وَيَعْتِقُ ويُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُعْسِرًا .. وَجَبَ الْقَبُولُ، وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مُوسِرًا .. حَرُمَ. وَلَوْ مَلَكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَرِيبَهُ بِلَا عِوَضٍ .. عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ
===
الكمال للأب، ولا نظر إلى احتمال يوقع وجوب النفقة في المستقبل بعجز يطرأ؛ لأنه مشكوك.
(ويعتق) لعموم الأدلة السابقة، (وينفق) عليه (من كسبه) لاستغنائه عن القريب، هذا إذا وهب له جميعه؛ فلو وهب له بعض من يعتق عليه والموهوب له موسر .. لم يجز للولي قبوله وإن كان كاسبًا؛ لأنه لو قبله .. لملكه وعتق عليه وسرى؛ فتجب قيمة حصة الشريك في مال المحجور عليه، كما هو الأصح في "الروضة" و"أصلها" (١)، لكن رجح المصنف في "التصحيح": أنه يقبله، ويعتق ولا يسري (٢)؛ لأن المقتضي للسراية الاختيار، وهو منتف.
(وإلا) أي: وإن لم يكن كاسبًا (فإن كان الصبي معسرًا .. وجب القبول) لأن نفقته لا تجب عليه حينئذ، ويعتق عليه؛ فيحصل له بذلك كمال وثواب بلا ضرر، (ونفقته في بيت المال) إن كان مسلمًا، وليس من تجب نفقته عليه غير الموهوب له؛ لأنه من محاويج المسلمين.
(أو موسرًا .. حرم) القبول؛ لأنه يعتق عليه ويطالب بنفقته، وفي ذلك ضرر.
نعم؛ لو أوصى لصبي بجده وعمه الذي هو ابن هذا الرجل موجود موسر .. لزم الولي القبول ولو كان الجد غير كاسب والموهوب له موسرًا؛ لأن نفقته في هذه الحالة على العم لا على الصبي.
(ولو ملك في مرض موته قريبه) الذي يعتق عليه (بلا عوض) كالإرث ( .. عتق من ثلثه) حتى لو لم يكن له غيره .. لم يعتق إلا ثلثه؛ لأنه دخل في ملكه وخرج بلا مقابلة فاعتبر من الثلث؛ كما لو تبرع به، وهذا ما رجحه البغوي، وتبعه في
стр. 2382
-وَقِيلَ: مِنْ رَأْسِ الْمَالِ- أَوْ بِعِوَضٍ بلَا مُحَابَاةٍ .. فَمِنْ ثُلُثِهِ -وَلَا يَرِثُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ .. فَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ، وَالَأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَلَا يَعْتِقُ، بَلْ يُبَاعُ لِلدَّيْنِ أَوْ بِمُحَابَاةٍ .. فَقَدْرُهَا كَهِبَةٍ، وَالْبَاقِي مِنَ الثُّلُثِ. وَلَوْ وُهِبَ لِعَبْدٍ بَعْضُ قَرِيبِ سَيِّدِهِ فَقَبِلَ وَقُلْنَا: يَسْتَقِلُّ بِهِ .. عَتَقَ وَسَرَي، وَعَلَى سَيِّدِهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ
===
"المحرر" و"الشرح الصغير" (١)، (وقيل: من رأس المال) لأنه لم يبذل مالًا، والملك زال بغير رضاه، وهذا هو الأصح في "أصل الروضة"، وقال الرافعي في "الشرح الكبير": إنه أولى بالترجيح (٢)، وقال البُلْقيني: إنه المعتمد في الفتوى.
(أو بعوض بلا محاباة) بل بثمن مثله ( .. فمن ثلثه) فلا يعتق منه إلا ما يخرج من الثلث؛ لأنه فوَّت على الورثة ما بذله من الثمن، ولم يحصل لهم في مقابله شيء.
(ولا يرث) في صورتي الملك بلا عوض ومعه؛ لأن عتقه من الثلث وصية، ولا سبيل إلى الجمع بين الوصية والميراث.
(فإن كان عليه دين) مستغرق ( .. فقيل: لا يصح الشراء) لأن تصحيحه يؤدي إلى ملكه ولا يعتق عليه فلم يصح؛ كما لا يصح شراء الكافر العبد المسلم، (والأصح: صحته) إذ لا خلل فيه (ولا يعتق، بل يباع للدين) علله في "البيان" بأن موجب الشراء الملك والدين لا يمنع منه؛ فلم يمنع صحة الشراء، وعتقه معتبر من الثلث والدين يمنع منه كما يمنع الدين العتق بالإعتاق، ويخالف شراء الكافر للمسلم؛ لأن الكفر يمنع الملك للعبد المسلم (٣).
(أو بمحاباة) من البائع ( .. فقدرها كهبة) أي: يكون قدر المحاباة كالموهوب له؛ فيجيء الخلاف السابق في أنه يعتبر من الثلث أو من رأس المال، (والباقي من الثلث) فيأتي فيه ما مرَّ.
(ولو وهب لعبد بعض قريب سيده فقبل وقلنا: يستقل به) أي: بالقبول، ولا يحتاج إلى إذن السيد، وهو الأصح ( .. عتق وسرى، وعلى سيده قيمة باقيه)
стр. 2383
فصلٌ [في الإعتاق في مرض الموت وبيان القرعة في العتق]
أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ .. عَتَقَ ثُلُثُهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ .. لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ .. عَتَقَ أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَعْتَقْتُ ثُلُثَكُمْ)، أَوْ (ثُلُثُكُمْ حُرٌّ)
===
لأن قبوله حينئذ كقبول سيده شرعًا، كذا جزم به الرافعي هنا (١)، وقال في "زيادة الروضة": هذا مشكل، وينبغي ألا يسري؛ لأنه دخل في ملكه قهرًا كالإرث. انتهى (٢)، وما بحثه هو ما رجحاه في (باب الكتابة) في تبرعات المكاتب، وعلله الرافعي بأنه قهري، وحكيا وجه السراية عن الغزالي، وقالا: إنه لم يوجد في "النهاية" (٣)، قال في "المهمات": والصواب: السراية، ولهذا صححوا أن السيد يحلف على البتِّ في نفي فعل عبده، وعللوه: بأن فعله كفعله (٤)، وقال البُلْقيني: إن عدم السراية هو المعتمد، والذي في "المنهاج" وجه ضعيف غريب لا يلتفت إليه.
* * *
(فصل: أعتق) تبرعًا (في مرض موته عبدًا لا يملك غيره .. عتق ثلثه) ورق ثلثاه؛ لأن المريض إنما ينفذ تبرعه من ثلثه.
(فإن كان عليه دين مستغرق .. لم يعتق منه شيء) لأن العتق حينئذ كالوصية، والدين متقدم عليها.
(ولو أعتق ثلاثة) معًا (لا يملك غيرهم قيمتهم سواء) ولم تجز الورثة ( .. عتق أحدهم بقرعة) لحديث عمران بن حصين في ذلك، أخرجه مسلم (٥)، (وكذا لو قال: "أعتقت ثلثكم"، أو "ثلثكم حر") فيقرع لتجتمع الحرية في واحد؛ لأن عتق المالك لا يتجزأ، وإعتاق بعض مملوكه كإعتاقه كله.
стр. 2384
وَلَوْ قَالَ: (أَعْتَقْتُ ثُلُثَ كُلِّ عَبْدٍ) .. أُقْرِعَ، وَقِيلَ: يَعْتِقُ مِنْ كُل ثُلُثُهُ. وَالْقُرْعَةُ: أَنْ يُؤْخَذَ ثَلَاثُ رِقَاعٍ مُتَسَاوِيَةٍ، يُكْتَبُ فِي ثِنْتَيْنِ رِقٌّ وَفِي وَاحِدَةٍ عِتْقٌ، وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ كَمَا سَبَقَ وَتُخْرَجُ وَاحِدَةٌ بِاسْمِ أَحَدِهِمْ؛ فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ .. عَتَقَ وَرَقَّ الآخَرَانِ، أَوِ الرِّقُّ .. رَقَّ وَأُخْرِجَتْ أُخْرَى بِاسْمِ آخَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ تُكْتَبَ أَسْمَاؤُهُمْ ثُمَّ تُخْرَجَ رُقْعَةٌ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ .. عَتَقَ وَرَقَّا، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً قِيمَةُ وَاحِدٍ مِئَةٌ، وَآخَرَ مِئَتَانِ وَآخَرَ ثَلَاثُ مِئَةٍ .. أُقْرعَ بِسَهْمَيْ رِقٍّ وَسَهْمِ عِتْقٍ؛ فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِذِي الْمِئَتَيْنِ .. عَتَقَ وَرَقَّا، أَوْ لِلثَّالِثِ .. عَتَقَ ثُلُثَاهُ، أَوْ لِلأَوَّلِ .. عَتَقَ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الآخَرَيْنِ بِسَهْمِ عِتْقٍ وَسَهْمِ رِقٍّ، فَمَنْ خَرَجَ .. تُمِّمَ مِنْهُ الثُّلُثُ. وَإِنْ كَانُوا فَوْقَ ثَلَاثَةٍ وَأَمْكَنَ تَوْزِيعُهُمْ بِالْعَدَدِ وَالْقِيمَةِ كَسِتَّةٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ
===
(ولو قال: "أعتقت ثلث كل عبد" .. أقرع) لما ذكرناه، (وقيل: يعتق من كل ثلثه) ولا إقراع؛ لتصريحه بالتبعيض، وهذا هو القياس؛ لكن تشوف الشارع إلى تكميل العتق يوجب اتباع الجبر.
(والقرعة: أن يؤخذ ثلاث رقاع متساوية) إذا كان العبيد ثلاثة (يكتب في ثنتين رق، وفي واحدة عتق، وتدرج في بنادق كما سبق) في (باب القسمة)، (وتخرج واحدة باسم أحدهم، فإن خرج العتق .. عتق ورق الآخران، أو الرق .. رق، وأخرجت أخرى باسم آخر) فإن خرج العتق .. عتق ورق الثالث، وإن خرج الرق .. فبالعكس؛ لأن فائدة القرعة ذلك.
(ويجوز أن تكتب أسماؤهم ثم تخرج رقعة على الحرية فمن خرج اسمه .. عتق، ورقا) لانفصال الأمر بذلك أيضًا.
(وإن كانوا ثلاثة قيمة واحد مئة، وآخر مئتان وآخر ثلاث مئة .. أقرع بسهمي رق، وسهم عتق، فإن خرج العتق لذي المئتين .. عتق ورقا) لأن به يتم الثلث، (أو للثالث .. عتق ثلثاه) لأنه الثلث، (أو للأول .. عتق، ثم يقرع بين الآخرين بسهم عتق، وسهم رق، فمن خرج .. تمم منه الثلث) ورق الباقي، فإن خرج للثاني .. عتق نصفه، أو للثالث .. فثلثه.
(وإن كانوا فوق ثلاثة وأمكن توزيعهم بالعدد والقيمة؛ كستة قيمتهم سواء ..
стр. 2385
جُعِلُوا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْعَدَدِ كَسِتَّةٍ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ مِئَةٌ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِئَةٌ، وَثَلَاثَةٍ مِئَةٌ .. جُعِلَ الأَوَّلُ جُزْءًا، وَالاثْنَانِ جُزْءًا، وَالثَّلَاثَةُ جُزْءًا. وَإِنْ تَعَذَّرَ بِالْقِيمَةِ كَأَرْبَعَةٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ .. فَفِي قَوْلٍ: يُجَزَّؤُونَ ثَلَاثةَ أَجْزَاءٍ: وَاحِدٌ وَوَاحِدٌ وَاثْنَانِ؛ فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِوَاحِدٍ .. عَتَقَ ثُمَّ أُقْرِعَ لِتَتْمِيمِ الثُّلُثِ، أَوْ لِلاِثْنَيْنِ .. رَقَّ الآخَرَانِ ثُمَّ أُقْرِعَ بَينَهُمَا، فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَ لَهُ الْعِتْقُ وَثُلُثُ الآخَرِ، وَفِي قَوْلٍ: يُكْتَبُ اسْمُ كُلِّ عَبْدٍ فِي رُقْعَةٍ، فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا وَثُلُثُ الثَّانِي. قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا: الأَوَّلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ
===
جعلوا اثنين اثنين) وضع كما سبق في الثلاثة المتساوية القيمة، (أو بالقيمة دون العدد؛ كستة قيمة أحدهم مئة، وقيمة اثنين مئة، وثلاثة مئة .. جعل الأول جزءًا، والاثنان جزءًا، والثلاثة جزءًا) وأقرع كما سبق، (وإن تعذر) توزيعهم (بالقيمة) وبالعدد؛ بأن لم يكن لهم ولا لقيمتهم ثلث صحيح (كأربعة قيمتهم سواء .. ففي قول: يجزؤون ثلاثة أجزاء: واحد وواحد واثنان) لأنه أقرب إلى فعله ﷺ .
