← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

(زَعِيمٌ)، أَوْ (حَمِيلٌ). وَلَوْ قَالَ: (أُؤَدِّي الْمَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ) .. فَهُوَ وَعْدٌ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُمَا بِشَرْطٍ، وَلَا تَوْقِيتُ الْكَفَالَةِ، وَلَوْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ تَأْخِيرَ الإِحْضَارِ شَهْرًا .. جَازَ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا، === "زعيم"، أو "حميل") لثبوت بعضها بالنصِّ، والباقي بالقياس مع اشتهارها، ومن ألفاظه: (التزمت)، (وأنا به قبيل)، وكذا (عليّ ما على فلان) كما ذكره الرافعي في (الإقرار) (١). ولو قال: (خلِّ عن فلان والدين الذي عليه عندي) .. فليس بصريح، وكذا دين فلان إلي على الأقوى في "زيادة الروضة" (٢). (ولو قال: "أؤدي المال، أو أحضر الشخص" .. فهو وعد) وليس التزامًا؛ لأن الصيغة لا تشعر بالالتزام. نعم؛ إن احتفت به قرينة تصرفه إلى الإنشاء .. قال في "المطلب": فينبغي أن يصحَّ، ولكني لم أره. (والأصحُّ: أنه لا يجوز تعليقهما) يعني: الضمان والكفالة (بشرط) كالبيع، والثاني: يجوز؛ لأن القبول لا يشترط فيهما، فجاز تعليقهما؛ كالطلاق والعتاق. (ولا توقيت الكفالة) كضمان المال، وصورته: أنا كفيل به إلى شهر، وبعده أنا بريء، والثاني: يجوز؛ لأنه قد يكون له غرض في تسليمه في هذه المدة، بخلاف المال؛ فإن المقصود منه الأداء. (ولو نجزها وشرط تأخير الإحضار شهرًا) كقوله: (ضمنت إحضاره بعد شهر) ( .. جاز) لأنه التزام لعمل في الذمة، فجاز مؤجلًا؛ كالعمل في الإجارة. واحترز بذكر الشهر: عما إذا ذكر زمنًا مجهولًا؛ فإن الأصحَّ: البطلان. (وأنه يصحُّ ضمان الحالِّ مؤجلًا أجلًا معلومًا) لأن الضمان تبرع وتدعو الحاجة إليه، فصححناه على حسب ما التزمه، والثاني: لا يصحُّ؛ للاختلاف.

стр. 947

وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ. وَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالأَصِيلِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَصِيلِ. وَلَوْ أَبْرَأَ الأَصِيلَ .. بَرِئَ الضَّامِنُ، وَلَا عَكْسَ. === وقوله: (الحالّ) أحسن من قول "المحرر": (ضمان المال الحال) (١)؛ لشموله من تكفّل كفالة مؤجلة ببدن من تكفل بغيره كفالة حالة. (وأنه يصحُّ ضمان المؤجل حالًّا)؛ لأنه تبرع بالتزام التعجيل فصحَّ؛ كأصل الضمان، والثاني: لا؛ للمخالفة. (وأنه لا يلزمه التعجيل) كما لو التزم الأصيل التعجيل، والثاني: يلزمه؛ كأصل الضمان. فعلى الأول: هل يثبت الأجل في حقه مقصودًا أو تبعًا؟ وجهان تظهر فائدتهما فيما لو مات الأصيل؛ فإن جعلناه في حقِّه تابعًا .. حلَّ عليه، وإلا .. فلا، كما لو مات المضمون على الصحيح. (وللمستحق مطالبة الضامن) لحديث: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" (٢)، (والأصيل) لأن الضمان معناه: ضمّ ذمة إلى ذمة، والغرض به: التوثق. (والأصحُّ: أنه لا يصحُّ) الضمان (بشرط براءة الأصيل) لمنافاته مقتضاه، والثاني: يصحُّ الضمان والشرط؛ لقوله ﷺ في حديث ضمان أبي قتادة: "هُمَا عَلَيْكَ، وَفِي مَالِكَ، وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ"، فقال: نعم، صحح الحاكم إسناده (٣). وقيل: يصحُّ الضمان دون الشرط. (ولو أبرأ الأصيلَ .. برئ الضامن) لسقوط الحقِّ (ولا عكس) لأنه إسقاط وثيقة، فلا يسقط بها الدين؛ كفك الرهن. وفي معنى الإبراء: أداء الدين، والاعتياض عنه، والحوالة به وعليه.

стр. 948

وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا .. حَلَّ عَلَيْهِ دُونَ الآخَرِ. وَإِذَا طَالَبَ الْمُسْتَحِقُّ الضَّامِنَ .. فَلَهُ مُطَالَبَةُ الأَصِيلِ بِتَخْلِيصِهِ بِالأَدَاءِ إِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُطَالَبَ. وَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الأَصِيلِ إِنْ وُجِدَ إِذْنُهُ فِي الضَّمَانِ وَالأَدَاءِ، وَإِنِ انْتَفَى فِيهِمَا .. فَلَا، === قال في "العجالة": (فلو عبر بقوله: "برئ" .. كان أشمل). انتهى (١)، وفيه نظر؛ فإنه تقييد قوله: (ولا عكس)، فإنه لو برئ الكفيل بالأداء .. برئ الأصيل، فالتعبير بالإبراء في الثانية .. متعين. (ولو مات أحدهما .. حلّ عليه) لوجود سبب الحلول (دون الآخر) لأنه حي يرتفق بالأجل. (وإذا طالب المستحِقُّ الضامن .. فله مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء إن ضمن بإذنه) كما أنه يغرمه إذا غرم، ومعنى التخليص: أنه يؤدي دين المضمون له؛ ليبرأ الضامن. (والأصحُّ: أنه لا يطالبه قبل أن يطالَب) لأنه لم يغرم شيئًا، ولا طولب بشيء، والثاني: نعم؛ كما لو استعار عينًا للرهن ورهنها .. فإن للمالك مطالبتَه بفكها. وفرق الأول: بأن الرهن محبوس بالدين، وفيه ضرر ظاهر، والضامن ليس محبوسًا به. ومحل الخلاف: إذا كان الدين حالًّا، فأما إذا كان مؤجلًا .. فليس له مطالبته قطعًا، نبه عليه صاحب "المعين"، وهو ظاهر. (وللضامن الرجوع على الأصيل إن وُجِد إذنُه في الضمان والأداء) لأنه صرف ماله إلى منفعة الغير بإذنه، فأشبه ما لو قال: (اعلف دابتي) فعلفها، هذا إذا أدى من ماله، أما لو أخذ من سهم الغارمين وأدى به الدين .. لم يرجع، خلافًا للمتولي؛ كما ذكراه في (قسم الصدقات) (٢). (وإن انتفى فيهما) أي: في الضمان والأداء ( .. فلا) لأنه متبرع.

стр. 949

وَإِنْ أَذِنَ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ .. رَجَعَ فِي الأَصَحِّ، وَلَا عَكْسَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَدَّى مُكَسَّرًا عَنْ صِحَاحٍ أَوْ صَالِحَ عَنْ مِئَةٍ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَا غَرِمَ. وَمَنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِلَا ضَمَانٍ وَلَا إِذْنٍ .. فَلَا رُجُوعَ، === (وإن أذن في الضمان فقط) بأن سكت عن الأداء ( .. رجع في الأصحِّ) لأن الضمان يوجب الأداءَ، فكان الإذن فيه إذنًا لما يترتب عليه، والثاني: لا؛ لانتفاء الإذن في الأداء. وعلى الأول: يستثنى ما إذا كان الضمان بالإذن قد ثبت بالبينة وهو مُنكِر؛ كما لو ادعى على زيد وغائب ألفًا، وإن كلًّا منهما ضمن ما على الآخر، فأنكر زيد، فأقام المدعي بذلك بينة وأخذ من زيد .. فالأصح: أن زيدًا لا يرجع على الغائب بالنصف إذا كان مكذبًا للبينة؛ لأنه مظلوم بزعمه؛ فلا يطالب غير ظالمه. (ولا عكس في الأصحِّ) أي: وهو ما إذا ضمن بغير الإذن، وأدى بالإذن؛ لأن وجوب الأداء سببُه الضمان، ولم يأذن فيه، والثاني: يرجع؛ لأنه أسقط الدين عن الأصيل بإذنه. ولو أذن في الأداء بشرط الرجوع .. ففيه احتمالان للإمام، صحح في "زيادة الروضة" منهما الرجوع (١). (ولو أدى مكسَّرًا عن صحاح، أو صالح عن مئةٍ بثوب قيمتُه خمسون .. فالأصحُّ: أنه لا يرجع إلا بما غرم) لأنه الذي بذله، والثاني: يرجع بالصحاح والمئة؛ لحصول براءة الذمة به، والنقصان جرى من ربِّ المال مسامحة. نعم؛ لو باعه الثوب بمئة وتقاضا .. رجع بالمئة بلا خلاف. ولو باعه الثوب بما ضمنه له عن فلان .. فالمختار في "زيادة الروضة": أنه يصحُّ البيع، ويرجع بما ضمنه لا بالأقل (٢). (ومن أدى دين غيره بلا ضمان ولا إذن .. فلا رجوع)؛ لتبرعه، وبرئ المدين.

стр. 950

وَإِنْ أَذِنَ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ .. رَجَعَ، وَكَذَا إِنْ أَذِنَ مُطْلَقًا فِي الأَصَحِّ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ مُصَالَحَتَهُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. ثُمَّ إِنَّمَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ وَالْمُؤَدِّي إِذَا أَشْهَدَ بِالأَدَاءِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَكَذَا رَجُلٌ لِيَحْلِفَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يُشهِدْ .. فَلَا رُجُوعَ إِنْ أَدَّى فِي غَيْبَةِ الأَصِيلِ وَكَذَّبَهُ، وَكَذَا إِنْ صَدَّقَهُ فِي الأَصَحِّ، === (وإن أذن بشرط الرجوع .. رجع) لقوله ﷺ : "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" (١). (وكذا إن أذن مطلقًا في الأصحِّ) للعرف، والثاني: لا يرجع؛ لأنه لم يوجد منه سوى الإذن في الأداء، وليس من ضرورة الأداء الرجوع، وعلى الأصحِّ: الفرق بين هذا وبين ما لو قال.: (اغسل ثوبي) ونحو ذلك من غير اشتراط شيء - فإن الأصحَّ: أنه لا يستحق أجرة -: أن المسامحة في المنافع أكثر منها في الأعيان. (والأصحُّ: أن مصالحته على غير جنس الدين لا تمنع الرجوع) لأن الإذن إنما يقصد البراءة، وقد حصلت، والثاني: يمنع؛ لأنه إنما أذن في الأداء دون المصالحة. (ثم إنما يرجع الضامن والمؤدي إذا أشهد بالأداء رجلين (٢)، أو رجلًا وامرأتين)؛ لثبوت الحق بذلك. (وكذا رجلٌ ليحلف معه في الأصحِّ) لأنه كاف في إثبات الأداء، والثاني: لا؛ لأنهما قد يترافعان إلى قاض لا يرى القضاء بشاهد ويمين، فكان ذلك ضربًا من التقصير. (فإن لم يُشهد) وأنكر رب المال ( .. فلا رجوع إن أدى في غيبة الأصيل وكذَّبه) الأصيل؛ لأن الأصل عدمُ الأداء، وهو مقصر بترك الإشهاد. (وكذا إن صدقه في الأصحِّ) لأنه لم يؤدِّ ما ينتفع به الأصيلُ؛ لأن المطالبة باقية،

