف فعل، فإن وجد؛ بأن انحرف إلى الماشي لما قرب منه فأصابه في انحرافه وماتا .. فهما كماشيين اصطدما، وسيأتي.
стр. 1956
فَصْلٌ [في الاصطدام ونحوه مما يوجب الاشتراك في الضمان وما يذكر مع ذلك]
اصْطَدَمَا بِلَا قَصْدٍ .. فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَإِنْ قَصَدَا .. فَنْصْفُهَا مُغَلَّظَةً، أَوْ أَحَدُهُمَا .. فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ عَلَى كُلٍّ كَفَّارَتَيْنِ، وَإِنْ مَاتَا مَعَ مَرْكُوبَيْهِمَا .. فَكَذَلِكَ، وَفِي تَرِكَةِ كُلٍّ نِصْفُ قِيمَةِ دَابَّةِ الآخَرِ. وَصَبِيَّانِ أَوْ مَجْنُونَانِ كَكَامِلَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ أَرْكَبَهُمَا الْوَلِيُّ .. تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ،
===
(فصل: اصطدما) أي: الحران الماشيان (بلا قصد) بأن كانا أعميين، أو في ظلمة ( .. فعلى عاقلة؛ كل نصف دية مخففة) لأن كل واحد هلك بفعله وبفعل صاحبه، فيهدر النصف؛ كما لو جرحه آخر مع جراحة نفسه، وإنما خففت على العاقلة؛ لأنه خطأ محض.
(وإن قصدا) جميعًا الاصطدام ( .. فنصفها مغلظة) على العاقلة، وتكون شبه عمد؛ لأن الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض؛ ولذلك لا يتعلق به القصاص إذا مات أحدهما دون الآخر.
(أو أحدهما) قصد الاصطدام دون الآخر (فلكل حكمه) فيجب على عاقلة قاصد الاصطدام نصف دية مغلظة، وعلى عاقلة الذي لم يقصد نصف دية مخففة.
(والصحيح: أن على كل كفارتين) كفارة لقتل نفسه، وأخرى لقتل صاحبه، والثاني: كفارة فقط، والخلاف مبني على أن الكفارة هل تتجزأ؟ والصحيح: لا، وأن قاتل نفسه هل عليه كفارة؟ والصحيح: نعم.
(وإن ماتا مع مركوبيهما .. فكذلك) في الدية والكفارة.
(وفي تركة كل نصف قيمة دابة الآخر) والباقي هدر؛ لاشتراكهما في إتلاف الدابتين.
(وصبيان أو مجنونان ككاملين) فيما إذا كانا ماشيين أو راكبين كما سبق، (وقيل: إن أركبهما الولي .. تعلق به الضمان) لما في الإركاب من الخطر، والأصحُّ: الأول؛ كما لو ركبا بأنفسهما.
ومحل الخلاف - كما نقلاه عن الإمام وأقراه -: ما إذا أركبهما لزينة، أو لحاجة
стр. 1957
وَلَوْ أَرْكَبَهُمَا أَجْنَبِيٌّ .. ضَمِنَهُمَا وَدَابَّتَيْهِمَا. أَوْ حَامِلَانِ وَأَسْقَطَتَا .. فَالدِّيَةُ كَمَا سَبَقَ، وَعَلَى كُلٍّ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نَصْفُ غُرَّتَيْ جَنِينِهِمَا. أَوْ عَبْدَانِ .. فَهَدَرٌ،
===
غير مهمة؛ فإن أرهقت إليه حاجة للانتقالط إلى مكان .. فلا ضمان عليه قطعًا، [قالا: ومحله أيضًا: عند ظن السلامة، أما إذا أركبه دابة جموحًا .. ضمن الولي قطعًا] (١).
(ولو أركبهما أجنبي) بغير إذن الولي ( .. ضمنهما ودابتيهما) لتعديه بإركابهما.
