← Общие книги

Общие книги · id 13296

لبيك حج الفقراء

مالك بن نبي

Полный текст (155 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قاطعه البحار: - ماذا يمكن للدين أن يبني لو فرضنا أن هناك دينا عالميا؟ أستطيع الآن أن أخبرك ماذا سيحصل. كنيسة عالمية تخضع الشعوب وتقهرهم وتسلبهم ضمائرهم وأموالهم. قطع الحاج على البحار حديثه وهو يمده بسيجارة: - ماذا تريد أن تقول نحن غير متفقين على الألفاظ؟. نحن نقول الشيء نفسه ولكن من منطلقين مختلفين، بتجريمك للأديان، أنت تجرم الاختلاف أعتقد أنك تتهم التنوع اللغوي أيضا، لا بد أنك من أنصار (الاسبرانتو) (١)، اعلم أن برج بابل بقي فكرة طوباوية ... قدح عود الثقاب، وأشعل سيجارة البحار الذي سأله: - من دون شك أنث مؤمن بما أنك متجه إلى مكة، ولكن عند النقاش معك تعطي انطباعا

стр. 107

بأنك رجل مثقف ومتعلم وحري بك ألا تكون مؤمنا. رد الحاج بقوة قائلا: - هذا انطباعك أنت وانطباع وسط ينظر إلى العلاقة المتبادلة بين الدين والعلوم بطريقة معينة. في مثل هذا الوسط ينظر إلى المسلم المثفف على أنه متشكك وإلى المسلم العادي على أنه متعصب. أما إبراهيم الذي كان يتابع باهتمام حديث الرجلين فلم يستطع أن يواكبهما لضعف مستواه في الفرنسية غير أنه كان مستحسنا لموقف الحاج ذي الشاشية، كان لديه انطباع غامض أن ما شهده كان صراعا بين الإسلام والكفر. لف إبراهيم ما تبقى من الحلويات في ورقة وهو يتحدث إلى أحد رفقاءه عن الرجلين اللذين ابتعدا وهما يتابعان النقاش: - لم أفهم جيدا ما دار بينهما ولكني واثق أن الحاج قد دافع عن الإسلام بحق، إنه يتكلم الفرنسية بطلاقة.

стр. 108

وضع إبراهيم صرة الحلويات التي جمعها جانبا ثم أضاف قائلا: - هذه الحلوى لهادي عند ما أراه، مؤكد أنه يأكل بما فيه الكفاية في المطابخ، ولكن الأطفال يحبون الحلويات. كأن ابراهيم يعد نفسه لصلاة الظهر وهو يتفكر فى أمر هادي وحكايتهما المتشابهة، غير أنه لم يفهم كيف أمكن لهذا الصغير أن يفكر بمشروع الحج ويحققه، الأمر بالنسبة إلي بدأ بحلم، ولكن ماذا عن الطفل؟. فكر كثيرا ولكنه لم يجد تفسيرا كافيا لكل ذلك. عندما اتخذ إبراهيم مكانه استعدادا للصلاة، ألقى نظره إلى صرة الحلويات المخصصة لهادي وهو يعد نفسه أن يطلب منه إيضاحا لتساؤلاته. عندما بدأ الإمام بالتكبير طرح إبراهيم الأفكار التي كانت تجول بخاطره جانبا واستغرق في صلاته حتى السلام الختامي، وعاد بعدها إلى سابق تفكيره وهو يتساءل إن كان هادي يصلي بما أنه سوف يصبح حاجا. لم لا يصلي مع فوجنا؟ المطابخ ليست بالمكان اللائق الذي يساعده على التركيز في واجبه الديني،

стр. 109

هذا واجب أي مسلم بأن يذكره بواجباته ويحرص على أن يكون حجه الذي بذل في سبيله كل الحيل، مقبولا، إنه طفل من بونة مثلي وهو أصغر مني بل أفقر مني أيضا. أجبر هذا الوضع إبراهيم على اتخاذ قرار، أخذ رزمة الحلويات وذهب على الفور يبحث عن هادي في المطبخ، لم ينفق وقتا طويلا لكي يجده، إذ سمع صوته من خلال كوة تطل على السطح وهو يغسل الأطباق. كان هادي يغني أغنية كانت لوقت غير بعيد شائعة بين أطفال بونة، تقدم إبراهيم وهو يمشي على أطراف أصابعه ونادى: هادي! يا هادي!. سمع إبراهيم صوت طاولة تسحب وظهر بعدها الرأس الصغير لطفل بونة، كان الفضول يثيره كي يعرف من يناديه ولكنه ضحك عندما عرف زائره. لم يكن الطفل يعرف اسمه ولم يشأ أن يناديه كعادته عندما كان يلتقيه في شوارع بونة، سأله: - هل أنت بحاجة إلي يا عمي الحاج؟. رد إبراهيم وهو يناوله الصرة: - لا، جئت هنا لأعطيك هذه الحلويات.

