وَتُعْتبَرُ رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ وَصْفَهُ بِصفَةِ السَّلَمِ لَا يَكْفِي. وَيَصِحُّ سَلَمُ الأَعْمَى،
===
واحترز بالخلفي: عن جلد الكتاب؛ فإن رؤيته لا تكفي، بل لا بدّ من تقليب كلّ ورقة، لكن أورد على طرده: الدرّ في صدفه، والمسك في فأرته .. فإنه لا يصحّ البيع فيهما مع أن الصِّوان خلقي، وعلى عكسه: الخُشْكَنان، والجُبَّة المحشوة قطنًا، والفُقَّاع .. فإنه يصحّ بيعهم مع أن الصِّوان غير خلقي.
واحترز بـ (السفلى)، وهي التي تكسر حال الأكل: عن العليا؛ فإنه لا يصحّ البيع قبل إزالتها.
(وتعتبر رؤية كلِّ شيء على ما يليق به) فلا بدّ في الدار من رؤية البيوت والسقوف والجدران داخلًا وخارجًا، والمستحم، والبالوعة، وكذا السطوح.
وفي البستان من رؤية الأشجار والجدران ومسايل الماء.
وفي العبد من رؤية الوجه والأطراف، وكذا باقي البدن غير العورة على الأصح، ولا تشترط رؤية اللسان، والأسنان على الأصح في "شرح المهذب"، والجارية كالعبد على الأصح (١).
ولا بدّ في الدواب من رؤية مقدمها ومؤخرها وقوائمها، ورفع ما على ظهرها.
ولا بدّ في الثوب من نشره على الأصحِّ.
(والأصح: أن وصفه بصفة السلم لا يكفي) عن الرؤية، وكذا سماع وصفه بطريق التواتر؛ لأن الرؤية تفيد أمورًا تقصر عنها العبارة، وفي الخبر: "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ" (٢). والثاني: يكفي؛ لأن ثمرة الرؤية: المعرفةُ، والوصفُ يفيدها.
(ويصحّ سلم الأعمى) سواء أسلم في شيء، أو أسلم إليه فيه؛ لأن السلم يعتمد الوصف لا الرؤية، فعلى هذا: يشترط أن يكون رأس المال موصوفًا، ثم يعينه في المجلس، فإن كان معينًا في العقد .. كان كمن باع عينًا، وإذا صحّ سلمه .. لم يصحّ قبضه في الأصح، بل يوكل؛ لأنه لا يميز بين حقه وغيره.
стр. 737
وَقِيلَ: إِنْ عَمِيَ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ .. فَلَا.
===
(وقيل: إن عمي قبل تمييزه) أو خلق أعمى ( .. فلا)؛ لأنه لا يعرف الألوان، ولا يميز بينها، وأجاب الأول: بأنه يعرفها بالسماع، ويتخيل فرقًا بينها.
وقد يُفهم أنه لا يصحّ من الأعمى من العقود غيرُ السلم، وليس كذلك؛ بل يصحّ أن يشتري نفسه، وأن يقبل الكتابة على نفسه، وأن يؤجر نفسه، وأن يبيع ما شاهده قبل العمى إذا لم يتغير، وأن يزوج ابنته ونحوها، ويؤجرهما إذا شاهدهما قبل العمى. ذكرها في "الخصال"، وفي "الروضة" بعضها (١).
* * *
стр. 738
بابُ الرِّبا
إِذَا بِيعَ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ؛ إِنْ كَانَا جِنْسًا .. اشْتُرِطَ الْحُلُولُ، وَالْمُمَاثَلَةُ، وَالتَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، أَوْ جِنْسَيْنِ؛ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ .. جَازَ التَّفَاضُلُ، وَاشْتُرِطَ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ. وَالطَّعَامُ مَا قُصِدَ لِلطُعْمِ اقْتِيَاتًا أَوْ تفكُّهًا أَوْ تَدَاوِيًا
===
(باب الربا)
هو لغة: الزيادة، قال الله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: زادت ونمت، وشرعًا: الزيادة في بيع النقد والمطعوم بمثلهما، وهو مجمع على تحريمه، وروى الحاكم عن عبد الله عن النبي ﷺ ، قال: "الرِّبَا سَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ"، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين (١).
(إذا بيع الطعام بالطعام؛ إن كانا جنسًا .. اشترط الحلول، والمماثلة، والتقابض قبل التفرق، أو جنسين؛ كحنطة وشعير .. جاز التفاضل، واشترط الحلول، والتقابض) لقوله ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَجْنَاسُ .. فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٢) أي: مقابضة، وإذا اعتبر التقابض .. لزم اعتبار الحلول، إذ لو جاز التأجيل .. لجاز تأخير التسليم إلى مضي المدة، ولا بدّ من القبض الحقيقي، فلا تكفي الحوالة وإن حصل القبض بها في المجلس على الأصح، كما قاله الماوردي (٣).
(والطعام ما قصد للطُّعم اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا) لأنه ﵇ نصّ على البرّ والشعير، والمقصود منهما: القوت، فألحق بهما ما في معناهما، كالأَرُزّ والذُّرَة، وعلى التمر، والمقصود منه: التأدم والتفكه، فألحق به ما في معناه؛ كالزبيب
стр. 739
وَأَدِقَّةُ الأُصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ وَخُلُولُهَا وَأَدْهَانُهَا .. أَجْنَاسٌ، وَاللُّحُومُ وَالأَلْبَانُ كَذَلِكَ فِي الأَظْهَرِ. وَالْمُمَاثَلَةُ تُعْتبَرُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا،
===
والفواكه والبَقْلاوات ونحوها، وعلى الملح، والمقصود منه: الإصلاح، فألحق به ما يحتاج إليه من المطعومات؛ كالزَّعْفَران والزَّنْجَبيل ودهن الورد والسَّقَمُونْيا ونحو ذلك.
وخرج بقوله: (قُصِدَ): ما يجوز أكله ولكن لا يقصد؛ كأطراف قضبان العنب، والجلود.
والمراد بـ (الطعم): طعم الآدميين، فإن اختص به الجن؛ كالعظم، أو البهائم؛ كالحشيش .. فليس بربوي، فإن اشترك فيه الآدميون والبهائم .. فالحكم للأغلب، فإن استويا .. فالأصح -كما قا له الصَّيْمَري والماوردي -: أنه ربوي (١).
وأُورد على الضابط: الماءُ العذب فإنه ربوي على الأصح؛ لأنه مطعوم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ وأَورد الإسنوي الحلوى، فإنها طعام؛ كما ذكره المصنف في (الأيمان)، وهو مردود؛ فإن الحلوى مما يُتفكه بها، وليس المراد بالتفكه الثمرَ.
(وأدقة الأصول المختلفةِ الجنس وخلولها وأدهانها .. أجناس) لأنها فروع لأصول مختلفة ربوية فأُجري عليها حكمُ أصولها، فعلى هذا: يباع دقيق الحنطة بدقيق الشعير متفاضلًا، وكذلك خلّ التمر بخلّ العنب، ودهن البَنَفْسَج بدهن الورد.
واحترز بـ (المختلفة): عن المتحدة؛ كأدقة أنواع القمح؛ فإنها جنس قطعًا.
(واللحوم والألبان كذلك في الأظهر) لأنها فروع لأصول مختلفة، فأشبهت الأدقة، والثاني: أنها جنس؛ لاشتراكهما في الاسم الذي لا يقع التمييز بعده إلا بالإضافة، فأشبهت أنواع الثمار؛ كالمَعْقِلي والبَرْنِي.
(والمماثلة تعتبر في المكيل كيلًا) لقوله ﷺ : "لَا تبَيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ إِلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ يَدًا بِيَدٍ" (٢)، فنصّ على أنه لا يعتبر التساوي فيه بالوزن،
стр. 740
وَالْمَوْزُونِ وَزْنًا. وَالْمُعْتبَرُ: غَالِبُ عَادَةِ الْحِجَازِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَمَا جُهِلَ يُرْعَى فِيهِ عَادَةُ بَلَدِ الْبَيع، وَقِيلَ: الْكَيْلُ، وَقِيلَ: الْوَزْنُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لَهُ أَصْل .. اعْتُبِرَ
===
(والموزون وزنًا) لقوله ﵇: "لَا تبَيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَب، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ" متفق عليه (١).
فلو باع المكيل بالوزن، أو الموزون بالكيل .. لم يصحّ، ولا فرق في الكيل بين أن يكون معتادًا أم لا؛ كالقَصعة.
(والمعتبر غالب عادة الحجاز في عهد رسول الله ﷺ في كون الشيء مكيلًا أو موزونًا؛ لأن الظاهر: أنه ﷺ اطلع عليها وأقرها، فلو أحدث الناس خلافَ ذلك .. فلا اعتبار بإحداثهم.
(وما جُهل) هل كان موجودًا في عهده أم لا، أو علم وجوده في عهده، ولم يعلم هل كان موجودًا في الحجاز أم لا، أو علم وجوده فيه، ولم يعلم هل كان يكال أو يوزن، أو علم أنه كان يكال مرة، ويوزن أخرى، ولم يغلب [أحدهما، أو كان أحدهما غالبًا ولكن لم يتعين، أو علم تعينه ثم نسي؟ ] (٢) (يُرْعى فيه عادة بلد البيع) لأنّ الشيء إذا لم يكن محدودًا في الشرع .. كان الرجوع فيه إلى عادة الناس؛ كما في القبض والحرز.
(وقيل: الكيل) لأنه أعم؛ فإن أكثر ما ورد فيه النصّ مكيل، (وقيل: الوزن) لأنه أحصر وأقل تفاوتا، (وقيل: يتخير) للتساوي، (وقيل: إن كان له أصل) معلوم المعيار ( .. اعتبر) به؛ مراعاة لأصله.
فعلى هذا: دهن السِّمْسِم مكيل، ودهن اللوز موزون إن جعلنا اللوز موزونًا، وهذا كلّه إذا لم يكن أكبر جرمًا من التمر، فإن كان كالجوز والبيض .. فالاعتبار فيه بالوزن؛ لأنه لم يعهد الكيل بالحجاز فيما هو أكبر من التمر، كذا جزم به في "الشرح
стр. 741
وَالنَّقْدُ بالنَّقْدِ كَطَعَامٍ بطَعَامٍ. وَلَوْ بَاعَ جزَافًا تَخْمِينًا .. لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ خَرَجَا سَوَاءً.
وَتُعْتبَرُ الْمُمَاثَلَةُ وَقْتَ الْجَفَافِ - وَقَدْ يُعْتبَرُ الْكَمَالُ أَوَّلًا.
===
الصغير" هنا، ونقله في "الكبير" هنا عن المتولي وأقره، وجزم به في آخر الباب (١).
(والنقد بالنقد كلطعام بطعام) في اشتراط الأمور الثلاثة السالفة عند اتحاد الجنس، والآخرين عند عدمه بأن يبيع الذهب بالفضة؛ للحديث السالف.
وكان الأولى: التعبير بالذهب والفضة، ليشمل التبر والسبائك والحلي؛ فإن النقد هو المضروب خاصة.
والعلة في تحريم الربا في الذهب والفضة: جنسية الأثمان غالبًا. ولا يجري الربا في الفلوس وإن راجت على الأصح.
(ولو باع جِزافًا تخمينًا .. لم يصحّ وإن خرجا سواء) لأن التساوي شرط، والجهل به عند العقد مضر، وهذا معنى قولهم: (الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة).