وقوله: (ضمنهما) ليس بجيد؛ لأن ضمانهما على عاقلة الأجنبي.
نعم؛ ضمان دابتيهما عليه.
(أو حاملان) اصطدمتا (وأسقطتا .. فالدية كما سبق) فعلى عاقلة كل منهما نصف دية الآخر، ويهدر الباقي؛ لأن التلف بفعلهما، (وعلى كل أربع كفارات على الصحيح) كفارة لنفسها، وكفارة لجنينها، وثالثة: لصاحبتها، ورابعة: لجنينها؛ لأنهما اشتركا في إهلاك أربعة أشخاص.
هذا إذا أوجبنا الكفارة على قاتل نفسه، وقلنا: الكفارة لا تتجزأ؛ فإن لم نوجبها على قاتل نفسه .. وجب ثلاث كفارات، وإن قلنا: بالتجزي .. وجب ثلاثة أنصاف كفارة، وإن أوجبناها على قاتل نفسه، وقلنا: بالتجزئة .. وجب أربعة أنصاف كفارة، وهذا الخلاف هو المقابل للصحيح في كلام المصنف.
(وعلى عاقلة كل نصف غرتي جنينهما) نصف غرة لجنينها، ونصف غرة لجنين الأخرى؛ لأن المرأة إذا جنت على نفسها فألقت جنينًا .. وجبت الغرة على عاقلتها؛ كما لو جنت على حامل أخرى، فإذن لا يهدر من الغرة شيء، بخلاف الدية؛ فإنه يجب نصفها، ويهدر نصفها؛ كما ذكره قبل؛ لأن الجنين أجنبي عنهما، بخلاف أنفسهما، وفي "فتاوى القفال": أنه لو ذهب رجل ليقوم فأخذ غيره بثوبه ليقعد فتمزق؛ فإن لم يجره .. فلا ضمان، وإن جره .. فالنصف عليه، والباقي هدر؛ لأنه كان بفعلين.
(أو) اصطدم (عبدان) وماتا. (. فهدر) لأن جناية العبد تتعلق برقبته وقد
стр. 1958
أَوْ سَفِينَتَانِ .. فَكَدَابَّتَيْنِ، وَالْمَلَّاحَانِ كَرَاكِبَيْنِ إِنْ كَانَتَا لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا مَالُ أَجْنَبِيٍّ .. لَزِمَ كُلًّا نِصْفُ ضمَانِهِ، وَإِنْ كَانَتَا لأَجْنَبِيٍّ .. لَزِمَ كُلًّا نِصْفُ قِيمَتِهِمَا. وَلَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ عَلَى غَرَقٍ .. جَازَ طَرْحُ مَتَاعِهَا، وَيَجِبُ لِرَجَاءِ نَجَاةِ الرَّاكِبِ، فَإِنْ طَرَحَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنٍ .. ضَمِنَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا
===
فاتت، وسواء اتفقت قيمتهما أو تفاوتت؛ فإن مات أحدهما .. وجب نصف قيمته متعلقًا برقبة الحي.
واحترز بالعبدين: عما لو تصادم عبد وحر وماتا .. فإنه يجب نصف قيمة العبد في تركة الحر إذا قلنا: قيمة العبد لا تحملها العاقلة، ويتعلق بذلك النصف نصف دية الحر؛ لأن محل تعلقه بالرقبة، فإذا فاتت .. تعلق ببدلها.
(أو) اصطدم (سفينتان) (وغرقتا ( .. فكدابتين) فإما أن يحصل الاصطدام بفعلهما، وإما لا، (والملاحان كراكبين) يموتان بالاصطدام، وقد مر كل ذلك (إن كانتا) أي: السفينتان وما فيهما الهما، فإن كان فيهما مال أجثبي .. لزم كلًّا) من الملاحين (نصف ضمانه، وإن كانتا) أي: السفينتان (لأجنبي) وكانا أجيرين للمالك أو أمينين ( .. لزم كلًّا نصف قيمتهما) لأن مال الأجنبي لا يهدر منه شيء، فعلى كل واحد نصف قيمة كل سفينة.
