وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَعْيِينهِمَا بِقُرْعَةٍ، فَإنِ اخْتَارَ غَرِيبًا ظَنَّهُ رَامِيًا فَبَانَ خِلَافُهُ .. بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَسَقَطَ مِنَ الْحِزْبِ الآخَرِ وَاحِدٌ، وَفِي بُطْلَانِ الْبَاقِي قَوْلا تفرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا .. فَلَهُمْ جَمِيعًا الْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازُوا وَتنَازَعُوا فِيمَنْ يَسْقُطُ بَدَلُهُ .. فُسِخَ الْعَقْدُ. وَإِذَا نَضَلَ حِزْبٌ .. قُسِمَ الْمَالُ بِحَسَبِ الإِصَابَةِ، وَقِيلَ: بِالسَّوِيَّةِ،
===
أربعة أربعة .. فربع صحيح كالأربعين، وأن يعينا الأصحاب قبل العقد، ويختارا واحدًا بواحد، وهكذا حتى يتم العدد، ولا يجوز أن يختار واحد جميع حزبه أولًا؛ لئلا يأخذ الحذاق.
ويشترط: تساوي عدد الحزبين خلافًا للإمام، فإنه اكتفى بعدد الرمي، فيرمي واحد سهمين في مقابلة اثنين (١).
(ولا يجوز شرط تعيينهما) أي: الأصحاب (بقرعة) لأنها قد تجمع الحذاق في جانب، وضدهم في الآخر، فيفوت مقصود المناضلة.
(فإن اختار) أحد الزعيمين (غريبًا ظنه راميًا، فبان خلافه) أي: أنه لا يحسن الرمي أصلًا ( .. بطل العقد فيه، وسقط من الحزب الآخر واحد) بإزائه؛ كما إذا بطل البيع في بعض المبيع .. يسقط قسطه من الثمن.
(وفي بطلان الباقي قولا تفريق الصفقة) فيصح في الأظهر، ويثبت الخيار، وقيل: يبطل قطعًا؛ لأنه ليس بعضهم بأن يجعل في مقابلته بأولى من بعض، ولا مدخل للقرعة فيه، فلو بان ضعيف الرمي، أو قليل الإصابة .. فلا فسخ، ولو بان فوق ما ظنوه .. فلا فسخ للحزب الآخر، وفيه بحث للرافعي (٢).
(فإن صححنا .. فلهم جميعًا الخيار) بين الفسخ والإجازة للتبعيض، (فإن أجازوا وتنازعوا فيمن يسقط بدله .. فسخ العقد) لتعذر إمضائه.
(وإذا نضل حزب .. قسم المال بحسب الإصابة) لأن الاستحقاق بها، فمن لا إصابة له .. لا شيء له، ومن أصاب .. أخذ بحسب إصابته، (وقيل: بالسوية) لأنهم كالشخص الواحد؛ كما أن المنضولين يغرمون بالسوية، وهذا هو الصحيح في
стр. 2207
وَيُشْتَرَطُ فِي الإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ أَنْ تَحْصُلَ بِالنَّضْلِ، فَلَوْ تَلِفَ وَتَرٌ أَوْ قَوْسٌ، أَوْ عَرَضَ شَيْءٌ انْصَدَمَ بِهِ السَّهْمُ وَأَصَابَ .. حُسِبَ لَهُ، وإلَّا .. لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَقَلَتْ رِيحٌ الْغَرَضَ فَأَصَابَ مَوْضِعَهُ .. حُسِبَ لَهُ، وإلَّا .. فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ،
===
"أصل الروضة"، والأشبه في "الشرحين"، لكن في "المحرر": أن الأشبه: الأول، وتبعه المصنف، قال في "المهمات": ولعل ما وقع في "المحرر" سبق قلم (١).
[وهذا محله: في حالة الإطلاق؛ فإن شرطوا أن يقسموا على الإصابة .. فالشرط تبع، وللإمام فيه احتمال] (٢).
(ويشترط في الإصابة المشروطة: أن تحصل بالنضل) لأنه المتعارف (٣).
(فلو تلف وتر أو قوس) قبل خروج السهم، لا بتقصيره وسوء رميه (أو عرض شيء) كشخص أو بهيمة (انصدم به السهم وأصاب .. حسب له) لأن الإصابة مع النكبة العارضة تدل على جودة رميه وقوته.
(وإلا) أي: وإن لم يصب ( .. لم يحسب عليه) إحالة له على السبب العارض؛ فإن تلف الوتر أو القوس لسوء رميه وتقصيره .. حسب عليه.
(ولو نقلت ريح الغرض فأصاب موضعه .. حسب له) إن كان الشرط القرع؛ لأنه لو كان موضعه .. لأصابه، فإن كان الشرط هو الخزق، فثبت السهم، والموضع في صلابة الغرض .. حسب له.
(وإلا) أي: وإن لم يصب موضعه ( .. فلا يحسب عليه) وهذا مخالف لما في "الشرح"، و"الروضة"؛ فإن فيهما: ولو أصاب الغرض في الموضع المنتقل إليه .. حسب عليه لا له. انتهى (٤)، فإصابة الغرض في الموضع المنتقل إليه هي من
стр. 2208
وَلَوْ شُرِطَ خَسْقٌ فَثَقَبَ وَثبتَ ثُمَّ سَقَطَ، أَوْ لَقِيَ صَلَابَةً فَسَقَطَ .. حُسِبَ لَهُ.
===
صور ألا يصيب موضع الغرض، ويؤخذ منه الحساب عليه بطريق الأولى إذا لم يصبه، قال في "المهمات": والمسألة مذكورة في أكثر نسخ "المحرر" على الصواب -أي: فإنه قال: وإلا .. فلا؛ أي: لم يحسب له- وفي بعضها كـ "المنهاج" فلعلها الواقعة له (١).
(ولو شرط خسق فثقب وثبت ثم سقط، أو لقي صلابة فسقط .. حسب له) أما في الأولى .. فكما لو نزعه غيره، وأما في الثانية .. فلظهور العذر، وهو الصلابة المانعة من الخسق.
* * *
стр. 2209
كتابُ الأيمان
لَا تنعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ لَهُ؛ كَقَوْلهِ: (وَاللهِ)، (وَرَبِّ الْعَالَمِينَ)، (وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)، (وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ)، وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ ،
===
(كتاب الأيمان)
هي بالفتح: جمع يمين، مأخوذة من اليمين الذي هو العضو؛ لأنهم كانوا إذا حلفوا .. وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه، وهي في الشرع -كما قاله الإمام-: تحقيق الشيء وتقريره باسم الله تعالى أو صفته، نفيًا كان أو إثباتًا (١).
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وقوله ﵇: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" (٢) إلى غير ذلك من الأحاديث الشهيرة، وأجمعت الأمة على انعقاد اليمين وتعلق الكفارة بالحنث فيها.
(لا تنعقد إلا بذات الله تعالى، أو صفة له؛ كقوله: "والله"، "وربِّ العالمين"، "والحيِّ الذي لا يموت"، "ومن نفسي بيده"، وكل اسم مختص به كالإله، وملك يوم الدين؛ لأن الأيمان معقودة بمن عظمت حرمته، ولزمت طاعته.
وإطلاق هذا مختص بالله تعالى؛ فلا ينعقد بالمخلوقات، كـ: (وحقِّ النبي)، و (جبريل)، و (الملائكة)، و (الكعبة) لما في "الصحيحين": "إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا .. فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ" (٣).
قال الشافعي: وأخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية (٤).
стр. 2210
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: (لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ). وَمَا انْصَرَفَ إِلَيْهِ عِنْدَ الإِطْلَاقِ كـ (الرَّحِيمِ)، وَ (الْخَالِقِ)، وَ (الرَّازِقِ)، وَ (الرَّبِّ) .. تنعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ، وَمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ وَالْحَيِّ .. لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيةٍ. وَالصِّفَةُ؛ كـ (وَعَظَمَةِ اللهِ)، (وَعِزَّتِهِ)، (وَكِبْرِيَائِهِ)، (وَكَلَامِهِ)،
===
وما صرح به المصنف من أن (الله) اسم للذات هو الصحيح؛ ولهذا تجري الصفات عليه فيقول: اللهُ الرحمنُ الرحيمُ.
وقيل: هو اسم للذات مع جملة الصفات، فإذا قلت: (الله) .. فقد ذكرت جملة صفات الله تعالى.
و(العالم) بفتح اللام: كلُّ المخلوقات.
(ولا يقبل قوله: "لم أرد به اليمين") لأنها صريحة في اليمين.
(وما انصرف إليه عند الإطلاق) وينصرف إلى غيره بالتقييد (كـ"الرحيم"، و"الخالق"، و"الرازق"، و"الربّ" .. تنعقد به اليمين) وإن أطلق؛ لأن الإطلاق ينصرف إليه (إلا أن يريد غيره) فيقبل، ولا يكون يمينًا؛ لأنه قد يستعمل في حقّ غيره؛ كرحيم القلب، وخالق الكذب، ورازق الجيش، وربّ الدار، قال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾، وقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
(وما استعمل فيه وفي غيره سواء؛ كالشيء والموجود والعالم والحي .. ليس بيمين) لأنه ليس باسم معظم (إلا بنيَّةٍ) لأنها لما استعملت فيه وفي غيره سواء .. أشبهت كنايات الطلاق.
وما جزم به من كونه يمينًا عند النية هو الأصح في "زوائد الروضة"، لكن الأظهر في "الشرحين": أنه ليس بيمين (١)؛ لفقد التصريح بالاسم المعظم؛ فإن ما ينطلق على الله وعلى غيره انطلاقًا واحدًا ليس له حرمة.
ومنع المصنف قولهم: ليس له حرمة.
(والصفة؛ كـ: "وعظمة الله"، "وعزته"، "وكبريائه"، "وكلامه"،
стр. 2211
(وَعِلْمِهِ)، (وَقُدْرَته)، (وَمَشِيئَتِهِ) .. يَمِينٌ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ، وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ. وَلَوْ قَالَ: (وَحَقِّ اللهِ) .. فَيَمِينٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْعِبَادَاتِ. وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: (بَاءٌ) وَ (وَاوٌ) وَ (تَاءٌ)، كـ (بِاللهِ) وَ (وَاللهِ) وَ (تاللهِ)، وَتَخْتَصُّ التَّاءُ بِاللهِ.
===
"وعلمه"، "وقدرته"، "ومشيئته" .. يمين) لأنها صفات لم يزل سبحانه موصوفًا بها، فأشبهت الأسماء المختصة به، فتنعقد يمينه بها ولو أطلق.
(إلا أن ينوي بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور) فلا تكون يمينًا، ويكون كأنه قال: (ومعلوم الله)، (ومقدور الله).
وقضية كلامه: تخصيص الاستثناء بصفتي العلم والقدرة دون ما قبلهما من الصفات، وهو وجه جزم به كثيرون، لكن الأصح في "الشرحين" و"الروضة": عدم الفرق؛ لأنه قد يقال: (عاينت عظمة الله وكبرياءه)، ويشار إلى أفعاله (١).
(ولو قال: "وحقِّ الله") لأفعلن كذا ( .. فيمين) إن نوى اليمين، وكذا إن أطلق في الأصح؛ لغلبة استعماله في اليمين (إلا أن يريد العبادات) فلا تكون يمينًا قطعًا؛ لأن العبادات حق الله تعالى علينا، وليس صفة لله تعالى.
(وحروف القسم: "باء"، و"واو"، و"تاء"؛ كـ: "بالله"، و"والله"، و"تالله") والأصل في القسم عند أهل اللسان: هي (الباء)، ثم أبدلوا منها (الواو) لقربها منها في المخرج وفي المعنى، ثم أبدلوا من (الواو) (التاء) لقرب مخرجها منها.
(وتختص "التاء" بالله) لأنها لمّا كانت بدلًا من بدل .. ضاق تصرفها عن البدل والمبدل منه؛ فلم تدخل على شيء ممّا يدخلان عليه سوى اسم الله تعالى، فيقول: (تالله)، ولا يقول: (تربك) ولا غيره.
وكان صواب العبارة: (ويختص الله بـ "التاء")؛ لأن (الباء) مع فعل
стр. 2212
وَلَوْ قَالَ: (الله) وَرَفَعَ أَوْ نَصَبَ أَوْ جَرَّ .. فَلَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةٍ. وَلَوْ قَالَ: (أَقْسَمْتُ) أَوْ (أُقْسِمُ) أَوْ (حَلَفْتُ) أَوْ (أَحْلِفُ بِاللهِ لأَفْعَلَنَّ) .. فَيَمِينٌ إِنْ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ، وَإِنْ قَالَ: قَصَدْتُ خَبَرًا مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا .. صُدِّقَ بَاطِنًا، وَكَذَا ظَاهِرًا عَلَى الْمَذْهَبِ
===
الاختصاص إنما تدخل على المقصور، وذلك في (التاء) لا في (الله)؛ لأنه يدخل عليه (الباء) و (الواو).