стр. 951

وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَضْمُونُ لَهُ أَوْ أَدَّى بِحَضْرَةِ الأَصِيلِ .. رَجَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ. === والثاني (١): يرجع؛ لاعترافه أنه أبرأ ذمته بإذنه. (وإن صدقه المضمون له) (٢)، وكذبه المضمون عنه (أو أدى بحضرة الأصيل .. رجع على المذهب) أما في الأولى .. فلسقوط الطلب بإقرار المستحق، وإقرارُه أقوى من البينة، ووجه مقابله: أن قول ربِّ المال لا يكون حجةً على الأصيل، ويحتمل أن يكون أبرأه، وأما في الثانية .. فلأنه في الغيبة مستبد بالأمر، فعليه الاحتياط والتوثق، وإذا كان الأصيل حاضرًا .. فهو أولى بالاحتياط، والتقصيرُ بترك الإشهاد منسوبٌ إليه، ووجه مقابله: القياس على ما إذا أداه في غيبته. * * *

стр. 952

كتابُ الشّركة هِيَ أَنْوَاعٌ: شَرِكَةُ الأَبْدَانِ؛ كَشَرِكَةِ الْحَمَّالِينَ وَسَائِرِ الْمُحْتَرِفَةِ؛ لِيَكُونَ بَيْنَهُمَا كَسْبُهُمَا مُتَسَاوِيًا أَوْ مُتَفَاوِتًا مَعَ اتِّفَاقِ الصَّنْعَةِ أَوِ اخْتِلَافِهَا. وَشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ؛ لِيَكُونَ بَيْنَهُمَا كَسْبُهُمَا وَعَلَيْهِمَا مَا يَعْرِضُ مِنْ غُرْمٍ. وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِكَ الْوَجِيهَانِ لِيَبْتَاعَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُؤَجَّلٍ لَهُمَا، فَإِذَا بَاعَا .. كَانَ الْفَاضِلُ عَنِ الأَثْمَانِ بَيْنَهُمَا. وَهَذِهِ الأَنْوَاعُ بَاطِلَةٌ. === (كتاب الشركة) هي بكسر الشين وإسكان الراء، وقيل: بفتح الشين وكسر الراء. وهي في اللغة: الاختلاط، وفي الشرع: ثبوت الحقِّ في الشيء الواحد لشخصين فصاعدًا على جهة الشيوع. والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، وقوله ﷺ : "يَقُولُ الله تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ .. خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا" رواه أبو داوود والحاكم، وقال: صحيح الإسناد (١). (هي أنواع) أربعة (شركة الأبدان؛ كشركة الحمالين وسائر المحترفة؛ ليكون بينهما كسبهما متساويًا أو متفاوتًا مع اتفاق الصنعة أو اختلافها)، كنجار وخياط. (وشركة المفاوضة؛ ليكون بينهما كسبهما) سواء كان بالبدن، أو المال من غير خلط مال، (وعليهما ما يعرض من غرم) بغصب، أو إتلاف، أو بيع فاسد. (وشركة الوجوه؛ بأن يشترك الوجيهان؛ ليبتاع كلٌّ منهما بمؤجل لهما، فإذا باعا .. كان الفاضل عن الأثمان بينهما، وهذه الأنواع باطلة) أما الأول: فلأن كلَّ واحد منهما متميزٌ ببدنه ومنافعه، فيختصُّ بفوائده؛ كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة؛ ليكون الدَّرُّ والنَّسْل بينهما، وأما الثاني: فلاشتمالها على أنواع من الغرر،

стр. 953

وَشَرِكَةُ الْعِنَانِ صَحِيحَةٌ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا: لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، فَلَوِ اقْتَصَرَا عَلَى: (اشْتَرَكْنَا) .. لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ، وَفِيهِمَا: أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ === ولهذا قال الشافعي ﵁: لا أعرف في الدنيا شيئًا باطلًا إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، ولا أعلم القمار إلا هذا، أو أقلّ منه (١)، وأما الثالث: فلأنها شركة من غير مال، وما اشتراه كلُّ واحد منهما .. فهو ملكه، له ربحه وعليه غرمه. وسميت شركةُ المفاوضة بذلك من قولهم: (تفاوضا في الحديث) إذا شرعا فيه جميعًا. (وشركة العنان) بكسر العين (صحيحة) بالإجماع، مأخوذة من عنان الدابة، أو من عَنَّ الشيء: إذا ظهر؛ لأن جوازها ظاهر. (ويشترط فيها) من الناطق (لفظ يدلُّ على الإذن في التصرف) من واحد للآخر في نصيب نفسه؛ لأن المال المشترك لا يجوز لأحد الشريكين التصرف فيه إلا بإذن صاحبه، ولا يعرف الإذن إلا بصيغة تدلُّ عليه، وإشارة الأخرس المفهمة كاللفظ من الناطق على المذهب. (فلو اقتصرا على: "اشتركنا" .. لم يكف في الأصحِّ) لاحتمال كونه إخبارًا عن حصول الشركة في المال، ولا يلزم من حصول الشركة جوازُ التصرف، بدليل الموروث، والثاني: يكفي؛ لفهم المقصود عرفًا. (وفيهما) أي: ويشترط في الشريكين (أهلية التوكيل والتوكل) على ما سيأتي؛ لأن كلَّ واحد منهما وكيلٌ عن صاحبه في شيء وموكِّلُه في شيءآخر، هذا إذا أذن كلُّ واحد منهما للآخر في التصرف، فإن كان المتصرف أحدهما فقط .. اشترط فيه أهليةُ التوكل، وفي الآذن .. أهلية التوكيل، حتى يصحَّ أن يكون الثاني أعمى دون الأول، قاله في "المطلب". وقضية إطلاق المصنف: أنه يجوز للولي عقد الشركة على مال محجوره، قال في "المطلب": وهو قضية كلامهم، وقد يقال: بمنعها؛ لاستلزامها خلطَ ماله قبل العقد بلا مصلحة، بل قد يؤثر نقصًا.

стр. 954

وَتَصِحُّ فِي كُلِّ مِثْلِيٍّ دُونَ الْمُتَقَوِّمِ، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ. وَيُشْتَرَطُ خَلْطُ الْمَالَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزَانِ، وَلَا يَكْفِي الْخَلْطُ مَعَ اخْتِلَافِ جِنْسٍ، أَوْ صِفَةٍ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ، هَذَا إِذَا أَخْرَجَا مَالَيْنِ وَعَقَدَا، فَإِنْ مَلَكَا مُشْتَرَكًا بإِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِمَا وَأَذِنَ كُلٌّ لِلآخَرِ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ .. تَمَّتِ الشَّرِكَةُ. وَالْحِيلَةُ فِي الشَّرِكَةِ فِي الْعُرُوضِ: أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْضَ عَرْضِهِ بِبَعْضِ عَرْضِ الآخَرِ وَيَأْذَنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ === (وتصحُّ في كلِّ مثلي) أما النقدان .. فبالإجماع، وأما غير النقدين؛ كالقمح ونحوه .. فعلى الأظهر؛ لأنه إذا اختلط بجنسه .. ارتفع التمييز، فأشبه النقدين. (دون المتقوم) بكسر الواو؛ لأنه لا يمكن الخلط في المتقومات، وحينئذ قد يتلف مال أحدهما أو ينقص، فلا يمكن قسمة الآخر بينهما. وقضية كلامه تبعًا لـ "أصله": أنه لا تصحّ الشركة على النقد المغشوش؛ لأنه من المتقومات (١)، والأصح في "زيادة الروضة": صحتها إذا استمر رواجُها في البلد (٢). (وقيل: تختصُّ بالنقد المضروب) كالقراض (ويشترط خلط المالين) قبل العقد (بحيث لا يتميزان) لما ذكرناه في امتناع المتقوم. (ولا يكفي الخلط مع اختلاف جنس) كدراهم ودنانير، (أو صفة؛ كصحاح ومكسرة) لإمكان التمييز (هذا إذا أخرجا مالين وعقدا؛ فإن ملكا مشتركًا بإرث وشراء وغيرِهما وأذن كلٌّ للآخر في التجارة فيه .. تمت الشركة)؛ لأن المعنى المقصود بالخلط حاصلٌ. (والحيلة في الشركة في العروض: أن يبيع كلُّ واحد بعض عَرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف) بعد التقابض وغيره مما شرط في البيع، وحينئذ فيملكانه بالسوية إن بيع نصفٌ بنصف، فإن بيع ثلث بثلثين، أو ربع بثلاثة أرباع؛ لأجل تفاوتهما في القيمة .. ملكاه على هذه النسبة، وسواء تجانس العرضان أو اختلفا. وكان ينبغي أن يقول: (والحيلة في المتقومات) لأن الشركة في المثليات جائزةٌ

стр. 955

وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ. وَيَتَسَلَّطُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ بِلَا ضَرَرٍ؛ فَلَا يَبِيعُ نَسِيئَةً وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ وَلَا يُبْضِعُهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ. وَلِكُلٍّ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ، وَيَنْعَزِلَانِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِفَسْخِهِمَا، فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: (عَزَلْتُكَ)، أَوْ (لَا تَتَصَرَّفْ فِي نَصِيبِي) .. لَمْ يَنْعَزِل الْعَازِلُ. === بالخلط مع أنها من العروض؛ إذ العرض ما عدا النقد. وقوله: (كلُّ واحد) الأولى حذف لفظة (كلّ) فإنه لو باع أحدهما بعضَ عرضه ببعض عرض الآخر .. حصل الغرض. (ولا يشترط تساوي قدرِ المالين) بل تثبت الشركة مع التفاوت على نسبة المالين؛ لأنه لا محذور فيه؛ إذ الربح والخسران على قدر المالين؛ كما سيأتي. (والأصحُّ: أنه لا يشترط العلم بقدرهما) أي: المالين من جهة النسبة؛ بأن يعرفا أن المال بينهما مثالثة أو مناصفة (عند العقد) إذا أمكن معرفته من بعد، بمراجعة حساب أو وكيل، كذا قيده الرافعي (١)؛ لأن الحقَّ لا يعدوهما، وقد تراضيا، والثاني: يشترط، وإلا .. يؤدي إلى جهل كلٍّ منهما بما أَذن فيه، وبما أُذن له فيه. (ويتسلط كلٌّ منهما على التصرف بلا ضرر؛ فلا يبيع نسيئة، ولا بغير نقد البلد، ولا بغبن فاحش) ولا يشتري، (ولا يسافر به، ولا يُبضعه) بأن يعطيه لمن يتصرف فيه متبرعًا والربح للمالك (بغير إذن) لأن الشركة في الحقيقة توكيل وتوكُّل، وسيأتي في الوكالة أنه ليس للوكيل ذلك. وقوله: (بغير إذن) قيد في الكلِّ، فإن أذن في شيء منها .. جاز. (ولكلٍّ فسخه)؛ أي: فسخ عقد الشركة (متى شاء) كالوكالة. (وينعزلان عن التصرف بفسخهما) أي: بفسخ كلٍّ منهما؛ لزوال العقد. (فإن قال أحدهما: "عزلتك" أو "لا تتصرف في نصيبي" .. لم ينعزل العازل) بل المخاطب فقط؛ لأن المتكلم لم يمنعه أحد، بخلاف المخاطب.

стр. 956

وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَبِجُنُونِهِ وَبِإِغْمَائِهِ. وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، تَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ أَوْ تَفَاوَتَا، فَإِنْ شَرَطَا خِلَافَهُ .. فَسَدَ الْعَقْدُ، فَيَرْجِعُ كُلٌّ عَلَى الآخَرِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي مَالِهِ، وَتَنْفُذُ التَّصَرُّفَاتُ، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ. وَيَدُ الشَّرِيكِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالْخُسْرَانِ وَالتَّلَفِ، فَإِنِ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ .. طُولِبَ بِبيِّنَةٍ بالسَّبَبِ، ثُمَّ يُصَدَّقُ فِي التَّلَفِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ: (هُوَ لِي)، وَقَالَ الآخَرُ: (مُشْتَرَكٌ)، أَوْ بِالْعَكْسِ .. صُدِّقَ صَاحِبُ الْيَدِ، === (وتنفسخ بموت أحدهما، وبجنونه، وبإغمائه) كالوكالة، قال في "الكفاية": وكذا بطروء حجر السفه (١). (والربح والخسران على قدر المالين، تساويا في العمل أو تفاوتا) سواء شرطاه أم لا؛ عملًا بقضية الشركة. (فإن شرطا خلافه .. فسد العقد) لأنه مخالف لموضوع الشركة، (فيرجع كلٌّ على الآخر بأجرة عمله في ماله) أي: مال الآخر؛ كما في القراض إذا فسد. نعم؛ لو تساويا في المال وتفاوتا في العمل، وشُرط الأقلُّ للأكثر عملًا .. لم يرجع بالزائد على الأصح؛ لأنه عمل متبرعًا. (وتنفذ التصرفات) لوجود الإذن (والربح على قدر المالين) لأنه مستفاد منهما. (ويد الشريك يد أمانة، فيقبل قوله في الردِّ والخسران والتلف) كالمودع والوكيل، (فإن ادعاه)، يعني: التلف (بسبب ظاهر .. طولب ببينةٍ بالسبب، ثم يُصدَّق في التلف به) هذه المسألة قد ذكرها المصنف في آخر (الوديعة) مستوفاة، والمذكور هنا يحتاج إلى تفصيل فيراجع من هناك. (ولو قال من في يده المال: "هو لي"، وقال الآخر: "مشترك"، أو بالعكس .. صدق صاحب اليد)؛ لأنها تدلُّ على الملك، وقد ادعى صاحبها جميعَ المال في المسألة الأولى، ونصفَه في الثانية.