(وتعتبر المماثلة وقت الجفاف) في الثمار والحبوب؛ لأنه ﵇ سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبسَ؟ "، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك، صححه الترمذي (٢)، فأشار بقوله: "أيَنْقُصُ الرُّطَبُ ... " إلى أن المماثلة إنما تعتبر عند الجفاف، وإلا .. فالنقصان أوضح من أن يسأل عنه.
ويشترط مع الجفاف: ألّا ينزع نوى التمر، لأنه إذا نزع .. بطل كماله؛ لتسارع الفساد إليه، بخلاف الخَوْخ والمِشْمِش ونحوهما؛ فإن كماله لا يبطل بنزع النوى؛ فإن الغالب في مجفَّفِهما نزع النوى، كما أن اللحم المقدد لا يبطل كماله بنزع العظم منه، وفي دعوى كون الغالب في مُجفف الخَوْخ والمِشْمِش نزع النوى .. نظر.
(وقد يُعتبر الكمال أولًا) كما في العرايا؛ فإن اعتبار الجفاف في المماثلة لم يوجد آخرًا؛ أي: عند الجفاف، وإنما وجد أولًا؛ أي: في حال الرطوبة.
стр. 742
فَلَا يُبَاعُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ وَلَا بِتَمْرٍ، وَلَا عِنَبٌ بِعِنَبٍ وَلَا بِزَبِيبٍ. وَمَا لَا جَفَافَ لَهُ كَالْقُثَّاءِ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ لَا يُبَاعُ أَصْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تكفِي مُمَاثَلَتُهُ رَطْبًا. وَلَا تكفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالْخُبْزِ، بَلْ تُعْتبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْحُبُوبِ: حَبًّا، وَفِي حُبُوبِ الدُّهْنِ كَالسِّمْسِمِ: حَبًّا أَوْ دُهْنًا، وَفِي الْعِنَبِ: زَبِيبًا أَوْ خَلَّ عِنَبٍ، وَكَذَا الْعَصِيرُ فِي الأَصَحِّ،
===
(فلا يباع رُطَب برطب) للنهي عنه كما سبق (١)، (ولا بتمر) أي: ولا رطب بتمر؛ ليقين التفاوت عند الجفاف، وتستثنى العرايا كما سيأتي (ولا عِنبٌ بعنب ولا بزبيب) لما مرّ.
(وما لا جفاف له؛ كالقثاء والعنب الذي لا يتزبب .. لا يباع) بعضه ببعض (أصلًا) قياسًا على الرطب بالرطب، (وفي قول: تكفي مماثلتُه رطبًا)؛ لأن معظم منافعه في رطوبته، فكان كاللبن فيباع وزنًا.
وأورد الزيتون؛ فإنه يجوز بيعه بمثله، كما نقله الإمام عن صاحب "التقريب" وارتضاه، وجزم به في "الوسيط" مع أنه لا جفاف له، وردّ: بأنه جاف، وتلك الرطوبات التي فيه إنما هي الزيت، ولا مائية فيه، ولو كان فيه مائية .. لجفّ، وفيه نظر (٢).
(ولا تكفي مماثلةُ الدقيق والسويق والخبز) ونحو ذلك مما يتخذ من الحبّ كالنَّشَاء؛ للجهل بالمماثلة؛ فان الدقيق ونحوه متفاوت في النعومة، والخبز ونحوه يتفاوت في تأثير النار.
(بل تعتبر المماثلةُ في الحبوب) التي لا دهن فيها (حبًّا) بعد تناهي جفافه، وتنقيته من التبن غير مقلي، ولا مقشور، ولا مبلول وإن جف بعد بلّه، وعلم من كلامه أنه لا يجوز بيع الحب بشيء مما يتخذ منه؛ كالدقيق والنَّشَاء، ولا بما فيه شيء مما يتخذ منه كالحلواء المعمولة بالنَّشَاء، ويجوز بالنُّخالة؛ لأنها ليست ربوية.
(وفي حبوب الدهن؛ كالسمسم: حبًّا أو دهنًا، وفي العنب: زبيبًا، أو خلَّ عنبٍ) لأن كليهما على هيئة الادخار، (وكذا العصير في الأصح)؛ لأنه مُتهيئ لأكثر
стр. 743
وَفِي اللَّبَنِ: لَبَنًا أَوْ سَمْنًا أَوْ مَخِيضًا صَافِيًا، وَلَا يَكْفِي التَّمَاثُلُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ كَالْجُبُنِ وَالأَقِطِ. وَلَا تكفِي مُمَاثَلَةُ مَا أَثَّرَتْ فِيهِ النَّارُ بِالطَّبْخِ أَوِ الْقَلْيِ أَوِ الشَّيِّ. وَلَا يَضُرُّ تَأْثِيرُ تَمْيِيزٍ كَالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ. وَإِذَا جَمَعَتِ الصَّفْقَةُ رِبَوِيًّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ الْجنْسُ مِنْهُمَا - كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَم، وَكَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ - أَوِ النَّوْعُ؛ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا .. فَبَاطِلَةٌ
===
الانتفاعات، فيجوز بيع العصير بمثله، والثاني: لا؛ لأنه ليس على هيئة كمال المنفعة، وكلامه يوهم أن هذا لا يجيء مثله في الرطب، وليس كذلك بل له كمالات: تمر، وخلّ، وعصير، وفي خلّه وجه؛ بناء على أنه لا يتأتى إلا بالماء.
(وفي اللبن: لبنًا أو سمنًا أو مَخيضًا صافيًا) أي: خالصًا عن الماء؛ لأن كلًّا منها مقصود، ومعيار اللبن: الكيل حتى يباع الرائب بالحليب كيلًا وإن تفاوتا في الوزن، وكذا هو معيار الدهن، والخلّ، والعصير.
واعلم: أن اللبن جنس ينقسم إلى: المخيض، والحليب، والرائب، فلا يحسن جعل المخيض قسيمًا للَّبن، بل هو قسم منه.
(ولا يكفي التماثل في سائر أحواله) أي: باقي أحوال اللبن (كالجبن والأَقِط)، والمَصْل والزبد؛ لأنها لا تخلو عن مخالطة شيء، فالجبن تخالطه الإنْفَحة، والأَقِط يخالطه الملح، والمَصْل يخالطه الدقيق، والزبد يخالطه المَخيض.
(ولا تكفي مماثلةُ ما أثرت فيه النار بالطبخ أو القَلْي أو الشَّيِّ) لأن تأثير النار لا غاية له، فيؤدي إلى الجهل بالمماثلة.
(ولا يضرّ تأثير تمييزٍ؛ كالعسل والسمن) والذهب والفضة؛ فإن النار في العسل لتمييز الشمع، وفي السمن لتمييز اللبن، وفي الذهب والفضة لتمييز الغِشِّ، وهي لطيفة لا تؤثر في العقد.
(وإذا جَمَعت الصفقةُ) جنسًا (ربويًّا من الجانبين، واختلف الجنس منهما)، أو من أحدهما (كمد عجوةٍ، ودرهم بمدّ ودرهم، وكمدٍّ ودرهم بمدين أو درهمين، أو) اختلف (النوع؛ كصحاح ومكسرة بهما) أي: بالصحاح، والمكسرة (أو بأحدهما) أي: بالصحاح فقط، أو بالمكسرة فقط ( .. فباطلة)؛ لأن اختلاف
стр. 744
وَيَحْرُمُ بَيع اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَذَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ فِي الأَظْهَرِ.
===
العوض من الجانبين، أو من أحدهما يوجب توزيعَ الثمن عليهما بالقيمة يوم العقد عرفًا وحكما؛ لأنه لو باع سيفًا وشقصًا من عقار بألف .. وزعت الألف عليهما باعتبار القيمة، حتى إذا كانت قيمة الشقص مئة، وقيمة السيف خمسين .. أخذ الشفيع الشقص بثلثي الألف.
والتوزيع يقتضي الجهل بالمماثلة، أو حقيقة المفاضلة؛ لأنه إذا باع مدًّا ودرهمًا بمدين مثلًا .. نظر؛ إن كانت قيمة المدّ الذي مع الدرهم أكثرَ من الدرهم؛ مثل: أن تكون قيمته درهمين .. فيكون المدّ ثلثي ما في هذا الطرف، فيقابله ثلثا المدين من الطرف الآخر، فيصير كأنه قابل مدًّا بمدّ وثلث، وإن كان أقل؛ مثل: أن تكون قيمته نصف درهم .. فيكون المدّ ثلث ما في هذا الطرف، فيقابله ثلث المدين من الطرف الآخر، وهما ثلثا مدّ، وإن كان مساويًا .. فالمماثلة وإن وجدت، لكنها تستند إلى التقويم، والتقويم حَدْس وتخمين قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأ.
والمماثلة المعتبرة في الربا هي المماثلة الحقيقية.
(ويحرم بيع اللحم بالحيوان من جنسه) ويبطل؛ لأنه ﵇ نهى عن بيع اللحم بالحيوان، رواه الشافعي عن مالك مرسلًا (١).
(وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره في الأظهر) لعموم الحديث المذكور، والثاني: لا، أما في المأكول .. فبالقياس على بيع اللحم باللحم، وأما في غيره .. فلأن سبب المنع بيعُ مال الربا بأصله المشتمل عليه، ولم يوجد ذلك هنا.
* * *
стр. 745
بابٌ [البيوع المنهي عنها]
نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ، وَهُوَ: ضِرَابُهُ، وَيُقَالُ: مَاؤُهُ، وَيُقَالُ: أُجْرَةُ ضِرَابهِ، فيَحْرُمُ ثَمَنُ مَائِهِ، وَكَذَا أُجْرَتُهُ فِي الأَصَحِّ. وَعَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَهُوَ: نِتَاجُ النِّتَاجِ؛ بِأَنْ يَبِيعَ نِتَاجَ النِّتَاجِ، أَوْ بِثَمَنٍ إِلَى نِتَاجِ النِّتَاجِ.
===
(باب) في البيوع المنهي عنها
(نهى رسول الله ﷺ عن عَسْب الفحل) هذا النهي متفق عليه (١).
(وهو: ضرابه) أي: طروق الفحل للأنثى، (ويقال: ماؤه، ويقال: أجرة ضرابه) قال الرافعي: والأول هو المشهور في كتب الفقه (٢).
ولا بدّ في الحديث من تقدير؛ لأن نفس العسب -وهو الضراب- لا يتعلق به النهي؛ لأنه ليس من أفعال المكلفين، والإعارة له محبوبة، فيكون التقدير على الأول: أجرة عسب الفحل، وعلى الثاني: ثمن مائه.
(فيحرم ثمن مائه) لأنه غير متقوم، (وكذا أجرته في الأصح) لأن فعل الضراب غير مقدور عليه للمالك، بل يتعلق باختيار الفحل، والثاني: يجوز؛ كالاستئجار لتلقيح النخل.
(وعن حَبَلِ الحبلة) هذا النهي متفق عليه (٣) (وهو: نتاج النتاج؛ بأن يبيع نتاج النتاج، أو بثمن إلى نتاج النتاج) الأول: تفسير أهل اللغة، والثاني: تفسير ابن عمر ﵄، واختاره الشافعي؛ لأن الراوي أفهم للمقصود، وعلى التفسيرين: البيع باطل؛ فالأول: لانتفاء الملك، وغيره من شروط المبيع، والثاني: لجهالة الأجل.