(ولو قال: "الله" ورفعَ، أو نصبَ، أو جَرَّ .. فليس بيمين إلا بنيَّةٍ) لأنه لا يعرفه إلا الخواصُّ من الناس.
(ولو قال: "أقسمت"، أو "أقسم"، أو "حلفت"، أو "أحلف بالله لأفعلن" .. فيمين إن نواها أو أطلق) لكثرته في الاستعمال، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ , ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
(وإن قال: "قصدت) بما ذكرت (خبرًا ماضيًا، أو مستقبلًا" .. صُدِّق باطنًا) جزمًا؛ فلا تلزمه الكفارة فيما بينه وبين الله تعالى؛ لاحتمال ما يدّعيه.
(وكذا ظاهرًا على المذهب) لأن (أقسمت) تصلح للماضي حقيقة، و (أقسم) تصلح للمستقبل حقيقة، فقبل تفسيره به، كذا نصّ عليه (١)، ونص في (الإيلاء): أنه إذا قال: (أقسمت بالله لا وطئتك)، ثم قال: (أردت يمينًا ماضيًا) .. أنه لا يقبل (٢)، وللأصحاب ثلاث طرق: أظهرها: حكاية قولين فيهما، أظهرهما: القبول؛ لما ذكرناه، والثاني: المنع؛ لظهوره في الإنشاء، والطريق الثاني: القطع بالمنع، وحمل ما ذكره هنا على القبول باطنًا، والثالث: تقرير النصين.
والفرق: أن حق الله تعالى مبني على المسامحة، بخلاف حق الآدمي.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يُعلم له يمين ماضية، فإن عُلم .. قبل قوله في إرادتها بـ (أقسمت) قطعًا.
стр. 2213
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: (أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِاللهِ) أَوْ (أَسْأَلُكَ بِاللهِ لَتفعَلَنَّ) وَأَرَادَ يَمِينَ نَفْسِهِ .. فَيَمِينٌ، وإلَّا .. فَلَا. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ فَعَلْتُ كَذَا .. فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلَامِ) .. فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِهَا بِلَا قَصْدٍ .. لَمْ تنعَقِدْ
===
(ولو قال لغيره: "أقسم عليك بالله"، أو "أسألك بالله لتفعلن" وأراد يمين نفسه .. فيمين) لصلاحية اللفظ، ويقدّر في قوله: (أسألك) أنه قال: أسألك ثم ابتدأ الحلف.
(وإلا .. فلا) فشمل ثلاث صور: قصد يمين المخاطب، أو لا يقصد يمينا أصلًا بل الشفاعة، أو يطلق، وفي الثلاثة لا تنعقد؛ لأنه لم يحلف لا هو ولا المخاطب.
(ولو قال: "إن فعلت كذا .. فأنا يهودي أو بريء من الإسلام" .. فليس بيمين) لانتفاء الاسم والصفة، والحلف بذلك معصية، والتلفظ به حرام؛ كما صرح به الماوردي والدارمي، والمصنف في "الأذكار" (١).
ثم إن قصد بذلك تبعيد نفسه عن الفعل .. لم يكفر، أو الرضا به إذا فعله .. كفر في الحال، وإذا لم نكفره .. استحب له أن يستغفر الله ويقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) قاله في "زيادة الروضة" (٢) نقلًا عن الأصحاب، وقال صاحب "الاستقصاء": يجب ذلك.
(ومن سبق لسانه إلى لفظها) أي: لفظ اليمين (بلا قصد) كقوله في حال غضبه، أو لجاج، أو عجلة، أو صلة كلام: (لا والله)، و (بلى والله) ( .. لم تنعقد) بل هو لغو اليمين؛ كما قالت عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، ورواه أبو داوود مرفوعًا، وصححه ابن حبان (٣).
ولو كان يحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره .. فهو من لغو اليمين.
والمراد من تصويرهم اللغو بـ (لا والله)، و (بلى والله): على البدل لا الجمع، أما لو قال: (لا والله وبلى والله) في وقت واحد .. قال الماوردي: كانت الأولى
стр. 2214
وَتَصِحُّ عَلَى مَاضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ، وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ إلَّا فِي طَاعَةٍ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ .. عَصَى وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ وَكَفَّارَةٌ، أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ، أَوْ فِعْلِ
===
لغوًا، والثانية منعقدة؛ لأنها استدراك فصارت مقصودة (١)، فلو حلف وقال: (لم أقصد اليمين) .. صدق بيمينه في الحلف بالله تعالى إن لم تدل قرينة على قصد اليمين، ولا يصدق ظاهرًا في الطلاق والعتق؛ لتعلق حق الآدمي.
(وتصح) اليمين (على ماض) بالإجماع (ومستقبل) لقوله ﵇: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" (٢).
ويستثنى: ممتنع الحنث لذاته؛ كقوله: (لا أصعد السماء)، أو (لا أقتل ميتًا)، فالأصح: عدم الانعقاد؛ لامتناع الحنث، بخلاف ممتنع البر؛ كقوله: (لأصعدن السماء)، فإن يمينه تنعقد وتجب الكفارة في الحال؛ لإخلاله بتعظيم الاسم وهتك الحرمة، بخلاف ممتنع الحنث.
(وهي مكروهة) في الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، ولأنه ربما عجز عن الوفاء بما حلف عليه، قال الشافعي ﵁: ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا قط (٣) (إلا في طاعة) كالجهاد؛ لحديث: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" (٤).
ويستثنى أيضًا: الأيمان الواقعة في الدعاوي إذا كان صادقًا .. فإنها لا تكره، وكذا إذا دعت إليها حاجة؛ كتوكيد وتعظيم أمر؛ كما في "الصحيحين": "فَوَالله لَا يَمَلُّ الله حَتَّى تَمَلُّوا" (٥)، وضابطه: الحاجة إلى اليمين.
(فإن حلف على ترك واجب أو فعل حرام .. عصى) باليمين (ولزمه الحنث وكفارةٌ) لأن الإقامة على هذه الحالة معصية، (أو تركِ مندوب) كالنوافل (أو فعل
стр. 2215
مَكْرُوهٍ .. سُنَّ حِنْثُهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، أَوْ تَرْكِ مُبَاحٍ أَوْ فِعْلِهِ .. فَالأَفْضَلُ: تَرْكُهُ، وَقِيلَ: الْحِنْثُ. وَلَهُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ بِغَيْرِ صَوْمٍ عَلَى حِنْثٍ جَائِزٍ، قِيلَ: وَحَرَامٍ. قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
===
مكروه) كالتفاتٍ في الصلاة ( .. سن حنثه وعليه كفارة) لقوله ﵇ لعبد الرحمن بن سمرة: "وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا .. فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ" متفق عليه (١).
واليمين على فعل المكروه مكروهة.
(أو تركِ مباح أو فعلِه) كدخول دار، وأكل طعام ( .. فالأفضل: تركه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، (وقيل: الحنث) أفضل؛ لأن في المقام تغييرًا لموجب الشرع، ولينتفع المساكين بالكفارة.
(وله) أي: للحالف بعد اليمين (تقديم كفارة بغير صوم على حنث جائز) لحديث: "فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ ثُمَّ أْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" رواه أبو داوود والنسائي بإسناد صحيح (٢)، وهو في "الصحيحين" بالواو؛ كما مر (٣)، ولأنه حق مالي وجب بسببين، فجاز تعجيله بعد وجود أحدهما؛ كالزكاة قبل الحول.
نعم؛ الأولى ألّا يكفر حتى يحنث خروجًا من خلاف أبي حنيفة.
أما الصوم: فيمتنع تقديمه على الحنث على الصحيح؛ لأنه عبادة بدنية، فلم يجز تقديمها على وقت وجوبها بغير حاجة؛ كصوم رمضان، ولا خلاف في امتناع تقديمها على اليمين.
(قيل: وحرامٍ، قلت: هذا أصح، والله أعلم) أي: إذا كان الحنث بارتكاب حرام؛ كما لو حلف لا يزني .. فهل له التكفير بالمال قبله؟ وجهان: صحح في "المحرر": المنع؛ لأنه يتطرق به لارتكاب محظور، والتعجيل رخصة؛ فلا تليق بالعاصي، وصحح المصنف هنا، وفي "الروضة": الجواز، وصححه الرافعي في
стр. 2216
وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ عَلَى الْعَوْدِ، وَقَتْلٍ عَلَى الْمَوْتِ، وَمَنْذُورِ مَالِيٍّ.
فصلٌ [في صفة الكفارة]
يَتَخَيَّرُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَيْنَ عِتْقٍ كَالظِّهَارِ، وَإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ؛ كُلُّ مِسْكِينٍ مُدُّ حَبٍّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ،
===
"الشرح الصغير"، ونقل في "الكبير": ترجيحه عن كثيرين؛ لأن الحظر في الفعل ليس من حيث اليمين؛ لأن المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها، فالتكفير لا تتعلق به استباحة (١).
(و) يجوز تقديم (كفارة ظهار على العود) إذا كفر بالمال؛ لوجود أحد السببين، وهو الظهار، ويتصور التكفير بين الظهار والعود بأن يظاهر من رجعية ثم يكفر ثم يراجعها.
(و) كذا يجوز تقديم كفارة (قتلٍ على الموت) بعد حصول الجرح، وكذا تقديم جزاء الصيد قبل الموت وبعد الجرح؛ لأنه بعد وجود السبب، ولا يجوز تقديمها على الجرح قطعًا.
(ومنذور مالي) كما إذا قال: (إن شفى الله مريضي .. فلله علي أن أعتق، أو أتصدق بكذا)، فيجوز تقديمه على الشفاء؛ كالزكاة يجوز تقديمها على الحول، وفي "فتاوى القفال" ما ينازع فيه، كذا قالاه هنا (٢)، لكن صحح في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" في (تعجيل الزكاة): أنه لو قال: (إن شفى الله مريضي .. فلله علي عتق رقبة) فأعتق قبل الشفاء .. أنه لا تجزئه (٣).
واحترز بالمالي: عن البدني؛ كالصوم فلا يجوز تقديمه على الحنث قطعًا.
* * *
(فصل: يتخير في كفارة اليمين بين عتق؛ كالظهار) أي: كعتق مجزئ في الظهار، (وإطعام عشرة مساكين؛ كل مسكين مد حب من غالب قوت البلد،
стр. 2217
وَكِسْوَتهِمْ بِمَا يُسَمَّى كِسْوَةً كَقَمِيصٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ إِزَارٍ، لَا خُفٍّ وَقُفَّازَيْنِ وَمِنْطَقَة، وَلَا تشتَرَطُ صَلَاحِيته لِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، فَيَجُوزُ سَرَاوِيلُ صَغِيرٍ لِكَبِير لَا يَصْلُحُ لَهُ، وَقُطْن وَكَتَّانٌ وَحَرِيرٌ لامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ
===
وكسوتهم بما يسمى كسوة؛ كقميص أو عمامة أو إزار) أو طيلسان، أو رداء، أو منديل يحمله في اليد؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية، واعتبر المد؛ لأنه سداد الرغيب وكفاية المقتصد ونهاية الزهيد، وإنما اعتبر في الكسوة ما يطلق عليه الاسم؛ لأن الله تعالى أطلق الكسوة؛ فإما أن يكون المراد هذا، أو ما تدعو الحاجة إليه، والثاني ممتنع؛ لأنها تدعو إلى ما يدفئ من البرد في الشتاء، ويكنّ من الحر في الصيف، وهو لا يجب بالاتفاق، فتعين الأول.
وقضية قوله: (حَبٍّ): أنه لا يجزئ الثمر والأقط وغيرهما ممّا ليس بحبٍّ، لكن ذكرا في (كفارة الظهار): أن جنسها جنس طعام الفطرة (١)، وصرح به هنا ابن خيران في "اللطيف".
وخرج بقوله: (عشرة مساكين): ما إذا أطعم خمسة، وكسا خمسة .. فإنه لا يجوز؛ كما لا يجوز إعتاق نصف رقبة، وإطعام خمسة.
ويستثنى من إطلاق التخيير: العبد، وقد ذكره بعد، والمحجور بسفه أو فلس؛ فلا يكفِّر بالمال بل بالصوم؛ كالمعسر.
(لا خفٍّ وقفازين ومنطقة) وتكة؛ إذ لا يسمى ذلك كسوة.
