← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وَوَقْفٍ. أَوْ لَا يَتَصَدَّقُ .. لَمْ يَحْنَثْ بِهِبَةٍ فِي الأَصَحِّ، أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ .. لَمْ يَحْنَثْ بِمَا اشْتَرَاهُ مَعَ غَيْرهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ) فِي الأَصَحِّ، وَيَحْنَثُ بِمَا اشْتَرَاهُ سَلَمًا، وَلَوِ اخْتَلَطَ مَا اشْتَرَاهُ بِمُشْتَرَى غيْرِهِ .. لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتيقَّنَ أَكْلَهُ مِنْ مَالِهِ. أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارًا اشْتَرَاهَا زَيْدٌ .. لَمْ يَحْنَثْ بِدَارٍ أَخَذَهَا بِشُفْعَةٍ. === لا يحنث، (ووقف) بناء على المذهب: أنه لا يملكه. (أو لا يتصدق .. لم يحنث بهبة في الأصح) لأنها ليست صدقة؛ ولهذا تحل له ﷺ ، والثاني: يحنث؛ كما لو حلف لا يهب فتصدق. وفرق الأول: بأن الصدقة أخص، فكل صدقة هبة، وليس كل هبة صدقة. (أو لا يأكل طعامًا اشتراه زيد .. لم يحنث بما اشتراه) زيد (مع غيره) مشاعًا؛ لأن كل جزء من الطعام لم يختص زيد بشرائه وإن قلّ؛ بدليل أنه لا يقال: اشتراه، بل بعضه، واليمين محمولة على ما انفرد زيد بشرائه، (وكذا لو قال: "من طعام اشتراه زيد" في الأصح) لما سبق، والثاني: يحنث؛ لصدق الاسم، (ويحنث بما اشتراه سلمًا) لأنه صنف من الشراء. (ولو اختلط ما اشتراه) زيد (بمشترى غيره .. لم يحنث حتى يتيقن أكله من ماله) بأن أكل قدرًا صالحًا؛ كالكف والكفين؛ لأن به يتحقق الحنث، بخلاف عشر حبات وعشرين، (أو لا يدخل دارًا اشتراها زيد .. لم يحنث بدار أخذها بشفعة) لفقد الاسم المعلق عليه اليمين في الوضع والعرف؛ إذ الأخذ بالشفعة شراء حكمي لا حقيقي. وفي عبارته تساهل؛ إذ يتعذر أخذ كل الدار بالشفعة، فكان الأولى أن يقول: (أخذ بعضها بشفعة) أو يقول: (أو لا يدخل دارًا اشترى فلان بعضها فأخذ البعض بالشفعة). ويتصور أخذ جميع الدار بالشفعة في عقدين؛ بأن يملك شخص نصف دار، ويبيع شريكه نصفه الآخر، فيأخذ هذا بالشفعة، فتصير الدار جميعها له، ثم يبيع النصف الذي لم يملكه بالشفعة، ثم يبيعه ذلك الشخص لأجنبي، فيأخذه الشريك بالشفعة وصدق أنه ملك جميع الدار بالشفعة. ويتصور أيضًا في شفعة الجوار إذا حكم بها حنفي تحل له باطنًا؛ كما هو الأصح. * * *

стр. 2242

كتاب النَّذر هُوَ ضَرْبَانِ: نَذْرُ لَجَاجٍ؛ كـ (إِنْ كَلَّمْته .. فَلِلهِ عَلَيَّ عِتْق أَوْ صَوْم)، وَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، === (كتاب النذر) هو في اللغة: الوعد مطلقًا، وفي الشرع: الوعد بخير. والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وفي "الصحيح": "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ .. فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ .. فَلَا يَعْصِهِ" (١). واختلف فيه، فقيل: هو مكروه، وحكي عن النص، وجزم به في "شرح المهذب"؛ لصحة النهي عنه، وأنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به مال البخيل (٢)، وقيل: هو خلاف الأولى، وقيل: هو قربة، وجزم به جمع منهم الرافعي في الكلام على نذر الكافر (٣). والنهي عنه محمول على من عَلِم من حاله عدم القيام بما التزمه جمعًا بين الأدلة. وقال ابن الرفعة: يظهر كون نذر التبرر قربة، وأن محل النهي نذر المجازاة (٤). ويشترط في الناذر: إسلام، وتكليف، واختيار، وإطلاق التصرف فيما نذره. (هو ضربان: نذر لَجاج) بفتح اللام وهو: ما خرج مخرج اليمين؛ بأن يقصد منع نفسه من فعل، أو يحثها عليه بالتزام قربة بالفعل أو الترك (كـ "إن كلّمته) أو إن لم أكلمه ( .. فلله علي عتق أو صوم"، وفيه كفارة يمين) لقوله ﵊: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" رواه مسلم (٥)، ولا كفارة في نذر التبرر قطعًا، فتعين أن يكون المراد به اللجاج.

стр. 2243

وَفِي قَوْلٍ: مَا الْتَزَمَ، وَفِي قَوْلٍ: أَيُّهُمَا شَاءَ. قُلْتُ: الثَّالِثُ أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ دَخَلْتُ .. فَعَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ نَذْر) .. لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بِالدُّخُولِ. وَنَذْرُ تبرُّر؛ بِأَنْ يَلْتَزِمَ قُرْبَةً إِنْ حَدَثَتْ نِعْمَةٌ أَوْ ذَهَبَتْ نِقْمَة، كـ (إِنْ شُفِيَ مَرِيضِي .. فَلِلّهِ عَلَيَّ أَوْ فَعَلَيَّ كَذَا)، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إِذَا حَصَلَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ كـ (للهِ عَلَيَّ صَوْمٌ) .. لَزِمَهُ فِي الأَظْهَرِ === (وفي قول: ما التزم) وفاء به؛ كما في نذر التبرر، (وفي قول: أيّهما شاء) لأنه يشبه النذرَ من حيث إنه التزام قربة، واليمينَ من حيث إن مقصوده مقصود اليمين، ولا سبيل إلى الجمع بين موجبهما، ولا إلى تعطيلهما، فوجب التخيير، (قلت: الثالث أظهر، ورجحه العراقيون، والله أعلم) لما قلناه. (ولو قال: "إن دخلت .. فعليّ كفارة يمين، أو) قال: إن دخلت فعليّ (نذر" .. لزمه) في الصورتين (كفارة) أي: كفارة يمين (بالدخول) أما في الأولى .. فبالاتفاق؛ تغليبًا لحكم اليمين، وأما الثانية .. فعلى الصحيح؛ للحديث المارّ (١). (ونذر تبرر) أي: تقرّب (بأن يلتزم قربة إن حدثت نعمة، أو ذهبت نقمة؛ كـ "إن شفي مريضي فلله عليّ، أو فعلي كذا" .. فيلزمه ذلك إذا حصل المعلّق عليه) للحديث المارّ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله .. فَلْيُطِعْهُ" (٢). وقد ذمّ الله أقوامًا عاهدوا ولم يفوا فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية. (وإن لم يعلقه) أي: النذر (بشيء كـ "لله علي صوم" .. لزمه في الأظهر) لإطلاق الحديث المذكور، والثاني: لا يصح، ولا يلزمه شيء؛ لأن أهل اللغة قالوا - كما حكاه ثعلب -: النذر هو وعد بشرط ولا شرط هنا؛ فلا نذر. ومنع الأول هذا؛ لقوله تعالى عن أم مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ الآية، فأطلقت ولم تعلقه على شرط وسمّته نذرًا، وهذا نذر تبرّر أيضًا؛ لأن نذر التبرر قسمان: قسم معلَّق، وقسم غير معلَّق.

стр. 2244

وَلَا يَصِحُّ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، وَلَا وَاجِبٍ، وَلَوْ نَذَرَ فِعْلَ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكَهُ .. لَمْ يَلْزَمْهُ، لكِنْ إِنْ خَالَفَ .. لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى الْمُرَجَّحِ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَيامٍ .. نُدِبَ تَعْجِيلُهَا، فَإِنْ قَيَّدَ بِتَفْرِيقٍ أَوْ مُوَالَاةٍ .. وَجَبَ، وإلَّا .. جَازَ. أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنةٍ .. صَامَهَا وَأَفْطَرَ الْعِيدَ وَالتّشرِيقَ وَصَامَ رَمَضَانَ عَنْهُ وَلَا قَضَاءَ === (ولا يصح نذر معصية) كالقتل والزنا وصوم يوم العيد؛ للحديث: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ" رواه مسلم (١)، (ولا واجب) كصوم رمضان، وألّا يشرب الخمر؛ لأنه واجب بإيجاب الشرع ابتداءً، فلا معنى لإيجابه. (ولو نذر فعل مباح) كالأكل والنوم، (أو تركه .. لم يلزمه) لقوله ﵊: "لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بهِ وَجْهُ الله" رواه أبو داوود (٢). قال الأئمة: وقد يقصد بالأَكل: التقوي على العبادة، وبالنوم: النشاطُ على التهجد فيثاب عليه، ولكن ذاك يرجع إلى مجرد القصد. (لكن إن خالف .. لزمه كفارة يمين على المرجح) تبع في هذا "المحرر"، لكن قضية كلام "الشرح" و"الروضة": عدم اللزوم، وقال في "شرح المهذب": والصواب في الجملة: أنه لا كفارة مطلقًا لا عند المخالفة ولا غيرها في نذر المعصية والفرض والمباح (٣). (ولو نذر صوم أيام .. ندب تعجيلها) مسارعة إلى براءة الذمة، (فإن قيّد بتفريق أو موالاة .. وجب) عملًا بما التزمه، وفي التفريق وجه: أنه لا يلزم إذا قيد به؛ لأن موالاته أفضل، (وإلا) أي: وإن لم يقيد بتفريق ولا موالاة ( .. جاز) التفريق والموالاة عملًا بمقتضى الإطلاق، لكن الموالاة أفضل خروجًا من خلاف أبي حنيفة. (أو سنة معينة .. صامها، وأفطر العيد والتشريق) وجوبًا؛ لتحريم صوم ذلك (وصام رمضان عنه) لأن رمضان لا يقبل غيره (ولا قضاء) لأن هذه الأيام لو نذر صومها .. لم ينعقد نذره، فإذا أطلق .. أولى ألّا يدخل في نذره.

стр. 2245

وإنْ أَفْطَرَتْ بِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: لَا يَجِبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا بلَا عُذْرٍ .. وَجَبَ قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ سَنَةٍ، فَإِنْ شَرَطَ التَّتابُعِ .. وَجَبَ فِي الأصَحِّ. أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَشَرَطَ التَّتَابُعَ .. وَجَبَ. وَلَا يَقْطَعُهُ صَوْمُ رَمَضَان عَنْ فَرْضِهِ وَفِطْرُ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ، وَيَقْضِيهَا تِبَاعًا مُتَّصِلَة بِآخِرِ السَّنَةِ، وَلَا يَقْطَعُهُ حَيْضٌ، وَفِي قَضَائِهِ الْقَوْلَانِ، === (وإن أفطرت بحيض أو نفاس .. وجب القضاء في الأظهر) لأن الزمان قابل للصوم، وإنما أفطرت لمعنى فيها فتقضي؛ كصوم رمضان، وهذا ما رجحه البغوي فتبعه "المحرر" (١). (قلت: الأظهر: لا يجب، وبه قطع الجمهور، والله أعلم) لأن أيام الحيض لا تقبل الصوم، فلا تدخل في النذر؛ كالعيد. (وإن أفطر يومًا بلا عذر .. وجب قضاؤه) لتفويته باختياره، (ولا يجب استئناف سنة) لأن التتابع لم يكن مقصودًا في نفسه بل للوقت؛ كرمضان. (فإن شرط التتابع) في نذر السنة المعينة ( .. وجب) الاستئناف (في الأصح) لأن ذكر التتابع يدل على كونه مقصودًا، والثاني: لا يجب؛ لأن شرط التتابع مع تعيين السنة لغو. (أو غير معينة وشرط التتابع .. وجب) وفاءً بما التزمه. (ولا يقطعه صوم رمضان عن فرضه، وفطر العيد والتشريق) لاستثناء ذلك شرعًا. واحترز بقوله: (عن فرضه): عما لو صامه عن نذر أو قضاء أو تطوع .. فإنه لا يصح صومه، وينقطع به التتابع قطعًا. (ويقضيها) أي: رمضان والعيد والتشريق (تباعًا متصلة بآخر السنة) عملًا بشرطه التتابع، (ولا يقطعه حيض) ونفاس (وفي قضائه القولان) في المعينة. وقضيته: ترجيح عدم القضاء، واعترضه البُلْقيني، وقال: إن أيام الحيض أولى بوجوب القضاء من رمضان والعيد والتشريق؛ فإنه يمكن خلو السنة عنه، ولا يمكن خلوها عن رمضان والعيد والتشريق، وبسط ذلك.