стр. 746
وَعَنِ الْمَلَاقِيحِ، وَهِيَ: مَا فِي الْبُطُونِ. وَالْمَضَامِينِ، وَهِيَ: مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ. وَالْمُلَامَسَةِ؛ بِأَنْ يَلْمَسَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُ إِذَا رَآهُ، أَوْ يَقُولَ: (إِذَا لَمَسْتهُ .. فَقَدْ بِعْتكهُ). وَالْمُنَابَذَةِ؛ بِأَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ بَيْعًا
===
(وعن الملاقيح، وهي: ما في البطون) أي: بطون الإبل خاصة؛ كما قاله الجوهري (١).
(والمضامين، وهي: ما في أصلاب الفحول) هذا النهي رواه مالك مرسلًا، وهو معتضد بالإجماع، وقد أسنده البزار عن أبي هريرة (٢)، ووجه البطلان فيهما: انتفاء الشروط.
(والملامسة) هذا النهي متفق عليه (٣) (بأن يَلمَس ثوبًا مطويًّا، ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه) الذي فسر به الشافعي والجمهور - منهم الرافعي في كتبه، والمصنف في "الروضة" - الملامسةَ: بأن يلمس ثوبًا مطويًّا، فيقول صاحبه: بعتكه بشرط قيام لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، ووجه البطلان: أنا إن فرعنا على إبطال بيع الغائب .. فظاهر، وإن فرعنا على صحته .. فباطل أيضًا؛ فإنا إذا صححنا شراء ما لم يره فاشتراه على أن لا خيار له عند الرؤية .. فالبيع باطل على الأصح (٤).
(أو يقول: "إذا لمسته .. فقد بعتكه") هذا التفسير نقله الرافعي عن الإمام، وعلل بطلانه بما فيه من التعليق (٥).
(والمنابذة) هذا النهي متفق عليه (٦) (بأن يجعلا النبذ)، وهو الطرح والإلقاء (بيعًا) أي: قائمًا مقام الصيغة، فيجيء فيه الخلاف المذكور في المعاطاة؛ فإن المنابذة مع قرينة البيع هي المعاطاة بعينها.
стр. 747
وَبَيْعِ الْحَصَاةِ؛ بِأَنْ يَقُولَ: (بعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الأَثْوَابِ مَا تقعُ هَذِهِ الْحَصَاةُ عَلَيْهِ)، أَوْ يَجْعَلَا الرَّمْيَ بَيْعًا، أَوْ (بعْتُكَ وَلَكَ الْخِيَارُ إِلَى رَمْيِهَا). وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ؛ بِأَنْ يَقُولَ: (بِعْتُكَ بِأَلْفٍ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفَيْنِ إِلَى سَنَةٍ)، أَوْ (بِعْتُكَ ذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تبِيعَنِي دَارَكَ بِكَذَا). وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، كَبَيْعٍ بِشَرْطِ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ،
===
(وبيع الحصاة) هذا النهي في "صحيح مسلم" (١) (بأن يقول: "بعتك من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه"، أو يجعلا الرمي بيعًا، أو "بعتك ولك) أو لي (الخيار إلى رميها") وجه البطلان في الأول: جهالة المبيع، وفي الثاني: فقدان الصيغة، وفي الثالث: الجهل بالخيار.
واعلم: أنه لا يحسن عطف الثالث على ما قبله بل على الأول؛ فإنهما معمولان؛ لقوله في الأول: (بأن يقول)، فكان ينبغي تقديمه على الثاني، أو يزيد فيه لفظة (يقول) كما في "المحرر" (٢).
(وعن بيعتين في بيعة) هذا النهي رواه الترمذي وصححه (٣) (بأن يقول: "بعتك بألف نقدًا، أو بألفين إلى سنة") فخذ بأيهما شئت أنت، أو أنا، وهو باطل؛ للجهالة.
(أو "بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا")، وهو باطل؛ لما فيه من الشرط، وسيأتي أن الشرط مبطل إلا ما استثني.
(وعن بيع وشرط؛ كبيع بشرط بيع أو قرض) صورة المسألة: أن يقول: (بعتك عبدي بألف بشرط أن تبيعني دارك بكذا، أو بشرط أن تقرضني عشرة)، وهذا البيع باطل؛ لأنه جعل الألف ورِفْقَ العقد الثاني ثمنًا، واشتراط العقد الثاني فاسد، فبطل بعض الثمن، وليس له قيمة معلومة حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي، وهذا النهي أخرجه الحافظ عبد الحق في "الأحكام" من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
стр. 748
وَلَوِ اشْتَرَى زَرْعًا بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ، أَوْ ثَوْبًا وَيَخِيطَهُ .. فَالأَصَحُّ: بُطْلَانُهُ، وَتُسْتَثْنَى صُوَر كَالْبَيعْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ، أَوْ بِشَرْطِ قَطْعِ الثَمَرِ وَالأَجَلِ وَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ الْمُعَيَّنَاتِ
===
(ولو اشترى زرعًا بشرط أن يحصده البائع، أو ثوبًا ويخيطه .. فالأصح: بطلانه) أي: العقد، وهو البيع والشرط، أما الشرط .. فلمنافاته مقتضى العقد؛ فإن قضية العقد: أن يكونا على المشتري، وأما البيع .. فلأن الشرط إذا فسد .. فسد البيع، والثاني: يبطل الشرط جزمًا، وفي البيع قولا تفريق الصفقة.
(وتستثنى) من النهي عن بيع وشرط (صور، كالبيع بشرط الخيار، أو البراءة من العيب، أو بشرط قطع الثمر) لما يأتي في بابه، (والأجلِ والرهن والكفيل المُعيَّنات)، أما الأجل: فلقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ولا بدّ من احتمال بقاء المشتري إلى انقضاء الأجل لا كألف سنة، للعلم بأن المشتري لا يبقى هذه المدةَ، فيسقط الأجل بالموت، نقله الرافعي عن الروياني، وأقره بقوله: (ولأنه في احتمال في بقائه إليه)، واعترضه في "الروضة" فقال: (لا يشترط احتمال بقائه، بل ينتقل إلى وارثه لكن التأجيل بألف سنة وغيرها مما يبعد بقاءُ الدنيا إليه .. فاسد) انتهى (١).
وردّ في "المهمات" هذا الاعتراض فقال: (الكلام ليس في مستحق الدين، بل في من هو عليه، ولهذا قال: "فيسقط الأجل بموته"، والأجل يسقط بموت من عليه لا بموت من هو له، قال: وإذا ظهر هذا .. ظهر أيضًا البطلان فيما إذا كان يبعد بقاء الدنيا إليه؛ لأنا نعلم الاستحقاق قبله بموت من عليه) (٢).
وأما الرهن والكفيل .. فللحاجة إليهما، لأنه قد لا يرضى بمعاملته بدونهما، ولا بدّ في المرهون أن يكون معينًا بالمشاهدة أو الوصف بصفات السلم؛ كما قالاه هنا (٣)،
стр. 749
لِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَالإِشْهَادِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الشُّهُودِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَرْهَنْ أَوْ لَمْ يَتكفَّلِ الْمُعَيَّنُ .. فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ إِعْتَاقِهِ .. فالْمَشْهُورُ: صِحَّةُ الْبَيع وَالشَّرْطِ،
===
لكن ذكرا عند بيع الغائب: أن رهن الغائب على القولين في بيع الغائب (١).
ويشترط: أن يكون المرهون غيرَ المبيع، فإن كان هو .. لم يصحّ؛ لأنه لم يدخل في ملك المشتري إلا بعد الشرط، ولا بدّ في الكفيل من تعيينه أيضًا بالمشاهدة أو بالاسم أو النسب، ولا تكفي الصفة؛ بأن يقول: (رجل موسر ثقة).
(لثمن في الذمة) فإن كان مُعيَّنًا؛ كقوله: (اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا) .. فهو فاسد؛ لأن الأجل شرع رفقًا للتحصيل، والمُعيَّن حاصل.
وكذا لا يصحّ به رهن وكفيل؛ فإن الأعيان لا يرهن بها، ولا تضمن على ما سيأتي في موضعه.
وإطلاقه: اشتراط كون الثمن في الذمة لا يستقيم بالنسبة إلى الضمان، فإن ضمان العين المبيعة وغيرها من الأعيان المضمونة .. صحيح على الصحيح، والثمن المُعيَّن بمثابة المبيع؛ فيصحّ ضمانه.
وتعبيره بـ (الثمن) ناقص؛ فإن المبيع قد يكون في الذمة أيضًا؛ كما لو قال: (اشتريت منك صاعًا في ذمتك بصفة كذا)، وحينئذ فيصحّ اشتراط الأجل والرهن والكفيل.
فلو عبر بقوله: (لعوض في الذمة) .. لاندفع هذا الاعتراض.
(والإشهاد) على الثمن أو المثمن، للحاجة إليه (ولا يشترط تعيين الشهود في الأصح) لأن المقصود من الشهود العدالة؛ لإثبات الحق عند الحاجة، فلا يتفاوت الغرض فيهم، والثاني: يشترط؛ كالرهن والكفيل.
(فإن لم يرهن أو لم يتكفل المُعيَّن .. فللبائع الخيار) وكذا لو لم يشهد؛ كما في "شرح المهذب" لفوات شرطه (٢).
(ولو باع عبدًا بشرط إعتاقه .. فالمشهور: صحة البيع والشرط) لقصة بَريرة
стр. 750
وَالأَصَحُّ: أَنَّ لِلْبَائِعِ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالإِعْتَاقِ، وَأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ مَعَ الْعِتْقِ الْوَلَاءَ لَهُ، أَوْ شَرَطَ تدْبِيرَهُ أَوْ كِتَابَتَهُ أَوْ إِعْتَاقَهُ بَعْدَ شَهْرٍ .. لَمْ يَصحَّ الْبَيْعُ
===
المتفق عليها، فإن فيها اشتراطَ العتق والولاء ولم ينكر ﵇ إلا اشتراط الولاء (١)، والثاني: لا يصحان، كما لو شرط بيعه أو رهنه، والثالث: يصحّ العقد، ويبطل الشرط، هذا إذا أطلق العتق، أو قال: (بشرط أن تعتقه عن نفسك)، فلو قال: (عني) .. لغا العقد، كما قاله في "شرح المهذب" (٢).
ويستثنى: ما لو اشترى من يعتق عليه بشرط إعتاقه .. فإن البيع يبطل، لتعذر الوفاء بالشرط فإنه يعتق قبل إعتاقه، قاله القاضي الحسين وأقرّاه، لكن قال في "شرح المهذب": (إن فيه نظرًا ويحتمل أن يصحّ البيع، ويكون شرط العتق توكيدًا للمعنى) (٣).
(والأصح: أن للبائع مطالبة المشتري بالإعتاق) لأنه يثاب على شرطه، وله غرض في تحصيله، والثاني: لا، لأنه لا ولاية له على حقِّ الله تعالى.
وهذا الخلاف مبني على أن العتق المشروط حقّ لله تعالى، كالملتزم بالنذر وهو الأصح، أما إذا قلنا بالوجه الآخر: إنه حقّ للبائع .. فيطالب به جزمًا.
ولو امتنع المشتري من العتق .. أجبره الحاكم على العتق على الأصح، بناء على أن الحقَّ لله تعالى، فإن قلنا: الحقّ للبائع .. لم يجبر، بل يثبت له الخيار بين الفسخ والإمضاء.