(ولا تشترط صلاحيته للمدفوع إليه، فيجوز سراويل صغير لكبير لا يصلح له، وقطن وكتان وحرير) وصوف ونحوه (لامرأة ورجل) لوقوع اسم الكسوة على ذلك، وقيل: لا تجزئ سراويل الصغير للكبير.
وقضية كلام "البسيط" و"الذخائر": أن الجمهور عليه، وأن القاضي وحده قال بالإجزاء، وصحح البُلْقيني: المنع؛ لأن الله تعالى أضاف الكسوة إلى من يكتسي؛ فلا بد أن تعد كسوة له، قال: وفاعل ذلك إذا قال: (كسوت فلانًا) .. عُدّ من الحمقى، وقد صحح الشيخان منع التُّبَّان، وهو سراويل قصير لا يبلغ الركبة؛ لعدم
стр. 2218
وَلَبيسٌ لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الثَّلَاثَةِ .. لَزِمَهُ صوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يَجِبُ تَتَابُعُهَا فِيَ الأَظْهَرِ. وَإِنْ غَابَ مَالُهُ .. انْتَظَرَهُ وَلَمْ يَصُمْ. وَلَا يُكَفرُ عَبْدٌ بِمَالٍ إلَّا إِذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً وَقُلْنَا: يَمْلِكُ،
===
اسم الكسوة (١)، ولا شك أنه يستر سوءته، بخلاف سراويل الصغير.
(ولبيس) أي: ملبوس (لم تذهب قوته) بالاستعمال؛ كالطعام العتيق، فإن ذهبت أو تخرق .. لم يجز قطعًا؛ كالطعام المسوّس.
(فإن عجز عن) كل واحد من (الثلاثة) المذكورة ( .. لزمه صوم ثلاثه أيام) للآية (ولا يجب تتابعها في الأظهر) لإطلاق الآية، والثاني: تجب، لقراءة ابن مسعود وأبي بن كعب: ﴿متتابعات﴾ (٢) والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العمل.
وأجاب الأول: بأن ابن مسعود وأبيًّا لم يصرّحا بإسناد التتابع إلى القرآن، فيحتمل أنها تفسير منهما، أو مذهب واه، وعموم القراءة المشهورة أولى.
(وإن غاب ماله .. انتظره ولم يصم) لأنه واجد، وإنما أبيح الصوم لمن لم يجد، بخلاف المتمتع إذا أعسر بالدم بمكة .. فإنه يجزئه الصوم؛ لأن القدرة اعتبرت بمكة، فلا ينظر إلى غيره، والقدرة في الكفارة اعتبرت مطلقًا.
(ولا يكفر عبد بمال) لعدم ملكه (إلا إذا ملكه سيده طعامًا أو كسوة) ليكفر بها أو ملكه مطلقًا (وقلنا: يملك) ثم أذن له في التكفير، فإن لم يأذن له .. لم يكفر به، وإذا ملكه وأذن له في التكفير به .. وجب عليه، وليس له العدول عنه إلى الصوم؛ قاله الرافعي في (الظهار)، وكلام "التنبيه" يقتضي عدم الوجوب، نبه عليه ابن الرفعة، وعكس ذلك في "العجالة" وهو وهم (٣).
وخرج بقول المصنف: (طعامًا وكسوة): ما لو ملكه عبدًا ليعتقه عن الكفارة
стр. 2219
بَلْ يُكَفِّرُ بِصَوْمٍ، فَإِنْ ضَرَّهُ وَكَانَ حَلَفَ وَحَنِثَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ .. صَامَ بِلَا إِذْنٍ، أَوْ وُجِدَا بِلَا إِذْنٍ .. لَمْ يَصُمْ إلَّا بِإِذْنٍ، وَإِنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا .. فَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْحَلِفِ،
===
ففعل .. فإنه لا يقع عنها على المذهب؛ لأنه يستعقب الولاء ولا يمكن إثباته للعبد.
(بل يكفر بصوم) لامتناع غيره منه (١) (فإن ضره) الصوم؛ لشدة حرٍّ، أو طول نهار، أو ضعفه ويضعف عن العمل بسببه (وكان حلف وحنث بإذن سيده .. صام بلا إذن) وليس له منعه وإن كانت الكفارة على التراخي؛ لصدور السبب الموجب عن إذن السيد.
(أو وجدا) أي: الحلف والحنث (بلا إذن .. لم يصم إلا بإذن) قطعًا؛ لأنه لم يأذن في السبب والفرض أن الصوم يضره فكان له منعه وإخراجه منه كالحج، فإن لم يضره ولا يعطله عن خدمة سيده .. فليس له منعه على الأصح.
(وإن أذن في أحدهما .. فالأصح: اعتبار الحلف) فإن كان الحلف بإذنه، والحنث بغير إذنه .. صام بغير إذنه؛ لأن إذنه في الحلف إذنٌ فيما يترتب عليه؛ كالتكسب لنكاح مأذون فيه، والثاني: لا؛ لأن اليمين مانعة من الحنث، فليس إذنه فيها إذنًا في التزام الكفارة.
وإن كان الحلف بغير إذنه والحنث بإذنه .. فلا يصوم إلا بإذنه؛ لأنه لم يأذن في السبب الأول، وهو الحلف، وإنما العبد ورّط نفسه فيه، والثاني: له الصوم بلا إذنه؛ لأن الحنث يستعقب الكفارة، فالإذن فيه يكون إذنًا في التكفير، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، وأحالا في "الشرح" و"الروضة" المسألة على (كتاب الكفارة)، وذكرا هناك: أنه إن حلف بإذنه وحنث بغير إذنه .. لم يستقل بالصوم على الأصح، وفي عكسه .. يستقل على المذهب (٢).
قيل: ولعل ما في "المحرر" سبق قلم من (الحنث) إلى (الحلف)، ورد: بأن ما في "الكتاب" صححه البغوي (٣)، وفي "المحرر" يتبع البغوي كثيرًا.
стр. 2220
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَلَهُ مَالٌ .. يُكَفِّرُ بطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ لَا عِتْقٍ.
فصلٌ [في الحلف على السكنى والمساكنة وغيرهما]
حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا أَوْ لَا يُقِيمُ فِيهَا .. فَلْيَخْرُجْ فِي الْحَالِ،
===
ومن نظائر المسألة: الضمان والأداء بالإذن وعكسه، والإذن في أحدهما، وقد مر ما فيه في بابه.
وتعبيره بالعبد: مخرج للأمة؛ فللسيد منعها من الصوم؛ للاستمتاع الناجز، والصوم على التراخي.
(ومن بعضه حرٌّ وله مال .. يكفر بطعام أو كسوة) ولا يجزئه الصيام؛ لأنه واجد لما يُقدم على الصوم؛ فلا يصوم، كما لو وجد الماء .. فلا يباح له التيمم (لا عتق) لأنه ليس أهلًا للولاء؛ كالقن.
* * *
(فصل: حلف لا يسكنها أو لا يقيم فيها) وهو فيها عند الحلف ( .. فليخرج في الحال) ببدنه دون أهله ومتاعه؛ فإنه المحلوف عليه، قال الإمام: ولا يكلف في خروجه العَدْو والهرولة (١)، ولا فرق بين أن يخرج من باب قريب منه أو بعيد عنه لغرض أو غيره.
وقضية كلام الشيخين: الاكتفاء بمطلق الخروج، سواء أقصد به التحول أم لا، لكن قيده جمع منهم صاحب "التنبيه" وابن الصباغ والشيخ نصر في كتابه "الكافي" وصاحب "المستظهري"، والجرجاني في "التحرير"، وابن الصلاح وغيرهم بما إذا خرج بنية التحول (٢).
وقضيته: أنه إذا خرج لا بنيّته وترك قماشه .. يحنث، وقال المصنف في مسودة "شرح المهذب": إن الأظهر: التقييد؛ لأن من كان ساكنًا في دار فخرج منها إلى السوق مثلًا فأهل العرف يعدونه ساكنًا؛ نظرًا إلى أن عادة الساكن أن يخرج ويدخل،
стр. 2221
فَإِنْ مَكَثَ بِلَا عُذْرٍ .. حَنِثَ وَإِنْ بَعَثَ مَتَاعَهُ، وَإِنِ اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَجَمْعٍ مَتَاعٍ وإخْرَاجِ أَهْلٍ وَلُبْسِ ثَوْبٍ .. لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فخَرَجَ أَحَدُهُمَا فِي الْحَالِ .. لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا لَوْ بُنِيَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ وَلِكُلِّ جَانِبٍ مَدْخَل فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا وَهُوَ فِيهَا أَوْ لَا يَخْرُجُ وَهُوَ خَارِجٌ .. فَلَا حِنْثَ بِهَذَا،
===
وقال الأَذْرَعي: إنه ظاهر نص "الأم" و"المختصر".
(فإن مكث بلا عذر .. حنث) وإن قل (وإن بعث متاعه) لأن المحلوف عليه سكناه وهو موجود؛ إذ اسم السكنى يقع على الدوام؛ كالابتداء، فيقال: سكن شهرًا، ويستعمل مع المتاع ودونه.
واحترز بقوله: (بلا عذر): عما إذا مكث بعذر يمنعه من الخروج؛ كزمانة ولى يجد من يحمله، أو أُغلق عليه الباب، أو مُنع من الخروج، أو خاف على نفسه أو ماله لو خرج .. فلا حنث.
(وإن اشتغل بأسباب الخروج؛ كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب) يعتاد لبسه في الخروج ( .. لم يحنث) على الأصح؛ لأنه لا يعدّ ساكنًا وإن طال مقامه بسبب ذلك.
(ولو حلف لا يساكنه في هذه الدار فخرج أحدهما في الحال .. لم يحنث) لعدم المساكنة، ويجيء ما تقدم كله.
(وكذا لو بُني بينهما جدار ولكل جانب مدخل في الأصح) لاشتغاله برفع المساكنة، وهذا التصحيح تبع فيه "المحرر"، ونقلاه عن البغوي، ونقلا في "الشرح" و"الروضة" عن تصحيح الجمهور: الحنث؛ لحصول المساكنة إلى تمام البناء من غير ضرورة (١).
واحترز بقوله: (في هذه الدار): عمّا لو أطلق المساكنة .. فينتظر؛ إن نوى معينًا .. حملت اليمين عليه، وإلا .. حنث بالمساكنة في أي موضع كان.
(ولو حلف لا يدخلها) أي: الدار (وهو فيها أو لا يخرج وهو خارج .. فلا حنث بهذا) فيهما؛ لأنه لا يسمى دخولًا ولا خروجًا.
стр. 2222
أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ أَوْ لَا يَتَطَهَّرُ أَوْ لَا يَلْبَسُ أَوْ لَا يَرْكَبُ أَوْ لَا يَقُومُ أَوْ لَا يَقْعُدُ، فاسْتَدَامَ هَذِهِ الأَحْوَالَ .. حَنِثَ. قُلْتُ: تَحْنِيثُهُ بِاسْتِدَامَةِ التَّزَوُّجِ وَالتَّطَهُّرِ غَلَطٌ؛ لِذُهُولٍ، وَاسْتِدَامَةُ طِيبٍ لَيْسَتْ تَطَيُّبًا فِي الأَصَحِّ، وَكَذَا وَطْء وَصَوْمٌ وَصَلَاةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا .. حَنِثَ بِدُخُولِ دِهْلِيزٍ دَاخِلَ الْبَابِ أَوْ بَيْنَ بَابَيْنِ، لَا بِدُخُولِ طَاقٍ قُدَّامَ الْبَابِ،
===
نعم؛ لو نوى بالدخول الاجتناب فأقام .. حنث في الأصح؛ كما قاله ابن الرفعة تبعًا للإمام (١).
(أو لا يتزوج أو لا يتطهر أو لا يلبس أو لا يركب أو لا يقوم أو لا يقعد فاستدام هذه الأحوال .. حنث) لأنه يقال: لبست يومًا، وركبت يومًا، وهكذا الباقي.
(قلت: تحنيثه باستدامة التزوج والتطهر غلط؛ لذهول) لأن المجزوم به في "الشرحين": عدم الحنث بالاستدامة فيهما (٢)، وهو المنصوص في "الأم"، وجزم به العراقيون وغيرهم؛ إذ لا يقال: (تزوجت شهرًا)، و (تطهّرت شهرًا)، بل: (منذ شهر)، بخلاف غيرهما، قال صاحب "الاستقصاء": هذا إذا لم ينو الاستدامة، فإن نواها .. حنث؛ لوجود الصفة المقصودة بيمينه.