(فإن خرج العتق لواحد .. عتق ثم أقرع) بين الثلاثة (لتتميم الثلث) فمن خرج له سهم الحرية .. عتق ثلثه، (أو للاثثين) المجموعين جزءًا ( .. رق الآخران ثم أقرع بينهما) أي: بين الذين خرج لهم رقعة العتق (فيعتق من خرج له العتق وثلث الآخر) لأن بذلك يتم الثلث، (وفي قول: يكتب اسم كل عبد في رقعةٍ، فيعتق من خرج أولًا وثلث الثاني) أي: القارع ثانيًا؛ لأن ذلك أقرب إلى فصل الأمر، والمراد: أن يكتب أسماءهم في أربع رقاع، ويخرج واحدة بعد واحدة إلى أن يتم الثلث؛ فمن خرجت له أولًا رقعة الحرية .. عتق، وتعاد القرعة بين الباقي؛ فمن خرجت له ثانيًا .. عتق ثلثه.
قال البُلْقيني: وقع في بعض النسخ (وثلث الباقي) بالباء الموحدة والقاف، وفي بعضها (الثاني) بالثاء المثلثة والنون، وهو الصواب.
(قلت: أظهرهما: الأول) والله أعلم، وهو تجزئتهم ثلاثة أجزاء بحيث يقرب من الثلث (والله أعلم) لأنه ﷺ جزأهم ثلاثة أجزاء (١)، وهذا
стр. 2386
وَالْقَوْلَانِ فِي اسْتِحْبَابٍ، وَقِيلَ: إِيجَابٍ. وَإِذَا أَعْتَقْنَا بَعْضَهُمْ بِقُرْعَةٍ فَظَهَرَ مَالٌ وَخَرَجَ كُلُهُمْ مِنَ الثُّلُثِ .. عَتَقُوا، وَلَهُمْ كَسْبُهُمْ مِنْ يَوْمِ الإِعْتَاقِ، وَلَا يَرْجِعُ الْوَارِثُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيهِمْ، وَإِنْ خَرَجَ بِمَا ظَهَرَ عَبْدٌ آخَرُ .. أُقْرعَ. وَمَنْ عَتَقَ بِقُرْعَةٍ .. حُكِمَ بِعِتْقِهِ مِنْ يَوْمِ الإِعْتَاقِ، وَتُعْتبَرُ قِيمَتُهُ حِينَئِذٍ، وَلَهُ كَسْبُهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنَ الثُّلُثِ. وَمَنْ بَقِيَ رَقِيقًا قُوِّمَ يَوْمَ الْمَوْتِ وَحُسِبَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ هُوَ وَكَسْبُهُ الْبَاقِي قَبْلَ الْمَوْتِ، لَا الْحَادِثُ بَعْدَهُ،
===
ما صححه الرافعي في "الشرح" (١).
(والقولان في استحباب) لأن المقصود يحصل بكل من الطريقين، (وقيل: إيجاب) لأنه أقرب إلى فعله ﵊، وهذا ما نقلاه في "الشرح" و"الروضة" عن مقتضى كلام الأكثرين (٢).
(وإذا أعتقنا بعضهم بقرعة فظهر مال) آخر للميت لم نعلم به وقت القرعة، (وخرج كلهم من الثلث .. عتقوا) أي: تبين عتقهم من حين الإعتاق، ولهذا قال: (ولهم كسبهم من يوم الإعتاق، ولا يرجع الوارث بما أنفق عليهم) كمن نكح امرأة نكاحًا فاسدًا على ظن أنه صحيح، ثم فرَّق القاضي بينهما .. لا يرجع بما أنفق. (وإن خرج) من الثلث (بما ظهر عبد آخر .. أقرع) بينه وبين من بقي من العبيد؛ فمن خرجت له القرعة .. فهو حر مع الأول.
وقوله: (عبد آخر) مثال، وإلا فلو ظهر بعض عبد .. فالحكم كذلك.
(ومن عتق بقرعة .. حكم بعتقه من يوم الإعتاق) لا من يوم القرعة؛ لأنها مبينة للعتق لا مثبتة له، (وتعتبر قيمته حينئذ) أي: حين الإعتاق؛ لأنه تبينَّ بالقرعة أنه كان حرًّا قبله.
(وله كسبه من يومئذ غير محسوب من الثلث) سواء كسبه في حياة المعتق أو بعد موته؛ لحصوله على ملكه.
(ومن بقي رقيقًا قوم يوم الموت) لأنه وقت استحقاق الوارث، (وحسب من الثلثين هو وكسبه الباقي قبل الموت، لا الحادث بعده) لأنه حدث على ملك الوارث.
стр. 2387
فَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَةُ كُلٍّ مِئَةٌ، فَكَسَبَ أَحَدُهُمْ مِئَةً .. أُقْرِعَ، فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِلْكَاسِبِ .. عَتَقَ وَلَهُ الْمِئَةُ، وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِهِ .. عَتَقَ ثُمَّ أُقْرِعَ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِهِ .. عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَإِنْ خَرَجَتْ لَهُ .. عَتَقَ رُبُعُهُ، وَتبَعَهُ رُبُعُ كَسْبهِ.
فصلٌ [في الولاء]
مَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ رَقِيقٌ بِإِعْتَاقٍ أَوْ كِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ وَقَرَابَةٍ وَسِرَايَةٍ .. فَوَلَاؤُهُ لَهُ،
===
(فلو أعتق ثلاثة لا يملك غيرهم قيمة كل مئة فكسب أحدهم) قبل موت السيد (مئة .. أقرع؛ فإن خرج العتق للكاسب .. عتق وله المئة) لما سبق، ورق الآخران، (وإن خرج لغيره .. عتق ثم أقرع) بين الكاسب والآخر؛ ليتم الثلث، (فإن خرجت لغيره .. عتق ثلثه) وبقي ثلثاه مع المكتسب، وكسبه للورثة، وذلك مثلا قيمة الأول وما عتق من الثاني، (وإن خرجت له) أي: للمكتسب ( .. عتق ربعه، وتبعه ربع كسبه) لأنه يجب أن يبقى للورثة ضعف ما عتق، ولا يبقى ذلك إلا بذلك؛ فإنه عتق ربعه، وقيمته خمسة وعشرون، وتبعه من كسبه قدرها وهو غير محسوب عليه، فبقي من كسبه خمسة وسبعون، وبقي منه ما قيمته خمسة وسبعون، وبقي عبد قيمته مئة؛ فجملة التركة المحسوبة ثلاث مئة وخمسة وسبعون؛ منها: قيمة العبيد كلهم ثلاث مئة، ومنها: كسب أحدهم خمسة وسبعون، وجملة ما عتق قيمته: مئة وخمسة وعشرون، وجملة ما بقي للورثة: مئتان وخمسون، وأما ربع كسبه .. فغير محسوب؛ لأنه تابعٌ لِمَا عتق منه.
* * *
(فصل) في الولاء، وأصله: الموالاة، وفي الشرع: عُصوبة متراخية عن عُصوبة النسب؛ فيرث بها المعتق، ويلي أمر النكاح والصلاة، ويعقل.
والأصل فيه: قوله ﷺ : "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" متفق عليه (١).
(من عتق عليه رقيق بإعتاق أو كتابة وتدبير واستيلاد وقرابة وسراية .. فولاؤه له)
стр. 2388
ثُمَّ لِعَصَبَتِهِ. وَلَا تَرِثُ امْرَأَةٌ بِوَلَاءٍ إِلَّا مِنْ عَتِيقِهَا وَأَوْلَادِهِ وَعُتَقَائِهِ، فَإِنْ عَتَقَ عَلَيْهَا أَبُوهَا ثُمَّ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الأَبِ بِلَا وَارِثٍ .. فَمَالُهُ لِلْبِنْتِ، وَالْوَلَاءُ لِأعْلَى الْعَصَبَاتِ،
===
أما في من باشر العتق .. فللحديث المذكور، وأما في الباقي .. فقياسًا عليه، (ثم لعصبته) الأقرب فالأقرب، على ما سبق في (الفرائض) لحديث: "الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" (١).
(ولا ترث امرأة بولاء) يثبت لغيرها؛ فإذا كان للمعتق ابن وبنت، أو أم وأب، أو أخ وأخت .. ورث الذكر دون الأنثى؛ لأن الولاء أضعف من النسب المتراخي، وإذا تراخى النسب .. ورث الذكور دون الإناث؛ ألا ترى أن ابن الأخ والعم وبنيهما يرثون دون أخواتهم، فإذا لم ترث بنت الأخ وبنت العم والعمة .. فبنت المعتق أولى ألَّا ترث؛ لأنها أبعد منهن.
(إلا من عتيقها) لحديث: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (٢)، فجعل الولاء على بريرة لعائشة ﵂، (وأولاده وعتقائه) كالرجل؛ لأن نعمة إعتاقها شملتهم كما شملت المعتَق، فاستتبعوه في الولاء.
وهذه المسألة مكررة؛ فقد ذكرها المصنف في (الفرائض).
(فإن عتق عليها أبوها ثم أعتق عبدًا فمات بعد موت الأب بلا وارث .. فماله للبنت) لا لكونها بنت معتقه؛ بل لأنها معتقة المعتق، هذا إذا لم يكن للأب عصبة، فإن كان -كأخ وابن عم قريب أو بعيد- .. فميراث العتيق له ولا شيء لها؛ لأن معتق المعتق يتأخر عن عصوبة النسب.
قال الشيخ أبو علي: وقد غلط في هذه المسألة أربع مئة قاضٍ، فقالوا: إن الميراث للبنت، لأنهم رأوها أقرب، وهي عصبة له بولائها عليه.
(والولاء لأعلى العصبات) لقول عمر وعثمان ﵄: (الولاء للكُبْر) (٣)،
стр. 2389
وَمَنْ مَسَّهُ رِقٌّ .. فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا لِمُعْتِقِهِ وَعَصَبَتِهِ. وَلَوْ نَكَحَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ .. فَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَى الأُمِّ، فَإِنْ أُعْتِقَ الأَبُ .. انْجَرَّ إِلَى مَوَالِيهِ. وَلَوْ مَاتَ الأَبُ رَقِيقًا وَعَتَقَ الْجَدُّ .. انْجَرَّ إِلَى مَوَالِيهِ، فَإِنْ أُعْتِقَ الْجَدُّ وَالأَبُ رَقِيقٌ .. انْجَرَّ، فَإِنْ أُعْتِقَ الأَبُ بَعْدَهُ انْجَرَّ إِلَى مَوَالِيهِ، وَقِيلَ: يَبْقَى لِمَوَالِي الأُمِّ حَتَّى يَمُوتَ الأَبُ فَيَنْجَرُّ إِلَى مَوَالِي الْجَدِّ، وَلَوْ مَلَكَ هَذَا الْوَلَدُ
===
وهو بضم الكاف وإسكان الباء؛ بمعنى: الأكبر في الدرجة لا كبير السن؛ إذ لا فرق بين الصغير والكبير، ومثل هذا لا يكون إلا توقيفًا، فإذا خلَّف ابن مولى وابن ابن مولى .. فالمال للابن.
(ومن مسَّه رق) فعتق ( .. فلا ولاء عليه إلا لمعتقه وعصبته) فإن لم يوجدوا .. فالمال لبيت المال، ولا ولاء عليه لمعتق الأصول بحال؛ لأن نعمة من أعتقه عليه أعظم من نعمة من أعتق بعض أصوله، ولأن عتق المباشرة أقوى.
(ولو نكح عبد معتقة، فأتت بولد .. فولاؤه لمولى الأم) لأنه المنعم عليه؛ فإنه أعتق بإعتاق أمه، (فإن أعتق الأب .. انجرَّ) الولاء (إلى مواليه) لأن الولاء فرع النسب، والنسب إلى الآباء دون الأمهات، وإنما يثبت لموالي الأم؛ لعدمه من جهة الأب، فإذا أمكن .. عاد إلى موضعه.
ومعنى الانجرار: أن ينقطع من وقت عتق الأب عن موالي الأم، فإذا انجرَّ إلى موالي الأب، فلم يبق منهم أحد .. لم يرجع إلى موالي الأم، بل يكون الميراث لبيت المال.
(ولو مات الأب رقيقًا وعتق الجد .. انجرَّ إلى مواليه) لأنه كالأب في النسب والتعصيب، (فإن أعتق الجد) أبو الأب (والأب رقيق .. انجرَّ) إلى موالي الجد؛ لما سبق، (فإن أعتق الأب بعده .. انجرَّ إلى مواليه) لأن الجد إنما جرَّه لكون الأب رقيقًا، فإذا أعتق .. كان أولى بالجرِّ، (وقيل: يبقى لموالي الأم حتى يموت الأب فينجر إلى موالي الجد) أو يعتق الأب فينجر إليه؛ لأن الولاء ينبغي أن يستقر، وما دام الأب رقيقًا يمكن أن يعتق .. فلا يستقر لمولى الجد.
(ولو ملك هذا الولد) أي: ولد العبد من المعتَقة بعد ثبوت الولاء لموالي الأم
стр. 2390
أَبَاهُ .. جَرَّ وَلَاءَ إِخْوَتِهِ إِلَيْهِ، وكَذَا وَلَاءُ نَفْسِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: لا يَجُرُّهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
===
(أباه .. جرَّ ولاء إخوته إليه) قطعًا؛ لأن الأب يعتق، فيثبت له الولاء عليه وعلى أولاده، سواء كانوا من أمه أو من معتَقة أخرى، (وكذا ولاء نفسه في الأصح) كإخوته؛ كما لو أعتق الأب غيره ثم يسقط ويصير كحر لا ولاء عليه، (قلت: الأصح المنصوص: لا يجره، والله أعلم) بل يبقى لموالي الأم؛ لأنه لو جرَّه .. لثبت له على نفسه ولاء، ولا يمكن أن يكون له على نفسه ولاء، ولهذا لو اشترى العبد نفسه .. عتق، وكان الولاء للسيد، وهذا ما صححه الرافعي في "الشرحين" (١)، قال في "المهمات": والظاهر: أن ما وقع في "المحرر" سهو (٢).
