وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ يَمْتَصُّ رُطُوبَةَ الشَّجَرِ .. لَزِمَ الْبَائِعَ أَنْ يَقْطَعَ أَوْ يَسْقِيَ.
فصَلٌ [في بيان بيع الثمر والزرع وبدو صلاحهما]
يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ قَطعِهِ، وَبِشَرْطِ إِبْقَائِهِ. وَقَبْلَ الصَّلَاحِ إِنْ بِيعَ مُنْفَرِدًا عَنِ الشَّجَرِ .. لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَقْطُوعُ مُنْتَفَعًا بِهِ، لَا كَكُمَّثْرَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلْمُشْتَرِي .. جَازَ بِلَا شَرْطٍ
===
(ولو كان الثمر يَمتص رطوبةَ الشجر .. لزم البائعَ أن يقطع أو يسقي) دفعًا لضرر المشتري.
(فصل: يجوز بيع الثمر بعد بدوِّ صلاحه مطلقًا) أي: بغير شرط قطع ولا تبقية، (وبشرط قطعه، وبشرط إبقائه) لأنه ﷺ (نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها) متفق عليه (١)، فدلَّ على الجواز بعد بدوِّ الصلاح، ولم يخصه بحالة من الأحوال، فدلَّ على التعميم.
(وقبل الصلاح إن بيع منفردًا عن الشجر .. لا يجوز إلا يشترط القطع) للحديث المارّ؛ فإنه يدلُّ بمنطوقه على المنع مطلقًا.
خرج البيع المشروط فيه القطعُ بالإجماع، فبقي ما عداه على الأصل.
ويستثنى: ما لو كان الثمر على شجرة مقطوعة فباعه .. فإنه لا يشترط القطع؛ لأن الثمر لا يبقى عليها، فينزل ذلك منزلة الشرط.
(وأن يكون المقطوع منتفعًا به، لا ككمّثرى) لا حاجة إلى هذا الشرط؛ فإن كلَّ مبيع شرطه ذلك.
(وقيل: إن كان الشجر للمشتري) والثمرة للبائع؛ كأن وهب الثمرة لإنسان أو باعها له بشرط القطع، ثم اشتراها منه ( .. جاز بلا شرط) لأنهما يجتمعان في ملك شخص واحد، فأشبه ما لو اشتراهما معًا، وصححه في "الروضة" في (باب
стр. 807
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلْمُشْتَرِي وَشَرَطْنَا الْقَطْعَ .. لَمْ يَجِبِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ بِيعَ مَعَ الشَّجَرَةِ .. جَازَ بِلَا شَرْطٍ، وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ قَطْعِهِ. ويَحْرُمُ بَيْعُ الزَّرْعِ الأَخْضَرِ فِي الأَرْضِ إِلَّا بِشَرْطِ قَطْعِهِ، فَإِنْ بِيعَ مَعَهَا أَوْ بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ
===
المساقاة)، وأيد بعدم وجوب الوفاء بشرطه (١).
(قلت: فإن كان الشجر للمشتري وشرطنا القطعَ .. لم يجب الوفاءُ به، والله أعلم) إذ لا معنى لتكليفه قطعَ ثماره من أشجاره.
(وإن بيع مع الشجرة .. جاز بلا شرط) (٢) لأن الثمرة هنا تبع للأصل، وهو غير متعرض للعاهة، وهذا إذا لم يفصل الثمن، فإن فصله: (كبعتك الشجرة بمئة، والثمرة بعشرة) .. لم يصحَّ؛ لانتفاء التبعية.
ويستثنى: ما إذا باع البطيخ ونحوه مع أصله .. فلا بدَّ من شرط القطع؛ لأن الأصل متعرضٌ للعاهة، بخلاف الشجر والثمر، قاله الإمام والغزالي، وفيه بحث للرافعي، فإن باعه مع الأرض .. استغنى عن شرط القطع، فالأرض، كالشجر (٣).
(ولا يجوز بشرط قطعه) لأن فيه حَجْرًا على المشتري في ملكه، والفرق بينه وبين ما إذا باعها من مالك الأصل: أنها هنا تابعة، فاغتفر الغرر؛ كأساس الجدار.
(ويحرم بيع الزرع الأخضر) والبقول؛ كما قاله في "المحرر" (٤) (في الأرض إلا بشرط قطعه) أو قلعه؛ لأنه ﵊ (نهى عن بيع ثمرة النخل حتى تُزهي، والسنبل حتى يَبْيَضَّ، ويَأمنَ العاهةَ) رواه مسلم (٥).
وفيه إشارة إلى العلة المجوزة لبيعه بشرط القطع؛ لأنه أمن العاهة، فإن باعه من غير شرط .. لم يصحَّ البيع.
(فإن بيع) الزرع الأخضر (معها) أي: مع الأرض، (أو بعد اشتداد الحَبِّ)
стр. 808
جَازَ بِلَا شَرْطٍ، وَيُشْتَرَطُ لِبَيْعِهِ وَبَيْعِ الثَّمَرِ بَعْدَ الصَّلَاحِ: ظُهُورُ الْمَقْصُودِ؛ كَتِينٍ وَعِنَبٍ وَشَعِيرٍ. وَمَا لَا يُرَى حَبُّهُ؛ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ فِي السُّنْبُلِ .. لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ دُونَ سُنْبُلِهِ، وَلَا مَعَهُ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا بَأْسَ بِكِمَامٍ لَا يُزَالُ إِلَّا عِنْدَ الأَكْلِ. وَمَا لَهُ كِمَامَانِ؛ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبَاقِلَاءِ .. يُبَاعُ فِي قِشْرِهِ الأَسْفَلِ، وَلَا يَصِحُّ فِي الأَعْلَى، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ رَطْبًا
===
وحده ( .. جاز بلا شرط) أما الأول: فكبيع الثمرة مع الشجرة، وأما الثاني: فكبيع الثمرة بعد بدوِّ الصلاح.
(ويشترط لبيعه) أي: بيع الزرع (وبيع الثمر بعد الصلاح: ظهور المقصود) (١) لئلا يكون بيع غائب (كتين وعنب وشعير) ونحوها مما يظهر ثمره أو حبه؛ لحصول الرؤية.
(وما لا يُرى حبُّه؛ كالحنطة والعدس في السنبل .. لا يصحُّ بيعه دون سُنْبله) لاستتاره (ولا معه في الجديد) لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه، فأشبه الحنطة في تِبْنها بعد الدِّياس؛ فإنه لا يصحُّ قطعًا، والقديم: الجواز؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته.
والأَرُزُّ كالشعير على المذهب، وقيل: كالحنطة.
(ولا بأس بِكِمام لا يُزال إلا عند الأكل) كالرمان والعَلَس؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته.
والكِمام بكسر الكاف: أوعية طلع النخل.
(وما له كِمامان؛ كالجوز واللوز والباقلَاءِ .. يباع في قشره الأسفل) لأن بقاءه فيه من مصلحته (ولا يصحُّ في الأعلى) لاستتاره بما ليس من مصلحته، (وفي قول: يصحُّ إن كان رطبًا) لأنه يصون القشرةَ السفلى، ويحفظ رطوبة اللُّبِّ، فكان من مصلحته، وصححه جماعة في الباقلَاء، ونقله الروياني عن تصحيح الأصحاب، والإجماعُ الفعلي عليه، وقد أمر الشافعي الربيع أن يشتري له الباقلَاء الأخضر (٢).
стр. 809
وَبُدُوُّ صَلَاحِ الثَّمَرِ: ظُهُورُ مَبَادِئِ النُّضْجِ وَالْحَلَاوَةِ فِيمَا لَا يَتَلَوَّنُ، وَفِي غَيْرِهِ: بِأَنْ يَأْخُذَ فِي الْحُمْرَةِ أَوِ السَّوَادِ. وَيَكْفِي بُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِهِ وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ بَاعَ ثَمَرَ بُسْتَانٍ أَوْ بُسْتَانَيْنِ بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ .. فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّأْبِيرِ
===
ويستثنى من إطلاقه تصحيحَ المنع: اللوزُ في القشرة العليا قبل انعقاد السفلى؛ فإنه يجوز [كما قاله في "شرح المهذب"] (١) لأنه مأكول كلُّه؛ كالتفاح (٢).
(وبدو صلاح الثمر: ظهورُ مبادئ النُّضْج والحلاوة فيما لا يَتلون) بأن يَصفرَّ ويلين (٣).
(وفي غيره: بأن يأخذ في الحمرة أو السواد) لما رواه الشيخان عن أنس قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمرة حتى تُزْهِيَ، قالوا: وما تُزْهِيَ، قال: حتى تحمر)، وفي رواية لمسلم: (قلنا لأنس: ما زَهْوُها؟ قال: تحمر وتصفر) (٤).
وقد نقض الرافعي الحدَّ المذكور بالقثاء الصغار، وورق الفِرْصاد والزرع، ثم قال: والضابط: أن ينتهي إلى الحالة التي يقصد منها غالبًا (٥).
(ويكفي بدو صلاح بعضه وإن قلَّ) ولو حبة واحدة؛ كعنبة؛ لأن الله تعالى امتنّ علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة؛ إطالة لزمن التفكه، فلو اشترطنا في المبيع طيب جميعه .. لأدى إلى ألا يباع شيء، أو تباع الحبة بعد الحبة، وفي كلٍّ منهما حرج، ولا يغني صلاح جنس عن جنس آخر، وإليه أشار بقوله: (بعضه).
(ولو باع ثمر بستان أو بستانين بدا صلاح بعضه .. فعلى ما سبق في التأبير) فلا يتبع جنس غيره ولا جنسه إذا أفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه على الأصح، ولا إذا اختلف البستانان على المذهب، ويتبع إذا اختلف النوع على الأصح.
стр. 810
وَمَنْ بَاعَ مَا بَدَا صَلَاحُهُ .. لَزِمَهُ سَقْيُهُ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ وَبَعْدَهَا، وَيَتَصَرَّفُ مُشْتَرِيهِ بَعْدَهَا. وَلَوْ عَرَضَ مُهْلِكٌ بَعْدَهَا؛ كَبَرْدٍ .. فَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي،
===
(ومن باع ما بدا صلاحُه) زرعًا كان أو ثمرة ولم يشرط القطع ( .. لزمه سقيه قبل التخلية وبعدها) قدر ما تنمو به الثمار، وتسلم عن التلف والفساد؛ لأنه من تتمة التسليم الواجب؛ كالكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات، فيكون على البائع حتى لو شرط على المشتري .. بطل؛ لأنه مخالف لمقتضاه.
(ويتصرفُ مشتريه بعدها) أي: بعد التخلية، ولا يشترط القطع والنقل؛ لأنه لما كان متروكًا إلى مدة .. جُعل قبضُه قبل تلك المدة بالتخلية؛ لشبهه فيها بالعقار.
(ولو عرض مهلك) سماوي (بعدها) أي: بعد التخلية (كبرد) أي: بفتح الراء وإسكانها، كما ضبطه المصنف بخطه ( .. فالجديد: أنه مق ضمان المشتري) لأن التخلية كافية في جواز التصرف، فكانت كافيةً في نقل الضمان قياسًا على العقار، وفي "صحيح مسلم": أن رجلًا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال ﵊ لغرمائه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ" (١).
فلو كانت الجائحة من ضمان البائع .. لأسقط النبي ﷺ عنه الديون التي لحقته من ثمن الثمار التالفة.
والقديم -وحكي عن النصّ من الجديد-: أنه من ضمان البائع (٢)، بشرط كون المشتري غيرَ مالك للشجر، وأن يحصل التلف قبل إمكان الجِذاذ؛ لأنه ﵇ أمر بوضع الجوائح، كما رواه مسلم (٣)، والأول حمله على الندب، أو على ما قبل التخلية؛ جمعًا بين الأدلة.