стр. 957

وَلَوْ قَال: (اقْتَسَمْنَا وَصارَ لِي) .. صُدِّقَ الْمُنْكِرُ، وَلَوِ اشْتَرَى وَقَالَ: (اشْتَرَيْتُهُ لِلشَّرِكَةِ أَوْ لِنَفْسِي)، وَكَذَّبَهُ الآخَرُ .. صُدِّقَ الْمُشْتَرِي. === (ولو قال: "اقتسمنا وصار لي" .. صدق المنكِر)؛ لأن الأصل عدمُ القسمة. (ولو اشترى وقال: "اشتريته للشركة أو لنفسي"، وكذبه الآخر .. صدق المشتري)؛ لأنه أعرف بقصده، وسواء ادعى أنه صرح بالشراء للشركة أو نواه، والغالب وقوع ذلك في الأولى حالةَ ظهور الخسران، وفي الثانية حالةَ ظهور الربح. * * *

стр. 958

كتابُ الوكالة شَرْطُ الْمُوَكِّلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ مَا وَكَّلَ فِيهِ بِمِلْكٍ أَوْ وِلَايَةٍ، فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا الْمَرْأَةِ وَالْمُحْرِمِ فِي النِّكِاحِ، === (كتاب الوكالة) هي بفتح الواو وكسرها. وهي في اللغة: التفويض، وفي الاصطلاح: تفويض ما له فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حال حياته. والأصل فيها: الإجماع، والسنة الصحيحة الشهيرة؛ كقصة عروة البارقي وغيره، وفي القرآن ما يدلُّ عليها، وهو قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية، بل قال القاضي الحسين وغيره: إنه مندوب إليها. (شرط الموكِّل: صحة مباشرته ما وكل فيه بملك أو ولاية، فلا يصحُّ توكيل صبي ولا مجنون) لأن الوكيل فرع ونائب عن الموكل، فإذا لم يقدر الأصلُ على تعاطي الشيء .. فنائبه أولى ألا يقدر، والمغمى عليه كالمجنون، وكذا النائم. واحترز بالملك والولاية: عن الوكيل فإنه لا يوكل عند الإطلاق؛ كما سيأتي؛ لأنه ليس بمالك ولا ولي، وعن العبد المأذون؛ لأنه إنما يتصرف بالإذن فقط، وهذا الضابط ذكره الغزالي (١)، وأورد عليه الرافعي الوكيل؛ فإنه قد يوكل عنه لا عن الموكل؛ كما سيأتي، وحينئذ فلا يصحُّ اشتراط كون الموكِّل مالكًا للتصرف بملك أو ولاية (٢). وقوله: (ما وكل) هو بفتح الواو. (ولا المرأة والمحرم في النكاح) أما المرأة .. فلأنها لا تزوج نفسها، والمراد: أنها لا توكل أجنبيًّا في تزويجها، فأما لو أذنت للولي بصيغة الوكالة .. فإنه يصحُّ؛ كما نقله في "البيان" عن النصِّ (٣).

стр. 959

وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوَلِيِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ، وَيُسْتَثْنَى تَوْكِيلُ الأَعْمَى فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .. فَيَصِحُّ === وأما المحرم .. فللنهي عنه في "صحيح مسلم" (١)، وهذا محمول على ما إذا وكَّله ليعقد عنه في حال الإحرام، فإن وكَّله ليعقد له بعد التحلل، أو أطلق .. صحَّ، وكذا لو وكَّل حلالٌ محرمًا ليوكِّل حلالًا بالتزويج على الأصح؛ لأنه سفير محض. (ويصحُّ توكيل الولي في حقِّ الطفل) في النكاح وغيره؛ لولايته عليه. وتعبيره بالطفل تبع فيه "المحرر" (٢)، والصواب: حذفه؛ كما هو في "الشرح" و"الروضة"؛ ليدخل المجنون والسفيه. (ويستثنى) مما ذكرناه (توكيل الأعمى في البيع والشراء) وكذا سائر العقود المتوقفة على الرؤية؛ كالإجارة والأخذ بالشفعة (فيصحُّ) وإن لم يَقدر على مباشرته؛ للضرورة. ويستثنى من هذا الضابط: مسائل كثيرة؛ بعضُها من طرده، وبعضها من عكسه؛ فمما يستثنى من طرده: الولي غير المجبر، إذا أذنت له في النكاح ونهته عن التوكيل، فلا يوكل قطعًا، ومنها: إذا جوزنا لصاحب الدين أن يكسر الباب ويأخذ ما يجده، فإنه لا يجوز له التوكيل فيه، كما صرح به جماعة، ومنها: التوكيل في الإقرار ممتنع على الصحيح، ومنها: إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة له أن يختار أربعًا، ولا يوكل في ذلك، إلا إذا عين الموكل المختارات للنكاح، فيجوز في الأصح. ومما يستثنى من العكس: توكيل المشتري البائع، أو المسلم المسلم إليه في أن يوكل من يقبض عنه، فإنه يصحُّ مع استحالة مباشرته القبضَ من نفسه، ومنها: إذا قال: (إن طلقتك .. فأنت طالق قبله ثلاثًا) وقلنا: لا يقع الطلاق، فوكل .. فإنه يصحُّ، كما قاله الرافعي، ومنها: التوكيل في استيفاء قصاص الطرف وحدِّ القذف، فإنه جائز مع امتناع الموكل من مباشرته، ومنها: مسألة توكيل الحلال محرمًا، ليوكل حلالًا في التزويج؛ كما مرَّ.

стр. 960

وَشَرْطُ الْوَكِيلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ، لَا صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالْمُحْرِمُ فِي النِّكَاحِ، لَكِنِ الصَّحِيحُ: اعْتِمَادُ قَوْلِ صَبِيٍّ فِي الإِذْنِ فِي دُخُولِ دَارٍ وَإِيصَالِ هَدِيَّةٍ، وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيلِ عَبْدٍ فِي قَبُولِ نِكَاحٍ، === (وشرط الوكيل: صحة مباشرته التصرفَ لنفسه) كما في الموكل. ويستثنى توكيل الولي فاسقًا في بيع مال محجوره، فإنه لا يجوز. (لا صبيٍّ ومجنون) لسلب عبارتهما، والمغمى عليه كالمجنون، وكذا النائم. ومحلُّ عدم صحة توكيل الصبي: فيما لا يصحُّ منه مباشرته، فيجوز توكيله في حجِّ التطوع والذبح ولو في أضحية، وفي تفرقة الزكاة؛ كما مرَّ في بابه. (وكذا المرأة والمُحرم في النكاح) لسلب عبارتهما فيه إيجابًا وقبولًا. و(المحرم) بضم الميم، أما مفتوحها .. فيجوز أن يكون وكيلًا في القبول وإن كان لا يصحُّ تعاطيه لنفسه، وألحق بعضهم الخنثى بالمرأة؛ للشك في أهليته. (لكن الصحيح: اعتماد قول صبي في الإذن في دخول دار وإيصال هدية) لتسامح السلف في مثل ذلك، وهو توكيل من جهة الآذن والمهدي، والثاني: لا؛ كغيره من التصرفات. ومحل الخلاف: إذا كان مأمونًا، وإلا .. فلا يعتمد قطعًا، وما إذا لم تكن قرينة؛ فإن احتفت به قرينة أفادت العلم .. اعتُمد قطعًا، والكافر والفاسق كالصبي في ذلك. (والأصحُّ: صحة توكيل عبد في قبول نكاح) إذ لا ضرر على السيد فيه، والثاني: لا؛ إذ لا يستقل فيه بنفسه. ومحل الخلاف: إذا لم يأذن فيه، فإن أذن .. صحَّ قطعًا؛ كذا ذكره في "الروضة" في النكاح، وقال هنا بعد أن حكى الخلاف مع الإذن: (المختار: الجواز مطلقًا) (١). وهذه المسألة مستثناة من عكس القاعدة، وهو أن من لا تصحُّ مباشرتُه لنفسه .. لا تصحُّ وكالته.

стр. 961

وَمَنْعُهُ فِي الإِيجَابِ. وَشَرْطُ الْمُوَكَّلِ فِيهِ: أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُوَكِّلُ، فَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْع عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ، وَطَلاقِ مَنْ سَيَنْكِحُهَا .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ. وَأَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلنِّيَابَةِ، فَلَا يَصِحُّ فِي عِبَادَةٍ إِلَّا الْحَجَّ، وَتَفْرِقَةَ زَكَاةٍ، وَذَبْحَ أُضْحِيَةٍ، وَلَا فِي شَهَادَةٍ، وَإِيلَاءٍ، وَلِعَانٍ، وَسَائِرِ الأَيْمَانِ، === (ومنعه في الإيجاب) لأنه إذا لم يزوج بنت نفسه .. فبنت غيره أولى، والثاني: يصحُّ؛ لصحة عبارته في الجملة، والمبعض أولى بالصحة منه فيما يصحُّ توكيلُه فيه. (وشرط الموكل فيه: أن يملكه الموكِّل، فلو وكله ببيع عبد سيملكه، وطلاق من سينكحها .. بطل في الأصحِّ) لأنه لا يتمكن من مباشرته بنفسه عند التوكيل، فكيف يستنيب فيه غيره؟ والثاني: يصحُّ؛ لأن الملك حاصلٌ عند المقصود من التوكيل وهو التصرف. ويستثنى من إطلاق المصنف: عامل القراض؛ فإن إذن المالك في بيع ما سيملكه من العروض نافذ؛ إذ لا تتم مصالح العقد إلا به، ولو قال: (وكلتك في بيع كذا، وأن تشتري بثمنه كذا) .. فأشهر القولين: صحة التوكيل بالشراء؛ كما ذكره صاحب "المطلب". (وأن يكون قابلًا للنيابة) لأن التوكيل تفويض وإنابة، فما لا يقبلها؛ كاستيفاء حقِّ القسم من الزوجات ونحوه مما سيأتي .. لا يقبل التوكيل (فلا يصحُّ في عبادة) لأن المقصود منها ابتلاءُ الشخص وامتحانه بإتعابه نفسه، وذلك لا يحصل بالتوكيل، (إلا الحج، وتفرقةَ زكاة، وذبحَ أضحية) للأدلة المذكورة في أبوابها. ويندرج في التوكيل بالحج ركعتا الطواف، والعمرةُ كالحج. والكفارة، والنذر، وصدقة التطوع كالزكاة. والعقيقة، والهدايا، وشاة الوليمة كالأضحية. والعاجز يأمر من يوضئه، أو ييممه، والتوكيل في إزالة النجاسة جائز، وعنه احترز بقوله: (عبادة)؛ لأنه من باب التروك، ولذلك لا تشترط فيها النية على الأصحِّ. (ولا في شهادة، وإيلاء، ولعان، وسائر الأيمان) أي: باقيها؛ إلحاقًا لها بالعبادات.

