← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وَقِيلَ: يَعْقِلُ ابْنٌ هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا. وَيُقَدَّمُ الأَقْرَبُ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ .. فَمَنْ يَلِيهِ، وَمُدْلٍ بأَبَوَيْنِ - وَالْقَدِيمُ: التَّسْوِيَةُ - ثُمَّ مُعْتِقٌ ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، وَإِلَّا .. فَمُعْتِقُ أَبِي الْجَانِي ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُ مُعْتِقِ الأَبِ وَعَصَبَتُهُ، وَكَذَا أَبَدًا. وَعَتِيقُهَا يَعْقِلُهُ عَاقِلَتُهَا، === أبو داوود وابن ماجة (١)، (وقيل: يعقل ابن هو ابن ابن عمها) أو معتقها؛ كما يلي أمر نكاحها، والأصحُّ: المنع؛ لعموم الأخبار؛ ولأن البعضية موجودة وهي مانعة، بخلاف النكاح فإنها غير مقتضية، ولا مانعة، فإذا وجد المقتضي .. عمل عمله. (ويقدم الأقرب) من العاقلة في التحمل على الأبعد؛ لأنه حق ثبت بالتعصيب فأشبه الإرث، (فإن بقي شيء) من الواجب في آخر الحول ( .. فمن يليه) أي: فعلى من يلي الأقرب ثم الذين يلونهم، وهكذا. (و) يقدم (مدل بأبوين) على مدل بأب في الجديد كالإرث (والقديم: التسوية) لأن الأنوثة لا مدخل لها في تحمل العاقلة فلا تصلح للترجيح، (ثم معتق) إذا لم يوجد أحد من عصبات النسب، أو لم يفوا بالواجب؛ لحديث: "الْوَلَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" (٢). (ثم عصبته) أي: المعتق من النسب عند فقده، أو مع وجوده إذا بقي من الواجب شيء خلا أصوله وفروعه على الأصحِّ كما سبق في الجاني، (ثم معتقه) أي: معتق المعتق، (ثم عصبته) كالإرث. (وإلا) أي: وإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الجاني، ولا أحد من عصابته ( .. فمعتق أبي الجاني ثم عصبته، ثم معتق معتق الأب، وعصبته) (٣) خلا أصولهم وفروعهم، (وكذا أبدًا) أي: وإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الأب .. تحمل معتق الجد ثم عصابته كذلك إلى حيث ينتهي. (وعتيقها) أي: المرأة (يعقله عاقلتها) ولا يضرب عليها؛ لأن المرأة لا تحمل

стр. 1962

وَمُعْتِقُونَ كَمُعْتِقٍ، وَكُلُّ شَخْصٍ مِنْ عَصَبَةِ كُلِّ مُعْتِقٍ يَحْمِلُ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ الْمُعْتِقُ. وَلَا يَعْقِلُ عَتِيقٌ فِي الأَظْهَرِ. فَإِنْ فُقِدَ الْعَاقِلُ أَوْ لَمْ يَفِ .. عَقَلَ بَيْتُ الْمَالِ عَنِ الْمُسْلِمِ، === العقل بالإجماع؛ فيتحمله عنها من يتحمل جنايتها من عصباتها؛ كما يزوج عتيقها من يزوجها؛ إلحاقًا، للعقل بالتزويج؛ لعجزها عن الأمرين. (ومعتقون كمعتق) في تحمل الدية عن العتيق؛ لأن الولاء لجميعهم لا لكل واحد منهم، فيضرب على جميعهم نصف دينار إن كانوا أغنياء، وربعه إن كانوا متوسطين، فإن اختلف حالهم .. فعلى الغني حصته من النصف، وعلى المتوسط حصته من الربع. (وكل شخص من عصبة كل معتق يحمل ما كان يحمله ذلك المعتق) في حياته، وهو حصته من الربع أو النصف؛ لأن غايته نزوله منزلة ذلك الشريك، ولا يوزع عليهم ما كان الميت يحمله؛ لأن الولاء لا يتوزع عليهم توزعه على الشركاء؛ لأنهم لا يرثون الولاء بل يرثون به. وهذا لا يختص بما إذا كان المعتق جماعة كما يوهمه كلامه، بل لو كان المعتق واحدًا، ومات عن إخوة مثلًا .. فيضرب على كل واحد حصته تامة، وهو الذي كان الميت يحمله، وهو نصف دينار أو ربعه. (ولا يعقل عتيق في الأظهر) لأنه لا يرث، والثاني: يعقل؛ لأنه للنصرة، وهو أولى بذلك، وخالف الإرث فإنه في مقابلة إنعام المعتق، وليس للعتيق على سيده نعمة، وقال البُلْقيني: إن هذا هو المذهب المنصوص في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" وإن الأول لا يعرف في شيء من كتبه. (فإن فقد العاقل، أو لم يف .. عقل بيت المال عن المسلم) لحديث: "أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرثُهُ" أخرجه أبو داوود والنسائي، وصححه ابن حبان (١). والمسلم يرثه المسلمون، بخلاف الذمي؛ فإن ماله ينتقل إليهم فيئًا لا إرثًا.

стр. 1963

فَإِنْ فُقِدَ .. فَكُلُّهُ عَلَى الْجَانِي فِي الأَظْهَرِ. وَتُؤَجَّلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ دِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةٍ ثَلَاثَ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثٌ، وَذِمِّيٍّ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثًا، وَامْرَأَةٍ سَنَتَيْنِ فِي الأُولَى ثُلُثٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثًا. وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الْعَبْدَ فِي الأَظْهَرِ، فَفِي كُلِّ سَنةٍ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةٍ، وَقِيلَ: فِي ثَلَاثٍ، === (فإن فقد) بيت المال ( .. فكله على الجاني في الأظهر) بناءً على أنها تلزم الجاني ابتداءً، ثم يتحملها العاقلة، فيجب عليه تمام القسط كل سنة، والثاني: لا؛ بناءً على أنها تجب عليهم ابتداءً. (وتؤجل على العاقلة دية نفس كاملة) وهي دية الرجل المسلم الحر (ثلاث سنين في كل سنة ثلث) بالإجماع؛ كما حكاه الشافعي والترمذي (١). واختلفوا في المعنى الذي لأجله كانت في ثلاث سنين، فقيل: لأنها بدل نفس محترمة، وقيل: لأنها دية كاملة، وهو الأصحُّ. وتظهر فائدة الخلاف في دية النفس الناقصة؛ كالذمي والمرأة كما سيذكره، والتقييد بالعاقلة يخرج بيت المال والجاني مع أنهما كذلك. (وذمي سنة) بناءً على الأصحِّ؛ فإنها قدر دية المسلم، (وقيل: ثلاثًا) بناءً على أنها بدل نفس. (وامرأة) مسلمة حرة (سنتين في الأولى ثلث) أي: ثلث الدية الكاملة، والباقي في السنة الثانية، (وقيل: ثلاثًا) أي: في ثلاث سنين؛ لأنها بدل نفس. (وتحمل العاقلة العبد في الأظهر) لأنه بدل آدمي فأشبه الحر، والثاني: لا، بل هي حالة على الجاني؛ لأنه مضمون بالقيمة فأشبه البهيمة، (ففي كل سنة قدر ثلث دية، وقيل: في ثلاث) فإن كانت قيمته قدر دية حر مسلم .. ضربت في ثلاث سنين لا محالة، وإن كانت قدر ديتين .. ضربت في ست في كل سنة قدر ثلث دية كاملة؛ نظرًا إلى المقدر، وقيل: في ثلاث؛ لأنها بدل نفس، وإن كانت قدر ثلث الدية الكاملة .. ضربت في سنة لا غير.

стр. 1964

وَلَوْ قَتلَ رَجُلَيْنِ .. فَفِي ثَلَاثٍ، وَقِيلَ: سِتٍّ، وَالأَطْرَافُ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةٍ، وَقِيلَ: كُلُّهَا فِي سَنَةٍ. وَأَجَلُ النَّفْسِ مِنَ الزُّهُوقِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْجِنَايَةِ، وَمَنْ مَاتَ بِبَعْضِ سَنَةٍ .. سَقَطَ === (ولو قتل رجلين) مسلمين ( .. ففي ثلاث) لأن الواجب ديتان مختلفتان، والمستحق مختلف؛ فلا يؤخر حق بعضهم باستحقاق غيره، وهذا كالديون المختلفة إذا اتفق انقضاء آجالها، (وقيل: ست) لأن بدل النفس الواحدة يضرب في ثلاث سنين، ويزاد للأخرى مثلها، ولو قتل ثلاثة واحدًا .. فعلى عاقلة كل واحد ثلث دية مؤجلة عليه في ثلاث سنين، وقيل: في سنة. (والأطراف) وأرش الجرح، والحكومة (في كل سنة قدر ثلث دية) فإن كانت أكثر من ثلث الدية، ولم تزد على ثلثين .. ففي سنتين، فيؤخذ قدر ثلث الدية في آخر السنة الأولى، والباقي في آخر السنة الثانية، وإن زاد على الثلثين ولم يزد على دية النفس .. ففي ثلاث سنين، وإن زادت على دية النفس .. فنعتبر المقدار، (وقيل: كلها في سنة) بالغة ما بلغت؛ لأنها ليست بدل نفس حتى تؤجل. (وأجل النفس من الزهوق) أي: ابتداء المدة منه؛ لأنه وقت استقرار الوجوب (وغيرها) أي: وابتداء مدة ما دون النفس (من الجناية) لأنها حالة الوجوب فأنيط الابتداء بها كما أنيط بحالة الزهوق في النفس؛ لأنها حالة وجوب ديتها. ومحل هذا: إذا لم تسر فإن سرت من عضو إلى عضو؛ بأن قطع إصبعه فسرت إلى كفه .. ففي ابتداء المدة ثلاثة أوجه في "أصل الروضة": أحدها: من سقوط الكف، وهو ما أورده البغوي، وثانيها: من الاندمال، وهو ما أورده الشيخ أبو حامد وأصحابه، وثالثها: ابتداء أرش الإصبع من يوم القطع، وأرش الكف من يوم سقوطها، وهو ما اختاره القفال، والروياني، والإمام، والغزالي، ومال في "الشرح الصغير" إلى ترجيحه (١). (ومن مات) من العاقلة (ببعض سنة .. سقط) الذي عليه من حصة تلك السنة،

стр. 1965

وَلَا يَعْقِلُ فَقِيرٌ وَرَقِيقٌ وَصَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُسْلِمٌ عَنْ كَافِرٍ وَعَكْسُهُ، وَيَعْقِلُ يَهُودِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ وَعَكْسُهُ فِي الأَظْهَرِ. وَعَلَى الْغَنِيِّ نِصْفُ دِينَارٍ، وَالْمُتَوَسِّطِ رُبُعٌ === ولا يؤخذ من تركته؛ لأنها مواساة؛ كالزكاة، بخلاف الجزية على الأصحِّ؛ لأنها كالأجرة لدار الإسلام. (ولا يعقل فقير) ولو مكتسبًا؛ لأن العقل مواساة، والفقير ليس من أهلها؛ كنفقة القريب، بخلاف الجزية؛ لأنها موضوعة لحقن الدم، وإقراره في دار الإسلام فصارت عوضًا. (ورقيق) ولو مكاتبًا؛ إذ لا ملك له .. فلا مواساة، والمكاتب وإن ملك فملكه ضعيف، وليس من أهل المواساة، ولهذا لا تجب عليه الزكاة. (وصبي ومجنون) لأن مبناه على النصرة ولا نصرة فيهما، لا بالفعل ولا بالرأي، بخلاف الزمن، والشيخ الهم، والمريض، والبالغ حد الزمانة، والأعمى؛ فإنهم يتحملون على الصحيح؛ لأنهم ينصرون بالقول والرأي. وقضية إطلاقهم: أنه لا فرق بين الجنون المتقطع والمطبق، قال الأَذْرَعي: وقد يقال: ينظر إلى الأغلب عليه، ويحتمل أن لو كان في العام يومًا واحدًا، وليس هو آخر السنة فلا عبرة به. (ومسلم عن كافر، وعكسه) لأنه لا موالاة بينهما، ولا توارث فلا مناصرة. (ويعقل يهودي عن نصراني، وعكسه في الأظهر) كالإرث؛ إذ الكفر ملة واحدة، والثاني: لا؛ لانقطاع الموالاة بينهما. وسكت عن اشتراط الذكورة في العاقلة؛ اكتفاء بذكر العصوبة أول الباب، فلا تعقل امرأة ولا خنثى. (وعلى الغني نصف دينار) لأنه أول درجات المواساة في الزكاة، والزيادة إجحاف لا ضابط لها. (والمتوسط ربع) لأنه واسطة بين الفقير الذي لا شيء عليه، والغني الذي عليه نصف دينار، ولم يجز إلحاقه بأحد الطرفين؛ لأنه إفراط أو تفريط، فتوسط فيه بربع دينار قال الرافعي: ويشبه أن يكون المرعي في وجوب النصف أو الربع قدرهما،