ومحل هذا التفصيل: ما إذا كان الاصطدام بفعلهما، أو لم يكن، وقصرا في الضبط أو سيرا في ريح شديدة؛ فإن حصل الاصطدام بغلبة الرياح .. فلا ضمان في الأظهر، بخلاف غلبة الدابة؛ فإن الضبط ثم ممكن باللجام.
(ولو أشرفت سفينة على غرق .. جاز طرح متاعها) بقدر ما يحصل النجاة؛ حفظا للروح، (ويجب لرجاء نجاة الراكب) عند خوف الغرق إن لم يفعل، فيجب إلقاء ما لا روح فيه؛ لنجاة ذي الروح المحترمة، فإن احتيج إليه .. ألقي الحيوان لإنقاذ الآدمي، ولا فرق بين الأحرار والعبيد.
(فإن طرح مال غيره بلا إذن .. ضمنه) لأنه أتلف مال غيره بلا إذن، فأشبه ما لو أكل المضطر طعام الغير، (وإلا) أي: وإن طرحه بإذنه، وهو معتبر الإذن ( .. فلا) ضمان للإذن المبيح.
стр. 1959
وَلَوْ قَالَ: (أَلْقِ مَتَاعَكَ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ) أَوْ (عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ) .. ضَمِنَ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: (ألْقِ) .. فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مُلْتَمِسٌ لِخَوْفِ غَرَقٍ، وَلَمْ يَخْتَصَّ نَفْعُ الإِلْقَاءِ بِالْمُلْقِي. وَلَوْ عَادَ حَجَرُ مَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ أَحَدَ رُمَاتِهِ .. هُدِرَ قِسْطُهُ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْبَاقِينَ
===
(ولو قال: "ألق متاعك وعلي ضمانه"، أو "على أني ضامن") له ( .. ضمن) المستدعي؛ لأنه استدعى إتلاف مال يعاوض عليه لغرض صحيح، فلزمه؛ كما لو قال: (أعتق عبدك على ألف)، أو (طلق زوجتك)، وليس هذا على حقيقة الضمان وإن سمي بالضمان، وإنما هو بذل مال لمصلحة، فهو كما لو قال: (أطلق هذا الأسير، ولك علي كذا).
وقضية الحكم بضمانه: خروجه عن ملك مالكه، لكن ذكر الرافعي هنا عن حكاية الإمام: أنه لا يخرج عن ملكه، حتى لو لفظه البحر وظفر به .. فهو لمالكه، ويسترد الباذل ماله، وعلى هذا: فهو ضمان حيلولة، وهل للمالك أن يمسك ما أخذه، ويرد بدله؟ فيه خلاف كالقرض. انتهى (١).
(ولو اقتصر على: "ألق") (ولم يقل: (وعلي ضمانه)، أو (على أني ضامن) ( .. فلا على المذهب) لعدم الالتزام، والطريق الثاني: أنه على الخلاف فيما إذا قال: (اقضِ ديني) فقضاه، والأصحُّ: الرجوع.
وفرق الأول: بأنه بالقضاء برئ قطعًا، والإلقاء لا ينفعه.
(وإنما يضمن ملتمس لخوف غرق) ففي غير الخوف لا ضمان، كما لو قال: (اهدم دارك)، أو (اقتل عبدك) ففعل، (ولم يختص نفع الإلقاء بالملقي) فلو اختص به؛ بأن أشرفت سفينته على الغرق، وفيها متاعه فقال له آخر من الشط: (ألق متاعك، وعلي ضمانه)، فألقاه .. لم يجب شيء؛ لأنه يجب عليه الإلقاء لحفظ نفسه .. فلا يستحق به عوضًا.