واحترز بقوله: (بعدها): عما إذا حصل قبلها .. فإنه من ضمان البائع.
стр. 811
فَلَوْ تَعَيَّبَ بِتَرْكِ الْبَائِعِ السَّقْيَ .. فَلَهُ الْخِيَارُ. وَلَوْ بِيعَ قَبْلَ صَلَاحِهِ بِشَرْطِ قَطْعِهِ وَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى هَلَكَ .. فَأَوْلَى بِكَوْنِهِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ بِيعَ ثَمَرٌ يَغْلِبُ تَلَاحُقُهُ وَاخْتِلَاطُ حَادِثِهِ بِالْمَوْجُودِ؛ كَتِينٍ وَقُثَّاءٍ .. لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ الْمُشْتَرِي قَطْعَ ثَمَرِهِ. وَلَوْ حَصَلَ الاخْتِلَاطُ فِيمَا يَنْدُرُ فِيهِ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ سَمَحَ لَهُ الْبَائِعُ بِمَا حَدَثَ .. سَقَطَ خِيَارُهُ فِي الأَصَحِّ
===
(فلو تعيب بترك البائع السقي .. فله الخيار) أي: للمشتري؛ لأن السقي لما كان لازمًا للبائع .. كان التعيب الحادثُ بتركه كالمتقدم على القبض، حتى لو تلف بذلك .. انفسخ العقد أيضًا.
(ولو بيع قبل صلاحه بشرط قطعه ولم يُقطع حتى هلك .. فأولى بكونه من ضمان المشتري) فيما إذا اقتضى الحال البقاء إلى الجِذاذ فيما تقدم؛ للتقصير هنا.
(ولو بيع ثمرٌ يغلب تلاحقُه واختلاطُ حادثه بالموجود؛ كتين وقِثَّاء .. لم يصحَّ) لأنه غير مقدور على تسليمه (إلا أن يشرط المشتري قطعَ ثمره) فيصحُّ؛ لانتفاء المحذور؛ فإنه حينئذ يجب القطع، ويأمن الاختلاط، فإن اختلط لتأخر القطع .. كان على الخلاف الآتي.
(ولو حصل الاختلاط فيما يندر فيه .. فالأظهر: أنه لا ينفسخ البيع) لبقاء عين المبيع، وتسليمه ممكن بالطريق الآتي، والثاني: ينفسخ؛ لتعذر التسليم المستحق، وهو تسليم المبيع وحده، وهذا ما صححه المصنف في "نكت الوسيط" ونقل عن الأكثرين، ونصَّ عليه في "الأم" و"الإملاء"، واختاره السبكي (١).
والأول: نقل الرافعي في "الكبير" ترجيحَه عن "الوجيز" خاصة، ولم يصرح برده ولا اختياره، وصرح برجحانه في "المحرر" و"الشرح الصغير"، وكذلك المصنف في "الروضة" (٢).
(بل يتخير المشتري) لأن الاختلاط عيب حدث قبل التسليم.
(فإن سمح له البائع بما حدث .. سقط خياوه في الأصحِّ) لزوال المحذور،
стр. 812
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِصَافِيَةٍ؛ وَهُوَ: الْمُحَاقَلَةُ، وَلَا الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بتَمْرٍ؛ وَهُوَ: الْمُزَابَنَةُ. وَيُرَخَّصُ فِي الْعَرَايَا، وَهُوَ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى الَنَّخْلِ بِتَمْرٍ فِي الأَرْضِ، أَوِ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ،
===
والثاني: لا يسقط؛ لما في قبوله من المنة.
وما ذكره من الترتيب تبع فيه الإمام والغزالي، وهو يقتضي إثبات الخيار للمشتري أولًا حتى يجوز له المبادرة إلى الفسخ، فإن بادر البائع أولًا فسامح .. سقط خياره (١)، قال في "المطلب": وهو مخالف لنص الشافعي والأصحاب؛ فإنهم عكسوا فخيروا البائعَ أولًا، فإن سمح بحقه .. أقر العقد، وإلا .. فسخ، وقال السبكي: إن هذا أشبه، والفاسخ الحاكم.
(ولا يصحُّ بيع الحنطة في سُنبلها بصافيةٍ، وهو: المُحاقلة، ولا الرطبِ على النخل بتمر، وهو: المزابنة) للنهي عنهما، متفق عليه (٢)، ووجهه: عدم العلم بالمماثلة، و (المحاقلة): مأخوذة من الحَقْل، وهي: الساحة التي تزرع، سميت محاقلةً؛ لتعلقها بزرع في حَقْل، قاله الرافعي، وقال الماوردي: الحَقْل هو السُّنْبل، وهو في لسان العرب: الموضع الذي يكون فيه الشيء؛ كالمعدن، و (المزابنة): مأخوذة من الزَّبْن، وهو: الدفع، سميت بذلك؛ لأنها مبنية على التخمين، والغبن فيهما مما يكثر، فيريد المغبون دفعه، والغابن إمضاءه فيتدافعان (٣).
(ويُرخَّص في العَرايا، وهو: بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض، أو العنبِ في الشجر بزبيب) لأنه ﷺ (نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في بيع العرية أن تباع بخَرْصها يأكلها أهلها رُطَبًا) متفق عليه (٤).
وأما في العنب: فلأنه زكوي يمكن خرصه، ويدخر يابسه، فكان كالرطب.
والثمر المذكور أولًا في الحديث هو: بالثاء المثلثة، والمراد به: الرطب، فِيمَا
стр. 813
دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَلَوْ زَادَ فِي صَفْقَتَيْنِ .. جَازَ، وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ بِتَسْلِيمِ التَّمْرِ كَيْلًا، وَالتَّخْلِيَةِ فِي النَّخْلِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ،
===
بخلاف المذكور ثانيًا: فإنه بالمثناة، قاله في "شرح مسلم" (١).
وموضع الجواز: ما إذا لم تتعلق بالثمرة زكاة بأن خرصت عليه وضُمِّن، أو قلنا: الخرص تضمين، أو لنقصانها عن النصاب، أو كفر صاحبها، وحكم البُسْر: حكم الرطب في الجواز، قاله الماوردي (٢)، قال ابن الملقن: (وعلى هذا ينبغي إلحاق الحِصْرم بالعنب) (٣) وغلطه الأَذْرَعي؛ لأن البُسْر مما بدا صلاحه، بخلاف الحِصْرم.
واقتضى كلام المصنف: المنع فيما إذا كانا معًا على الشجر أو على الأرض، ومنع بيع الرطب بالرطب، وهو كذلك.
(فيما دون خمسة أوسق) بتقدير الجفاف وإن كان الرطب الآن أكثر؛ لما في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق (٤)، فلذلك جوز دون الخمسة؛ لأنه متفق عليه، ومنع في الخمسة؛ لأنا شككنا فيها، والأصل: التحريم.
(ولو زاد) على دون خمسة أوسق (في صفقتين) كلٌّ منهما دون خمسة أوسق ( .. جاز) قياسًا على الصفقة الأولى، فلو زاد في صفقة واحدة .. فإن البيع يبطل في الجميع، ولا يُخرَّج على تفريق الصفقة؛ لأنه صار بالزيادة ربا، فبطل في الجميع.
(ويشترط التقابض بتسليم التمر كيلًا، والتخلبةِ في النخل) والمماثلة بتقدير الجفاف؛ لأنه مطعوم بمطعوم.
(والأظهر: أنه لا يجوز في سائر الثمار) كالخَوْخ وغيره مما يدخر يابسه؛ لأنها متفرقة ومستورة بالأوراق، فلا يتأتى الخرص فيها، والثاني: يجوز قياسًا على الرطب، كما جوزنا في العنب بالقياس عليه.
стр. 814
وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ.
===
(وأنه لا يختص بالفقراء) لإطلاق الحديث، والثاني: يختص؛ لأنهم سبب الرخصة كما ذكره الشافعي في "الأم"، لكنه لم يسنده (١).
ومثار الخلاف: أن العبرة بعموم اللفظ، أو بخصوص السبب.
* * *
стр. 815
بابُ اختلاف المتبايعين
إِذَا اتَّفَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيع، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّتِهِ كَقَدْرِ الثَّمَنِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوِ الأَجَلِ أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ قَدْرِ الْمَبِيعِ وَلَا بَيِّنَةَ .. تَحَالَفَا،
===
(باب اختلاف المتبايعين)
(إذا اتفقا على صحة البيع، ثم اختلفا في كيفيته؛ كقدر الثمن) وما يدعيه البائع أكثر، (أو صفته) كقوله: (بصحاح)، فيقول المشتري: (بل بمكسرة)، أو جنسه كقوله: (بذهب)، فيقول المشتري: (بل بفضة)، (أو الأجل) أي: فيدعي البائع الحلول، والمشتري الأجل، (أو قدره) أي: قدر الأجل كقوله: (إلى شهر)، فيقول المشتري: (بل إلى شهرين)، (أو قدر المبيع) كقوله: (بعتك هذا بمئة)، فيقول: (بل اشتريته مع هذا بمئة) (ولا بينة .. تحالفا) لحديث: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبيِّعَانِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ .. فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتَتَارَكَا" رواه أبو داوود، والحاكم وقال: إنه صحيح (١).
ومعنى التتارك: أن يترك كلٌّ منهما ما يدعيه، وذلك بالفسخ، وفي "مسلم": "لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ .. لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٢).
ولا شك أن كلًّا منهما مدع ومدعىً عليه، وتخصيص البيع بالذكر جري على الغالب، فإن التحالف جار في عقود المعاوضات؛ كالسلم والكتابة وغيرهما.
واحترز بقوله: (ولا بينة): عما إذا كانت بينة؛ فإنه يُقضي بها، فإن أقاما بينتين .. فإن عرف أسبقهما تاريخًا .. حكم بها، وإلا .. تساقطتا، وتحالفا.
وأورد على الضابط: اختلافهما في عين المبيع والثمن معًا؛ مثل: (بعتك هذا العبد بمئة درهم)، فيقول: (بل هذه الجاريةَ بعشرة دنانير)، فلا تحالف جزمًا؛ إذا لم يتواردا على شيء مع اتفاقهما على بيع صحيح واختلفا في كيفيته.
стр. 816
فَيَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ قَوْلِ صَاحِبهِ وَإِثْبَاتِ قَوْلهِ، وَيُبْدَأُ بِالْبَائِعِ -وَفِي قَوْلٍ: بالْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَسَاوَيَانِ- فَيتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ يَمِينٌ تَجْمَعُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَيُقَدَّمُ النَّفْيُ فَيَقُولُ: (مَا بِعْتُ بِكَذَا وَلَقَدْ بِعْتُ بِكَذَا). وَإِذَا تَحَالَفَا .. فالصَّحِيحُ: أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ،
===
ولو اختلفا في عين المبيع فقط .. تحالفا إن كان الثمن مُعيَّنًا، وإن كان في الذمة .. فوجهان في "الروضة" هنا بلا ترجيح، ورجح في الشرح الصغير التحالف (١).
(فيحلف كلٌّ على نفي قول صاحبه وإثباتِ قوله) لما مرّ من كون كلٍّ منهما مدعيًا ومدعىً عليه، فينفي ما ينكره، ويثبت ما يدعيه.
(ويُبدأ بالبائع) ندبًا على الأصح؛ لقوة جانبه؛ لأن ملكه الثمن تمّ بالعقد، ويعود المبيع إليه بالتحالف.
(وفي قول: بالمشتري) لأنه يطالب بزيادة ثمن، والأصل: براءة ذمته عنها.