стр. 2246

وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ .. لَمْ يَجِبْ، أَوْ يَوْمَ الاثنيْنِ أَبَدًا .. لَمْ يَقْضِ أَثَانِيَ رَمَضَانَ، وَكَذَا الْعِيدُ وَالتَّشْرِيقُ فِي الأَظْهَرِ، فَلَوْ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ تِبَاعًا لِكَفَّارَةٍ .. صَامَهُمَا، وَيَقْضِي أَثَانِيَهُمَا، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَقْضِي إِنْ سَبقَتِ الْكَفَّارَةُ النَّذْرَ. قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ === (وإن لم يشرطه) أي: التتابع ( .. لم يجب) لعدم الالتزام، فيصوم ثلاث مئة وستين يومًا، أو اثني عشر شهرًا بالهلال وإن نقصت؛ لأنها السنة شرعًا. (أو يوم الاثنين أبدًا .. لم يقض أثاني رمضان) لأن النذر لا يشملها؛ لسبق وجوبها. نعم؛ لو وقع فيه خمسة أثانين .. ففي قضاء الخامس القولان في العيد؛ لأنه قد يقع وقد لا يقع. (وكذا العيد والتشريق في الأظهر) إن صادفت يوم الاثنين قياسًا على أثاني رمضان، والثاني: يقضي؛ لأن ذلك قد يتفق وقد لا يتفق، فتناولها النذر، بخلاف أثاني رمضان، وبخلاف ما إذا نذر صوم سنة معينة حيث قلنا: لا يقضي؛ لأن وقوعها في السنة لازم، ووقوع العيد في يوم الاثنين ليس بلازم. (فلو لزمه صوم شهرين تباعًا لكفارة) بعد أن نذر صوم الاثنين أبدًا ( .. صامهما، ويقضي أثانيهما) جزمًا؛ لأنه أدخل على نفسه صوم الشهرين بعده، (وفي قول: لا يقضي إن سبقت الكفارة النذر) لأن الأثانين الواقعة فيها حينئذ مستثناة بقرينة الحال؛ كما لا يقضي أثاني رمضان، (قلت: ذا القول أظهر، والله أعلم) لما قلناه، وهذا ما صححه في "زيادة الروضة" أيضًا، ولم يصحح الرافعي في "الشرحين" شيئًا، وصحح في "المحرر" وجوب القضاء قال في "المهمات": وهو الصواب؛ فإن الربيع قد نقله عن نص الشافعي، كذا نقله عنه العمراني في "البيان"، و"النووي" في "شرح المهذب" انتهى (١)، وقال البُلْقيني: إنه المعتمد في "المذهب"، ورجحه الأَذْرَعي والزركشي، وقالا: إن الجمهور عليه.

стр. 2247

وَتَقْضِي زَمَنَ حَيْضٍ وَنفَاسٍ فِي الأَظْهَرِ. أَوْ يَوْمًا بِعَيْنهِ .. لَمْ يَصمْ قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أُسْبُوعٍ ثُمَّ نَسِيَهُ .. صَامَ آخِرَهُ وَهُوَ الْجُمُعَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ .. وَقَعَ قَضَاءً. وَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ نَفْلٍ فَنَذَرَ إِتْمَامَهُ .. لَزِمَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ نَذَرَ بَعْضَ يَوْمٍ .. لَمْ يَنْعَقِدْ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ يَوْمٌ. أَوْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ .. فَالأَظْهَرُ: انْعِقَادُهُ، فَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ يَوْمَ عِيدٍ أَوْ فِي رَمَضَانَ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، === والفرق بينه وبين أثاني رمضان: أن لزوم صوم رمضان لا صنع له فيه، بخلاف الكفارة، فإنه التزمها بفعله، وأيضًا: لو صام الأثانين الواقعة في الشهرين عن نذره .. وقع عن نذره، بخلاف أثانين رمضان. (وتقضي زمن حيض ونفاس) ومرض وقع في الأثانين (في الأظهر) لأنه لم يتحقق وقوعه فيه، فلم يخرج من نذرها، والثاني: المنع؛ كما في العيد. ومحل الخلاف: فيما إذا لم يكن لها عادة غالبة، فإن كانت .. فعدم القضاء فيما يقع في عادتها أظهر؛ لأنها لا تقصد صوم الذي يقع في عادتها غالبًا في مفتتح الأمر. (أو يومًا بعينه .. لم يصم قبله) وفاءً بالملتزم (أو يومًا من أسبوع ثم نسيه .. صام آخره وهو الجمعة، فإن لم يكن هو .. وقع قضاءً) بناءً على أن أول الأسبوع السبت، فإن قلنا: إن أوله الأحد .. تعيّن صوم السبت. (ومن شرع في صوم نفل فنذر إتمامه .. لزمه على الصحيح) لأن صومه صحيح، فيصح التزامه بالنذر، ويلزمه الإتمام، والثاني: المنع؛ لأنه نذر صوم بعض اليوم. (وإن نذر بعض يوم .. لم ينعقد) لأن صوم بعض اليوم ليس بقربة، (وقيل: يلزمه يوم) لأن صوم بعض اليوم ليس معهودًا شرعًا، فلزمه يوم كامل، وقد ورد الأمر بإمساك بعض النهار في يوم الشك، ويجري الخلاف: فيما لو نذر بعض ركعة. (أو يوم قدوم زيد .. فالأظهر: انعقاده) لإمكان الوفاء به؛ بأن يعلم أنه يقدم غدًا فينوي صومه ليلًا، والثاني: المنع؛ لأنه لا يمكنه الصوم بعد القدوم؛ لأن التبييت شرط في صوم الفرض، وإذا لم يمكن الوفاء بالملتزم .. يلغو الالتزام. (فإن قدم ليلًا أو يوم عيد) أو تشريق (أو في رمضان .. فلا شيء عليه) لأنه قيّد باليوم ولم يوجد القدوم في محل يقبل الصوم.

стр. 2248

أَوْ نَهَارًا وَهُوَ مُفْطِرٌ أَوْ صَائِمٌ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا .. وَجَبَ يَوْمٌ آخَرُ، أَوْ وَهُوَ صَائِمٌ نَفْلًا .. فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجِبُ تتمِيمُهُ وَيَكْفِيهِ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ .. فَلِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ الْيَوْمِ التَّالِي لِيَوْمِ قُدُومِهِ، وَإِنْ قَدِمَ عَمْرو .. فَلِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَوَّلِ خَمِيسٍ بَعْدَهُ)، فَقَدِمَا فِي الأَرْبِعَاءِ .. وَجَبَ صَوْمُ الْخَمِيسِ عَنْ أَوَّلِ النَذْرَيْنِ وَيَقْضِي الآخَرَ. === نعم؛ يستحب صوم الغد أو يوم آخر؛ شكرًا لله تعالى. (أو نهارًا وهو مفطر أو صائم قضاءً أو نذرًا .. وجب يوم آخر) عن نذره للقدوم (١)؛ كما لو نذر صوم يوم معين ففاته، واستحب الشافعي ﵁: أن يعيد صوم الواجب الذي هو فيه؛ لأنه بان أنه صام يومًا مستحق الصوم؛ لكونه يوم قدوم زيد (٢). (أو وهو صائم نفلًا) وقدم قبل الزوال ( .. فكذلك) يلزمه يوم آخر بناء على الأصح في لزوم الصوم من أول النهار، (وقيل: يجب تتميمه) بقصد كونه عن النذر (ويكفيه) بناءً على أنه لا يجب إلا من وقت القدوم، ويكون أوله تطوعًا وآخره فرضًا؛ كما لو شرع في نفل ثم نذر إتمامه. (ولو قال: "إن قدم زيد .. فلله عليّ صوم اليوم التالي ليوم قدومه، وإن قدم عمرو .. فلله عليّ صوم أول خميس بعده" فقدما في الأربعاء .. وجب صوم الخميس عن أول النذرين) لسبقه (ويقضي الآخر) لتعذر الإتيان به في وقته، فلو صام الخميس عن النذر الثاني .. صحّ في الأصح، ويقضي يومًا آخر عن النذر الأول. ولو قال: (إن قدم زيد .. فلله عليّ أن أصوم أمس يوم قدومه) .. صحّ نذره على المذهب، ذكره في "شرح المهذب" (٣). * * *

стр. 2249

فصلٌ [في نذر النسك والصدقة والصلاة وغيرها] نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ إِتْيَانَهُ .. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ إِتْيَانِهِ بحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ نَذَرَ الإِتْيَانَ .. لَمْ يَلْزَمْهُ مَشْيٌ، وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ أَوْ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا .. فَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمَشْيِ، === (فصل: نذر المشي إلى بيت الله تعالى أو إتيانه .. فالمذهب: وجوب إتيانه بحج أو عمرة) حملًا لإطلاقه على البيت الحرام؛ لأنه السابق إلى الفهم عند الإطلاق، ولا قربة في المشي إلا بنسك، فحمل مطلق النذر عليه، ولم يذكرا في "الشرح" و"الروضة" في هذه الصورة طريقين، وإنما ذكرا فيها وجهين، أو قولين، وصححا عدم الانعقاد؛ لأن المساجد كلها بيوت الله تعالى ولم يقيده بلفظ ولا نية، وإنما ذكرا الطريقين فيما إذا قال: (بيت الله الحرام)، وصححا القطع باللزوم؛ حملًا للمطلق على المعهود، وهو القصد بالحج أو العمرة؛ كما لو نذر الصلاة .. فيحمل على الشرعية لا الدعاء، والطريق الثاني: قولان مبنيان على أن النذر يحمل على واجب الشرع أو على جائزه؟ (١). (فإن نذر الإتيان .. لم يلزمه مشي) بل له الركوب قطعًا؛ لأن الإتيان لا يقتضي المشي، وكذا لو نذر الذهاب وغيره مما سوى المشي. (وإن نذر المشي أو أن يحج أو يعتمر ماشيًا .. فالأظهر: وجوب المشي) لأنه التزام جعله وصفًا؛ كما لو نذر أن يصلي قائمًا، وأن يصوم متتابعًا، والثاني: لا يلزمه؛ لأنه لم يجب في جنسه شيء في الشرع، ولا يجب بالنذر. والخلاف مبني على أن الحج راكبًا أفضل أو ماشيًا؟ وفيه قولان: أظهرهما عند المصنف: أفضلية الركوب؛ اقتداءً به ﷺ (٢). والثاني: أفضلية المشي؛ لزيادة المشقة، وفي الصحيح: أنه عليه الصلاة

стр. 2250

فَإِنْ كَانَ قَالَ: (أَحُجُّ مَاشِيًا) .. فَمِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ، وَإِنْ قَالَ: (أَمْشِي إِلَى بَيْتِ اللهِ تَعَالَى) .. فَمِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فِي الأَصَحِّ، === والسلام قال لعائشة: "أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ" (١)، وصححه الرافعي (٢). إذا عرف هذا .. فما صححه المصنف من وجوب المشي واضح على تفضيله على الركوب، أما على ما رجحه هو من أفضلية الركوب .. فلا يجب المشي، وهو ما اقتضى كلام "الروضة" في (النوع الثاني من أنواع النذر): ترجيحه، لكنه قال في الكلام على المسألة هنا من "الروضة" بعد موافقته للرافعي على لزوم المشي: الصواب: أن الركوب أفضل وإن كان الأظهر: لزوم المشي بالنذر؛ لأنه مقصود، والله أعلم. انتهى (٣). واعترض: بأنه كيف يكون مقصودًا مع كونه مفضولًا؟ ! ولئن سلم كونه مقصودًا .. فلا يمتنع العدول إلى الأعلى؛ كما في زكاة الفطر، وكما لو نذر الصلاة قاعدًا، فصلى قائمًا. وإذا أوجبنا المشي .. ففي نهايته طريقان: أصحهما: حتى يتحلل التحللين، وقيل: له الركوب بعد التحلل الأول. (فإن كان قال: "أحج ماشيًا" .. فمن حيث يحرم) لأنه التزم المشي في الحج، وابتداء الحج من وقت الإحرام، قال في "الروضة": سواء أحرم في الميقات أو قبله (٤). (وإن قال: "أمشي إلى بيت الله تعالى" .. فمن دويرة أهله في الأصح) لأن قضيته أن يخرج من بيته ماشيًا، والثاني: من الميقات؛ لأن المقصود الإتيان بالنسك، فيمشي من حيث يحرم. وكان ينبغي أن يقول: (بيت الله الحرام)، وإلا .. فمطلق بيت الله لا يوجب شيئًا؛ كما سبق.