(ولو عاد حجر منجنيق فقتل أحد رماته .. هدر قسطه، وعلى عاقلة الباقين
стр. 1960
الْبَاقِي، أَوْ غَيْرَهُمْ وَلَمْ يَقْصِدُوهُ .. فَخَطَأٌ، أَوْ قَصَدُوهُ .. فَعَمْدٌ فِي الأَصحِّ إِنْ غَلَبَتِ الإِصَابَةُ.
فَصْلٌ [في العاقلة وكيفية تأجيل ما تحمله]
دِيَةُ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ تلزَمُ الْعَاقِلَةَ، وَهُمْ عَصَبَتُهُ إِلَّا الأَصْلَ وَالْفَرْعَ،
===
الباقي) لأنه مات بفعله وفعلهم، فسقط ما قابل فعله؛ لأنه غير مضمون، (أو غيرهم) أي: قتل غير رماته (ولم يقصدوه .. فخطأ) يوجب الدية المخففة، (أو قصدوه .. فعمد في الأصح إن غلبت الإصابة) لانطباقه على حد العمد، والثاني: إنه شبه عمد؛ لأنه لا يتحقق قصد معين بالمنجنيق.
والمنجنيق: بفتح الميم وكسرها، يذكر ويؤنث، وحكي منجنوق بـ (الواو)، ومنجليق بـ (اللام).
* * *
(فصل: دية الخطأ وشبه العمد تلزم العاقلة) بالإجماع، كما نقله الإمام (١)، لكن حكى الرافعي في أوائل (الديات) وجهًا أنها لا تتحمل شبه العمد (٢)، وهو شاذ.
وخرج بـ (الخطأ وشبه العمد): دية العمد، فإنها على الجاني، وقد مضت السنة بذلك، كما قاله الزهري (٣).
(وهم عصبته) الذين يرثونه بالنسب أو الولاء إذا كانوا ذكورًا مكلفين، قال الشافعي: لا أعلم مخالفًا أن العاقلة العصبة، وهم القرابة من قبل الأب، وعصبات المولى (٤).
(إلا الأصل) وإن علا (والفرع) وإن سفل؛ لأنهم أبعاضه، فكما لا يتحمل الجاني لا يتحمل أبعاضه، وقد برأ ﷺ زوج القاتلة وولدها؛ كما رواه
стр. 1961
وَقِيلَ: يَعْقِلُ ابْنٌ هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا. وَيُقَدَّمُ الأَقْرَبُ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ .. فَمَنْ يَلِيهِ، وَمُدْلٍ بأَبَوَيْنِ - وَالْقَدِيمُ: التَّسْوِيَةُ - ثُمَّ مُعْتِقٌ ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، وَإِلَّا .. فَمُعْتِقُ أَبِي الْجَانِي ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُ مُعْتِقِ الأَبِ وَعَصَبَتُهُ، وَكَذَا أَبَدًا. وَعَتِيقُهَا يَعْقِلُهُ عَاقِلَتُهَا،
===
أبو داوود وابن ماجة (١)، (وقيل: يعقل ابن هو ابن ابن عمها) أو معتقها؛ كما يلي أمر نكاحها، والأصحُّ: المنع؛ لعموم الأخبار؛ ولأن البعضية موجودة وهي مانعة، بخلاف النكاح فإنها غير مقتضية، ولا مانعة، فإذا وجد المقتضي .. عمل عمله.
(ويقدم الأقرب) من العاقلة في التحمل على الأبعد؛ لأنه حق ثبت بالتعصيب فأشبه الإرث، (فإن بقي شيء) من الواجب في آخر الحول ( .. فمن يليه) أي: فعلى من يلي الأقرب ثم الذين يلونهم، وهكذا.
(و) يقدم (مدل بأبوين) على مدل بأب في الجديد كالإرث (والقديم: التسوية) لأن الأنوثة لا مدخل لها في تحمل العاقلة فلا تصلح للترجيح، (ثم معتق) إذا لم يوجد أحد من عصبات النسب، أو لم يفوا بالواجب؛ لحديث: "الْوَلَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" (٢).