(وفي قول: يتساويان) لأن كلًّا منهما مدع ومدعىً عليه، فلا ترجيح (فيتخير الحاكم) أي: تفريعًا على هذا؛ كما لو تداعيا عينًا في يديهما .. فإن الحاكم يبدأ بيمين من شاء منهما، (وقيل: يُقرع) كما يقرع بينهما في الدعوى إذا جاءا معًا إلى مجلسه.
(والصحيح: أنه يكفي كلَّ واحد يمين تجمع نفيًا وإثباتًا) لأنه أقرب إلى فصل الخصومة، والثاني: يفرد النفي بيمين، والإثبات بأخرى، لأنه مدع ومدعىً عليه.
(ويُقدَّم النفي) استحبابًا؛ لأن الأصل في الأيمان يمين المدعى عليه (فيقول) البائع: ("ما بعت بكذا ولقد بعت بكذا") ويقول المشتري: (ما اشتريت بكذا، ولقد اشتريت بكذا).
(وإذا تحالفا .. فالصحيح: أن العقد لا ينفسخ) بنفس التحالف، لما رواه النسائي من حديث ابن مسعود: (أنه ﷺ أمر البائع أن يحلف، ثم يختار المبتاع؛ إن شاء .. أخذ، وإن شاء .. ترك) وصححه الحاكم (٢).
стр. 817
بَلْ إِنْ تَرَاضَيَا، وإِلَّا .. فَيَفْسَخَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوِ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، ثُمَّ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ، فَإِنْ كَانَ وَقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ مَاتَ .. لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، وَهِيَ قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ فَي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ،
===
ولأن البينة أقوى من اليمين، ولو أقام كلٌّ منهما بينة .. لم ينفسخ، فبالتحالف أولى.
والاستدلال بالحديث المذكور: استدل به الإسنوي وغيره، وفيه نظر؛ لأن الخيار في الحديث إنما هو بعد حلف البائع فقط، لا بعد حلفهما، والثاني: ينفسخ؛ كما ينفسخ النكاح بتحالف الملاعنين.
(بل إن تراضيا) بأحد الثمنين أُقرّ العقد عليه (وإلا .. فيَفسخانه أو أحدهما) لأنه فسخ لاستدراك الظُّلامة، فأشبه الردَّ بالعيب (أو الحاكم) لقطع النزاع، (وقيل: إنما يفسخه الحاكم) ونقله في "المهمات" عن تصحيح الأكثرين، واختاره السبكي؛ لأنه مجتهد فيه فأشبه العُنَّة كذا قاله الرافعي هنا (١)، لكن الأصح في (كتاب النكاح): جواز انفراد المرأة بالفسخ بعد ثبوتها بين يدي الحاكم (٢). والأشبه في "المطلب": أن الفسخ ليس على الفور.
(ثم) بعد الفسخ (على المشتري ردُّ المبيع) إن كان قد قبضه وهو باق بحاله بزيادته المتصلة، وتسلم له المنفصلة؛ كالولد والثمر، وهكذا حكم الثمن إن كان قد قبضه البائع؛ ليصل كلُّ مالك إلى ملكه.
(فإن كان وقفه أو أعتقه أو باعه أو مات .. لزمه قيمتُه) وإن جاوزت الثمن المدعى به على الصحيح؛ لقيامها مقامه، هذا إذا كان مُتقوَّمًا، فإن كان مثليًّا .. قال في "المطلب": فالمشهور: وجوب المثل، وبه جزم في "الكفاية"، وحكى صاحب "المعين" فيه الاتفاق، وقال الماوردي: يرد القيمة، وزيفه السبكي (٣).
(وهي قيمة يوم التلف في أظهر الأقوال) لأن مورد الفسخ هو العين، والقيمة بدل
стр. 818
وَإِنْ تَعَيَّبَ .. رَدَّهُ مَعَ أَرْشِهِ، وَاخْتِلَافُ وَرَثَتِهِمَا كَهُمَا. وَلَوْ قَالَ: بِعْتكهُ بِكَذَا، فَقَالَ: بَلْ وَهَبْتَنِيهِ .. فَلَا تَحَالُفَ، بَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الآخَرِ. فَإِذَا حَلَفَا .. رَدَّهُ مُدَّعِي الْهِبَةِ بِزَوَائِدِهِ. وَلَوِ ادَّعَى صِحَّةَ الْبَيْعِ وَالآخَرُ فَسَادَهُ .. فَالأَصَحُّ: تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ
===
عنها، فإذا فات الأصل .. تعين النظر في القيمة إلى ذلك الوقت، والثاني: قيمة يوم القبض؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه، وما يعرض بعد ذلك من زيادة أو نقصان .. فهو في ملكه، والثالث: أقلُّ قيمة من العقد إلى القبض، والرابع: أقصي قيمة من يوم القبض إلى التلف؛ لأن يده يدُ ضمان، فيعتبر أعلى القيم، وهو مبني على ارتفاع العقد من أصله.
(وإن تعيب .. ردَّه مع أرشه) وهو قدر ما نقص من القيمة؛ إذ الكلُّ مضمون بها، فبعضه ببعضها.
(واختلاف ورثتهما كهُما) لأنها يمين في المال، فقام الوارث مقام المورث؛ كاليمين في دعوى المال.
(ولو قال: "بعتكه بكذا"، فقال: "بل وهبتنيه" .. فلا تحالُف) لأنهما لم يتفقا على عقد واحد، (بل يحلف كلٌّ على نفي دعوى الآخر) كسائر الدعاوي.
(فإذا حلفا .. ردَّه مدعي الهبة بزوائده) المتصلة والمنفصلة؛ لأنه لا ملك له.
(ولو ادعى صحةَ البيع، والآخرُ فساده .. فالأصحُّ: تصديق مدعِي الصحة بيمينه) إذ الظاهر في العقود الجارية بين المسلمين هو الصحة، والثاني: يصدق مدعي الفساد؛ إذ الأصل عدم العقد الصحيح.
وهذا الخلاف يجري في سائر عقود المعاوضات؛ كالإجارة والنكاح ونحوهما.
فلو قال: (ولو ادعى صحة العقد) .. لكان أولى، وما رجحه نصَّ عليه في "البويطي"، ونسبه في "الروضة" للأكثرين وظاهر النص (١).
وفرق ابن الصلاح بين أن يُسند الفسادَ مدعيه إلى أمر زائد مفسد فلا يصدق؛ لأن الأصل عدمه، وبين أن يسنده إلى اختلال ركن أو شرط فيصدق؛ للأصل قال: وهذا
стр. 819
وَلَوِ اشْتَرَي عَبْدًا فَجَاءَ بِعَبْدٍ مَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ، فَقَالَ الْبَائِعُ: (لَيْسَ هَذَا الْمَبِيعَ) .. صُدِّقَ الْبَائِعُ، وَفِي مِثْلِهِ فِي السَّلَمِ يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ فِي الأَصَحِّ
===
هو الذي استقر عليه الرأي، واعتمدتُ عليه في الفتوى، وقد سبقه إلى ذلك البَنْدَنيجي والمَحاملي والجرجاني.
ويستثنى من تصحيح قول مدعي الصحة مسائل: منها: ما لو باع ذراعًا من أرض فادعى البائع أنه أراد ذراعًا مُعيَّنًا حتى لا يصحّ العقد، وادعى المشتري الإشاعة ليصحّ .. فأرجح الاحتمالين في "زيادة الروضة": تصديق البائع حتى يفسد البيع؛ لأنه أعلم بإرادته (١)، ومنها: إذا اختلفا أن الصلح وقع على الإنكار أو الاعتراف .. فإن الصواب في "زيادة الروضة": تصديق مدعي وقوعه على الإنكار؛ لأنه الغالب (٢)، ومنها: إذا قال السيد: (كاتبتك وأنا مجنون أو محجور علي)، وقال المكاتب: (كنت في حال الكمال)، وعُرف للسيد حالةُ جنون أو حجر .. فالقول قول السيد؛ كما جزم به المصنف في (الكتابة)، قال الأَذْرَعي: ولا اختصاص لهذا بهذه الصورة، بل الحكم كذلك في البيع وغيره من العقود.
(ولو اشترى عبدًا فجاء بعبد معيب ليرده، فقال البائع: "ليس هذا المبيعَ" .. صدق البائع) لأن الأصل السلامةُ وبقاء العقد.
(وفي مثله في السلم يصدق المُسلِم في الأصحِّ) لأن اشتغال ذمة المسلم إليه بالمسلم فيه معلوم، والبراءة غير معلومة؛ لأنه لم يعترف بقبض ما ورد العقد عليه، وفي البيع اتفقا على قبض ما اشتراه، وتنازعا في سبب الفسخ، والأصل: عدمه، والثاني: يصدق المسلم إليه؛ كالبيع (٣).
* * *
стр. 820
بابٌ [معاملة الرّقيق)
الْعَبْدُ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ .. لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فِي الأَصَحِّ، وَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ سَيِّدِهِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ .. تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ، أَوْ فِي يَدِ السَّيِّدِ .. فَلِلْبَائِعِ تَضْمِينُهُ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَاقْتِرَاضُهُ كَشِرَائِهِ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ .. تَصَرَّفَ بِحَسَبِ الإِذْنِ،
===
(باب) معاملة الرقيق
(العبد إن لم يؤذن له في التجارة .. لا يصحُّ شراؤه بغير إذن سيده في الأصحِّ) إذ لا يمكن ثبوت الملك له؛ لأنه ليس أهلًا للملك، ولا لسيده بعوض في ذمته؛ لأنه لم يرض به، ولا في ذمة العبد؛ لما فيه من حصول أحد العوضين لغير من يلزمه، والثاني: يصحُّ إن كان الشراء في الذمة؛ لأنه متعلق بالذمة، ولا حجر للسيد على ذمته، فلو اشترى بعين .. فباطل جزمًا.
(ويسترده البائع) إذا قلنا بعدم الصحة (سواء كان في يد العبد أو سيده) لبقائه على ملكه.
(فإن تلف في يده) أي: في يد العبد ( .. تعلق الضمان بذمته) فيطالبه به إذا عتق، سواء رآه السيد مع العبد فتركه أم لا؛ لأنه وجب برضا من له الحقُّ، ولم يأذن فيه السيد.
(أو في يد السيّد .. فللبائع تضمينه) أي: تضمين السيد؛ لوضعه يدَه على ملكه، (وله) أي: للبائع (مطالبة العبد بعد العتق) لتعلقه بذمته لا قبل العتق؛ لأنه معسر.
(واقتراضُه كشرائه) في جميع ما سبق؛ لأنه عقد معاوضة مالية، فكان كالشراء، وسائرُ عقود المعاوضات كذلك خلا النكاح؛ فإنه لا يصحُّ جزمًا.
(وإن أذن له في التجارة .. تصرف) بالإجماع؛ لأن المنع لحقِّ السيد وقد ارتفع، وشرط الماوردي: أن يصحّ تصرفه لنفسه لو كان حرًّا (١) (بحسب الإذن) لأنه تصرف
стр. 821
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ .. لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَلَيْسَ لَهُ النِّكَاحُ، وَلَا يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ، وَلَا يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ، وَلَا يُعَامِلُ سَيِّدَهُ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِإِبَاقِهِ، وَلَا يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ سَيِّدِهِ عَلَى تَصَرُّفِهِ، وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِدُيُونِ الْمُعَامَلَةِ. وَمَنْ عَرَفَ رِقَّ عَبْدٍ .. لَمْ يُعَامِلْهُ حتَّى يَعْلَمَ الإِذْنَ بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ
===
مستفاد من الإذن، فاقتصر على المأذون فيه؛ كالوكيل وعامل القراض.
(فإن أذن له في نوع) كالثياب، أو وقت؛ كسنة ( .. لم يتجاوزه) لأنه قد يعرف منه النجاح فيه دون غيره.