стр. 2251

وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْمَشْيَ فَرَكِبَ لِعُذْرٍ .. أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ فِي الأَظْهَرِ، أَوْ بِلَا عُذْرٍ .. أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَمَنْ نَذَرَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً .. لَزِمَهُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعْضُوبًا .. اسْتَنَابَ === (وإذا أوجبنا المشي فركب لعذر .. أجزأه) حجه عن نذره؛ لما في "الصحيحين": أنه ﵊ رأى رجلًا يهادى بين اثنين، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يحج ماشيًا، فقال: "إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ"، وأمره أن يركب (١). (وعليه دم في الأظهر) لأنه ﵊ أمر أخت عقبة بن عامر أن تركب وتهدي هديًا، رواه أبو داوود بإسناد على شرط البخاري (٢)، والثاني: لا دم عليه؛ كما لو نذر الصلاة قائمًا فصلى قاعدًا؛ للعجز. وفرق الأول: بأن الصلاة لا تجبر بالمال، بخلاف الحج، والدم شاة تجزئ في الأضحية على الأظهر. والمراد بالعذر كما تفقهه المصنف: أن تلحقه مشقة ظاهرة؛ كما قالوه في العجز عن القيام في الصلاة، وفي العجز عن صوم رمضان بالمرض (٣). واحترز بقوله: (إذا أوجبنا المشي): عما إذا لم نوجبه .. فإنه لا يجبر تركه بدم. (أو بلا عذر .. أجزأه على المشهور) مع عصيانه؛ لإتيانه بأصل الحج ولم يبق إلا هيئته، فصار كترك الإحرام من الميقات، والثاني: لا يجزئه؛ لأنه لم يأت بما التزم. (وعليه دم) لأنه إذا وجب مع العذر .. فبدونه أولى. (ومن نذر حجًّا أو عمرة .. لزمه فعله بنفسه، فإن كان معضُوبًا .. استناب) كما في حجة الإسلام.

стр. 2252

وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ فِي أَوَّلِ الإِمْكَانِ، فَإِنْ تَمَكَّنَ فَأَخَّرَ فَمَاتَ .. حُجَّ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ نَذَرَ الْحَجَّ عَامَهُ وَأَمْكَنَهُ .. لَزِمَهُ - فَإِنْ مَنَعَهُ مَرَضٌ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ، أَوْ عَدُوٌّ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ - أَوْ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا فِي وَقْتٍ فَمَنَعَهُ مَرَضٌ أَوْ عَدُوٌّ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ، === (ويستحب تعجيله في أول الإمكان) مبادرة لبراءة الذمة، (فإن تمكن فأخر فمات .. حُجَّ من ماله) كحجة الإسلام. (وإن نذر الحج عامه وأمكنه .. لزمه) في ذلك العام تفريعًا على الصحيح في تعيين الزمان في العبادات؛ كالصوم. واحترز بقوله: (وأمكنه): عمّا إذا نذر حج السنة ولا زمان يسع الإتيان .. فإنه لا ينعقد نذره على الأصح؛ لتعذر اللزوم. وقيل: ينعقد ويقضي في سنة أخرى، وهذا فيمن حجّ، فإن لم يكن .. فإنه يقدم حجة الإسلام، ولو قدّم حجة النذر .. وقعت عن حجة الإسلام، صرح به الصَّيْمري هنا، والأصحاب في (باب الحج). (فإن منعه مرض .. وجب القضاء) كما لو نذر صوم سنة معينة فأفطر فيها بعذر المرض .. فإنه يقضي، هذا إذا منعه بعد الإحرام، أمّا قبله؛ بأن مرض قبل خروج الناس ولم يتمكن من الخروج معهم .. فلا قضاء، كما لا تستقر حجة الإسلام في هذه الحالة، كذا نقلاه عن المتولي، وأقراه (١). والنسيان وخطأ الطريق والضلال فيه كالمرض. (أو عدو) أو سلطان أو رب الدين ولم يمكنه الوفاء حتى مضى إمكان الحج تلك السنة ( .. فلا) يلزمه القضاء (في الأظهر) لمكان العذر، والثاني: يلزمه؛ كما لو منعه المرض. (أو صلاةً أو صومًا في وقت فمنعه مرض أو عدو .. وجب القضاء) بخلاف الحج؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع، وقد يجب الصوم والصلاة مع العجز، فلزما بالنذر، والحج لا يجب إلا عند الاستطاعة، فكذلك حكم النذر.

стр. 2253

أَوْ هَدْيًا .. لَزِمَهُ حَمْلُهُ إِلَى مَكَّةَ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مَنْ بِهَا، أَوِ التَّصَدُّقَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ .. لَزِمَهُ، أَوْ صَوْمًا فِي بَلَدٍ .. لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَكَذَا صَلَاةٌ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، === وتعبيره بـ (القضاء) قد يقتضي تعين الصوم والصلاة في الوقت المعين بالنذر، وهو ما صححه في "أصل الروضة" في الصوم، ثم قال: إن الخلاف جارٍ في الصلاة أيضًا، لكنه في (باب الاعتكاف) جزم بعدم التعيين تبعًا للرافعي، قال في "المهمات": والتعيين هو الصواب المفتى به؛ فقد نص عليه في "البويطي" (١). ويستثنى من الصلاة: ما إذا نذر فعلها في أوقات النهي في غير حرم مكة إذا فرعنا على الأصح أنها لا تنعقد. (أو هدْيًا) معينًا ( .. لزمه حمله إلى مكة) لأنها محل الهدي، قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، (والتصدق به على من بها) وإن كان غريبًا، وإذا أطلق الهدي .. حمل على ما يجزئ في الأضحية على الأصح. (أو التصدق على أهل بلد معين .. لزمه) وفاء بالملتزم. نعم؛ إن تمحض أهل البلد كفارًا .. لم يلزم؛ لأن النذر لا يصرف لأهل الذمة، قاله الأَذْرَعي. (أو صومًا في بلد .. لم يتعين) ذلك البلد، فيلزمه الصوم، ويصوم حيث شاء، وقيل: إن عيّن مكة .. تعينت؛ لأن الحرم يختص بأشياء، وقد روى ابن ماجه: "مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَ وَقَامَ فِيهِ مَا تَيَسَّرَ .. كُتِبَ لَهُ بِمِئَةِ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهُ" (٢). (وكذا صلاة) أي: إذا نذرها في بلد أو مسجد لا يتعين؛ لاستواء البقاع والمساجد (إلا المسجد الحرام) فيتعين بالنذر؛ لعظم فضله، وتعلق النسك به، وصحّ أن الصلاة فيه بمئة ألف (٣). والمراد بـ (المسجد الحرام): جميع الحرم؛ فإنّ حرم مكة كمسجدها في

стр. 2254

وَفِي قَوْلٍ: وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالأَقْصَى. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: تَعَيُّنُهُمَا كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا .. فَيَوْمٌ، أَوْ أَيَّامًا .. فَثَلَاثَةٌ، أَوْ صَدَقَةً .. فَبِمَا كَانَ، أَوْ صَلَاةً .. فَرَكْعَتَانِ، وَفِي قَوْلٍ: رَكْعَةٌ، فَعَلَى الأَوَّلِ: يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا. أَوْ عِتْقًا .. فَعَلَى الأَوَّلِ: رَقَبَةُ كَفَّارَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي: رَقَبَةٌ. قُلْتُ: الثَّانِي هُنَا أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. === المضاعفة؛ كما جزم به الماوردي، وتبعه المصنف في "مناسكه". (وفي قول: ومسجد المدينة والأقصى) لمشاركتهما له في الفضل، بدليل قوله ﵊: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ" (١)، (قلت: الأظهر: تعيّنهما، كالمسجد الحرام، والله أعلم) لما ذكرناه، وهذا ما نص عليه في "البويطي"، وقطع به المراوزة، ووجه مقابله: أنهما لا يقصدان بالنسك، فأشبها سائر المساجد، وعلى التعين يقوم المسجد الحرام مقامهما، ومسجد المدينة مقام الأقصى، ولا عكس على الأصح في "الروضة" (٢). (أو صومًا مطلقًا) أي: بلا ذكر عدد لفظًا ولا نية ( .. فيومٌ) لأن الصوم اسم جنس يقع على القليل والكثير، والصوم الشرعي لا يكون في أقل منه، (أو أيامًا .. فثلاثة) لأنها أقل الجمع (أو صدقة فبما كان) ولو دون دانق مما يتمول؛ لإطلاق الاسم. (أو صلاة .. فركعتان) حملًا على أقل واجب الشرع (وفي قول: ركعة) حملًا على أقل جائزه (فعلى الأول: يجب القيام فيهما مع القدرة) لأنا ألحقناه بواجب الشرع (وعلى الثاني: لا) إلحاقًا بجائزه. (أو عتقًا .. فعلى الأول: رقبةُ كفّارة) حملًا على الرقبة الواجبة شرعًا (وعلى الثاني: رقبة) ولو معيبة وكافرة؛ لصدق الاسم؛ حملًا له على الجائز، (قلت: الثاني هنا أظهر، والله أعلم) لأن الأصل براءة الذمة، فاكتفى بما يقع عليه الاسم. والفرق بينه وبين الصلاة: أن العتق من باب الغرامات التي يشق إخراجها، فكان

стр. 2255

أَوْ عِتْقَ كَافِرَةٍ مَعِيبَةٍ .. أَجْزَأَهُ كَامِلَةٌ، فَإِنْ عَيَّنَ نَاقِصَةً .. تَعَيَّنَتْ، أَوْ صَلَاةً قَائِمًا .. لَمْ تَجُزْ قَاعِدًا، بِخِلَافِ عَكْسِهِ، أَوْ طُولَ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ سُورَةً مُعَيَّنَةً، أَوِ الْجَمَاعَةَ .. لَزِمَهُ. وَالصَّحِيحُ: انْعِقَادُ النَّذْرِ بِكُلِّ قُرْبَةٍ لَا تَجِبُ ابْتِدَاءً؛ كَعِيَادَةٍ، وَتَشْيِيعِ جَنَازَةٍ، وَالسَّلَامِ. === عند الإطلاق لا يلزمه إلا ما هو أقل ضررًا، بخلاف الصلاة. (أو عتق كافرة معيبة .. أجزأه كاملة) لإتيانه بما هو الأفضل، (فإن عيّن ناقصة) كقوله: (لله علي أن أعتق هذا العبد الكافر)، أو (هذا المعيب) ( .. تعينت) لتعلق النذر بعينه ولو كان المبذول أشرف. (أو صلاة قائمًا .. لم تجز قاعدًا) لأنه دون ما التزم (بخلاف عكسه) وهو ما إذا نذر الصلاة قاعدًا .. فإنه يجوز أن يصليها قائمًا؛ لإتيانه بما هو أفضل. وكلامه يفهم: أن له القعود أيضًا، وقالا في "الشرح الصغير" و"الروضة": إنه لا خلاف فيه (١)، لكن ذكرا بعدُ عن الإمام عن الأصحاب: أنه لو قال: (لله علي أن أصلي كذا قاعدًا) .. لزمه القيام عند القدرة إذا حمل المنذور على واجب الشرع، واستشكله الإمام على ما لو نذر ركعة واحدة .. فإنه لا يلزمه غيرها، وفرق ابن الصلاح: بأن القعود صفة قصدها بالنذر، ولا قربة فيها فلغت الصفة، وبقي قوله: (أصلي)، بخلاف (ركعة) فإنها قربة في نفسها (٢). ومحل ما ذكره المصنف: في صلاة منذورة، فلو نذر أن يصلي النفل قائمًا .. لم ينعقد على المرجح، لأن فيه إبطال الرخصة، والصوم في السفر كذلك. (أو طول قراءة الصلاة، أو سورة معينة) بقراءتها في صلاته (أو الجماعة .. لزمه) لأن ذلك طاعة (والصحيح: انعقاد النذر بكل قربة لا تجب ابتداءً؛ كعيادة، وتشييع جنازة، والسلام) على غيره أو على نفسه عند دخول بيت خال؛ لأن الشارع رغب فيها، والعبد يتقرب بها، فهي كالعبادات، والثاني: المنع؛ لأنها ليست على أوضاع العبادات. * * *