стр. 1966

كُلَّ سَنَةٍ مِنَ الثَّلَاثِ، وَقِيلَ: هُوَ وَاجِبُ الثَّلَاثِ، وَيُعْتبَرَانِ آخِرَ الْحَوْلِ، وَمَنْ أَعْسَرَ فِيهِ .. سَقَطَ === لا أنه يلزم العاقلة عين الذهب؛ لأن الإبل هي الواجبة في الدية، وما يؤخذ يصرف في الإبل، وللمستحق ألا يقبل غيرها، ويوضحه: أن المتولي قال: عليه نصف دينار أو ستة دراهم (١)، قال البغوي: ويضبط الغني والمتوسط بالعادة، ويختلف باختلاف البلدان والأزمان (٢). ورأى الإمام: أن الأقرب: اعتبار ذلك بالزكاة، فإن ملك عشرين دينارًا آخر الحول .. فغني، وإن ملك دون ذلك فاضلًا عن حاجاته .. فمتوسط، قال: ويشترط: أن يملك شيئًا فوق المأخوذ، وهو الربع، لئلا يصير فقيرًا، وشرطهما: أن يكون ما يملكانه فاضلًا عن مسكن، وثياب، وسائر ما لا يكلف بيعه في الكفارة. انتهى (٣)، ومال في "الشرح الصغير" إلى كلام الإمام، واستنبط ابن الرفعة من كلامهم: أن المراد بالفقير هنا: من لا يملك كفايته على الدوام، وصرح به صاحب "البيان" (٤). (كل سنة من الثلاث) لأنها مواساة تتعلق بالحول، فتكررت بتكرره؛ كالزكاة، فجميع ما يلزم الغني في السنين الثلاث دينار ونصف والمتوسط نصف وربع، (وقيل: هو) أي: النصف، أو الربع (واجب الثلاث) لأن الأصل عدم الضرب، فلا يخالفه إلا في هذا القدر، فعلى هذا: يؤدي الغني كل سنة سدس دينار، والمتوسط نصف سدسه. (ويعتبران) أي: الغني والمتوسط (آخر الحول) لأنه حق مالي متعلق بالحول على جهة المواساة، فاعتبر بآخره، كالزكاة. (ومن أعسر فيه) أي: في آخر الحول ( .. سقط) أي: لا يلزمه شيء من واجب

стр. 1967

فَصْلٌ [في جناية الرقيق] مَالُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَلِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ لَهَا، وَفِدَاؤُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَأَرْشِهَا، وَفِي الْقَدِيمِ: بِأَرْشِهَا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ مَعَ رَقَبَتِهِ فِي الأَظْهَرِ === ذلك الحول وإن كان موسرًا من قبل، أو أيسر بعده، لخروجه عن أهلية المواساة، ولو كان موسرًا آخر الحول .. لزمه، ولو أعسر بعده .. فهو دين عليه. * * * (فصل: مال جناية العبد) بأن كانت خطأً، أو عمدًا، وعفي على مال (يتعلق برقبته) بالإجماع، كما حكاه البيهقي (١)؛ لأنه لا يمكن إلزام السيد؛ لأنه لم يجن، ففيه إضرار به، ولا أن يكون في ذمة العبد إلى العتق، للإضرار بالمستحق، فجعل التعلق بالرقبة طريقًا وسطًا. ويستثنى: ما إذا كان العبد غير مميز، أو أعجميًّا يعتقد وجوب طاعة السيد فأمره بها .. فالجاني هو السيد، ولا يتعلق الضمان برقبته على الأصحِّ في "أصل الروضة" في (الرهن)، وفي مسائل الإكراه (٢)، لكن نص في "الأم" على خلافه، كما قاله البُلْقيني. (ولسيده بيعه لها) أي: للجناية (وفداؤه) كالمرهون (بالأقل من قيمته وأرشها) لأنه إن كانت قيمته أقل .. فليس عليه إلا تسليمه، فإذا لم يسلمه .. طولب بقيمته، وإن كان الأرش أقل .. فليس للمجني عليه إلا ذلك. (وفي القديم: بأرشها) بالغًا ما بلغ؛ لأنه لو سلمه ربما بيع بأكثر من قيمته، وعلى الأول: تعتبر القيمة يوم الجناية، وقيل: يوم الفداء. (ولا يتعلق) مال الجناية (بذمته مع رقبته في الأظهر) لأنه لو تعلق بالذمة .. لما تعلق بالرقبة؛ كديون معاملاته، والثاني: نعم، كالمال الواجب بجناية الحر، وعلى

стр. 1968

وَلَوْ فَدَاهُ ثُمَّ جَنَى .. سَلَّمَهُ لِلْبَيع أَوْ فَدَاهُ، وَلَوْ جَنَى ثَانِيًا قَبْلَ الْفِدَاءِ .. بَاعَهُ فِيهِمَا أَوْ فَدَاهُ بالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالأَرْشَيْنِ، وَفِي الْقَدِيمِ: بِالأَرْشَيْنِ. وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ وَصَحَّحْنَاهُمَا أَوْ قَتَلَهُ .. فَدَاهُ بِالأَقَلِّ، وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ، وَلَوْ هَرَبَ أَوْ مَاتَ .. بَرِئَ سَيِّدُهُ، إِلَّا إِذَا طُلِبَ فَمَنَعَهُ، === هذا: فالرقبة مرهونة بالحق الثابت في ذمته (١). (ولو فداه ثم جنى .. سلمه للبيع أو فداه) مرة أخرى وإن تكرر ذلك مرارًا؛ لأنه الآن لم يتعلق به غير هذه الجناية. (ولو جنى ثانيًا قبل الفداء .. باعه فيهما) أي: في الجنايتين ووزع الثمن على أرش الجنايتين، (أو فداه بالأقل من قيمته والأرشين) على الجديد (وفي القديم: بالأرشين) لما سلف. ومحل الخلاف: ما إذا لم يمنع من بيعه مختارًا للفداء، فإن منع .. لزمه أن يفدي كلًّا منهما؛ كما لو كان منفردًا، صرح به الرافعي في الكلام على جناية المستولدة (٢)، وأسقطه من "الروضة"، كذا قاله الزركشي وشيخنا ولم يسقطه في "الروضة" (٣)، بل ذكر فيها في الموضع المذكور كما في "الرافعي" فقال: (فرع: لو جنى القن فمنع السيد من بيعه، واختار الفداء، ثم جنى ففعل مثل ذلك .. يلزمه لكل جنايةٍ الأقل من أرشها وقيمته). (ولو أعتقه أو باعه، وصححناهما) أي: العتق والبيع (أو قتله .. فداه) حتمًا؛ لأنه فوت محل حقه، وسبق في (البيع) بيان صحة بيعه وعدمه، وعتقه كعتق المرهون؛ إن كان موسرًا .. نفذ، وإلا .. فلا على الأظهر (بالأقل) أي: بأقل الأمرين؛ لتعذر البيع، وبطلان زيادة راغب، (وقيل: القولان) السابقان (ولو هرب) العبد الجاني (أو مات .. برئ سيده، إلا إذا طلب) ليباع (فمنعه) لتعديه

стр. 1969

وَلَوِ اخْتَارَ الْفِدَاءَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ وَتَسْلِيمَهُ. وَيَفْدِي أُمَّ وَلَدِهِ بِالأَقَلِّ، وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ، وَجِنَايَاتُهَا كَوَاحِدَة فِي الأَظْهَرِ. === بالمنع، ويصير بذلك مختارًا للفداء. (ولو اختار الفداء .. فالأصح: أن له الرجوع وتسليمه) ليباع؛ لأنه وعد، ولا أثر له، واليأس لم يحصل من بيعه، والثاني: يلزمه؛ عملًا بالتزامه، هذا إذا كان العبد حيًّا؛ فإن مات .. فلا رجوع له قطعًا. (ويفدي أم ولده) أي: يتعين؛ لأنه بالاستيلاد مانع من بيعها مع بقاء الرق فيها، فأشبه ما إذا جنى القن .. فلم يسلمه للبيع (بالأقل) من قيمتها والأرش؛ كما لو امتنع من بيع الجاني، (وقيل: القولان) السابقان في القن، والأصحّث: الأول؛ لعدم توقع راغب بالزيادة، فإن البيع ممتنع، بخلاف القن. (وجناياتها كواحدة في الأظهر) فيلزمه للكل فداء واحد؛ لأن الاستيلاد منزَّل منزلة الإتلاف، وإتلاف الشيء لا يوجب إلا قيمة واحدة، ولأنها لو لم تكن مستولدة، وبيعت .. لم يظفر جميع الأولياء إلا بقيمتها فليقدر السيد مشتريًا، والثاني: يلزمه لكل جناية فداء؛ لأنه منع من بيعها عند الجناية الثانية؛ كما في الأولى، ورجحه البُلْقيني، وحكى عن الشافعي أنه قال: إنه أحب القولين إليه. والثالث: إن فدى الأولى قبل جنايتها الثانية .. لزمه فداء آخر، وإلّا .. فواحد، فعلى الأظهر: يشترك المجني عليهما أو عليهم على قدر جناياتهم، ومن قبض أرشًا .. حوصص فيه؛ كغرماء المفلس إذا اقتسموا، ثم ظهر غريم أو غرماء، وكلما تجددت جناية .. تجدد الاسترداد. ومحل الخلاف: أن يكون أرش الجناية الأولى كالقيمة، أو أكثر، أو أقل، والباقي من القيمة لا يفي بالجناية الثانية؛ فإن كان أرش الأولى دون القيمة وفداها به، وكان الباقي من قيمتها يفي بالجناية الثانية .. فداها بأرشها قطعًا. * * *

стр. 1970

فَصْلٌ [في الغرة] فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ إِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ فِي حَيَاتِهَا أَوْ مَوْتهَا، وَكَذَا إِنْ ظَهَرَ بِلَا انْفِصَالٍ فِي الأَصَحِّ، وَإِلَّا .. فَلَا، أَوْ حَيًّا وَبَقِيَ زَمَانًا بِلَا أَلَمٍ ثمَّ مَاتَ .. فَلَا ضَمَانَ، === (فصل: في الجنين) الحر المسلم (غرة إن انفصل ميتًا بجناية) تؤثر في الجنين من ضرب وإيجار دواء ونحوهما (في حياتها أو موتها) لحديث أبي هريرة الثابت في "الصحيحين": (اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى أن دية جنينهما غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها) (١). وسميت النسمة من الرقيق غرة؛ لأنها غرة ما يملكه؛ أي: أفضله، وغرة كل شيء: خياره. وقوله: (في حياتها أو موتها) متعلق بـ (انفصل) أي: انفصل في حياتها بجناية، أو انفصل بعد موتها بجناية في حياتها. (وكذا إن ظهر بلا انفصال في الأصح) لتحقق وجوده، والثاني: لا بد من تمام انفصاله، لأن ما لم ينفصل كالعضو منها، وقياسا على انقضاء العدة، وسائر الأحكام. ويتفرع على الوجهين: ما إذا ضرب بطنها، فخرج رأس الجنين مثلًا، وماتت الأم بذلك، ولم ينفصل أو خرج رأسه ثم جنى عليها فماتت، فعلى الأصحِّ: تجب الغرة؛ لتيقن وجوده، والثاني: لا تجب؛ لعدم الانفصال. (وإلا) أي: وإن ماتت الأم ولم ينفصل الولد ولم يظهر ( .. فلا) غرة، لأنا لا نتيقن وجود الجنين، فلا نوجب شيئًا بالشك. (أو حيًّا) أي: أو انفصل حيًّا (وبقي زمانًا بلا ألم، ثم مات .. فلا ضمان) لأن الظاهر: أنه مات بسبب آخر.