стр. 110

أكب الطفل من الكوة ليأخذها وقال له وهو يريد أن يشكره: - عمي الحاج، قل لي أين يمكنني أن أجدك كي أحضر لك قهوة ساختة، لكن لا تخبر أحدا. استطرد إبراهيم قائلا وهو يبحث عن كلمات: - أتعرف المكان الذي رأيتني فيه بالأمس عندما أحضرت الحزمة إلى الحاج الذي رفضت أن تقبل منه المال؟ ستجدني هناك، تعالى إلي إن استطعت قبل العصر حتى تتمكن من تأدية الصلاة معنا. وهو يقول هذا لم يشأ أن يذكر الفتى بوقاحته على المرسى عندما ناداه بـ (بوقرعة)، هذا الأخير أسعده أنه لم يذكره بقلة أدبه تجاهه وأعجبته الفكرة التيى أضفت على مغامرته طابعا مميزا. سحب هادي رأسه من الكوة لكي يخفي التأثر الذي هز صوته وقال: - أنا لا أعرف كيف أتوضأ، أرني كيف أفعل ذلك مرة واحدة، فأنا أتعلم بسرعة.

стр. 111

رد إبراهيم الذي أبهجه الاستعداد الطيب للفتى، وهو يغادره: - إنه أمر سهل، عليك أن تتبع ما أفعله في الوضوء مرة أو مرتين .. رأى إبراهيم أن لديه بعض الوقت قبل صلاة العصر، فقرر أن يقوم بجولة في المركب. كان يريد أن يتحدث إلى بعض التونسيين عن الحياة في المدينة، كان يعتبر التونسي أقدر من الجزائري أو المغربي على تزويده بالمعلومات التي يريدها. كان يمشي بين الممرات ويطل على المقصورات بحثا عن شخص تونسي. توقف بصرة عند أحد الأبواب على أحد الركاب. عرف الحاج الذي اتهمه بالتواطؤ مع هادي فتذكر إبراهيم التفاصيل التي كان وعده بها هذا الحاج عن مغامرة الفتى. عندما رأى الحاج إبراهيم، عرفه واستقبله وقد اعتدل جالسا على فراشه وخاطبه مبتسما: - أجئت من أجل قصة ذلك الفتى الصغير؟. رد عليه إبراهيم وهو يدخل المقصورة: - لا، لم آت لهذا السبب لكنني تذكرت وعدك

стр. 112

عندما رأيتك، وأضاف قائلا لمن كان حاضرا: - السلام عليكم. لمح مقعدا أمام الحاج الذي استقبله في حين سمع الحضور يردون عليه: - وعليكم السلام. أخرج الشيخ الحاج رجليه من تحت غطائه ولبس بلغته ثم صاح: - يا أحمد! إن كان بقي شيء من الشاي في الإبريق، فحبذا لو قدمت منه لهذا الحاج، وهو يشير إلى إبراهيم الذي جلس على المقعد، ثم واصل قائلا: - لقد خشيت على الولد هذا الصباح عندما اكتشف أمره ظننت أنهم سيحبسونه حتى الرجوع إلى بونة لكن الرحمة موجودة في قلوب مخلوقات الله، أليس كذلك؟. التفت إبراهيم أولا ليتناول كأس الشاي، قائلا: - أرجو من الله أن يسقبك من ماء زمزم يا حاج أحمد، قال مخاطبا الحاج الذي