стр. 2256

كتابُ القضاء هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، === (كتاب القضاء) هو بالمد: الولاية المعروفة، وجمعه أقضية؛ كغطاء وأغطية. وهو في اللغة: إحكام الشيء، وفراغه، ويرد لمعان. والأصل فيه من الكتاب: آيات؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. ومن السنة: ما لا يحصى كثرة؛ كقوله ﵊: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ .. فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ .. فَلَهُ أَجْرٌ" متفق عليه (١). وقال في "شرح مسلم": أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم؛ إن أصاب .. فله أجران باجتهاده وإصابته، وإن أخطأ .. فله أجر باجتهاده في طلب الحق، أما من ليس بأهل للحكم .. فلا يحل له أن يحكم، وإن حكم .. فلا أجر له، بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك (٢). (هو فرض كفاية) بالإجماع؛ كما قاله الرافعي (٣)، بل هو أسنى من فروض الكفايات، وأعلى مراتب الولايات، حتى قال الغزالي: إنه أفضل من الجهاد؛ لأن القضاء حفظ للموجود، والجهاد ازدياد بتحصيل مفقود (٤). والمراد: قبول توليته، أما تقليده من الإمام .. فهو فرض عين؛ كما قاله

стр. 2257

فَإِنْ تَعَيَّنَ .. لَزِمَهُ طَلَبُهُ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ وَكَانَ يَتَوَلَّاهُ .. فَلِلْمَفْضُولِ الْقَبُولُ, وَقِيلَ: لَا. وَيُكْرَهُ طَلَبُهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ .. فَلَهُ الْقَبُولُ === الماوردي والروياني، لدخوله في عموم ولايته، ولا يصح إلا من جهته (١). (فإن تعين) إنسان للقضاء ( .. لزمه طلبه) إن لم يعرض عليه؛ كسائر فروض الكفايات إذا تعينت، ويلزمه بذل المال في تحصيله إن احتاج إليه، ولا يعذر بالخوف على نفسه مثلًا أو خيانة بل عليه أن يتولى ويحترز، فإن عرض عليه .. لزمه القبول جزمًا، فإن امتنع .. عصى، وللإمام جبره على الأصح. (وإلا) أي: وإن لم يتعين عليه (فإن كان غيره أصلح وكان يتولاه .. فللمفضول القبول) إذا بذل له من غير طلب، (وقيل: لا) هذا الخلاف رتبه الرافعي على أن الإمامة العظمى هل تنعقد للمفضول مع وجود الفاضل؟ والأصح: الانعقاد؛ لأن تلك الزيادة خارجة عن حدّ الإمامة، والقضاء أولى بالجواز، لإمكان التدارك فيه بنظر من فوقه من الولاة، بخلاف الإمام (٢). وأشار بقوله: (وكان يتولاه) إلى تخصيص الخلاف به، فلو لم يرض .. فكالعدم. (ويكره طلبه) لوجود من هو أولى منه، (وقيل: يحرم) ومحل الخلاف: إذا جوزنا ولاية المفضول، فإن لم نجوزها .. حرم عليه الطلب، والقبول جزمًا، وإذا حرم عليه ذلك .. حرمت توليته، كذا جزما به، وحكى القاضي الحسين خلافًا في تحريمها حينئذ، واستشكله الإمام: بأنه إذا كان النصب جائزًا .. فكيف يحرم طلب الجائز؟ ! (٣) (وإن كان مثله) وسئل بلا طلب ( .. فله القبول) ولا يلزمه على الأصح، لأنه قد يقوم به غيره.

стр. 2258

وَيُنْدَبُ الطَّلَبُ إِنْ كَانَ خَامِلًا يَرْجُو بِهِ نَشْرَ الْعِلْمِ أَوْ مُحْتَاجًا إِلَى الرِّزْقِ، وَإِلَّا .. فَالأَوْلَى تَرْكُهُ. قُلْتُ: وَيُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالاعْتِبَارُ فِي التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ بِالنَّاحِيَةِ. وَشَرْطُ الْقَاضِي: مُسْلِمٌ، مُكَلَّفٌ، حُرٌّ، ذَكَرٌ، عَدْلٌ، سَمِيعٌ، === (ويندب الطلب إن كان خاملًا) أي: غير مشهور بين الناس (يرجو به نشر العلم أو محتاجًا إلى الرزق) مع الشهرة، وإذا ولّي .. حصلت له كفاية من بيت المال؛ لحصول المنفعة بعلمه في الأولى، وأما في الثانية .. فلأنه يكسب كفايته بسبب هو طاعة؛ لما في العدل من جزيل الثواب. (وإلا) أي: وإن كان شهيرًا بالعلم مكفيًّا بالرزق ( .. فالأولى: تركه) أي: الطلب والقبول؛ لما فيه من الخطر من غير حاجة. (قلت: ويكره) الطلب والقبول إذا قلّد بلا طلب (على الصحيح، والله أعلم) وعلى ذلك حمل امتناع السلف، وهذا ما صححه الرافعي في "شرحيه" (١). (والاعتبار في التعيين وعدمه بالناحية) قال الرافعي: وقضيته: ألّا يجب على من يصلح للقضاء طلبه ببلد آخر لا صالح فيها، ولا قبوله إذا ولي، ويجوز أن يفرق بينه وبين القيام بسائر فروض الكفايات المحوجة إلى السفر؛ كالجهاد وتعلّم العلم ونحوهما: بأنه يمكن القيام بتلك الأمور والعود إلى الوطن، وعمل القضاء لا غاية له، فالانتقال له هجرة، وترك الوطن بالكلية تعذيب. انتهى (٢). قال الإمام والغزالي: ويجب أن يكون في القرى من القضاة عدد بحيث لا يكون بين القاضيين مسافة العدوى. (وشرط القاضي: مسلم) ولو على كافر؛ لأن القصد به فصل الأحكام، والكافر جاهل بها أو متهم على الدين، (مكلف) فلا يولى صبي ومجنون؛ لنقصهما، (حرٌّ) فلا يولى رقيق ولو مبعضًا؛ لنقصه أيضًا، (ذكر) فلا تولى امرأة؛ لنقصها، ولاحتياج القاضي لمخالطة الرجال، وهي مأمورة بالتخدر، والخنثى في ذلك كالمرأة، (عدل) فلا يولى فاسق؛ لعدم الوثوق بقوله، (سميع) فلا يولى أصم

стр. 2259

بَصِيرٌ، نَاطِقٌ، كَافٍ، مُجْتَهِدٌ، وَهُوَ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَمُجْمَلَهُ وَمُبَيَّنَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ وَغَيْرَهُ، وَالْمُتَّصِلَ وَالْمُرْسَلَ، وَحَالَ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا، === لا يسمع أصلًا؛ لأنه لا يفرق بين إقرار وإنكار، (بصير) لأن الأعمى لا يعرف الطالب من المطلوب، وفي معنى الأعمى: من يرى الأشباح ولا يعرف الصور. نعم؛ لو كانت إذا قربت منه عرفها .. صح، فلو كان يبصر نهارًا فقط .. جاز توليته، أو ليلًا فقط .. قال الأَذْرَعي: ينبغي منعه. (ناطق) فلا يصح من الأخرس وإن فهمت إشارته؛ لعجزه عن تنفيذ الأحكام، (كاف) أي: ناهض ذو فطنة؛ فلا يولى مغفل، ومن اختل نظره بكبر ونحوه، (مجتهد) فلا يولى جاهل بالأحكام الشرعية، ولا مقلد، وهو: من حفظ مذهب إمامه، لكنه غير عارف بغوامضه، وقاصر عن تقرير أدلته؛ لأنه لا يصلح للفتوى، فالقضاء أولى. (وهو) أي: المجتهد (أن يعرف من القرآن والسنة ما يتعلق بالأحكام) لا جميعهما، وآي الأحكام خمس مئة آية؛ كما ذكره الماوردي وغيره، قال الغزالي: ولا حاجة لتتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية به بجمع أحاديث الأحكام؛ كسنن أبي داوود، ويكفي أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه إذا احتاج إلى العمل بذلك الباب (١). (وخاصه وعامه) والعام الذي أريد به الخصوص وعكسه، ومقيده ومطلقه، (ومجمله ومبيَّنه، وناسخه ومنسوخه، ومتواتر السُّنة وغيره) وهو الآحاد؛ لأن به يتمكن من الترجيح عند تعارض الأدلة، فيقدم الخاص على العام، والمقيد على المطلق، والمبيّن على المجمل، والناسخ على المنسوخ، والمتواتر على الآحاد. قال ابن برهان: ويشترط أن يعرف أسباب النزول. (والمتصل والمرسل، وحال الرواة قوة وضعفًا) لأن بذلك يتوصل إلى تقرير الأحكام.

стр. 2260

وَلِسَانَ الْعَرَبِ لُغَةً وَنَحْوًا, وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِجْمَاعًا وَاخْتِلَافًا، وَالْقِيَاسَ بِأَنْوَاعِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ جَمْعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَوَلَّى سُلْطَانٌ لَهُ شَوْكَةٌ فَاسِقًا أَوْ مُقَلِّدًا .. نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ، === (ولسان العرب لغة ونحوًا) لأن الشرع ورد بالعربية، وبهذا يعرف عموم اللفظ وخصوصه، وإطلاقه وتقييده، وإجماله وبيانه، فيعرف ما لا بدّ منه من فهم الكتاب والسنة. (وأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم إجماعًا واختلافًا) لئلا يقع في حكم أجمعوا على خلافه. (والقياس بأنواعه) أي: جليِّه وخفيِّه، صحيحه وفاسده، قال القاضي أبو الطيب: ولا يشترط أن يكون في كل نوع من هذه مُبرِزًا حتى يكون في النحو كسيبويه، وفي اللغة كالخليل، بل المعتبر ما يتوصل به إلى معرفة الحكم، وحكاه ابن الصباغ عن الأصحاب، وقال: إن هذا سهل على متعلمه هذا الزمان؛ فإن العلوم دُوِّنت وجمعت. (فإن تعذر جمع هذه الشروط فولّى سلطان له شوكةٌ فاسقًا أو مقلِّدًا .. نفذ قضاؤه للضرورة) كيلا تتعطل مصالح الناس؛ كما ينفذ قضاء قاضي البغاة لمثل هذه الضرورة، كذا قاله في "الوسيط"، واستحسنه الرافعي، وجزم به في "المحرر"، ووافق ابن عبد السلام على ما قاله الغزالي؛ إذ لا بدّ للناس من قضاة، قال: لكن يجب تولية الأمثل فالأمثل (١). وقال ابن الرفعة: كلام صاحب "الكافي" دالّ على تردد فيه إذا كان ثَمّ من يصلح، فإن لم يكن .. فلا وجه إلا لتنفيذ حكمه. وقال ابن الصلاح وابن أبي الدم وابن شداد: لا نعلم أحدًا ذكر ما ذكره الغزالي، والذي قطع به العراقيون والمراوزة: أن الفاسق لا تنفذ أحكامه (٢).