(وأنه لو شرط مع العتق الولاء له، أو شرط تدبيرَه أو كتابته أو إعتاقه بعد شهر .. لم يصحّ البيع) أما الولاء: فوجه بطلان البيع بشرطه: أنه شرط يتضمن نقلَ الملك إلى البائع وارتفاع العقد، ووجه الصحة: قوله ﵇ في حديث بَريرة: "وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ" (٤)، وأجاب الشافعي بأن (لهم) هنا: بمعنى عليهم؛ كما في قوله
стр. 751
وَلَوْ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَالْقَبْضِ وَالرَّدِّ بِعَيْبٍ، أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ؛ كَشَرْطِ أَلَّا يَأْكُلَ إِلَّا كَذَا .. صَحَّ، وَلَوْ شَرَطَ وَصْفًا يُقْصَدُ؛ كَكَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوِ الدَّابَّةِ حَامِلًا أَوْ لَبُونًا .. صَحَّ،
===
تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١)، ويدل عليه إنكاره ﵇ هذا الشرط.
وأما الباقي: فوجه البطلان فيها: أن العتق ليس بناجز، ووجه الصحة: حصول المقصود.
واحترز بقوله: (مع العتق) عمّا إذا شرط الولاء له فقط .. فإن البيع باطل قطعًا؛ كما نقلاه هنا عن المتولي وأقراه؛ لأن الولاء تابع للعتق، وهو لم يشترط الأصلَ (٢).
(ولو شرط مقتضى العقد؛ كالقبض والردّ بعيب، أو ما لا غرض فيه؛ كشرط ألا يأكل إلا كذا .. صحّ) أما الأول .. فلأن اشتراطه تأكيد وتنبيه على ما أوجبه الشارع عليه.
وأما الثاني .. فلأن ذكره لا يورث تنازعًا في الغالب (٣).
وقوله: (صحّ) يعني العقد، أما الشرط .. فهو في الثانية لاغ، وأما في الأولى .. ففي "الشرح" و"الروضة": أنه لا يضر ولا ينفع (٤)، وفي "المطلب": أن في كلام بعضهم ما يقتضي أن يكون صحيحًا مؤكدًا، وفي كلام غيره أنه لاغ، قال الإسنوي تبعًا للسبكي: وهو بحث لفظي، قال الزركشي: ويمكن أن يقال: تظهر فائدته في تعذر الشرط، كما لو تعذر القبض لمنع البائع منه، فإن قلنا بصحته .. ثبت الخيار.
(ولو شرط وصفًا يُقصَد؛ ككون العبد كاتبًا، أو الدابةِ حاملًا أو لبونًا .. صحّ)
стр. 752
وَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ أَخْلَفَ، وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الدَّابَّةِ. وَلَوْ قَالَ: (بِعْتكهَا وَحَمْلَهَا) .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَمْلِ وَحْدَهُ، وَلَا الْحَامِلِ دُونَهُ، وَلَا الْحَامِلِ بِحُرٍّ
===
لأنه شرط يتعلق بمصلحة العقد، وهو العلم بصفات المبيع التي تختلف بها الأغراض، (وله الخيار إن أخلف) لفوات شرطه.
واحترز بقوله: (يقصد): عما لا يقصد؛ كالزنا والسرقة وغيرهما من العيوب؛ فإنه لا خيار بفواتها، وكذا لو شرط أنها ثيب فخرجت بكرًا على الأصح.
(وفي قول: يبطل العقد في الدابة) لأنه شرط معها شيئًا مجهولًا، فأشبه ما لو قال: (بعتكها وحَمْلَها)، وهو باطل على ما سيأتي.
وأجاب الأول: بأن المقصود الوصف به لا إدخاله في العقد، والخلاف مبني على أن الحمل يعلم أم لا، وفيه قولان: أصحهما: نعم.
(ولو قال: "بعتكها وحَمْلها" .. بطل في الأصحّ) لأن ما لا يجوز بيعه وحده لا يجوز بيعه مقصودًا مع غيره، والثاني: يجوز، لأنه داخل في العقد عند الإطلاق، فلا يضر التنصيص عليه، كما لو قال: (بعتك هذا الجدار وأساسه).
وفرق الأول: بأن الأساس داخل في مُسمَّى الجدار، فذكرُه ذكر لما دخل في اللفظ، فلا يَضرّ التنصيص عليه، والحمل غير داخل في مُسمَّى البهيمة، فإذا ذكره .. فقد ذكر شيئًا آخر مجهولًا وباعه مع المعلوم.
(ولا يصحّ بيع الحمل وحده) لما مرّ في النهي عن بيع الملاقيح (١)، وهذا مكرر، فإنه عين بيع الملاقيح.
(ولا الحاملِ دونه) أي: دون الحمل، لأنه لا يفرد بالعقد، فلا يجوز استثناؤه؛ كأعضاء الحيوان.
(ولا الحاملِ بحُرٍّ) لأن الحمل لا يدخل والحالة هذه في البيع، فكأنه استثناه، وقيل: يصحّ؛ لأن الحمل مستثنى شرعًا.
стр. 753
وَلَوْ بَاعَ حَامِلًا مُطْلَقًا .. دَخَلَ الْحَمْلُ فِي الْبَيْعِ.
فصلٌ [في المنهيات التي لا يقتضي النهي فسادها]
وَمِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَا لَا يَبْطُلُ؛ لِرُجُوعِهِ إِلَى مَعْنَىً يَقْتَرِنُ بِهِ؛ كَبَيعْ حَاضِرٍ لِبَادٍ؛ بِأَنْ يَقْدَمَ غَرِيبٌ بِمَتَاع تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِيَبيعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ فَيَقُولُ بَلَدِيٌّ: (أَتْرُكْهُ عِنْدِي لِأبِيعَهُ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلى).
وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ؛ بِأَنْ يَتَلَقَّى طَائِفَةً يَحْمِلُونَ مَتَاعًا إِلَى بَلَدٍ، فَيَشْتَرِيَهُ قَبْلَ قُدُومِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالسِّعْرِ،
===
(ولو باع حاملًا مطلقًا) أي: من غير شرط يدل على الدخول أو عدمه ( .. دخل الحمل في البيع) تبعًا لها، ومحله: إذا كان مملوكًا لمالك الأم، وإلّا .. فيبطل البيع.
* * *
(فصل: ومن المنهي عنه ما لا يبطل؛ لرجوعه إلى معنى يقترن به؛ كبيع حاضر لباد؛ بأن يَقدمَ غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول بلدي: "اتركه عندي لأبيعه على التدريج) أي: شيئا فشيئا (بأغلى") وهذا النهي متفق عليه (١)، والمعنى في التحريم: أن فيه تضييقًا على الناس.
و(البادي): من سكن البادية، وفي معناه: كلّ جالب من تركيٍّ وغيره.
ويشترط في التحريم: أن يكون عالمًا بالنهي، وهو عام في جميع المناهي.
واحترز بـ (ما تعم الحاجة إليه): عما لا يحتاج إليه إلا نادرًا؛ فإنه لا يحرم، وبقوله: (ليبيعه بسعر يومه): عما لو قصد بيعه على التدريج فسأله الحضري تفويض ذلك إليه .. فإنه لا بأس به، وبموله: (على التدريج) عما لو سأله أن يبيع له على الفور؛ فإنه لا يحرم.
(وتلقي الركبان؛ بأن يتلقى طائفةً يحملون متاعًا إلى بلد، فيشتريه قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر) لقوله ﵇: "لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا
стр. 754
وَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا عَرَفُوا الْغَبْنَ. وَالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ،
===
أتىَ سَيِّدُهُ السُّوقَ .. فَهُوَ بِالْخِيَار" رواه مسلم (١).
وهل النظر هنا لمراعاة الركبان لاحتمال غبنهم، أو لمراعاة أهل البلد خشية أن يحبسه المشتري فيضيق الحال عليهم، أو خشية انقطاع القوافل عنهم؟ فيه وجهان في "الكفاية"، وجزم المصنف في "شرح مسلم" بالأول (٢)، ونقل الإسنوي تبعًا لـ "الكفاية" عن الجمهور الثاني، لكن نقل الأَذْرَعي في "التوسط" عن الماوردي عن الجمهور الأول، وقال: إنه علة النهي عند الشافعي، وجرى عليه الزركشي، وقد راجعت "الحاوي" للماوردي ورأيت كلامه ظاهرًا فيما نقله الأَذْرَعي، ومحتملًا لما نقله الإسنوي (٣)، [وكلام المصنف قد يفهم أنه لو خرج لشغل آخر] (٤)؛ من اصطياد ونحوه فرآهم فاشترى منهم .. لا يحرم، والأصح: خلافه.
(ولهم الخيار إذا عرفوا الغَبْن) للحديث المارّ (٥).
(والسومِ على سوم غيره) لما فيه من الإيذاء والعداوة، وصورته: أن يأتي إلى رجل قد أنعم لغيره في بيع سلعته بثمن فيزيده ليبيع منه، أو يأتي إلى المشتري فيعرض عليه مثلها أوأجود منها بأنقص من ذلك الثمن.
стр. 755
وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ. وَالْبَيعْ عَلَى بَيع غَيْرِهِ قَبْلَ لُزُومِهِ؛ بِأَنْ يَأْمُرَ الْمُشْتَرِيَ بِالْفَسْخِ لِيَبِيعَهُ مِثْلَهُ. وَالشِّرَاءِ عَلَى الشَرَاءِ؛ بِأَنْ يَأْمُرَ الْبَائِعَ بالْفَسْخِ لِيَشْتَرِيَهُ. وَالنَّجَشِ؛ بِأَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ لَا لِرَغْبَةٍ بَلْ لِيَخْدَعَ غَيْرَهُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ. وَبَيع الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ
===
(وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) فلو كان يطاف به مثلًا على من يزيد .. فلا منع من الزيادة، وشرط الاستقرار: أن يكون صريحًا، فإن عرّض بإجابته .. كره الدخول في سومه، ولا يحرم على الأصح.
(والبيعِ على بيع غيره قبل لزومه) وهو زمن الخيار (بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله) بأقل من هذا الثمن، وهذا النهي والذي قبله متفق عليه (١)، والمعنى فيه: ما ذكرناه من الإيذاء والعداوة.
(والشراءِ على الشراء؛ بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه) لما ذكرناه في البيع على البيع.
(والنجشِ؛ بأن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيرَه) وهو متفق عليه أيضًا (٢).
ولو حذف (ليخدع غيره) .. لكان أولى، لأنه إذا زاد لينفع البائع .. لم يقصد أن يخدع غيره مع أنه من صور النجش، ويصدق عليه أنه زاد لا لرغبة.
(والأصح: أنه لا خيار) للمشتري، لتفريطه حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة، والثاني: له الخيار، للتدليس، كالتصرية.
ومحل الخلاف: عند مواطأة البائع، وإلا .. فلا خيار جزمًا.
(وبيعِ الرطب والعنب لعاصر الخمر) لما فيه من التسبب إلى ارتكاب الحرام.
وقضية كلامه: تحريم ذلك، لعطفه على أمور كلها محرمة، وفيه تفصيل؛ فإن لم يتحقق .. لم يحرم بل يكره، وإن تحقق - أي: ظَنَّ ظنًّا غالبًا؛ كما قال في "المطلب" - .. حرم على الأصح في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب"، ويجري هذا في كلّ تصرف يفضي إلى معصية، كبيع المماليك المُرْد ممن عُرف
стр. 756
وَيَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأُمِّ وَالْوَلَدِ حَتَّى يُمَيِّزَ، وَفِي قَوْلٍ: حَتَّى يَبْلُغَ، وَإِذَا فُرِّقَ بِبَيعٍ أَوْ هِبَةٍ .. بَطَلَا فِي الأَظْهَرِ
===
بالفجور فيهم، كما حكاه في "زيادة الروضة" عن الغزالي (١).