стр. 113

ناوله الكأس، ثم أردف معلقا على كلام الشيخ الحاج: - حقيقة كل القلوب فيها رحمة، لولا إبليس الذي يفرق بينها. - اللعين! أضاف الحاج مؤكدا ما قاله إبراهيم: - يجب أن تعلم أن الفتى أخذ أمتعتي عنوة، لقد انتزعها انتزاعا من يدي عندما التقيت به غير بعيد عن المركب، كان يقبل يدي وعيناه تذرفان بالدموع، وبما أنني لم أفهم ما يجري طلبت منه توضيحا، عندها أخبرني أنه يريد الذهاب مع الحجيج. ظننت في قرارة نفسي أنها نزوة طفل وحاولت أن أعيده إلى صوابه عندما اقتربنا من المركب لكن حينما وصلنا رفض رفضا باتا أن يأخذ أجر حمله لأمتعتي ... تذكر إبراهيم المشهد وأكد قائلا: - فعلا لقد رأيته حين رفض أخذ النقود ... ظننت حينها أن الولد لم يشأ أن يأخذ الثمن من حاج تقربا من الله ...

стр. 114

- أظننت ذلك! رد عليه الشيخ متعجبا وهو يضحك: - كان يريد فقط دفعي إلى التواطؤ معه لأمكنه من الصعود إلى المركب، شرح لي أنني سأجد حبلا على سطح المركب وأنه علي فقط أن ألقيه من على السياج من جهة البحر، وبما أننا كنا على أهبة الإقلاع لم أشأ إطالة النقاش مع الولد الذي كان مصرا على رفضه العنيد. في حقيقة الأمر وأنا أصعد إلى المركب لم أكن قد قررت بعد ماذا أفعل. ملكني ملل من الموضوع ولكن لما وصلت إلى السطح رأيت حبلا من جهة البحر تماما كما قال لي الطفل وكأنه هو الذي وضعه، هناك بدا لي أن القدر قد تدخل مساعدا في تخطيط الولد الذي كنت فضلا عن ذلك مدينا له، أحسست بأني متورط في القضية ... فما كان مني إلا أن ألقيت الحبل، وأشرت إلى الطفل الذي كان ينتظر وقد ارتسمت الفرحة على قسمات وجهه؛ فقفز إلى الماء كالسمكة والتف حول عارضة المركب، تسلق الحبل بخفة القرد ووصل إلى

стр. 115

السطح وهو مبتل بالماء حتى العظام. قبل يدي مرة أخرى، لم يترك لي فرصة لأتفوه بأي كلمة، إذ اختفى بسرعة كالفأر عندما يدخل جحره. كان إبراهيم يستمع بشغف إلى ما قام به هادي، وضع الكأس فارغة بجانبه، وقال: - آه! هولاء هم أطفال بونة ... تناول الحاج أحمد كأس إبراهيم الفارغة، وقال معبرا عن رأيه: - على الأقل، مغامرة هذا الفتى لها معنى سوف يعود إلى وطنه بلقب حاج، كثير من أولاد الأغنياء لا يحملون هذا اللقب، فهو فقير وقد لا تسنح له الظروف لحيازة المال الكافي لكي يؤدي هذا الفرض. قاطع الشيخ الحاج قائلا: - ألم يحن وقت صلاة العصر بعد؟ على إثر هذا السؤال تذكر إبراهيم موعده مع هادي فقال معتذرا: - آسف، سيأتي الولد ليتوضأ معي كي يتعلم، لا بد أنه في انتظاري الآن.

стр. 116

- السلام عليكم، قالها وهو خارج، رد عليه الحضور: - وعليكم السلام؟ فليكافئك الله على صنيعك. عندما التحق إبراهيم بمجموعته، كانت تخالجه مشاعر أبوية نحو الولد مختلطة بإعجاب أحس به دون أن يشعر عندما كان الطفل يتحدث عن أعماله، وجد إبراهيم الطفل هادي على السطح، وقد تحلق حوله أعضاء المجموعة، كان يفرغ لهم في الكأس نفسه القهوة التي جلبها معه من المطبخ. عندما رأى الحجاج الذين كانوا مجتمعين حول دلو القهوة، صاحبهم قالوا له وهم يمازحونه بلطف: - كيف تتأخر يا إبراهيم؟، هذا تلميذك ينتظرك من أجل درس الوضوء. واحتفالا بأول درس له، أكرمنا بهذه القهوة اللذيذة، هل تعلم أنه لم يرد أن يشربنا منها قبل أن تأتي إلينا؟. رد إبراهيم وهو يضحك: - له كل الحق بالاحتفاظ بالخدمة لمعلمه، ثم خاطب الطفل: - هل استأذنت حتى تأتي لنا بهذه القهوة؟.