(واستدامة طيب ليست تطيُّبًا في الأصح) بدليل عدم الفدية فيما إذا تطيب ثم أحرم واستدام، والثاني: نعم؛ لأنه منسوب إلى التطيب.
(وكذا وطء وصوم وصلاة) فلا يحنث باستدامتها على الأصح، (والله أعلم) وصورة الحلف في الصلاة: أن يحلف ناسيًا؛ فإنها لا تبطل وتنعقد يمينه.
(ومن حلف لا يدخل دارًا .. حنث بدخول دهليز داخل الباب أو بين بابين) لأنه من الدار، ومن جاوز الباب .. عدّ داخلًا (لا بدخول طاق قدّام الباب) لأنه لا يقال: داخل الدار، قال الرافعي: والطاق هو: المعقود خارج الباب (٣).
وما أطلقه من عدم الحنث محله: إذا لم يكن للطاق باب يغلق؛ كالدرب؛ فإن
стр. 2223
وَلَا بِصُعُودِ سَطْح غَيْرِ مُحَوَّطٍ، وَكَذَا مُحَوَّطٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ رِجْلَهُ .. لَمْ يَحْنثْ، فَإِنْ وَضَعَ رِجْلَيْهِ فِيهَا مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا .. حَنِثَ. وَلَوِ انْهَدَمَتْ فَدَخَلَ وَقَدْ بَقِيَ أَسَاسُ الْحِيطَانِ .. حَنِثَ،
===
كان .. قال المتولي: هو من الدار، مسقفًا كان أو غير مسقف، كذا نقله الرافعي وأقرّه (١)، واستشكل بخروجه عن العرف.
(ولا بصعود سطح غير محوط) ولا سترة عليه؛ كما في "الروضة" و"أصلها" (٢)؛ لأنه لا يسمى داخلًا للدار لا لغة ولا عرفًا؛ لأنه حاجز يقي الدار الحر والبرد، فهو كحيطانها، وصورة المسألة: أن يتسور السطح من خارجها أو دار الجار.
(وكذا محوط) من الجوانب الأربعة (في الأصح) لما سبق، والثاني: يحنث؛ لإحاطته حيطان الدار، فإن كان من جانب .. لم يؤثر قطعًا، أو جانبين أو ثلاثة .. ففيه تردد للإمام (٣).
(ولو أدخل يده أو رأسه أو رجله .. لم يحنث) لأنه لا يسمّى داخلًا.
(فإن وضع رجليه فيها معتمدًا عليهما) وباقي بدنه خارج ( .. حنث) لأنه يسمى داخلًا.
واحترز بقوله: (معتمدًا عليهما): عمّا إذا مدّهما وهو قاعد .. فلا يحنث.
(ولو انهدمت) الدار المحلوف عليها (فدخل وقد بقي أساس الحيطان .. حنث) لأنه منها، كذا قاله البغوي في "التهذيب"، وتبعه "المحرر" (٤)، وجرى عليه المصنف، واستبعده في "المطلب"، فإن حقيقة الأساس هو البناء المدفون في الأرض تحت الجدار البارز، وعبارة "الروضة" و"أصلها" (٥): إن بقيت أصول الحيطان والرسوم .. حنث.
стр. 2224
وَإِنْ صَارَتْ فَضَاءً أَوْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بُسْتَانًا .. فَلَا. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ .. حَنِثَ بِدُخُولِ مَا يَسْكُنُهَا بِمِلْكٍ، لَا بِإِعَارَة وَإِجَارَةٍ وَغَصْبٍ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَسْكَنَهُ، وَيَحْنَثُ بِمَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَسْكُنُهُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَسْكَنَهُ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، أَوْ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ، فَبَاعَهُمَا أَوْ طَلَّقَهَا فَدَخَلَ وَكَلَّمَ .. لَمْ يَحْنَثْ،
===
والمتبادر إلى الفهم من هذه العبارة بقاء شاخص.
(وإن صارت فضاء أو جعلت مسجدًا أو حمامًا أو بستانًا .. فلا) لزوال مسمّى الدار، وحدوث اسم آخر لها.
(ولو حلف لا يدخل دار زيد .. حنث بدخول ما يسكنها بملك، لا بإعارة وإجارة وغصب) أو موصىً له بمنفعتها، ووقف عليه إن قلنا: لا يملك الرقبة؛ لأن الإضافة إلى من يملك يقتضي الملك حقيقة، بدليل أنه لو قال: (هذه الدار لزيد)، ثم قال: (أردت أنها سكنه) .. لم يقبل.
(إلا أن يريد مسكنه) فيحنث في الإعارة وما بعدها؛ لأنه مجاز مستعمل، فتؤثر فيه النية، قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ وأراد بيوت الأزواج التي يسكنهن، وإنما قلنا: إنه مجاز؛ لأنه يصدق أنها ليست داره بل مسكنه.
وهذا في الحلف بالله تعالى، فأما الحلف بطلاق أو عتاق .. فلا يقبل تفسيره بذلك في الظاهر؛ لوجود خصم فيه. ذكره جمع من العراقيين منهم الماوردي، وابن الصباغ، والجرجاني وغيرهم.
واعترض ذلك: بأن نية السكنى يوجب التغليظ عليه، وذلك موجب لوقوع الطلاق والعتق، فيعمل بنيته، وفيه نظر؛ لأن دعواه إرادة ذلك تمنع الوقوع بما يملكه ولا يسكنه؛ كما سنذكره، ففي نيّته تخفيف عليه، فينبغي أن تقبل دعواه بنية ذلك فيما عليه دون ما له إذا كان الحلف بالطلاق والعتاق.
(ويحنث بما يملكه ولا يسكنه) لأنه دخل داره حقيقة (إلّا أن يريد مسكنه) فلا يحنث بذلك عملًا بقصده.
(ولو حلف لا يدخل دار زيد، أو لا يكلم عبده أو زوجته، فباعهما) بيعًا لازمًا (أو طلقها) بائنًا (فدخل وكلّم .. لم يحنث) لأنه لم يدخل داره، ولم يكلم عبده
стр. 2225
إلَّا أَنْ يَقُولَ: (دَارَهُ هَذِهِ)، أَوْ (زَوْجَته هَذِهِ)، أَوْ (عَبْدَهُ هَذَا) .. فَيَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَا دَامَ مِلْكُهُ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا مِنْ ذَا الْبَابِ، فَنُزِعَ وَنُصِبَ فِي مَوْضِع آخَرَ مِنْهَا .. لَمْ يَحْنَثْ بِالثَّانِي، وَيَحْنَثُ بِالأَوَّلِ فِي الأَصَحِّ. أَوْ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا .. حَنِثَ بِكُلِّ بَيْتٍ مِنْ طِينٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ آجُرٍّ أَوْ خَشَبٍ أَوْ خَيْمَةٍ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَسْجِدٍ وَحَمَّامٍ وَكَنِيسَةٍ وَغَارِ جَبَلٍ. أَوْ لَا يَدْخُلُ عَلَى زَيْدٍ، فَدَخَلَ بَيْتًا فِيهِ زَيْدٌ وَغَيْرُهُ .. حَنِثَ،
===
ولا زوجته؛ لزوال الملك بالبيع، والزوجية بالطلاق.
ولو قال: (فأزال ملكه) بدل (فباعهما) .. لكان أعم، ليدخل الهبة وغيرها.
(إلا أن يقول: "داره هذه"، أو "زوجته هذه"، أو "عبده هذا" .. فيحنث) تغليبًا للإشارة (إلا أن يريد) بقوله: داره هذه (ما دام ملكه) فلا يحنث عملًا بإرادته.
(ولو حلف لا يدخلها من ذا الباب) المفتوح الآن (فنزع) خشب الباب (ونصب في موضع آخر منها .. لم يحنث بالثاني، ويحنث بالأول في الأصح) الخلاف مبني على أن الباب عند الإطلاق يحمل على ماذا؟ وفيه أوجه: أصحها: على المنفذ؛ لأنه المحتاج إليه في الدخول دون المنصوب، والثاني: على المنصوب، فيحنث بالثاني دون الأول، والثالث: عليهما جميعًا، فلا يحنث بواحد منهما؛ لأن الإشارة وقعت عليهما.
هذا عند الإطلاق، فلو قال: (أردت بعض هذه المحامل) .. حملت اليمين عليه.
(أو لا يدخل بيتًا) وأطلق ( .. حنث بكل بيت من طين أو حجر أو آجرٍّ أو خشب) أو قصب محكم؛ كما قاله الماوردي (١)، (أو خيمة) ونحوها سواء أكان الحالف حضريًّا أم بدويًّا في الأصح، لأن اسم البيت يقع على ذلك كله حقيقة في اللغة؛ لأنه كل ما جعل للسكن، فإن نوى شيئًا من ذلك .. حملت يمينه عليه، (ولا يحنث بمسجد وحمّام وكنيسة وغار جبل) وبيت رحى، لأنها لا تسمى بيتًا عرفًا.
(أو لا يدخل على زيد، فدخل بيتًا فيه زيد وغيره .. حنث) إذا كان عالمًا به ذاكرًا
стр. 2226
وَفِي قَولٍ: إِنْ نَوَى الدُّخُولَ عَلَى غَيْرِهِ دُونَهُ .. لَا يَحْنَثُ، فَلَوْ جَهِلَ حُضُورَهُ .. فَخِلَافُ حِنْثِ النَّاسِي. قُلْتُ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَاسْتَثْنَاهُ .. لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. حَنِثَ فِي الأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في الحلف على أكل وشرب مع بيان ما يتناوله]
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ .. حَنِثَ بِرُؤُوسٍ تبُاعُ وَحْدَهَا،
===
لحلفه مختارًا؛ لوجود الدخول على الجميع، (وفي قول: إن نوى الدخول على غيره دونه .. لا يحنث) كما يجيء في السلام عليه.
وفرق الأول: بأن الاستثناء ممتنع في الأفعال دون الأقوال؛ بدليل أنه لا يصح: (دخلت عليكم إلا زيدًا)، ويصح: (سلمت عليكم إلا زيدًا).
(فلو جهل حضوره .. فخلاف حنثِ الناسي) والجاهل، والأصح فيهما: عدم الحنث، وقد مر ما في ذلك.
(قلت: ولو حلف لا يسلم عليه، فسلم على قوم هو فيهم واستثناه .. لم يحنث) لأنه أخرجه بالاستثناء عن أن يكون مسلّمًا عليه، وسواء استثناه باللفظ أو بالنية على الأصح، (وإن أطلق .. حنث في الأظهر، والله أعلم) لأن العام يجري على عمومه ما لم يخصص، والثاني: المنع؛ لصلاحية اللفظ للجميع وللبعض، فلا يحنث بالشك.
هذا كله إذا علم به، فإن جهله .. فقولا حنث الجاهل (١).
* * *
(فصل: حلف لا يأكل الرؤوس ولا نية له .. حنث برؤوس تباع وحدها) وهي رؤوس الغنم قطعًا، وكذا البقر والإبل على الصحيح؛ لأنه المتعارف.
واحترز بقوله: (ولا نية): عمّا إذا نوى نوعًا منها .. فلا يحنث بغيره، أو مطلق ما يسمى رأسًا .. فلا يختص بما تبُاع وحدها.
стр. 2227
لَا طَيْر وَحُوتٍ وَصَيْدٍ، إلَّا بِبَلَدٍ تُباعُ فِيهِ مُفْرَدَةً. وَالْبَيْضُ يُحْمَلُ عَلَى مُزَايِلِ بَائِضِهِ فِي الْحَيَاةِ كَدَجَاجٍ وَنَعَامَةٍ وَحَمَامٍ، لَا سَمَكٍ وَجَرَادٍ. وَاللَّحْمُ عَلَى نَعَمٍ وَخَيْلٍ وَوَحْشٍ وَطَيْرٍ، .
===
(لا طيرٍ وحوتٍ وصيدٍ) لأنها لا تفرد بالبيع، ولا تفهم من اللفظ عند الإطلاق، (إلا ببلد تباع فيه مفردة) عن الأبدان، فيحنث بأكلها هناك؛ لأنها كرؤوس الأنعام في حق غيرهم.
وظاهر كلامه: أنه لا يحنث بأكلها في غير ذلك البلد، وصححه في "تصحيح التنبيه"، لكن أقوى الوجهين في "الشرحين" و"الروضة": الحنث، وقالا: إنه الأقرب إلى ظاهر النص (١).
(والبيض يحمل على مزايل بائضه في الحياة) أي: يفارقه وهو حي (كدجاج ونعامة وحَمَام) لأنه المفهوم عند الإطلاق.
وينبغي أن يحمل قوله: (على مزايل بائضه) على ما شأنه ذلك لا المفارقة الحقيقية؛ فإنه لو خرج من الدجاجة بعد موتها بيض متصلب .. حنث به على الصحيح في "زيادة الروضة" (٢).