* * *
стр. 2391
كتابُ التَّدبير
صَرِيحُهُ: (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي)، أَوْ (إِذَا مِتُّ أَوْ مَتَى مِتُّ .. فَأَنْتَ حُرٌّ)، أَوْ (أَعْتَقْتُكَ بَعْدَ مَوْتِي)، وَكَذَا (دَبَّرْتُكَ) أَوْ (أَنْتَ مُدَبَّرٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَصِحُّ بِكِنَايَةِ عِتْقٍ مَعَ نِيَّةٍ كَخَلَّيْتُ سَبِيلَكَ بَعْدَ مَوْتِي، وَيَجُوزُ مُقَيَّدًا؛ كـ (إِنْ مِتُّ فِي ذَا الشَّهْرِ أَوِ الْمَرَضِ .. فَأَنْتَ حُرٌّ)،
===
(كتاب التدبير)
هو لغةً: النظر في عواقب الأمور، وشرعًا: تعليق عتق يقع بعد الموت، وهو مأخوذ من الدبر؛ لأن الموت دبر الحياة، ونقل ابن المنذر الإجماع على جوازه (١).
(صريحه: "أنت حر بعد موتي"، أو "إذا مت أو متى مت .. فأنت حر"، أو "أعتقتك بعد موتي") (٢) وكذا (حررتك بعد موتي)، أو (إذا مت .. فأنت عتيق) لأن هذه الألفاظ لا احتمال فيها، وهو شأن الصرائح.
(وكذا "دبرتك"، أو "أنت مدبر" على المذهب) كذا نصَّ عليه، ونصَّ في (الكتابة) على أن قوله: (كاتبتك على كذا) لا يكفي حتى يقول: (فإذا أديت .. فأنت حر)، أو ينويه؛ فقيل: قولان فيهما نقلًا وتخريجًا؛ أحدهما: أنهما صريحان؛ لاشتهارهما في معنييهما، كالبيع والهبة، والثاني: كنايتان؛ لخلوهما عن لفظ الحرية والعتق، والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: شهرة التدبير، ولا يعرف معنى الكتابة إلا الخواص، وأيضًا كان التدبير معروفًا في الجاهلية وقرره الشرع؛ فلا يستعمل في معنى آخر، والكتابة قد تستعمل في المخارجة.
(ويصح بكناية عتق مع نية، كـ "خلَّيت سبيلك بعد موتي") لأنه نوع من العتق فدخلته كنايته.
(ويجوز) التدبير (مقيدًا؛ كـ "إن مت في ذا الشهر أو المرض .. فأنت حر") فإن
стр. 2392
وَمُعَلَّقًا؛ كـ (إِنْ دَخَلْتَ .. فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي)؛ فَإِنْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ وَمَاتَ .. عَتَقَ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيُشْتَرَطُ الدُّخُولُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَاِنْ قَالَ: (إِنْ مِتُّ ثُمَّ دَخَلْتَ .. فَأَنْتَ حُرٌّ) .. اشْتُرِطَ دُخُولٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ بَيْعُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ قَالَ: (إِذَا مِتُّ وَمَضى شَهْرٌ .. فَأَنْتَ حُرٌّ) .. فَلِلْوَارِثِ اسْتِخْدَامُهُ فِي الشَّهْرِ لَا بَيْعُهُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ شِئْتَ .. فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ)، أَوْ (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي إِنْ شِئْتَ) .. اشْتُرِطَتِ الْمَشِيئَةُ مُتَّصِلَةً، فَإِنْ قَالَ: (مَتَى شِئْتَ) .. فَلِلتَّرَاخِي
===
وجدت الصفة ومات .. عتق، وإلا .. فلا، (ومعلقًا) على شرط (كـ "إن دخلت .. فأنت حر بعد موتي") لأنه دائرٌ بين أن يكون وصية أو تعليق عتق بصفة، وكلٌّ منهما يقبل التعليق.
(فإن وجدت الصفة ومات .. عتق، وإلا .. فلا) لعدم وجود الصفة.
(ويشترط الدخول قبل موت السيد) كسائر الصفات المعلَّق عليها، وإن مات السيد قبل الدخول .. فلا تدبير، ويلغى التعليق.
(فإن قال: "إن مت ثم دخلت .. فأنت حر" .. اشترط دخول بعد الموت) عملًا بقضية اللفظ من الترتيب في ذلك، (وهو) أي: الدخول بعد الموت (على التراخي) لاقتضاء (ثم) ذلك، (وليس للوارث بيعه قبل الدخول) وكذا كلُّ تصرفٍ يزيل الملك؛ إذ ليس له إبطالُ تعليق الميت وإن كان للميت أن يبطله؛ كما لو أوصى لرجل بشيء ثم مات .. ليس للوارث بيعه وإن كان للموصي أن يبيعه.
(ولو قال: "إذا مت ومضى شهر .. فأنت حر" .. فللوارث استخدامه في الشهر) لبقائه على ملكه (لا بيعه) لما سبق.
(ولو قال: "إن شئت .. فأنت مدبر"، أو "أنت حر بعد موتي إن شئت" .. اشترطت المشيئة متصلة) باللفظ؛ لأن الخطاب يقتضي جوابًا في الحال؛ كالبيع، ولأنه كالتمليك، والتمليك يفتقر إلى القبول في الحال.
(فإن قال: "متى شئت" .. فللتراخي) لأن (متى) موضوعة للزمان؛ فاستوى فيها جميع الأزمان، و (إن) موضوعة للفعل؛ فاعتبر فيها زمان الفعل، كذا قاله
стр. 2393
وَلَوْ قَالَا لِعَبْدِهِمَا: (إِذَا مِتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ) .. لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَمُوتَا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا .. فَلَيْسَ لِوَارثهِ بَيْعُ نَصِيبِهِ. وَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لَا يُمَيِّزُ، وَكَذَا مُمَيِّزٌ فِي الأَظْهَرِ، وَيَصِحُّ مِنْ سَفِيهٍ وَكَافِرٍ أَصْلِيٍّ، وَتَدْبِيرُ الْمُرْتَدِّ يُبْنَى عَلَى أَقْوَالِ مِلْكِهِ. وَلَوْ دَبَّرَ ثُمَّ ارْتَدَّ .. لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ،
===
الماوردي (١)، واستشكل بقوله: (إن دخلت الدار .. فأنت حر)، فإنه للتراخي، و (مهما) كـ (متى)، وإطلاقه التراخي مقيَّدٌ بحياة السيد، كسائر الصفات المُعلَّق عليها إلا إذا علَّق صريحًا بمشيئته بعد الموت.
(ولو قالا لعبدهما: "إذا متنا فأنت حر" .. لم يغتق حتى يموتا) إما معًا أو مرتبًا؛ لأنه معلَّقٌ بصفتين فلا يعتق حتى يوجدا، ثم إن ماتا معًا .. فالحاصل: عتق بتعليق لا تدبير على الأصح؛ لأنه تعليق بموته وموت غيره، والتدبير بموت نفسه، وإن ماتا مرتبًا .. فقيل له: ليس بتدبير، والأصح: أنه بموت الأول يصير نصيب الثاني مدبرًا، ونصيب الأول ليس مدبرًا.
(وإن مات أحدهما .. فليس لوارثه بيع نصيبه) لأنه صار مستحق العتق بموت الشريك.
(ولا يصح تدبير مجنون وصبي لا يميز) لعدم أهليتهما للعقود (وكذا مميز في الأظهر) كإعتاقه، والثاني: الصحة؛ لأن الحجر عليه لمصلحته، والمصلحة هنا في جوازه؛ لأنه إن عاش .. لم يلزمه، وإن مات .. حصل له الثواب.
(ويصح من سفيه) لأنه صحيح العبارة، ولا ضرر عليه في ذلك، وتدبير المفلس كإعتاقه، وقد سبق في بابه، وفي تدبير السكران الخلاف في تصرفاته.
(وكافر أصلي) ولو حربيًّا، كما يصح استيلاده وتعليقه العتق بصفة، (وتدبير المرتد يُبنى على أقوال ملكه) فإن بقيناه .. صح، وإن أزلناه .. فلا، أو وقفناه؛ فإن أسلم .. بانت صحته، وإلا .. فلا.
(ولو دبر ثم ارتد .. لم يبطل على المذهب) بل إذا مات مرتدًّا .. عتق العبد؛ صيانةً لحق العبد عن الضياع؛ لأن الردة تؤثر في العقود المستقبلة دون الماضية؛
стр. 2394
وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ .. لَمْ يَبْطُلْ، وَلِحَرْبِيٍّ حَمْلُ مُدَبَّرِهِ إِلَى دَارِهِمْ. وَلَوْ كَانَ لِكَافِرٍ عَبْدٌ مُسْلِمٌ فَدَبَّرَهُ .. نُقِضَ وَبِيعَ عَلَيْهِ، وَلَوْ دَبَّرَ كَافِرٌ كَافِرًا فَأَسْلَمَ وَلَمْ يَرْجِعِ السَّيِّدُ فِي التَّدْبِيرِ .. نُزِعَ مِنْ يَدِهِ وَصُرِفَ كَسْبُهُ إِلَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ: يُبَاعُ، وَلَهُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ
===
بدليل: عدم فساد البيع والهبة السابقين عليها، والطريق الثاني: القطع بالبطلان، والثالث: البناء على أقوال الملك، (ولو ارتد المدبر .. لم يبطل) تدبيره وإن صار دمه مهدرًا؛ لبقاء الملك فيه؛ كما لا يبطل الاستيلاد والكتابة بها.
(ولحربي حمل مدبره إلى دارهم) ولو جرى التدبير في دار الإسلام ولم يرض المدبر بالرجوع؛ لأن أحكام الرق باقية فيه، ويجوز له إبطال ما أثبته له، وهكذا حكم مستولدته، بخلاف مكاتبه؛ لاستقلاله، ولا يخفى أن ذلك في المدبر الكافر، وبه صرح في "الروضة" و"أصلها" (١)، ويدل له قوله بعد: (فيما لو دبَّر كافر كافرًا فأسلم .. نزع من يده)، ومحل ذلك: في الكافر الأصلي، أما المرتد .. فإنه يمنع من حمله؛ لبقاء علقة الإسلام.
(ولو كان لكافر عبد مسلم فدبَّره .. نقض وبيع عليه) لما في بقاء ملكه عليه من الإذلال.
ويعلم من قوله: (فدبره) بالفاء أن صورة المسألة: أن يقع التدبير بعد الإسلام، فأما إذا وقع قبله .. فسيذكره.
(ولو دبر كافر كافرًا فأسلم ولم يرجع السيد في التدبير .. نزع من يده) ويجعل في يد عدل؛ دفعًا للذل، ولا يباع بل يبقى مدبرًا؛ لما فيه من مصلحة العتق، (وصرف كسبه إليه) أي: إلى السيد؛ كما لو أسلمت مستولدته، (وفي قول: يباع) وينقض التدبير؛ لأن العبد المسلم لا يقر في ملك كافر.
(وله) أي: للسيد (بيع المدبر) لأنه ﷺ باعه؛ كما ثبت في "الصحيحين" (٢)، وفي معنى البيع: كلُّ تصرفٍ يزيل الملك؛ كالإصداق والخلع والهبة المقبوضة.
стр. 2395
وَالتَّدْبِيرُ: تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: وَصِيَّةٌ، فَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَهُ .. لَمْ يَعُدِ التَّدْبِيرُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ رَجَعَ عَنْهُ بِقَوْلٍ كـ (أَبْطَلْتُهُ)، (فَسَخْتُهُ)، (نَقَضْتُهُ)، (رَجَعْتُ فِيهِ) .. صَحَّ إِنْ قُلْنَا: وَصِيّهٌ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَلَوْ عُلِّقَ عِتْقُ مُدَبَّرٍ بِصِفَةٍ .. صَحَّ وَعَتَقَ بِالأَسْبَقِ مِنَ الْمَوْتِ وَالصِّفَةِ. وَلَهُ وَطْءُ مُدَبَّرَةٍ، وَلَا يَكُونُ رُجُوعًا، فَإِنْ أَوْلَدَهَا .. بَطَلَ تَدْبِيرُهُ، وَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُ أُمِّ وَلَدٍ، وَيَصِحُّ تَدْبِيرُ مُكَاتَبٍ
===
(والتدبير: تعليق عتق بصفة) لأن الصيغة صيغة تعليق، (وفي قول: وصية) للعبد بالعتق؛ نظرًا إلى اعتبار إعتاقه من الثلث.
(فلو باعه) أو وهبه وأقبضه (ثم ملكه .. لم يعد التدبير على المذهب) الخلاف مبني على الخلاف المذكور قبل؛ إن قلنا: وصية .. فلا يعود؛ كما لو أوصى بشيء ثم باعه ثم عاد إليه، وإن قلنا: إنه تعليق بصفة .. فهو على الخلاف في عود الحنث، والأظهر: أنه لا يعود، فحصل أن الأظهر: أن التدبير لا يعود؛ فإذن كان ينبغي التعبير بالأظهر دون المذهب.