(ويحرم التفريق بين الأم والولد) من الآدميين، لحديث: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا .. فرَّقَ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢)، سواء رضيت الأم بذلك أم لا؛ رعاية لحقّ الولد.
نعم؛ يجوز التفريق بالعتق والوصية على الأصح، والأب وأم الأم عند عدمها كالأم على الأصح، بخلاف سائر المحارم، كالأخ والعم، فإنه لا يحرم التفريق بينهم على الأصح.
نعم؛ في الأجداد والجدات عند فقد الأب والأم ثلاثة أوجه حكاها الرافعي: ثالثها: جواز التفريق في الأجداد دون الجداا ت (٣)، والجدّ للأم، قيل: كالأب، وقيل: كالأخ، قال السبكي: والأقرب: الأول.
(حتى يميز) لأنه حينئذ يستغني عن التعهد في والحضانة، سواء حصل التمييز قبل سبع سنين أو بعدها.
وأحسن ما قيل في حدّ التمييز: أن يصير الطفل بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده.
(وفي قول: حتى يبلغ) لنقصان تمييزه قبل البلوغ.
(وإذا فرق ببغ أو هبة) ونحوهما، كمقاسمة ( .. بطلا في الأظهر) لعدم القدرة على التسليم شرعًا، والثاني: لا، لأن النهي لما فيه من الإضرار، لا لخلل في نفس المبيع.
وإذا قلنا بالصحة .. فلا تُقرُّهما على التفريق، بل إن رضي المتبايعان بضمِّ أحدهما
стр. 757
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَرَبُونِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَ وَيُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ لِتَكُونَ مِنَ الثَّمَنِ إِنْ رَضِيَ السِّلْعَةَ، وَإِلَّا .. فهبَةً.
فصلٌ [في تفريق الصفقة]
بَاعَ خَلًّا وَخَمْرًا، أَوْ عَبْدَهُ وَحُرًّا، أَوْ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ، أَوْ مُشْتَرَكًا بِغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ .. صَحَّ فِي مِلْكِهِ فِي الأَظْهَرِ،
===
إلى الآخر .. استمر العقد، وإلا .. فسخ، كذا نقلاه في "السير" عن ابن كجٍّ والماوردي وأقراه (١).
ومحل الخلاف: بعد سقيه اللِّبأ.
أما قبله .. فلا يصحّ جزمًا.
وزاد الماوردي على سقي اللِّبأ وُجودَ مرضعة أخرى تُتِمُّ رضاعه (٢).
(ولا يصحّ بيع العربون، بأن يشتري ويعطيه دراهمَ لتكون من الثمن إن رضي السلعةَ، وإلا .. فهبة) لأن فيه شرطين فاسدين: أحدهما: شرط الهبة، والثاني: شرط الردّ (٣) على تقدير ألّا يرضى.
* * *
(فصل: باع خلًّا وخمرًا، أو عبده وحرًّا، أو عبده وعبد غيره) (٤) أي: أو باع عبده وعبد غيره (أو مشتركًا بغير إذن الآخر) وهو الشريك ( .. صحّ في ملكه في الأظهر) لأنه باع شيئين مختلفي الحكم، فيأخذ كلّ واحد منهما حكم نفسه؛ كما لو باع ثوبًا وشقصًا مشفوعًا .. فإن الشفعة تثبت في المشفوع دون الثوب.
والقول الثاني: البطلان؛ لأن اللفظة الواحدة لا يتأتى تبعيضها، فغلب الحرام على الحلال.
стр. 758
فَيَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إِنْ جَهِلَ، فَإِنْ أَجَازَ .. فَبِحِصَّتِهِ مِنَ الْمُسَمَّى بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِمَا،
===
وقيل: العلة فيه: أن المسمَّى يتوزع عليهما باعتبار القيمة، ونحن لا ندري حصة كلّ واحد منهما عند العقد، فيكون الثمن مجهولًا، قال الربيع: وهو آخر قولي الشافعي قال الإسنوي: فهو المذهب (١).
وقوله: (بغير إذن الآخر): يعود إلى المشترك؛ فإنه إذا أذن له الشريك .. يصحّ جزمًا، ولا يصحّ عوده إليه وإلى عبد الغير معًا؛ لأنه إذا أذن له فباعه مع عبده.
فإن لم يفصل الثمن .. لم يصح على الأصح في "شرح المهذب".
ونقله الرافعي في (كتاب الصداق) عن النصّ (٢).
وإن فصل الثمن .. صحَّ جزمًا، لكن ليس مما نحن فيه؛ لأن الكلام في الصفقة الواحدة، وتلك صفقات.
(فيتخير المشتري إن جهل) لضرر التبعيض، قال ابن الرفعة: وهو على الفور؛ لأنه خيار نقص، فإن كان عالمًا .. فلا؛ لتقصيره (٣).
(فإن أجاز .. فبحصته من المسمى باعتبار قيمتهما) لأنهما أوقعا الثمن في مقابلتهما جميعًا، فلا يلزم المشتري في مقابلة أحدهما إلا قسطه.
فإذا كان المملوك يساوي مئة والآخر يساوي مئتين .. فالمجموع ثلاث مئة، وحصة المملوك منها الثلث، فيؤخذ ثلث المُسمَّى في العقد.
فإذا اشتراهما بمئة وخمسين مثلًا .. أوجبنا خمسين، وإن اشتراهما بست مئة .. أوجبنا مئتين.
وهل تعتبر قيمة الخمر عند من يرى له قيمة، أو يقدر خلًّا، أو عصيرًا؟ فيه اختلاف واضطراب نبه عليه في "المهمات" (٤).
وتمثيل المصنف قد يُفهم أنه لو كان الذي لا يصحّ فيه العقد مما لا يقصد؛ كالدم
стр. 759
وَفِي قَوْلٍ: بجَمِيعِهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدَيْهِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ .. لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الآخَرِ عَلَى الْمَذْهَبِ، بَلْ يَتَخَيَّرُ، فَإِنْ أَجَازَ .. فَبالْحِصَّةِ قَطْعًا. وَلَوْ جَمَعَ فِي صَفْقَةٍ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ كَإِجَارَةٍ وَبَيْعٍ أَوْ سَلَمٍ .. صَحَّا فِي الأَظْهَرِ، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَتِهِمَا،
===
والحشرات أن الإجازة بالجميع قطعًا، قال الإسنوي: ولم أجده مصرحًا به، ويتأيد بكلامهم في الخلع والكتابة.
(وفي قول: بجميعه) لأن ذكر غير المملوك لاغ، فيقع الثمن في مقابلة المملوك.
ومحل الخلاف: في غير الربويات، أما الربويات .. فيتخير فيها بالقسط قطعًا؛ لأن الفضل فيها حرام.
(ولا خيار للبائع) لأنه مفرط حيث باع ما لا يملكه، وطمع في ثمنه.
(ولو باع عبديه فتلف أحدهما قبل قبضه .. لم ينفسخ في الآخر على المذهب) لانتفاء علتي البطلان، أما الجمع بين الحلال والحرام .. فواضح.
وأما الجهالة .. فلأن الثمن كلَّه قد ثبت في الابتداء، وسقوط بعضه طارئ .. فلا يؤثر في الانفساخ، كما لو خرج المبيع معيبًا وتعذر الردّ لبعض الأسباب، والثمن غير مقبوض .. فإن بعضه يسقط على سبيل الأرش، ولا يلزم منه فساد الباقي.
والطريق الثاني: أنه يتخرج على القولين فيما لو باع ما يملكه وما لا يملكه؛ تسويةً بين الفساد المقرون بالعقد، والفساد الطارئ قبل القبض، (بل يتخير) لفوات مقصوده.
(فإن أجاز .. فبالحصة قطعًا) لأن الئمن وجب في مقابلتهما في الابتداء، فلا ينصرف إلى أحدهما بالدوام.
(ولو جمع في صفقة مختلفي الحكم؛ كإجارة وبيع أو سلم .. صحّا في الأظهر، ويُوزَّع المسمّى على قيمتهما) قياسًا على ما إذا باع ثوبًا وشقصًا من دار .. فإنه يجوز وإن اختلفا في حكم الشفعة، واحتجنا إلى التقويم بسببها، والثاني: البطلان؛ لأن
стр. 760
أَوْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ .. صَحَّ النِّكَاحُ، وَفِي الْبَيع وَالصَّدَاقِ الْقَوْلَانِ. وَتَتَعَدَّدُ الصَّفْقَةُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ كَبعْتُكَ ذَا بِكَذَا، وَذَا بِكَذَا، وَبِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ، وَكَذَا بِتَعَدُّدِ للْمُشْتَرِي فِي الأَظْهَرِ
===
اختلاف الأحكام يغلب على الظنّ وقوع الانفساخ في أحدهما، وذلك يَجُرُّ جهلًا في العوض.
ومحل الخلاف: أن يكون العقدان لازمين كما مثل به، فلو جمع بين بيع وجعالة .. لم يصحّ قطعًا، كما ذكره الرافعي في (المسابقة) (١).
وأورد على تعبيره: ما إذا باع شقصًا من دار وثوبًا .. فإنه صحيح قطعًا مع اختلافهما في الحكم.
وأجيب: بأنه ليس المراد الاختلاف في مطلق الأحكام، بل اختلاف الأحكام في الفسخ والتنفيذ؛ فإن الإجارة شرطها التأقيت، وهو مبطل للبيع، وقبل انقضاء المدة يعرض الانفساخ، بخلاف البيع، وليس ذلك موجودًا في الثوب والشقص.
ومثال الإجارة والبيع: (أجرتك داري شهرًا، وبعتك عبدي هذا بدينار).
ومثال الإجارة والسلم: (أجرتك داري شهرًا، وبعتك صاع قمح في ذمتي سلمًا بكذا).
(أو بيعٍ ونكاح .. صحّ النكاح) لأنه لا يفسد بفساد الصداق، (وفي البيع والصداق القولان) وقد تقدما بتعليلهما.
وهذه المسألة قد ذكرها المصنف في (كتاب الصداق) بأبسط مما ذكره هنا، وسنتكلم عليها هناك إن شاء الله تعالى.
(وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن؛ كبعتك ذا بكذا وذا بكذا، وبتعدد البائع) كبعناك هذا بكذا.
(وكذا بتعدد المشتري) كبعتكما هذا بكذا (في الأظهر) قياسًا على البائع، والثاني: لا؛ لأن المشتري يبني على الإيجاب السابق.
стр. 761
وَلَوْ وَكَّلَاهُ أَوْ وَكَّلَهُمَا .. فَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْوَكِيلِ.
===
وإذا قلنا: بالتعدد فقبل أحدهما نصفه .. لم يصحّ على الأصح.
ومحل ذلك: في غير العرايا والشفعة.
أما فيهما .. فيتعدد بتعدد المشتري قطعًا، وكذا بتعدد البائع في الأظهر، عكس ما هنا.
(ولو وَكَّلاه أو وَكَّلهما .. فالأصح: اعتبار الوكيل) لأن أحكام العقد؛ من اشتراط الرؤية وثبوت الخيار .. تتعلق به لا بالموكل، والثاني: اعتبار الموكل؛ لأن الملك له.
* * *
стр. 762
بابُ الخيار
يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ: كَالصَّرْفِ وَالطعَامِ بِالطَّعَامِ وَالسَّلَمِ وَالتَّوْليَةِ وَالتَّشْرِيكِ وَصُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ. وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَوْ مَوْقُوفٌ .. فَلَهُمَا الْخِيَارُ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي .. تَخَيَّرَ الْبَائِعُ دُونَهُ.