(وليس له النكاح) كما ليس للمأذون له في النكاح أن يتجر؛ لأن اسم كلٍّ منهما غير متناول للآخر.
(ولا يُؤجِّر نفسَه) وإن كان له أن يؤجر أموالَ التجارة في الأصح؛ لأنه لا يملك التصرف في رقبته، فكذا في منفعته.
(ولا يأذن لعبده) الذي اشتراه (في التجارة) لأن السيد لم يأذن فيه، فإن أذن فيه .. جاز، وهل للمأذون أن يوكل العبد في تصرف خاصٍّ؛ كبيع ثوب بغير إذن السيد؟ وجهان في "الشرح"، و"الروضة" بلا ترجيح (١).
(ولا يتصدق) إذ ليس من أهل التبرع.
(ولا يعامل سيدَه) فلا يبيع منه ولا يشتري؛ لأن تصرفه لسيده، بخلاف المكاتب.
(ولا ينعزل بإباقه) لأن الإباق معصية فلا يوجب الحجرَ؛ كما لو عصى السيدَ من وجه آخر .. فله التجارة في البلد الذي أبق إليه إلا إذا خصَّ السيدُ الإذن ببلد معين.
(ولا يصير مأذونًا له بسكوت سيده على تصرفه) كما لو رآه ينكح فسكت .. لا يكون إذنًا له في النكاح.
(ويُقبل إقراره بديون المعاملة) ولو لأبيه وابنه؛ لقدرته على الإنشاء.
وهذه المسألة قد أعادها المصنف في (باب الإقرار)، وستأتي.
ومن عرف رقَّ عبد .. لم يعامله حتى يَعلم الإذن بسماع) من (سيده أو بينة أو
стр. 822
شُيُوعٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي الشُّيُوعِ وَجْهٌ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ. فَإِنْ بَاعَ مَأْذُونٌ لَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً .. رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِبَدَلِهِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ .. فَلَا. وَلَوِ اشْترَى سِلْعَةً .. فَفِي مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ بِثَمَنِهَا هَذَا الْخِلَافُ،
===
شيوع بين الناس) لأن الأصل عدمُ الإذن، والمراد بالعلم: غلبة الظن.
وكان ينبغي أن يقول: (رق شخص) لأن العبد معلومُ الرقِّ.
(وفي الشيوع وجه) لأن الحجر محقق، والزوال مشكوك فيه، وأجاب الأول: بأن السماع من السيد أو الثبوتَ بالبينة في حقِّ كلِّ من أراد المعاملةَ .. فيه عسر.
(ولا يكفي قول العبد) أنه مأذون له؛ للتُّهَمة، أما لو قال المأذون له: (حجر عليّ سيدي) .. لم يجز معاملته وإن أنكر السيد الحجر في الأصح؛ لأنه العاقد، والعقد باطل بزعمه، ولو عزل العبد نفسه .. لم ينعزل؛ لأن التصرف حقٌّ للسيد، فلم يقدر على إبطاله، قاله المتولي.
(فإن باع مأذون له وقبض الثمنَ، فتلف في يده، فخرجت السِّلعة مستحقةً .. رجع المشتري ببدله على العبد) لأنه المباشر للعقد، فتتعلق به العهدة، وقيل: لا رجوع عليه؛ لأن يده يدُ سيده، وعبارته مستعارة بينهما.
والضمير في (بدله) عائد على الثمن، وهو كذلك في "المحرر"، و"الروضة"، و"أصلها" (١)، ويقع في بعض النسخ (ببدلها) يعني: ببدل العين، وحكي عن نسخة المصنف، وهو سهو.
(وله مطالبة السيد أيضًا) لأن العقد له، فكأنه البائعُ والقابض، (وقيل: لا) لأن السيد بالإذن قد أعطاه استقلالًا، وكأنه قصر طمع الذي يعامله على يده وذمته، (وقيل: إن كان في يد العبد وفاءٌ .. فلا) لحصول الغرض بما في يده.
(ولو اشترى سلعة .. ففي مطالبة السيد بثمنها هذا الخلافُ) للمعاني المذكورة.
стр. 823
وَلَا يَتَعَلَّقُ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا ذِمَّةِ سَيِّدِهِ، بَلْ يُؤَدَّى مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، وَكَذَا مِنْ كَسْبِهِ بِالاصْطِيَادِ وَنَحْوِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ فِي الأَظْهَرِ.
===
(ولا يتعلق دين التجارة برقبته) للزومه برضا المستحق؛ كالاستقراض بلا إذن، (ولا ذمةِ سيده) لأن الإذن لا يقتضي الالتزام إلا فيما في يد العبد؛ كنفقة النكاح، وهذا مخالف لقوله قبل: أنه يطالب السيد ببدل الثمن التالف في يد العبد، وبثمن السلعة التي اشتراها أيضًا، وقد وقع الموضعان كذلك في "المحرر"، و"الشرح"، و"الروضة" (١).
وموجب هذا التناقض: الجمع بين طريقين متباينين لم يقل أحد بمجموعهما؛ فالإمام وأتباعه يرون ترجيح مطالبة السيد مطلقا (٢)، وأشار في "المطلب " إلى تضعيفها، والأكثرون لا يعلقونه بذمة السيد، بل يقولون: يقضي مما في يد العبد، فإن بقي شيء .. أتبع به إذا عتق، فالكلام الثاني هو الموافق للمنقول، ونقل عن النصِّ أيضًا، [وهو المعتمد] (٣).
(بل يُؤدَّى من مال التجارة) لاقتضاء الإذن والعرف ذلك، (وكذا من كسبه بالاصطياد ونحوه في الأصح) كمؤن النكاح، والثاني: لا؛ كسائر أموال السيد.
(ولا يملك العبد بتمليك سيده في الأظهر) كما لا يملك بالإرث، ولأنه مملوك فأشبه البهيمة، والثاني: يملك؛ لإضافة الملك إليه في قوله ﷺ : "مَنْ بَاعَ عَبْدًا .. فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ" (٤).
وعلى هذا: فهو ملك ضعيف يرجع السيد فيه متى شاء، ولا تجب فيه الزكاة.
واحترز بالسيد: عن الأجنبي؛ فإنه لا يملك بتمليكه بلا خلاف؛ كما قاله الرافعي في (الوقف)، وفي (الظهار) في تكفير العبد بالصوم (٥)، لكن الماوردي والقاضي أجريا الخلافَ فيه أيضًا؛ كما قاله في "المطلب".
* * *
стр. 824
كتابُ السَّلَم
هُوَ بَيْعُ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، يُشْتَرَطُ لَهُ مَعَ شُرُوطِ الْبَيْعِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ. فَلَوْ أَطْلَقَ ثُمَّ عَيَّنَ وسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ .. جَازَ،
===
(كتاب السلم)
سمي سلمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، ويُسمَّى سلفًا؛ لتقديمه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية، قال ابن عباس ﵄: نزلت في السلم (١)، وفي الصحيح: "مَنْ أَسْلَفَ .. فَلْيُسْلِفْ فِي كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (٢)، وهو مجمع عليه.
(هو بيع موصوف في الذمة) بلفظ السلم ببدل يُعطى عاجلًا، وإنما قيدتُ كلامه بلفظ السلم؛ لئلا يرد ما إذا عقده بلفظ البيع، فإنه بيع على الأصح كما سيأتي.
وخرج بالوصف: القرض؛ فإنه لم يذكر صفاته.
(يشترط له مع شروط البيع أمور) لما مرَّ من أنه بيع، قال الزركشي: والمراد: شروط البيع في الذمة لا مطلقًا، وإلا .. لاقتضى اشتراط رؤية المسلم فيه، والصيغة، وعلى هذا فلا ترد صحةُ سلم الأعمى دون شرائه.
(أحدها: تسليم رأس المال في المجلس) لأن تأخيره في معنى بيع الدين بالدين، وقد نهى عنه (٣).
(فلو أطلق) كأن قال: (أسلمت إليك دينارًا في ذمتي في كذا) (ثم عين) الدينار (وسلم في المجلس .. جاز) لأن المجلس حريم العقد؛ فله حكمه.
стр. 825
وَلَوْ أَحَالَ بِهِ وَقَبَضَهُ الْمُحْتَالُ فِي الْمَجْلِسِ .. فَلَا، وَلَوْ قَبَضَهُ وَأَوْدَعَهُ الْمُسْلِمَ .. جَازَ. وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مَنْفَعَةً، وَيُقْبَضُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ. وَإِذَا فُسِخَ السَّلَمُ وَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ .. اسْتَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: لِلْمُسْلَمِ إِلَيْهِ رَدُّ بَدَلِهِ إِنْ عُيِّنَ فِي الْمَجْلِسِ دُونَ الْعَقْدِ. وَرُؤْيَةُ رَأْسِ الْمَالِ تَكْفِي عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ فِي الأَظْهَرِ
===
(ولو أحال به) أي: برأس المال (وقبضه المحتال في المجلس .. فلا) لأنها ليست بقبض حقيقي، والمحال عليه يؤدي عن نفسه لا عن المسلم.
وصورة المسألة: أن يحيل المُسلِم المُسلَم إليه، أما لو أحال المُسلَم إليه برأس المال على المُسلِم، وأمره بالدفع إليه، وحصل القبض في المجلس .. جاز، ويكون المحتال وكيلًا عن المُسلَم إليه في القبض.
(ولو قبضه) يعني: رأس المال (وأودعه المُسلِم) قبل التفرق ( .. جاز) قياسًا على سائر أمواله.
(ويجوز كونه) أي: رأس المال (منفعة) كما يجوز جعلها ثمنًا وغيره.
(ويُقبَض بقبض العين) لأنه لمَّا تعذر القبض الحقيقي .. اكتفينا بهذا؛ لأنه الممكن.
(وإذا فُسخ السلم ورأس المال باق) ولم يتعلق به حقّ ثالث ( .. استرده بعينه) وليس له إبداله، سواء أكان مُعيَّنًا أم في الذمة ثم عيّن في المجلس، أما الأول .. فلأن الثمن المُعيَّن كالمبيع، وأما الثاني .. فلأن المُعيَّن في المجلس بمثابة المُعيَّن في العقد.
(وقيل: للمسلم إليه ردُّ بدله إن عيِّن في المجلس دون العقد) لأن العقد لم يتناوله. واحترز بقوله: (باق) عما إذا تلف؛ فإنه يرد مثله في المثلي، وقيمته في المتقوم.
(ورؤية رأس المال تكفي عن معرفة قدره في الأظهر) كثمن المبيع، والثاني: لا تكفي، بل يجب ذكر قدره وصفته؛ لأنه ربما ينقطع، ويكون رأس المال تالفًا، فلا يدري بِمَ يرجع، ونصّ في "الأم" على أن هذا أحب القولين إليه (١).
стр. 826
الثَّانِي: كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَيْنًا، فَلَوْ قَالَ: (أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الْثوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ) .. فَلَيْسَ بِسَلَمٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ قَالَ: (اشْتَرَيْتُ مِنْكَ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ)، فَقَالَ: (بِعْتُكَ) .. انْعَقَدَ بَيْعًا، وَقِيلَ: سَلَمًا
===
ومحل الخلاف: ما إذا تفرقا قبل العلم بالقدر والصفة؛ فإن علماه قبله .. صحَّ قطعًا.
(الثاني: كون المُسلَم فيه دينًا) لأن لفظ السلم موضوع له، ومراده بالشرط: ما لا بدَّ منه؛ ليشمل الركن؛ فإن الدَّينِيَّةَ داخلة في حقيقة السلم.
(فلو قال: "أسلمتُ إليك هذا الثوب في هذا العبد" .. فليس بسلم) جزمًا؛ لانتفاء الدَّينِيَّة.