стр. 2261

وَيُنْدَبُ لِلإِمَامِ إِذَا وَلَّى قَاضِيًا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الاسْتِخْلَافِ، فَإِنْ نَهَاهُ .. لَمْ يَسْتَخْلِفْ، فَإِنْ أَطْلَقَ .. اسْتَخْلَفَ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا غَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ. وَشَرْطُ الْمُسْتَخْلَفِ كَالْقَاضِي، إِلَّا أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ - كَسَمَاعِ: بَيِّنَةٍ - فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ أَوِ اجْتِهَادِ مُقَلَّدِهِ إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ خِلَافَهُ === واعترضه الزركشي: بأن الدارمي في "الاستذكار" قد جزم بما قاله الغزالي، ونقله الجاجَرْمي في "الإيضاح" عن الإمام. (ويندب للإمام إذا ولّى قاضيًا أن يأذن له في الاستخلاف) لما فيه من الإعانة على فصل الخصومات، ويتأكد ذلك عند اتساع الخطة. (فإن نهاه .. لم يستخلف) لأنه لم يرض بنظر غيره، فإن كان ما فوض إليه أكثر مما يمكنه القيام به .. فيقتصر على الممكن، ويترك الاستخلاف على الأرجح في "الروضة" (١). (فإن أطلق) التولية ( .. استخلف فيما لا يقدر عليه لا غيره في الأصح) لأن قرينة الحال تقتضي ذلك، والثاني: يستخلف في الكل، كالإمام. نعم؛ لو أمكنه القيام بما تولاه كقضاء بلدة صغيرة .. فليس له الاستخلاف في الأصح؛ لأن الإمام لم يرض بنظر غيره. وظاهر كلامه: أن هذا في توليته القضاء، فلو جعل لرجل التزويج والنظر في أمر اليتامى .. لم يكن له الاستخلاف فيه، وبه صرح القاضي شريح والروياني في (أدب القضاء). (وشرط المستخلف كالقاضي) لأنه قاض (إلا أن يستخلفه في أمر خاص كسماع بينة، فيكفي علمه بما يتعلق به) من شرائط البينة، ولا يشترط فيه رتبة الاجتهاد. (ويحكم) الخليفة (باجتهاده) إن كان مجتهدًا (أو اجتهاد مقلَّده) بفتح اللام (إن كان مقلِّدًا، ولا يجوز أن يشترط عليه خلافه) لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ والحق: ما دل عليه الدليل عند المجتهد، فلا يجوز أن يحكم بغيره، والمقلِّد ملحق بمن يقلده، فلذلك أجرى عليه حكمه، فلو شرط المستخلف على خليفته أن يخالف

стр. 2262

وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ رَجُلًا فِي غَيْرِ حَدٍّ للهِ تَعَالَى .. جَازَ مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: بِشَرْطِ عَدَمِ قَاضٍ بِالْبَلَدِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِمَالٍ دُونَ قِصَاصٍ وَنِكَاحٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إِلَّا عَلَى رَاضٍ بِهِ، فَلَا يَكْفِي رِضَا قَاتِلٍ فِي ضَرْبِ دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ، === اجتهاده أو اجتهاد مقلَّده - بفتح اللام - ويحكم باجتهاد المستخلف .. لم يجز، وهذا كله مبني على جواز استخلاف المخالف في المذهب؛ كالشافعي للحنفي وعكسه، وهو المعروف في المذهب. (ولو حكّم خصمان رجلًا في غير حدٍّ لله تعالى .. جاز مطلقًا بشرط أهلية القضاء) لأنه وقع لجمع من الصحابة ولم ينكره أحد. واحترز بقوله: (في غير حدّ لله تعالى): عن حدوده؛ فلا تحكيم فيها؛ إذ ليس لها طالب معين، وهذا الاستثناء من زياداته على "المحرر" (١)، وبقوله: (بشرط أهلية القضاء): عما إذا كان غير أهل .. فلا ينفذ قطعًا. وقوله: (مطلقًا) أي: سواء كان هناك قاض أم لم يكن، وسواء كان المحكم فيه قصاصًا أم نكاحًا أم غيرهما ممّا سيأتي. (وفي قول: لا يجوز) لما فيه من الافتيات على الإمام، (وقيل: بشرط عدم قاض بالبلد) أي: محل القولين إذا لم يكن في البلد قاض؛ لأنه حال ضرورة حينئذ، فإن كان .. لم يجز، وقيل: محلهما: إذا كان قاض، وإلا .. فيجوز قطعًا. (وقيل: يختص بمال) لأنه أخف (دون قصاص ونكاح ونحوهما) كلعان وحدِّ قذف؛ لخطر أمرها فتناط بنظر القاضي، والأصح: عدم الاختصاص، لأن من صحّ حكمه في المال .. صحّ في غيره؛ كالمولّى من جهة الإمام. (ولا ينفذ حكمه إلا على راض به) في ابتداء التحكيم؛ لأنه المثبت للولاية، فلا بدّ من تقدمه، (فلا يكفي رضا قاتل في ضرب دية على عاقلته) بل لا بدّ من رضا العاقلة؛ لأنهم لا يؤاخذون بإقرار الجاني، فكيف يؤاخذون برضاه؟ !

стр. 2263

فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ .. امْتَنَعَ الْحُكْمُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الرِّضَا بَعْدَ الْحُكْمِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوُ نَصَبَ قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ وَخَصَّ كُلًّا بِمَكَانٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ نَوْعٍ .. جَازَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَخُصَّ فِي الأَصَحِّ، إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْحُكْمِ. === (فإن رجع أحدهما قبل الحكم) ولو بعد إقامة البينة ( .. امتنع الحكم) لعدم استمرار الرضا. (ولا يشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر) كحكم المولّى من جهة الإمام، والثاني: يشترط؛ لأن رضاهما معتبر في الحكم، فكذا في لزومه. (ولو نصب) الإمام (قاضيين ببلد وخص كلًّا بمكان أو زمن أو نوع) كأن جعل أحدهما يحكم في الأموال، والآخر في الدم والفروج ( .. جاز) لعدم المنازعة بينهما، قال ابن كج: وكذا لو ولاهما على أن يحكم كل واحد منهما في الواقعة التي يرفعها المتخاصمان إليه. (وكذا إن لم يخصّ في الأصح) كنصب الوكيلين والوصيين، والثاني: لا يجوز؛ كالإمامة العظمى. وشمل كلامه: ما إذا نص على التعميم في المكان والزمان، وما إذا أطلق من غير شرط اجتماع ولا استقلال، وهو الأصح في "زيادة الروضة" تنزيلًا للمطلق على ما يجوز (١)، وقيل: تبطل التولية عند الإطلاق. (إلا أن يشرط اجتماعهما على الحكم) فلا يجوز قطعًا؛ لاختلاف الاجتهاد في الغالب، والتقليد ممتنع، فيؤدي إلى استمرار الخصومة، والحكم المذكور جارٍ في أكثر من قاضيين بشرط أن يقلّ عددهم، فإن كثر .. لم يصح قطعًا، قاله الماوردي والروياني، ولم يحدا القلة والكثرة بشيء (٢). قال في "المطلب": ويجوز أن يناط ذلك بقدر الحاجة. * * *

стр. 2264

فصلٌ [فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله وما يذكر معه] جُنَّ قَاضٍ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ عَمِيَ، أَوْ ذَهَبَتْ أَهْلِيَّةُ اجْتِهَادِهِ وَضَبْطِهِ بِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ .. لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، وَكَذَا لَوْ فُسِّقَ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ زَالَتْ هَذِهِ الأَحْوَالُ .. لَمْ تَعُدْ وِلَايَتُهُ فِي الأَصَحِّ. وَلِلإِمَامِ عَزْلُ قَاضٍ ظَهَرَ مِنْهُ خَلَلٌ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ وَهُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ وَفِي عَزْلِهِ بِهِ مَصْلَحَةٌ كَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ، وَإِلَّا .. فَلَا، لَكِنْ يَنْفُذُ الْعَزْلُ فِي الأَصَحِّ، === (فصل: جن قاضٍ، أو أغمي عليه، أو عمي، أو ذهبت أهلية اجتهاده وضبطه بغفلة أو نسيان .. لم ينفذ حكمه) لانعزاله بذلك؛ لأن هذه الأمور تمنع ولاية الأب، فالحاكم أولى، وفي معنى العمى: الخرس. (وكذا لو فسّق في الأصح) لوجود المنافي، والثاني: ينفذ؛ كالإمام. قال الزركشي: والوجهان إذا قلنا: إنه لا ينعزل بالفسق، فأما إذا قلنا: ينعزل بالفسق .. لم ينفذ قطعًا، ذكره الإمام في (كتاب النكاح)، وهو حسن صحيح، وبه يزول محذور التكرار في كلام المصنف؛ فإنه ذكر المسألة في (باب الوصية) لكن بالنسبة للانعزال لا لنفوذ الحكم، وكلام الرافعي هنا يوهم اتحادهما. انتهى. (فإن زالت هذه الأحوال .. لم تعُد ولايته في الأصح) إلا بالاستئناف؛ لأنها زالت فلا تعود إلا بولاية جديدة؛ كالوكالة، والثاني: تعود؛ كالأب إذا جن ثم أفاق، أو فسق ثم تاب. (وللإمام عزل قاضٍ ظهر منه خلل) لما فيه من الاحتياط، ويكفي غلبة الظن، ومن الظن: كثرة الشكاوي منه، (أو لم يظهر) خلل (وهناك أفضل منه) تحصيلًا لتلك المزية للمسلمين (أو مثله) أو دونه، (وفي عزله به مصلحة؛ كتسكين فتنة) لما فيه من المصلحة للمسلمين، (وإلا) أي: إذا لم تكن مصلحة ( .. فلا) يجوز عزله به؛ لأنه عنت، وتصرُّف الإمام يصان عنه. (لكن ينفذ العزل في الأصح) لطاعة السلطان، والثاني: لا؛ لأنه لا خلل في الأول ولا مصلحة في عزله، أما إذا لم يكن ثَمّ من يصلح للقضاء غيره .. فإنه ليس له

стр. 2265

وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ خَبَرَ عَزْلِهِ. وَإِذَا كَتَبَ الإِمَامُ إِلَيْهِ: (إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي .. فَأَنْتَ مَعْزُولٌ)، فَقَرَأَهُ .. انْعَزَلَ، وَكَذَا إِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، وَيَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَانْعِزَالِهِ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ كَبَيْعِ مَالِ مَيْتٍ، وَالأَصَحُّ: انْعِزَالُ نَائِبِهِ الْمُطْلَقِ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي اسْتِخْلَافٍ, === عزله، ولو عزله .. لم ينعزل. (والمذهب: أنه لا ينعزل قبل بلوغه خبر عزله) قطعًا؛ لعظم الضرر في نقض أقضيته بعد العزل وقبل بلوغ الخبر، والطريق الثاني: حكاية قولين؛ كالوكيل، وقد تقدم الفرق في (باب الوكالة). (وإذا كتب الإمام إليه: "إذا قرأت كتابي .. فأنت معزول"، فقرأه .. انعزل) لوجود الصفة، وكذا لو طالعه وفهم ما فيه ولم يتلفظ، (وكذا إن قرئ عليه في الأصح) لأن القصد إعلامه بالعزل لا قراءته بنفسه، والثاني: لا ينعزل، وهو المصحح في نظيره من الطلاق. وفرق الأول: بأن اللفظ مرعي في تعليق الطلاق، والمعنى مرعي هنا؛ فإنه لا يقصد في العرف قراءته بنفسه؛ إذ لا معنى له، وإن راعى غير الإعلام .. فهو عابث لا أثر لقصده، كذا حكاه الإمام عن الصَّيْدَلاني واستحسنه (١)، وأوضحه غيره: بأن العادة في الحكام أن تقرأ عليهم المكاتيب، والمقصود إعلامه بالحال، وليس المراد تعليق العزل؛ لأن العزل لا يجوز تعليقه، فلم يبق إلا مجرد العلم بالعزل وهو حاصل بقراءة غيره عليه، وأما الطلاق فيقبل التعليق، وإنما يتحقق وقوعه بوجود الصفة، قال في "المهمات": والصواب: التسوية بين البابين، وعدم الاكتفاء بها (٢). (وينعزل بموته وانعزاله من أُذن له في شغل معين؛ كبيع مال ميت) أو غائب، وسماع شهادة في حادثة معينة؛ كالوكيل. (والأصح: انعزال نائبه المطلق إن لم يؤذن له في استخلاف) لأن الاستخلاف في