(لا سمك وجراد) لأنه إنما يخرج بعد الموت بشق البطن، كذا علله الرافعي (٣).
(واللحم على نعم وخيل ووحش وطير) لتناول اليمين جميع ذلك، لا ما يحرم أكله؛ كالميتة والحمار والذئب ونحوها على أقوى الوجهين في "زيادة الروضة"؛ إذ الغرض الامتناع عمّا يعدّه الناس مأكولًا (٤).
هذا كله عند الإطلاق، فإن نوى شيئًا .. حمل عليه.
و(الخيل): من زوائد "الكتاب" على "المحرر" و"الشرح" و"الروضة"، وقد صرح به ابن الصباغ.
стр. 2228
لَا سَمَكٍ وَشَحْمِ بَطْنٍ، وَكَذَا كَرِشٌ وَكَبِدٌ وَطِحَالٌ وَقَلْبٌ فِي الأَصَحِّ، وَالأَصَحُّ: تنَاوُلُهُ لَحْمَ رَأْسٍ وَلِسَانٍ وَشَحْمَ ظَهْرٍ وَجَنْب، وَأَنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ لَا يَتَنَاوَلُهُ الشَّحْمُ، وَأَنَّ الأَلْيَةَ وَالسَّنَامَ لَيْسَا شَحْمًا وَلَا لَحْمًا. وَالأَلْيَةُ لَا تتنَاوَلُ سَنَامًا وَلَا يَتَنَاوَلُهَا، وَالدَّسَمُ يَتَنَاوَلُهُمَا وَشَحْمَ ظَهْرٍ وَبَطْنٍ وَكُلَّ دُهْنٍ، وَلَحْمُ الْبَقَرِ يَتَنَاوَلُ جَامُوسًا
===
(لا سمك) لأنه لا يسمى لحمًا عرفًا وإن سماه الله تعالى لحمًا، والجراد كذلك، (وشحم بطن) وشحم عين؛ لمخالفتهما اللحم في الاسم والصفة، (وكذا كرش وكبد وطحال وقلب) وأمعاء ورئة ومخ (في الأصح) لأنه يصح أن يقال: إنها ليست لحمًا، والثاني: الحنث؛ لأنها في حكم اللحم، وفي الصحيح: "أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً ... وَهِيَ الْقَلْبُ" (١)، والمضغة هي: القطعة من اللحم.
(والأصح: تناوله) أي: اللحم (لحم رأس ولسان) وخد وأكارع؛ لصدق الاسم عليها، والثاني: المنع؛ لأن مطلق اللحم لا يقع إلا على لحم البدن، وأما في غيره .. فبالإضافة؛ فيقال: لحم رأس، ولحم لسان.
(وشحم ظهر وجنب) وهو الأبيض الذي لا يخالطه أحمر؛ لأنه لحم سمين؛ ولهذا يحمرّ عند الهزال، والثاني: لا؛ لأنه شحم، قال تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ فسمّاه شحمًا.
(وأن شحم الظهر لا يتناوله الشحم) لما ذكرناه من تعليل الوجهين في المسألة قبلها، (وأن الأليَةَ، والسنام ليسا شحمًا ولا لحمًا) لاختلاف الاسم والصفة، والثاني: هُمَا هُمَا؛ لقربهما من اللحم السمين (٢).
(والألية لا تتناول سنامًا ولا يتناولها) لاختلاف الاسم والصفة، (والدسم يتناولهما وشحمَ ظهر وبطن وكلَّ دهن) لصدق الاسم على جميع ذلك، (ولحم البقر يتناول جاموسًا) لدخوله تحت اسم البقر، وكذا البقر الوحشي على الأصح، وهو كالخلاف فيما لو حلف لا يركب حمارًا، فركب حمار وحش.
стр. 2229
وَلَوْ قَالَ - مُشِيرًا إِلَى حِنْطَةٍ -: (لَا آكُلُ هَذِهِ) .. حَنِثَ بِأَكْلِهَا عَلَى هَيْئَتِهَا وَبِطَحِينهَا وَخُبْزِهَا. وَلَوْ قَالَ: (لَا آكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ) .. حَنِثَ بِهَا مَطْبُوخَةً ونيئَةً وَمَقْلِيَّةً، لَا بِطَحِينِهَا وَسَوِيقِهَا وَعَجِينِهَا وَخُبْزِهَا، وَلَا يَتَنَاوَلُ رُطَبٌ تَمْرًا وَلَا بُسْرًا، وَلَا عِنَبٌ زَبيبًا، وَكَذَا الْعُكُوسُ. وَلَوْ قَالَ: (لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ) فَتَتَمَّرَ فَأَكَلَهُ، أَوْ (لَا أُكَلِّمُ ذَا الصَّبيَّ) فَكَلَّمَهُ شَيْخًا .. فَلا حِنْثَ فِي الأَصَحِّ. وَالْخُبْزُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ خُبْزٍ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَأَرُز وَبَاقِلَاءٍ وَذُرَةٍ وَحِمِّصٍ، فَلَوْ ثَرَدَهُ فَأَكَلَهُ .. حَنِثَ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا، فَسَفَّهُ أَوْ تنَاوَلَهُ بِإِصْبَعٍ .. حَنِثَ، وَإِنْ
===
(ولو قال مشيرًا إلى حنطة: "لا آكل هذه" .. حنث بأكلها على هيئتها وبطحينها وخبزها) تغليبًا للإشارة.
(ولو قال: "لا آكل هذه الحنطة") أي: صرح بالإشارة مع الاسم ( .. حنث بها مطبوخة ونيئة ومقلية) لوجود الاسم، والمراد: طبخها مع بقاء حباتها، أما لو هرست .. فلا؛ لزوال اسم الحنطة، قاله البلقيني.
(لا بطحينها وسويقها وعجينها وخبزها) لزوال الاسم والصورة، (ولا يتناول رطب تمرًا ولا بسرًا، ولا عنب زبيبًا، وكذا العكوس) لاختلافهما اسمًا وصفة.
(ولو قال: "لا آكل هذا الرطب"، فتتمَّر فأكله، أو: "لا أكلم ذا الصبي" فكلّمه شيخًا .. فلا حنث في الأصح) لزوال الاسم؛ كما في الحنطة، والثاني: يحنث؛ لأن الصورة ما تغيرت، وإنما تغيرت الصفة فصار كما لو قال: (لا آكل هذا اللحم) فجعله شواء وأكله.
وقوله: (شيخًا) يوهم أنه لو كلّمه بالغًا .. يحنث، وليس كذلك، فلو عبر بـ (البالغ) .. لدلّ على الشيخ من باب أولى.
(والخبز يتناول كل خبز؛ كحنطة وشعير وأرز وباقلاء وذرة وحمّص) وسائر المتخذ من الحبوب وإن لم يكن معهود بلده؛ لوجود الاسم؛ كما لو حلف لا يلبس ثوبًا .. فإنه يحنث بكل ثوب وإن لم يعهده ببلده، (فلو ثرده فأكله .. حنث) لصدق الاسم.
نعم؛ لو صار في المرقة؛ كالحسو فحساه .. لم يحنث.
(ولو حلف لا يأكل سويقًا، فسفَّه أو تناوله بإصبع .. حنث) لأنه يعد آكلًا، (وإن
стр. 2230
جَعَلَهُ فِي مَاءٍ فَشَرِبَهُ .. فَلَا، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ .. فَبالْعَكْسِ، أَوْ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا أَوْ مَائِعًا آخَرَ فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ .. حَنِثَ، أَوْ شَرِبَهُ .. فَلَا، أَوْ لا يَشْرَبُهُ .. فَبالْعَكْسِ، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ جَامِدًا أَوْ ذَائِبًا .. حَنِثَ، وَإِنْ شَرِبَ ذَائِبًا .. فَلا، وَإِنْ أَكَلَهُ فِي عَصِيدَةٍ .. حَنِثَ إِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ ظَاهِرَةً. وَيَدْخُلُ فِي فَاكِهَةٍ رُطَبٌ وَعِنَبٌ وَرُمَّانٌ وَأُتْرُجٌّ وَرَطْبٌ وَيَابِسٌ. قُلْتُ: وَلَيْمُونٌ وَنَبِقٌ،
===
جعله في ماء فشربه .. فلا) لأنه لا يسمى أكلًا.
نعم؛ لو كان خاثرًا يؤخذ بالملاعق وتحساه .. حنث على الأصح.
(أو لا يشربه .. فبالعكس) فيحنث في الثانية؛ لوجود المحلوف عليه دون الأولى؛ لأنه لم يشربه، (أو لا يأكل لبنًا أو مائعًا آخر، فأكله بخبز .. حنث) لأنه كذلك يؤكل، (أو شربه .. فلا) لعدم الأكل، (أو لا يشربه .. فبالعكس) فيحنث في الثانية؛ لوجود المحلوف عليه دون الأولى؛ لعدمه، (أو لا يأكل سمنًا فأكله بخبز جامدًا أو ذائبًا .. حنث، وإن شرب ذائبًا .. فلا) لصدق اسم الأكل في الأولى دون الثانية.
(وإن أكله في عصيدة .. حنث إن كانت عينه ظاهره) أي: متميزة في الحس؛ كما قاله الإمام (١)؛ لأنه فعل المحلوف عليه وزاد، فأشبه ما لو حلف لا يدخل على زيد، فدخل على زيد وعمرو، وإن كانت عينه مستهلكة .. فلا.
(ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمان وأترج ورطب ويابس) لوقوع الاسم على ذلك؛ لأن الفاكهة ما يتفكه بها؛ أي: يُتنعَّم بأكلها ولا يكون قوتًا؛ كما قاله البَنْدَنيجي.
(قلت: وليمون ونبق) ونارنج؛ كما ذكره في "التتمة"، قال البُلْقيني: ولم أجد ذكر الليمون إلا في "التتمة" وهو مردود؛ لأنه ليس من الفاكهة عرفًا، وإنما يصلح به بعض الأطعمة، فهو كالملح أو الخل، قال: والنارنج كذلك وإن كان يطلق عليهما فاكهة لغة.
стр. 2231
وَكَذَا بِطِّيخٌ وَلُبُّ فُسْتُقٍ وَبنْدُقٍ وَغَيْرِهِمَا فِي الأَصَحِّ، لَا قِثَّاءٌ وَخِيَارٌ وَبَاذِنْجَانٌ وَجَزَرٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الثِّمَارِ يَابِسٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أُطْلِقَ بِطِّيخٌ وَتَمْرٌ وَجَوْزٌ .. لَمْ يَدْخُلْ هِنْدِيٌّ. وَالطَّعَامُ يَتَنَاوَلُ قُوتًا وَفَاكِهَةً وَأُدْمًا وَحَلْوَى. وَلَوْ قَالَ: (لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْبقَرَةِ) .. تنَاوَلَ لَحْمَهَا دُونَ وَلَدٍ وَلَبَنٍ، أَوْ (مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) .. فَثَمَرٌ دُونَ وَرَقٍ وَطَرَفِ غُصْنٍ.
===
(وكذا بطيخ ولبُّ فستق وبندق وغيرهما) كجوز ولوز (في الأصح) أما البطيخ .. فلأن له نضجًا وإدراكًا كالفواكه، وأما اللبوب .. فلأنها تعد من يابس الفاكهة، والثاني: المنع؛ إلحاقًا للبطيخ بالخيار، وأما اللبوب .. فلا تعد في العرف فاكهة، واختاره الأَذْرَعي وغيره.
(لا قثّاء وخيار وباذنجان وجزر) لأنها من الخضراوات لا من الفاكهة، فأشبهت البقل، وتعجب الشيخ برهان الدين من كون الفستق ونحوه من الفاكهة دون الخيار مع جريان العادة بجعل الخيار في أطباق الفاكهة دون الفستق ونحوه.
(ولا يدخل في الثمار يابس، والله أعلم) لأن الثمر اسم للرطب من الفاكهة، قال الشيخ برهان الدين: ولا يظهر فرق بين هذا وبين دخول اليابس في الفاكهة.
(ولو أطلق بطيخ وتمر وجوز .. لم يدخل هنديّ) في الجميع؛ للمخالفة في الصورة والطعم، والبطيخ الهندي هو: الأخضر.
(والطعام يتناول قوتًا وفاكهة وأدمًا وحلوى) لأن اسم الطعام يقع على الجميع، وقد سبق في (الربا) ما هو أبسط من ذلك فليراجع.