(ولا ينعقد بيعًا في الأظهر) لاختلال اللفظ، والثاني: ينعقد بيعًا؛ نظرًا إلى المعنى.
(ولو قال: "اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بهذه الدراهم") أو بمئة درهم في ذمتي (فقال: "بعتك" .. انعقد بيعًا) نظرًا إلى اللفظ، وهذا ما رجحه في "أصل الروضة"، وقال في "المحرر": إنه أقرب (١)، ولم يصرح هنا في "الشرحين" بترجيح، (وقيل: سلمًا) نظرًا إلى المعنى، واللفظ لا يعارضه؛ لأن كلَّ سلم بيع؛ فإطلاق البيع على السلم إطلاقٌ له على ما يتناوله، وهذا ما رجحه العراقيون وغيرهم، وهو المنصوص، واختاره السبكي.
وإذا جعلناه سلمًا .. وجب تعيين الدراهم، وقبضها في المجلس، وإلا .. لم يجب، كذا قالاه (٢)، وقال السبكي: إذا جعلناه بيعًا لا يجب التسليم، ويجب التعيين، وإلا أدى إلى بيع الدين بالدين، وهو باطل بالإجماع، وممن نبه عليه المَحاملي والفارقي وإسماعيل الحَضْرَمي.
ومحل انعقاده بيعًا: إذا لم يذكر بعده لفظ السلم، فإن قال: (بعتك كذا سلمًا، أو اشتريت منك سلمًا) .. كان سلمًا؛ كما جزم به الرافعي في تفريق الصفقة في
стр. 827
الثَّالِثُ: الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ بِمَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ، أَوْ يَصْلُحُ وَلِحَمْلِهِ مُؤْنةٌ .. اشْتُرِطَ بَيَانُ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيَصِحُّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، فَإِنْ أَطْلَقَ .. انْعَقَدَ حَالًّا، وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ
===
الأحكام؛ فإنه صوَّرَ الجمع بين الإجارة والسلم بقوله: (أجرتك داري سنة، وبعتك كذا سلمًا بكذا) (١).
(الثالث: المذهب: أنه إذا أسلم بموضع لا يصلح للتسليم، أو يصلح ولحمله مؤنة .. اشتُرط بيان محلِّ التسليم) وهو مكانه، (وإلا .. فلا) لأنه إذا كان الموضع صالحًا ولا مؤنة .. اقتضى العرف التسليمَ فيه، وإذا لم يكن كذلك .. تفاوتت الأغراض باختلاف الأمكنة فاشترط التعيين.
وهذا في السلم المؤجل، أما الحالُّ .. فلا يشترط فيه التعيين؛ كالبيع.
ويتعين موضع العقد للتسليم، لكن إن عينا غيره .. جاز بخلاف البيع؛ لأن السلم يقبل التأجيل فقَبِل شرطًا يتضمن تأخير التسليم، والأعيان لا تحتمله.
والمراد بموضع العقد: المحلّة، وفي المسألة سبعة طرق (٢)؛ فلذا عبر بالمذهب.
(ويصحُّ) السلم (حالًّا) إذا كان المسم فيه موجودًا (ومؤجلًا) أما المؤجل .. فبالإجماع، وإذا جاز مؤجلًا .. فهو في الحالٍّ أجوز؛ لأنه أبعد عن الغرر.
وفائدة العدول عن البيع إلى السلم الحالّ: جوازُ العقد مع غيبة المبيع؛ فإنه قد لا يكون حاضرًا مرئيًّا، فلا يصحُّ بيعه، وإن أخره لإحضاره .. فات المشتري، والأمنُ من الانفساخ؛ إذ هو متعلق بالذمة.
(فإن أطلق) ولم يشترط تأجيلًا ولا حلولًا ( .. انعقد حالًّا) كالثمن في البيع، (وقيل: لا ينعقد) لأن العرف في السلم التأجيلُ؛ فحمل عليه، وحينئذ فيكون كما لو ذكر أجلًا مجهولًا.
стр. 828
وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالأَجَلِ. فَإِنْ عَيَّنَ شُهُورَ الْعَرَبِ أَوِ الْفُرْسِ أَوِ الرُّومِ .. جَازَ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. حُمِلَ عَلَى الْهِلَالِيِّ، فَإِنِ انْكَسَرَ شَهْرٌ .. حُسِبَ الْبَاقِي بالأَهِلَّةِ وَتُمِّمَ ألأَوَّلُ ثَلَاثِينَ. وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تأْجِيلِهِ بالْعِيدِ وَجُمَادَى، وَيُحْمَلُ عَلَى الأَوَّلِ.
فصَلٌ [في بقية الشروط السبعة]
يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ: مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَ يُوجَدُ بِبَلَدٍ آخَرَ .. صَحَّ إِنِ اعْتِيدَ نَقْلُهُ لِلْبَيعِ، وَإِلَّا .. فَلَا،
===
(ويشترط العلم بالأجل) فلا يجوز بما يختلف؛ كالحصاد، وقدوم الحاجِّ، والميسرة؛ للآية والحديث السالفَيْن (١).
(فإن عين شهورَ العرب أو الفرس أو الروم .. جاز) لأنها معلومة مضبوطة.
(وإن أطلق) الشهر ( .. حُمل على الهلالي) لا الشمسي؛ لأنه عرف الشرع، وكذا السنة؛ كما صرح به في "المحرر" (٢).
(فإن انكسر شهر .. حُسب الباقي بالأهلة وتُمِّم الأول ثلاثين) لتعذر اعتبار الهلال فيه، وقيل: إذا انكسر الأول .. انكسر الجميع.
(والأصحُّ: صحة تأجيله بالعيد وجمادى، ويحمل على الأول) لتحقق الاسم به، والثاني: يفسد؛ لتردده بينهما، ولو قال: (بعد رمضان إلى العيد) .. حمل على عيد الأضحى؛ لأنه الذي يلي العقد، قاله ابن الرفعة (٣).
* * *
(فصل: يشترط كون المسلم فيه: مقدورًا على تسليمه عند وجوب التسليم) لأن المعجوز عن تسليمه يمتنع بيعه، فيمتنع السَّلم فيه.
(فإن كان يوجد ببلد آخر .. صحَّ إن اعتمد نقله للبيع، وإلا .. فلا) سواء أكان لا ينقل منها أصلًا أم ينقل ولكن على ندور، أم ينقل لا للبيع بل للهدية ونحوها.
стр. 829
وَلَوْ أَسْلَمَ فِيمَا يَعُمُّ فَانْقَطَعَ فِي مَحِلِّهِ .. لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الأَظْهَرِ، فَيَتَخَيَّرُ الْمُسْلِمُ بَيْنَ فَسْخِهِ، وَالصَّبْرِ حَتَّى يُوجَدَ، وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْمَحِلِّ انْقِطَاعَهُ عِنْدَهُ .. فَلَا خِيَارَ قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ. وَكَوْنُهُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ عَدًّا أَوْ ذَرْعًا، وَيَصِحُّ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا وعَكْسُهُ،
===
وهذا الضابط نقله الرافعي في "الشرح" عن الإمام، وجزم به في "المحرر" (١)، لكن ذكر في "الشرح" آخر الفصل في الكلام على الانقطاع كلامًا آخر حاصلُه: مخالفة الإمام رجحانَ اعتبار مسافة القصر، وقد أوضحه في "المهمات" (٢).
(ولو أسلم فيما يعُمُّ فانقطع في محلِّه) بكسر الحاء ( .. لم ينفسخ في الأظهر) لتعلقه بالذمة؛ كإفلاس المشتري بالثمن.
والمراد بالانقطاع: ألا يوجد، أو يوجد ولا يباع، أو يوجد ببلد آخر ولو نقل .. لفسد، فلو كان يباع بثمن غال .. وجب تحصيله، وإن أمكن نقله من بلد آخر من غير فساد .. وجب إن قرب، وقد مرَّ بما يضبط القرب.
(فيتخير المسلم بين فسخه، والصبر حتى يوجد) فإن أجاز ثم بدا له .. مُكِّن من الفسخ؛ كزوجة المُولي؛ بناءً على أن خياره على التراخي، وهو الصحيح، والقول الثاني: ينفسخ؛ كما لو تلف المبيع قبل القبض.
(ولو علم قبل المَحِلِّ انقطاعه عنده .. فلا خيار قبله في الأصحِّ) لأنه لم يدخل وقت وجوب التسليم، والثاني: نعم؛ لتحقق العجز في الحال.
(وكونه معلوم القدر كيلًا أو وزنًا أو عدًّا أو ذرعًا) أما الأولان .. فللحديث المارِّ أول الباب (٣)، وأما الأخيران .. فبالقياس.
(ويصحُّ في المكيل وزنًا، وعكسه) (٤) إذ المقصود معرفةُ المقدار، بخلاف
стр. 830
وَلَوْ أَسْلَمَ فِي مِئَةِ صَاعِ حِنْطَةٍ عَلَى أَنَّ وَزْنَهَا كَذَا .. لَمْ يَصِحَّ. وَيُشْتَرَطُ الْوَزْنُ فِي الْبِطِّيخِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْقُثَّاءِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالرُّمَّانِ. وَيَصِحُّ فِي الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ بِالْوَزْنِ فِي نَوْعٍ يَقِلُّ اخْتِلَافُهُ، وَكَذَا كَيْلًا فِي الأَصَحِّ
===
الربويات، فإن الغالب فيها التعبد، كذا أطلقوه (١)، وحمله الإمام على ما يُعدُّ الكيلُ في مثله ضابطًا (٢).
فلو أسلم في فُتات المسك والعَنْبَر، ونحوهما كيلًا .. لم يصحَّ؛ لكثرة مالية يسيرِهِ، حكاه الشيخان عنه، وأقراه (٣)، وجزم به المصنف في "التصحيح" (٤)، لكن الرافعي جزم بعد ذلك بالجواز في اللآلئ الصغار إذا عمَّ وجودها كيلًا (٥) فيحتمل مخالفته؛ لما مرَّ، وهو ما فهمه في "الروضة" (٦)، ويحتمل أن يفرق بينهما: بأن الكيل يَحصُر اللآلئ الصغار؛ لرزانتها في الكيل، بخلاف المسك ونحوه، وأيضًا فإن ذلك الكلام فيما له خَطَرٌ، واللآلئ الصغار المرادة للتداوي قد لا يكون لها خَطَرٌ.
(ولو أسلم في مئة صاعِ حنطةٍ على أن وزنها كذا .. لم يصحَّ) لأنه يورث عزَّة الوجود.
(ويشترط الوزن في البطيخ والباذنجان والقِثَّاء، والسَّفَرجل والرُّمّان) والرانج، والبيض، ولا يكفي الكيل؛ لتجافيه في المكيال، ولا العدد؛ لكثرة التفاوت.
(ويصحّ في الجوز واللوز بالوزن) لا بالعدد (في نوع يقلُّ اختلافه) فإن اختلفت قشوره بالغلظ والرقة .. امتنع السلم فيه؛ لاختلاف الغرض.
(وكذا كيلًا في الأصحِّ) كالحبوب، والثاني: لا؛ لتجافيها في المكيال.
والخلاف قولان؛ فالأول: منصوص "المختصر" (٧)، والثاني: منصوص "البويطي".
стр. 831
وَيُجْمَعُ فِي اللَّبنِ بَيْنَ الْعَدِّ وَالْوَزْنِ. وَلَوْ عَيَّنَ كَيْلًا .. فَسَدَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا، وَإِلَّا .. فَلَا فِي الأَصحِّ. وَلَوْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرِ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ .. لَمْ يَصِحَّ، أَوْ عَظِيمَةٍ .. صحَّ فِي الأَصَحِّ. وَمَعْرِفَةُ الأَوْصَافِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الْغَرَضُ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا،
===
(ويجمع في اللَّبِن بين العدِّ والوزن) فيقول: (كذا لبنة، وزن كل واحدة كذا) لأنها تُضرب عن اختيار فلا تؤدي إلى عزَّة الوجود، ثم الأمر في وزنها على التقريب، وفي "زيادة الروضة" لم يعتبر العراقيون أو معظمهم الوزن، ونصَّ في "الأم" على أنه مستحب، لكن يشترط أن يذكر طوله وعَرْضه وثخانته، وأنه من طين معروف (١).