стр. 2266

أَوْ قِيلَ: (اسْتَخْلِفْ عَنْ نَفْسِكَ)، أَوْ أَطْلَقَ، فَإِنْ قَالَ: (اسْتَخْلِفْ عَنِّي) .. فَلَا. وَلَا يَنْعَزِلُ قَاضٍ بِمَوْتِ الإِمَامِ، وَلَا نَاظِرُ يَتِيمٍ وَوَقْفٍ بِمَوْتِ قَاضٍ, === هذا لحاجة المعاونة وقد زالت ولايته، فبطلت المعاونة، (أو قيل: ) له (١) ("استخلف عن نفسك"، أو أطلق) لظهور غرض المعاونة، وبطلانها ببطلان ولايته؛ (فإن قال: "استخلف عني" .. فلا) لأنه نائب عن الإمام، والأول سفير في التولية. وإلحاقُه الإطلاق بكونه نائبًا عن الثاني حتى ينعزل .. خالفه في نظيره من الوكالة؛ فجعل الصحيح: أنه يكون نائبًا عن الأول، وقد تقدم الفرق هناك (٢). ومقابل الأصح في كلام المصنف أوجه: أحدها: ينعزل مطلقًا؛ كالوكيل بموت الموكل، والثاني: لا مطلقًا؛ رعاية لمصلحة الناس، والثالث: إن كان الميت قاضي القضاة .. لم ينعزل نوابه، وإن كان قاضي ناحية .. انعزلوا لقلة الضرر، قاله الماوردي (٣). (ولا ينعزل قاض بموت الإمام) ولا بانعزاله؛ لشدة الضرر في تعطيل الحوادث، وكذا لا ينعزل الولاة بذلك أيضًا. وفرّق الماوردي بين عزل خليفة القاضي بموته، وبين عدم عزل القاضي بعزل الإمام؛ فإن الإمام يستنيب القضاة في حقوق المسلمين، فلم ينعزلوا بموته قال: وعلى هذا الفرق يجوز للقاضي عزل خليفته بغير موجب، ولا يجوز للإمام عزل القاضي بغير موجب (٤). (ولا ناظرُ يتيم ووقف بموت قاض) نصبهم، وكذا بانعزاله؛ كيلا تختل المصالح؛ كالمتولي من جهة الواقف.

стр. 2267

وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ انْعِزَالِهِ: (حَكَمْتُ بكَذَا)، فَإِنْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ بِحُكْمِهِ .. لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ جَائِزِ الْحُكْمِ .. قُبلَتْ فِي الأَصَحِّ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ قَبْلَ عَزْلِهِ: (حَكَمْتُ بِكَذَا)، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ .. فَكَمَعْزُولٍ. وَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى مَعْزُولٍ أَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ بِرَشْوَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَبْدَيْنِ مَثَلًا .. أُحْضِرَ وَفُصِلَتْ خُصُومَتُهُمَا، وَإِنْ قَالَ: (حَكَمَ بِعَبْدَيْنِ)، وَلَمْ يَذْكُرْ مَالًا .. أُحْضِرَ، === (ولا يقبل قوله بعد انعزاله: "حكمت بكذا") لأنه لا يملك إنشاء الحكم حينئذ، فلا يملك الإقرار به. (فإن شهد مع آخر بحكمه .. لم يقبل على الصحيح) لأنه يشهد على فعل نفسه، والثاني: يقبل؛ كما لو شهدت المرضعة أنها أرضعت ولم تطلب أجرة. وفرق الأول: بأن فعل الحكم مقصود، وفعل المرضعة لا اعتبار به، وإنما المعتبر وصول اللبن الجوف. (أو بحكم حاكم جائز الحكم .. قبلت في الأصح) كما لو شهدت المرضعة برضاع محرم ولم تذكر فطمها، والثاني: المنع؛ لأنه قد يريد نفسه فيجب البيان؛ ليزول اللبس. (ويقبل قوله قبل عزله: "حكمت بكذا") لقدرته على الإنشاء إذن، حتى لو قال على سبيل الحكم: (نساء هذه القرية طوالق من أزواجهن) .. قبل بلا حجة. (فإن كان في غير محل ولايته .. فكمعزول) لأنه ليس له إنشاء الحكم ثَمّ، فلا يقبل إقراره به. (ولو ادعى شخص على معزول أنه أخذ ماله برشوة أو شهادة عبدين مثلًا) وأعطاه لفلان، ومعتقده أنه لا تجوز شهادتهما ( .. أحضر وفصلت خصومتهما) لأنه يتعذر إثبات ذلك دون إحضاره، فوجب قياسًا على ما إذا ادّعى عليه غصبًا، وله أن يوكل ولا يحضر، قاله في "المطلب". (وإن قال: "حكم بعبدين") أو فاسقين، وقال ابن الرفعة: أي: وهو يعلم ذلك، وأنه لا يجوز، وأنا أطالبه بالغرم (١)، (ولم يذكر مالًا .. أحضر) ليجيب عن

стр. 2268

وَقِيلَ: لَا حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ، فَإِنْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ .. صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: بِيَمِينٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ ادُّعِيَ عَلَى قَاضٍ جَوْرٌ فِي حُكْمِهِ .. لَمْ تُسْمَعْ، وَتُشْتَرَطُ بَيِّنَةٌ، === دعواه؛ كما لو قال: (غصب مني مالًا)، (وقيل: لا حتى تقوم بيِّنةٌ بدعواه) لأنه كان أمين الشرع، والظاهر من أحكام القضاة: جريانها على الصحة؛ فلا يعدل عن الظاهر إلا ببينة؛ صيانة لولاة المسلمين عن البذلة. وفارق مسألة الرشوة ونحوها؛ فإنه يسهل على المدعي إقامة البينة على الحكم؛ لأنه يقع ظاهرًا، بخلاف أخذ المال، وهذا أصح عند البغوي، قال في "المحرر": ورجحه مرجحون (١). والمراد: أن المدعي يحضر البينة ليعرف القاضي أن لدعواه صحة، ثم يحضر المعزول فيدعي عليه، وتشهد البينة في وجهه لا أنها تشهد في غيبته. (فإن حضر) بعد البينة أو من غير بينة (وأنكر) أي: قال: لم أحكم عليه أصلًا، أو قال: لم أحكم عليه إلا بشهادة حرين عدلين ( .. صدق بلا يمين) واستحسنه في "الشرح الكبير" ورجحه في "الصغير" (٢)، واختاره السبكي. وقال البُلْقيني: إنه المعتمد؛ صيانة له عن التحليف والابتذال بالمنازعات الباطلة. وقال الزركشي: إنه الصواب، فقد نص الشافعي عليه قال: وهذا فيمن عزل مع بقاء أهليته، فأمّا من ظهر فسقه وجوره وعلمت خيانته .. فالظاهر: أنه يحلف قطعًا. (قلت: الأصح: بيمين، والله أعلم) لأن أقصى درجات المعزول أن يكون مؤتمنًا، والمؤتمن كالمودع يحلف، ولم يفصح في "الروضة" هنا بترجيح، ورجح في "أصلها" في الباب الثالث من (كتاب الدعاوى): الأول (٣). (ولو ادُّعي على قاض) حال ولايته (جورٌ في حكمه .. لم تسمع، وتشترط بينة)

стр. 2269

وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بحُكْمِهِ .. حَكَمَ بَيْنَهُمَا خَلِيفَتُهُ أَوْ غَيْرُهُ. فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها] لِيَكْتُبِ الإِمَامُ لِمَنْ يُوَلِّيهِ، وَيُشْهِدْ بِالْكِتَابِ شَاهِدَيْنِ يَخْرُجَانِ مَعَهُ إِلَى الْبَلَدِ يُخْبِرَانِ بِالْحَالِ، === ولا يحلف، وكذا لو ادعى على شاهد أنه شهد بالزور وأراد تغريمه؛ لأنهما أمينان شرعًا، ولو فتح باب تحليفهما .. لاشتد الأمر، ورغب الناس عن القضاء والشهادة، وقيل: يحلفان؛ كسائر الأمناء. واشتراط المصنف البينة ينافي جزمه أولًا بعدم سماع الدعوى، وعبارة "الروضة" و"أصلها": لم يمكّن، ولا يحلف القاضي ولا تغني إلا البينة (١). والظاهر: أن مراد المصنف: أنه لا تسمع الدعوى إلا إذا كان هناك بينة؛ كما تقدم في القاضي المعزول. (وإن لم يتعلق) دعوى الجور (بحكمه) بل ادعى عليه حقًّا يتعلق بنفسه ( .. حكم بينهما خليفته أو غيره) كآحاد الرعايا. قال السبكي: هذا إذا كانت الدعوى مما لا يقدح فيه، ولا يوجب عزله، فإن كانت بقادح .. فالقطع بأنها لا تسمع ولا يحلف، ولا طريق حينئذ إلا البينة، ويخالف سماع الدعوى على المعزول بالغصب والإتلاف؛ لأن المتولي نائب الشرع، والمعزول بخلافه. * * * (فصل: ليكتب الإمام لمن يوليه) ما فوضه إليه ندبًا؛ لأنه ﷺ كتب لعمرو بن حزم، ولم يكتب لمعاذ (٢)، ويكتب فيه ما يحتاج القاضي إلى القيام به، ويعظه فيه. (ويشهد بالكتاب شاهدين يخرجان معه إلى البلد) ولو قرب (يخبران بالحال) عن

стр. 2270

وَتَكْفِي الاسْتِفَاضَةُ فِي الأَصَحِّ، لَا مُجَرَّدُ كِتَابٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَبْحَثُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ عُلَمَاءِ الْبَلَدِ وَعُدُولِهِ، وَيَدْخُلُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَيَنْزِلُ وَسَطَ الْبَلَدِ، وَيَنْظُرُ أَوَّلًا فِي أَهْلِ الْحَبْسِ - فَمَنْ قَالَ: (حُبِسْتُ بِحَقٍّ) .. أَدَامَهُ، أَوْ ظُلْمًا .. فَعَلَى خَصْمِهِ حُجَّةٌ، === مشاهدة التولية حتى يلزم أهل البلد قضاؤه؛ إذ لا يمكن قبول مجرد دعواه، (وتكفي الاستفاضة) إذا لم يشهد ولا كتب (في الأصح) لحصول المقصود، والثاني: المنع؛ لأن التولية عقد، والعقود لا تثبت بالاستفاضة؛ كالإجارة والوكالة. ومحل الخلاف: في البلد القريب، ومنهم من أطلقه؛ كما هو ظاهر إيراد المصنف، قال الرافعي: ويشبه ألّا يكون في هذا خلاف، ويكون التعويل على الاستفاضة (١). (لا مجرَّد كتاب على المذهب) لاحتمال التزوير، وقيل: وجهان، ووجه القبول: بُعْدُ الجرأة في مثل ذلك على الإمام. (ويبحث القاضي عن حال علماء البلد وعدوله) قبل دخوله؛ ليعاملهم إذا دخل بما يليق بهم، فإن تعسر .. فبعد دخوله. (ويدخل يوم الاثنين) لأنه ﵊ دخل المدينة يوم الاثنين (٢)، فإن فاته .. فالخميس، وإلا .. فالسبت. (وينزل وسط البلد) ليتساوى الناس كلهم في القرب منه (وينظر أولًا في أهل الحبس) لأن الحبس عذاب، فينظر هل يستحقونه أم لا؟ والتقديم مستحب؛ كما صرح به الرافعي في آخر (الآداب)، ونقل ابن الرفعة عن الإمام: أنه واجب. (فمن قال: "حبست بحق" .. أدامه) إن لم يؤد ما عليه ولم يثبت إعساره؛ لأنه الحق. نعم؛ إن كان حبسه لتعزير ورأى إطلاقه .. فله ذلك. (أو ظلمًا .. فعلى خصمه حجة) إن كان حاضرًا، والقول قول المحبوس بيمينه، فإن لم يقمها .. أطلقه، ونازع البُلْقيني في هذا؛ فإن الظاهر: أن حبس الحاكم