стр. 962

وَلَا فِي ظِهَارٍ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ فِي طَرَفَيْ بَيْعٍ، وَهِبَةٍ، وَسَلَمٍ، وَرَهْنٍ، وَنِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، وَقَبْضِ الدُّيُونِ وَإِقْبَاضِهَا، وَالدَّعْوَى وَالْجَوَابِ، وَكَذَا فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ كَالإِحْيَاءِ وَالاصْطِيَادِ وَالاحْتِطَابِ فِي الأَظْهَرِ، لَا فِي إِقْرَارٍ فِي الأَصَحِّ، === والنذر، وتعليق الطلاق، والعتق في معنى الأيمان، قاله الرافعي (١)، ولا ترد صحة الشهادة على الشهادة؛ إذ ليست بتوكيل. (ولا في ظهار في الأصحِّ) الوجهان مبنيان على أن المغلب فيه معنى اليمين أو الطلاق، والأرجح: تغليب شائبة الطلاق، وقضيته: ترجيح الصحة، لكن لمنعه معنى آخر، وهو أنه منكر من القول وزور، فلا تشرع فيه الإعانة بالتوكيل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وإذا صححناه قال في "المطلب": الأشبه: أن يقول: (موكلي يقول: أنت عليه كظهر أمه). (ويصحُّ في طرفي بيع، وهبة، وسلم، ورهن، ونكاح) أما النكاح .. فبالنصِّ، وأما الباقي .. فبالقياس، (وطلاق) منجز؛ لأنه إذا جاز في العقد .. ففي حَلِّهِ أولى، أما المعلق .. فيمتنع على الأصح، (وسائرِ العقود) كالصلح والحوالة والضمان، ونحو ذلك، (والفسوخ) المتراخية، أما التي على الفور .. فلا؛ للتقصير. (وقبض الديون وإقباضها، والدعوى والجواب) لعموم الحاجة. ويستثنى من جواز التوكيل في القبض: قبض العوض في الصرف في غيبة الموكل؛ لأنه بغيبته فسد العقد، وفي استثنائه نظر؛ لأنه بعد فساد العقد لا دين. (وكذا في تملك المباحات؛ كالإحياء، والاصطياد، والاحتطاب في الأظهر)؛ لأنها أحد أسباب الملك، فأشبه الشراء، فيحصل الملك للموكل إذا قصده الوكيل له، والثاني: المنع؛ قياسًا على الاغتنام. (لا في إقرار) بأن يقول: (وكلتك لتقر عني لفلان بكذا) (في الأصحِّ) لأنه إخبار عن حقٍّ، فلم يقبل التوكيل؛ كالشهادة، والثاني: يصحُّ؛ لأنه قول يلزم به

стр. 963

وَيَصِحُّ فِي اسْتِيفَاءِ عُقُوبَةِ آدَمِيٍّ؛ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ. وَلْيَكُنِ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَوْ قَالَ: (وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ)، أَوْ (فِي كُلِّ أُمُورِي)، أَوْ (فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُلَّ شَيْءٍ) .. لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: (فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَعِتْقِ أَرِقَّائِي) .. صَحَّ، === الحقُّ، فأشبه الشراء، فعلى هذا: لم يكن بنفس التوكيل مقرًّا على ما صححه في "زيادة الروضة"، إلا أن يقول: (أقر عني لزيد بألف له علي) فيكون مقرًا جزمًا، وعلى الأول: يكون مقرًّا؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن الأكثرين، وجزم في "الحاوي الصغير" بخلافه (١). وصورة لفظ الوكيل: (أقررت عنه بكذا)، كما اقتضاه كلام البَنْدَنيجي، واختار السبكي أن يقول: (موكلي مقر لك بكذا). (ويصحُّ في استيفاء عقوبة آدمي؛ كقصاص، وحدِّ قذف) كسائر الحقوق، بل يتعين ذلك في حدِّ القذف، وكذا في قطع الطرف في الأصح؛ كما ذكره المصنف في موضعه، ويجوز أيضًا التوكيل في استيفاء حدود الله تعالى من الإمام والسيد. نعم؛ يمتنع التوكيل في إثباتها؛ لأنها مبنية على الدرء، إلا في القاذف، فإنه يجوز له أن يوكل في إثبات زنا المقذوف؛ لسقوط حدِّ القذف عنه بذلك. (وقيل: لا يجوز إلا بحضرة الموكل) لاحتمال العفو في الغيبة، قال صاحب "المعين" تبعًا لابن الصباغ: ومحل الخلاف: في تمكين الحاكم الوكيل من الاستيفاء، أما استيفاء الوكيل .. فصحيح قطعًا. (وليكن الموكَّل فيه معلومًا من بعض الوجوه) لئلا يعظم الغرر. (ولا يشترط علمه من كلِّ وجه) لأنها جوزت للحاجة، فسومح فيها. (فلو قال: "وكلتك في كلِّ قليل وكثير"، أو "في كلِّ أموري"، أو "فوضت إليك كلَّ شيء" .. لم يصحَّ) لأنه غرر عظيم، فإنه يدخل فيه أمور لو عرض تفصيلها على الموكل؛ كطلاق زوجاته، والصدقة بجميع ماله .. لاستنكره. (وإن قال: "في بيع أموالي، وعتق أرقائي" .. صحَّ) لأن الغرر فيه قليل.

стр. 964

وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءَ عَبْدٍ .. وَجَبَ بَيَانُ نَوْعِهِ، أَوْ دَارٍ .. وَجَبَ بَيَانُ الْمَحِلَّةِ وَالسِّكَّةِ، لَا قَدْرِ الثَّمَنِ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ مِنَ الْمُوَكِّلِ لَفْظٌ يَقْتَضِي رِضَاهُ؛ كـ (وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا)، أَوْ (فَوَّضْتُهُ إِلَيْكَ)، أَوْ (أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ)، === (وإن وكله في شراء عبد .. وجب بيان نوعه) كتركي، أو هندي ونحوهما؛ لاختلاف الأغراض فيها، ولا يشترط استقصاء الأوصاف التي في السلم، ولا ما يقرب منها اتفاقًا، قاله الإمام والغزالي، وجرى عليه الشيخان (١)، لكن اعتبر القاضي ذكر الصفات التي يختلف الثمن باختلافها، ولو اختلفت أصناف نوع اختلافًا ظاهرًا .. اشترط التعرض للصنف، قاله الجويني، وأقراه (٢). (أو دار .. وجب بيان المحلة) وهي الحارة (والسكة) بكسر السين: وهي الزقاق؛ لاختلاف الغرض بذلك اختلافًا ظاهرًا، ويتعرض في الحانوت للسوق. (لا قدرِ الثمن في الأصحِّ) في هذه المسألة والتي قبلها؛ لأن غرضه قد يتعلق بواحد ما، نفيسًا كان أو خسيسًا، والثاني: لا بدّ من تقديره؛ كمئة، أو بيان غايته؛ كمئة إلى ألف؛ لظهور التفاوت. هذا كلُّه إذا قصد بالشراء القنية، فإن قصد التجارة .. لم يشترط بيان شيء من ذلك، بل يجوز أن يقول: (وكلتك في أن تشتري بهذا الدينار ما شئت من العروض، أو ما رأيت المصلحة في شرائه) قياسًا على القراض؛ كما نقله في "الكفاية" عن الماوردي والمتولي، وأقره، وجزم به القفال، وهو مقتضى كلام الرافعي (٣). (ويشترط من الموكِّل لفظ يقتضي رضاه؛ كـ "وكلتك في كذا"، أو "فوضته إليك"، أو "أنت وكيلي فيه") ونحوها كـ (أنبتك فيه)، كما يشترط الإيجاب في سائر العقود.

стр. 965

فَلَوْ قَالَ: (بِعْ)، أَوْ (أَعْتِقْ) .. حَصَلَ الإِذْنُ. وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ؛ كـ (وَكَّلْتُكَ)، دُونَ صِيَغِ الأَمْرِ؛ كـ (بع) وَ (أَعْتِقْ). وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ فِي الأَصَحِّ، === وقوله: (لفظ) يوهم أنه لا تكفي الكتابة وإشارة الأخرس وكتابته، وليس كذلك، بل هو كالبيع وأولى. وقوله: (كوكلتك) قد يفهم أن تعيين الوكيل شرطٌ فلا يصحُّ: (وكلت كلَّ من أراد بيع داري هذه) في بيعها، وبه صرح الإمام، والغزالي، وكذا الرافعي في (كتاب الحج) في الكلام على الجعالة فيه (١)، ونقله المصنف في "فتاويه" عن الأصحاب (٢). (فلو قال: "بع" أو "أعتق" .. حصل الإذن) لأنه أبلغ مما سبق. (ولا يشترط القبول لفظًا) لأن التوكيل إباحة ورفع حَجْرٍ، فأشبه إباحةَ الطعام، وعلى هذا لو وكله والوكيل لا يعلم .. ثبتت وكالتُه في الأصح، فلو تصرف قبل علمه .. فكبيع مال مورثه ظانًّا حياتَه. (وقيل: يشترط) لأنه تمليك للتصرف فليقبل؛ كسائر التمليكات، (وقيل: يشترط في صيغ العقود؛ كـ "وكلتك"، دون صيغ الأمر، كـ "بع" و"أعتق") إلحاقًا لصيغة العقد بالعقود، وللأمر بالإباحة. واحترز بقوله: (لفظًا) عن القبول معنى، فإنه لا بدَّ منه في دوام الوكالة قطعًا، حتى لو رد .. بطلت، قال المنكت: وهو ينافي عدم اشتراط العلم، فإن الرضا يستلزم العلم، فالمشروط إذًا في دوام الوكالة: عدمُ الردِّ لا الرضا، فإنه لو أكرهه على التصرف .. صحَّ في الأصحِّ (٣). (ولا يصحُّ تعليقها بشرط) من صفة، أو وقت (في الأصحِّ) كسائر العقود، والثاني: يصحُّ؛ كالوصية.

стр. 966

فَإِنْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ لِلتَّصَرُّفِ شَرْطًا .. جَازَ، وَلَوْ قَال: (وَكَّلْتُكَ وَمَتَى عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي) .. صَحَّتْ فِي الْحَالِ فِي الأَصَحِّ، وَفِي عَوْدِهِ وَكِيلًا بَعْدَ الْعَزْلِ الْوَجْهَانِ فِي تَعْلِيقِهَا، وَيَجْرِيانِ فِي تَعْلِيقِ الْعَزْلِ. === وفرق الأول: بأن الوصية تقبل الجهالة، فتقبل التعليق، أما تأقيتها؛ كوكلتك إلى شهر .. فجائز. (فإن نجزها وشرط للتصرف شرطًا .. جاز) بالاتفاق؛ لأنه إنما علق التصرف فقط. (ولو قال: "وكلتك ومتى عزلتك فأنت وكيلي" .. صحت في الحال في الأصحِّ)؛ لوجود الإذن، والثاني: لا تصحُّ؛ لأنه أبَّدها، وهو إلزام للعقد الجائز. ومحلُّ الخلاف: ما إذا قال ذلك متصلًا بالتوكيل بصيغة الشرط، وبكلَّما، وعمَّ نفسه وغيره؛ كذا قاله في "المطلب"، واقتضاه تعليل الرافعي بإلزام العقد الجائز (١)، وكلام المصنف ظاهر في جريان الخلاف مطلقًا. (وفي عوده وكيلًا بعد العزل الوجهان في تعليقها) لأنه علق الوكالةَ ثانيًا على العزل، والأصحُّ: عدم العود؛ لأن الأصحَّ: فساد التعليق، والثاني: يعود، بناء على صحته. (ويجريان في تعليق العزل) بطلوع الشمس ونحوه. وقضية كلامه: تصحيح عدم الانعزال، والذي في "الروضة" و"أصلها: أنهما يجريان بالترتيب، والعزل أولى؛ لأنه لا يشترط فيه قبولٌ قطعًا (٢)، واشتراطه في الوكالة مختلف فيه، قال الإسنوي: وتصحيح عدم العزل بعيد، وكيف ننفذ التصرفات والمالك مانع منها (٣). * * *