===
(باب الخيار)
(يثبت خيار المجلس في أنواع البيع: كالصرف، والطعام بالطعام، والسلم، والتولية، والتشريك، وصلح المعاوضة) لحديث: "البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: اخْتَرْ" متفق عليه (١).
والمراد بالتفرق هو: التفرق من المكان؛ ففي "البيهقي" من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا" (٢).
ويستثنى من قوله: (أنواع البيع): بيع العبد من نفسه؛ فإنه لا خيار على الأصح في "الشرح الصغير"، و"شرح المهذب" (٣)، وكذا القسمة بالتراضي حيث لا ردّ وقلنا: هي بيع، وكذا الحوالة إن جعلناها بيعًا.
واحترز بـ (المعاوضة) عن صلح الحَطيطة؛ فإنه لا خيار فيه؛ لأنه إن ورد على دين .. فإبراء، أو على عين .. فهبة، ولا خيار فيهما، لكن يشمل الصلح على المنفعة، والصلح عن دم العمد، ولا خيار في الأول؛ لأنه إجارة، ولا في الثاني أيضًا؛ كما صرح به القاضي الحسين.
(ولو اشترى من يعتق عليه؛ فإن قلنا: الملك في زمن الخيار للبائع أو موقوف .. فلهما الخيار) لوجود المقتضي بلا مانع (وإن قلنا: للمشتري .. تخيّر البائع) لما سبق، (دونه) لأن مقتضى ملكه له ألا يتمكن من إزالته، وأن يترتب عليه العتق، فلما تعذر الثاني .. بقي الأول.
стр. 763
وَلَا خِيَارَ فِي الإِبْرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالْهِبَةِ بِلَا ثَوَابٍ، وَكَذَا ذَاتُ الثَّوَابِ وَالشُّفْعَةُ وَالإِجَارَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالصَّدَاقُ فِي الأَصَحِّ. وَيَنْقَطِعُ بِالتَّخَايُرِ، بِأَنْ يَخْتَارَا لُزُومَهُ، فَلَوِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا .. سَقَطَ حَقُّهُ وَبَقِيَ لِلآخَرِ، وَبِالتَّفَرُّقِ بِبَدَنِهِمَا،
===
(ولا خيار في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب) لانتفاء اسم البيع عنها، (وكذا ذات الثواب) بعد قبض الموهوب؛ لأنها لا تسمى بيعًا، والنصّ ورد في المتبايعين، والثاني: يثبت فيها؛ لأن الأصح: أنها بيع؛ اعتبارًا بالمعنى.
(والشفعةُ) لأن المأخوذ منه لا خيار له، وتخصيص خيار المجلس بأحد الجانبين بعيدٌ، والثاني: يثبت فيها للشفيع، لأن الأخذ بها ملحق بالمعاوضات؛ بدليل الردّ بالعيب، وهو ما صححه الرافعي في (باب الشفعة)، لكن استدركه عليه في "الروضة" وصحح عدمه، ولم يصححا هنا في "الشرحين"، و"الروضة" شيئًا (١).
(والإجارةُ) لأنها عقد غرر، إذ هو عقد على معدوم، والخيار غرر، فلا يُضَمُّ غرر إلى غرر، والثاني: يثبت فيها؛ لأنها معاوضة لازمة، فأشبهت البيع.
(والمساقاةُ) كالإجارة حكمًا وتعليلًا.
(والصداقُ) لأن المال تبع في النكاح لا مقصود، ووجه الإثبات: أنه عقد مستقل (في الأصح) في المسائل الخمس كما ذكرناه.
(وينقطع) الخيار (بالتخاير؛ بأن يختارا لزومَه) بأن يقولا: (تخايرنا)، أو (اخترنا إمضاء العقد)، (أو أجزناه)، أو (ألزمناه) وما أشبه ذلك، وكذا: (أبطلنا الخيار)، أو (أفسدناه) على الأصح في "شرح المهذب" (٢)، (فلو اختار أحدهما) لزومه ( .. سقط حقُّه وبقي للآخر) كخيار الشرط.
(وبالتفرق ببدنهما) للحديث المار (٣).
نعم؛ لو حمل أحدهما مكرهًا .. لم يبطل خياره على الأصح، وأما الماكث:
стр. 764
فَلَوْ طَالَ مُكْثُهُمَا أَوْ قَامَا وَتَمَاشَيَا مَنَازِلَ .. دَامَ خِيَارُهُمَا، وَيُعْتبَرُ فِي التَّفَرُّقِ الْعُرْفُ. وَلَوْ مَاتَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ جُنَّ .. فَالأَصَحُّ: انْتِقَالُهُ إِلَى الْوَارِثِ وَالْوَليِّ. وَلَوْ تنَازَعَا فِي التَّفَرُّقِ أَوِ الْفَسْخِ قَبْلَهُ .. صُدِّقَ النَّافِي.
فصلٌ [في خيار الشرط وما يتبعه]
لَهُمَا أَوْ لِأحَدِهِمَا شَرْطُ الْخِيَارِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ القَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ كَرِبَوِيٍّ وَسَلَمٍ
===
فيبطل خياره على الأصح إن لم يمنع من الخروج.
واحترز بـ (البدن): عن الروح، فلو مات أحدهما .. لم يبطل كما سيأتي.
(فلو طال مكثهما، أو قاما وتماشيا منازل .. دام خيارهما) لعدم التفرق (ويعتبر في التفرق العرفُ) فما عدّه الناس تفرقًا .. لزم به، وإلا .. فلا؛ لأن ما ليس له حدٌّ في الشرع ولا في اللغة .. يرجع فيه إلى العرف.
(ولو مات في المجلس أو جُنَّ .. فالأصح: انتقاله إلى الوارث والولي) كخيار الشرط والعيب، والثاني: يسقط؛ لأن الموت أبلغ من مفارقة البدن.
والجنون: في معنى الموت؛ بدليل إسقاط التكليف وحلول ما عليه من الديون؛ كما ذكره في "الروضة" في (باب الفلس) (١)، والإغماء: كالجنون.
(ولو تنازعا في التفرق) بأن جاءا معًا، أو قال أحدهما: (تفرقنا)، وأنكر الآخر وأراد الفسخ، (أو) في (الفسخ قبله) بأن اتفقا على التفرق وقال أحدهما: (فسخت قبله)، وأنكر الآخر ( .. صدق النافي) بيمينه، لأن الأصل دوام الاجتماع وعدم الفسخ.
* * *
(فصل: لهما أو لأحدهما شرط الخيار في أنواع البيع) (٢) بالإجماع، ولا يشرع في غير البيع، كا لفسوخ، والعتاق، والإبراء، والنكاح، والإجارة.
(إلا أن يُشترط القبض في المجلس كرِبوي وسلم) فإنه لا يجوز شرطه فيه، لأنه
стр. 765
وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لَا تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَتُحْسَبُ مِنَ الْعَقْدِ، وَقِيلَ: مِنَ التَّفَرُّقِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ .. فَمِلْكُ الْمَبِيعِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي .. فَلَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا .. فَمَوْقُوفٌ،
===
إذا امتنع الأجل .. امتنع الخيار بطريق الأولى.
وأورد على الحصر: المصراة؛ فلا يجوز اشتراط خيار الثلاث فيها للبائع؛ لأنه يمنع من الحلب، وتركه يضرّ بالبهيمة، وما لو اشترى من يعتق عليه؛ فإنه لا يجوز شرطه للمشتري وحده (١)، وكذا الحوالة إذا جعلناها بيعًا؛ فإنه لا خيار فيه.
(وإنما يجوز في مدة معلومة) دفعًا للغرر (لا تزيد على ثلاثة أيام) لاندفاع الحاجة بها غالبًا، فإن زاد عليها .. بطل العقد، ولا يخرج على تفريق الصفقة؛ لوجود الشرط الفاسد، وهو مبطل للعقد.
ويشترط أيضًا: أن تكون المدة متصلة بالعقد، فلو شرط الثلاث من الغد مثلًا أو فرقها .. لم يصحّ.
ويشترط: أن يكون المبيع لا يفسد في المدة، فإن كان مما يتسارع إليه الفسادُ فيها .. بطل البيع على الأصح.
(وتُحسب) المدة (من العقد) لأنه ثبت بالشرط الموجود في العقد، (وقيل: من التفرق) لأن الشارط إنما يقصد بالشرط إثباتَ ما لولا الشرط لم يثبت، والخيار ثابت قبل التفرق بالمجلس، فيكون المقصود ما بعده، وهذا ما نسبه الماوردي إلى الجمهور، وقال الإمام: ميل النصّ إليه أكثر (٢).
(والأظهر) في خيار المجلس والشرط (أنه إن كان الخيار للبائع .. فمِلْك المبيع له، وإن كان للمشتري .. فله) لأنه إذا كان الخيار لأحدهما .. كان هو وحده متصرفًا في المبيع، ونفوذ التصرف دليل على الملك، (وإن كان لهما .. فموقوف) لأنهما تساويا فتوقفنا.
стр. 766
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ .. بَانَ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَإِلَّا .. فَلِلْبَائِعِ. وَيَحْصُلُ الْفَسْخُ وَالإِجَازَةُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا؛ كَفَسَخْتُ ألْبَيع، وَرَفَعْتُهُ، وَاسْتَرْجَعْتُ الْمَبيعَ، وَفِي الإِجَازَةِ: أَجَزْتُهُ، وَأَمْضيْتُهُ. وَوَطْءُ الْبَائِعِ وَإِعْتَاقُهُ فَسْخٌ، وَكَذَا بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ وَتَزْوِيجُهُ فِي الأَصَحِّ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ هَذِهِ التَصَرُّفَاتِ مِنَ الْمُشْتَرِي إِجَازَةٌ،
===
(فإن تمّ البيع .. بان أنه للمشتري من حين العقد، وإلا .. فللبائع)، والثاني: أن الملك للمشتري مطلقًا؛ لتمام البيع بالصيغة، والثالث: أنه للبائع مطلقًا؛ استصحابًا لما كان، وتظهر فائدة الخلاف في الأكساب وما في معناها.
(ويحصل الفسخ والإجازة بلفظ يدل عليهما؛ كـ "فسخت البيع"، و"رفعته"، و"استرجعت المبيع"، وفي الإجازة: "أجزته"، و"أمضيته") وكذا: (رددت الثمن) ونحو ذلك.
(ووطءُ البائع وإعتاقه فسخ) حيث كان الخيار له أو لهما؛ لإشعار الأول باختيار الإمساك، وتضمن الثاني الفسخ، وهذا في وطء المتحقق أنوثتها، فلو أولج في قبل مشكل .. فلا يكون فسخًا ولا إجازة، فإن اختار الأنوثةَ بعده .. تعلق بالوطء السابق الحكم، قاله في "شرح المهذب" في (باب الأحداث) (١).
وخرج بـ (الوطء): مقدماته؛ كالقبلة واللمس بشهوة؛ فلا يلتحق به على الأصح في "أصل الروضة" (٢).
(وكذا بيعه وإجارته وتزويجه في الأصح) لدلالتها على ظهور الندم، والثاني: لا؛ لأن الأصل بقاء العقد، فيستصحب إلى أن يوجد الفسخ صريحًا.
(والأصح: أن هذه التصرفات) أي: الوطء وما بعده (من المشتري إجازة) لأن وطء البائع اختيارٌ للمبيع، فكذا وطء المشتري، والثاني: لا، لأن الفسخ بالعيب لا يمنعه الوطء، فكذا هنا.