стр. 2271

فَإِنْ كَانَ غَائِبًا .. كَتَبَ إِلَيْهِ لِيَحْضُرَ - ثُمَّ الأَوْصِيَاءِ، فَمَنِ ادَّعَى وِصَايَةً .. سَأَلَ عَنْهَا وَعَنْ حَالِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَمَنْ وَجَدَهُ فَاسِقًا .. أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ، أَوْ ضَعِيفًا .. عَضَدَهُ بِمُعِينٍ، === بحق، فالمحبوس حينئذ هو المدعي، وخصمه هو المدعى عليه، فالقول: قول خصمه بيمينه، ولا يكلف حجة؛ لأن معه حجة سابقة، وهي حبس الحاكم له، وبسط ذلك. (فإن كان) خصمه (غائبًا) عن البلد ( .. كتب إليه ليحضر) لفصل الخصومة بينهما، فإن لم يحضر .. أطلق، واستشكله البُلْقيني بنحو ما تقدم. ويكفي الخصم إقامة بينة بإثبات الحق الذي حبسه به، أو بأن القاضي المعزول حكم عليه بذلك. (ثم الأوصياء) على الأطفال والمجانين، وكل من كان على مال عام كصدقة؛ لأنهم يتصرفون في حق من لا يملك المطالبة بماله، فكان تقديمهم أولى. (فمن ادعى وصاية .. سأل عنها) أي: عن ثبوتها؛ إما بتنفيذ من قبله، أو بقيام بينة بها عنده، (وعن حاله وتصرفه؛ فمن وجده فاسقًا .. أخذ المال منه) وجوبًا، ووضعه عند غيره من الأمناء. وكلامه يفهم: أنه لا يأخذه منه إذا شك في عدالته، وهو أحد وجهين في "الروضة" و"أصلها" بلا ترجيح (١)، قال في "التوشيح": والأرجح [في النظر - وهو ما كنت أشاهده من صنع الشيخ الإمام -: الانتزاع، ورجحه البُلْقيني، لكن قال الأَذْرَعي: إن عدم الانتزاع أقرب إلى كلام الشيخين، وهو ظاهر كلام الجمهور. قال البُلْقيني: ومحل الوجهين: ما إذا لم تثبت عدالته عند الأوّل، فإن ثبتت وأطلق تصرفه .. لم يكن للمتولي التعرض إليه مع الشك جزمًا] (٢). (أو ضعيفًا) عن القيام بها؛ لكثرة المال أو غيره مع كونه أمينًا ( .. عضده بمعين) ولا يرفع يده، ومن وجده أهلًا أقرّه. ثم بعد الأوصياء ينظر في أمناء القاضي المنصوبين من جهة القاضي قبله، والحكم

стр. 2272

وَيَتَّخِذُ مُزَكِّيًا وَكَاتِبًا، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا، عَدْلًا، عَارِفًا بِكِتَابَةِ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، وَيُسْتَحَبُّ فِقْهٌ، وَوُفُورُ عَقْلٍ، وَجَودَةُ خَطٍّ، وَمُتَرْجِمًا. وَشَرْطُهُ: عَدَالَةٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَدٌ، === فيهم ما ذكرناه في الأوصياء، لكن له أن يعزل من شاء منهم ويولي غيره، بخلاف الأوصياء؛ لأن الأمين مولى من جهة القاضي، بخلاف الوصي. ثم ينظر في الأوقاف العامة والمتولين لها، وفي اللقطة والضوال، ويرتب الحكم عليها، ويقدم الأهمّ فالأهمّ. (ويتخذ مُزكّيًا) لشدة الحاجة إليه؛ فإنه يعرف حال من يجهل عدالته من الشهود؛ لأنه لا يمكنه البحث بنفسه، وصفته يأتي بيانها آخر الباب. (وكاتبًا) لتوقع الحاجة إليه؛ لأنه مشغول بالحكم والاجتهاد، واشتغاله بالكتابة يقطعه عن ذلك. (ويشترط كونه مسلمًا عدلًا) لتؤمن خيانته؛ إذ قد يغفل القاضي عند قراءة ما يكتبه أو يقرؤه، وتشترط حريته وذكورته (عارفًا بكتابة محاضر وسجلات) لأنه إذا لم يعرف ذلك .. أفسد ما يكتبه. (ويستحب فقهٌ) فيما يتعلق بالمحاضر ونحوها؛ لئلا يؤتى من الجهل، (ووفور عقل) لئلا يخدع ويدلس عليه، (وجودة خط) أي: يكون خطه حسنًا واضحًا مع ضبط الحروف وترتيبها - فلا يترك فسحة يمكن إلحاق شيء فيها - وتفصيلها؛ فلا يكتب سبعة مثل تسعة، ولا ثلاث مثل ثلاثين؛ لئلا يقع الغلط والاشتباه. (ومترجمًا) لأن القاضي قد لا يعرف لسان بعض الخصوم والشهود، فلا بدّ ممن يطلعه عليه، قال المنكت: كذا أطلقوه، ولم يظهر لي اتخاذه على أي لغة، فإن اللغات لا تكاد تنحصر، ويبعد أن الشخص الواحد يحيط بجميعها، وأبعد منه أن يتخذ من كل لغة اثنين لعظم المشقة، فالأقرب: أن يتخذ من التي يغلب وجودها في عمله، وفيه عسر أيضًا. (وشرطه: عدالة، وحرية، وعدد) وهو رجلان، أو رجل وامرأتان إن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين، وقيل: يعتبر في ترجمة الزنا أربعة؛ لأنه ينقل إلى القاضي

стр. 2273

وَالأَصحُّ: جَوَازُ أَعْمَى، وَاشْتِرَاطُ عَدَدٍ فِي إِسْمَاعِ قَاضٍ بِهِ صَمَمٌ. وَيَتَّخِذُ دِرَّةً لِلتَّأْدِيبِ، وَسِجْنًا لِأدَاءِ حَقٍّ وَتَعْزِيرٍ، وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ مَجْلِسِهِ فَسِيحًا، بَارِزًا، مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرٍّ وَبَرْدٍ، لَائِقًا بِالْوَقْتِ وَالْقَضَاءِ، === قولًا لا يعرفه، فصارت شهادة بإقرار، فجرى عليها حكم الشهادات. (والأصح: جواز أعمى)؛ لأن الترجمة تفسير اللفظ، فلا يحتاج إلى معاينة وإشارة، بخلاف الشهادة، فعلى هذا: يكلف القاضي من حضر السكوت حتى لا يتكلم غير الخصم، والثاني: لا؛ كالشاهد. (واشتراط عدد في إسماع قاض به صمم) كالمترجم، والثاني: لا يشترط؛ لأن المسمع لو غيّر .. أنكر عليه الخصم والحاضرون، بخلاف المترجم، وهذا في إسماع كلام الخصم للقاضي، فأما إسماع ما يقوله القاضي وما يقوله الخصم .. فلا يشترط فيه العدد؛ لأنه إخبار محض، قاله القفال، وأقرّاه (١). (ويتخذ دِرّة للتأديب، وسجنًا لأداء حق وتعزير) اقتداء بالفاروق ﵁ قال الشعبي: وكانت درة عمر ﵁ أهيب من سيف الحجاج. قال الدميري: وفي حفظي من شيخنا أنها كانت من نعل رسول الله ﷺ ، وأنه ما ضرب بها أحدًا من ذنب، وعاد إليه (٢)، وفي "أدب القضاء" للقاضي شريح وجهان في تقييد المحبوس إذا كان لجوجًا. (ويستحب كون مجلسه فسيحًا) أي: واسعًا؛ كيلا يتأذى بضيقه الخصوم (بارزًا) أي: ظاهرًا؛ ليعرفه من يريده من مستوطن وغريب، وفسره الرافعي: بما لا يكون دونه حجاب، قال في "الروضة": ويكره اتخاذ الحاجب إذا كان ثم زحمة، ولا يكره في أوقات الخلوة على الصحيح (٣). (مصونًا من أذى حرٍّ وبرد) وريح وغبار ودخان؛ كيلا يتأذى به (لائقًا بالوقت) فيجلس في الشتاء في كنّ، وفي الصيف في فضاء، (والقضاء) هذه من زياداته على

стр. 2274

لَا مَسْجِدًا، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي حَالِ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَشِبَعٍ مُفْرِطَيْنِ، وَكُلِّ حَالٍ يَسُوءُ خُلُقُهُ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُشَاوِرَ الْفُقَهَاءَ، === "المحرر"، وكأن المراد به: ما نقلاه عن ابن حربويه وغيره أنه يستحب جلوسه بمرتفع كدكة ونحوها (١)، ويوضع له فراش ووسادة؛ ليعرفه كل داخل، ويكون أهيب عند الخصوم، وصرح به الماوردي أيضًا قال: ويفعله وإن كان موصوفًا بالزهد والتواضع؛ للحاجة إلى قوة الرهبة والهيبة (٢)، ونص عليه الرافعي؛ كما قاله في "المرشد". (لا مسجدًا) فإنه يكره اتخاذه مجلسًا للحكم؛ صونًا له عن ارتفاع الأصوات واللغط، وقيل: لا يكره، وبه قال الأئمة الثلاثة؛ كما لا يكره الجلوس فيه للفتوى وتعلم القرآن والعلم، وموضع الكراهة: اتخاذه لذلك، فلو اتفقت قضية أو قضايا وهو في المسجد .. فلا بأس بفصلها، وعلى ذلك حمل ماجاء عنه ﷺ ، وعن خلفائه في القضاء في المسجد. (ويكره أن يقضي في حال غضب، وجوع، وشبع مفرطين [وكل حال يسوء خلقه]) (٣) كالمرض ومدافعة الأخبثين، وشدة الحزن أو السرور؛ لصحة النهي عنه في الغضب (٤)، وقيس الباقي عليه؛ لأن فهمه وفكره يختلّ بذلك، فلو قضى .. نفذ حكمه. (ويندب أن يشاور الفقهاء) لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال الحسن البصري: كان ﵇ مستغنيًا عنها، ولكن أراد أن تصير سنة للحكام. والمراد بـ (الفقهاء) كما قاله جمع من الأصحاب: الذين يجوز لهم الإفتاء، قال الماوردي: لا فاسقًا، وفي جواز مباحثته وجهان، وإذا أشكل الحكم .. تكون المشاورة واجبة، وإلا فمستحبة، قاله القاضي الحسين (٥).