(ولو رجع عنه بقولٍ كـ "أبطلته"، "فسخته"، "نقضته"، "رجعت فيه" .. صح إن قلنا: وصية) كما يصح الرجوع عن الوصية بذلك، (وإلا) أي: وإن قلنا: تعليق عتق بصفة ( .. فلا) كما في سائر التعليقات، وسواء التدبير المطلق والمقيد على الأصح.
(ولو علق عتق مدبر بصفة .. صح) ويبقى التدبير بحاله؛ كما لو دبر المعلق عتقه بصفة .. فإنه يجوز، (وعتق بالأسبق من الموت والصفة) فإن وجدت الصفة قبل الموت .. عتق، وإن مات قبلها .. عتق بالتدبير.
(وله وطء مدبرة) لبقاء ملكه؛ كالمستولدة، (ولا يكون رجوعًا) عن التدبير وإن جعلناه وصية، سواء عزل أم لا، (فإن أولدها .. بطل تدبيره) لأن الاستيلاد أقوى؛ فيرتفع به حكم الأضعف؛ كما يرتفع النكاح بملك اليمين.
(ولا يصح تدبير أم ولد) لأنها تستحق العتق بالموت بجهة هي أقوى منه.
(ويصح تدبير مكاتب) كما يصح تعليق عتقه بصفة ويكون مدبرًا مكاتبًا، فإن أدى المال قبل موت السيد .. عتق وبطل التدبير، وإن لم يؤد حتى مات السيد قبل الأداء ..
стр. 2396
وَكِتَابَةُ مُدَبَّرٍ.
فصلٌ [في حكم حمل المدبرة]
وَلَدَتْ مُدَبَّرَةٌ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا .. لَا يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ حُكْمُ التَّدْبِيرِ فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ دَبَّرَ حَامِلًا .. ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ التَّدْبِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ،
===
عتق بالتدبير، فإن لم يخرج من الثلث .. عتق قدر الثلث وبقيت الكتابة في الباقي، فإذا أدى قسطه .. عتق.
(وكتابة مدبر) لموافقتها لمقصود التدبير، لكن هل يبطل بها التدبير؟ وجهان؛ إن قلنا وصية .. بطل، أو تعليق .. فلا.
* * *
(فصل: ولدت مدبرة من نكاح أو زنًا لا يثبت للولد حكم التدبير في الأظهر) لأنه عقد يقبل الرفع فلا يسري إلى الولد كالرهن، والثاني: يثبت؛ كما يتبع ولد المستولدة أمه، وهذا ما نسبه في "الشرح الصغير" إلى الأكثرين، وقال في "الكبير": أظهرهما: على ما ذكره الشيخان أبو حامد والقفال وغيرهما، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: أنه يتبع (١)، واختصره في "الروضة" فنقل ذلك عن الأكثرين من كلام الرافعي، ثم استدرك عليه، فقال: بل الأظهر عند الأكثرين: أنه لا يتبعها. انتهى (٢).
واعترض عليه: بأنه في "الكبير" لم يصرح بنقله عن الأكثرين.
وخرج بقوله: (ولدت مدبرة) ولدها قبل التدبير؛ فإنه لا يتبع قطعًا، وما إذا مات السيد وهي حامل؛ فإنه يتبعها قطعًا، ويعتقان إن احتملهما الثلث، وإلا .. فما يحتمله.
(ولو دبر حاملًا .. ثبت له) أي: للحمل (حكم التدبير على المذهب) وإن قلنا:
стр. 2397
فَإِنْ مَاتَتْ أَوْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا .. دَامَ تَدْبِيرُهُ، وَقِيلَ: إِنْ رَجَعَ وَهُوَ مُتَّصِلٌ .. فَلَا، وَلَوْ دَبَّرَ حَمْلًا .. صَحَّ، فَإِنْ مَاتَ .. عَتَقَ دُونَ الأُمِّ، وَإِنْ بَاعَهَا .. صَحَّ وَكَانَ رُجُوعًا عَنْهُ. وَلَوْ وَلَدَتِ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا .. لَمْ يَعْتِقِ الْوَلَدُ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ عَتَقَتْ بِالصِّفَةِ .. عَتَقَ. وَلَا يَتْبَعُ مُدَبَّرًا وَلَدُهُ، وَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ قِنٍّ،
===
الحمل لا يعلم؛ لأن الجنين بمنزلة عضو من أعضائها؛ كما يتبعها في العتق والبيع، والطريق الثاني: إن قلنا: إن الحمل يعلم .. فمدبر، وإلا .. فالقولان في المسألة الأولى، (فإن ماتت) الأم في حياة السيد (أو رجع في تدبيرها) وصححناه ( .. دام تدبيره) أما في الأولى .. فكما لو دبر عبدين فمات أحدهما قبل موت السيد، وأما في الثانية .. فكالرجوع بعد الانفصال، (وقيل: إن رجع وهو متصل .. فلا) يدوم تدبيره بل يتبعها في الرجوع كما يتبعها في التدبير، وفرق الأول: بتغليب الحرية فيها.
(ولو دبر حملًا) بمفرده ( .. صح) كإعتاقه دونها، ولا يسري ذلك إلى الأم، بخلاف عكسه؛ لأن الحمل تابع فلا يكون متبوعًا، (فإن مات) السيد ( .. عتق) الحمل (دون الأم) لما ذكرناه، (وإن باعها) حاملًا ( .. صح وكان رجوعًا عنه) أي: عن تدبير الحمل؛ لأن التدبير يبطل ويدخل الحمل في البيع.
(ولو ولدت المعلق عتقها) من نكاح أو زنًا ( .. لم يعتق الولد) لأنه عقد يلحقه الفسخ، فلم يتعد إلى الولد؛ كالرهن والوصية، (وفي قول: إن عتقت بالصفة .. عتق) كولد أم الولد.
والخلاف فيمن حدث حملها بعد التعليق، فلو علق عتق حامل .. تبعها الحمل قطعًا؛ كما نقله في "الكفاية" عن ابن الصباغ، لكن المصنف في "تصحيح التنبيه" أجرى فيه الخلاف (١).
(ولا يتبع مدبرًا ولده) قطعًا؛ لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية لا أباه، فكذا في سبب الحرية.
(وجنايته كجناية قن) فإذا جنى بيع في الأرش؛ لبقاء الرق فيه كما قبل التدبير؛
стр. 2398
وَيَعْتِقُ بِالْمَوْتِ مِنَ الثُّلُثِ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ الدَّيْنِ. وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقًا عَلَى صِفَةٍ تَخْتَصُّ بالْمَرَضِ كـ (إِنْ دَخَلْتَ فِي مَرَضِ مَوْتِي. . فَأَنْتَ حُرٌّ). . عَتَقَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنِ احْتَمَلَتِ الصِّحَّةَ فَوُجِدَتْ فِي الْمَرَضِ. . فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي الأَظْهَرِ.
===
لتمكن السيد فيه من البيع وغيره، فكان كغيره، والجناية عليه كالجناية على القن.
(ويعتق بالموت من الثلث كله أو بعضه بعد الدين) لما روي عن ابن عمر ﵄: "الْمُدَبَّرُ مِنَ الثُّلُثِ"، قال الدارقطني: روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح (١)، ولأنه تبرع يلزم بالموت فأشبه الوصية.
وأشار بقوله: (بعد الدين) إلى أنه إن لم يكن دين ولا مال سواه. . عتق ثلثه، وإن كان عليه دين مستغرق. . لم يعتق منه شيء؛ فإن كان يستغرق نصفه. . بيع نصفه في الدين، ويعتق ثلث الباقي منه.
والحيلة في عتق جميعه بعد الموت وإن كان عليه دين مستغرق أن يقول: (أنت حُرٌّ قبل مرض موتي بيوم، وإن مت فجأة. . فقبل موتي بيوم)، فإذا مات بعد التعليقين بأكثر من يوم. . عتق من رأس المال، ولا سبيل عليه لأحد، حكياه عن إبراهيم المروزي وأقراه (٢).
(ولو علَّق عتقًا على صفة تختص بالمرض؛ كـ"إن دخلت في مرض موتي. . فأنت حر". . عتق من الثلث) كما لو نجز عتقه حينئذ.
(وإن احتملت الصحة فوجدت في المرض. . فمن رأس المال في الأظهر) لأنه حين علَّق لم يكن متهمًا بإبطال حق الورثة، والثاني: من الثلث؛ اعتبارًا بوقت وجود الصفة، فإن العتق حينئذ يحصل.
ومحل الخلاف: ما إذا وجدت الصفة بغير اختياره؛ كنزول المطر، فإن كانت باختياره؛ كدخول الدار. . اعتبر من الثلث جزمًا، قاله الرافعي تفقهًا، وصرح به الماوردي (٣).
стр. 2399
وَلَوِ ادَّعَى عَبْدُهُ التَّدْبِيرَ فَأَنْكَرَ. . فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ، بَلْ يُحَلَّفُ. وَلَوْ وُجِدَ مَعَ مُدَبَّرٍ مَالٌ فَقَالَ: (كَسَبْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ)، وَقَالَ الْوَارِثُ: (قَبْلَهُ). . صُدِّقَ الْمُدَبَّرُ بيَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَامَا بيِّنَتَيْنِ. . قُدِّمَتْ بَيِّنَته.
===
(ولو ادعى عبده التدبير فأنكر. . فليس برجوع) وإن جوزنا الرجوع عنه؛ كما أن جحود الردة لا يكون إسلامًا، وجحود الطلاق لا يكون رجعة، وهذا ما جزم به في "أصل الروضة" هنا، وجعله في (الدعاوى) رجوعًا (١)، قال في "المهمات": والمذكور هنا هو الصواب؛ لنصِّ الشافعي عليه (٢).
(بل يحلف) السيد أنه ما دبره؛ لاحتمال أن يُقِرَّ، ولو نكل. . حلف العبد وثبت تدبيره، ولا تتعين اليمين، بل له أن يسقط اليمين عن نفسه؛ بأن يقول: (إن كنت دبرته. . فقد رجعت) إذا جوزنا الرجوع لفظًا.
(ولو وجد مع مدبر مال فقال: "كسبته بعد موت السيد"، وقال الوارث: "قبله". . صدق المدبر بيمينه) لأن اليد له فترجح، وهذا بخلاف ولد المدبرة إذا قالت: (ولدته بعد موت السيد فهو حُرٌّ)، وقال الوارث: (قبله فهو قن). . فإن القول قول الوارث؛ لأنها لمَّا ادعت حريته. . نفت أن يكون لها عليه يد وإن سمعت دعواها؛ لمصلحة الولد.
(وإن أقاما بينتين. . قدمت بينته) أي: بينة المدبر؛ لاعتضاده باليد، فلو أقام الوارث بينة بأن هذا المال كان في يد المدبر في حياة السيد، فقال المدبر: (كان في يدي لكن كان لفلان فملكته بعد موت السيد). . صُدِّق أيضًا؛ كما نقلاه عن النص (٣).
* * *
стр. 2400
كتابُ الكِتابة
هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ إِنْ طَلَبَهَا رَقِيقٌ أَمِينٌ قَوِيٌّ عَلَى كَسْبٍ، قِيلَ: أَوْ غَيْرُ قَوِيٍّ، وَلَا تكرَهُ بحَالٍ، وَصِيغَتُهَا: (كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا مُنَجَّمًا إِذَا أَدَّيْتَهُ. . فَأَنْتَ حُرٌّ)، وَيُبَيِّنُ عَدَدَ النُّجُومِ وَقِسْطَ كُلِّ نَجْمٍ.
===
(كتاب الكتابة)
أصلها من الكتْبِ، وهو الجمع والضم، وسمي هذا العقد بها؛ لما فيه من جمع النجوم وضم بعضها إلى بعض، وهي شرعًا: عتق معلق على مال منجم إلى وقتين معلومين فأكثر، وقيل: تعليق عتق بصفة فضمنت معاوضة.
وجوزت على خلاف القياس؛ لمسيس الحاجة، فإن العتق مندوب إليه، والسيد قد لا يسمح به مجانًا، والعبد لا يتشمر للكسب تشمره إذا علق عتقه بالتحصيل والأداء.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، والسنة الشهيرة في ذلك.
(هي مستحبة إن طلبها رقيق أمين قوي على كسب) وبهما فسر الشافعي (الخير) في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١)، واعتبرت القدرة على الكسب؛ ليتمكن من تحصيل ما يؤديه، والأمانة؛ لئلا يضيِّع ما يحصله، (قيل: أو غير قوي) إذا كان أمينًا؛ لأنه إذا عرفت أمانته. . أُعِينَ بالصدقات ليعتق، وهو جارٍ أيضًا فيما لو كان كسوبًا، لكنه غير أمين.
(ولا تكره بحال) لأنها قد تفضي إلى العتق.
(وصيغتها: "كاتبتك على كذا منجمًا إذا أديته. . فأنت حر") لأن لفظ الكتابة يصلح لهذا وللمخارجة فلا بد من تمييزها؛ فإذا قال: (فإذا أديته. . فأنت حُرٌّ). . تعيَّن.