стр. 117

رد عليه الفتى وهو يمده بكأس القهوة: - إن رئيس المطبخ شخصيا هو الذي سمح لي بأخذها، كما سمح لي بإقامة الصلاة معكم. تناول إبراهيم رشفة ثم خاطب الفتى بصوت آمر كما يفعل المعلم مع تلميذه: - يا هادي بما أن لك سمعة جيدة في المطبخ، اذهب وأحضر لنا الماء كي نتوضأ. أحس هادي بحنان واهتمام في صوت إبراهيم الآمر كثيرا ما افتقدهما في بونة عندما كانت يرى أطفالا في مثل عمره يتمردون على السيطرة الرقيقة لآبائهم. كان كثيرا ما يطلق الزفرات على حريته المطلقة والمتردية خاصة عند أوقات الطعام والنوم، أو عندما يكون موجودا على أبواب المدارس يراقب الأطفال حين خروجهم وهم يصرخون ويقفزون هنا وهناك فرحا بوجودهم في الشارع ليمارسوا حريتهم حتى ولو كانت حرية لا ضرر فيها محمية ومتوازنة، لهذا تقبل أمر إبراهيم برضا وسرور؛ لأنه كان يجد رغبة لاشعورية في أن يستسلم لسلطة حنونة وواقية. وضع الولد دلو القهوة وجرى مسرعا نحو المطبخ وهو سعيد بأن يرى استعجاله لتنفيذ الأمر. رجع بسرعة

стр. 118

ومعه دلو ماء وناوله الحجاج الذين سكبوا منه في أوعيتهم لكي يتوضؤوا وكل في جهته. وضح إبراهيم لهادي بأن عليه أولا أن يقوم بالاستنجاء مشيرا إلى حاوية كبيرة فوق السطح وطلب منه أن يختفي خلفها عن أنظار الحضور. بعدها رجع إلى جوار مرشده وهو يتابع بانتباه حركاته ليفعل مثلها ويتم بذلك الوضوء، عندما فرغا من الوضوء كان الإمام قد استعد للصلاة ينتظرهما كي يرفع صوته بالتكبير .. التحق إبراهيم مسرعا بمكانه المعتاد حث هادي قائلا: - الأمر ليس صعبا، ما عليك إلا أن تفعل ما يفعله الآخرون. لكن الفتى الذي أخذ مكانه في الصف الثاني وراء إبراهيم جذب هذا الأخير من كمه قائلا: - ماذا يجب أن أقول؟ لم يفكر إبراهيم في سؤال كهذا، إذ أخذ يبحث عن إجابة صحيحة وسريعة حتى لا يطول انتظار الإمام، لكن هذا الأخير سمع سؤال الولد، وكان قد لاحظ حيرة الرجل فرد مكانه:

стр. 119

- لا تقل أي شيء، فقط كرر خلفي التكبير، نعلمك الباقي في الوقت المناسب، أما اليوم فلا حرج عليك، سيتقبل الله صلاتك. تقبل هادي الجملة التي زادته ثقة وسرورا. عندما ردد الطفل التكبير بوقار راوده انطباع وكأنه ينجز أول شيء جدي في حياته، حملته مخيلته إلى فضاءات سامية ومضيئة مليئة برؤى خاطفة للأبصار لا يمكن إدراكها بالعقول، كان يشعر بأن قوة الصلاة الخفية والغامضة قد حملت روحه في هذه اللحظة إلى جنة لم يستطع أن يحدد شكلها، غبطة بالغة اختلطت شيئا فشيئا مع وقاره الطفولي. عندما تلفظ الإمام بالسلام الختامي، أطلق هادي تنهيدة وكأنه يتأسف على انقضاء الصلاة التي كان يريدها أن تدوم إلى الأبد، كان إبراهيم ينتعل حذاءه، عندما توجه إلى هادي بالكلام قاطعا عليه الانبهار الذي كان يعيشه: - يا هادي، عليك بالرجوع إلى المطبخ الآن قد يكونون في حاجة إليك. لكنك سوف تعود من أجل صلاة المغرب. وإلى ذلك الحين إذا دخلت بيت الخلاء فعليك أن تستعمل الماء ... فأنت على علم الآن ...