(ولو قال: "لا آكل من هذه البقرة" .. تناول لحمها دون ولد ولبن) حملًا على الحقيقة المتعارفة، والشحم كاللحم؛ كما صرح به الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" والقاضي حسين وغيرهما، (أو: "من هذه الشجرة" .. فثمر دون ورق وطرف غصن) حملًا على المجاز المتعارف؛ لتعذر الحمل على الحقيقة؛ لأن الأغصان والأوراق لا تراد في العرف.
* * *
стр. 2232
فصلٌ [في مسائل منثورة ليقاس بها غيرها]
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ، فاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ فَأَكَلَهُ إلَّا تَمْرَةً .. لَمْ يَحْنَثْ، أَوْ لَيَأْكُلَنَّهَا فَاخْتَلَطَتْ .. لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِالْجَمِيع، أَوْ لَيَأْكُلُ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ .. فَإِنَّمَا يَبَرُّ بِجَمِيعِ حَبِّهَا، أَوْ لَا يَلْبَسُ هَذَيْنِ .. لَمْ يَحْنَثْ بَأَحَدِهِمَا، فَإِنْ لَبسَهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا .. حَنِثَ، أَوْ لَا يَلْبَسُ هَذَا وَلَا هَذَا .. حَنِثَ بِأَحَدِهِمَا، أَوْ لَيَأْكُلَنَّ ذَا الطَّعَامَ غَدًا فَمَاتَ قَبْلَهُ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
===
(فصل: حلف لا يأكل هذه التمرة، فاختلطت بتمر فأكله إلا تمرة .. لم يحنث) لجواز أن تكون هي المحلوف عليها، والأصل براءة الذمة، وكذا الحكم لو تلف من الجميع تمرة.
وكلامه يوهم: أنه لو أكله إلا بعض تمرة .. حنث، وليس كذلك.
(أو ليأكلنَّها فاختلطت .. لم يبر إلا بالجميع) لاحتمال أن تكون المتروكة هي المحلوف عليها.
نعم؛ لو وقعت التمرة في جانب من الصبرة، فأكل ذلك الجانب .. برّ قاله الإمام.
(أو ليأكل هذه الرمانة .. فإنما يبر بجميع حبها) لتعلق اليمين بالمجموع، ولهذا لو قال: (لا آكلها)، فترك حبة .. لم يحنث، (أو لا يلبس هذين .. لم يحنث بأحدهما) لأن الحلف عليهما.
نعم؛ لو نوى ألا يلبس منهما شيئًا .. حنث بأحدهما، نصّ عليه في "الأم".
(فإن لبسهما معًا أو مرتبًا .. حنث) لوجود المحلوف عليه.
(أو لا يلبس هذا ولا هذا .. حنث بأحدهما) لأنهما يمينان حتى لو حنث في أحدهما .. بقيت اليمين منعقدة على الآخر، فإن وجد .. وجبت كفارة أخرى على الأصح في (باب الإيلاء)؛ لأن إدخال حرف العطف وتكرار (لا) بينهما يقتضي ذلك، ويخالف ما لو حذف (لا) .. فإنه لا يحنث إلا بالمجموع.
(أو ليأكلن ذا الطعام غدًا فمات قبله) أي: قبل مجيء الغد ( .. فلا شيء عليه) لأنه لم يبلغ زمن البِرِّ.
стр. 2233
وَإِنْ مَاتَ أَوْ تَلِفَ الطعَامُ فِي الْغَدِ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَكْلِهِ .. حَنِثَ، وَقَبْلَهُ قَوْلَانِ كَمُكْرَهٍ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ قَبْلَ الْغَدِ .. حَنِثَ، وَإِنْ تَلِفَ أَوْ أَتلفَهُ أَجْنَبيٌّ .. فَكَمُكْرَهٍ. أَوْ (لأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ) .. فَلْيَقْضِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ الشَّهْرِ،
===
(وإن مات أو تلف الطعام) أو بعضه (في الغد بعد تمكنه من أكله .. حنث) لأنه فوّت البرّ على نفسه باختياره (وقبله قولان كمُكره) والأظهر: عدم الحنث؛ لفوات البر بغير اختياره.
وقوله: (قبله): يشمل صورتين: قبل الغد، وبعد مجيئه وقبل التمكن؛ فإن حكمها بالنسبة إلى التلف واحد، وأما بالنسبة إلى الموت .. فلا؛ لأنه قبل الغد لا يحنث قطعًا، وفيه قبل التمكن قولا المكره، فينبغي حمل كلامه على الصورة الثانية؛ لينهض طرد الخلاف في الموت والتلف.
واعلم: أنهم حيث أطلقوا قولي المكره .. أرادوا به ما إذا اختار الحلف ثم أكره على الحنث، أما إذا أكره على الحلف .. فلا خلاف في عدم الحنث.
(وإن أتلفه) عالمًا عامدًا مختارًا (بأكل وغيره قبل الغد .. حنث) لأن البر مقيد بزمان، فكان شرطًا؛ كالمقيد بمكان وقد فوته باختياره.
وهل يحنث في الحال أو بعد مجيء الغد؟ وجهان: كلام المصنف يقتضي الأول؛ لتحقق اليأس، لكن كلام "الروضة" و"أصلها" قد يقتضي الثاني (١).
وفائدة الخلاف: أنه لو كان معسرًا .. يكفر بالصوم، فيجوز أن ينوي صوم الغد عن كفارته على الأول دون الثاني، وفيما لو مات الحالف قبل مجيء الغد أو أعسر وقلنا: يعتبر في الكفارة حال الوجوب.
(وإن تلف) بنفسه (أو أتلفه أجنبي) قبل الغد ( .. فكمُكره) فعلى ما مرّ.
(أو: "لأقضين حقك عند رأس الهلال") أو معه، أو مع رأس الشهر ( .. فليقض عند غروب الشمس آخر الشهر) لوقوع هذا اللفظ على أول جزء من الشهر.
ولفظة (عند) و (مع): تقتضي المقاربة.
стр. 2234
فإِنْ قَدَّمَ أَوْ مَضَى بَعْدَ الْغُرُوبِ قَدْرُ إِمْكَانِهِ .. حَنِثَ، فَلَوْ شَرَعَ فِي الْكَيْلِ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَفْرُغْ لِكَثْرتهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ .. لَمْ يَحْنَثْ. أَوْ لَا يَتكلَّمُ فَسَبَّحَ أَوْ قَرَأَ قُرْآنًا .. فَلَا حِنْثَ، أَوْ لَا يُكَلِّمُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ .. حَنِثَ، وَإِنْ كَاتبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا .. فَلَا فِي الْجَدِيدِ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةً أَفْهَمَهُ بِهَا مَقْصُودَهُ وَقَصَدَ قِرَاءَةً .. لَمْ يَحْنَثْ، وإلَّا .. حَنِثَ
===
(فإن قدّم) القضاء على ذلك (أو مضى بعد الغروب قدرُ إمكانه .. حنث) لتفويت البر باختياره؛ كما لو أكل الطعام قبل مجيء الغد.
(فلو شرع في الكيل) أو الوزن (حينئذ ولم يفرغ؛ لكثرته إلا بعد مدة .. لم يحنث) لأنه أخذ في القضاء عند ميقاته، والشروع في مقدمات القضاء كحمل الميزان كالشروع في الكيل.
(أو لا يتكلم فسبح) أو هلل أو دعا، (أو قرأ قرآنًا .. فلا حنث) لانصراف الكلام عرفًا إلى كلام الآدميين.
(أو لا يكلمه فسلم عليه) باللفظ ( .. حنث) لأنه نوع من الكلام.
(وإن كاتبه أو راسله أو أشار إليه بيد أو غيرها .. فلا في الجديد) لأنها ليست بكلام عرفًا وإن سميت به مجازًا، بدليل صحة النفي؛ فيقال: ما كلّمه، ولكن كاتبه أو راسله، وقد قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾، والقديم: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، فاستثناء الرسالة من التكلم، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، فاستثنى الرمز من الكلام، فدل على أنهما منه.
وشمل إطلاق المصنف: الإشارة من الأخرس، وهو كذلك، وإنما جعلت في معاملاته كعبارته؛ للضرورة (١).
(وإن قرأ آية أفهمه بها مقصوده وقصد قراءة) فقط، أو مع إفهامه ( .. لم يحنث) لأنه لم يكلمه، (وإلّا .. حنث) لأنه كلّمه.
وشمل قوله: (وإلا): ما إذا قصد إفهامه فقط، وما إذا أطلق، وقال البُلْقيني: المعتمد في حالة الإطلاق: عدم الحنث؛ لأنه لم يكلمه، ولا ينافي هذا أنه لا يحرم
стр. 2235
أَوْ لَا مَالَ لَهُ .. حَنِثَ بِكُلِّ نَوْع وَإِنْ قَلَّ، حَتَّى ثَوْبِ بَدَنِهِ، وَمُدَبَّرٍ، وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ، وَمَا وَصَّى بِهِ، وَدَيْنٍ حَالٍّ، وَكذَا مُؤَجَّلٌ فِي الأَصَحِّ، لَا مُكَاتبٌ فِي الأَصَحِّ. أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُ .. فَالْبِرُّ بِمَا يُسَمَّى ضَرْبًا، وَلَا يُشْتَرَطُ إِيلَامٌ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: (ضَرْبًا شَدِيدًا)، وَلَيْسَ وَضْعُ سَوْطٍ عَلَيْهِ وَعَضٌّ وَخَنِقٌ وَنَتْفُ شَعَرٍ ضَرْبًا، قِيلَ: وَلَا لَطْمٌ وَوَكْزٌ
===
على الجنب مثل ذلك، وتبطل الصلاة عند من قال بذلك؛ لأن مدركه أنه ليس بقرآن إذا لم يقصده، ولا يلزم من ذلك الحنث به؛ لأن المحكوم عليه أمر مخصوص، وهو ألّا يكلم زيدًا، فلو حلف لا يتكلم .. حنث بذلك؛ لأنه تكلم.
(أو لا مال له .. حنث بكل نوع وإن قل، حتى ثوب بدنه) لصدق الاسم عليه، (ومدبر ومعلق عتقه) بصفة (وما وصى به) لأنه ملكه (ودين حال) على مليء مقر؛ لأنه متى شاء .. أخذه؛ كالوديعة، وكذا على معسر على أقوى الوجهين في الرافعي، وكذا على جاحد ولا بينة على الأصح في "الروضة" (١).
(وكذا مؤجل في الأصح) لأنه ثابت في الذمة، يصح الإبراء منه، والثاني: المنع؛ لأن المالية صفة لموجود، ولا موجود ههنا، (لا مكاتب) كتابة صحيحة (في الأصح) لأنه كالخارج عن ملكه؛ فإنه لا يملك منافعه ولا أرش جناية عليه، والثاني: يحنث؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
(أو ليضربنه .. فالبرّ بما يسمى ضربًا) لصدق الاسم، ولا يكفي وضع اليد عليه ورفعها، (ولا يشترط إيلام) لصدق الاسم؛ لأنه يقال: ضربه ولم يؤلمه (إلا أن يقول) أو ينوي ("ضربًا شديدًا") فيشترط حينئذ؛ للتنصيص عليه.
(وليس وضع سوط عليه وعض وخنق ونتف شعر) وقرص (ضربًا) لأنه لا يتناول ذلك؛ بدليل صحة نفيه عنه، (قيل: ولا لطم ووكز) وهو الضرب بجمع يده على ذقنه؛ كما قاله الجوهري وغيره، وقال الزمخشري: هو الدفع بأطراف الأصابع (٢)، وكذا رفس وصفع؛ لأنه لا يسمى ضربًا عادة، والصحيح: أن الكل ضرب؛ كما
стр. 2236
أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُ مِئَةَ سَوْطٍ أَوْ خَشَبَةٍ، فَشَدَّ مِئَةً وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً، أَوْ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِئَةُ شِمْرَاخٍ .. بَرَّ إِنْ عَلِمَ إِصَابَةَ الْكُلِّ، أَوْ تَرَاكَمَ بَعْضٌ عَلَى بَعْضٍ فَوَصَلَهُ أَلَمُ الْكُلِّ. قُلْتُ: وَلَوْ شَكَّ فِي إِصَابَةِ الْجَمِيعِ .. بَرَّ عَلَى النَّصِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُ مِئَةَ مَرَّةٍ .. لَمْ يَبَرَّ بِهَذَا.
===
جزما به في (كتاب الطلاق)؛ لأنه يقال: ضربه بيده ورجله وإن تنوعت أسماء الضرب (١).