(ويبين عدد النجوم وقسط كل نجم) لأنها عقد معاوضة؛ فاشترط فيه معرفةُ العوض؛ كالبيع.
стр. 2401
وَلَوْ تَرَكَ لَفْظَ التَّعْلِيقِ وَنَوَاهُ. . جَازَ، وَلَا يَكْفِي لَفْظُ كِتَابَةٍ بِلَا تَعْلِيقٍ، وَلَا نِيَّةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَقُولُ الْمُكَاتبُ: (قَبلْتُ)، وَشَرْطُهُمَا: تَكْلِيفٌ وَإِطْلَاقٌ. وَكِتَابَةُ الْمَرِيضِ مِنَ الثلُثِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلَاهُ. . صَحَّتْ كِتَابَةُ كُلِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ وَأَدَّى فِي حَيَاتِهِ مِئَتَيْنِ وَقِيمَتُهُ مِئَةٌ. . عَتَقَ، وَإِنْ أَدَّى مِئَةً. . عَتَقَ ثُلُثَاهُ.
===
(ولو ترك لفظ التعليق) للحرية بالأداء (ونواه) بقوله: (كاتبتك على كذا) (. . جاز) لحصول المقصود، (ولا يكفي لفظ كتابة بلا تعليق، ولا نية على المذهب) لما سبق من كون الكتابة تقعُ على هذا العقد وعلى المخارجة؛ فلا بد من تمييز باللفظِ أو النيةِ، (ويقول المكاتب: ) على الفور ("قبلت") كغيره من العقود.
(وشرطهما) أي: السيد والعبد (تكليف) فلا تصح كتابة صبي ومجنون؛ لسلب عبارتهما، (وإطلاق) فلا تصح كتابة محجور عليه بفلس؛ كبيعه.
ويرد الولي؛ فإنه مطلق التصرف في مال محجوره مع أنه لا يصح كتابة عبده، ولهذا عبرا في "الروضة" و"أصلها" بكونه أهلًا للتبرع (١)؛ فأخرج الولي، وبقي شرطٌ آخر، وهو: الاختيار؛ فإن أكرها أو أحدهما. . فالكتابةُ باطلةٌ.
(وكتابة المريض) مرض الموت (من الثلث) سواء كاتبه على قيمته أو أقل أو أكثر؛ لأنه تبرع، (فإن كان له مثلاه) عند الموت (. . صحت كتابة كله) لخروجه من الثلث، (فإن لم يملك غيره وأدى في حياته مئتين) وكان قد كاتبه عليهما (وقيمته مئة. . عتق) كله؛ لأنه الثلث.
(وإن أدى مئة) وكان قد كاتبه عليها (. . عتق ثلثاه) لأنه إذا أخذ مئة وقيمته مئة. . فالجملة مئتان؛ فينفذ التبرع في ثلث المئتين، وهو ثلثا المئة.
واحترز بقوله: (وأدى في حياته) عمَّا إذا لم يؤد شيئًا حتى مات السيد؛ فإنه إن أجاز الورثة ما زاد على الثلث. . فواضح، وإن لم يجز. . فثلثه مكاتب، فإذا أدى حصته من النجوم. . عتق، وهل يزاد في الكتابة بقدر نصف ما أدى، وهو سدس؟
وجهان: الأصح المنصوص: لا؛ لأن الكتابة قد بطلت في الثلثين فلا تعود.
стр. 2402
وَلَوْ كَاتَبَ مُرْتَدٌّ. . بُنِيَ عَلَى أَقْوَالِ مِلْكِهِ، فَإِنْ وَقَفْنَاهُ. . بَطَلَتْ عَلَى الْجَدِيدِ. وَلَا تَصِحُّ كِتَابَةُ مَرْهُونٍ وَمُكْرَىً، وَشَرْطُ الْعِوَضِ: كَوْنُهُ دَيْنًا مُؤَجَّلًا -وَلَوْ مَنْفَعَةً-
===
(ولو كاتب مرتد. . بُني على أقوال ملكه، فإن وقفناه. . بطلت على الجديد) القائل بإبطال وقف العقود، وعلى القديم: لا يبطل بل يوقف؛ فإن أسلم السيد. . تبينا صحتها، وإلا. . بطلانها، وإن قلنا بزوال ملكه. . بطلت، أو ببقائه. . صحت.
وموضع الخلاف على الأصح: ما إذا لم يحجر الحاكم عليه، وقلنا: لا يحصل الحجر بنفس الردة، فأما إذا كان في حال الحجر. . فلا تصح الكتابة قطعًا، وقيل: لا فرق.
وهذه المسألة مكررة، فقد ذكرها في آخر (الردة).
وكتابة الكافر كإعتاقه.
(ولا تصح كتابة مرهون) لأنه معرض للبيع في الرهن، (ومكرىً) لأن منافعه مستحقة للمستأجر، ولو صحت. . لاقتضت تسليطه على الاكتساب وملك منافعه.
(وشرط العوض: كونه دينًا) ليلتزمه في الذمة، ثم يحصله ويؤديه، وأما الأعيان. . فإنه لا يملكها حتى يورد العقد عليها، (مؤجلًا) اتباعًا للسلف؛ فإن الكتابة عقدٌ خالف القياس في وضعه فاتبع فيه سنن السلف، وكان يمكنه الاستغناء بالأجل عن الدينية؛ لأن الأعيان لا تقبل التأجيل.
وقد اعترض به الرافعي على "الوجيز"، ثم وقع فيه في "المحرر" (١)، وأجاب ابن الصلاح: بأن دلالة الالتزام لا يكتفى بها في المخاطبات، وهذان وصفان مقصودان.
(ولو منفعة) كما يجوز أن تجعل المنافع ثمنًا وأجرة، والمراد: المنفعة التي في الذمة؛ كما لو كاتبه على بناء دارين في ذمته وجعل لكلِّ واحدة منهما وقتًا معلومًا، أما لو كان العوض منفعة عين. . فإنه لا يصح تأجيلها، لأن الأعيان لا تقبل التأجيل.
стр. 2403
وَمُنَجَّمًا بِنَجْمَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَقِيلَ: إِنْ مَلَكَ بَعْضَهُ وَبَاقِيهِ حُرٌّ. . لَمْ يُشْتَرَطْ أَجَلٌ وَتَنْجِيمٌ. وَلَوْ كَاتَبَ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ وَدِينَارٍ عِنْدَ انْقِضَائِهِ. . صَحَّتْ، أَوْ عَلَى أَنْ يَبيعَهُ كَذَا. . فَسَدَتْ، وَلَوْ قَالَ: (كَاتَبْتُكَ وَبِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِأَلْفٍ)، وَنَجَّمَ الأَلْفَ وَعَلَّقَ الْحُرِّيَّةَ بِأَدَائِهِ. . فالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ الْكِتَابَةِ دُونَ الْبَيْعِ.
===
(ومنجمًا بنجمين فأكثر) لأنه المأثور من فعل الصحابة ﵃ (١)، ولو جاز على أقل منها. . لابتدروه؛ تعجيلًا للقربة، (وقيل: إن ملك بعضه وباقيه حر. . لم يشترط أجل وتنجيم) لأنه قد يملك ببعضه الحُرِّ ما يؤديه، فلا يتحقق العجز في الحال، والأصح: الاشتراط؛ اتباعًا لما جرى عليه الأولون؛ لأنه تعبدٌ كما سبق.
(ولو كاتب على خدمة شهر) مثلًا من الآن (ودينار عند انقضائه. . صحت) لأن المنفعة مستحقة في الحال، والمدة لتقديرها والتوفية فيها، والدينار إنما يستحق المطالبة به بعد انقضاء الشهر، وإذا اختلف الاستحقاق. . حصل التنجيم، ولا يضر كون المنفعة حالة؛ لأن التأجيل يشترط لحصول القدرة، وهو قادر على الاشتغال بالخدمة في الحال، بخلاف ما لو كاتب على دينارين: أحدهما حال، والآخر منجم مؤجل.
وبهذا يتبيّن: أن الأجل وإن أطلقوا اشتراطه؛ فليس ذلك بشرط في المنفعة التي يقدر على الشروع فيها في الحال.
(أو على أن يبيعه كذا. . فسدت) لأنه شرط عقدًا في عقد؛ فكان من قبيل بيعتين في بيعة.
(ولو قال: "كاتبتك وبعتك هذا الثوب بألف"، ونجم الألف) بأن قال: (كاتبتك وبعتك هذا الثوب بألف درهم إلى شهرين تؤدي منها خمس مئة عند انقضاء الأول، والباقي عند انقضاء الثاني)، (وعلق الحرية بأدائه. . فالمذهب: صحة الكتابة دون البيع) أما بطلان البيع. . فلتقدم أحد شقيه على أهلية العبد لمبايعة السيد، وإذا بطل البيع. . ففي الكتابة قولا تفريق الصفقة، والأصح: الصحة، وعلى هذا:
стр. 2404
وَلَوْ كَاتَبَ عَبيدًا عَلَى عِوَضٍ مُنَجَّمٍ وَعَلَّقَ عِتْقَهُمْ بِأَدَائِهِ. . فالنَّصُّ: صحَّتُهَا، وَيُوَزَّعُ عَلَى قِيمَتِهِمْ يَوْمَ الْكِتَابَةِ؛ فَمَنْ أَدَّى حِصَّتَهُ. . عَتَقَ، وَمَنْ عَجَزَ. . رَقَّ. وَتَصِحُّ كِتَابَةُ بَعْضِ مَن بَاقِيهِ حُرٌّ، فَلَوْ كَاتَبَ كُلَّهُ. . صَحَّ فِي الرِّقِّ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ كَاتَبَ بَعْضَ رَقِيقٍ. . فَسَدَتْ إِنْ كَانَ بَاقِيهِ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ،
===
ففي قول: تصح بالجميع، والأظهر؛ بالقسط؛ فيوزع الثمن على قيمة العبد والثوب، فما خصّ العبد لزمه في النجمين، فإذا أداه. . عتق، والطريق الثاني: أن فيه قولي الجمع بين مختلفي الحكم؛ ففي قول: يصحان، وفي قول: يبطلان.
(ولو كاتب عبيدًا) صفقة واحدة (على عوض منجم، وعلق عتقهم بأدائه. . فالنص: صحتها) لأن مالك العوض واحد، والصادر منه لفظ واحد؛ فصار كما لو باع عبدين من واحد، ومقابل النص: قولٌ مخرج مما لو اشترى عبيد جمع بثمن واحد، فإن النصَّ فيه: البطلان، (ويوزع) المسمى (على قيمتهم يوم الكتابة) لأن سلطنة السيد زالت حيئنذ، فإذا كانت قيمة أحدهم مئة، والآخر مئتين، والآخر ثلاث مئة. . فعلى الأول: سدس المسمى، وعلى الثاني: ثلثه، وعلى الثالث: نصفه، وقيل: يوزع على عدد رؤوسهم.
(فمن أدى حصته. . عتق) لوجود الأداء، ولا يتوقف عتقه على أداء غيره وإن عجز غيره أو مات، ولا يقال: علق العتق بأدائهم؛ لأن الكتابة الصحيحة يغلب فيهما حكم المعاوضة، (ومن عجز. . رق) وكذا لو مات؛ لأنه لم يوجد الأداء.
(وتصح كتابة بعض من باقيه حر) لأنها تفيدُ الاستقلال.
(فلو كاتب كله) وهو حُرُّ البعض (. . صح في الرق في الأظهر) من قولي تفريق الصفقة، فإذا أدى قسطَ الرقيق من القيمة. . عتق.
(ولو كاتب بعض رقيق. . فسدت إن كان باقيه لغيره ولم يأذن فيه) (١) لعدم الاستقلال.
وتعبيره بالفساد أحسنُ من تعبير "المحرر" بالبطلان (٢)، فإنه يقتضي إلغاء
стр. 2405
وَكَذَا إِنْ أَذِنَ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ كَاَتبَاهُ مَعًا أَوْ وَكَّلَا. . صَحَّ إِنِ اتّفَقَتِ النُّجُومُ وَجُعِلَ الْمَالُ عَلَى نِسْبَةِ مِلْكَيْهِمَا،
===
العبارة، وليس كذلك؛ فإنه يترتب عليه أحكام الفاسدة؛ من العتق بالصفة وغير ذلك.
وحكم الفاسد والباطل عندنا في العقود سواء إلا في أبواب؛ منها: هذا الباب، نبَّه عليه في "الدقائق" (١).
(وكذا إن أذن أو كان له على المذهب) أما الأولى. . ففيها طريقان؛ أشهرهما: قولان؛ أصحهما: الفساد أيضًا؛ لأن الشريك الآخر يمنعه من التردد والمسافرة، ولا يمكن أن يصرف إليه سهم المكاتبين، والثاني: الصحة؛ لأنه يجوز له أن يعتق نصيبه فجاز أن يفرده بالعقد المقتضي للعتق؛ كالتدبير، والطريق الثاني: القطع بالمنع، وأما الثانية. . ففيها طريقان أيضًا قطع الجمهور بالمنع؛ لأن المكاتب يحتاج إلى التردد حضرًا وسفرًا لاكتساب النجوم، ولا يستقل بذلك إذا كان بعضه رقيقًا فلا يحصل مقصود الكتابة، وأيضًا لا يمكن صرف سهم المكاتبين إليه؛ لأنه يصير بعضه ملكًا لمالك الباقي، فإنه من أكسابه، بخلاف ما إذا كان باقيه حرًّا، والطريق الثاني: قولان؛ أصحهما: ما ذكرناه.