(ثم عصبته) أي: المعتق من النسب عند فقده، أو مع وجوده إذا بقي من الواجب شيء خلا أصوله وفروعه على الأصحِّ كما سبق في الجاني، (ثم معتقه) أي: معتق المعتق، (ثم عصبته) كالإرث.
(وإلا) أي: وإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الجاني، ولا أحد من عصابته ( .. فمعتق أبي الجاني ثم عصبته، ثم معتق معتق الأب، وعصبته) (٣) خلا أصولهم وفروعهم، (وكذا أبدًا) أي: وإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الأب .. تحمل معتق الجد ثم عصابته كذلك إلى حيث ينتهي.
(وعتيقها) أي: المرأة (يعقله عاقلتها) ولا يضرب عليها؛ لأن المرأة لا تحمل
стр. 1962
وَمُعْتِقُونَ كَمُعْتِقٍ، وَكُلُّ شَخْصٍ مِنْ عَصَبَةِ كُلِّ مُعْتِقٍ يَحْمِلُ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ الْمُعْتِقُ. وَلَا يَعْقِلُ عَتِيقٌ فِي الأَظْهَرِ. فَإِنْ فُقِدَ الْعَاقِلُ أَوْ لَمْ يَفِ .. عَقَلَ بَيْتُ الْمَالِ عَنِ الْمُسْلِمِ،
===
العقل بالإجماع؛ فيتحمله عنها من يتحمل جنايتها من عصباتها؛ كما يزوج عتيقها من يزوجها؛ إلحاقًا، للعقل بالتزويج؛ لعجزها عن الأمرين.
(ومعتقون كمعتق) في تحمل الدية عن العتيق؛ لأن الولاء لجميعهم لا لكل واحد منهم، فيضرب على جميعهم نصف دينار إن كانوا أغنياء، وربعه إن كانوا متوسطين، فإن اختلف حالهم .. فعلى الغني حصته من النصف، وعلى المتوسط حصته من الربع.
(وكل شخص من عصبة كل معتق يحمل ما كان يحمله ذلك المعتق) في حياته، وهو حصته من الربع أو النصف؛ لأن غايته نزوله منزلة ذلك الشريك، ولا يوزع عليهم ما كان الميت يحمله؛ لأن الولاء لا يتوزع عليهم توزعه على الشركاء؛ لأنهم لا يرثون الولاء بل يرثون به.
وهذا لا يختص بما إذا كان المعتق جماعة كما يوهمه كلامه، بل لو كان المعتق واحدًا، ومات عن إخوة مثلًا .. فيضرب على كل واحد حصته تامة، وهو الذي كان الميت يحمله، وهو نصف دينار أو ربعه.
(ولا يعقل عتيق في الأظهر) لأنه لا يرث، والثاني: يعقل؛ لأنه للنصرة، وهو أولى بذلك، وخالف الإرث فإنه في مقابلة إنعام المعتق، وليس للعتيق على سيده نعمة، وقال البُلْقيني: إن هذا هو المذهب المنصوص في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" وإن الأول لا يعرف في شيء من كتبه.
(فإن فقد العاقل، أو لم يف .. عقل بيت المال عن المسلم) لحديث: "أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرثُهُ" أخرجه أبو داوود والنسائي، وصححه ابن حبان (١).
والمسلم يرثه المسلمون، بخلاف الذمي؛ فإن ماله ينتقل إليهم فيئًا لا إرثًا.