стр. 120

- أجل، أجل أعرف ذلك. قاطعه الفتى الذي هم واقفا وقد أخذ الدلوين. وقد أضاف قائلا: - طيب، سأذهب إلى المطبخ، ولكن هذا المساء سوف تعلمني يا عمي الحاج إبراهيم أمور الصلاة. وعده إبراهيم بذلك دون أن يغيب عن سمعه أن هادي قد ناداه باسمه لأول مرة، أحس أن الولد وعلى الاحترام الذي أبداه تجاه لقبه كان يريد ربط علاقة ألفة عاطفية معه عندما ناداه بـ (يا عمي). حينما كان هادي يبتعد أحس إبراهيم بالأسف لأن هادي ليس بولده، تحسر إبراهيم لذلك وقد جنح بفكره إلى زهرة وقد مرت صورتها بخاطره وهو يتذكر بادرتها الجميلة بالأمس. تبادر إلى ذهن إبراهيم أن يستعمل السبحة التي أرسلتها إليه. كان جو صاف يغشى المركب الذي كان يرسم مجراه بلون الصدف على بحر ممتد. لم يعد يسمع أي ضجيج غريب في المركب، كأن كل الركاب مستغرقون في خشوع تام باستثناء أزيز الآلات الذي كان ينبعث فوق السطح مختنقا كأنه حشرجة.

стр. 121

كان إبراهيم جالسا على الحاوية التي كانت تستعمل ستارا لهادي عندما كان يستنجي وهو يسبح بصوت خفي. تهلل وجهه بتلك السعادة البسيطة التي تشع من وجوه الناس، شيوخا كانوا أو صغارا عند سماعهم نداء المؤذن على عتبة المسجد. كان إبراهيم يبذل كل جهده حتى يبقى مركزا في الذكر غير أن فكره كان يجول به في الماضي أو يدفعه نحو المستقبل. فجأة دق الجرس معلنا عن وقت العشاء في حين سمع خلفه صوت هادي يقول له: - هذا مزيد من الماء للوضوء يا عمي الحاج إبراهيم، لقد أحضرت لك قطعة من الجبن الذي أعطوني كثيرا منه في المطبخ ... باغته مجيء الولد ورد عليه والدهشة تعلو محياه: - عجبا، أنت هنا؛ هل انتهيت من طعامك؟ قال له مبتسما وهو يدفع بلطف قطعة الجبن الممدودة إليه وهو يقول: - لا، احتفظ بها، قد تجوع في الليل، سأعطيك خبزا من بونة.

стр. 122

أتى الإمام وقد جمع فوجه الذي التف أفراده عند سماع الجرس في مكان وجود إبراهيم وقال: - أظن أن علينا أولا أداء الصلاة حتى نأخذ راحتنا في الأكل فوقت المغرب قصير. هنا تدخل قائلا وكله سرور لفكرة متابعة إبراهيم في وضوئه: - عمي الحاج إبراهيم أتريد أن تراني إن كنت قد تعلمت الوضوء؟ دعني أبدأ أولا لترى إن كنت أعرف كيف أتوضأ. لم يكن إبراهيم في حاجة لأن يعيد وضوءه، قرر أن يعيده إرضاء للولد، هذا الأخير سارع إلى إظهار مهارته سابقا حركات إبراهيم وهو يعد بصوت عال: الأيدي ثلاث مرات .. الفم أيضا .. والأنف. كان إبراهيم يتبعه في حركاته وهو يضحك دون تدخل، لكنه عندما مرر الولد يديه المبللتين على رأسه مرة وكان سيفعلها ثانية تدخل إبراهيم مرشدا الطفل: - لا! الرأس والأذنين مرة واحدة. أرجع هادي شعره إلى مكانه بعد أن بعثره بيديه مخاطبا إبراهيم وهو يسأله:

стр. 123

- لماذا الرأس مرة واحدة؟. وكان قد بدأ في تنظيف أذنيه. أحرج السؤال إبراهيم الذي أجاب بعفوية: - دون شك لأن الشعر والأذنين لا يعلق بهم وسخ كثير. أنهى هادي غسل رجله اليسرى وقد التحق بمكانه خلف الإمام الذي بدأ يستعد للصلاة، لم يشأ أن ينتظر إبراهيم الذي ما زال ينتعل بلغته حتى لا يعطي انطباعا بأنه ما زال في حاجة إلى من يدله على مكانه. عند انقضاء الصلاة، عرض هادي خدماته على الإمام كي يصطحبه إلى المطبخ ليحضر معه الأطباق عسى أن يستعمل علاقاته المميزة في خدمة فوجهه اقترب الحجيج والتفوا للأكل حول مصباح مضيء. كان المركب قد أشعل جميع أضواءه وهو يبحر على صفحات بحر شديد السواد. كان الحجاج يأكلون ويتحدثون عن الاحتمالات الجوية أما هادي الذي كان ينظر إلى السماء وإلى النجوم التي تسطع، فقد صاح بصوت عال وهو يشير بسبابته إلى المنارة عجبا: - هذه النجمة كبيرة إنها تظهر وكأنها تتحرك.