(أو ليضربنه مئة سوط أو خشبة، فشد مئة وضربه بها ضربة، أو بعِثكال عليه مئة شمراخ .. برّ إن علم إصابة الكل) بأن عاين إصابة كل واحد منها بالضرب؛ بأن بسطها واحدًا بعد واحد؛ كالحصير، (أو تراكم بعض على بعض فوصله ألم الكل) لقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فإن الضغث هو: الشماريخ القائمة على الساق الواحد، ويسمى: العثكال، وهذا وإن كان شرع من قبلنا فقد ورد تقريره في (قصة الزاني الضعيف) كما ذكرناه في (باب الزنا).
وقوله: (ألم الكل) أي: ثقل الكل؛ لأن الألم لا يشترط، وما جزم به من الاكتفاء بالعثكال في مئة سوط نقله في "المهمات" عن جمع كثير من الأصحاب، وقال: إنه الصواب الذي عليه الفتوى، لكن صححا في "الروضة" و"أصلها": أنه لا يبرّ به؛ لأنها أخشاب لا سياط (٢).
وجزما بالبر بالعثكال في مئة خشبة، ونقله ابن الصلاح عن الإمام وبعض الخراسانيين، ثم استبعده؛ لأنه يأباه لفظ الخشبة، قال: لكن إن أطلق الخشب على عيدان الشماريخ في عرف قوم .. صح ذلك (٣).
(قلت: ولو شك في إصابة الجميع .. برّ على النص، والله أعلم) عملًا بالظاهر وهو الإصابة، وفيه قول مخرج: بأنه لا يبرّ، وهو الموافق لما تقدم في (حد الزنا).
(أو ليضربنه مئة مرة .. لم يبرّ بهذا) أي: بالمشدودة والعثكال؛ لأنه جعل العدد
стр. 2237
أَوْ (لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى أَسْتَوْفيَ) فَهَرَبَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اتِّبَاعُهُ .. لَمْ يَحْنَثْ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لَا يَحْنَثُ إِذَا أَمْكَنَهُ اتِّبَاعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ فَارَقَهُ، أَوْ وَقَفَ حَتَّى ذَهَبَ وَكَانَا مَاشِيَيْنِ، أَوْ أَبْرَأَه، أَوِ احْتَالَ عَلَى غَرِيمٍ ثمَّ فَارَقَهُ، أَوْ أَفْلَسَ فَفَارَقَهُ لِيُوسِرَ .. حَنِثَ،
===
للضربات، وكذا لو قال: (مئة ضربة) على الأصح.
(أو: "لا أفارقك حتى أستوفي") حقي منك (فهرب ولم يمكنه اتّباعه .. لم يحنث) لأنه حلف على فعل نفسه؛ فلا يحنث بفعل الغريم، (قلت: الصحيح: لا يحنث إذا أمكنه اتّباعه، والله أعلم) لما مرّ، وهذا استدراك على المفهوم" فإنه قيد عدم الحنث بعدم إمكان اتباعه، فأفهم الحنث عند إمكانه، ووجه مقابله: أنه بالمقام مفارق، كما لو فارق أحد المتبايعين صاحبه وبقي الآخر مع إمكان اتباعه .. فإنه ينقطع خيارهما.
وفرّق الأول: بأن التفرق في البيع متعلق بهما جميعًا، ولو فارقه بإذنه .. فلا حنث أيضًا على الأصح.
والمراد بالمفارقة: ما تقطع خيار المجلس.
(وإن فارقه) الحالف ذاكرًا مختارًا، (أو وقف حتى ذهب وكانا ماشيين، أو أبرأه، أو احتال على غريم ثم فارقه، أو أفلس ففارقه ليوسر .. حنث) لوجود المفارقة الحقيقية في الأولى، وفي الثانية: حصلت المفارقة بالوقوف؛ لأنه الحادث فنسب المفارقة إليه.
والمسألة الثانية من زيادات "الكتاب" على "المحرر" (١).
واحترز بقوله: (وكانا ماشيين): عمّا إذا كانا ساكنين فابتدأ الغريم بالمشي .. فلا يحنث؛ لأن الحادث المشي، وهو فعل الغريم.
وأما في الثالثة .. فلأنه فوت البر باختياره، وأما الرابعة .. فلأن الحوالة وإن قلنا: هي استيفاء .. فليست استيفاء حقيقة، وإنما هي كالاستيفاء في الحكم، وأما في الأخيرة .. فلوجود المفارقة.
стр. 2238
وَإِنِ اسْتَوْفَى وَفَارَقَهُ فَوَجَدَهُ نَاقِصًا؛ إِنْ كَانَ جِنْسَ حَقِّهِ لكِنْ أَرْدَأُ .. لَمْ يَحْنَثْ، وإلَّا .. حَنِثَ عَالِمٌ، وَفِي غَيْرِهِ الْقَوْلَانِ. أَوْ لَا رَأَى مُنْكَرًا إلَّا رَفَعَهُ إِلَى الْقَاضِي، فَرَأَى وَتَمَكَّنَ فَلَمْ يَرْفَعْ حَتَّى مَاتَ .. حَنِثَ، وَحُمِلَ عَلَى قَاضِي الْبَلَدِ، فَإِنْ عُزِلَ .. فَالْبِرُّ بِالرَّفع إِلَى الثَّانِي -أَوْ إلَّا رَفَعَهُ إِلَى قَاضٍ .. بَرَّ بِكُلِّ قَاضٍ، أَوْ إِلَى الْقَاضِي فُلَانٍ فَرَآهُ ثُمَّ عُزِلَ؛ فَإِنْ نَوَى مَا دَامَ قَاضِيًا .. حَنِثَ إِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُهُ فَتَرَكَهُ،
===
وإن كان تركه واجبًا؛ كما لو قال: (لا أصلي الفرض)، فصلى .. فإنه يحنث وإن كانت الصلاة واجبة، ولو ألزمه الحاكم بمفارقته .. فعلى قولي المكره، والأصح: لا حنث.
(وإن استوفى وفارقه فوجده ناقصًا؛ إن كان جنس حقه، لكن أردأ .. لم يحنث) (١) لأن الرداءة لا تمنع الاستيفاء، (وإلا) أي: وإن كان غير جنس حقه؛ بأن كان حقه دراهم فخرج المأخوذ نحاسًا أو مغشوشًا ( .. حنث عالم) بالحال قبل المفارقة؛ للمفارقة قبل الاستيفاء، (وفي غيره) أي: غير العالم بالحال (القولان) في حنث الجاهل والناسي.
(أو لا رأى منكرًا إلا رفعه إلى القاضي، فرأى وتمكّن فلم يرفعه حتى مات) الحالف ( .. حنث) لأنه فوّت البرَّ باختياره، فإن لم يتمكن حتى مات .. فقولا حنث المكره.
(وحمل على قاضي البلد، فإن عزل .. فالبرّ بالرفع إلى الثاني) (٢) لأن التعريف بالألف واللام يرجع إليه، ولو كان في البلد قاضيان .. يُخير، ويشترط أن يرفعه إليه في محل ولايته، فإن كان في غيرها .. لم يبرّ؛ إذ لا يمكنه إقامة موجبه، قاله البغوي (٣)، (أو إلّا رفعه إلى قاضٍ .. برّ بكلِّ قاضٍ) في ذلك البلد وغيره؛ لصدق الاسم، (أو إلى القاضي فلان فرآه) أي: المنكر (ثم عزل؛ فإن نوى ما دام قاضيًا .. حنث إن أمكنه رفعه فتركه) لتفويته البرّ باختياره.
стр. 2239
وإلَّا .. فَكَمُكْرَهٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ .. بَرَّ بالرَّفْع إِلَيْهِ بَعْدَ عَزْلهِ.
فصلٌ [في الحلف على ألا يفعل كذا]
حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَا يَشْتَرِي، فَعَقَدَ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهٍ .. حَنِثَ - وَلَا يَحْنَثُ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ لَهُ - أَوْ لَا يُزَوِّجُ أَوْ لَا يُطَلِّقُ أَوْ لَا يَعْتِقُ أَوْ لَا يَضْرِبُ، فوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ .. لَمْ يَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَلَّا يَفْعَلَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، أَوْ لَا يَنْكِحُ .. حَنِثَ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ لَهُ
===
نعم؛ إن ولي ثانيًا ورفع إليه .. لم يحنث.
(وإلا) أي: وإن لم يتمكن من الرفع؛ لمرض أو حبس أو جاء إلى باب القاضي فحجب ( .. فكمكره) والأصح: لا حنث.
(وإن لم ينو) ما دام قاضيًا ( .. بر بالرفع إليه بعد عزله) جزمًا إن نوى عينه، وذكر القضاء للتعريف، وعلى الأصح إن أطلق؛ نظرًا إلى التعيين، ووجه مقابله نظرًا إلى الصفة.
* * *
(فصل: حلف لا يبيع أو لا يشتري، فعقد لنفسه أوغيره) بوكالة أو ولاية ( .. حنث) أما لنفسه .. فجزمًا؛ لصدور الفعل منه، وأما لغيره .. فعلى الصحيح؛ لأن إطلاق اللفظ يشمله، ومطلق الحلف على العقود ينزل على الصحيح؛ فلا يحنث بالفاسد، (ولا يحنث بعقد وكيله له) لأنه لم يعقد.
(أو لا يزوج أو لا يطلّق أو لا يعتق أو لا يضرب فوكل من فعله .. لم يحنث) وإن كان ممن لا يتعاطاه بنفسه أو لا يحسنه؛ لأنه لم يفعله، (إلا أن يريد ألّا يفعل هو ولا غيره) فيحنث بالتوكيل فيما ذكر في مسائل الفصل كلها عملًا بإرادته.
(أو لا ينكح .. حنث بعقد وكيله له) لأن الوكيل سفير محض؛ ولهذا تجب تسمية الموكّل.
وجزمه بالحنث تبع فيه "المحرر"، وجزم به أيضًا في "الشرح" في الفصل الخامس في (التوكيل في النكاح) (١)، لكن نقلا في "الشرح" و"الروضة" هنا
стр. 2240
لَا بِقَبُولهِ هُوَ لِغَيْرِهِ، أَوْ لَا يَبِيعُ مَال زَيْدٍ فَبَاعَهُ بِإِذْنِهِ .. حَنِثَ، وإلَّا .. فَلَا، أَوْ لَا يَهَبُ لَهُ فَأَوْجَبَ لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ .. لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا إِنْ قَبِلَ وَلَمْ يَقْبِضْ فِي الأَصَحِّ، وَيَحْنَثُ بِعُمْرَى وَرُقْبَى، وَصَدَقةٍ لَا إِعَارَةٍ، وَوَصِيّةٍ
===
وجهين عن "التهذيب": القطع بالحنث، وعن الصَّيْدَلاني والغزالي: القطع بعدمه (١).
وقال البُلْقيني: إن تصحيح الحنث مخالف لمقتضى نصوص الشافعي ﵁: أن من حلف على شيء ألّا يفعله فأمر غيره بفعله .. لم يحنث، ولقاعدته وهي: أن النظر في ذلك إلى الحقيقة، ولِمَا عليه الأكثرون؛ فقد جزم بعدم الحنث القفال والماوردي وابن الصباغ وصاحب "البيان"، وحكاه في "النهاية" عن قطع الأصحاب في الطرق، وقال: ولم أر أحدًا اعتمد مقابله إلا البغوي (٢)، وقال الخوارزمي في "الكافي": إنه المنقول في طريقتنا؛ يعني: في طريقة المراوزة، وهو ممنوع؛ لما تقدم عن القفال والصَّيْدَلاني. انتهى.
(لا بقبوله هو لغيره) لأنه لم ينكح.
(أو لا يبيع مال زيدٍ فباعه بإذنه .. حنث) لصدق اسم البيع، ويلتحق بإذنه إذن الحاكم لحجر أو امتناع، (وإلا) أي: وإن باع بغير إذن ( .. فلا) حنث؛ لفساد البيع.
(أو لا يهب له فأوجب له فلم يقبل .. لم يحنث) لأن العقد لم يتم، (وكذا إن قبل ولم يقبض في الأصح) لأن مقصود الهبة نقل الملك ولم يوجد، والثاني: يحنث؛ لأن الهبة قد حصلت، والمتخلف الملك.
(ويحنث بعمرى ورقبى وصدقة) تطوعًا، وهدية مقبوضة؛ لأنها من أنواع الهبة، ولا يحنث بالصدقة الواجبة على الأصح.