стр. 1963
فَإِنْ فُقِدَ .. فَكُلُّهُ عَلَى الْجَانِي فِي الأَظْهَرِ. وَتُؤَجَّلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ دِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةٍ ثَلَاثَ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثٌ، وَذِمِّيٍّ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثًا، وَامْرَأَةٍ سَنَتَيْنِ فِي الأُولَى ثُلُثٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثًا. وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الْعَبْدَ فِي الأَظْهَرِ، فَفِي كُلِّ سَنةٍ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةٍ، وَقِيلَ: فِي ثَلَاثٍ،
===
(فإن فقد) بيت المال ( .. فكله على الجاني في الأظهر) بناءً على أنها تلزم الجاني ابتداءً، ثم يتحملها العاقلة، فيجب عليه تمام القسط كل سنة، والثاني: لا؛ بناءً على أنها تجب عليهم ابتداءً.
(وتؤجل على العاقلة دية نفس كاملة) وهي دية الرجل المسلم الحر (ثلاث سنين في كل سنة ثلث) بالإجماع؛ كما حكاه الشافعي والترمذي (١).
واختلفوا في المعنى الذي لأجله كانت في ثلاث سنين، فقيل: لأنها بدل نفس محترمة، وقيل: لأنها دية كاملة، وهو الأصحُّ.
وتظهر فائدة الخلاف في دية النفس الناقصة؛ كالذمي والمرأة كما سيذكره، والتقييد بالعاقلة يخرج بيت المال والجاني مع أنهما كذلك.
(وذمي سنة) بناءً على الأصحِّ؛ فإنها قدر دية المسلم، (وقيل: ثلاثًا) بناءً على أنها بدل نفس.
(وامرأة) مسلمة حرة (سنتين في الأولى ثلث) أي: ثلث الدية الكاملة، والباقي في السنة الثانية، (وقيل: ثلاثًا) أي: في ثلاث سنين؛ لأنها بدل نفس.
(وتحمل العاقلة العبد في الأظهر) لأنه بدل آدمي فأشبه الحر، والثاني: لا، بل هي حالة على الجاني؛ لأنه مضمون بالقيمة فأشبه البهيمة، (ففي كل سنة قدر ثلث دية، وقيل: في ثلاث) فإن كانت قيمته قدر دية حر مسلم .. ضربت في ثلاث سنين لا محالة، وإن كانت قدر ديتين .. ضربت في ست في كل سنة قدر ثلث دية كاملة؛ نظرًا إلى المقدر، وقيل: في ثلاث؛ لأنها بدل نفس، وإن كانت قدر ثلث الدية الكاملة .. ضربت في سنة لا غير.
стр. 1964
وَلَوْ قَتلَ رَجُلَيْنِ .. فَفِي ثَلَاثٍ، وَقِيلَ: سِتٍّ، وَالأَطْرَافُ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةٍ، وَقِيلَ: كُلُّهَا فِي سَنَةٍ. وَأَجَلُ النَّفْسِ مِنَ الزُّهُوقِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْجِنَايَةِ، وَمَنْ مَاتَ بِبَعْضِ سَنَةٍ .. سَقَطَ
===
(ولو قتل رجلين) مسلمين ( .. ففي ثلاث) لأن الواجب ديتان مختلفتان، والمستحق مختلف؛ فلا يؤخر حق بعضهم باستحقاق غيره، وهذا كالديون المختلفة إذا اتفق انقضاء آجالها، (وقيل: ست) لأن بدل النفس الواحدة يضرب في ثلاث سنين، ويزاد للأخرى مثلها، ولو قتل ثلاثة واحدًا .. فعلى عاقلة كل واحد ثلث دية مؤجلة عليه في ثلاث سنين، وقيل: في سنة.
(والأطراف) وأرش الجرح، والحكومة (في كل سنة قدر ثلث دية) فإن كانت أكثر من ثلث الدية، ولم تزد على ثلثين .. ففي سنتين، فيؤخذ قدر ثلث الدية في آخر السنة الأولى، والباقي في آخر السنة الثانية، وإن زاد على الثلثين ولم يزد على دية النفس .. ففي ثلاث سنين، وإن زادت على دية النفس .. فنعتبر المقدار، (وقيل: كلها في سنة) بالغة ما بلغت؛ لأنها ليست بدل نفس حتى تؤجل.