стр. 2275

وَأَلَّا يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ، فَإِنْ أَهْدَى إِلَيْهِ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ أَوْ لَمْ يُهْدِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ .. حَرُمَ قَبُولُهَا، وَإِنْ كَانَ يُهْدِي وَلَا خُصُومَةَ .. جَازَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ، === (وألّا يشتري ويبيع بنفسه) في عمله بل يكره؛ لئلا يُحابى، (ولا يكون له وكيلٌ معروف) كيلا يُحابى أيضًا، والإجارة وسائر المعاملات كالبيع والشراء، بل نص في "الأم": على أنه لا ينظر في نفقة عياله ولا أمر ضيعته، بل يكله إلى غيره تفريغًا لقلبه (١). (فإن أهدى إليه من له خصومة، أو لم يهد قبل ولايته) ولا خصومة له ( .. حرم قبولها) لأنه في الأولى يميل إليه، وينكسر به قلب خصمه، وأما في الثانية .. فلأن سبب الهدية الولاية، وقد صرّحت الأحاديث بتحريم هدايا العمال (٢)، فلو قبلها .. لم يملكها، ومتى كانت الهدية لأجل الحكم له بغير حق أو ليمتنع من الحكم عليه بالحق .. فهي رشوة محرمة إجماعًا. ومثله: لو بذل له مالًا ليحكم له بحق ولولا البذل لما قضى له به .. قال الأَذْرَعي: ولا أعرف في تحريم هذا خلافًا، ولا شك فيه، ولكنه أقل مأثمًا من الضرب الأول. وسواء في الهدية كان المهدي من أهل عمل القاضي أو من غيره وقد حملها إليه؛ لأنه صار في عمله؛ فلو جهزها مع رسول وليس له محاكمة .. ففي جواز قبولها وجهان، ولو كان القاضي في غير عمله .. لم يحرم عليه أخذ الهدية، سواء كان المهدي من أهل عمله أم لا إلا أن يستشعر القاضي أنها مقدمة خصومة فتحرم. (وإن كان يُهدي ولا خصومة .. جاز بقدر العادة) لخروج ذلك عن سبب الولاية، فانتفت التهمة. وقوله: (بقدر العادة) من زياداته على "المحرر" من غير تمييز، واحترز به: عمّا إذا زاد .. فإنه يحرم؛ لأن الزيادة حدثت بالولاية، وقضيته: اختصاص التحريم بالقدر الزائد، لكن قول "الروضة" و"أصلها": (فإن زاد المهدي على قدر

стр. 2276

وَالأَوْلى أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا. وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَرَقِيقِهِ وَشَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ، وَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَحْكُمُ لَهُ وَلِهَؤُلَاءِ الإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ، وَكَذَا نَائِبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نَكَلَ، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ عِنْدَهُ أَوْ يَمِينِهِ أَوِ الْحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ وَالإِشْهَادَ بِهِ .. لَزِمَهُ، === المعهود .. صارت هديته كهدية من لم تعهد منه الهدية) (١) .. يقتضي تحريم الكل، قال البُلْقيني: والمعتمد: اختصاص التحريم بالزيادة إن تميزت، وإلا .. حرم الكل. (والأولى: أن يثيب عليها) أو يضعها في بيت المال؛ لأنه ﵊ كان يقبل الهدية ويثيب عليها (٢). والأولى: سد باب القبول؛ حسمًا للباب، قال الماوردي: ونزول القاضي على أهل عمله ضيفًا كقبول هديتهم (٣). وهل للقاضي تخصيص بعض رعاياه بإنفاذ هدية له؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي شريح في "أدب القضاء". (ولا ينفذ حكمه لنفسه ورقيقه وشريكه في المشترك) للتهمة. نعم؛ له تعزير من أساء الأدب عليه فيما يتعلق بأحكامه كقوله: (حكمت عليّ بالجور)، ونحو ذلك. (وكذا أصله وفرعه على الصحيح) لأنهم أبعاضه، فأشبه قضاءه لنفسه، والثاني: ينفذ؛ لأن القاضي أسير البينة، فلا يظهر فيه تهمة، بخلاف الشهادة فإنها تتعلق بالشاهد خاصة، ولا ينفذ حكمه لهما بعلمه قطعًا، وله أن يحكم عليهما قطعًا؛ لانتفاء التهمة. (ويحكم له) أي: للقاضي (ولهؤلاء الإمام أو قاضٍ آخر) أجنبي مستقل؛ لانتفاء التهمة، (وكذا نائبه على الصحيح) كبقية الحكام، والثاني: لا؛ للتهمة. (وإذا أقرّ المُدَّعى عليه أو نكل، فحلف المدعي وسأل القاضي أن يشهد على إقراره عنده أو يمينه أو الحكم بما ثبت والإشهاد به .. لزمه) سواء قلنا: يقضي بعلمه أم لا؛

стр. 2277

أَوْ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، أَوْ سِجِلًّا بمَا حَكَمَ .. اسْتُحِبَّ إِجَابَتُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَهُ، وَالأُخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ. وَإِذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ بَانَ خِلَافَ نَصِّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِجْمَاعِ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ .. نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، === لأنه إن منع .. فقد ينكر الخصم، وإن جوّز .. فقد ينسى أو يعزل فيضيع الحق. (أو أن يكتب له محضرًا بما جرى من غير حكم، أو سجلًّا بما حكم .. استحب إجابته) لأنه مذكر، وإنما لم يجب؛ لأن الحق يثبت بالشهود لا بالكتاب، (وقيل: يجب) إذا أحضر له الطالب القرطاس، أو كان له من بيت المال توثقًا لحقه؛ كالإشهاد. والفرق بين المحضر والسجل - كما أشار إليه المصنف -: أن المحضر هو: ما فيه ذكر ما جرى من غير حكم، والسجل: ما اشتمل على الحكم. (ويستحب نسختان: إحداهما له، والأخرى تحفظ في ديوان الحكم) وإن لم يطلب الخصم ذلك؛ لأنه طريق للتذكر؛ إذ لا يؤمن ضياع ما يأخذها الخصم، ويختم النسخة التي بديوان الحكم، ويكتب على رأسها اسم الخصمين، ويضعها في حرز له، وما يجتمع منها .. يضم بعضه إلى بعض، ويكتب عليها: محاضر كذا من شهر كذا من سنة كذا. (وإذا حكم باجتهاد) وهو من أهله (ثم بان خلاف نص الكتاب أو السنة) سواء متواترها وآحادها، (أو الإجماع أو قياس جليّ .. نقضه هو وغيره) أما النقض بمخالفة الإجماع .. فبالإجماع، والباقي: في معناه. و(القياس الجلي) هو: الذي يعرف به موافقة الفرع الأصل؛ بحيث ينتفي احتمال مفارقتهما أو يبعد؛ كالتحاق الضرب بالتأفيف، وما فوق الذّرَّة والنقير بهما. قال الزركشي: وفي معنى قوله: (باجتهاده) ما إذا كان مقلدًا أو حكم بخلاف نص إمامه مقلِّدًا لوجه ضعيف .. فإنهم جعلوا نص إمامه بالنسبة إليه كنص الشارع بالنسبة إلى المجتهد؛ كما قاله في "الروضة" في الكلام على الفتوى (١)، ويجب

стр. 2278

لَا خَفِيٍّ، وَالْقَضَاءُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، === نقضه، ولا شك في نقض ما صدر من مقلِّد غير متبحِّر، بخلاف المعتمد عند أهل المذهب، وفي نقض ما صدر ممن لا يصلح للقضاء وإن وافق المعتمد. قال ابن الرفعة: والمعنى بنقض الحكم - كما قاله الإمام -: التبيُّن، وإلا .. فليس القضاء أمر يعقد ويحل، وتابعه الشيخ عز الدين فقال: قولهم: (ينقض) فيه مسامحة، وإنما الحقيقة أن هذا الحكم لم يصح من أصله. (لا خفيّ) وهو ما لا يزيل احتمال المفارقة ولا يبعد؛ كقياس الشبه، وهو أن تشبه الحادثة أصلين فيلتحق بأشبههما، فإذا بان له الخطأ بقياس خفي لكنه أرجح مما حكم به .. عمل به فيما يستقبل، ولا ينقض ما حكم به أولًا؛ لأن الظنون المتعادلة لو نقض بعضها بعضًا .. لما استمر حكم، ولشق الأمر على الناس، ومشهور عن عمر ﵁: أنه حكم بحرمان الأخ من الأبوين في المشركة، ثم شرك بعد ذلك ولم ينقض قضاءه الأول، وقال: (ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي) (١). (والقضاء ينفذ ظاهرًا لا باطنًا) قضاء القاضي قسمان: أحدهما: ما ليس بإنشاء، وإنما هو تنفيذ لما قامت به الحجة، وهذا مراد المصنف، فينفذ ظاهرًا لا باطنًا، حتى لو حكم بشهادة الزور .. لم يُفِد حكمُه الحلّ باطنًا، سواء فيه المال والنكاح وغيرهما؛ لقوله ﵊: "فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ فِي حَقِّ أَخِيهِ بِشَيءٍ .. فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَة مِنَ النّارِ" متفق عليه (٢). الثاني: الإنشاء؛ كالتفريق بين المتلاعنين، وفسخ النكاح بالعيب، والتسليط على الأخذ بالشفعة، فإن ترتب على أصل كاذب؛ كشهادة زور .. فكالأول، أو صادق؛ فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين .. نفذ باطنًا، وإن كان مختلفًا فيه؛ كالحكم بشفعة الجوار، وتوريث ذوي الأرحام .. نفذ ظاهرًا، وفي الباطن: أوجه: ثالثها: إن اعتقد الخصم حلّه .. نفذ، وإلا .. فلا، ولم يصرحا هنا بترجيح، وفي

стр. 2279

وَلَا يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِالإِجْمَاعِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ إِلَّا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى === "المهمات" هنا وفي (الشفعة) أن الصحيح: نفوذه ظاهرًا وباطنًا مطلقًا، وبسط ذلك (١). (ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع) لأنه لو حكم به .. لكان قاطعًا ببطلان حكمه، والحكم بالباطل محرم، واعترض دعوى الإجماع بوجه حكاه الماوردي ومن تبعه أنه يحكم بالشهادة المخالفة لعلمه، لأنها هي المعتبرة في حكمه دون علمه (٢). (والأظهر: أنه يقضي بعلمه) لأنه يقضي بشاهدين، وهو لا يفيد إلا الظن، فالقضاء بالعلم أولى، والثاني: لا، للتهمة، ورد: بأنه لو قال: (ثبت عندي)، و (صح لدي كذا) .. قُبِل: قطعًا مع احتمال التهمة. قال الماوردي: ولا بدّ أن يقول للمنكر: قد علمت أن له عليك ما ادعاه، وحكمت عليك بعلمي، فإن ترك أحد هذين .. لم ينفذ، واستغربه ابن أبي الدم. وشرط الشيخ عز الدين في "القواعد": كون الحاكم ظاهر التقوى والورع (٣). وشمل إطلاق المصنف الخلاف جريانه في الجرح والتعديل، وهي طريقة ضعيفة، والمشهور: القطع بأنه يقضي فيه بعلمه، وقد جزم به المصنف في الفصل الآتي. والمراد بـ (العلم): غلبة الظن؛ كما قاله الرافعي؛ إذ يقضي في الجرح والتعديل بعلمه مع أن العدالة لا تتيقن، لكن صرح الإمام: بأن المراد: اليقين، وتبعه الغزالي (٤)، قال ابن الرفعة: وهو قضية كلام "التنبيه". وإذا قلنا: يقضي بعلمه .. فذلك في المال قطعًا، وكذا في القصاص وحد القذف على الأظهر. (إلا في حدود الله تعالى) لأنها تدرأ بالشبهات، ويندب سترها.

стр. 2280

وَلَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيهَا حُكْمُهُ أَوْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّكَ حَكَمْتَ أَوْ شَهِدْتَ بِهَذَا .. لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ فِي وَرَقَةٍ مَصُونَةٍ عِنْدَهُمَا، وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ حَقٍّ أَوْ أَدَائِهِ اعْتِمَادًا عَلَى خَطِّ مُوَرِّثِهِ إِذَا وَثِقَ بِخَطِّهِ وَأَمَانَتِهِ، وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِخَطٍّ مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ === (ولو رأى ورقة فيها حكمه أو شهادته، أو شهد شاهدان أنك حكمت أو شهدت بهذا .. لم يعمل به) القاضي (ولم يشهد) به الشاهد (حتى يتذكر) لإمكان التزوير، وتشابه الخطوط في الحالة الأولى، وأما الثانية .. فلأن القاعدة: أنه إذا أمكن اليقين .. لا يعتمد الظن. (وفيهما وجه في ورقة مصونة عندهما) لتعذر التحريف، والأصح: الأول؛ لاحتماله. (وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادًا على خط مُوَرِّثه إذا وثق بخطه وأمانته) والفرق بينه وبين القضاء والشهادة: أن خطرهما عام ويمكن فيهما التذكر، بخلاف خط مورثه. وقد يوهم المنع في الحلف على خط نفسه، وهو ما نقلاه عن "الشامل" (١)؛ لأنه يمكنه التذكر في خط نفسه، بخلاف مورثه، لكن سوى بينهما في "الكتاب" في (باب الدعاوى) فقال: يجوز البت بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه، وكذا ذكراه في "الشرح" و"الروضة" هناك (٢). (والصحيح: جواز رواية الحديث بخطٍّ محفوظٍ عنده) وإن لم يتذكره؛ لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، وباب الرواية أوسع من الشهادة، وسواء كان بخطه أو خط غيره، والثاني: المنع، إلّا أن يتذكر كالشهادة. وأفهم: أنه لو لم يكن الخط محفوظًا عنده .. يمتنع قطعًا، لكن في "أصل الروضة": لو كتب إليه الشيخ بالإجازة وعرف خطه .. جاز له أن يروي عنه تفريعًا
следующие страницы →