стр. 967

فصَلٌ [في أحكام الوكالة بعد صحتها] الْوَكِيلُ بِالْبَيْع مُطْلَقًا لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَلَا بِنَسِيئَةٍ، وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ - وَهُوَ: مَا لَا يُحْتَمَلُ غَالِبًا - فَلَوْ بَاعَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الأَنْوَاعِ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ .. ضَمِنَ، فَإِنْ وَكَّلَهُ لِيَبِيعَ مُؤَجَّلًا وَقَدَّرَ الأَجَلَ .. فَذَاكَ، === (فصل: الوكيل بالبيع مطلقًا ليس له البيع بغير نقد البلد) لدلالة القرينة العرفية عليه، فلو كان في البلد نقدان .. باع بالأغلب، فإن استويا .. فبالأنفع، فإن استويا .. تخير. (ولا بنسيئة) وإن كان قدر ثمن المثل؛ لأن الإطلاق في البيع يقتضي الحلول، فكذلك في التوكيل في البيع. (ولا بغَبْن فاحش، وهو: ما لا يحتمل غالبًا) كالوصي، أما اليسير؛ كدرهم في عشرة .. فيغتفر، بخلاف درهمين، كذا قالاه (١)، وقال ابن أبي الدم: العشرة إن سومح بها في المئة .. فلا يتسامح بالمئة في الألف، فالصواب: الرجوع للعادة، وذكر الروياني: أن اليسير يختلف باختلاف أجناس الأموال، فربع العشر كثير في النقد والطعام، ونصفه ليس كثيرًا في الجواهر والرقيق ونحوهما (٢). واحترز بقوله: (مطلقًا) عما إذا نصّ على البيع بشيء من ذلك .. فإنه يجوز. وقوله: (ليس له) صريح في المنع، فلو فعل .. فالمذهب: بطلان تصرفه، وفي قول: إنه موقوف على إجازة الموكل. (فلو باع على أحد هذه الأنواع وسلَّم المبيع .. ضمن) لتعديه، ولو باع بثمن المثل، ثم وجد راغب بزيادة في زمن الخيار .. انفسخ العقد في الأصح إن لم يفسخه. (فإن وكله ليبيع مؤجلًا وقدَّر الأجلَ .. فذاك) أي: فيجوز أن يبيعه إلى ذلك الأجل من غير زيادة عليه، ولا ينقص أيضًا إن نقص من الثمن شيئًا، أو كان خوفٌ،

стр. 968

وَإِنْ أَطْلَقَ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ، وَحُمِلَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِي مِثْلِهِ. وَلَا يَبِيعُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَبِيعُ لِأبِيهِ وَابْنِهِ الْبَالِغِ، === أو للحفظ مؤنة ونحوهما من الأغراض، وإلا .. جاز في الأصحِّ إن لم يعين المشتري، فإن عينه .. قال الإسنوي: فيظهر المنع؛ لظهور قصد المحاباة؛ كزيادة الثمن (١). (وإن أطلق .. صحَّ في الأصحَّ، وحُمل على المتعارف في مثله) حملًا للمطلق على المعهود؛ كما تقدم في النقود، فإن لم يكن .. راعى الأنفع للموكل، والثاني: لا يصحُّ؛ لاختلاف الغرض بتفاوت الآجال طولًا وقصرًا. وقيل: يصحُّ، وله التأجيل إلى ما شاء؛ لإطلاق اللفظ، وقيل: لا يزيد على سنة؛ كتقدير الديون المؤجلة بها شرعًا؛ كالجزية. (ولا يبيع لنفسه وولده الصغير) لتضاد الغرضين؛ لأنه حريص بطبعه على الاسترخاص لهما، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة. نعم؛ لو أذن له في البيع من نفسه، وقَدَّر الثمن، ونهاه عن الزيادة .. فينبغي الجواز؛ كما قاله ابن الرفعة، والشراء في ذلك كالبيع. (والأصحُّ: أنه يبيع لأبيه وابنه البالغ)، وكذا سائر أصوله وفروعه؛ لأنه باع بالثمن الذي لو باع به من أجنبي .. صحَّ، والثاني: لا؛ لأنه متهم بالمَيْل إليهم. وتعبيره بـ (البالغ) يَرِد عليه المجنون والسفيه فإنهما كالصغير، ولهذا عبرا في "الشرح" و"الروضة" بقولهما، والوجهان في الأصول والفرع المستقلين (٢). ثم محلُّ الخلاف: إذا لم يأذن له في البيع منهم، فإن أذن .. جاز قطعًا. ومحلُّه أيضًا: إذا لم يعين الثمن، فإن عينه .. جاز قطعًا؛ كما نقله في "المهمات" عن "فتاوى القفال"، وأقره، لكن حكى ابن الملقن عن القاضي الحسين فيه وجهين مرتبين وأولى بالصحة؛ لانتفاء التهمة (٣).

стр. 969

وَأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمُ الْمَبِيعِ، وَلَا يُسَلِّمُهُ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، فَإِنْ خَالَفَ .. ضَمِنَ. وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءٍ .. لَا يَشْتَرِي مَعِيبًا، فَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ يُسَاوِي مَعَ الْعَيْبِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ .. وَقَعَ عَنِ الْمُوَكِّلِ إِنْ جَهِلَ الْعَيْبَ، وَإِنْ عَلِمَهُ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ، === (وأن الوكيل بالبيع له قبض الثمن وتسليمُ المبيع) إذا كان مسلمًا إليه؛ لأنه من توابع البيع ومقتضياته، والثاني: لا؛ لعدم الإذن فيهما، وقد يرضاه للبيع دون القبض. ومحل الخلاف: إذا لم يكن القبض شرطًا، فإن كان؛ كالصرف ونحوه .. فله القبض والإقباض قطعًا. ومحله أيضًا؛ كما قاله صاحب "المعين": إذا عين له الموكل المشتري، أو لم يعينه ولكن الموكل حاضرٌ، وإلا .. فيقبض الثمن قطعًا؛ لئلا يضيع. ولو باع بثمن مؤجل فحلَّ .. لم يملك قبض الثمن قطعًا، وكذا لو نهاه عن قبض الثمن. (ولا يسلمه حتى يقبض الثمنَ) الحالَّ؛ لما في التسليم قبله من الخطر، (فإن خالف .. ضمن) لتعديه. (وإذا وكَّله في شراء .. لا يشتري معيبًا) أي: لا ينبغي له ذلك، لأن الإطلاق يقتضي السلامةَ، (فإن اشتراه في الذمة وهو يساوي مع العيب ما اشتراه به .. وقع عن الموكِّل إن جهل العيبَ) لأنه يمكن استدراكه بالردِّ، فلا ضرورة فيه، ولا ينسب الوكيل إلى مخالفة؛ لجهله. وقوله: (في الذمة) يوهم أنه إذا اشترى بعين مال الموكل .. لا يقع له وليس كذلك، بل يقع له أيضًا إذا قلنا: يقع له بالشراء في الذمة، لكن ليس للوكيل الردُّ في الأصحِّ؛ لأنه لا يمكن انقلاب العقد له، فلا يتضرر، بخلاف الشراء في الذمة، ففائدة التقييد بالذمة: إخراج المذكور آخرًا، وهو ردُّ الوكيل، فلو قيد الأخير فقط، فقال: (للموكل الردُّ، وكذا للوكيل إن اشترى في الذمة) .. لكان أحسن. (وإن علمه .. فلا في الأصحِّ) سواء ساوى ما اشتراه به أم زاد؛ لأن الإطلاق

стр. 970

وَإِنْ لَمْ يُسَاوِهِ .. لَمْ يَقَعْ عَنْهُ إِنْ عَلِمَهُ، وَإِنْ جَهِلَهُ .. وَقَعَ فِي الأَصَحِّ، وَإِذَا وقَعَ لِلْمُوَكِّلِ .. فَلِكُلٍّ مِنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ الرَّدُّ. وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ أَنْ يُوَكِّلَ بلَا إِذْنٍ إِنْ تَأَتَّى مِنْهُ مَا وُكِّلَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ لِكَوْنِهِ لَا يُحْسِنُهُ أَوْ لَا يَلِيقُ بِهِ .. فَلَهُ التَّوْكِيلُ، وَلَوْ كَثُرَ وَعَجَزَ عَنِ الإِتْيَانِ بِكُلِّهِ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُوَكِّلُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُمْكِنِ. === يقتضي سليمًا، والثاني: يقع له؛ لأن الصيغة مطلقة، ولا نقص في المالية، والثالث: إن كان يشتريه للتجارة .. وقع له، أو للقنية .. فلا، واستحسنه الإمام. (وإن لم يساوه) أي: لم يساو ما اشتراه به ( .. لم يقع عنه) أي: الموكل (إن عَلِمه) للمخالفة المورِّطة في الغرامة. (وإن جهله .. وقع في الأصحِّ) كما لو اشتراه لنفسه جاهلًا، والثاني: لا؛ لأن الغبن يمنع الوقوعَ عنه مع السلامة، فعند العيب أولى. (وإذا وقع للموكِّل .. فلكلٍّ من الوكيل والموكِّل الردُّ) أما الموكل .. فلأنه المالك، والضرر به لاحق، وأما الوكيل .. فلأنا لو لم نجوز له ذلك .. لكان المالك ربما لا يرضى به، وحينئذ فيتعذر الردُّ؛ لكونه على الفور، ويقع العقد للوكيل فيتضرر، ولو رضي به الوكيل .. لم يتمكن بعد ذلك من الردِّ، لكن للموكل الردُّ إن ثبتت الوكالة، أو صدّق البائع عليها، وإلا .. فالأصحُّ في "زيادة الروضة": أنه يردُّه على الوكيل (١). (وليس لوكيل أن يوكل بلا إذن إن تأتى منه ما وُكِّل فيه) لأن الموكل لم يرض بتصرف غيره. نعم؛ قال الجُوري: لو وكله في قبض دين فقبضه، وأرسله مع بعض عياله إلى الموكل .. لم يضمن، أو مع غيره .. ضمن. (وإن لم يتأت لكونه لا يحسنه، أو لا يليق به) مع كونه يحسنه ( .. فله التوكيل) لأن التفويض لمن هذا حالُه لا يُقصد منه غيرُ الاستنابة. (ولو كثر وعجز عن الإتيان بكلِّه .. فالمذهب: أنه يوكِّل فيما زاد على الممكن) دون غيره؛ لأن الضرورة دعت إليه دون غيره، وقيل: لا يوكل في شيء؛ لعدم

стр. 971

وَلَوْ أَذِنَ فِي التَّوْكِيلِ وَقَالَ: (وَكِّلْ عَنْ نَفْسِكَ)، فَفَعَلَ .. فَالثَّانِي وَكِيلُ الْوَكِيلِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَانْعِزَالِهِ، وَإِنْ قَالَ: (عَنِّي) .. فَالثَّانِي وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: وَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لَا يَعْزِلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ، وَحَيْثُ جَوَّزْنَا لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلَ .. يُشْتَرَطُ أَنْ يُوَكِّلَ أَمِينًا === الإذن، وقيل: يوكل في الجميع؛ لأنه مَلك التوكيل في البعض فيوكل في الكلِّ؛ كما لو أذن صريحًا، وحيث وكل في هذه الأقسام فإنما يوكل عن موكله، فلو وكل عن نفسه .. فالأصحُّ في "زيادة الروضة": المنع (١). (ولو أذن في التوكيل وقال: "وكِّل عن نفسك"، ففعل .. فالثاني وكيل الوكيل) لتصريح الموكل في إذنه بذلك، وقيل: إنه وكيل الموكل. وعلى الأول: للموكل عزله في الأصحِّ؛ لأنه فرع فرعه. (والأصحُّ: أنه ينعزل بعزله) أي: بعزل الأول له (وانعزالِه) بموته وجنونه؛ لأنه نائبه، وهذا بناء على أن الثاني وكيل الوكيل، ومقابله: وجه مبني على أنه وكيل الموكل. (وإن قال: ) وكِّل ("عني" .. فالثاني وكيل الموكِّل) لأن الموكل أذن بهذا الشرط، (وكذا لو أطلق) بأن قال: (وكِّل)، ولم يقل: (عني)، ولا (عنك) (في الأصحِّ) لأن توكيله الثاني تصرفٌ تعاطاه بإذن الموكل، فوجب أن يقع عنه، والثاني: أنه وكيل الوكيل؛ لأن المقصود من الإذن تسهيلُ الأمر عليه. وهذا هو الأصحُّ في نظيره في القضاء، إذا قال له الإمام: (استخلف)، وأطلق. وفُرِّق: بأن الوكيل ناظر في حقِّ الموكل، فحمل الإطلاق على إرادته، وفي القضاء الغرض: معاونته، وهو راجع للمستنيب. (قلت: وفي هاتين الصورتين لا يَعزل أحدُهما الآخر، ولا ينعزل بانعزاله) لأنه ليس وكيلًا عنه. (وحيث جوزنا للوكيل التوكيلَ .. يشترط أن يوكل أمينًا) رعايةً لمصلحة الموكل، فلو وكل خائنًا .. لم يصحَّ؛ لأنه خلاف المصلحة.