ويستثنى من الفساد صور: منها: إذا أوصى بكتابة عبده، فلم يخرج من الثلث إلا بعضه ولم يجز الورثة. . فالأصح: أنه يكاتب ذلك البعض، ومنها: ما لو أوصى بكتابة بعض عبده .. فإنه يصح؛ كما نصَّ عليه، وجزم به البغوي في "تعليقه"، ومنها: ما لو كاتب في مرض موته بعض عبده وذلك البعض ثلث ماله. . صح قطعًا، ومنها: ما لو مات عن ابنين وخلف عبدًا، فأقر أحدهما أن أباه كاتبه، فأنكر الآخر. . كان نصفه مكاتبًا، قاله في "الخصال".
(ولو كاتباه معًا أو وكَّلا) من يكاتبه أو وكَّل أحدهما الآخر (. . صح إن اتفقت النجوم) جنسًا وعددًا وأجلًا (وجعل المال على نسبة ملكيهما) لئلا يؤدي إلى انتفاع
стр. 2406
فَلَوْ عَجَزَ فَعَجَّزَهُ أَحَدُهُمَا وَأَرَادَ الآخَرُ إِبْقَاءَهُ. . فَكَابْتِدَاءِ عَقْدٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ. وَلَوْ أَبْرَأَ مِنْ نَصِيبهِ أَوْ أَعْتَقَهُ. . عَتَقَ نَصِيبُهُ، وَقُوِّمَ الْبَاقِي إِنْ كَانَ مُوسِرًا.
فَصْلٌ [فيما يلزم السيد بعد الكتابة]
يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ جُزْءًا مِنَ الْمَالِ، أَوْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ،
===
أحدهما بملك الآخر، فإن اختلفت النجوم في الجنس أو قدر الأجل أو العدد أو شرطا التساوي في النجوم مع التفاوت في الملك أو بالعكس. . ففي صحة الكتابة القولان فيما إذا انفرد أحدهما بكتابة نصيبه بإذن الآخر، وقيل: يبطل قطعًا.
وقوله: (على نسبة ملكيهما) يفهم: أنه لا يشترط تساوي الشريكين في ملك العبد الذي يكاتبانه، وهو الصحيح.
(فلو عجز فعجَّزه أحدهما وأراد الآخر إبقاءه) أي: العقد (. . فكابتداء عقد) فلا يجوز بغير إذن الشريك، وكذا بإذنه على المذهب كما مرَّ، (وقيل: يجوز) قطعًا وإن منع في الابتداء؛ لأنه يحتمل في الدوام ما لا يحتمل في الابتداء.
(ولو أبرأ) أحد الشريكين (من نصيبه أو أعتقه. . عتق نصيبه، وقوم الباقي إن كان موسرًا) أما في العتق. . فلما سلف في بابه، وأما في الإبراء. . فلأنه أبرأه عن جميع ما يستحقه فأشبه ما لو كاتب جميعه وأبرأه عن النجوم، فإن كان معسرًا. . فلا تقويم على ما مرَّ.
وأفهم كلامه: أن التقويم في الحال، والأظهر في "الشرح" و"الروضة": لا، بل إن أدى نصيب الآخر من النجوم. . عتق عنه والولاء بينهما، وإن عجز وعاد إلى الرق. . فحينئذ يسري ويقوم، ويكون كلُّ الولاء له (١).
* * *
(فصل: يلزم السيد أن يحط عنه) في الكتابة الصحيحة (جزءًا من المال، أو يدفعه إليه) بعد أخذ النجوم ليستعين به؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وظاهر الأمر: الوجوب، وإنما خرجنا عنه في الكتابة لدليل، ولم يقم دليل
стр. 2407
وَالْحَطُّ أَوْلَى، وَفِي النَّجْمِ الأَخِيرِ أَلْيَقُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَكْفِي مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَالِ، وَأَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ،
===
على حمل الإيتاء على الاستحباب فعمل بما اقتضاه الظاهر، وقد روي الحطُّ عن الصحابة قولًا وفعلًا.
وظاهر كلامه: أنه يتعين أن يكون المدفوع من نفس المال المكاتب عليه، والأصح: أنه لا يتعين ذلك، وإنما يتعين أن يكون من جنسه إذا لم يرض المكاتب بغير الجنس، فإن رضي به. . جاز.
(والحط أولى) من الدفع؛ فإنه المنقول عن الصحابة، ولأن المقصود إعانته ليعتق، والإعانة في الحط محققة وفي الدفع موهومة؛ فإنه قد ينفق المال في جهة أخرى.
وقضية كلامه: أن الواجب أحد الأمرين، وليس أحدهما بدلًا عن الآخر، وهو وجه، والأصح المنصوص في "الأم": أن الحطَّ أصلٌ، والإيتاء بدل عنه، وقيل: عكسه.
(وفي النجم الأخير أليق) لأنه حالة الخلوص من الرق، وقد روى مالك في "الموطأ" عن ابن عمر ﵄: أنه كاتب عبدًا على خمسة وثلاثين ألفًا، ووضع منها خمسة آلاف درهم، وذلك من آخر نجمه (١).
(والأصح: أنه يكفي ما يقع عليه الاسم، ولا يختلف بحسب المال) كثرة وقلة؛ لأنه لم يرد فيه تقرير، وقوله تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ يتناوله القليل والكثير، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم"، لكن قال البُلْقيني: إنه من المعضلات، فإن إيتاء فلس لمن كوتب على ألف درهم. . يبعد إرادته بالآية الكريمة، والثاني: ينبغي أن يكون قدرًا يليق بالحال، ويستعين به على العتق دون القليل الذي لا وقع له.
(وأن وقت وجوبه قبل العتق) ليستعين به في الأداء، والثاني: بعده؛ كالمتعة ليتبلغ به.
стр. 2408
وَيُسْتَحَبُّ الرُّبُعُ، وَإِلَّا. . فالسُّبُعُ. وَيَحْرُمُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ، وَلَا حَدَّ فِيهِ، وَيَجِبُ مَهْرٌ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَلَا تَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَصَارَتْ مُسْتَوْلَدَةً مُكَاتَبَةً، فَإِنْ عَجَزَتْ. . عَتَقَتْ بِمَوْتهِ،
===
هذا في وقت الوجوب، أما وقت الجواز. . فمن أول عقد الكتابة، ويجوز بعد الأداء وحصول العتق أيضًا، لكن يكون قضاءً إذا قلنا بالأول.
(ويستحب الربع) لما روى النسائي عن علي ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ربع الكتابة، وروي مرفوعًا (١)، قال البُلْقيني: ولو بلغ الشافعي هذا. . لقال به، فإنه قال: ولو كان موقوفًا على علي ﵁. . فهو لا يقوله باجتهاد، وإنما يقوله عن توقيف؛ فيكون في حكم المرفوع، ونقل الزركشي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: أجمع أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾: أنها ربع الكتابة.
(وإلا. . فالسبع) إن لم يسمح بالربع، اقتداءً بابن عمر ﵄؛ كما مر (٢).
(ويحرم وطء مكاتبته) لاختلال ملكه؛ لخروج الأكساب عنه، (ولا حد فيه) وإن علم التحريم؛ للشبهة، لكن يعزر على الصحيح، (ويجب مهر) ولو كانت مطاوعة على الأصح؛ لشبهة الملك، (والولد حر) نسيب؛ لأنها علقت به في ملكه، (ولا تجب قيمته على المذهب) لحريته عند علوقها به؛ لأنه ابن أمته، والخلاف مبني على حكم ولدها من غيره؛ إن قلنا لا يثبت له حكم الكتابة. . لم يلزمه؛ لأنه قن له، وإن قلنا يثبت وهو الأصح كما سيأتي. . ففي لزوم قيمته خلاف ينبني على أن حق الملك فيه لمن؟ إن قلنا للسيد وهو الأظهر. . لم يلزمه، وإن قلنا للأم. . لزمه.
(وصارت مستولدة مكاتبه) ولا يبطل الاستيلاد حكم الكتابة؛ لأن مقصودهما واحد، وهو العتق، (فإن عجزت. . عتقت بموته) عن الاستيلاد وعتق معها أولادها
стр. 2409
وَوَلَدُهَا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا مُكَاتَبٌ فِي الأَظْهَرِ يَتبعُهَا رِقًّا وَعِتْقًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ النُّجُومِ، وَالْحَقُّ فِيهِ لِلسَّيِّدِ، وَفِي قَوْلٍ: لَهَا، فَلَوْ قُتِلَ. . فَقِيمَتُهُ لِذِي الْحَقِّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ أَرْشَ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَكَسْبَهُ وَمَهْرَهُ يُنْفَقُ مِنْهَا عَلَيْهِ، وَمَا فَضَلَ. . وُقِفَ، فَإِنْ عَتَقَ. . فَلَهُ، وَإِلَّا. . فَلِلسَّيِّدِ. وَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنَ الْمُكَاتبَ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْجَمِيعَ.
===
الحادثون بعد الاستيلاد دون من قبله، وإن أدت النجوم قبل موته. . عتقت عن الكتابة وتبعها كسبها وولدها.
(وولدها من نكاح، أو زنًا مكاتب في الأظهر يتبعها رقًّا وعتقًا) لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية فكذا في سبب العتق؛ كولد أم الولد، والثاني: لا، بل يكون قنًّا للسيد؛ لأن الكتابة عقدٌ يقبل الفسخ، فلا يثبت حكمه في الولد؛ كولد المرهونة.
(وليس عليه) أي: الولد (شيء من النجوم) لأنه لم يوجد منه التزام (والحق فيه) أي: في الولد اللسيد) كما أن حقَّ الملك في الأم له، (وفي قول: لها) أي: للمكاتبة؛ لأنه تكاتب عليها فيكون الحق فيه لها؛ كما أن الحق في المكاتب للسيد، ولأنه لو كان للسيد. . لما عتق بعتقها.
(فلو قتل. . فقيمته لذي الحق) فعلى الأول: للسيد، وعلى الثاني: لها، (والمذهب: أنَّ أرش جنايته عليه) أي: على الولد فيما دون النفس (وكسبه ومهره) إن كان الولد جارية ووطئت بشبهة، (ينفق منها عليه، وما فضل. . وقف، فإن عتق. . فله، وإلا. . فللسيد) كما أن كسب الأم إذا عتقت يكون لها، وإلا. . فللسيد، وقيل: لا يوقف، بل يصرف إلى السيد؛ كما تصرف إليه القيمة إذا قتل، هذا كله إذا قلنا: إن الحق في الولد للسيد، فإن قلنا: بأنه للأم. . فهو لها تستعين به في كتابتها.
(ولا يعتق شيء من المكاتب حتى يؤدي الجميع) أو يبرأ منها؛ لحديث: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" رواه أبو داوود (١).
стр. 2410
وَلَوْ أَتى بِمَالٍ فَقَالَ السَّيِّدُ: (هَذَا حَرَامٌ) وَلَا بَيِّنَةَ. . حَلَفَ الْمُكَاتَبُ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ: (تَأْخُذُهُ أَوْ تبرِئُهُ عَنْهُ؟ )، فَإِنْ أَبَى. . قَبَضَهُ الْقَاضِي، فَإِنْ نَكَلَ الْمُكَاتبُ. . حَلَفَ السَّيِّدُ. وَلَوْ خَرَجَ الْمُؤَدَّى مُسْتَحَقًّا. . رَجَعَ السَّيِّدُ بِبَدَلِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي النَّجْمِ الأَخِيرِ. . بَانَ أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَقَعْ وَإِنْ كَانَ قَالَ عِنْدَ أَخْذِهِ: (أَنْتَ حُرٌّ)،
===
(ولو أتى بمال فقال السيد: "هذا حرام"، ولا بينة. . حلف المكاتب أنه حلال) ويصدق فيه عملًا بظاهر اليد، (ويقال للسيد: "تأخذه أو تبرئه عنه؟ ") ويجبر على أحد الأمرين؛ عملًا بظاهر الحال، (فإن أبى. . قبضه القاضي) وعتق المكاتب.
واحترز بقوله: (ولا بينة): عمَّا لو أقام السيد بينة على ما قاله. . فإنه لا يجبر وتسمع بينته؛ لأن له فيها غرضًا ظاهرًا، وهو الامتناع من الحرام، قال الرافعي: كذا أطلقه جماعة، وشرط الصَّيْدَلاني: أن يعين المغصوب منه، وإلا. . فلا. انتهى، وبه صرح الماوردي أيضًا (١).
(فإن نكل المكاتب. . حلف السيد) وكان كإقامة البينة.
(ولو خرج المؤدَّى مستحقًّا. . رجع السيد ببدله) لفساد القبض، (فإن كان في النجم الأخير. . بأن أن العتق لم يقع) لبطلان الأداء، فإن ظهر الاستحقاق بعد موت المكاتب. . تبيَّن أنه مات رقيقًا وأن ما تركه للسيد دون الورثة.
(وإن كان قال عند أخذه: "أنت حر") أو (أعتقتك) لأنه بناه على ظاهر الحال، وهو صحة الأداء وقد تبيَّن خلافه؛ فلم يعتق.