(ولو عيَّن كيلًا .. فسد إن لم يكن معتادًا) ولم يعرف مقداره، كالكوز والقَصْعة بالإجماع؛ لأنه مجهول، ولأن فيه غررًا؛ لأنه قد يتلف قبل المحِلِّ، وينبني على المعنيين ما لو قال: (بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة)، والأصح: الصحة؛ اعتمادًا على المعنى الثاني، وهو انتفاء الغرر.
(وإلا .. فلا في الأصحِّ) أي: وإن كان معتادًا .. لم يفسد، بل يلغو تعيينه؛ كسائر الشروط التي لا غرض فيها، والثاني: يفسد؛ لتعرضه للتلف.
والمراد بالتعيين: تعيين الفرد من نوع المكيال، أما تعيين نوع المكيال بالغلبة أو بالتنصيص عليه .. فلا بدَّ من اشتراطه.
(ولو أسلم في) مقدار من (ثمر قرية صغيرة .. لم يصحَّ) بالإجماع؛ خشيةً من انقطاعه لجائحة ونحوها، وذلك غرر.
(أو عظيمةٍ .. صحَّ في الأصحِّ) لعدم انقطاعه غالبًا، والثاني: أنه كتعيين المكيال؛ لعدم الفائدة.
ومحل الخلاف: إذا لم يُفدْ تنويعًا، فإن أفاده كمَعْقِلي البصرة .. جاز قطعًا؛ لأنه مع مَعْقِلي بغداد صنفٌ واحد، لكن يختلفان في الأوصاف؛ فله غرض في ذلك.
(و) يشترط (معرفة الأوصاف التي يختلف بها الغرضُ اختلافًا ظاهرًا) لتقريبه من المعاينة، ولأن القيمة تختلف بسببها.
стр. 832
وَذِكْرُهَا فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ، فَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ مَقْصُودُهُ كَالْمُخْتَلِطِ الْمَقْصُودِ الأَرْكَانِ؛ كَهَرِيسَةٍ وَمَعْجُونٍ وَغَالِيَةٍ وَخُفٍّ وَتُرْيَاقٍ مَخْلُوطٍ، وَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ فِي الْمُخْتَلِطِ الْمُنْضَبِطِ كَعَتَّابِيٍّ وَخَزٍّ، وَجُبْنٍ وَأَقِطٍ وَشَهْدٍ، وَخَلِّ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ،
===
واحترز بقوله: (ظاهرًا) عمَّا يتسامح الناس بإهمال ذكره.
(وذكرها في العقد) ليتميز المعقود عليه، فلا يكفي ذكرها بعده وإن كان في مجلس العقد، ويكون ذكرها (على وجه لا يؤدي إلى عِزَّة الوجود) لأن السلم غررٌ، فلا يجوز إلا فيما يوثق بتسليمه.
(فلا يصحُّ فيما لا ينضبط مقصوده؛ كالمختلط المقصود الأركان؛ كهَرِيسة ومعجون وغالية وخفّ وتِرْياق) طاهر (مخلوط) لأن الغالية مركبة من مسك وعنبر وعود وكافور، كما قاله الرافعي (١)، والخف مركب من ظهارة وبطانة.
واحترز بالترياق المختلط: عما إذا كان نباتًا أو حجرًا؛ فإنه يجوز السلم فيه، وقد يفهم الجواز في خف متخذ من شيء واحد، وليس كذلك؛ بناءً على منع السلم في الجلود، وهو الأصح.
(والأصحُّ: صحته في المختلط المنضبط؛ كعتَّابيٍّ، وخَزٍّ) لتيسُّر ضبط كلِّ جزء من الأجزاء، والثاني: المنع؛ كالمعجون، والعتابي: من قطن وحرير، والخزّ: من إِبْرَيْسمٍ ووبر، أو صوف.
(وجبن وأَقِط وشهد، وخلِّ تمر أو زبيب) إذ الملح والإِنْفَحةُ في الجُبْن، والأقِط، والماء في خلِّ التمر والزبيب من مصالحه، والثاني: لا؛ كاللبن المخلوط بالماء.
وأما الشهد .. فوجه الصحة: قياسه على التمر، ووجه المنع: أن الشمع فيه يقلُّ ويكثر، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم" (٢)، واختاره السبكي.
стр. 833
لَا الْخُبْزِ فِي الأَصَحِّ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ. وَلَا يَصِحُّ فِيمَا نَدَرَ وُجُودُهُ؛ كَلَحْمِ الصَّيْدِ بِمَوْضِعِ الْعِزَّةِ، وَلَا فِيمَا لَوِ اسْتُقْصِيَ وَصفُهُ .. عَزَّ وُجُودُهُ؛ كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ وَالْيَوَاقِيتِ، وَجَارِيَةٍ وَأُخْتِهَا أَوْ وَلَدِهَا.
===
(لا الخبز في الأصحِّ عند الأكثرين) لاختلاف الغرض بقدر الملح، وتأثير النار فيه تأثيرًا غير منضبط، وهو مانع من الصحة، كما سيأتي، والثاني: يصحُّ؛ لأن ناره مضبوطة، والملح غير مقصود.
(ولا يصحُّ فيما ندر وجوده؛ كلحم الصيد بموضع العِزَّةِ) لأنه عقد غرر، فلا يحتمل إلا فيما يوثق بتسليمه.
(ولا فيما لو استُقصيَ وصفه) الذي يجب ذكرُه في السلم (عزَّ وجوده؛ كاللؤلؤ الكبار، واليواقيت) إذ لا بدّ فيها من ذكر الحجم والشكل والوزن واللون والصفاء، واجتماعها نادر، ويجوز في صغار اللآلئ العامة الوجود؛ كيلًا ووزنًا، وضبط جماعة الصغارَ: بما يطلب للتداوي لا للزينة، وضبطه الجويني: بسدس دينار (١)، قالا: والوجه أن اعتبار السدس للتقريب (٢).
(وجاريةٍ وأختها أو ولدها) وشاةٍ وسخلتها؛ لندرة اجتماعهما بالصفات، واستشكله الرافعي بما لو شرط كون العبد كاتبًا، أو الجارية ماشطة .. فإنه يندر اجتماع ذلك مع الصفات المشروطة، ومع ذلك يصحُّ (٣).
وفرق في "المهمات" بينهما بما ملخصه: أن الكتابة والمشط يسهل تحصيله بالاكتساب، بخلاف البنوَّة والأخوَّة؛ فإنه وصف غير مكتسب فيعزّ وجوده مع باقي الأوصاف. انتهى (٤).
وقيَّد الإمام المنع بمن تكثر صفاتها بخلاف الزنجية، وبحث فيه الرافعي (٥).
* * *
стр. 834
فَرعٌ [في محل السلم وشروطه]
يَصِحُّ فِي الْحَيَوَانِ، فَيُشْتَرَطُ: فِي الرَّقِيقِ: ذِكْرُ نَوْعِهِ كَتُرْكِيٍّ، وَلَوْنِهِ كَأَبْيَضَ -وَيَصِفُ بَيَاضَهُ بِسُمْرَةٍ أَوْ شُقْرَةٍ- وَذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ، وَسِنِّهِ، وَقَدِّهِ طُولًا وَقِصَرًا، وَكُلُّهُ عَلَى التَّقْرِيبِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْكَحَلِ وَالسِّمَنِ وَنَحْوِهِمَا فِي الأَصَحِّ
===
(فرع: يصحُّ) السلم (في الحيوان) لأنه يثبت في الذمة؛ بدليل إبل الدية، وصحَّ أنه عليه أفضل الصلاة والسلام اقترض بَكْرًا (١)، وحديث النهي عن السلف في الحيوان لم يثبت؛ كما قاله ابن السمعاني في "الاصطلام"، وإن صححه الحاكم (٢).
(فيشترط في الرقيق: ذكر نوعه؛ كتركي) لاختلاف الغرض، فإن اختلف صِنفُ النوع .. وجب ذكره على الأظهر.
(ولونه؛ كأبيض، ويصف بياضه بسمرة أو شقرة) ويصف السواد بالصفاء أو الكدرة، وهذا إن اختلف لون النوع، فإن لم يختلف؛ كالزنجي .. لم يجب التعرض له.
(وذكورته وأنوثته، وسنِّه، وقدِّه طولًا وقصرًا) وكذا ثيوبته، وبكارته على الأصح؛ لاختلاف الغرض بكلِّ ذلك.
(وكلُّه على التقريب) فلو شرط تحديدًا .. بطل؛ لندوره، ولم يذكر الرافعي في "الشرحين"، و"المحرر" التقريب إلا بالنسبة إلى السنِّ خاصة، وجرى عليه في "الروضة"، قال المنكت: وما في "الكتاب" حسن إن ساعد عليه نقل (٣).
(ولا يشترط ذكر الكَحَل والسِّمن ونحوهما) كالدعج، وهو: شدة سواد العين مع سعتها، والكَحَل: أن يعلو جفونَ العين سوادٌ كالكُحْل من غير اكتحال (في الأصحِّ) لتسامح الناس بإهماله، والثاني: يشترط؛ لأنه مقصود لا يؤدي إلى عزَّة الوجود.
стр. 835
وَفِي اْلإِبِلِ وَاْلْخَيْلِ وَاْلْبغَالِ وَالْحَمِيرِ: الذُّكُورَةُ وَالأُنُوثة، وَالسِّنُّ وَاللَّوْنُ وَالنَّوْعُ. وَفِي الطَّيْرِ: المنَّوْعُ وَالصِّغَرُ وَكِبَرُ الْجُثَّةِ. وَفِي اللَّحْمِ: لَحْمُ بَقَرٍ، أَوْ ضَأْنٍ، أَوْ مَعْزٍ، ذَكَرٍ خَصِيٍّ رَضِيعٍ مَعْلُوفٍ أَوْ ضِدَّهَا، مِنْ فَخِذٍ أَوْ كَتِفٍ أَوْ جَنْبِ، وَيُقْبَلُ عَظْمُهُ عَلَى الْعَادَةِ. وَفِي الثِّيَابِ: الْجِنْسُ،
===
(وفي الإبل والخيل والبغال والحمير: الذكورة والأنوثة، والسنُّ واللون والنوع) لاختلاف الغرض بذلك، ولو اختلف صنف النوع .. فعلى ما سبق في الرقيق.
(وفي الطير: النوع، والصِّغَرُ، وكبر الجثة) واللون؛ كما ذكره الغزالي في "الوسيط" (١)، والمصنف في "التنقيح"، ومسودة "شرح المهذب"، وأهمله الرافعي، والمصنف في باقي كتبه، وأما السنُّ .. فلا يكاد يعرف؛ فإن عرف .. وُصِف به؛ كما في "الشرح" و"الروضة" (٢).
(وفي اللحم: لحم بقر، أو ضأن، أو معز، ذكرٍ خصيٍّ رضيع معلوف، أو ضدها) أي: ضدِّ ما ذكر، فضد الذكر: الأنثى، والخصي: الفحل، والرضيع: الفطيم، أو الجذع، أو الثني، وضد المعلوفة: الراعية؛ لاختلاف الغرض بذلك، فلحم الراعية أطيب، والمعلوفة أدسم، ولو كان في بلد لا يختلف الراعي فيها والمعلوف .. لم يلزم ذكره، قاله الماوردي، وأشار إليه الرافعي (٣)، ولا بدَّ في البقر من بيان نوعه؛ كجواميس أو عِرَاب.