стр. 124

نظر الحجاج في الاتجاه المشار إليه وبينوا له خطأه وهم يمازحونه. أحس هادي حينها بالخجل بعد هفوته تلك غير أنه ولكي يغطي على الحرج الذي أصابه، علق على جدوى هذا الضوء المثبت عاليا وكأنه جعل لإنارة السماء. لم يكن يوجد بين الحضور من كانت له معلومات بحرية كافية لشرح فائدة هذا الضوء، مما جعله يناقش الموضوع معهم وبحدة. كانت أحاديثه التي تصدر عن مخيلته الخصبة وبساطته العفوية والممتعة قد أبهجت الجميع، جلبت له قريحته تعاطف الحجاج الذين رأوا في هادي جلاب سعد. اتفق فوج الحجاج عندما انتهوا من الأكل على أن يهيئوا لهادي، باستعمال البرانس فراشا مؤقتا مع المجموعة. أسعد هادي لفكرة أنهم سيوقظونه باكرا في الصباح للصلاة كما يفعل الأولياء مع أولادهم عندما يرسلونهم إلى المدرسة القرآنية. كان متلهفا لأجل أن يتذوق نكهة الحياة العائلية التي طالما افتقدها في بونة عندما كان يرى الأطفال يدخلون أو يخرجون من بيوتهم حيث يوجد آباؤهم وأمهاتهم. كان يفيض عرفانا وتأثرا عندما قرر الحجاج

стр. 125

تخصيص مكان له بينهم كما اقترح إبراهيم غير أنه كان يريد ألا يثشغلهم كثيرا لذلك خاطبهم قائلا: - أنا لا أريد أن أوسخ برانسكم بقدمي، أستطيع أن أنام بينكم على الأرض كما كنت أفعل مع أصحابي في بونة. أبدى إبراهيم اهتماما كبيرا بالموضوع الذي فتحه هادي عن ماضيه، كانت الفرصة سانحة كي يشبع فضوله عن حياة الطفل فسأله: - أين كنت تنام في بونة؟. على إثر هذا السؤال، رأى هادي أنه من الواجب أن يقص عليهم ماضيه. بدأ يحكي كيف أن والديه أحضراه معهما من دوار داخلي إلى بونة هربا من المجاعة ليتمكن والده من البحث عن عمل وكان هادي صغيرا جدا وقتها. كان يحتفظ بذكريات غير واضحة عن خيمة بالية كانت ملجأ لهم ليست ببعيدة عن جسر يقطع وادي (السيبوس) (١) بجانب مصبه في البحر.

стр. 126

كان والده يذهب كل صباح إلى المدينة أو إلى مزارع الكروم المجاورة للعمل ولم يكن يعود إليهم إلا في المساء. أما والدته فقد كانت معه ترعاه وتحرس الثلاث أو الأربع دجاجات اللاتي كان بيضهن يدر عليهم بعضا من المال لشراء الملاس للعائلة الفقيرة. كان الحجاج ملتفين حول هادي يستمعون إليه وهو يقص عليهم ماضيه: - لكن أمي ماتت وباع أبي الدجاجات لأن بيضها كان يسرق من الزريبة التي ذهبنا لنقيم فيها لتكون داخل المدينة. ثم قص عليهم لحاق أبيه بأمه بعد وقت قصير. تذكر هادي كيف كان أبوه يسعل سعالا شديدا ويبصق دما ولم يعد قادرا على العمل. تذكر هادي تسوله وقد حمل إناء حارس المزراب ليستجدي طعاما لوالده، وعندما مات والده ظل هادي يتسول ليقتات. وبقي على هذا الحال لعام أو عامين إلى أن عرف بعض الأولاد أكبر منه سنا، كان يلعب معهم على أرصفة مرفأ بونة، واستمر لقاءه بهم وتعلم منهم كيف يكسب عيشه مثلهم من مسح الأحذية أو العمل عتالا. أعاد الجفنة إلى حارس المزراب ولم يرجع إليه قط.