стр. 1971

وَإِنْ مَاتَ حِينَ خَرَجَ أَوْ دَامَ أَلَمُهُ وَمَاتَ .. فَدِيَةُ نَفْسٍ. وَلَوْ أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ .. فَغُرَّتَانِ، أَوْ يَدًا .. فَغُرَّةٌ، وَكَذَا لَحْم قَالَ الْقَوَابِلُ: (فِيهِ صُورَةٌ خَفِيَّة)، قِيلَ: أَوْ قُلْنَ: (لَوْ بَقِيَ .. لَتَصَوَّرَ). وَهِيَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، مُمَيِّزٌ سَلِيمٌ مِنْ عَيْبِ مَبِيعٍ، وَالأَصَحُّ: قَبُولُ كَبِيرٍ لَمْ يَعْجَزْ بِهَرَمٍ، وَيُشْتَرَطُ بُلُوغُهَا نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ، === (وإن مات حين خرج) وتم انفصاله (أو دام المه، ومات) منه ( .. فدية نفس) لأنا تيقنا حياته، وقد هلك بالجناية فأشبه سائر الأحياء. (ولو ألقت جنينين .. فغرتان) أو ثلاثة فثلاثة؛ لأن الغرة متعلقة باسم الجنين فتعدد بتعدده. (أو يدًا) أو رجلًا ولم ينفصل ( .. فغرة) لأن العلم حصل بوجود الجنين، والغالب على الظن أن يده بانت بالجناية، واليدان كاليد، وكذا الثلاث والأربع على الأصحِّ. (وكذا لحم قال القوابل: "فيه صوره خفية") لا يعرفها إلا أهل الخبرة بوجوده، (قيل: أو قلن: "لو بقي .. لتصور") أي: لم تكن فيه صورة ظاهرة ولا خفية فعرفها القوابل، لكن قلن: (إنه أصل آدمي، ولو بقي .. لتصور وتخلق)، فتجب الغرة؛ كما تنقضي به العدة، والمذهب: لا غرة، كما لا تصير أم ولد، وقد سبق إيضاح ذلك في (باب العدد). (وهي) أي: الغرة الواجبة (عبد أو أمة) كما نطق به الخبر (مميز) فلا يقبل من لا تمييز له؛ لأن الغرة الخيار، وغير المميز ليس بخيار؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله، (سليم من عيب مبيع) لأن المعيب ليس من الخيار؛ فإن رضي به .. جاز. (والأصح: قبول كبير لم يعجز بهرم) لأنه من الخيار ما لم تنقص منافعه، وهذا ما نص عليه في "الأم"، والثاني: لا يقبل بعد عشرين سنة؛ لأنه ينقص ثمنه حينئذ. (ويشترط بلوغها) أي: بلوغ قيمة الغرة (نصف عشر الدية) أي: دية الأب، وهو خمس من الإبل، روي ذلك عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت ﵃، قال الماوردي: ولم يخالفهم فيه أحد، فكان إجماعًا (١).

стр. 1972

فَإِنْ فُقِدَتْ .. فَخَمْسَةُ أَبْعِرَة، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ، فَلِلْفَقْدِ قِيمَتُهَا، وَهِيَ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ وَعَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي، وَقِيلَ: إِنْ تَعَمَّدَ .. فَعَلَيْهِ. وَالْجَنِينُ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ قِيلَ: كَمُسْلِمٍ، وَقِيلَ: هَدَرٌ، وَالأَصَحُّ: غُرَّةٌ كَثُلُثِ غُرَّةِ مُسْلِمٍ === (فإن فقدت) الغرة أو وجدت بأكثر من ثمن المثل ( .. فخمسة أبعرة) لأنها مقدرة بالخمس عند وجودها، فعند عدمها يأخذ ما كانت مقدرة به، وإذا انتقل إلى الإبل عند فقد الغرة .. غلظنا إن كانت الجناية شبه عمد؛ بأن يؤخذ حقة ونصف، وجذعة ونصف، وخلفتان، ولم يتكلموا في التغليظ عند وجود الغرة، لكن قال الروياني: ينبغي أن يقال: تجب غرة قيمتها نصف عشر الدية المغلظة، قال الرافعي: وهذا حسن (١). (وقيل: لا يشترط) إن تبلغ الغرة نصف عشر الدية؛ لإطلاق لفظ العبد والأمة في الخبر (فللفقد قيمتها) على هذا الوجه بالغة ما بلغت؛ كما لو غصب عبدًا فمات. (وهي) أي: الغرة (لورثة الجنين) لو انفصل حيًّا ثم مات؛ لأنها دية نفس، ولو جنت الحامل بشرب دواء أو غيره .. فلا شيء لها منها؛ لأنها قاتلة. (وعلى عاقلة الجاني) لحديث أبي هريرة السالف أول الفصل (٢)، (وقيل: إن تعمد) بأن قصدها بما يلقي غالبًا ( .. فعليه) أي: على الجاني؛ بناءً على أنه يتصور في ذلك العمد المحض، والأصحُّ: أنها على العاقلة؛ بناءً على المذهب من كونه لا يتصور العمد في ذلك، وإنما يكون خطأ أو عمد خطأ؛ لأنه لا يتحقق وجوده وحياته حتى يقصد. (والجنين اليهودي أو النصراني) الذي لأمه حرمة ذمة، أو عهد، أو رق (قيل: كمسلم) فتجب غرة؛ لأنه لا سبيل إلى الإهدار، ولا إلى تجزئة الغرة، (وقيل: هدر) إذ لا سبيل إلى التسوية بينهما، والتجزئة ممتنعة. (والأصح: غرة؛ كثلث غرة مسلم) قياسًا على الدية، وقد بسط الأَذْرَعي الكلام في هذه المسألة، وذكر ما ملخصه: أن المذكور في "النهاية" في المسألة ثلاثة

стр. 1973

وَالرَّقِيقُ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ - وَقِيلَ: الإِجْهَاضِ - === أوجه: أحدها: أنه لا تجب فيه شيء من الغرة أصلًا، وإنما الواجب فيه عشر دية الأم، والثاني: أنه يجب جزء من الغرة، نسبته من الغرة كنسبة دية أهل الجنين من الدية الكاملة، ففي الجنين النصراني ثلث الغرة، وفي المجوسي جزء منسوب إلى ديته، والثالث: أنه يجب عبد كامل؛ لأن التبعيض محذور، والتسوية بين المسلم والكافر ممتنعة، فيجب عبد نسبة قيمته من دية النصراني مثلًا خمس من الإبل من دية المسلم؛ فالواجب على هذا: غرة كاملة بالشخص ناقصة بالقيمة. ثم قال: إذا علمت هذا .. علمت أن الوجه الأول في "المنهاج": هو الثالث فيه لا غيره، وأنه ليس لنا وجه محقق أنه تجب فيه غرة كالغرة الواجبة في المسلم من غير فرق؛ كما هو ظاهر عبارة الشيخين، وأنه ليس لنا وجه بالإهدار، وأن القول به وهم قطعًا، ولم أر من صرح بالإهدار غير "المنهاج"، وهو خلاف نصوص الشافعي في كتبه، وخلاف ما عرف من مذهبه ضرورة. (والرقيق عشر قيمة أمه) قياسًا على الجنين الحر؛ فإن الغرة فيه معتبرة بعشر ما ضمن به الأم، وسواء فيه القنة، والمدبرة، والمكاتبة، والمستولدة، والذكر والأنثى؛ لاستوائهما فيما ورد في النص، وهو الحر (يوم الجناية) عليها؛ لأنه وقت الوجوب. (وقيل: الإجهاض) لأن الجناية صارت نفسًا اعتبر بدلها وقت استقرارها؛ كالجناية على العبد إذا عتق، والكافر إذا أسلم. وإطلاقه اعتبار يوم الجناية يقتضي: أنه سواء كانت القيمة فيه أكثر من وقت الإلقاء أو أقل، وبه صرح القاضي حسين وغيره، لكن الرافعي لما حكى أن الأصح: اعتبار يوم الجناية .. علله بأن قيمته حينئذ أكمل غالبًا، قال: فإن فرضت زيادة القيمة مع تواصل الآلام .. اعتبرت تلك الزيادة، قال الرافعي: وحقيقة هذا الوجه النظر إلى أقصى القيم (١)، ولهذا عبر في "أصل الروضة" بأن الأصح المنصوص: أنه تعتبر

стр. 1974

لِسَيِّدِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً، وَالْجَنِينُ سَلِيمٌ .. قُوِّمَتْ سَلِيمَةً فِي الأَصَحِّ، وَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ فِي الأَظْهَرِ. === القيمة أكثر ما كانت من الجناية إلى الإجهاض (١). ويستثنى من إطلاق المصنف: ما إذا انفصل الجنين حيًّا، ومات من أثر الجناية .. فإن فيه قيمته يوم الانفصال وإن نقصت عن عشر قيمة الأم. (لسيدها) أي: تكون الغرة لسيد الأمة؛ لأنه المالك. وعبارة "المحرر" كـ "الشرح": للسيد (٢)؛ يعني: سيد الجنين، وهو الصواب؛ لأن الجنين قد يكون لشخص وُصِّيَ له به، وتكون الأم لآخر، فالبدل لسيده لا لسيدها. (فإن كانت) الأم (مقطوعة) الأطراف (والجنين سليم .. قومت سليمة في الأصح) كما لو كانت كافرة والجنين مسلم؛ فإنه يقدر فيها الإسلام وتقوم مسلمة، والثاني: لا تقدر فيها السلامة؛ لأن نقصان الأغضاء أمر خلقي، وفي تقدير خلافه بعدٌ، بخلاف صفة الإسلام وغيره، كذا علله الرافعي (٣)، وهو يفهم أن صورة المسألة في نقص الأم من أصل الخلقة، وهو مخالف لتعبيرهم بالمقطوعة. وقد يوهم كلام المصنف: أنه لو كان الجنين مقطوعًا، والأم سليمة .. قومت مقطوعة، وليس كذلك، بل تقوم سليمة أيضًا على الأصحِّ؛ لأن نقصان الجنين قد يكون من أثر الجناية، واللائق التغليظ على الجاني لا التخفيف. فلو قال: (وعكسه) .. لشمل هذه الصورة. (وتحمله) أي: بدل الجنين (العاقلة في الأظهر) هذا هو الخلاف في أن الرقيق هل تحمله العاقلة؟ وقد سبق. * * *

стр. 1975

فَصْلٌ [في كفارة القتل] تَجِبُ بِالْقَتْلِ كَفَّارَةٌ وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا، وَمَجْنُونًا، وَعَبْدًا، وَذِمِّيًّا، وَعَامِدًا، وَمُخْطِئًا، وَمُتْسَبِّبًا بِقَتْلِ مُسْلِمٍ - وَلَوْ بِدَارِ حَرْبٍ - وَذِمِّيٍّ === (فصل: تجب بالقتل كفارة) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. وخرج بـ (القتل): الأطراف، والجراحات، فلا كفارة فيها؛ لعدم الورود. (وإن كان القاتل صبيًّا ومجنونًا) لأن الكفارة من باب الضمان، ويفارق وقاعهما في رمضان؛ فإنه لا كفارة عليهما؛ لعدم التعدي منهما، والتعدي شرط في وجوب تلك الكفارة، وللولي الإعتاق عنهما من مالهما؛ كما يخرج الزكاة والفطرة منه، فلو أعتق الولي من مال نفسه عنهما .. قال البغوي: إن كان أبًا أو جدًّا .. جاز، وكأنه ملكهما ثم ناب عنهما في الإعتاق، وإن كان وصيًّا أو قيّمًا .. لم يجز حتى يقبل القاضي لهما التمليك، وأقراه (١)، ولا يصوم الولي عنهما بحال، فلو صام الصبي في صباه .. أجزأه على الأصحِّ. (وعبدًا وذميًّا) كما يتعلق بفعلهما القصاص والضمان، ويتصور إعتاق الذمي للمسلم؛ بأن يسلم في ملكه، أو يقول لمسلم: (أعتق عبدك عن كفارتي)، فإنه يصح على الأصحِّ. (وعامدًا) كالمخطئ، وأولى، لأن الكفارة للجبر، والعامد أحوج إليها، ومثله شبه العمد، (ومخطئًا) بالإجماع. (ومتسببًا) لأنه كالمباشر في الضمان، فكذا في الكفارة (بقتل مسلم ولو بدار حرب) وإن لم يجب فيه القصاص ولا الدية؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، وسواء ظن كفره، أو تترس به العدو. (وذمي) لأنه آدمي مضمون، وفي معناه: كل معصوم بأمان أو عهد.