(لا إعارة) إذ لا تمليك فيها، (ووصية) لأنها تمليك بعد الموت، والميت
стр. 2241
وَوَقْفٍ. أَوْ لَا يَتَصَدَّقُ .. لَمْ يَحْنَثْ بِهِبَةٍ فِي الأَصَحِّ، أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ .. لَمْ يَحْنَثْ بِمَا اشْتَرَاهُ مَعَ غَيْرهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ) فِي الأَصَحِّ، وَيَحْنَثُ بِمَا اشْتَرَاهُ سَلَمًا، وَلَوِ اخْتَلَطَ مَا اشْتَرَاهُ بِمُشْتَرَى غيْرِهِ .. لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتيقَّنَ أَكْلَهُ مِنْ مَالِهِ. أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارًا اشْتَرَاهَا زَيْدٌ .. لَمْ يَحْنَثْ بِدَارٍ أَخَذَهَا بِشُفْعَةٍ.
===
لا يحنث، (ووقف) بناء على المذهب: أنه لا يملكه.
(أو لا يتصدق .. لم يحنث بهبة في الأصح) لأنها ليست صدقة؛ ولهذا تحل له ﷺ ، والثاني: يحنث؛ كما لو حلف لا يهب فتصدق.
وفرق الأول: بأن الصدقة أخص، فكل صدقة هبة، وليس كل هبة صدقة.
(أو لا يأكل طعامًا اشتراه زيد .. لم يحنث بما اشتراه) زيد (مع غيره) مشاعًا؛ لأن كل جزء من الطعام لم يختص زيد بشرائه وإن قلّ؛ بدليل أنه لا يقال: اشتراه، بل بعضه، واليمين محمولة على ما انفرد زيد بشرائه، (وكذا لو قال: "من طعام اشتراه زيد" في الأصح) لما سبق، والثاني: يحنث؛ لصدق الاسم، (ويحنث بما اشتراه سلمًا) لأنه صنف من الشراء.
(ولو اختلط ما اشتراه) زيد (بمشترى غيره .. لم يحنث حتى يتيقن أكله من ماله) بأن أكل قدرًا صالحًا؛ كالكف والكفين؛ لأن به يتحقق الحنث، بخلاف عشر حبات وعشرين، (أو لا يدخل دارًا اشتراها زيد .. لم يحنث بدار أخذها بشفعة) لفقد الاسم المعلق عليه اليمين في الوضع والعرف؛ إذ الأخذ بالشفعة شراء حكمي لا حقيقي.
وفي عبارته تساهل؛ إذ يتعذر أخذ كل الدار بالشفعة، فكان الأولى أن يقول: (أخذ بعضها بشفعة) أو يقول: (أو لا يدخل دارًا اشترى فلان بعضها فأخذ البعض بالشفعة).
ويتصور أخذ جميع الدار بالشفعة في عقدين؛ بأن يملك شخص نصف دار، ويبيع شريكه نصفه الآخر، فيأخذ هذا بالشفعة، فتصير الدار جميعها له، ثم يبيع النصف الذي لم يملكه بالشفعة، ثم يبيعه ذلك الشخص لأجنبي، فيأخذه الشريك بالشفعة وصدق أنه ملك جميع الدار بالشفعة.
ويتصور أيضًا في شفعة الجوار إذا حكم بها حنفي تحل له باطنًا؛ كما هو الأصح.
* * *
стр. 2242
كتاب النَّذر
هُوَ ضَرْبَانِ: نَذْرُ لَجَاجٍ؛ كـ (إِنْ كَلَّمْته .. فَلِلهِ عَلَيَّ عِتْق أَوْ صَوْم)، وَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ،
===
(كتاب النذر)
هو في اللغة: الوعد مطلقًا، وفي الشرع: الوعد بخير.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وفي "الصحيح": "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ .. فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ .. فَلَا يَعْصِهِ" (١).
واختلف فيه، فقيل: هو مكروه، وحكي عن النص، وجزم به في "شرح المهذب"؛ لصحة النهي عنه، وأنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به مال البخيل (٢)، وقيل: هو خلاف الأولى، وقيل: هو قربة، وجزم به جمع منهم الرافعي في الكلام على نذر الكافر (٣).
والنهي عنه محمول على من عَلِم من حاله عدم القيام بما التزمه جمعًا بين الأدلة.
وقال ابن الرفعة: يظهر كون نذر التبرر قربة، وأن محل النهي نذر المجازاة (٤).
ويشترط في الناذر: إسلام، وتكليف، واختيار، وإطلاق التصرف فيما نذره.
(هو ضربان: نذر لَجاج) بفتح اللام وهو: ما خرج مخرج اليمين؛ بأن يقصد منع نفسه من فعل، أو يحثها عليه بالتزام قربة بالفعل أو الترك (كـ "إن كلّمته) أو إن لم أكلمه ( .. فلله علي عتق أو صوم"، وفيه كفارة يمين) لقوله ﵊: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" رواه مسلم (٥)، ولا كفارة في نذر التبرر قطعًا، فتعين أن يكون المراد به اللجاج.
стр. 2243
وَفِي قَوْلٍ: مَا الْتَزَمَ، وَفِي قَوْلٍ: أَيُّهُمَا شَاءَ. قُلْتُ: الثَّالِثُ أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ دَخَلْتُ .. فَعَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ نَذْر) .. لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بِالدُّخُولِ. وَنَذْرُ تبرُّر؛ بِأَنْ يَلْتَزِمَ قُرْبَةً إِنْ حَدَثَتْ نِعْمَةٌ أَوْ ذَهَبَتْ نِقْمَة، كـ (إِنْ شُفِيَ مَرِيضِي .. فَلِلّهِ عَلَيَّ أَوْ فَعَلَيَّ كَذَا)، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إِذَا حَصَلَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ كـ (للهِ عَلَيَّ صَوْمٌ) .. لَزِمَهُ فِي الأَظْهَرِ
===
(وفي قول: ما التزم) وفاء به؛ كما في نذر التبرر، (وفي قول: أيّهما شاء) لأنه يشبه النذرَ من حيث إنه التزام قربة، واليمينَ من حيث إن مقصوده مقصود اليمين، ولا سبيل إلى الجمع بين موجبهما، ولا إلى تعطيلهما، فوجب التخيير، (قلت: الثالث أظهر، ورجحه العراقيون، والله أعلم) لما قلناه.
(ولو قال: "إن دخلت .. فعليّ كفارة يمين، أو) قال: إن دخلت فعليّ (نذر" .. لزمه) في الصورتين (كفارة) أي: كفارة يمين (بالدخول) أما في الأولى .. فبالاتفاق؛ تغليبًا لحكم اليمين، وأما الثانية .. فعلى الصحيح؛ للحديث المارّ (١).
(ونذر تبرر) أي: تقرّب (بأن يلتزم قربة إن حدثت نعمة، أو ذهبت نقمة؛ كـ "إن شفي مريضي فلله عليّ، أو فعلي كذا" .. فيلزمه ذلك إذا حصل المعلّق عليه) للحديث المارّ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله .. فَلْيُطِعْهُ" (٢).
وقد ذمّ الله أقوامًا عاهدوا ولم يفوا فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية.
(وإن لم يعلقه) أي: النذر (بشيء كـ "لله علي صوم" .. لزمه في الأظهر) لإطلاق الحديث المذكور، والثاني: لا يصح، ولا يلزمه شيء؛ لأن أهل اللغة قالوا - كما حكاه ثعلب -: النذر هو وعد بشرط ولا شرط هنا؛ فلا نذر.
ومنع الأول هذا؛ لقوله تعالى عن أم مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ الآية، فأطلقت ولم تعلقه على شرط وسمّته نذرًا، وهذا نذر تبرّر أيضًا؛ لأن نذر التبرر قسمان: قسم معلَّق، وقسم غير معلَّق.
стр. 2244
وَلَا يَصِحُّ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، وَلَا وَاجِبٍ، وَلَوْ نَذَرَ فِعْلَ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكَهُ .. لَمْ يَلْزَمْهُ، لكِنْ إِنْ خَالَفَ .. لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى الْمُرَجَّحِ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَيامٍ .. نُدِبَ تَعْجِيلُهَا، فَإِنْ قَيَّدَ بِتَفْرِيقٍ أَوْ مُوَالَاةٍ .. وَجَبَ، وإلَّا .. جَازَ. أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنةٍ .. صَامَهَا وَأَفْطَرَ الْعِيدَ وَالتّشرِيقَ وَصَامَ رَمَضَانَ عَنْهُ وَلَا قَضَاءَ
===
(ولا يصح نذر معصية) كالقتل والزنا وصوم يوم العيد؛ للحديث: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ" رواه مسلم (١)، (ولا واجب) كصوم رمضان، وألّا يشرب الخمر؛ لأنه واجب بإيجاب الشرع ابتداءً، فلا معنى لإيجابه.
(ولو نذر فعل مباح) كالأكل والنوم، (أو تركه .. لم يلزمه) لقوله ﵊: "لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بهِ وَجْهُ الله" رواه أبو داوود (٢).
قال الأئمة: وقد يقصد بالأَكل: التقوي على العبادة، وبالنوم: النشاطُ على التهجد فيثاب عليه، ولكن ذاك يرجع إلى مجرد القصد.
(لكن إن خالف .. لزمه كفارة يمين على المرجح) تبع في هذا "المحرر"، لكن قضية كلام "الشرح" و"الروضة": عدم اللزوم، وقال في "شرح المهذب": والصواب في الجملة: أنه لا كفارة مطلقًا لا عند المخالفة ولا غيرها في نذر المعصية والفرض والمباح (٣).
(ولو نذر صوم أيام .. ندب تعجيلها) مسارعة إلى براءة الذمة، (فإن قيّد بتفريق أو موالاة .. وجب) عملًا بما التزمه، وفي التفريق وجه: أنه لا يلزم إذا قيد به؛ لأن موالاته أفضل، (وإلا) أي: وإن لم يقيد بتفريق ولا موالاة ( .. جاز) التفريق والموالاة عملًا بمقتضى الإطلاق، لكن الموالاة أفضل خروجًا من خلاف أبي حنيفة.
(أو سنة معينة .. صامها، وأفطر العيد والتشريق) وجوبًا؛ لتحريم صوم ذلك (وصام رمضان عنه) لأن رمضان لا يقبل غيره (ولا قضاء) لأن هذه الأيام لو نذر صومها .. لم ينعقد نذره، فإذا أطلق .. أولى ألّا يدخل في نذره.
стр. 2245
وإنْ أَفْطَرَتْ بِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: لَا يَجِبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا بلَا عُذْرٍ .. وَجَبَ قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ سَنَةٍ، فَإِنْ شَرَطَ التَّتابُعِ .. وَجَبَ فِي الأصَحِّ. أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَشَرَطَ التَّتَابُعَ .. وَجَبَ. وَلَا يَقْطَعُهُ صَوْمُ رَمَضَان عَنْ فَرْضِهِ وَفِطْرُ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ، وَيَقْضِيهَا تِبَاعًا مُتَّصِلَة بِآخِرِ السَّنَةِ، وَلَا يَقْطَعُهُ حَيْضٌ، وَفِي قَضَائِهِ الْقَوْلَانِ،
===
(وإن أفطرت بحيض أو نفاس .. وجب القضاء في الأظهر) لأن الزمان قابل للصوم، وإنما أفطرت لمعنى فيها فتقضي؛ كصوم رمضان، وهذا ما رجحه البغوي فتبعه "المحرر" (١).
(قلت: الأظهر: لا يجب، وبه قطع الجمهور، والله أعلم) لأن أيام الحيض لا تقبل الصوم، فلا تدخل في النذر؛ كالعيد.
(وإن أفطر يومًا بلا عذر .. وجب قضاؤه) لتفويته باختياره، (ولا يجب استئناف سنة) لأن التتابع لم يكن مقصودًا في نفسه بل للوقت؛ كرمضان.
(فإن شرط التتابع) في نذر السنة المعينة ( .. وجب) الاستئناف (في الأصح) لأن ذكر التتابع يدل على كونه مقصودًا، والثاني: لا يجب؛ لأن شرط التتابع مع تعيين السنة لغو.
(أو غير معينة وشرط التتابع .. وجب) وفاءً بما التزمه.
(ولا يقطعه صوم رمضان عن فرضه، وفطر العيد والتشريق) لاستثناء ذلك شرعًا.
واحترز بقوله: (عن فرضه): عما لو صامه عن نذر أو قضاء أو تطوع .. فإنه لا يصح صومه، وينقطع به التتابع قطعًا.
(ويقضيها) أي: رمضان والعيد والتشريق (تباعًا متصلة بآخر السنة) عملًا بشرطه التتابع، (ولا يقطعه حيض) ونفاس (وفي قضائه القولان) في المعينة.
وقضيته: ترجيح عدم القضاء، واعترضه البُلْقيني، وقال: إن أيام الحيض أولى بوجوب القضاء من رمضان والعيد والتشريق؛ فإنه يمكن خلو السنة عنه، ولا يمكن خلوها عن رمضان والعيد والتشريق، وبسط ذلك.