стр. 972

إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَ الْمُوَكِّلُ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَكَّلَ أَمِينًا فَفَسَقَ .. لَمْ يَمْلِكِ الْوَكِيلُ عَزْلَهُ فِي الأَصَحِّ، والله أَعْلَمُ. فصَلٌ [فيما يجب على الوكيل في الوكالة المقيدة] قَالَ: (بِعْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ)، أَوْ (فِي === وظاهر إطلاقه: أنه لا يجوز توكيل الخائن وإن كان الموكل عيَّن الثمن والمبيع منه؛ لأنها استنابة عن الغير، وهو أحد احتمالي صاحب "المطلب". (إلا أن يعين الموكِّل غيرَه) أي: غير الأمين، فيتبع تعيينه لإذنه فيه. (ولو وكل أمينًا ففسق .. لم يملك الوكيل عزلَه في الأصحِّ، والله أعلم) لأنه أذن له في التوكيل دون العزل، وهذا أقيس الوجهين في "زيادة الروضة" (١)، ولا ترجيح في "الشرحين"، ولم يصور المسألة (٢). وقد صورها في "الوسيط" بما إذا قال: (وكِّل عني) (٣)، وفي معناه: الإطلاق، وحينئذ فمنع العزل واضح؛ لأنه ليس وكيلًا له. واستشكل في "الكفاية" مقابلَه ولم يعلِّله (٤)، وعلَّله في "المطلب" بأنه من توابع ما وكَّل فيه، فأشبه الردَّ بالعيب عند التصريح بالسفارة، وعلَّله غيرُه بأن الإذن اقتضى توكيلَ أمين، فإذا فسق .. لم يجز استعماله، فملك عزلَه. قال السبكي: والذي أقوله: أنا حيث جعلناه وكيلَ الوكيل .. فله عزله بكلِّ حال، وحيث جعلناه وكيلَ الموكل .. فالقول بأن للوكيل عزلَه لا وجه له، بل ينبغي أن يكون الوجهان في انعزاله بالفسق، ويُصحَّح الانعزال؛ كالقاضي، وعدلِ الرهن. * * * (فصل: قال: "بع لشخص معين") أي: قال له: (بع لزيد) مثلًا (أو "في

стр. 973

زَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ) .. تَعَيَّنَ، وَفِي الْمَكَانِ وَجْهٌ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ. وَإِنْ قَالَ: (بِعْ بِمِئَةٍ) .. لَمْ يَبِعْ بِأَقَلَّ، وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالنَّهْيِ. === زمن أو مكان معين" .. تعين) تبعًا لتخصيصه، ومحلُّ تعيين المكان: إذا لم يقدر الثمن، فإن قدره فباع في غيره .. صحَّ؛ كما نقله المصنف عن ابن الصباغ والمتولي وغيرهما (١). (وفي المكان وجه إذا لم يتعلق به غرض) أنه لا يتعين؛ لاتفاق الغرض فيها، وهذا هو المنصوص؛ كما نقله في "المطلب"، واختاره السبكي. فإن تعلق به غرض؛ بأن كان الراغبون فيه أكثر والنقد أجود .. فإنه لا يجوز البيع في غيره جزمًا إذا لم يقدر الثمن، وإن نهاه عن البيع في غيره .. امتنع مطلقًا. (وإن قال: "بع بمئة" .. لم يبع بأقلَّ) ولو بقيراط؛ لأنه مخالف للإذن، (وله أن يزيد) لأن ذلك زيادةُ خير. وقوله: (وله) يشعر بجواز البيع بالمئة وهناك راغب بزيادة، والأشبه في "الشرح الصغير"، والأصح في "زيادة الروضة": المنع، ولا ترجيح في "الكبير" (٢). (إلا أن يصرح بالنهي) لأن النطق أبطل حكم العرف. ويَرِد على حصره الاستثناء: ما لو قال: (بعه لزيد بمئة)، فإنه ليس له الزيادة قطعًا؛ لأنه ربما قصد محاباته، قال الغزالي: إلا إذا علم خلافه بالقرينة (٣). ولو قال: (اشتر عبد فلان بمئة) فاشتراه بأقلَّ منها .. صحَّ، وفرق الماوردي: بأنه في البيع ممنوع من قبض ما زاد على المئة، وفي الشراء مأمور بدفع مئة، ودفع الوكيل بعضَ المأمور جائز، كذا نقله في "زيادة الروضة" وأقره (٤). ونقضه في "الكفاية" بما إذا كان وكيلًا في البيع دون القبض فإنه لا يجوز البيع بالزيادة، مع أنه لا قبض له، ثم قال: والذي يظهر في الفرق: أن البيع لما كان ممكنًا

стр. 974

وَلَوْ قَالَ: (اشْتَرِ بِهَذَا الدِّينَارِ شَاةً) وَوَصَفَهَا، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ بِالصِّفَةِ، فَإِنْ لَمْ تُسَاوِ وَاحِدَةٌ دِينَارًا .. لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ سَاوَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ .. فَالأَظْهَرُ: الصِّحَّةُ وَحُصُولُ الْمِلْكِ فِيهِمَا لِلْمُوَكِّلِ. === من المعين ومن غيره .. كان التنصيص عليه دالًّا على مراعاته، ولما لم يمكن شراء العبد المعين من غير المذكور .. ضعف أن يكون التنصيص دالًّا على مراعاته، فإنه كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون لأجل التعريف (١). (ولو قال: "اشتر بهذا الدينار شاة"، ووصفها، فاشترى به شاتين بالصفة، فإن لم تساو واحدةٌ دينارًا .. لم يصحَّ الشراء للموكِّل) (٢) وإن زادت قيمتهما على الدينار لفوات ما وكل فيه. واحترز بقوله: (ووصفها) عما إذا لم يصفها، فإن التوكيل لا يصحُّ. (وإن ساوته كلُّ واحدة .. فالأظهر: الصحة وحصول الملك فيهما للموكِّل) لأن عُروة البارقي فعل هذا مع رسول الله ﷺ فدعا له (٣)، ولأن مقصود الموكِّل قد حصل بزيادة، فأشبه ما إذا أمره بأن يبيع بخمسة، فباع بعشرة، والثاني: لا تقع الشاتان معًا للموكل؛ لأنه لم يأذن إلا في واحدة، بل ينظر إن اشترى في الذمة .. فللموكل واحدة بنصف دينار، والأخرى للوكيل، وللموكل أن ينتزع الثانية منه، ويقرر العقد فيهما له على الأصحِّ؛ لأنه عقد العقد له، وإن اشتراهما بعين الدينار؛ فإن قلنا: بوقف العقود .. فإن شاء .. أخذهما، وإن شاء .. أخذ واحدة بنصفه وردَّ الأخرى على البائع، وإن قلنا بعدم الوقف .. بطل في واحدة، وفي الأخرى قولا تفريقِ الصفقةِ، لكن صحح المتولي هنا البطلان (٤). وقوله: (وإن ساوته كلُّ واحدة) هو طريقة، والأصحُّ في "زيادة الروضة": أن الشرط: أن تكون إحداهما فقط مساوية للدينار (٥).

стр. 975

وَلَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِمُعَيَّنٍ فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ .. لَمْ يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ، وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الأَصَحِّ. وَمَتَى خَالَفَ الْمُوَكِّلَ فِي بَيْعِ مَالِهِ أَوِ الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ .. فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ. وَلَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ .. وَقَعَ لِلْوَكِيلِ، وَإِنْ سَمَّاهُ فَقَالَ الْبَائِعُ: (بِعْتُكَ)، فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ لِفُلَانٍ) .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُ مُوَكِّلَكَ زَيْدًا)، فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ لَهُ) .. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ. === (ولو أمره بالشراء بمعين فاشترى في الذمة .. لم يقع للموكِّل) لمخالفته؛ لأنه أمره بعقد ينفسخ بتلف المدفوع، حتى لا يطالب الموكل بغيره، وقد خالفه، ويقع العقد للوكيل، وإن صرح بالسفارة على الأصحِّ. (وكذا عكسه في الأصحِّ) للمخالفة، فإنه أمره بعقد لا ينفسخ بتلف المدفوع، فأتى بخلافه، وقد يكون غرض الموكل تحصيلَ المبيع على كلِّ حال، وعلى هذا لا يقع لواحد منهما، والثاني: يقع للموكل؛ لأنه زاد خيرًا حيث لم يلزم ذمتَه شيئًا. (ومتى خالف الموكِّل في بيع ماله) أي: باع ماله على غير الوجه المأذون فيه (أو الشراءِ بعينه) أي: اشترى له بعين ماله على وجه لم يأذن فيه (فتصرفه باطل) لأن المالك لم يرض بخروج ملكه على ذلك الوجه. (ولو اشترى في الذمة) مع المخالفة (ولم يسمِّ الموكِّل .. وقع للوكيل) دون الموكل وإن نواه؛ لأن الخطاب وقع معه، وإنما ينصرف بالنية إلى الموكل إذا كان موافقًا لإذنه، فإذا خالف .. لغت نيته، وصار كأجنبي يشتري لغيره في ذمته. (وإن سماه فقال البائع: "بعتك"، فقال: "اشتريت لفلان" .. فكذا في الأصحِّ) لأن تسمية الموكل في الشراء ليست شرطًا، فإذا سماه ولم يمكن صرفُ العقد إليه .. صار كأنه لم يسمه، والثاني: لا يصحُّ العقد بالكلية؛ لأنه صرح بإضافته إلى الموكل، وقد امتنع إيقاعه له، فألغي. وأصل الوجهين: الخلاف في أن الخصوص إذا بطل هل يبطل العموم؟ (ولو قال: "بعت موكِّلك زيدًا"، فقال: "اشتريت له" .. فالمذهب: بطلانه) وإن وقع التصرف على وفق الإذن؛ لأن الأحكام المتعلقة بمجلس العقد إنما يمكن الاعتبار فيها بالمتعاقدين، فاعتبرنا جريان المخاطبة بينهما، والمخاطبةُ هنا

стр. 976

وَيَدُ الْوَكِيلِ يَدُ أَمَانَةٍ وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَإِنْ تَعَدَّى .. ضَمِنَ وَلَا يَنْعَزِلُ فِي الأَصَحِّ. وَأَحْكَامُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ، فَيُعْتَبَرُ فِي الرُّؤْيَةِ، وَلُزُومِ الْعَقْدِ بِمُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ وَالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ الْوَكِيلُ دُونَ الْمُوَكِّلِ. === مفقودة، بخلاف النكاح فإنه لا يصحُّ إلا على هذه الصورة، وهو ترك الخطاب؛ لأنه سفير محض. وتعبيره بـ (المذهب) تبع فيه "المحرر"، وكذا عبر في "الروضة"، وعبارة الرافعي في "الشرحين": أنه ظاهر المذهب (١)، وهي لا تشعر بحكاية خلاف ألبتة، ولم يذكر في "الروضة" ما يقابل المذهب. نعم؛ حكى في "الكفاية" وجهين في ذلك عن الجويني، فكان ينبغي التعبير بالأصحِّ (٢). (ويد الوكيل يد أمانة وإن كان بجُعل) لأن الوكالة عقد إرفاق ومعونة، والضمان مناف لذلك ومنفر عنه. (فإن تعدى .. ضمن) كغيره من الأمناء. (ولا ينعزل في الأصحِّ) لأن حقيقة الوكالة الإذنُ في التصرف، والأمانة حكم يترتب عليه، فلا يلزم من ارتفاع هذا الحكم بطلانُ أصل العقد؛ كما لا يرتفع مقصود الرهن، وهو التوثق ببطلان حكمه وهو الأمانة، والثاني: ينعزل؛ لأنها أمانة فترتفع بالتعدي؛ كالوديعة، وهذا إذا تعدى بالفعل، فإن تعدى بالقول؛ كما لو باع بغبن فاحش ولم يسلم .. لا ينعزل جزمًا؛ لأنه لم يتعد فيما وكل فيه، ذكره في "الكفاية" عن "البحر" (٣). (وأحكام العقد تتعلق بالوكيل دون الموكِّل، فيُعتبر في الرؤية، ولزومِ العقد بمفارقة المجلس، والتقابضِ في المجلس، حيث يشترط الوكيل دون الموكِّل) لأن الوكيل هو العاقد حقيقة.