(وأجل النفس من الزهوق) أي: ابتداء المدة منه؛ لأنه وقت استقرار الوجوب (وغيرها) أي: وابتداء مدة ما دون النفس (من الجناية) لأنها حالة الوجوب فأنيط الابتداء بها كما أنيط بحالة الزهوق في النفس؛ لأنها حالة وجوب ديتها.
ومحل هذا: إذا لم تسر فإن سرت من عضو إلى عضو؛ بأن قطع إصبعه فسرت إلى كفه .. ففي ابتداء المدة ثلاثة أوجه في "أصل الروضة": أحدها: من سقوط الكف، وهو ما أورده البغوي، وثانيها: من الاندمال، وهو ما أورده الشيخ أبو حامد وأصحابه، وثالثها: ابتداء أرش الإصبع من يوم القطع، وأرش الكف من يوم سقوطها، وهو ما اختاره القفال، والروياني، والإمام، والغزالي، ومال في "الشرح الصغير" إلى ترجيحه (١).
(ومن مات) من العاقلة (ببعض سنة .. سقط) الذي عليه من حصة تلك السنة،
стр. 1965
وَلَا يَعْقِلُ فَقِيرٌ وَرَقِيقٌ وَصَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُسْلِمٌ عَنْ كَافِرٍ وَعَكْسُهُ، وَيَعْقِلُ يَهُودِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ وَعَكْسُهُ فِي الأَظْهَرِ. وَعَلَى الْغَنِيِّ نِصْفُ دِينَارٍ، وَالْمُتَوَسِّطِ رُبُعٌ
===
ولا يؤخذ من تركته؛ لأنها مواساة؛ كالزكاة، بخلاف الجزية على الأصحِّ؛ لأنها كالأجرة لدار الإسلام.
(ولا يعقل فقير) ولو مكتسبًا؛ لأن العقل مواساة، والفقير ليس من أهلها؛ كنفقة القريب، بخلاف الجزية؛ لأنها موضوعة لحقن الدم، وإقراره في دار الإسلام فصارت عوضًا.
(ورقيق) ولو مكاتبًا؛ إذ لا ملك له .. فلا مواساة، والمكاتب وإن ملك فملكه ضعيف، وليس من أهل المواساة، ولهذا لا تجب عليه الزكاة.
(وصبي ومجنون) لأن مبناه على النصرة ولا نصرة فيهما، لا بالفعل ولا بالرأي، بخلاف الزمن، والشيخ الهم، والمريض، والبالغ حد الزمانة، والأعمى؛ فإنهم يتحملون على الصحيح؛ لأنهم ينصرون بالقول والرأي.
وقضية إطلاقهم: أنه لا فرق بين الجنون المتقطع والمطبق، قال الأَذْرَعي: وقد يقال: ينظر إلى الأغلب عليه، ويحتمل أن لو كان في العام يومًا واحدًا، وليس هو آخر السنة فلا عبرة به.
(ومسلم عن كافر، وعكسه) لأنه لا موالاة بينهما، ولا توارث فلا مناصرة.
(ويعقل يهودي عن نصراني، وعكسه في الأظهر) كالإرث؛ إذ الكفر ملة واحدة، والثاني: لا؛ لانقطاع الموالاة بينهما.
وسكت عن اشتراط الذكورة في العاقلة؛ اكتفاء بذكر العصوبة أول الباب، فلا تعقل امرأة ولا خنثى.
(وعلى الغني نصف دينار) لأنه أول درجات المواساة في الزكاة، والزيادة إجحاف لا ضابط لها.
(والمتوسط ربع) لأنه واسطة بين الفقير الذي لا شيء عليه، والغني الذي عليه نصف دينار، ولم يجز إلحاقه بأحد الطرفين؛ لأنه إفراط أو تفريط، فتوسط فيه بربع دينار قال الرافعي: ويشبه أن يكون المرعي في وجوب النصف أو الربع قدرهما،