وقوله: (عند أخذه) يوهم التصوير بما إذا قاله متصلًا بقبض النجوم، وهو ما نقلاه عن كلام الإمام، حيث قالا: وفي كلام الإمام إشعارٌ بأن قوله: (أنت حر)، إنما يقبل تنزيله على الحرية بموجب القبض إذا رتبه على القبض، فلو انفصل عن القرائن. . لم يقبل التأويل، قالا: وهذا تفصيل قويم لا بأس بالأخذ به، لكن في "الوسيط": لا فرق بين أن يكون جوابًا عن سؤال حريته أو ابتداءً، أو بين أن يكون
стр. 2411
وِإنْ خَرَجَ مَعِيبًا. . فَلَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ، وَلَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَتَسَرَّى بِإِذْنِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ
===
متصلًا بقبض النجوم أو غير متصل؛ لشمول العذر. انتهى (١).
وقيَّده ابن الرفعة بما إذا قصد الإخبار عن حاله بعد أداء النجوم، فإن قصد إنشاء العتق. . برئ المكاتب وعتق. انتهى.
وأول كلامه يقتضي: أنه إذا أطلق ولم يقصد شيئًا. . يعتق؛ لأنه لم يقصد إلا الإخبار، وآخره يقتضي عكسه.
(وإن خرج معيبًا. . فله رده وأخذ بدله) إن لم يرض به، سواء كان ذلك العيب يسيرًا أو فاحشًا، لأنه دون حقه.
(ولا يتزوج) المكاتب (إلا بإذن سيده) لأنه عبد، كما سلف، (ولا يتسرى بإذنه على المذهب) لضعف ملكه، وخوفًا من هلاك الجارية في الطَّلْق، قال الشيخ أبو محمد: ولا يبعد إجراء الوجهين في وطء من يؤمن حبلها؛ كما في المرهونة، قال الإمام: وهو غير مرضي (٢)، وفي "أصل الروضة" في نكاح العبد أنه يجوز للقن التسري بالإذن، وفي "زيادتها" في آخر (معاملات العبيد) أن فيه القولين في تبرعاته (٣).
ومقتضاه: ترجيح جوازه بالإذن، قال في "المهمات": والصواب: المنع، فقد نصَّ عليه في "البويطي" و"الأم" (٤).
وجمع النشائي بين الكلامين: أن المذكور في معاملة العبيد، وفي نكاح العبد مبنيٌّ على أنه يملك بتمليك السيد، والمذكور هنا مبني على الجديد، وهو منع ملكه، وقد صرَّح الرافعي هنا بأن تسريه بإذن السيد مبنيٌّ على الخلاف في تملك العبد بإذن السيد.
стр. 2412
وَلَهُ شِرَاءُ الْجَوَارِي لِتِجَارَةٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا. . فَلَا حَدَّ، وَالْوَلَدُ نَسِيبٌ، فَإِنْ وَلَدَتْهُ فِي الْكِتَابَةِ أَوْ بَعْدَ عِتْقِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. . تبَعَهُ رِقًّا وَعِتْقًا، وَلَا تَصِيرُ مُسْتَوْلَدَةً فِي الأَظْهَرِ. وَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ لِفَوْقِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَاَنَ يَطَؤُهَا. . فَهُوَ حُرٌّ وَهِيَ أُمّ وَلَدٍ.
===
(وله شراء الجواري لتجارة) توسعًا له في طرق الاكتساب، (فإن وطئها. . فلا حدَّ) لشبهة الملك، وكذا لا مهر؛ لأنه لو وجب عليه. . لكان له (والولد نسيب) لشبهة الملك.
(فإن ولدته في الكتابة) أي: في حال كون أبيه مكاتبًا لم يعتق بعد، (أو بعد عتقه لدون ستة أشهر. . تبعه رقًّا وعتقًا) ولا يعتق في الحال في الصورة الأولى؛ لضعف ملكه بل يكون ملكًا له؛ لأنه ولد جاربته ولا يملك بيعه؛ لأنه ولده، بل يتوقف عتقه على عتق أبيه، فإن عتق. . عتق، وإلا. . رق وصار للسيد، وهذا معنى قولهم: (إن ولده تكاتب عليه).
(ولا تصير مستولدة في الأظهر) لأنها علقت بمملوك فأشبه الأمة المنكوحة، والثاني: تصير؛ لأنه ثبت للولد حق الحرية من سيدها حيث تكاتب عليه وامتنع بيعه، فثبت لها حرمة الاستيلاد.
وأجاب الأول: بأن حق الحرية للولد لم يثبت بالاستيلاد في الملك، بل لمصيره ملكًا لأبيه؛ كما لو ملكه بهبة.
(وإن ولدته بعد العتق لفوق ستة أشهر وكان يطؤها. . فهو حر وهي أم ولد) لظهور العلوق بعد الحرية، ولا نظر إلى احتمال العلوق في الرق؛ تغليبًا للحرية، فإن لم يطأها بعد الحرية. . فالاستيلاد على الخلاف المار.
وقوله: (لفوق ستة أشهر) تبع فيه "المحرر" (١)، وهو يفهم: أنها لو ولدت لستة أشهر فقط. . أن الحكم بخلافه، والذي في "الشرحين" و"الروضة" لستة أشهر فأكثر (٢)، وصوب ما في "الكتاب" فإنه لا بد من تقدير لحظة زائدة على الستة أشهر.
стр. 2413
وَلَوْ عَجَّلَ النُّجُومَ. . لَمْ يُجْبَرِ السَّيِّدُ عَلَى الْقَبُولِ إِنْ كَانَ لَهُ فِي الامْتِنَاعِ غَرَضٌ كَمُؤْنَةِ حِفْظِهِ أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهِ، وَإِلَّا. . فَيُجْبَرُ، فَإِنْ أَبَى. . قَبَضَهُ الْقَاضِي، وَلَوْ عَجَّلَ بَعْضَهَا لِيُبْرِئَهُ مِنَ الْبَاقِي فَأَبْرَأَ. . لَمْ يَصِحَّ الدَّفْعُ وَلَا الإِبْرَاءُ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ النُّجُومِ، وَلَا الاعْتِيَاضُ عَنْهَا،
===
(ولو عجل) المكاتب (النجوم) قبل محلها (. . لم يجبر السيد على القبول إن كان له في الامتناع غرض) صحيح (كمؤنة حفظه) كالطعام الكثير، (أو خوف عليه) بأن كان زمن نهب أو إغارة؛ لما في الإجبار من الضرر والحالة هذه، ولو كاتبه في وقت النهب أو الإغارة وعجل فيه. . لم يجبر أيضًا على الأصح؛ لأن ذلك قد يزول عند المحل.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له غرض في الامتناع (. . فيجبر) لأن للمكاتب غرضًا ظاهرًا فيه، وهو تنجيز العتق أو تقريبه ولا ضرر على السيد.
(فإن أبى) ولم يفد فيه الإجبار (. . قبضه القاضي) لأثر عمر في "سنن البيهقي" (١).
(ولو عجل بعضها) أي: بعض النجوم (ليبرئه من الباقي فأبرأ. . لم يصح الدفع ولا الإبراء) للشرط الفاسد، وإذا لم يصحا. . لا يحصل العتق، وعلى السيد ردُّ المأخوذ.
(ولا يصح بيع النجوم) لأنه بيع دين ما لم يقدر على تسليمه؛ فإن العبد يستقلُّ بإسقاطه، (ولا الاعتياض عنها) لأنها غير مستقرة، والاستبدال عن الدين إنما يجوز في المستقر، وهذا ما صححاه هنا (٢)، واقتضى كلامهما في (باب الشفعة) تبعًا للأصحاب: الجواز (٣)، قال في "المهمات": وهو الصواب، فقد نصَّ عليه في "الأم" (٤).
стр. 2414
فَلَوْ بَاعَ وَأَدَّى إِلَى الْمُشْتَرِي. . لَمْ يَعْتِقْ فِي الأَظْهَرِ، وَيُطَالِبُ السَّيِّدُ الْمُكَاتَبَ وَالْمُكَاتَبُ المُشْتَرِيَ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ رَقَبَتِهِ فِي الْجَدِيدِ،
===
(فلو باع) النجوم (وأدى إلى المشتري. . لم يعتق في الأظهر) لأنه يقبض لنفسه بحكم البيع الفاسد ولم يصح قبضه؛ فلم يعتق، والثاني: يعتق؛ لأن السيد سلَّطه على القبض، فأشبه الوكيل، فإن أدى إلى السيد. . عتق لا محالة.
(ويطالب السيد المكاتب والمكاتب المشتري بما أخذ منه) بناءً على الأظهر، وعلى الثاني: ما أخذه المشتري يعطيه للسيد؛ لأنا جعلناه كوكيله.
(ولا يصح بيع رقبته في الجديد) لأن البيع لا يرفع الكتابة؛ للزومها من جهة السيد، فيبقى مستحق العتق، فلم يصح بيعه؛ كالمستولدة، ولأن الكتابة عقد يمنع من استحقاق الكسب وأرش الجناية فيمنع البيع؛ كما لو باع عبدًا من إنسان لا يجوز له بيعه، والقديم: أنه يصح؛ لحديث بريرة في "الصحيحين" (١)، وأجاب عنه في الجديد بثلاثة أجوبة؛ أحدها: أن الكتابة جائزة من جهة العبد، وبريرة ساومت عائشة ﵂ لمواليها من ابتياع نفسها، فيكون ذلك فسخًا منها، ولهذا أمرها النبي ﷺ بعتقها، ولو بقيت الكتابة. . لعتقت بها؛ فإن الأصح على القديم: أن الكتابة لا تنفسخ بالبيع، بل ينتقل إلى المشتري مكاتبًا، الثاني: أنها عجزت فانفسخت الكتابة، وسعيها في ابتياع عائشة وطلب الأوقية يدل على ذلك، الثالث: أنها رضيت بالبيع، وامتناع البيع محله: إذا لم يرض المكاتب بالبيع؛ فإن رضي. . جاز وكان رضاه فسخًا، وقد صرَّح بذلك البيهقي في "السنن الكبير" عن الشافعي ﵁ (٢)، وجزم به القاضي الحسين في "تعليقه" كما في "المهمات" (٣)، قال شيخنا: وقد نصَّ على ذلك صريحًا في "اختلاف العراقيين"، ونصَّ عليه في "مختصر المزني" و"البويطي".
стр. 2415
فَلَوْ بَاعِ فَأَدَّى إِلَى الْمُشْتَرِي. . فَفِي عِتْقِهِ الْقَوْلَانِ، وَهِبَتُهُ كَبَيْعِهِ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ مَا فِي يَدِ الْمُكَاتبِ وَإِعْتَاقُ عَبْدِهِ وَتَزْوِيجُ أَمَتِهِ. وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: (أَعْتِقْ مُكَاتَبَكَ عَلَى كَذَا) فَفَعَلَ. . عَتَقَ وَلَزِمَهُ مَا الْتَزَمَ.
فَصْلٌ [في بيان لزوم الكتابة وجوازها]
الْكِتَابَةُ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ لَيْسَ لَهُ فَسْخُهَا إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الأَدَاءِ،
===
(فلو باع فأدى) النجوم (إلى المشتري. . ففي عتقه القولان) السالفان فيما إذا باع نجومه فأداها إلى مشتريها، (وهبته كبيعه) فيأتي القولان، والأظهر: المنع؛ لما فيها من إزالة الملك وتعرضه للرق.
(وليس له بيع ما في يد المكاتب وإعتاق عبده، وتزويج أمته) لأنه معه كالأجنبي.
(ولو قال لرجل (١): "أعتق مكاتبك على كذا"، ففعل. . عتق ولزمه ما التزم) كما لو قال: (أعتق مستولدتك على كذا)، وهو بمنزلة فداء الأسير؛ أما لو قال: (أعتقه عني على كذا). . لم يعتق عن السائل، ويعتق عن المعتق في الأصح، ولا يستحق المال.
* * *
(فصل: الكتابة) الصحيحة (لازمة من جهة السيد ليس له فسخها) لأنها عقدٌ لحظِّ المكاتب لا لحظِّ السيد، فكان السيد فيها كالراهن؛ لأنها حقٌّ عليه، (إلا أن يعجز عن الأداء) أي: أداء النجم أو بعضه عند المحل، لأنه تعذر عليه العوض، فتمكن من الفسخ؛ كالبائع عند إفلاس المشتري بالثمن.
نعم؛ لو عجز عن القدر الذي يُحطُّ عنه أو يبذل له. . لم يفسخ؛ لأن عليه مثله، ولا يحصل التقاص؛ لأن للسيد أن يؤتيه من غيره، لكن يرفع المكاتب الأمر إلى الحاكم: ليفصل بينهما بطريقة.
ويرد على حصره الاستثناء: ما إذا امتنع المكاتب من الأداء مع القدرة. . فإن للسيد
стр. 2416
وَجَائِزَةٌ لِلْمُكَاتَبِ، فَلَهُ تَرْكُ الأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَفَاءٌ، فَإِذَا عَجَّزَ نَفْسَهُ. . فَلِلسَّيِّدِ الصَّبْرُ وَالْفَسْخُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ. . بِالْحَاكِمِ، وَلِلْمُكَاتَبِ الْفَسْخُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اسْتَمْهَلَ الْمُكَاتبُ عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ. . اسْتُحِبَّ إِمْهَالُهُ، فَإِنْ أَمْهَلَ ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ. . فَلَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عُرُوضٌ. . أَمْهَلَهُ لِيَبيعَهَا، فَإِنْ عَرَضَ كَسَادٌ. . فَلَهُ أَلَّا يَزِيدَ فِي الْمُهْلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا .. أَمْهَلَهُ إِلَى الإِحْضَارِ إِنْ كَانَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَإِلَّا. . فَلَا.