стр. 977

فَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ .. طَالَبَهُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ إِنْ كَانَ دَفَعَهُ إِلَيْهِ الْمُوَكِّلُ، وَإِلَّا .. فَلَا إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ .. طَالَبَهُ إِنْ أَنْكَرَ وَكَالَتَهُ، أَوْ قَالَ: (لَا أَعْلَمُهَا)، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا .. طَالَبَهُ أَيْضًا فِي الأَصَحِّ كَمَا يُطَالِبُ الْمُوَكِّلَ، وَيَكُونُ الْوَكِيلُ كَضَامِنٍ وَالْمُوَكِّلُ كَأَصِيلٍ. وَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْع الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ وَخَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا .. رَجَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي وَإِنِ اعْتَرَفَ بِوَكَالَتِهِ فِي الأَصَحِّ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ === (فإذا اشترى الوكيل .. طالبه البائع بالثمن إن كان دَفَعه إليه الموكِّل) (١) لاقتضاء العرف ذلك، (وإلا) أي: وإن لم يكن دفعه إليه ( .. فلا إن كان الثمن مُعيَّنًا) لأنه ليس في يده، وحقّ البائع مقصور عليه. (وإن كان في الذمة .. طالبه إن أنكر وكالته، أو قال: "لا أعلمها") لأن الظاهر: أنه يشتري لنفسه، والعقد وقع معه. (وإن اعترف بها .. طالبه أيضًا في الأصحِّ؛ كما يطالب الموكِّل، ويكون الوكيل كضامن، والموكِّل كأصيل) لأن العقد وإن وقع للموكِّل لكن الوكيل فرعُه ونائبه، فلذلك جوزنا مطالبتهما، فعلى هذا يرجع الوكيل إذا غرم، والثاني: لا يطالب الوكيل؛ لأنه سفير محض؛ كالوكيل في النكاح لا يطالب بالمهر، والثالث: أنه يطالب الوكيل فقط؛ لأن الالتزام وجد منه، ورجحه الرافعي في مسألة خلع الأجنبي (٢). (وإذا قبض الوكيل بالبيع الثمنَ وتلف في يده وخرج المبيع مستحقًّا .. رجع عليه المشتري وإن اعترف بوكالته في الأصحِّ) لأنه الذي تولّى القبض، وحصل التلف في يده، والثاني: يرجع به على الموكِّل؛ لأن الوكيل سفيره، ويده كيده، ونسبه القاضي حسين إلى عامة الأصحاب، والثالث: يرجع على من شاء منهما؛ للمعنيين. (ثم يرجع الوكيل على الموكِّل) لأنه غره.

стр. 978

قُلْتُ: وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً فِي الأَصَحِّ، وَالله أَعْلَمُ. فصَلٌ [في بيان جواز الوكالة وما تنفسخ به] الْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَإِذَا عَزَلَهُ الْمُوَكِّلُ فِي حُضُورِهِ، أَوْ قَالَ: (رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ)، أَوْ (أَبْطَلْتُهَا)، أَوْ (أَخْرَجْتُكَ مِنْهَا) .. انْعَزَلَ. فَإِنْ عَزَلَهُ وَهُوَ غَائِبٌ .. انْعَزَلَ فِي الْحَالِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا حَتَّى يَبْلُغَهُ الْخَبَرُ. === (قلت: وللمشتري الرجوع على الموكِّل ابتداء في الأصحِّ، والله أعلم) لأن الوكيل مأمورٌ من جهته، والثاني: لا؛ لتلفه تحت يد الوكيل. وجزم المصنف في نظيره من الرهن بتخيير المشتري بين رجوعه على العدل وبين رجوعه على الراهن، والقرارُ عليه. * * * (فصل: الوكالة جائزة من الجانبين) لضرر الإلزام؛ فإنه قد يبدو للموكِّل ترك ما وكل فيه، أو توكيلُ آخرَ، والوكيل قد لا يتفرغ. هذا إذا لم يُذكر جُعل، فإن ذكر جُعل معلوم، ووجدت شروط الإجارة؛ فإن عُقد بلفظ الإجارة .. فهو لازم، أو بلفظ الوكالة .. قال الرافعي: فيمكن تخريجه على أن العبرة بصيغ العقود أم بمعانيها، والأصح في "البحر": أنه يكون جائزًا؛ لأن الإجارة لا تنعفد بلفظ الوكالة (١)، وجزم به الجويني في "مختصره". (فإذا عزله الموكِّل في حضوره) أي: أتى بلفظ العزل خاصة، (أو قال) في حضوره: ("رفعت الوكالة"، أو "أبطلتُها"، أو "أخرجتك منها" .. انعزل) لدلالة كلٍّ من الألفاظ المذكورة عليه. (فإن عزله وهو غائب .. انعزل في الحال) لأنه رفعُ عقد لا يُحتاج فيه إلى الرضا، فلا يحتاج إلى العلم؛ كالطلاق، (وفي قول: لا حتى يَبلغه الخبر) ممن تُقبل روايتُه؛ لئلا يرتفع الوثوق عن تصرفه، وقياسًا على القاضي.

стр. 979

وَلَوْ قَالَ: (عَزَلْتُ نَفْسِي)، أَوْ (رَدَدْتُ الْوَكَالَةَ) .. انْعَزَلَ. وَيَنْعَزِلُ بِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ، وَكَذَا إِغْمَاءٌ فِي الأَصَحِّ، وَبِخُرُوجِ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ. === وفرق الرافعي: بأن عمل القاضي تتعلق به المصالح الكلية (١)، قال الإسنوي: ومقتضاه: أن الحاكم في واقعة خاصة حكمُه حكم الوكيل. (ولو قال: "عزلت نفسي"، أو "رددت الوكالة" .. انعزل) للدلالة عليه، وسواء كان الموكِّل حاضرًا أو غائبًا؛ لأنه قطعٌ للعقد، فلا يفتقر إلى حضور من لا يُعتبر رضاه؛ كالطلاق، وقيل: إن كانت صيغةُ الموكِّل أمرًا؛ كـ (بع)، و (أعتق) .. لم ينعزل بذلك؛ لأن ذلك إذن وإباحة، فأشبه ما إذا أباح الطعام لغيره .. فإنه لا يرتدُّ بردِّ المباح له. (وينعزل بخروج أحدهما عن أهلية التصرف بموت أو جنون) لأنه لو قارن .. منع الانعقاد، فإذا طرأ .. قطعه، والصواب كما قاله في "المطلب": أن الموت ليس بعزل، بل انتهت الوكالة به؛ كما قلنا في النكاح. (وكذا إغماء في الأصحِّ) كالجنون، والثاني: لا؛ لأنه لم يلتحق بمن يولَّى عليه، واختاره السبكي تبعًا للإمام وغيره، وقال القاضي الحسين: إنه ظاهر المذهب. ويستثنى على الأول: الوكيل في رمي الجمار، فإنه لا ينعزل بإغماء الموكِّل على الأصحِّ؛ كما ذكراه في الحجِّ (٢)، ومن الواضح أنه لا ينعزل بالنوم وإن خرج به عن أهلية التصرف. (وبخروج محلِّ التصرف عن ملك الموكِّل) كبيعه أو إعتاقه ما وكله في بيعه؛ لاستحالة بقاء الولاية والحالة هذه. وينعزل أيضًا بتزويج من وكله في بيعها، وكذا بإيجارها وإن جوزنا بيع المستأجر؛

стр. 980

وَإِنْكَارُ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ لِنِسْيَانٍ أَوْ لِغَرَضٍ فِي الإِخْفَاءِ لَيْسَ بِعَزْلٍ، فَإِنْ تَعَمَّدَ وَلَا غَرَضَ .. انْعَزَلَ. وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِهَا، أَوْ صِفَتِهَا؛ بِأَنْ قَالَ: (وَكَّلْتَنِي فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، أَوِ الشِّرَاءِ بِعِشْرِينَ)، فَقَالَ: (بَلْ نَقْدًا أَوْ بِعَشَرَةٍ) .. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ بِيَمِينِهِ. وَلَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً بعِشْرِينَ وَزَعَمَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَمَرَهُ، فَقَالَ: (بَلْ بِعَشَرَةٍ) وَحَلَفَ؛ فَإِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَسَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ قَالَ بَعْدَهُ: (اشْتَرَيْتُهُ لِفُلَانٍ وَالْمَالُ لَهُ) وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ .. فَالْبَيعُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَذَّبَهُ .. حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ === لأن مريد البيع لا يؤجر غالبًا؛ كذا نقلاه عن "التتمة" وأقراه (١). (وإنكار الوكيل الوكالةَ لنسيان أو لغرض في الإخفاء ليس بعزل، فإن تعمد ولا غرض .. انعزل) لأنه معذور في القسم الأول دون الثاني، وقيل: ينعزل مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا، ولو أنكر وقد ادعي عليه بحقٍّ على موكِّله، فقامت البينة بقبوله .. فإنه لا ينعزل، ولا تندفع عنه الخصومة، إلا أن يعزل نفسه، ذكره الجُوري. (وإذا اختلفا في أصلها) بأن قال: (وكلتني في كذا)، فقال: (ما وكلتك)، (أو صفتها؛ بأن قال: "وكلتني في البيع نسيئة، أو الشراء بعشرين"، فقال: "بل نقدًا أو بعشرة" .. صدق الموكِّل بيمينه) أما في الأولى .. فلأن الأصل عدمُ التوكيل، وأما في الثانية .. فلأن من قُبل قولُه في شيء .. كان القول قولَه في صفته. (ولو اشترى جاريةً بعشرين، وزعم أن الموكِّل أمره، فقال) الموكِّل: ("بل بعشرة ") أي: أذنت في عشرة، (وحلف؛ فإن اشترى بعين مال الموكِّل وسماه في العقد، أو قال بعده) أي: العقد ("اشتريته لفلان والمال له"، وصدقه البائع) على ذلك، أو قامت به بينة ( .. فالبيع باطل) لأنه قد ثبت بتسميته في الأولى، وتصديق البائع في الثانية أن المال والشراء لغير العاقد، وثبت بيمين من له المال أنه لم يأذن في الشراء الذي باشره الوكيل فيلغو؛ لأن الشراء بعين مال الغير بغير إذنه باطلٌ، وإذا بطل .. فالجارية للبائع، وعليه ردُّ ما أخذ. (وإن كذبه) البائع في الصورة الثانية بأن قال: (إنما اشتريت لنفسك، والمال لك)، ولا بينة ( .. حلف على نفي العلم بالوكالة) إن ادعى الوكيل علمَه بها،