стр. 1976

وَجَنِينٍ وَعَبْدِ نَفْسِهِ وَنَفْسِهِ، وَفِي نَفْسِهِ وَجْهٌ، لَا امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ حَرْبِيَّيْنِ وَبَاغٍ وَصَائِلٍ وَمُقْتَصٍّ مِنْهُ، === (وجنين) لقضاء عمر ﵁ بذلك (١)، قال ابن المنذر: ولا أعلم فيه خلافًا. (وعبد نفسه) لعموم الآية وإن كانت القيمة لا تجب؛ لأنها لو وجبت .. لوجبت عليه له، بخلاف الكفارة، فإنها حق لله تعالى. (ونفسه) أي: وتجب الكفارة على قاتل نفسه؛ لحق الله تعالى، وتخرج من تركته، ويحرم عليه قتل نفسه، كما يحرم على غيره قتله، (وفي نفسه وجه) أنها لا تجب عليه إذا فعل ذلك؛ كما لا يجب الضمان بالمال. ويستثنى من إطلاقه وجوب الكفارة بالقتل: الجلاد القاتل بأمر الإمام إذا جرى على يده قتل غير مستحق، وهو جاهل به .. فإنه لا كفارة عليه؛ لأنه سيف الإمام، وآلة سياسته، ذكراه في الاستيفاء من الحامل (٢). (لا امرأة وصبي حربيين) وإن كان يحرم قتلهما؛ لأن المنع من قتلهما ليس لحرمتهما ورعاية مصلحتهما، ولذلك لا يتعلق به ضمان، وإنما هو لمصلحة المسلمين حتى لا يفوتهم الارتفاق بهم. (وباغ وصائل) قتلا دفعًا؛ لأنهما لا يضمنان فأشبها الحربي، وكذا لا يجب على الباغي بقتله العادل على الأصحِّ. (ومقتص منه) إذا قتله المستحق للقود؛ لأنه مباح الدم بالنسبة إليه، ولا يجب أيضًا بقتل المرتد، وقاطع الطريق، والزاني المحصن، ولا على من أصاب غيره بالعين، واعترف أنه قتله بالعين؛ كما لا قصاص ولا دية عليه؛ لأن ذلك لا يعد مهلكًا وإن كانت العين حقًّا، والفاعل لذلك التأثير هو الله تعالى، ثم قيل: تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية فتخلل المسام، فيخلق الله تعالى الهلاك عندها، وقد أمر ﷺ العائن أن يتوضأ، وفسره مالك بأن يغسل وجهه ويديه ومرفقيه

стр. 1977

وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الشُّرَكَاءِ كَفَّارَةٌ فِي الأَصَحِّ، وَهِيَ كَظِهَارٍ لكِنْ لَا إِطْعَامَ فِي الأَظْهَرِ. === وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره؛ أي: ما يلي جسده من الإزار، وقيل: وركه، وقيل: مذاكيره، قيل: ويصب على رأس الذي أصيب بالعين. ورجح الماوردي إيجاب ذلك، وبه قال بعض العلماء. قيل: وينبغي للسلطان: منع من عرف بذلك من مخالطة الناس، ويأمره بلزوم بيته، ويرزقه ما يكفيه إن كان فقيرًا؛ فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر ﵁ من مخالطة الناس، ويندب للعائن أن يدعو له بالبركة، فيقول: (اللهم؛ بارك فيه ولا تضره)، وأن يقول: (لا قوة إلا بالله، ما شاء الله). (وعلى كل من الشركاء كفارة في الأصح) أما العمد .. فكالقصاص، وأما في غيره .. فلأن فيها معنى العبادة، وهي لا توزع، وفارق الدية؛ لأنها تتبعض، والثاني: على الجميع كفارة واحدة؛ كقتل الصيد. (وهي كظهار) في الترتيب فيعتق أولًا؛ فإن لم يجد .. فيصوم شهرين متتابعين؛ للآية (لكن لا إطعام) عند العجز عن الصوم (في الأظهر) إذ لا نص فيه، والمتبع في الكفارة النص لا القياس، ولم يذكر الله تعالى في كفارة القتل غير العتق والصيام. ولا يحمل المطلق على المقيد في الظهار؛ لأن المطلق إنما يحمل على المقيد في الأوصاف دون الأصل؛ بدليل أن اليد المطلقة في التيمم حملت على المقيد بالمرافق في الوضوء؛ لأنه كالوضوء، ولم يحمل إغفال ترك الرأس والرجلين في التيمم على ذكرهما في الوضوء؛ لأنهما أصل، والثاني: تجب، قياسًا على كفارة الظهار. ومحل عدم جواز الإطعام: في الحياة، فلو مات قبل الصوم .. أخرج من تركته لكل يوم مد لا بطريق البدلية، بل كمن فاته صوم شيء من رمضان، والقول في صفة الرقبة والصيام والإطعام إن أوجبناه .. على ما سبق في (الكفارات). * * *

стр. 1978

كتابُ دعوى الدَّم والقسامة يُشْتَرَطُ أَنْ يُفَصِّلَ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَانْفِرَادٍ وَشرْكَةٍ - فَإِنْ أَطْلَقَ .. اسْتَفْصَلَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: يُعْرِضُ عَنْهُ - وَأَنْ يُعَيِّنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَوْ قَالَ: (قَتَلَهُ أَحَدُهُمْ) .. لَمْ يُحَلِّفْهُمُ الْقَاضِي فِي الأَصَحِّ، === (كتاب دعوى الدم والقسامة) (١) والشهادة على الدم؛ إذ الباب مشتمل على الأمور الثلاثة. واستفتحه في "المحرر" بحديث: "الْبيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ" (٢)، وفي إسناده لين (٣). والقسامة بفتح القاف: اسم للأيمان، وقيل: اسم للأولياء، وأول من قضى بها الوليد بن المغيرة في الجاهلية فأقرها الشارع في الإسلام. (يشترط) لصحة دعوى الدم (أن يفصل ما يدعيه من عمد وخطأ) (وشبه عمد (وانفراد وشركة) وبيان عدد الشركاء إنْ كان المدعى به المال دون القصاص؛ لاختلاف الأحكام بذلك. وقد يفهم: أنه يكفي قوله: عمدًا أو خطأ، من غير بيان صفته، وليس كذلك. (فإن أطلق .. استفصله القاضي) ندبًا، وقيل: حتمًا، (وقيل: يعرض عنه) ولا يستفصله؛ لأنه ضرب من التلقين، ومنع الأول كونه تلقينًا، بل التلقين أن يقول له: (قل: قتله عمدًا أو خطأً). (وأن يعين المدعى عليه، فلو قال: "قتله أحدهم") أي أحد المدعى عليهم ( .. لم يحلفهم القاضي في الأصح) للإبهام، كما لو ادعى دينًا على أحد رجلين، والثاني: يحلفهم، للحاجة، لأن القاتل يخفي القتل، ويعسر على الولي معرفته، ولا ضرر عليهم في يمين صادقة.

стр. 1979

وَيَجْرِيَانِ فِي دَعْوَى غَصْبٍ وَسَرِقَةٍ وَإِتْلَافٍ، وَإِنَّمَا تُسْمَعُ مِنْ مُكَلَّفٍ مُلْتَزِمٍ عَلَى مِثْلِهِ. وَلَوِ ادَّعَى انْفِرَادَهُ بِالْقَتْلِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ .. لَمْ تسمَعِ الثَّانِيَةُ، أَوْ عَمْدًا وَوَصَفَهُ بِغَيْرِهِ .. لَمْ يَبْطُلْ أَصْلُ الدَّعْوَى فِي الأَظْهَرِ === (ويجريان في دعوى غصب وسرقة وإتلاف) ونحوها؛ كما إذا ضل ماله .. فيدعي على جمع حاضرين أن أحدهم أخذه؛ إذ السبب ليس لصاحب الحق فيه اختيار، والمباشر له يقصد الكتمان، فأشبه الدم. وضابط محل الخلاف: أن يكون سبب الدعوى ينفرد به المدعى عليه، فيجهل تعيينه، بخلاف دعوى القرض والبيع وسائر المعاملات؛ لأنها تنشأ باختيار المتعاقدين، وشأنها أن يضبط كل واحد منهما صاحبه. (وإنما تسمع) الدعوى بالدم وغيره (من مكلف) فلا تسمع من صبي ومجنون؛ لإلغاء عبارتهما (ملتزم) فلا تسمع من حربي؛ لأنه لا يستحق قصاصًا ولا غيره (على مثله) فلا تسمع الدعوى على صبي ولا مجنون ولا حربي. ودخل في المكلف: المحجور عليه بالسفه والفلس والرق؛ لأن المقصود من الدعوى الإقرار، ولو وجد .. لترتب عليه مقتضاه، فتسمع الدعوى على العبد فيما يقبل إقراره به، وكذا على السفيه بحد القذف والقصاص. (ولو ادعى انفراده بالقتل ثم ادعى على آخر) أنه شريكه أو منفرد ( .. لم تسمع الثانية) لما فيه من تكذيب الأولى ومناقضتها. نعم؛ لو صدقه الثاني .. ووخذ بها على الأصحِّ؛ لأن الحق لا يعدوهما، ويحتمل كذبه في الأولى وصدقه في الثانية. وقد يفهم كلامه: بقاء الدعوى الأولى بحالها، وليس كذلك، فلو لم يقسم على الأولى، ولم يمض حكم .. لم يمكن من العود إليه. (أو عمدًا، ووصفه بغيره) أي: بالخطأ أو شبه العمد ( .. لم يبطل أصل الدعوى في الأظهر) لأنه قد يظن الخطأ عمدًا، وحينئذ يعتمد تفسيره، ويمضي حكمه، وقال ابن داوود في "شرح المختصر": لا بد من تجديد الدعوى بالخطأ، والثاني: تبطل؛ لأن في دعوى العمد اعترافًا بأنه ليس بمخطئ، فلا يقبل رجوعه عنه.

стр. 1980

وَتَثْبُتُ الْقَسَامَةُ فِي الْقَتْلِ بِمَحَلِّ لَوْثٍ، وَهُوَ: قَرِينَةٌ لِصِدْقِ الْمُدَّعِي؛ بِأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحِلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لِأعْدَائِهِ، أَوْ تَفَرَّقَ عَنْهُ جَمْعٌ === (وتثبت القسامة في القتل بمحل لوث) لقصة عبد الله بن سهل في "الصحيحين" (١). (وهو) أي: اللوث (قرينة لصدق المدعي) سمي بذلك؛ لأن أصل اللوث في اللغة: هو القوة، وقيل: الضعف، فكأنه حجة ضعيفة (بأن وجد قتيل في محلة) منفصلة عن البلد الكبيرة، (أو قرية صغيرة لأعدائه) لأن قصة عبد الله بن سهل هكذا كانت، فإن أهل خيبر أعداء الأنصار، ووجوده بقرب المحلة أو القرية كوجوده بها. ويشترط: ألا يساكن الأعداء غيرهم؛ لاحتمال أن الغير قتله، وهل يشترط: ألا يخالطهم غيرهم حتى لو كانت القرية على قارعة الطريق وكان يطرقها المارة والمجتازون، فلا لوث أو لا يشترط؟ وجهان، أصحهما في "الروضة" و"أصلها": الثاني (٢)، فإن خيبر يطرقها الأنصار، ولكن حكى في "شرح مسلم" عن الشافعي: الاشتراط، وقال في "المهمات": إنه الصواب الذي عليه الفتوى، فقد نص عليه الشافعي، وذهب إليه جمهور الأصحاب، بل جميعهم إلا الشاذ (٣). (أو تفرق عنه جمع) في دار دخلها عليهم ضيفًا، أو دخلها معهم لحاجة، أو في مسجد، أو طريق، أو ازدحم قوم على بئر، ثم تفرقوا عن قتيل؛ لقوة الظن هنا أيضًا، ولا يشترط هنا كونهم أعداءه.