===
الفسخ أيضًا، وكذا إذا حلَّ النجم والمكاتب غائب ولم يبعث المال؛ كما سيذكره المصنف.
(وجائزة للمكاتب، فله ترك الأداء وإن كان معه وفاء) لأن الحظَّ فيها له، فأشبه المرتهن.
(فإذا عجز نفسه. . فللسيد الصبر والفسخ بنفسه، وإن شاء. . بالحاكم) لأنه فسخ مجمعٌ عليه لا اجتهاد فيه، فلم يشترط فيه الحاكم.
(وللمكاتب الفسخ في الأصح) كما أن للمرتهن أن يفسخ الرهن، والثاني: المنع؛ إذ لا ضرر عليه في بقائها، وجزم به الرافعي في موضع (١).
وقد استشكل حكاية الخلاف في أن العبد له الفسخ مع القطع بأن الكتابة جائزة من جهته، وأجيب: بأن معنى جوازها: أنه يعجز نفسه متى شاء، أما تعاطي الفسخ. . ففيه خلاف، ورد: بأنه خلاف المعروف من العقود الجائزة؛ كالشركة والوكالة.
(ولو استمهل المكاتب عند حلول النجم. . استحب إمهاله) إعانةً على العتق، (فإن أمهل) السيد (ثم أراد الفسخ. . فله) لأن الدين لا يتأجل.
وقد غلط من فهم عن المصنف رجوع الضمير للعبد.
(وإن كان معه عروض. . أمهله ليبيعها) لأنها مدة قريبة، (فإن عرض كساد) أو غيره (. . فله ألا يزيد في المهلة على ثلاثة أيام) لتضرره بذلك.
(وإن كان ماله غائبًا. . أمهله إلى الإحضار إن كان دون مرحلتين) لأنه بمنزلة الحاضر (وإلا. . فلا) لطول المدة.
стр. 2417
وَلَوْ حَلَّ النَّجْمُ وَهُوَ غَائِبٌ. . فَلِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ. . فَلَيْسَ لِلْقَاضِي الأَدَاءُ مِنْهُ. وَلَا تنفَسِخُ بِجُنُونِ الْمُكَاتبَ، وَيُؤَدِّي الْقَاضِي إِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا، وَلَا بِجُنُونِ السَّيِّدِ، وَيَدْفَعُ إِلَى وَلِيِّهِ، وَلَا يَعْتِقُ بِالدَّفع إِلَيْهِ. وَلَوْ قَتَلَ سَيِّدَهُ. . فَلِوَارثهِ قِصَاصٌ، فَإِنْ عَفَا عَلَى دِيَةٍ أَوْ قَتَلَ خَطَأً. . أَخَذَهَا مِمَّا مَعَهُ،
===
(ولو حل النجم وهو) أي: المكاتب (غائب. . فللسيد الفسخ) لتعذر الوصول إلى الغرض، وكان من حق المكاتب أن يحضر أو يبعث المال، ولا يجب التأخير؛ لكون الطريق مخوفًا والمكاتب مريضًا.
(ولو كان له مال حاضر. . فليس للقاضي الأداء منه) ويمكن السيد من الفسخ؛ لأنه ربما عجز نفسه لو كان حاضرًا وامتنع من الأداء.
(ولا تنفسخ) الكتابة الصحيحة (بجنون المكاتب) لأن ما كان لازمًا من أحد الطرفين لا ينفسخ بجنون أحد المتعاقدين؛ كالرهن، وإنما يفسخ بالجنون: العقود الجائزة من الطرفين؛ كالوكالة.
(ويؤدي القاضي إن وجد له مالًا) لأن المجنون ليس أهلًا للنظر لنفسه فناب الحاكم عنه، بخلاف الغائب الذي له مال حاضر؛ لبقاء أهليته، كذا أطلقوه (١)، وقيده القاضي بما إذا رأى مصلحته في الحرية، فإن رأى أنه يضيع بها. . لم يؤد، قال الرافعي: وهو جيد، لكنه قليل النفع مع قولنا: إن السيد إذا وجد له مالًا. . يستقل بأخذه، إلا أن يقال: إن الحاكم يمنعه من الأخذ والحالة هذه (٢).
(ولا بجنون السيد) للزومها من جهته، (ويدفع) المكاتب النجوم (إلى وليه) لأنه نائب عنه شرعًا، (ولا يعتق بالدفع إليه) لأن قبضه فاسد وللمكاتب استرداده؛ لأنه ملكه، ولو تلف في يده. . فلا ضمان؛ لتقصيره بالتسليم إليه.
(ولو قتل) المكاتب (سيده) عمدًا (. . فلوارثه قصاص، فإن عفا على دية، أو قتل خطأ. . أخذها) أي: الدية (مما معه) لأن السيد مع المكاتب في المعاملات
стр. 2418
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ. . فَلَهُ تَعْجِيزُهُ فِي الأَصَحِّ. أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ. . فَاقْتِصَاصُهُ وَالدِّيَةُ كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ قَتَلَ أَجْنَبيًّا أَوْ قَطَعَهُ فَعُفِيَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَانَ خَطَأً. . أَخَذَ مِمَّا مَعَهُ وَمِمَّا سَيَكْسِبُهُ الأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالأَرْشِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَسَأَلَ الْمُسْتَحِقُّ تَعْجِيزَهُ. . عَجَّزَهُ الْقَاضِي وَبِيعَ بِقَدْرِ الأَرْشِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ
===
كالأجنبي مع الأجنبي، فكذلك في الجناية، وللمكاتب صرف ماله في مصلحته وهذا من أعظم المصالح.
وظاهره: وجوب الدية بالغة ما بلغت، ورجحه البُلْقيني، وحكاه عن "الأم" و"المختصر"، والذي في "الشرح" و"الروضة": وهل يجب تمام الأرش أو أقل الأمرين من قيمته وأرش الجناية؛ فيه القولان في الجناية على الأجنبي، وقضيته: أن الراجح: وجوب الأقل (١).
(فإن لم يكن) في يده مال أو كان ولا يفي بالأرش (. . فله تعجيزه في الأصح) لأنه يستفيد به رده إلى محض الرق، والثاني: لا؛ لأنه إذا عجز. . سقط الأرش؛ إذ لا يثبت للسيد على عبده دين، بخلاف ما إذا عجزه الأجنبي. . فإن الأرش يتعلق برقبته.
(أو قطع طرفه. . فاقتصاصه والدية كما سبق) في قتله لسيده، وقد مرَّ ما فيه.
(ولو قتل أجنبيًّا أو قطعه) عمدًا (فعفي على مال، أو كان خطأً. . أخذ مما معه ومما سيكسبه الأقل من قيمته والأرش) لأنه منع نفسه من البيع بالكتابة، فلزمه الأقل؛ كالسيد في أم الولد.
والفرق بين هذه وجنايته على سيده على ما في "الكتاب": أن حقَّ السيد متعلق بذمته دون رقبته؛ لأنها ملكه، وإذا كانت في ذمته. . وجب جميع الأرش مما في يده؛ كدين المعاملة، بخلاف جنايته على الأجنبي.
(فإن لم يكن معه شيء وسأل المستحق تعجيزه. . عجَّزه القاضي وبيع بقدر الأرش) إن زادت قيمته عليه؛ لأنه القدر المحتاج إليه في الفداء، (فإن بقي منه
стр. 2419
شَيْءٌ. . بَقِيَتْ فِيهِ الْكِتَابَةُ، وَلِلسَّيِّدِ فِدَاؤُهُ وَإِبْقَاؤُهُ مُكَاتبًا. وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ أَوْ أَبْرَأَهُ. . عَتَقَ وَلَزِمَهُ الْفِدَاءُ. وَلَوْ قُتِلَ الْمُكَاتَبُ. . بَطَلَتْ وَمَاتَ رَقِيقًا، وَلِسَيِّدِهِ قِصَاصٌ عَلَى قَاتِلِهِ الْمُكَافِئِ، وَإِلَّا. . فَالْقِيمَةُ. وَيَسْتَقِلُّ بِكُلِّ تَصرُّفٍ لَا تَبَرُّعَ فِيهِ وَلَا خَطَرَ، وَإِلَّا. . فَلَا، وَيَصِحُّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ. . صَحَّ؛
===
شيء. . بقيت فيه الكتابة) فإذا أدى حصته من النجوم. . عتق ذلك القدر، (وللسيد فداؤه وإبقاؤه مكاتبًا) على حاله؛ لما فيه من الجمع بين حقوق الثلاثة، وعلى مستحق الأرش القبول على المذهب، ويفديه بأقل الأمرين.
(ولو أعتقه بعد الجناية، أو أبرأه. . عتق ولزمه الفداء) لأنه فوَّت عليه الرقبة؛ كما لو قتله.
(ولو قتل المكاتب. . بطلت) كتابته (ومات رقيقًا) لفوات محلها، وللسيد ما يتركه بحكم الملك لا الإرث، (ولسيده قصاص على قاتله المكافئ) لبقائه على ملكه، (وإلا) أي: وإن لم يكن القاتل مكافئًا (. . فالقيمة) لأنها جناية على عبده، هذا كله إذا قتله أجنبي، فإن قتله سيده. . فليس عليه سوى الكفارة، قاله في "المحرر" (١).
(ويستقل بكل تصرف لا تبرع فيه ولا خطر) كالبيع والشراء والإجارة بثمن المثل؛ لأن مقصود عقد الكتابة تحصيل العتق، وهو إنما يحصل بالكسب فمكن من جهات الكسب، (وإلا) أي: وإن كان في التصرف تبرع؛ كالهبة، أو خطر؛ كالبيع نسيئة (. . فلا) يستقل به.
(ويصح بإذن سيده في الأظهر) لأن المنع إنما كان لحقه وقد رضي به؛ كالمرتهن، والثاني: لا؛ لأنه ناقص الملك، والسيد لا يملك ما في يده فلا يصح باجتماعهما؛ كالأخ يزوج أخته الصغيرة بإذنها.
(ولو اشترى من يعتق على سيده. . صح) وكان الملك فيه للمكاتب كغيره من العبيد.
стр. 2420
فَإِنْ عَجَزَ وَصَارَ لِسَيِّدِهِ. . عَتَقَ، أَوْ عَلَيْهِ. . لَمْ يَصِحَّ بِلَا إِذْنٍ، وَبِإِذْنٍ. . فِيهِ الْقَوْلَانِ، فَإِنْ صَحَّ. . تَكَاتَبَ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ إِعْتَاقُهُ وَكِتَابَتُهُ بإِذْنٍ عَلَى الْمَذْهَب.
فَصْلٌ [في مشاركة الكتابة الفاسدة الصحيحة]
الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ لِشَرْطٍ أَوْ عِوَضٍ أَوْ أَجَلٍ فَاسِدٍ كَالصَّحِيحَةِ فِي اسْتِقْلَالِهِ بِالْكَسْبِ وَأَخْذِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَمَهْرِ شُبْهَةٍ، وَفِي أَنَّهُ يَعْتِقُ
===
(فإن عجز وصار لسيده. . عتق) على سيده؛ لدخوله في ملكه (أو) اشترى من يعتق (عليه) لو كان حرًّا (. . لم يصح بلا إذن) لما فيه من ضرر الإنفاق عليه وعدم التصرف فيه، (وبإذن. . فيه القولان) في تبرعاته بالإذن، ومقتضاه: الصحة كما سلف.
(فإن صح. . تكاتب عليه) فيتبعه رقًّا وعتقًا (ولا يصح إعتاقه وكتابته بإذن على المذهب) إذا صححنا تبرعاته بالإذن. . فههنا قولان: أصحهما: المنع؛ لأنهما يعقبان الولاء، وليس هو من أهله، والثاني: يصح؛ عملًا بالإذن، ويوقف الولاء، والطريق الثاني: القطع بالأول، ويصح نكاحه بالإذن على المذهب.
* * *
(فصل: الكتابة الفاسدة لشرط أو عوض أو أجل فاسد كالصحيحة في استقلاله بالكسب) لأنه يعتق فيها بالأداء؛ كالصحيحة، والأداء إنما يكون من الكسب، فتكون بمنزلة الصحيحة فيه، فيمكن من التصرف والتردد ليؤدي المسمى ويعتق، وليس لنا عقد فاسد يملك به كالصحيح إلا هذا.
وقوله: (فاسد) يعود إلى الثلاث، وإنما قيد الفساد بهذه الأمور الثلاثة؛ لأنه إذا كان الخلل فيها بغير هذه الثلاثة؛ بأن كان السيد غير مكلف أو مكرهًا أو كان العبد كذلك. . فهي باطلة لا فاسدة.
وشرط العوض الفاسد: أن يكون مقصودًا؛ كخمر، فإن لم يكن مقصودًا؛ كالدم والحشرات. . فهي باطلة.
(وأخذ أرش الجناية عليه ومهر شبهة) لأنه في معنى الاكتساب، (وفي أنه يعتق