(من فخذ أو كتف أو جنب) أو غيرها؛ لاختلاف الغرض، فكلما قرب من المرعى والماء .. فهو أطيب، فلحم الرقبة أطيب؛ لقربه، ولحم الفخذ أدون؛ لبعده.
(ويقبل عظمه على العادة) عند الإطلاق؛ لأنه كالنوى من التمر، فإن شرط نزعه .. جاز، ولم يجب قبوله.
(وفي الثياب: الجنس) كقطن أو كتان، والنوع؛ ككتان ربيعي أو صيفي،
стр. 836
وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ، وَالْغِلَظُ وَالدِّقَّةُ، وَالصَّفَاقَةُ وَالرِّقَّةِ، وَالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونةِ، وَمُطْلَقُهُ يُحْمَلُ عَلَى الْخَامِ. وَيَجُوزُ فِي الْمَقْصُورِ، وَمَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ النَّسْجِ؛ كَالْبُرُودِ، وَالأَقْيَسُ: صِحَّته فِي الْمَصْبُوغِ بَعْدَهُ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: مَنْعُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي التَّمْرِ: لَوْنُهُ وَنَوْعُهُ وَبَلَدُهُ، وَصِغَرُ الْحَبَّاتِ وَكِبَرُهَا، وَعِتْقُهُ وَحَدَاثتهُ. وَالْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الْحُبُوبِ كَالتَّمْرِ
===
وكذلك البلد الذي ينسج فيه إن اختلف به الغرض.
(والطول والعرض، والغلظ والدقة، والصَّفاقة والرقة، والنعومة والخشونة) لاختلاف الغرض في ذلك.
والغلظ والدقة بالدال يرجعان إلى كيفية الغزل، والصفاقة والرقة بالراء يرجعان إلى كيفية النسج، فإن الصفاقة: انضمام بعض الخيوط إلى بعض، والرقة: ضدها.
والواو في (الغلظ والدقة والصفاقة والرقة) بمعنى أو؛ يعني: إما هذا أو هذا.
(ومطلقه يحمل على الخام) لأن القصر صفة زائدة.
(ويجوز في المقصور، و) في (ما صبغ غزله قبل النسج؛ كالبرود) إذا بيَّن الصبغَ ولونه، وكونه في الشتاء أو الصيف؛ كما قاله الماوردي (١).
(والأقيس: صحته في المصبوغ بعده) أي: النسج؛ كما في الغزل المصبوغ.
(قلت: الأصحُّ: منعه، وبه قطع الجمهور، والله أعلم) لأن الصبغ عين برأسه، وهو مجهول، ويمنع أيضًا من معرفة صفات الثوب؛ لسدِّه الفُرَجَ، بخلاف ما قبل النسج، وهذا ما نصَّ عليه في "البويطي"، وقال الرافعي في "شرحيه": إنه المشهور، لكن قال: إن الأقيس: الجواز (٢).
(وفي التمر: لونه) كأبيض وأحمر (ونوعه) كمَعْقِليٍّ، أو بَرْني (وبلده) كبغدادي أو بصري (وصغر الحبَّات وكبرها) فإن الصغير أقوى من الكبير وأشدّ (وعتقه وحداثته) وتوسطه بينهما؛ لاختلاف الغرض به.
(والحنطةُ وسائر الحبوب كالتمر) في الشروط السابقة.
стр. 837
وَفِي الْعَسَلِ: جَبَلِيٌّ أَوْ بَلَدِيٌّ، صَيْفِيٌّ أَوْ خَرِيفِيٌّ، أَبْيَضُ أَوْ أَصْفَرُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِتْقُ وَالْحَدَاثَةُ. وَلَا يَصِحُّ فِي الْمَطْبُوخِ وَالْمَشْوِيِّ، وَلَا يَضُرُّ تأْثِيرُ الشَّمْسِ. وَالأَظْهَرُ: مَنْعُهُ فِي رُؤُوسِ الْحَيَوَانِ. وَلَا يَصِحُّ فِي مُخْتَلِفٍ؛ كَبُرْمَةٍ مَعْمُولَةٍ وَجِلْدٍ وَكُوزٍ وطَسٍّ وَقُمْقُمٍ وَمَنَارَةٍ وَطِنْجِيرٍ وَنَحْوِهَا
===
(وفي العسل: جبلي أو بلدي) لأن الجبلي أطيب (صيفي أو خريفي) لأن الخريفي أجود (أبيض أو أصفر) لتفاوت الغرض بذلك، ونقل السبكي عن الماوردي أنه لا بدَّ أن يبين مرعاه وقوته ورقته (١).
(ولا يشترط العتق والحداثة) لأن العسل لا يتغير أبدًا بل كلُّ شيء يُحفظ به، قال الرافعي: لكن نصَّ في "الأم" على اشتراطه، وجرى عليه الماوردي (٢).
(ولا يصحُّ في المطبوخ والمشوي) لتأثير النار فيهما تأثيرًا لا ينضبط.
نعم؛ يستثنى من (المشوي): الجصُّ والزجاج، والأواني من الفَخَّار والآجرِّ؛ فإن المذهب فيها: الجواز، وكذلك الفحم؛ كما قاله الأَذْرَعي، وقال السبكي: لم أجد فيه نقلًا، ولا بأس بالإفتاء بالجواز، وبسط ذلك.
واستثنى المصنف في "تصحيح التنبيه": ما ناره لطيفة؛ كالسكر والفانيد والدِّبْس واللبأ (٣)، وفيه بحث.
(ولا يضر تأثير الشمس) في تصفية العسل وغيره؛ لعدم اختلافه.
(والأظهر: منعه في رؤوس الحيوان) لأن معظمها العظم، وهو غير مقصود، والثاني: الجواز؛ كاللحم.
ومحل الخلاف: ما إذا كانت مُنقَّاةً من الشعر موزونةً نِيَّةً، وإلا .. فلا يجوز قطعًا.
(ولا يصحُّ في مختلفٍ؛ كبُرْمة) وهو القدر (معمولة، وجلد وكُوز وطسٍّ وقُمْقُم ومنارة وطِنْجير) وهو الدَّسْتُ (ونحوها) كالأباريق والحِباب؛ لندرة اجتماع الوزن
стр. 838
وَيَصِحُّ فِي الأَسْطَالِ الْمُرَبَّعَةِ وَفِيمَا صُبَّ مِنْهَا فِي قَالَبٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الأَصَحِّ، وَيُحْمَلُ مُطْلَقُهُ عَلَى الْجَيِّدِ. وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَاقِدَيْنِ المصِّفَاتِ، وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي الأَصَحِّ.
فصلٌ [في بيان أخذ غير المسلم فيه عنه ووقت أدائه ومكانه]
لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتبدَلَ عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ غَيْرُ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ،
===
فيها مع الصفات المشروطة، ولتعذر ضبطها؛ إما لاختلاف الأجزاء في الدقة والغلظ كالجلد، أو لمخالفة أعلاها أو وسطها لأسفلها؛ كالأمثلة المذكورة.
وما أطلقه من المنع في الجلد، قال الأَذْرَعي: إنه المشهور، لكن في "الرافعي": يجوز السلم في القِطَع منه وزنًا، وأسقط المسألة من "الروضة" (١).
(ويصحّ في الأسطال المربعة) لعدم اختلافها، بخلاف الضيقة الرؤوس، (وفيما صُبَّ منها) أي: من هذه الأشياء المذكورة (في قالب) لانضباطه.
(ولا يشترط ذكر الجودة والرداءة) في كلِّ ما يسلم فيه (في الأصحِّ، ويحمل مطلقه على الجيد) للعرف، والثاني: يشترط؛ لاختلاف الغرض بهما، وهو اختيار العراقيين، قال في "زيادة الروضة": (ونصَّ عليه في مواضع من "الأم" نصًّا صريحًا) (٢).
(ويشترط معرفة العاقدين الصفات) فلو جهلاها أو أحدهما .. لم يصحَّ؛ كالبيع.
(وكذا غيرهما في الأصحِّ) ليرجع إليه عند تنازعهما، وهو المنصوص، والثاني: لا يشترط، والنصّ محمول على الاحتياط، وعلى الأول: يكفي معرفة عدلين على الأصح، وقيل: تعتبر الاستفاضة.
* * *
(فصل: لا يصح أن يستبدل عن المُسلم فيه غيرُ جنسه ونوعه) لأنه بيع للمبيع قبل
стр. 839
وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي نَوْعِهِ وَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ أَرْدَأُ مِنَ الْمَشْرُوطِ وَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ أَجْوَدُ وَيَجِبُ قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَامْتَنَعَ الْمُسْلِمُ مِنْ قَبُولهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ وَقْتَ غَارَةٍ .. لَمْ يُجْبَرْ، وَإِلَّا .. فَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ صَحِيحٌ كَفَكِّ رَهْنٍ .. أُجْبِرَ،
===
قبضه، وهو ممتنع، (وقيل: يجوز في نوعه ولا يجب) يعني: إذا أحضر المُسلَم فيه بصفته .. وجب قبوله، أو بنوع غيره؛ كالمَعْقِلي عن البَرْني، أو الزبيب الأبيض عن الأسود .. لم يجب قبوله؛ لاختلاف الغرض، وقيل: يجب، وعلى الأول؛ قيل: يجوز؛ لأن الجنس يجمعهما، فكان كما لو اتحد النوع واختلفت الصفة، والأصح: المنع؛ لِشَبَه الاعتياض.
(ويجوز أردأ من المشروط) لأنه جنس حقِّه، والفائت صفة، ويجوز المسامحة بالصفة، كما يجوز دفع الأجود، (ولا يجب) لأنه دون حقِّه (ويجوز أجود) قطعًا.
(ويجب قبوله في الأصحِّ) لأن بَذْله له يشعر بأنه لا يجد سبيلًا إلى براءة ذمته بغير ذلك، وذلك يُهوِّن أمر المنة، فامتناعه عنه عبث فيجبر على قبوله، والثاني: لا يجب؛ للمنة.
(ولو أحضره قبل مَحِلِّه) بكسر الحاء (فامتنع المسلم من قبوله لغرض صحيح؛ بأن كان حيوانًا، أو وقت غارة .. لم يجبر) لمؤنة العلف في الحيوان، وخوف النهب في الإغارة، ولا بدَّ في الحيوان من كون المدة الباقية من الأجل يحتاج فيها ذلك الحيوان إلى مؤنة لها وَقْع؛ فلو قصرت المدة .. لم يكن له الامتناع، وقد قيد في "المحرر" بذلك (١).
وقوله: (غارة) الأفصح: إغارة؛ كما استعمله المصنف في (الهدنة) (٢).
(وإلا) أي: وإن لم يكن له غرض صحيح في الامتناع، (فإن كان للمؤدي غرضٌ صحيح؛ كفكِّ رهن) أو براءة ضامن ( .. أجبر) لأن امتناعه تعنتٌ.
стр. 840
وَكَذَا لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الْبَرَاءَةِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُ الْمُسْلَمَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْمَحِلِّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَسْلِيمِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ الأَدَاءُ إِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، وَلَا يُطَالِبُهُ بقِيمَتِهِ لِلْحَيلُولَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولهِ هُنَاكَ .. لَمْ يُجْبَرْ إِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، أَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ مَخُوفًا، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: إِجْبَارُهُ.
فصلٌ [في القرض]
الإِقْرَاضُ مَنْدُوبٌ،
===
(وكذا لمجرد غرض البراءة في الأظهر) لما ذكرناه من التعنت، والثاني: لا يجبر؛ للمنة.