стр. 1981

وَلَوْ تَقَابَلَ صَفَّانِ لِقِتَالٍ وَانْكَشَفُوا عَنْ قَتِيلٍ، فَإِنِ الْتَحَمَ قِتَالٌ .. فَلَوْثٌ فِي حَقِّ الصَّفِّ الآخَرِ، وَإِلَّا .. فِي حَقِّ صَفِّهِ. وَشَهَادَةُ الْعَدْلِ لَوْثٌ، وَكَذَا عَبِيدٌ وَنسَاءٌ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ تَفَرُّقُهُمْ === نعم؛ يشترط كونهم محصورين بحيث يتصور اجتماعهم على القتيل، وإلا .. لم تسمع الدعوى، ولم يقسم. (ولو تقابل صفان لقتال، وانكشفوا عن قتيل، فإن التحم قتال) أي: اختلط بعضهم ببعض، أو كان سلاح أحد الصفين يصل إلى الآخر برمي أو غيره ( .. فلوث في حق الصف الآخر) لأن الظاهر: أن أهل صفه لا يقتلونه، (وإلا) أي: وإن لم يلتحم، ولا كان يصل السلاح .. فاللوث (في حق صفه) لأن الظاهر: أنهم قتلوه. (وشهادة العدل) الواحد بأن فلانًا قتله (لوث) لحصول الظن بصدقه، وسواء تقدمت شهادته على الدعوى أو تأخرت؛ كما جزم به في "أصل الروضة" والرافعي أبداه بحثًا، وهو رأي الإمام بعد أن نقل عن الأصحاب: أن سبيلها سبيل سائر الشهادات (١)، هذا في قتل العمد، أما قتل الخطأ وشبه العمد .. فلا يكون لوثًا، بل يحلف معه يمينًا واحدة، ويستحق المال، صرح به الماوردي (٢). (وكذا عبيد ونساء) ممن تقبل روايتهم؛ لأنه يثير ظنًّا، (وقيل: يشترط تفرقهم) لاحتمال التواطؤ في حالة الاجتماع، والأصحُّ: المنع، واحتمال التواطؤ، كاحتمال الكذب في شهادة الواحد، وما صححه من عدم اشتراط تفرقهم جرى عليه في "أصل الروضةٌ، واعترض: بأن الرافعي قال: إنه الأقوى، وأراد من جهة البحث لا النقل، وصرح بأن المشهور: أنه لا يكون لوثًا، ونقله في "المطلب" عن النص، وقال: إنه الذي أورده سليم، وحكاه ابن الصباغ عن الأصحاب، قال في "المهمات": فتعين أن تكون الفتوى عليه (٣). وتعبيره بالجمع: يخرج الاثنين، والذي في "الشرح" و"الروضة" عن

стр. 1982

وَقَوْلُ فَسَقَةٍ وَصِبْيَانٍ وَكُفَّارٍ لَوْثٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ فَقَالَ أَحَدُ ابْنَيْهِ: (قَتَلَهُ فُلَانٌ) وَكَذَّبَهُ الآخَرُ .. بَطَلَ اللَّوْثُ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ بِتكذِيبِ فَاسِقٍ، وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: (قَتَلَهُ زَيْدٌ وَمَجْهُولٌ)، وَقَالَ الآخَرُ: (عَمْرٌو وَمَجْهُولٌ) .. حَلَفَ كُلٌّ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ === "التهذيب": أن شهادة عبدين أو امرأتين كشهادة الجمع، واعتمده في "المهمات"، ونقله عن جزم الماوردي، قال: وحكاه عنه في "البحر" وارتضاه، وجزم به الخوارزمي في "الكافي"، ومحمد بن يحيى في "المحيط" (١). (وقول فسقة وصبيان وكفار لوث في الأصح) لأن الغالب أن اتفاق الجمع الكثير على الإخبار عن الشيء كيف كان .. لا يكون إلا عن حقيقة، والثاني: لا؛ لأنه لا عمل على قولهم في الشرع، والثالث: لوث من غير الكفار، ومن أقسام اللوث لهج الخاص والعام؛ بأن فلانًا قتل فلانًا، نقلاه عن البغوي وأقراه (٢). (ولو ظهر لوث فقال أحد ابنيه: ) مثلًا ("قتله فلان"، وكذبه الآخر .. بطل اللوث) لأن الله تعالى أجرى العادة بحرص القريب على التشفي من قاتل قريبه، وأنه لا يبرئه، فعارض هذا اللوث مسقط، (وفي قول: لا) يبطل؛ لأن في سائر الدعاوى لا يسقط بتكذيب أحد الوارثين حق الثاني، فيحلف المدعي خمسين يمينًا، ويأخذ حقه من الدية، (وقيل: لا يبطل بتكذيب فاسق) لأن قوله غير معتبر في الشرع، والأصحُّ: أنه لا فرق بينهما، فإن قول الفاسق فيما يسقط حقه مقبول؛ لانتفاء التهمة. ومحل الخلاف: بالنسبة إلى المدعي، أما بطلانه بالنسبة إلى المكذب .. فلا خلاف فيه، كما صرح به في "البيان" وغيره (٣). (ولو قال أحدهما: "قتله زيد ومجهول"، وقال الآخر: "عمرو ومجهول" .. حلف كل على من عينه) لاحتمال أن الذي أبهم ذكره هو الذي عينه الآخر، وكذلك

стр. 1983

وَلَهُ رُبُعُ دِيَةٍ. وَلَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اللَّوْثَ فِي حَقِّهِ فَقَالَ: (لَمْ أَكُنْ مَعَ الْمُتَفَرِّقِينَ عَنْهُ) .. صُدِّقَ بِيَمِينهِ. وَلَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ بِأَصْلِ قَتْلٍ دُونَ عَمْدٍ وَخَطَأٍ .. فَلَا قَسَامَةَ فِي الأَصحِّ. وَلَا يُقْسَمُ فِي طَرَفٍ وَإِتْلَافِ مَالٍ، إِلَّا فِي عَبْدٍ فِي الأَظْهَرِ. وَهِيَ: أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى قَتْلٍ ادَّعَاهُ خَمْسِينَ يَمِينًا، === بالعكس، (وله ربع دية) لاعترافه على أن الواجب على من عينه نصف الدية، وحصته منه النصف. (ولو أنكر المدعى عليه اللوث في حقه، فقال: "لم أكن مع المتفرقين عنه") أي: القتيل ( .. صدق بيمينه) لاحتماله، والأصل براءة ذمته من القتل، وعلى المدعي البينة على قيام الأمارة التي يدعيها. (ولو ظهر لوث بأصل قتل دون عمد وخطأ .. فلا قسامة في الأصح) لأن مطلق القتل لا يفيد مطالبة القاتل، بل لا بد من ثبوت العمدية، ولا مطالبة العاقلة، بل لا بد أن يثبت كونه خطأً، أو شبه عمد، والثاني: نعم؛ لأنه إذا ظهر القاتل .. خرج الدم عن كونه باطلًا مهدرًا. (ولا يقسم في طرف وإتلاف مال) لأن النص ورد في النفس، وهي أعظم من غيرها، ولهذا اختصت بالكفارة، فلا يلحق بها ما دونها. ولو قال المصنف: (ولا يقسم فيما دون النفس) .. لكان أخصر وأعم؛ لشموله الجراحات. (إلا في عبد في الأظهر) هذا الخلاف مبني على الخلاف في أن بدل العبد تحمله العاقلة أو لا، والأظهر: أنها تحمله، ولا فرق في العبد بين القن والمدبر وأم الولد والمكاتب. (وهي) أي: القسامة (أن يحلف المدعي على قتل ادعاه خمسين يمينًا) لحديث سهل بن أبي حَثْمة (١)، وهو مخصص لعموم حديث: "الْبيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٢).

стр. 1984

وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَالَاتُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ تَخَلَّلَهَا جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ .. بَنَى، وَلَوْ مَاتَ .. لَمْ يَبْنِ وَارِثُهُ عَلَى الصَّحِيحِ === وقد جاء استثناء القسامة أول الباب؛ لأن جانب المدعي قوي باللوث، فتحولت اليمين إليه؛ كما لو أقام شاهدًا في غير القسامة، وسواء النفس الكاملة والناقصة؛ كالمرأة والكافر، فيحلف لكل دية خمسين يمينًا على الأصحِّ؛ لخطر النفس. وقيل: إن الخمسين تقسط على الدية الكاملة، فيحلف في المرأة خمسة وعشرين يمينًا، وفي اليهودي سبعة عشر، ويقول في يمينه في كل مرة: (لقد قتله هذا)، ويشير إليه، ويرفع في نسبه عند غيبته، أو يعرفه بما يمتاز به من قبيلة أو ضيعة أو لقب (١)، ويتعرض لكونه عمدًا أو خطأً أو شبه عمد. (ولا يشترط موالاتها على المذهب) لأن الأيمان من جنس الحجج، والتفريق في الحجج لا يقدح، كما إذا شهد الشهود متفرقين، وهذا ما عزياه لإيراد الأكثرين (٢)، وقيل: يشترط؛ لأن للموالاة وقعًا في النفوس، وأثرًا في الزجر والردع، وهذا هو الأشبه في اللعان. وفرق بينهما: بأن اللعان أولى بالاحتياط؛ لأنه تتعلق به العقوبة البدنية، ويختل به النسب، وتشيع الفاحشة. (ولو تخللها) أي: الأيمان (جنون أو إغماء .. بنى) إذا أفاق، ولا يجب الاستئناف، أما إذا لم نشترط الموالاة .. فظاهر، وأما إذا اشترطناها .. فلقيام العذر، بخلاف ما لو عزل القاضي، أو مات في أثنائها، فإن القاضي الثاني يستأنف على الأصحِّ، قالا: وحكي عن نص "الأم" أنه يبني، وصححه الروياني (٣). (ولو مات) قبل تمام القسامة ( .. لم يبن وارثه على الصحيح) المنصوص؛ لأن الأيمان كالحجة الواحدة، ولا يجوز أن يستحق أحد شيئًا بيمين غيره، والثاني:

стр. 1985

وَلَوْ كَانَ لِلْقَتِيلِ وَرَثَةٌ وُزِّعَتْ بِحَسَبِ الإِرْثِ وَجُبِرَ الْكَسْرُ، وَفِي قَوْلٍ: يَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ. وَلَوْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا .. حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِينَ، وَلَوْ غَابَ .. حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِينَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ، وَإِلَّا .. صبَرَ لِلْغَائِبِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِلَا لَوْثٍ وَالْمَرْدُودَةَ عَلَى الْمُدَّعِي أَوْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ لَوْثٍ وَالْيَمِينَ مَعَ شَاهِدٍ .. خَمْسُونَ. === يبني؛ لأنا إذا كنا نبني يمين بعض الورثة على بعض في توزيع الخمسين عليهم .. فبناء الوارث على يمين المورث أولى. (ولو كان للقتيل ورثة .. وزعت بحسب الإرث) لأن ما يثبت بأيمانهم يقسم عليهم كذلك، (وجبر الكسر) لأن اليمين الواحدة لا تتبعض، فإذا كان الورثة ثلاثة بنين .. حلف كل واحد سبعة عشر، (وفي قول: يحلف كل خمسين) لأن العدد في القسامة كاليمين الواحدة في غيرها. وفرق الأول: بأن اليمين الواحدة لا يمكن قسمتها، بخلاف أيمان القسامة، وهذا القول مبني على أن الدية تثبت للوارث ابتداءً، والأول مبني على أنها تثبت للمقتول ابتداءً. (ولو نكل أحدهما .. حلف الآخر خمسين، ولو غاب .. حلف الآخر خمسين، وأخذ حصته) وكذا لو كان صغيرًا؛ لأن الدية لا تستحق بأقل منها، (وإلا) أي: وإن لم يحلف ( .. صبر للغائب) فإذا حضر .. حلف ما يخصه. (والمذهب: أن يمين المدعى عليه بلا لوث، والمردودة على المدعي أو على المدعى عليه مع لوث واليمين مع شاهد .. خمسون) أما في الأولى: وهي ما إذا ادعى القتل بغير لوث، وتوجهت اليمين على المدعى عليه؛ فلأنها يمين مسموعة في دعوى القتل؛ لعدم البينة، فوجب أن تغلظ بزيادة العدد؛ كما إذا كان ثَمَّ لوث، فإن التعدد ليس للوث، بل لحرمة الدم، واللوث إنما يفيد البداءة بالمدعي، بدليل أنه لو نكل .. حلف المدعى عليه خمسين يمينًا، ومنهم من قطع به، والطريق الثاني: يحكي قولين: وجه التغليظ (١): ما قلناه، ووجه