ومحل الخلاف في العتق والوطء إذا لم يأذن فيهما البائع، فإن أذن .. كان إجازة منهما جزمًا، وكذا الإذن في البيع وما بعده.
стр. 767
وَأَنَّ الْعَرْضَ عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّوْكِيلَ فِيهِ لَيْسَ فَسْخًا مِنَ الْبَائِعِ، وَلَا إِجَازَةً مِنَ الْمُشْتَرِي.
فصلٌ [في خيار النقيصة]
لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِظُهُورِ عَيْبٍ قَدِيمٍ؛ كَخِصَاءِ رَقِيقٍ، وَزِنَاهُ، وَسَرِقَتِهِ، وَإِبَاقِهِ، وَبَوْلهِ بِالْفِرَاشِ، وَبَخَرِهِ، وَصُنَانِهِ، وَجِمَاحِ الدَّابَّةِ وَعَضِّهَا، وَكُلِّ مَا يَنْقُصُ الْعَيْنَ أَوِ الْقِيمَةَ
===
(وأن العَرْض على البيع والتوكيلَ فيه ليس فسخًا من البائع، ولا إجازةً من المشتري) لأنهما لا يقتضيان إزالةَ الملك، والثاني: نعم؛ كالرجوع عن الوصية.
* * *
(فصل: للمشتري الخيار بظهور عيب قديم) بالإجماع، والمراد بقدمه: وجوده عند العقد، أو حدوثه قبل القبض (كخصاء رقيق) لأن الفحل يصلح لما لا يصلح له الخصي، والجبُّ كالخصاء.
وأفهم: أن الخصاء ليس بعيب في البهائم، وصرح الجرجاني وغيره بأنه عيب فيها؛ ولذلك أطلق في "الروضة" أن الخصاء عيب، ولم يقيده بالرقيق (١).
(وزناه وسرقته وإباقه) سواء أكان ذكرًا أم أنثى، أقيم عليه الحدّ أم لا، صغيرًا أم كبيرًا؛ لأنه قد يعتاده صغيرًا فيفعله كبيرًا.
(وبوله بالفراش) إن كان كبيرًا، وهو ابن سبع سنين؛ كما في "التهذيب"، وأقرّاه (٢)، وضبط القاضي أبو الطيب وغيره الكبير: بأن يكون مثله يحترز عنه، والأصح: اعتبار مصير ذلك عادة له.
(وَبَخَره) الناشئ من تغير المعدة دون ما يكون من قَلَح الأسنان؛ فإن ذلك يزول بتنظيف الفم، (وصُنانه) المستحكم دون ما يكون لعارضٍ عرقٍ أو حركة ونحو ذلك.
(وجِماح الدابة) وهو امتناع ركوبها، (وعضها، وكلِّ ما ينقص العين أو القيمةَ
стр. 768
نَقْصًا يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ إِذَا غَلَبَ فِي جِنْسِ الْمَبِيعِ عَدَمُهُ، سَوَاءٌ قَارَنَ الْعَقْدَ أَمْ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ .. فَلَا خِيَارَ إِلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَطْعِهِ بِجِنَايَةٍ سَابِقَةٍ فَيَثْبُتُ الرَّدُّ فِي الأَصَحِّ،
===
نقصًا يفوت به غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمُه) هذا ضابط يكتفى به عن تفصيل العيوب؛ فإنه لا مطمع في استيفائها، وهو للإمام (١).
والتقييد بفوات غرض صحيح يتعلق بنقص العين خاصة، واحترز به: عن قطع جزء يسير من الفخذ إذا اندمل بلا شَيْن، وعن الختان بعد الاندمال؛ فإنه فضيلة لا عيب.
ودخل في نقصان العين الخصاءُ، وقطع الأَنْمُلة.
وخرج بقوله: (إذا غلب في جنس المبيع عدمه): الثيوبة في الأمة الكبيرة؛ وكذا قلع الأسنان في الكبير؛ فإنه لا يردّ به بلا خلاف، قال في "المطلب": وكذا لا ردّ ببياض الشعر في الكبير، قال في "الاستقصاء": وكذا بقطع الأنف؛ لأنه لا يخفى. انتهى، وفيه نظر؛ لجواز أن يخفى تأمُّله لدهشةٍ (٢).
(سواء قارن العقد أم حدث قبل القبض) لأن المبيع والحالة هذه من ضمان البائع، فكذا جزؤه وصفته.
(ولو حدث بعده) أي: بعد القبض ( .. فلا خيار) لأنه بالقبض صار من ضمانه، فكذا جزؤه وصفته.
(إلا أن يستند إلى سبب متقدم) على القبض أو العقد (كقطعه بجناية سابقة فيثبت الردّ في الأصحّ) إذا كان جاهلًا بالسبب، ويكون من ضمان البائع؛ إحالةً للهلاك على السبب، فإن كان عالمًا به .. فلا ردّ ولا أرش؛ لدخوله في العقد على بصيرة، والثاني: لا يثبت؛ لأنه قد يسلط على التصرف بالقبض، فيدخل المبيع في ضمانه أيضًا، فعلى هذا: يرجعُ بالأرش، وهو: ما بين قيمته مستحقَّ القطع وغيرَ مستحقه.
стр. 769
بخِلَافِ مَوْتهِ بِمَرَضٍ سَابِقٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قُتِلَ بِرِدَّةٍ سَابقَةٍ .. ضَمِنَهُ الْبَائِعُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ مِنَ الْعُيُوبِ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ عَيْبٍ بَاطِنٍ بِالْحَيَوَانِ لَمْ يَعْلَمْهُ دُونَ غَيْرِهِ،
===
وقوله: (بجناية): دخل فيه السرقة، وقطع يد الغير عدوانًا، وفي معنى القطع: زوال البكارة بزواج متقدم، واستيفاء الحدّ بسياط، وكان ينبغي أن يقول: على الأظهر؛ فإن الأول نصُّه في "الأم"، والثاني نصُّه في "الإملاء".
(بخلاف موته بمرض سابق في الأصحّ) لأن المرض يتزايد، فيحصل الموت فيه بتلك الزيادة، بخلاف قتله بالردة السابقة؛ فإنها خصلة واحدة وجدت في يد البائع، وقيل: فيه الخلاف في الصورة الآتية؛ لأن كلًّا منهما موت بسبب سابق، والأصح: القطع بالأول، والفرق: ما ذكرناه.
وكلامه يوهم: أن الخلاف في هذه الصورة في الردّ، وليس كذلك؛ فإنه قد تَعذَّر، وإنما الخلاف في أن المبيع من ضمان البائع حتى ينفسخ أم لا، فعلى الأول: يرجع بالأرش، وهو: ما بين قيمته صحيحًا ومريضًا إن جهل، وإلا .. فلا شيء له، وعلى الثاني: ينفسخ البيع، ويرجع بالثمن كلِّه.
(ولو قُتل بردة سابقة .. ضمنه البائعُ في الأصحّ) هذا الخلاف هو الخلاف المارُّ في قطعه بجناية سابقة، وقد مرَّ توجيهه، لكن الحكم بكونه من ضمان البائع هناك موجب للردِّ بالعيب، وهنا لانفساخ البيع، والرجوع بالثمن إن لم يعلم بالردة؛ فإن علم .. لم يرجع بشيء على المذهب.
ولا يخفى أن الكلام فيما بعد القبض، فإن كان قبله .. انفسخ قطعًا، وقضية كلامه: صحة بيع المرتد، وهو الأصح.
(ولو باع بشرط براءته من العيوب .. فالأظهر: أنه يبرأ عن عيب باطن بالحيوان لم يعلمه دون غيره) لأثر عثمان ﵁ في ذلك (١)، ولأن الحيوان يأكل في حالتي
стр. 770
وَلَهُ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ الرَّدُّ بِعَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ القَبْضِ، وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ عَمَّا يَحْدُثُ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ .. رَجَعَ بِالأَرْشِ،
===
صحته وسقمه، وتتبدل أحواله سريعًا، وقلَّ أن ينفك عن عيب خفي، فيحتاج البائع إلى هذا الشرط؛ ليثق فيه بلزوم البيع بخلاف غيره.
والفرق بين المعلوم وغيره: أن كتمان المعلوم تدليس فلا يبرأ منه، والفرق بين الظاهر والباطن: تسهيل الاطلاع عليه ويعلم غالبًا، فأعطيناه حكم المعلوم وإن خفي على ندور.
فقوله: (دون غيره) راجع إلى الثلاثة المذكورة، فلا يبرأ عن عيب ظاهر وإن كان في حيوان، ولا عن عيب باطن بالحيوان علمه، ولا عن العيب في غير الحيوان؛ كالعقار مطلقًا.
والقول الثاني: يبرأ مطلقًا عملًا بالشرط، والثالث: لا يبرأ مطلقًا؛ لأن الردَّ ثابت بالشرع فلا ينتفي بالشرط؛ كسائر مقتضيات العقد.
(وله مع هذا الشرط الردُّ بعيب حدث قبل القبض) عند إطلاق الشرط؛ لانصرافه إلى الموجود عند العقد.
(ولو شرط البراءةَ عمّا يحدث .. لم يصحّ في الأصحّ) لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته، فلم يسقط، كما لو أبرأه عن ثمن ما يبيعه له، والثاني: يصحّ بطريق التبع، فإن أفرد الحادث .. فهو أولى بالبطلان؛ كما في "الروضة"، و"أصلها" (١).
(ولو هلك المبيع عند المشتري) بآفة سماوية أو غيرها (أو أعتقه) أو وقفه أو استولد الأمة (ثم علم العيب .. رجع بالأرش) (٢) لتعذر الردِّ؛ إذ لا مردود، ولا يمكن إسقاط حقِّ المشتري، فرجعنا إلى الأرش.
стр. 771
وَهُوَ: جُزْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ نِسْبَةُ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنَ الْقِيمَةِ لَوْ كَانَ سَلِيمًا، وَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ أَقَلِّ قِيَمِهِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ إِلَى الْقَبْضِ
===
ويستثنى من الرجوع بالأرش مسألتان: الأولى: ما لو كان التالف رِبَويًّا قد بيع بمثله من جنسه .. فإنه لا يأخذ الأرش بل يفسخ العقد، ويستردُّ الثمن، ويغرم بدل التالف على الأصح عند العراقيين، ورجحه السبكي، وحكى الشيخان في المسألة وجهين بلا ترجيح: أحدهما: هذا، والثاني: يأخذ الأرش؛ لأن المماثلة إنما تشترط في ابتداء العقد، والأرش حقٌّ وجب بعد ذلك (١).
الثانية: لو كان العبد المعتق كافرًا .. قال الإسنوي: فلا يرجع بالأرش؛ لأنه لم ييأس من الردِّ، فإنه قد يلتحق بدار الحرب فيسترق، فيعود إلى ملكه.
(وهو) أي: الأرش (جزء من ثمنه) أي: من ثمن المبيع (نسبتُه إليه) أي: نسبة ذلك الجزء إلى الثمن (نسبةُ ما نَقَص العيبُ) أي: مثل نسبة الذي نقصه العيب (من القيمة لو كان سليمًا) أي: المبيع إلى تمام قيمة السليم؛ كما ذكره في "المحرر" (٢)؛ مثاله: كانت القيمة مئة دون العيب، وتسعين معه، فالتفاوت العشر، فيكون الرجوع بعشر الثمن، فإن كان الثمن مئتين .. كان الأرش عشرين، وإن كان خمسين .. كان خمسة.