(ولو وجد المُسلِمُ المُسلَمَ إليه بعد المحلِّ) بكسر الحاء (في غير محلِّ التسليم) بفتح الحاء، وهو مكانَه ( .. لم يلزمه الأداء إن كان لنقله مؤنة) لعدم التزامه لها، بخلاف ما لا مؤنة لنقله؛ كالنقد.
(ولا يطالبه بقيمته للحيلولة على الصحيح) لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه، والثاني: نعم؛ لأن الأخذ للحيلولة ليس بعوض حقيقي؛ لأنهما لو اجتمعا في مكان التسليم .. تعين ردُّ القيمة، وأخذ المسلم فيه، وعلى الأول: يجوز للمسلم الفسخ واسترداد رأس ماله؛ كما لو انقطع المسلم فيه.
(وإن امتنع من قبوله هناك) أي: في غير محل التسليم ( .. لم يجبر إن كان لنقله مؤثة، أو كان الموضع مخوفًا) لما فيه من الضرر، فإن رضي بأخذه .. لم يجب لى مؤنة النقل، (وإلا .. فالأصحُّ: إجباره) الخلاف مبني على القولين في التعجيل قبل المَحِلِّ، وقد مرَّ تعليلهما.
* * *
(فصل: الإقراض مندوب) إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، ولحديث: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا .. نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ" رواه مسلم (١).
стр. 841
وَصِيغَته: (أَقْرَضْتكَ)، أَوْ (أَسْلَفْتكَ)، أَوْ (خُذْهُ بِمِثْلِهِ)، أَوْ (مَلَّكْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ). وَيُشْتَرَطُ: قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ، وَفِي الْمُقْرِضِ: أَهْلِيَّةُ التَبرُّعِ. وَيَجُوزُ إِقْرَاضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ
===
(وصيغته: "أقرضتك"، أو "أسلفتك"، أو "خذه بمثله"، أو "ملَّكْتُكَهُ على أن تردَّ بدله") لأن كلًّا منها يدلُّ على المقصود، فإن اقتصر على قوله: (ملَّكتُكه) .. كان هبةً.
(ويشترط: قبوله في الأصحِّ) كسائر التمليكات، والثاني: لا؛ لأن القرض إباحةُ إتلاف على سبيل الضمان، وليس سبيله سبيلَ المعاوضات؛ بدليل الرجوع فيه ما دام باقيًا، وعدم اشتراط قبضه إذا كان رِبَويًّا.
(و) يشترط (في المقرِض: أهلية التبرع) لأنه تبرع أو مشوب به، ولهذا امتنع تأجيله؛ لأن المتبرع ينبغي تخييره، فلا يجوز إقراض مال المحجور عليه من غير ضرورة على الأصح.
نعم؛ يُستثنى القاضي؛ فإنه يجوز له إقراض مال المحجور عليه من غير ضرورة على الأصح في "الشرح"، و"الروضة" في (باب الحجر) لكثرة أشغاله (١).
ويجوز له أيضًا: إقراض مال المفلس إذا رضي الغرماء بتأخير القسمة إلى أن يجتمع المال كلُّه، نصَّ عليه.
وأورد: المحجور عليه بسفه، فإن وصيته وتدبيره .. تبرع نافذ منه على المذهب، وكذا تبرعه بمنفعة بدنه الخفيفة، ولا يصحُّ إقراضه.
فلو قال: (التبرع بالمال حالا) .. لخرج ذلك.
(ويجوز إقراض ما يسلم فيه) لأنه يصحُّ ثبوته في الذمة سواء العين والمنفعة؛ كما صرح به في "التتمة".
وما وقع في "زوائد الروضة" نقلًا عن "فتاوى القاضي" من أنه لا يجوز إقراض المنافع؛ لأنه لا يجوز السلم فيها وأقره .. معترضٌ، كما بيَّنه في "المهمات" (٢).
стр. 842
إِلَّا الْجَارِيَةَ الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ فِي الأَظْهَرِ، وَمَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ لَا يَجُوزُ إِقْرَاضُهُ فِي الأَصَحِّ
===
(إلا الجاريةَ التي تحلُّ للمقترض في الأظهر) لأنه قد يطؤها ويردها، فتصير في معنى إعارة الجواري للوطء، وهو ممتنع، كما نقله مالك عن إجماع أهل المدينة (١)، والثاني: يجوز؛ كالعبد.
واحترز بقوله: (تحل) عن المَحْرم، فإنه يجوز إقراضها، ويجوز للمرأة اقتراضها مطلقًا، والخنثى كالمرأة في استقراضه الجاريةَ، قاله في "شرح مسلم" (٢)، قال السبكي: وفيه نظر.
وما لا يسلم فيه لا يجوز إقراضه في الأصحِّ) الخلاف مبني على أن الواجب في المتقومات المثلُ الصوري أو القيمة؛ إن قلنا بالأول .. لم يجز؛ لتعذر ضبطه حتى يرد مثله، وإن قلنا بالثاني .. جاز.
ويستثنى: الخبز؛ فإن المختار في "الشرح الصغير": الجواز؛ للحاجة وإطباق الناس عليه، وكلام "زيادة الروضة" يقتضي ترجيحه (٣)، فيرد مثله وزنًا؛ كما نقلاه عن "البيان"، وأقراه (٤).
وفي "الكافي" يجوز إقراضه وزنًا وعددًا، قيل: ولعله أراد الجمع بين العدد والوزن؛ محافظة على المثل الصوري.
ويستثنى أيضًا: جزء الدار فلا يصحُّ السلم فيه قطعًا، ويصحُّ إقراضه؛ كما نقلاه في (الشفعة) عن "التتمة" وأقراه، لكن جزم الماوردي بمنع قرض العقار، وحمل على قرض جميعه (٥)، وقول المتولي: على الجزء فقط، ففيه نظر.
وقوله: (وما لا يسلم فيه)؛ أي: في نوعه، وإلا .. وردت الأعيان؛ فإنه لا يُسلَم فيها، ومع ذلك يجوز إقراضها.
стр. 843
وَيَرُدُّ الْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيِّ، وَفِي الْمُتَقَوِّمِ الْمِثْلَ صورَةً، وَقِيلَ: الْقِيمَةَ. وَلَوْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الإِقْرَاضِ وَلِلنَّقْلِ مُؤْنةٌ .. طَالَبَهُ بِقِيمَةِ بَلَدِ الإِقْرَاضِ. وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ رَدِّ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ أَوْ زِيَادَةٍ، فَلَوْ رَدَّ هكَذَا بلَا شَرْطٍ .. فَحَسَنٌ، وَلَوْ شَرَطَ مُكَسَّرًا عَنْ صَحِيحٍ أَوْ أَنْ يُقْرِضَهُ غَيْرَهُ .. لَغَا الشَّرْطُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ
===
(ويرد المثلَ في المثلي) لأنه أقرب إلى حقِّه، (وفي المتقوم المثلَ صورة) لأنه ﷺ اقترض بَكْرًا وردَّ رَباعيًّا، وقال: "إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً" رواه مسلم (١)، ولأنه لو وجبت القيمة .. لافتُقر إلى العلم بها، (وقيل: القيمة) كما لو أتلف مُتقوّمًا، والمعتبر: قيمة يوم القبض إن قلنا: يملك بالقبض، فإن قلنا: بالتصرف .. فيعتبر الأكثر من يوم القبض إلى التصرف.
(ولو ظفر به في غير محلِّ الإقراض وللنقل مؤنة .. طالبه بقيمة بلد الإقراض) يوم المطالبة لا بالمثل؛ لما فيه من الكلفة.
(ولا يجوز بشرط ردِّ صحيح عن مكسَّر أو زيادةٍ) على القدر المقبوض، ويفسد به العقد؛ لحديث: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً .. فَهُوَ رِبًا"، لكنه ضعيف، وقد روى البيهقي معناه عن جمع من الصحابة (٢).
(فلو ردَّ هكذا بلا شرط .. فحسن) للحديث السالف.
نعم؛ لو كان للمستقرض عادةٌ بردِّ زيادةٍ .. ففي كراهيته وجهان في "زيادة الروضة" (٣).
(ولو شرط مكسَّرًا عن صحيح أو أن يُقرضه غيرَه .. لغا الشرط) لأنه وعدُ تبرعٍ.
(والأصحُّ: أنه لا يفسد) به (العقد) لأن المنهي عنه جرُّ المقرض النفعَ إلى نفسه، وهنا النفع للمستقرض؛ لأنه زاد في المسامحة، ووعد وعدًا حسنًا، والثاني: يفسد؛ لمنافاته مقتضى العقد، وهو المصحح في نظيره من الرهن.
стр. 844
وَلَوْ شَرَطَ أَجَلًا .. فَهُوَ كَشَرْطِ مُكَسَّرٍ عَنْ صحِيحٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ غَرَضٌ، وإِنْ كَانَ كَزَمَنِ نَهْبٍ .. فَكَشَرْطِ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ فِي الأصَحِّ. وَلَهُ شَرْطُ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ. وُيمْلَكُ الْقَرْضُ بِالْقَبْضِ، وَفِي قَوْلٍ: بِالتَّصَرُّفِ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي عَيْنهِ مَا دَامَ بَاقِيًا بِحَالِهِ فِي الأَصَحِّ.
===
والفرق على الأصح: أن وضع القرض على جرِّ المنفعة إلى المستقرض؛ فلا يفسد القرض باشتراطه.
(ولو شرط أجلًا .. فهو كشرط مكسَّر عن صحيح إن لم يكن للمقرض غرض) لأنه رفقٌ فيصحُّ العقد، ولا يلزم الأجل؛ لأنه عقد يمتنع فيه التفاضلُ، فامتنع فيه الأجل؛ كالصرف.
(وإن كان) له غرضٌ (كزمن نهب) والمستقرضُ مليءٌ؛ كما قيداه في "الشرح"، و"الروضة" (١) ( .. فكشرط صحيح عن مكسر في الأصحِّ) لما فيه من جرِّ المنفعة، والثاني: أنه كالتأجيل لغير غرض، فيلغو الشرط ويصحُّ العقد.
(وله شرط رهن وكفيل) وإشهاد، أو إقراره به عند الحاكم؛ لأنه توثقةٌ للعقد ولا زيادة فيه.
(ويُملك القرض بالقبض) كالهبة، ولأنه لو لم يملك به .. لامتنع عليه التصرف فيه، (وفي قول: بالتصرف) لأنه ليس تبرعًا محضًا؛ إذ يجب فيه البدل، ولا معاوضة محضة؛ إذ له الرجوع فيه ما دام باقيًا، كما سيأتي، فوجب أن يملك بعد استقرار بدله للمقرض، وإذا قلنا بهذا .. فمعناه: أنه إذا تصرف .. تبين صول الملك قبله.
والمراد بـ (التصرف): تصرف يزيل الملك على الأصح.
(وله الرجوع في عينه ما دام باقيًا) في ملك المقترض (بحاله في الأصحِّ) لأن له تغريمَ بدله عند فواته، فالمطالبة بعينه أولى، والثاني: لا، بل للمقترض أن يؤدي حقَّه من موضع آخر، صيانةً لملكه؛ كسائر الديون.
стр. 845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومحل الخلاف: إذا قلنا: يملك بالقبض، فإن قلنا: بالتصرف .. رجع فيه جزمًا.
واحترز بقوله: (بحاله): عما إذا تعلق به حقٌّ لازم؛ كما لو رهنه أو كاتبه أو جنى، فتعلق الأرش برقبته .. فإنه لا رجوع، ولو زاد زيادة منفصلة .. أخذه بدونها، أو متصلة؛ كالسمن .. أخذه معها، وإن نقص .. قال الماوردي: فإن شاء .. أخذه مع الأرش، وإن شاء .. أخذ مثله سليمًا (١).
* * *