стр. 1986

وَتَجِبُ بِالْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ دِيَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِي الْعَمْدِ عَلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وَفِي الْقَدِيمِ: قِصَاصٌ === مقابله: أنها يمين في جانب المدعى عليه؛ لقطع الخصومة، فلا تغلظ بالعدد؛ كسائر الدعاوى. وأما في الثانية: وهي ما إذا نكل المدعى عليه فردت اليمين عليه، ولم يكن ثم لوث، فليس فيها طريقة، بل قولان، وهي أولى بالتعدد من الذي قبلها؛ لأن جانب المدعى عليه معتضد بالأصل: وهو البراءة، وجانب المدعي بالعكس؛ لأنه يريد بيمينه إثبات خلاف الأصل. وأما في الثالثة: فالأصحُّ: القطع فيها بما ذكره؛ لقوله ﵇: "فَتُبرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا" (١)، جعل أيمان المدعى عليهم بعدد أيمان المدعين. وأما الرابعة: فليس فيها طريقان أيضًا بل قولان، والأظهر: التعدد، وأطلق الشيخان تعدد اليمين مع الشاهد (٢)، وينبغي أن يقيد بالعمد، أما قتل الخطأ وشبه العمد .. فيحلف مع الشاهد يمينًا واحدة؛ كما قدمناه عن تصريح الماوردي في الكلام على أن شهادة العدل لوث. (وتجب بالقسامة في قتل الخطأ وشبه العمد دية على العاقلة) لقيام الحجة بذلك؛ كما لو قامت بينة، (وفي العمد على المقسم عليه) (ولا قصاص؛ لقوله ﵊: "إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ" (٣)، فأطلق إيجاب الدية ولم يفصل، ولو صلحت الأيمان للقصاص .. لذكره، (وفي القديم: قصاص) لقوله ﵇: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبكُمْ؟ " (٤)، وأجاب الأول: بأن التقدير: (بدل دم صاحبكم)، وعبر بالدم عن الدية؛ لأنهم يأخذونها بسبب الدم.

стр. 1987

وَلَوِ ادَّعَى عَمْدًا بِلَوْثٍ عَلَى ثَلَاثَةٍ حَضَرَ أَحَدُهُمْ .. أَقْسَمَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ وَأَخَذَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، فَإِنْ حَضَرَ آخَرُ .. أَقْسَمَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ، وَفِي قَوْلٍ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ فِي الأَيْمَانِ، وَإِلَّا .. فَيَنْبَغِي الاكْتِفَاءُ بِهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْقَسَامَةِ فِي غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ الأَصَحُّ. وَمَنِ اسْتَحَقَّ بَدَلَ الدَّمِ .. أَقْسَمَ وَلَوْ مُكَاتَبٌ لِقَتْلِ عَبْدِهِ، وَمَنِ ارْتَدَّ .. فَالأَفْضَلُ تَأْخِيرُ أَقْسَامِهِ لِيُسْلِمَ، فَإِنْ أَقْسَمَ فِي الرِّدَّةِ .. صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، === (ولو ادعى عمدًا بلوث على ثلاثة حضر أحدهم .. أقسم عليه خمسين، وأخذ ثلث الدية) من ماله على الجديد، وعلى القديم: له القصاص منه. (فإن حضر آخر) (وأنكر ( .. أقسم عليه خمسين) لأن الأيمان السابقة لم تتناوله، أما إذا أقر .. فإنه منه بإقراره إن كان القتل عمدًا بشرطه ولا قسامة، (وفي قول: خمسًا وعشرين) كما لو حضرا معًا، فإنه يقسم خمسين عليهما، فيخص الواحد من الخمسين النصف (إن لم يكن ذكره في الأيمان، وإلا .. فينبغي الأتفاء بها) ولا يحلف (بناء على صحة القسامة في غيبة المدعى عليه، وهو الأصح) (وجه الصحة في القسامة في الغيبة: القياس على البينة، ووجه مقابله: ضعف القسامة، وهذا بحث للرافعي (١). (ومن استحق بدل الدم .. أقسم) فالسيد يقسم في قتل عبده على الأظهر (ولو مكاتب لقتل عبده) لأنه استحق بدله، ويستعين بالقيمة على أداء النجوم، ولا يقسم سيده، بخلاف ما إذا قتل عبد المأذون له، فإن السيد يقسم دون المأذون له؛ لأنه لا حق له، بخلاف المكاتب. (ومن ارتد .. فالأفضل: تأخير أقسامه ليسلم) لأنه لا يتورع، في حال ردته عن الأيمان الكاذبة، (فإن أقسم في الردة .. صح على المذهب) لأنه ﵇ اعتد بأيمان اليهود، فدل على أن يمين المشرك صحيحة، والقسامة نوع اكتساب للمال، فلا تمنع منه الردة؛ كالاحتطاب والاصطياد ونحوهما، هذا هو الظاهر المشهور؛ كما قاله الرافعي، وقال المزني: لا تصح القسامة، ولا يثبت شيء (٢)، وحكاه غيره

стр. 1988

وَمَنْ لَا وَارثَ لَهُ .. لَا قَسَامَةَ فِيهِ. فَصْلٌ [فيما يثبت به موجب القود وموجب المال بسبب الجناية من إقرار وشهادة] إِنَّمَا يَثْبُتُ مُوجِبُ الْقِصَاصِ بِإِقْرَارٍ أَوْ عَدْلَيْنِ، وَالْمَالِ بِذَلِكَ أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتينِ أَوْ وَيَمِينٍ. وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ لِيُقْبَلَ لِلْمَالِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ .. لَمْ يُقْبَلْ فِي الأَصَحِّ === قولًا، ثم قيل: تصحيحها مبني على أقوال الملك، فإن قلنا بالبقاء .. فيصح، أو بالزوال .. فلا، أو بالتوقف .. فنعم في الأصحِّ. وصورة المسألة: أن يرتد بعد استحقاقه؛ بأن يموت المجروح، ثم يرتد وليه، فأما لو ارتد قبل موته .. فإنه لا يقسم وإن أسلم؛ لأنه لا يرث. ولو عبر بالأولى كـ "الروضة" و"أصلها" بدل الأفضل .. لكان أولى (١). (ومن لا وارث له .. لا قسامة فيه) وإن كان هناك لوث؛ لأنه ليس مستحق الدية معينًا، وإنما هي لعامة المسلمين، وتحليفهم غير ممكن، لكن ينصب القاضي من يدعي عليه، ويحلفه، فإن نكل .. فهل يقضي عليه بالنكول؛ فيه خلاف. * * * (فصل: إنما يثبت موجب القصاص) في نفس أو طرف (بإقرار أو عدلين) لما سيأتي في الشهادات، ويثبت أيضًا بعلم القاضي، ونكول المدعى عليه، وحلف المدعي، ويَرِدُ عليه: السحر، فإنه يوجب القصاص، ومع ذلك لا يثبت بالبينة، بل بالإقرار فقط؛ كما سيأتي، (والمال بذلك، أو برجل وامرأتين أو ويمين) لما سيأتي في بابه أيضًا. وقوله: (والمال) هو بالجر عطفًا على القصاص. (ولو عفا) المستحق (عن القصاص ليقبل للمال رجل وامرأتان .. لم يقبل في الأصح) لأنه لا يثبت المال إلا بثبوت القود، والثاني: يقبل؛ لأنه لا قصاص، والمقصود المال.

стр. 1989

وَلَوْ شَهِدَ هُوَ وَهُمَا بِهَاشِمَةٍ قَبْلَهَا إِيضَاحٌ .. لَمْ يَجِبْ أَرْشُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَلْيُصَرِّحِ الشَّاهِدُ بِالْمُدَّعَى، فَلَوْ قَالَ: (ضرَبَهُ بِسَيْفٍ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ) .. لَمْ يَثْبُتْ حَتَّى يَقُولَ: (فَمَاتَ مِنْهُ) أَوْ (فَقَتَلَهُ)، وَلَوْ قَالَ: (ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَدْمَاهُ) أَوْ (فَأَسَالَ دَمَهُ) .. ثَبَتَتْ دَامِيَةٌ. وَيُشْتَرَطُ لِمُوضِحَةٍ: (ضَرَبَهُ فَأَوْضَحَ عَظْمَ رَأْسِهِ)، وَقِيلَ: يَكْفِي: (فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ)، === (ولو شهد هو وهما) أي: رجل وامرأتان (بهاشمة قبلها إيضاح .. لم يجب أرشها على المذهب) المنصوص؛ كما لا يثبت الإيضاح الموجب للقصاص (١)، ونص فيما لو رمى سهمًا إلى زيد فمرق منه إلى غيره: أنه يثبت الخطأ الوارد على الثاني برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقرير النصين. والفرق: أن الهشم المشتمل على الإيضاح جناية واحدة، فإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص احتيط لها، ولم يثبت إلَّا بحجة كاملة، وفي صورة مروق السهم حصل جنايتان لا تتعلق إحداهما بالأخرى. (وليصرح الشاهد بالمدعى، فلو قال: "ضربه بسيف، فجرحه فمات" .. لم يثبت) المدعى به، وهو الموت (حتى يقول: "فمات منه") أي: من جراحته (أو "فقتله") لاحتمال أن يكون مات بسبب آخر لا بجراحته. نعم؛ يثبت الجرح. (ولو قال: "ضرب رأسه فأدماه" أو "فأسال دمه" .. ثبتت دامية) للتصريح بمقصودها، بخلاف ما لو قال: (فسال دمه) لاحتمال سيلانه بغيره. (ويشترط لموضحة: "ضربه فأوضح عظم رأسه") لأنه لا شيء يحتمل بعده، (وقيل: يكفي "فأوضح رأسه") لفهم المقصود بذلك، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر"، فإنه جعله أقوى (٢)، لكن ظاهر ما في "الروضة" و"أصلها" ترجيح الثاني، فإنهما قالا: ولو قال: (ضربه بسيف فأوضح رأسه)، أو (اتضح من ضربه)، أو (بجراحته) .. ثبتت الموضحة، وحكى الإمام والغزالي أنه يشترط:

стр. 1990

وَيَجِبُ بَيَانُ مَحَلِّهَا وَقَدْرِهَا لِيُمْكِنَ قِصَاصٌ. وَيَثْبُتُ الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ بِإِقْرَارٍ لَا بِبيِّنَةٍ. وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثهِ بِجُرْحٍ قَبْلَ الانْدِمَالِ .. لَمْ يُقْبَلْ، وَبَعْدَهُ يُقْبَلُ، وَكَذَا === التعرض لوضوح العظم، ولا يكفي إطلاق الموضحة؛ فإنه من الإيضاح، وليست مخصوصة بإيضاح العظم، وتنزيل ألفاظ الشاهد على الفاظ اصطلح عليها الفقهاء لا وجه له. نعم؛ لو كان الشاهد فقيهًا، وعلم القاضي أنه لا يطلقها إلَّا على ما يوضح العظم .. ففيه تردد للإمام. انتهى (١)، وحكى البُلْقيني الثاني: عن نص "الأم" و"المختصر" قال: وعليه جرى الجمهور. (ويجب بيان محلها وقدرها) أي: الموضحة (ليمكن قصاص) فلو شهدوا أنه أوضح عظم رأسه، وعجزوا عن تعيينها .. وجب الأرش في الأصحِّ. (ويثبت القتل بالسحر بإقرار لاببينة) لأن الشاهد لا يعلم قصد الساحر، ولا يشاهد تأثير السحر، قال في "الكفاية": إلا أن يقول الساحر: (سحرته بنوع كذا)، فيشهد عدلان بأن هذا النوع يقتل غالبًا، أو نادرًا .. فيثبت ما يشهدان به، ويتصور معرفة العدلين بذلك فيما إذا كانا ساحرين وقد تابا، أو فرعنا على القول بجواز تعلم السحر، والأصحُّ: خلافه، وقد يرد على حصره في الإقرار: ما لو ادعى عليه القتل بالسحر .. فأنكر ونكل، فإن قلنا: بالأصح: أن اليمين المردودة كالإقرار .. حلف المدعي استدلالًا بنكوله، فإذا حلف .. ثبت، وإن قلنا: إنها كالبينة قال في "المطلب": فله أن يحلف اعتمادًا على قرينة نكوله أو غيرها، فقد ثبت القتل به لا بالإقرار، وهذا غريب أن يثبت الشيء بما هو بمنزلة البينة وإن لم يثبت بالبينة. (ولو شهد لمورثه) غير أصل وفرع (بجرح قبل الاندمال .. لم يقبل) لتهمة إرثه؛ لاحتمال أن يسري، فكأنه شهد لنفسه وأطلق الجرح، وقيده الإمام بجرح يمكن أن يفضي إلى الهلاك (٢)، (وبعده .. يقبل) لانتفاء التهمة حينئذ (وكذا) تقبل شهادته