(والأصح: اعتبار أقلِّ قيمه من يوم البيع إلى القبض) لأن القيمة إن كانت يوم البيع أقل .. فالزيادة حدثت في ملك المشتري، وإن كانت يوم القبض أقلَّ .. فما نقص كان من ضمان البائع، والثاني: تعتبر قيمة يوم العقد؛ لأن الثمن قد قابل المبيع يومئذ، والثالث: يوم القبض؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه.
وقضية كلامه: اعتبار النقص الحاصل بين العقد والقبض، وقد صرح به في "الدقائق"، وبأنه غَيَّرَ عبارة "المحرر" لأجل ذلك (٣).
واعترض: بأن هذا ليس وجهًا محكيًّا في أصوله المبسوطة فضلًا عن اختياره،
стр. 772
وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ دُونَ الْمَبِيعٍ .. رَدَّهُ وَأَخَذَ مِثْلَ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَته. وَلَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ إِلَى غَيْرِهِ .. فَلَا أَرْشَ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ عَادَ الْمِلْكُ .. فَلَهُ الرَّدُّ، وَقِيلَ: إِنْ عَادَ بِغَيْرِ الرَّدِّ بِعَيْب .. فَلَا رَدَّ. وَالرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ،
===
وبأن النقصان الحاصلَ قبل القبض إذا زال قبل القبض .. لا يثبت للمشتري الخيار، فكيف يكون مضمونًا على البائع؟ !
(ولو تلف الثمن دون المبيع) واطلع على عيب بالمبيع ( .. ردَّه) لوجوده خاليًا عن الموانع (وأخذ مثلَ الثمن) إن كان مثليًّا (أو قيمتَه) إن كان متقومًا؛ لأنه لو كان باقيًا .. لاستحقه، فإذا تلف .. ضمنه بذلك قياسًا على غيره، وخروجه عن ملكه بالبيع وغيره كتلفه.
(ولو علم العيبَ بعد زوال ملكه إلى غيره .. فلا أرش في الأصحّ) لأنه لم ييأس من الردِّ، فربما عاد إليه فردَّه، وقيل: لأنه استدرك الظّلامة ورَوَّج كما رُوِّج عليه، وخَرَّجوا على التعليلين زواله بلا عوض؛ فعلى الأصح: لا أرش، وعلى الثاني: يجب، والثاني: يرجع؛ لتعذر الردِّ الان فأشبه الموت.
وكان ينبغي التعبير بالمشهور؛ لأن المُرجَّح منصوص، ومقابله مُخرَّج.
(فإن عاد الملك .. فله الردّ) لإمكانه، (وقيل: إن عاد بغير الردّ بعيب) كأن عاد بإرث أو هبة ونحوهما ( .. فلا ردّ) بناء على التعليل باستدراك الظُّلامة، والأصح: الردُّ؛ بناء على التعليل بعدم اليأس من الردِّ، وهو الأصح. هذا إذا كان الزوال بعوض، فإن زال بلا عوض ثم عاد .. ردّ قطعًا، كذا قاله الأكثرون، وأجرى الإمام والغزالي الخلاف سواء أكان الزوال والعود أو أحدهما بعوض أم لا؛ كما أطلقه في "الكتاب" (١).
(والردّ على الفور) لأن الأصل في البيع اللزوم، فإذا أمكنه الردُّ وقصر .. لزمه حكمه، وهذا في العقد على الأعيان.
أما الواجب في الذمة ببيع أو سلم إذا قبضه فوجده معيبًا .. فلا يُعتبر الفور إن قلنا: لا يملكه إلا بالرضا؛ إذ الملك موقوف عليه، وكذا إن قلنا: يملكه بالقبض على
стр. 773
فَلْيُبَادِرْ عَلَى الْعَادَةِ. فَلَوْ عَلِمَهُ وَهُوَ يُصَلِّي أَوْ يَأْكُلُ .. فَلَهُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَفْرُغَ، أَوْ لَيْلًا .. فَحَتَّى يُصْبِحَ. فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ بِالْبَلَدِ .. رَدَّهُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ عَلَى وَكِيلِهِ،
===
الأوجه؛ كما قاله الإمام، وأقراه عليه في (باب الكتابة) (١)؛ لأنه ليس معقودًا عليه، وإنما يثبت الفور فيما يؤدي ردّه إلى رفع العقد.
ويستثنى من اشتراط الفور مسائل: منها: قريب العهد بالإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدةٍ عن العلماء إذا ادعى الجهل بأن له الردّ .. فإنه يقبل منه، ولو قال: لم أعلم أنه يبطل بالتأخير .. قال الرافعي: قبل قوله؛ لأنه يخفى على العوام، وقال في الروضة": إنما يقبل هنا وفي الشفعة ممن يخفى على (٢) مثله، ومنها: لو اطلع المشتري على عيب بالشقص قبل أخذ الشفيع فأمسك عن ردِّه انتظارًا؛ فإن كان الشفيع غائبًا .. بطل حقه بالانتظار، وإن كان حاضرًا .. فلا، ومنها: الآبق إنما يردُّ بعد عوده، ولا أرش في الحال في الأصح، ولا يسقط ردُّه بالتأخير ولو صرح بإسقاطه على الأصح، ومنها: ما إذا اشترى مالًا زكويًّا ووجد به عيبًا قديمًا، وقد مضى حول من الشراء .. فليس له الردُّ بذلك حتى يخرج الزكاة، ولا يبطل حقُّ الردِّ بالتأخير؛ لأنه غير متمكن قبله، [ذكره الرافعي في (باب الزكاة)] (٣).
(فليبادر على العادة) من غير عَدْو ولا ركض.
(فلو علمه وهو يصلي (ولو نفلًا (أو يأكل) أو يقضي حاجة ( .. فله تأخيره حتى يفرغ) لأنه لا يعدُّ مقصرًا، وكذا لو علم بالعيب وقد دخل وقت هذه الأمور فاشتغل بفعلها.
(أو ليلًا .. فحتى يصبح) لعدم التقصير أيضًا.
(فإن كان البائع بالبلد .. رده عليه بنفسه أو وكيله) إذا لم يحصل بالتوكيل تأخير (أو على وكيله) لأنه قائم مقامه.
стр. 774
وَلَوْ تَرَكَهُ وَرَفَعَ الأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ .. فَهُوَ آكَدُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا .. رَفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الإِشْهَادُ عَلَى الْفَسْخِ إِنْ أَمْكَنَهُ حَتَّى يُنْهِيَهُ إِلَى الْبَائِعِ أَوِ الْحَاكِمِ،
===
(ولو تركه ورفع الأمر إلى الحاكم .. فهو آكد) لأن المالك ربما أحوجه في آخر الأمر إلى المرافعة إليه، فيكون الإتيان به أولًا فاصلًا للأمر جزمًا.
وقضية كلامه تبعًا للرافعي: أنه لا فرق في التخيير المذكور بين أن يكون الاطلاع بحضرة أحدهم أم في غيبة الكلِّ (١).
وقال في "المطلب": قال المعظم: إذا علم بحضرة أحدهم .. فالتأخير لغيره تقصير، وقضيته: أنه لو مرَّ عليه وجاوزه إلى غيره .. كان تقصيرًا، وهو ظاهر، وإذا جاء إلى الحاكم .. لا يدعي، لأن غريمه غائب عن المجلس وهو في البلد (٢)، وإنما يفسخ بحضرته ثم يطلب غريمه.
(وإن كان غائبًا) عن البلد ( .. رفع إلى الحاكم) ولا يؤخر لقدومه، وظاهر إطلاقه يشمل الغيبة القريبة وغيرها، وتوقف فيه في "المطلب" ثم مال إليه؛ لما فيه من الحرج، وهو ظاهر بالنسبة إلى الفسخ عنده، أما القضاء به وفصل الأمر وبيع ماله .. فلا بدّ فيه من شروط القضاء على الغائب فيما يظهر. قاله الأَذْرَعي.
(والأصحّ: أنه يلزمه الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم) لأنه المقدور عليه، والثاني: لا، لأنه إذا كان طالبًا للبائع أو للحاكم .. لا يعدُّ مقصرًا.
والمراد: إشهاد اثنين؛ كما ذكره القاضي والغزالي، قال ابن الرفعة: وهو احتياط، لأن الواحد مع اليمين كاف.
وقضية كلام المصنف تبعًا للرافعي: بقاءُ وجوب الذهاب بعد الإشهاد (٣)، وقال السبكي: إذا أشهد على نفس الفسخ .. ينبغي أن ينفذ الفسخ، ولا يحتاج بعده إلى أتيان البائع أو الحاكم إلا للتسليم وفصل الخصومة، فإن الفسخ عندنا بالعيب لا يتوقف على الحاكم ولا البائع، وبسط ذلك.
стр. 775
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِشْهَادِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ التَّلَفُّظُ بِالْفَسْخِ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الاسْتِعْمَالِ، فَلَوِ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ أَوْ تَرَكَ عَلَى الدَّابَّةِ سَرْجَهَا أَوْ إِكَافَهَا .. بَطَلَ حَقُّهُ، وَيُعْذَرُ فِي رُكُوبِ جَمُوع يَعْسُرُ سَوْقُهَا وَقَوْدُهَا. وَإِذَا سَقَطَ رَدُّهُ بِتَقْصيرٍ .. فَلَا أَرْشَ. وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ .. سَقَطَ الرَّدُّ قَهْرًا، ثُمَّ إِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ .. رَدَّهُ المُشتَرِي أَوْ قَنِعَ بِهِ،
===
(فإن عجز عن الإشهاد .. لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصحّ) لأن الكلام الذي يقصد به إعلام الغير ما في النفس .. يبعد إيجابه من غير سامع، والثاني: يلزمه؛ ليبادر بحسب الإمكان.
(ويشترط ترك الاستعمال؛ فلو استخدم العبد أو ترك على الدابة سَرْجَها أو إكافَها) أي: البَرْذَعَة في سيره إلى الردِّ، أو في المدة التي يغتفر التأخير لها ( .. بطل حقه) إن لم يحصل بنزعه ضررٌ للدابة؛ لإشعاره بالرضا.
وقضيته: أنه لو خدمه وهو ساكت .. لم يؤثر؛ لأن الاستعمال طلب العمل، وهو متجه، لكن قضيته أيضًا: أن مجرد الطلب يؤثر سواء وجد العمل أم لا.
قال الإسنوي: وفيه نظر (١).
قال والدي: وفي النظر نظر، لدلالة الطلب على الرضا، سواء عمل أو لم يعمل.
(ويُعذر في ركوب جَموح يعسر سوقها وقودها) للحاجة، فلو لم تكن جموحًا .. لم يعذر؛ كما لو لبس الثوب للردِّ.
(وإذا سقط رده بتقصير .. فلا أرش) لأنه المفوت بتقصيره.
(ولو حدث عنده عيب) بجناية أو آفة ( .. سقط الردّ قهرًا) لما فيه من الإضرار بالبائع؛ لأنه أخذه بعيب، فلا يرده بعيبين.
نعم؛ لو علم العيب القديم بعد زوال الحادث .. ردّه على الصحيح.
ونسيان القرآن والحرفة بمثابة العيب؛ لنقصان القيمة.
(ثم إن رضي به البائع) بلا أرش عن الحادث ( .. ردّه المشتري، أو قنع به) بلا أرش عن القديم، لأن المانع من الردِّ -وهو ضرر البائع- قد زال برضاه، فصار كما لو