стр. 981

وَوَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، وَكَذَا إِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ، وَكَذَا إِنْ سَمَّاهُ وَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ صَدَّقَهُ .. بَطَلَ الشِّرَاءُ. وَحَيْثُ حُكِمَ بِالشِّرَاءِ لِلْوَكِيلِ .. يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْفُقَ بِالْمُوَكِّلِ لِيَقُولَ لِلْوَكِيلِ: (إِنْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ بعِشْرِينَ .. فَقَدْ بعْتُكَهَا بِهَا)، وَيَقُولُ هُوَ: (اشْتَرَيْتُ، لِتَحِلَّ لَهُ). وَلَوْ قَالَ: (أَتَيْتُ بِالتَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ)، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ .. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ، وَفِي قَوْلٍ: الْوَكِيلُ. وَقَوْلُ الْوَكِيلِ فِي تَلَفِ الْمَالِ مَقْبُولٌ بِيَمِينِهِ، === (ووقع الشراء للوكيل) في الظاهر، وحينئذ فيسلم الثمن المعين إلى البائع، ويغرم بدله للموكِّل. (وكذا إن اشترى في الذمة، ولم يسمِّ الموكِّل) ولكن نواه .. فإن الشراء يقع للوكيل ظاهرًا، (وكذا إن سماه، وكذبه البائع في الأصحِّ) أي: كذبه في الوكالة؛ بأن قال: (سميته ولم تكن وكيله)، والوجهان هنا: هما الوجهان المتقدمان في قول المصنف، (فإن سماه)، فقال البائع: (بعتك)، فقال: (اشتريت لفلان)، فكذا في الأصح، وقد مرَّ تعليلهما. (وإن صدقه .. بطل الشراء) لاتفاقهما على وقوع العقد للموكِّل، وثبوت كونه بغير إذنه بيمينه. (وحيث حكم بالشراء للوكيل .. يستحب للقاضي أن يرفُق بالموكِّل) أي: يتلطف به (ليقول للوكيل: "إن كنت أمرتك بعشرين .. فقد بعتكها بها"، ويقول هو: "اشتريت" لتحل له) باطنًا، ولا يضرُّ التعليق المذكور في صحة البيع؛ للضرورة إليه. (ولو قال) الوكيل: ("أتيتُ بالتصرف المأذون فيه"، وأنكر الموكِّل .. صدق الموكِّل) لأن الأصل عدمُ التصرف وبقاء الملك، (وفي قول: الوكيل) لأن الموكِّل قد ائتمنه، فعليه تصديقه، ولأنه مالك لإنشاء التصرف، فيملك الإقرار به؛ كالولي المجبر إذا أقر بنكاح موليته. ومحلُّ الخلاف: إذا وقع النزاع قبل العزل، فإن وقع بعده .. فالمصدق الموكِّل قطعًا؛ لأن الوكيل غيرُ مالك لإنشاء التصرف حينئذ. (وقول الوكيل في تلف المال مقبول بيمينه) من غير ضمان؛ لأنه أمين؛

стр. 982

وَكَذَا فِي الرَّدِّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِجُعْلٍ .. فَلَا. وَلَوِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى رَسُولِ الْمُوَكِّلِ وَأَنْكَرَ الرَّسُولُ .. صُدِّقَ الرَّسُولُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ تَصْدِيقُ الْوَكِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (قَبَضْتُ الثَّمَنَ وَتَلِفَ)، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ .. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ إِنْ كَانَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَإِلَّا .. فَالْوَكِيلُ عَلَى الْمَذْهَبِ. === كالمودع وغيره من الأمناء. ومحلُّ القبول: إذا أطلق التلف، فإن أسنده إلى سبب .. فلا بدَّ فيه من التفصيل المذكور في الوديعة؛ كما أشار إليه الرافعي في (كتاب الرهن) (١). (وكذا في الردِّ) على موكِّله؛ لأنه إن كان بغير جُعل .. فقد أخذ العين لمحض غرض المالك فأشبه المودع، وإن كان بجُعل .. فلأنه إنما أخذ العين لنفع المالك، وانتفاعُه هو إنما هو بالعمل في العين لا بالعين نفسها. وقضية إطلاق الشيخين: أنه لا فرق بين ما قبل العزل أو بعده، لكن قال في "المطلب": إن محلَّه: في حال قيام الوكالة، فإن كان بعد العزل .. لم يقبل. (وقيل: إن كان بجُعل .. فلا) لأنه أخذه لغرض نفسه في الأجرة، فأشبه المرتهن. (ولو ادعى الردَّ على رسول الموكِّل، وأنكر الرسول .. صدق الرسول) لأنه لم يأتمنه فلا يُقبل قولُه عليه. (ولا يلزم الموكلَ تصديقُ الوكيل على الصحيح) لأنه يدعي الردَّ على من لم يأتمنه، فليُقم البينة عليه، والثاني: يلزمه التصديق، وبه أفتى ابن الصلاح؛ لأنه معترف بالرسالة، ويدُ رسوله كيده، فكأنه يدعي الردَّ عليه، قال ابن الصلاح: وإذا ادعى أنه أشهد وضاعت الحجة .. فلا ضمان (٢). (ولو قال: "قبضت الثمن وتَلِف"، وأنكر الموكِّل .. صدق الموكِّل إن كان قبل تسليم المبيع) لأن الأصل بقاءُ حقِّه، (وإلا) أي: وإن كان بعد تسليم المبيع ( .. فالوكيل على المذهب) لأن الموكِّل يدعي تقصيره وخيانته بالتسليم بلا قبض،

стр. 983

وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَضَاءِ دَيْنٍ، فَقَالَ: (قَضَيْتُهُ) (وَأَنْكَرَ الْمُسْتَحِقُّ .. صُدِّقَ الْمُسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ، والأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ إِلَّا بِبيِّنَةٍ. وَقَيِّمُ الْيَتِيمِ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ .. يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ === والأصل عدمه، وقيل: القول قولُ الموكِّل؛ لأن الأصل بقاءُ حقِّه. (ولو وكله بقضاء دين، فقال: "قضيته"، وأنكر المستحق .. صدق المستحق بيمينه) لأن الأصل عدمُ القضاء. (والأظهر: أنه لا يصدَّق الوكيل على الموكِّل إلا ببينة) لأنه أمره بالدفع إلى من لم يأتمنه، فكان من حقِّه الإشهادُ عليه. وعلى هذا يأتي ما في رجوع الضامن من الاكتفاء بالمستور وبالواحد. والثاني: يصدق عليه؛ لأنه ائتمنه، فأشبه ما لو ادعى الردَّ عليه .. فعلى الأظهر: إذا ترك الإشهاد على الدفع، فإن دفع بحضرة الموكل .. فلا رجوع للموكل عليه في الأصح. وإن دفع في غيبته .. رجع، سواء صدقه الموكِّل بالدفع أم لا على الصحيح؛ لتقصيره. فلو قال: (دفعت بحضرتك) .. صدق الموكِّل بيمينه، جزم به الرافعي (١)؛ لأن الأصل عدمُ الحضور عند الدفع. (وقَيِّم اليتيم إذا ادعى دفعَ المال إليه بعد البلوغ (والرشد (يحتاج إلى بينة على الصحيح" لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. فدلَّ على أنهم لو جحدوا .. لا بدَّ من البينة؛ ولأنه لم يأتمنه حتى يكلف تصديقه، ويخالف الإنفاقَ فإنه يعسر إقامة البينة عليه. والثاني: يقبل قوله بيمينه؛ لأنه أمين فأشبه المودع، وتحمل الآية على الإرشاد. قال ابن الملقن: (ومراده بالقيم: من يقوم بأمره أبًا كان أو جدًّا، أو وصيًّا، أو حاكمًا) انتهى (٢).

стр. 984

وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ وَلَا مُودعٍ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ: (لا أَرُدُّ الْمَالَ إِلَّا بِإِشْهَادٍ) فِي الأَصَحِّ، وَلِلْغَاصِبِ وَمَنْ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ ذَلِكَ === وهو مردود فإن المصنف قال: (وقيم اليتيم) والأب لا يتم معه، والجد في معناه لا سيما إذا قلنا: بأنه يُطلق عليه اسمُ الأب حقيقةً، والوصي قد ذكره المصنف في آخر (الوصية)، وجزم فيه بأنه لا يصدق (١). والظاهر: أن مراده بالقيم: منصوب القاضي فقط، وهو اصطلاح الإمام والرافعي وغيرهما، ولم يتعرض الشيخان للأب والجد، والمشهور فيهما؛ كما قاله في "المطلب": عدم القبول أيضًا. لكن جزم السبكي بقبول قولهما، وبه صرح الماوردي (٢). (وليس لوكيل ولا مودَع أن يقول بعد طلب المالك: "لا أردُّ المال إلا بإشهاد" في الأصحِّ) لأن قوله في الردِّ مقبولٌ، فلا حاجة إليه. والثاني: له ذلك؛ كيلا يحتاج إلى اليمين، فإن الأمناء يحترزون عنها ما أمكنهم. والثالث: إن اقتضى الإشهاد تأخيرًا وتعويقًا للتسليم .. فليس له، وإلّا .. فله. والرابع: إن كان قبضها بإشهاد .. فله، وإلّا .. فلا. (وللغاصب ومن لا يُقبل قوله في الردِّ ذلك) أي: التأخير إلى الإشهاد؛ لما أشار إليه المصنف من عدم قبول قوله. هذا إذا كان عليه بينة بالأخذ؛ لأنه يحتاج إلى بينة الأداء، فإن لم يكن عليه بينة .. فوجهان، أصحهما عند البغوي: أنه كما لو كان عليه بينة (٣)، وهو ما أورده أكثر المراوزة والماوردي (٤). والثاني: وبه قال العراقيون: أنه ليس له ذلك؛ لأنه يمكنه أن يقول: "ليس عندي شيء) ويحلف.

стр. 985

وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: (وَكَّلَنِي الْمُسْتَحِقُّ بِقَبْضِ مَا لَهُ عِنْدَكَ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (وَصَدَّقَهُ .. فَلَهُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِبيَّنَةٍ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَلَوْ قَالَ: (أَحَالَنِي عَلَيْكَ) وَصَدَّقَهُ .. وَجَبَ الدَّفْعُ فِي الأَصَحِّ. === واقتضى إيراد الرافعي ترجيحه (١)، ورجح الإسنوي الأول، فإنه ربما رفعه إلى قاض يرى الاستفصال؛ كالمالكي فيسأله هل غصبت أم لا؟ واستشكل في "المطلب" جوازَ التأخير للغاصب؛ لأن التوبة واجبة على الفور، وهي متوقفة على الردِّ. وتعبير المصنف بـ (الردِّ) لا يشمل الدين، وحكمُه حكم من لا يقبل قوله في الردِّ، فلو عبر بالدفع .. لشمله. (ولو قال رجل: "وكلني المستحق بقبض ما له عندك من دين أو عين"، وصدقه) الذي عنده ( .. فله دفعه إليه) لأنه محق بزعمه. (والمذهب) المنصوص (أنه لا يلزمه) الدفع (إلا ببينة على وكالته) لاحتمال إنكار الموكِّل الوكالة. وقيل: يلزمه؛ كما إذا ادعى أنه وارثه وصدقه .. فإن المنصوص: أنه يلزمه، والصحيح: تقرير النصين. والفرق: أن في اعترافه بالإرث صار الحقُّ للوارث، وحصل اليأس من التكذيب، بخلاف الوكالة. واحترز بقوله: (وصدقه) عما إذا لم يصدقه، فإنه لا يكلف الدفع إليه قطعًا. (ولو قال: "أحالني عليك" (وقبلت الحوالة) وصدقه .. وجب الدفع في الأصحِّ) لاعترافه بانتقال الحقِّ إليه، فأشبه الوارث. والثاني: لا؛ لاحتمال إنكار صاحب الحقِّ الحوالةَ. واحترز بقوله: (وصدقه) عما إذا كذبه ولم تكن بينة؛ فله تحليفه إن الزمناه الدفعَ إذا صدقه.
следующие страницы →