стр. 1991

بِمَالٍ فِي مَرَضِ مَوْتهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ يَحْمِلُونَهُ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى اثْنَيْنِ بِقَتْلِهِ فَشَهِدَا عَلَى الأَوَّلَيْنِ بِقَتْلِهِ؛ فَإِنْ صَدَّقَ الْوَليُّ الأَوَّلَيْنِ .. حُكِمَ بِهِمَا، أَوِ الآخَرَيْنِ أَوِ الْجَمِيعَ أَوْ كَذَّبَ الْجَمِيعَ .. بَطَلَتَا === لمورثه (بمال في مرض موته في الأصح) بخلاف الجرح. والفرق: أن شهادة المال لم يحصل للشاهد بها نفع حال وجوبه؛ لأن الملك يحصل للمشهود له، وينفذ تصرفه فيه في ملاذه وشهواته، وشهادته بالجرح النفع حال الوجوب له؛ لأن الدية قبل الموت لم تجب، وبعده تجب له. والثاني: لا تقبل؛ لأنه محجور عليه لحق الورثة، وذلك يوجب التهمة. (ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود قتل يحملونه) (وهو الخطأ وشبه العمد؛ لأنهم يدفعون عن أنفسهم الغرم، هذا فيمن يتحمل، فلو كان الشاهدان من فقراء العاقلة .. فالنص: ردها، أو من أباعدهم وفي الأقربين وفاء بالواجب .. فالنص: قبولها، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقرير النصين. والفرق: أن المال غاد ورائح، وكل يحدث نفسه به، ويتمنى الأماني، وموت القريب المقتضي لتحمل البعيد بعيد في الاعتقادات، فلا تتحقق التهمة بمثله. واحترز بقوله: (يحملونه) عما لو شهدوا بفسق بينة القتل العمد، أو بينة الإقرار بالقتل الخطأ، فإنها مقبولة؛ لعدم التهمة؛ إذ لا تحمل. وكان الأحسن: أن يقول: (ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود ما تحمله) ليدخل القتل وغيره مما تحمله. (ولو شهد اثنان على اثنين بقتله، فشهدا على الأولين بقتله، فإن صدق الولي الأولين .. حكم بهما) لسلامة شهادتهما عن التهمة، وتسقط شهادة الآخرين؛ لأنهما صارا عدوين للأولين، لكون الأولين شهدا عليهما بالقتل، ولأنهما يدفعان عن أنفسهما القتل، (أو الآخرين، أو الجميع، أو كذب الجميع .. بطلتا) ووجهه في الثالثة: ظاهر، وفي الثانية: أن في تصديق كل منهما تكذيب الأخرى؛ لأن من شهدا بأن القاتل الآخران اقتضت شهادتهما أن لا قاتل غيرهما، وكذلك بالعكس، وفي الأولى: أنه بتكذيب الأولين سقطت شهادتهما، وشهادة الآخرين مردودة وإن وقعت

стр. 1992

وَلَوْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِعَفْوِ بَعْضٍ .. سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَلَوِ اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ آلَةٍ أَوْ هَيْئَةٍ .. لَغَتْ، وَقِيلَ: لَوْثٌ. === حسبة؛ لأنهما صارا عدوي الأولين ومتهمين. إذا تحرر ذلك .. فقد اعترض على تصوير المسألة: بأن الشهادة على القتل لا تسمع إلا بعد تقديم الدعوى على الصحيح، ولا بد في الدعوى من تعيين القاتل، فكيف يُسأل المدعي بعد شهادة الفريقين؟ وأجيب عنه بوجوه: أصحها: أن يدعي الولي القتل على اثنين، ويشهد له بذلك شاهدان، فيبادر المشهود عليهما، ويشهدان على الشاهدين بأنهما القاتلان، وذلك يورث ريبة للحاكم، فيراجع الولي، ويسأله احتياطًا، وينظر هل يستمر على الدعوى، أو يعود إلى تصديق الآخرين، أو الجميع؟ (ولو أدر بعض الورثة بعفو بعض .. سقط القصاص) لأنه لا يتبعض، ولا فرق بين أن يعين العافي أم لا؛ لحصول المقصود مع الإبهام والتعيين. (ولو اختلف شاهدان في زمان أو مكان أو آلة أو هيئة .. لغت) للتناقض، (وقيل: لوث) لاتفاقهما على أصل القتل، والاختلاف في الصفة ربما يكون غلطًا أو نسيانًا. والهيئة: من زياداته على "المحرر". وقوله: (وقيل) صوابه: وفي قول؛ كما صرح به الرافعي (١). * * *

стр. 1993

كتابُ البُغاة هُمْ مُخَالِفُو الإِمَامِ بِخُرُوجٍ عَلَيْهِ وَتَرْكِ الانْقِيَادِ أَوْ مَنع حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ شَوْكَةٍ لَهُمْ، وَتَأْوِيلٍ، وَمُطَاعٍ فِيهِمْ، === (كتاب البغاة) (هم مخالفو الإمام بخروج عليه، وترك الانقياد، أو منع حق توجه عليهم) هذا حد البغاة في الاصطلاح، سموا بذلك؛ لمجاوزتهم الحد؛ كما يقال: بغت المرأة، وقيل: لطلب الاستعلاء، وقيل: للظلم، والبغي: الظلم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي: ظلم. والإجماع قائم على قتالهم، وأطلق المصنف الإمام، وقيداه في "الشرح" و"الروضة" بالعادل، وكذا هو في "الأم" و"المختصر"، لكن في "الكفاية" عن القفال: أنه لا فرق في ذلك بين العادل والجائر، وجزم به في "العجالة" (١). (بشرط شوكة لهم) أي: قوة وعدد بحيث لا يندفعون إلا بجمع الجيش والقتال لهم، فإن كانوا فرادى وسهل ضبطهم .. فليسوا ببغاة، (وتأويل) لأن من خالف من غير تأويل .. كان معاندًا للحق. وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين التأويل المقطوع ببطلانه والمظنون، وقال البُلْقيني: إنه الذي يظهر من كلام الشافعي، وهو الأرجح، وقيداه في "الشرحين" و"الروضة": بالمظنون، فان كان مقطوعًا ببطلانه .. فوجهان: أوفقهما لإطلاق الأكثرين: أنه لا يعتبر (٢)، كتأويل أهل الردة حيث قالوا: (أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا، وهو رسول الله ﷺ وصلاة غيره ليست سكنًا لنا)، قال الأَذْرَعي: وهو قضية قول الجمهور، أن يكون لهم تأويل محتمل. (ومطاع فيهم) لأن رجال النجدة وإن كثروا لا قوة لهم ولا شوكة إذا لم يصدروا

стр. 1994

قِيلَ: وَإِمَامٍ مَنْصُوبٍ. وَلَوْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ - كَتَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَتَكْفِيرِ ذِي كَبِيرَةٍ - وَلَمْ يُقَاتِلُوا .. تُرِكُوا، === ولم يجتمعوا على رأي. وقضية كلامه: أن هذا شرط ثالث، وقضية كلام الرافعي: أن المطاع شرط لحصول الشوكة، وليس شرطًا آخر غير الشوكة. (قيل: وإمام منصوب) وإلا .. فلا يكون بينهم قاض ووال، فتتعطل الأحكام، وهذا ما نقله الرافعي عن الجديد، ونسبه الإمام إلى المعظم، لكن في الرافعي عن الأكثرين: المنع (١)، لأن عليًّا ﵁ قاتل أهل الجمل ولا إمام لهم، وأهل صفين قبل نصب إمامهم، قال في "المطلب": وأثر الخلاف في نصبهم الإمام: إنما هو لأجل تنفيذ الأحكام، لا لعدم الضمان، كما أشار إليه الغزالي، وقال الماوردي: هذه الأمور كلها إنما تشترط في جواز قتالهم، واعتبر الجويني أمرين آخرين: أن يمتنعوا من حكم الإمام وأن يظهروا لأنفسهم حكمًا. (ولو أظهر قوم رأي الخوارج) وهم صنف من المبتدعة (كترك الجماعات، وتكفير ذي كبيرة، ولم يقاتلوا .. تركوا) بناء على الصحيح: أنهم لا يكفرون بذلك، لأن عليًّا ﵁ سمع رجلًا من الخوارج يقول: لا حكم إلا لله ولرسوله، ويعرض بتخطئته في التحكيم، فقال علي ﵁: (كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال) (٢). والمراد بتكفير ذي كبيرة: أن اعتقادهم أن من أتى كبيرة من الكبائر .. فقد كفر وحبط عمله، وخلد في النار، وأن دار الإسلام صارت بظهور الكبائر فيها دار كفر وإباحة، فلذلك طعنوا في الأئمة، ولم يصلوا خلفهم، وتجنبوا الجمعة والجماعات، وما أطلقه من تركهم إذا لم يقاتلوا شَرَطَ له في "المحرر" و"الشرح"

стр. 1995

وَإِلَّا .. فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبُغَاةِ وَقَضَاءُ قَاضِيهِمْ فِيمَا يُقْبَلُ قَضَاءُ قَاضِينَا إِلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّ دِمَاءَنَا، وَيُنَفَّذُ كِتَابُهُ بِالْحُكْمِ، وَيُحْكَمُ بِكِتَابِهِ بِسَمَاعِ الْبيِّنَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَقَامُوا حَدًّا وَأَخَذُوا زَكَاةً وَجِزْيَةً وَخَرَاجًا وَفَرَّقُوا سَهْمَ الْمُرْتَزِقَةِ عَلَى جُنْدِهِمْ .. صَحَّ، وَفِي الأَخِيرِ وَجْهٌ === و"الروضة": كونهم في قبضة الإمام (١)، وقال القاضي الحسين: قال أصحابنا: هذا إذا لم يكن على المسلمين ضرر منهم، وإلا .. فيتعرض لهم حتى يزول ذلك عن المسلمين. (وإلا) أي: وإن قاتلوا ( .. فقطاع طريق) أي: حكمهم حكم قطاع الطريق. (وتقبل شهادة البغاة) لأن البغي لا يفسقهم وإن عصيناهم لأجل شبهة التأويل، (وقضاء قاضيهم فيما يقبل قضاء قاضينا) لأن لهم تأويلًا يسوغ فيه الاجتهاد (إلا أن يستحل دماءنا) وأموالنا، فلا ينفذ حينئذ؛ لفسقه، وهذا الاستثناء عائد إلى مسألتي الشاهد والقاضي. (وينفذ كتابه بالحكم) أي: إذا كتب بما حكم به إلى قاضي أهل العدل .. جاز له قبوله وتنفيذه؛ لأنا نفرع على تنفيذ قضاء قاضيهم، لكن يستحب ألا ينفذه؛ استخفافًا بهم. (ويحكم بكتابه بسماع البينة في الأصح) أي: إذا كتب بما يثبت عنده، ولم يحكم به فهل يحكم به قاضينا؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لما فيه من معونة أهل البغي، وإقامة مناصبهم، والأصحُّ: نعم، لأن الكتاب الوارد له تعلق برعايانا، وإذا نفذنا حكم قاضيهم لمصلحة رعاياهم .. فلأن نراعي مصالح رعايانا أولى. (ولو أقاموا حدًّا، وأخذوا زكاة وجزية وخراجًا، وفرقوا سهم المرتزقة على جندهم .. صح) لأن في إعادة المطالبة إضرارًا بأهل البلد، (وفي الأخير وجه) لئلا يتقووا به على أهل العدل، والأصحُّ: الصحة؛ لأنهم من جند الإسلام، وإرعاب الكفار حاصل بهم، وفي الجزية أيضًا: وجه، حكاه الرافعي (٢)، وفي الزكاة:

стр. 1996

وَمَا أَتْلَفَهُ بَاغٍ عَلَى عَادِلٍ وَعَكْسُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِتَالٍ .. ضَمِنَ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَفِي قَوْلٍ: يَضْمَنُ الْبَاغِي. وَالْمُتَأَوِّلُ بِلَا شَوْكَةٍ يَضمَنُ، وَعَكْسُهُ كَبَاغٍ. وَلَا يُقَاتِلُ الْبُغَاةَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ أَمِينًا فَطِنًا نَاصِحًا يَسْأَلُهُمْ مَا يَنْقِمُونَ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَوْ شُبْهَةً .. أَزَالَهَا، === وجه، حكاه القاضي أنهم إن أعطوها اختيارًا من غير إجبار .. لم يسقط عنهم، قال ابن الرفعة: وقياسه: الطرد في غيرها (١). (وما أتلفه باغ على عادل وعكسه إن لم يكن في قتال .. ضمن) سواء النفس والمال جريًا على الأصل الممهد في قصاص النفس وغرامات الأموال، (وإلا) أي: وإن كان في قتال ( .. فلا) ضمان، أما فيما يتلفه العادل على الباغي .. فلأنه مأمور بالقتال، فلا يضمن ما يتولد منه، وأما فيما يتلفه الباغي على العادل .. فلأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة؛ كوقعة الجمل وصفين .. لم يطالب بعضهم بعضًا بضمان نفس ولا مال، (وفي قول: يضمن الباغي) لأنهما فرقتان من المسلمين: محقة ومبطلة، فلا يستويان في سقوط الغرم؛ كقطاع الطريق والمرتدين. ومحل القولين: فيما أتلف بسبب القتال، وتولد منه هلاك، فإن أتلفوا في القتال ما ليس من ضرورة القتال .. ضمن قطعًا قاله الإمام، وأقراه (٢). (والمتأول بلا شوكة يضمن) مطلقًا وإن أتلف في القتال؛ كقطاع الطريق، ولأنا لو أسقطنا الضمان .. لم تعجز كل شرذمة تريد إتلاف نفس ومال أن تبدي تأويلًا وتفعل من الفساد ما تشاء، وفي ذلك بطلان السياسات، (وعكسه) وهو من له شوكة بلا تأويل (كباغ) ففي ضمانه القولان؛ لأن سقوط الضمان عن الباغي ترغيبهم في الطاعة، ليجتمع الشمل، وهو موجود هنا. (ولا يقاتل البغاة حتى يبعث إليهم أمينًا فطنًا ناصحًا يسألهم ما ينقمون) أي: يكرهون، كما فعل علي ﵁ حين بعث ابن عباس إلى الخوارج (٣)، (فإن ذكروا مظلمة أو شبهة .. أزالها) لأن المقصود بقتالهم ردهم إلى الطاعة ودفع شرهم،

стр. 1997

فَإِنْ أَصَرُّوا .. نَصَحَهُمْ ثُمَّ آذَنَهُمْ بالْقِتَالِ، فَإِنِ اسْتَمْهَلُوا .. اجْتَهَدَ وَفَعَلَ مَا رَآهُ صَوَابًا. وَلَا يُقَاتِلُ مُدْبِرَهُمْ وَلَا مُثْخَنَهُمْ وَأَسِيرَهُمْ، وَلَا يُطْلَقُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا وَامْرَأَةً حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ وَيَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ، === وظاهر كلام الشيخين: وجوب البعث (١)، قال في "المطلب": وهو ظاهر كلام الشافعي، وصرح به الأصحاب، وقال القاضي أبو الطيب: إنه مستحب. (فإن أصروا) بعد إزالة المظلمة وكشف الشبهة ( .. نصحهم) ووعظهم؛ لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود (ثم) إن أصروا .. دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا أو أجابوا فغلبوا وأصروا مكابرين .. (آذنهم بالقتال) أي: أعلمهم به (فإن استمهلوا .. اجتهد) في الإمهال (وفعل ما رآه صوابًا) فإن ظهر له عزمهم على الطاعة، وهم ينتظرون كشف الشبهة أو التأمل .. أنظرهم، أو أنهم يقصدون الاجتماع، أو ينتظرون مددًا .. فلا. (ولا يقاتل مدبرهم ولا مثخنهم وأسيرهم) لنهي علي ﵁ عن ذلك (٢)، ولأن قتالهم شرع للدفع عن منع الطاعة، وقد زال. نعم؛ إن انهزم متحيزًا إلى فئة قريبة .. اتبع، أو بعيدة .. فلا، ولو ولَّوا ظهورهم مجتمعين تحت راية زعيمهم .. اتبعوا، وقوتلوا حتى يرجعوا إلى الطاعة، وقد عبر في "المحرر" في المدبر بالقتال، وفي الأخيرين بالقتل (٣)، وهي أحسن؛ لأن المثخن والأسير لا يقاتلان. (ولا يطلق) أسيرهم، بل يحبسه (وإن كان صبيًّا وامرأة حتى تنقضي الحرب ويتفرق جمعهم) لينكف شره. وأفهم: أنه لا يطلق إلا باجتماع الأمرين: انقضاء الحرب، وتفرق جمعهم، وهذا غاية في الرجل البالغ الذي هو أهل للقتال، أما الصبي غير المراهق والمرأة .. فيطلقان بمجرد انقضاء القتال على الأصحِّ في "أصل الروضة" (٤).

стр. 1998

إِلَّا أَنْ يُطِيعَ بِاخْتِيَارِهِ. وَيَرُدُّ سِلَاحَهُمْ وَخَيْلَهُمْ إِلَيْهِمْ إِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُمْ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي قِتَالٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. وَلَا يُقَاتلونَ بِعَظِيمٍ - كَنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ - إِلَّا لِضَرُورَةٍ؛ بِأَنْ قَاتَلُوا بِهِ أَوْ أَحَاطُوا بِنَا. وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِكَافِرٍ، وَلَا بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ، === (إلا أن يطيع باختياره) بمبايعة الإمام، والرجوع عن البغي إلى الطاعة، فيطلق ولو قبل انقضاء الحرب، وتفرق الجمع، وهذا الاستثناء خاص بالرجل المتأهل للقتال، أما النساء والعبيد والصبيان .. فلا بيعة عليهم. (ويرد) وجوبًا (سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت غائلتهم) بعودهم إلى الطاعة، أو تفرق شملهم، قال الرافعي: وهو وقت إطلاق الأسرى (١). (ولا يستعمل) خيولهم وأسلحتهم (في قتال) كما لا يجوز الانتفاع بسائر أموالهم (إلا لضرورة) بأن لم يجد أحدنا ما يدفع به عن نفسه إلا سلاحهم، أو ما يركبه - وقد وقعت هزيمة - إلا خيولهم، فإنه يجوز الاستعمال والركوب؛ كما يجوز أكل مال الغير للضرورة. وذكر الخيل والسلاح مثال، فإن غيرهما من أموالهم كذلك. (ولا يقاتلون بعظيم؛ كنار ومنجنيق) (وتغريق وإلقاء الحيات ونحوها من المهلكات؛ لأن المقصود من قتالهم ردهم إلى الطاعة، وقد يرجعون فلا يجدون للنجاة سبيلًا، وفي الحديث الصحيح: "لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّهَا" (٢)، (إلا لضرورة؛ بأن قاتلوا به، أو أحاطوا بنا) واضطررنا إلى الرمي بالنار ونحوها؛ للدفع. (ولا يستعان عليهم بكافر) لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. (ولا بمن يرى قتلهم مدبرين) كالحنفية؛ لأنهم لا يحترمون قتلهم بعد الانهزام، ولا يحل ذلك عندنا، هذا إذا كان الإمام يرى مذهبنا فيهم؛ كما قيده الإمام (٣)،

стр. 1999

وَلَوِ اسْتَعَانُوا عَلَيْنَا بِأَهْلِ حَرْبٍ وَآمَنُوهُمْ .. لَمْ يَنْفُذْ أَمَانُهُمْ عَلَيْنَا، وَنَفَذَ عَلَيْهِمْ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ أَعَانَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِ قِتَالِنَا .. انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، أَوْ مُكْرَهِينَ .. فَلَا، .. === وإلا .. فلا اعتراض عليه فيما يراه مذهبًا هنا، وفي كل موضع. ويستثنى: ما إذا دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم، فيجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون فيهم جرأة وحسن إقدام، والثاني: أن يتمكن من دفعهم لو اتبعوا أهل البغي بعد الانهزام؛ كما نقلاه عن حكاية ابن الصباغ والروياني وغيرهما عن اتفاق الأصحاب، وزاد الماوردي ثالثًا: وهو أن يثق بوفائهم، والا يتبعوا مدبرًا، ولا يذففوا على جريح (١). (ولو استعانوا علينا بأهل الحرب وآمنوهم .. لم ينفذ أمانهم علينا) لأن الأمان لترك قتال المسلمين، فلا ينعقد على شرط القتال، فيجوز لنا أن نغنم أموالهم، وأن نسترقهم ونقتلهم إذا وقعوا في الأسر، ونقتل مدبرهم، ونذفف على جريحهم. نعم؛ لو قالوا: ظَنَنَّا أنه يجوز لنا أن نعين بعض المسلمين على بعض، أو أنهم المحقون، أو أنهم استعانوا بنا في قتال كفار .. بلغوا المأمن وقوتلوا مقاتلة البغاة، ولا يتعرض لمدبرهم على الأصحِّ. (ونفذ) أمان أهل البغي (عليهم في الأصح) لأنهم أمنوهم، وأمنوا منهم، والثاني: لا ينفذ عليهم؛ كما لا ينفذ علينا. (ولو أعانهم أهل الذمة) مختارين (عالمين بتحريم قتالنا .. انتقض عهدهم) كما لو انفردوا بالقتال، وصار حكمهم حكم أهل الحرب، (أو مكرهين .. فلا) ولا بد من ثبوت كونهم مكرهين عند الإمام؛ كما قاله المتولي والبَنْدَنيجي (٢).

стр. 2000

وَكَذَا إِنْ قَالُوا: (ظَنَنَّا جَوَازَهُ) أَوْ (أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ) عَلَى الْمَذْهَب، وَيُقَاتَلُونَ كَبُغَاةٍ. فَصْلٌ [في شروط الإمام الأعظم وبيان طرق الإمامة] شَرْطُ الإِمَامِ: كَوْنُهُ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا قُرَشِيًّا === (وكذا إن قالوا: "ظَنَنَّا جوازه") أي: ظَنَنَّا أنه يجوز لنا إعانة بعض المسلمين على بعض، أو أنهم يستعينون بنا على الكفار، (أو "أنهم محقون") (وأن لنا إعانة المحق، وأمكن صدقهم (على المذهب) إلحاقًا لهذه الأعذار بالإكراه (ويقاتلون) حيث لا ينتقض عهدهم، (كبغاة)؛ أي: كما يقاتل البغاة، أما إذا انتقض عهدهم .. فحكمهم مذكور في الجزية. * * * (فصل) لما كان البغي عبارة عن الخروج على الإمام .. احتاج إلى تعريف الإمام، ويجب نصب الإمام، كيلا يبقى الناس فوضى. (شرط الإمام) الأعظم ( .. كونه مسلمًا) ليراعي مصلحة الإسلام والمسلمين (مكلفًا)، لأن المولى عليه في حضانة غيره، فكيف يلي أمر الأمة؟ . (حرًّا ذكرًا) ليكمل، ويهاب، ويتفرغ، ويتمكن من مخالطة الرجال (قرشيًّا) لحديث: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" رواه النسائي بإسناد جيد من رواية أنس (١). فإن عدم قرشي بالصفات .. فكناني، فإن فقد كناني بالصفات .. فرجل من ولد إسماعيل ﷺ ، فإن فقد .. ففي "التهذيب" أنه يولى من العجم، وفي "التتمة" أنه يولى جرهمي، وجرهم من أصل العرب، فإن فقد .. فرجل من ولد إسحاق ﷺ (٢). وأفهم كلامه: أنه لا يشترط كونه هاشميًّا، وهو كذلك، فإن الصديق وعمر
следующие страницы →