стр. 127

لقد استحوذت عليه وضعيته الاجتماعية الجديدة وعلاقاته الجديدة. واستطرد هادي قائلا: - في البداية عندما كنت صغيرا كان أحد أصدقائي يترك لي علبة مسح الأحذية عندما كان يعمل عتالا في محطات القطار أو في الموانئ، كنت أمسح الأحذية في غيابه وأقسم معه الإيراد والطعام، وفي المساء كنا نذهب لننام مع أصدقاء آخرين لنا، لا أهل لهم مثلنا. في الصيف كنا ننام على عتبة المسجد أما في الشتاء ففي رواق أحد الجمامات. وعندما كبرت قليلا اتخذت لي علبة لمسح الأحذية تركتها بالأمس لآخر أصغر مني سنا ... قاطع أحد الحجاج الولد وقال له ممازحا: - وهل الذي ائتمنته علي علبتك سيقتسم معك الإيرادات حين عودتك؟. رد هادي ضاحكا: - آه كلا!، لم يكن بيننا أي اتفاق على هذا.

стр. 128

كان إبراهيم يتابع القصة باهتمام فسأله مرة أخرى: - وكيف قررت أن ترحل مع الحجاج؟. رجع الطفل إلى الجدية التي ميزت قصته من البداية وفي تلك اللحظة بدا يفكر كمن يبحث عن إجابة: - لا أدري ... أول أمس أنا وأصحابي أمضينا يوما ممتعا في حمل أمتعة الحجاج من المحطة إلى الفنادق. وفي المساء، عندما اجتمعنا في رواق الحمام للنوم، تحدثنا عن كل ما رأيناه، عن الحجيج، عن مكة ... قلنا ساعتها، لولا البحر لكان بإمكاننا الذهاب إلى مكة مشيا على الأقدام لأننا لا نستطيع دفع ثمن الرحلة على المركب لفقرنا، لكنني تحديتهم قائلا: - أنا أستطيع أن أذهب دون أن أدفع أي شيء. وتراهنت مع أصحابي الذين لم يصدقوا ما كنت أقول لهم. لذلك في الصباح راقبت شيخا حاجا رأيته بالأمس يلتحق بمكانه لينام في الحمام نفسه الذي كنا فيه، وعندما رأيته

стр. 129

يخرج بأمتعته سارعت نحوه وعرضت عليه أن أحمل عنه أثقاله من دون أي مقابل. طلبت منه فقط أن يمدني بحبل من فوق المركب حتى يمكنني أن أتسلق به لكنه لم يقبل بذلك فتوسلت إليه حتى قبل. فأنا أعرف جيدا المراكب ومخابئها وأعرف جميع المخابئ لأختفي في أحد المخازن ولولا الجوع والعطش اللذان دفعاني للخروج من مخبئي لما اكتشفوا أمري حتى وصولي إلى جدة. ختم الإمام حديث الولد قائلا: - على كل حال فأنت لست بالتعس بل بالعكس، ثم استدار إلى الجماعة مخاطبا إياهم لقد حان وقت صلاة العشاء فالجو أصبح أكثر برودة. حينها قام إبراهيم وهو يستعد للوضوء وقال مؤكدا، وهو يداعب بلطف شعر هادي: - إن الفتى محتاج إلى الراحة بعد كل ما لاقاه في حياته من آلام وبعد الليلة التي أمضاها في قاع السفينة.

стр. 130

أردف الإمام مؤكدا ما قاله إبراهيم: - كان رسول الله (ص) يسرع في صلاته حتى يخففها على الأم التي يبكي صغيرها، فنحن أيضا سنجعل في صلاتنا هذا المساء حتى يرتاح هادي. أثرت هذه اللفتة الطيبة في هادي، ومع ذلك كان يريد أن يطول وقت الصلاة ليستمتع بأجوائها الساحرة حتى إنه لم ينس أن يذكر إبراهيم الذي كان يعد له فراشه قائلا: - لا تنس أن توقظني لصلاة الصبح. أغمض هادي عينيه حاملا معه في نومه ذكريات هذا اليوم الذي لا ينسى. رد عليه إبراهيم بوجه مبتسم: - نم ولا تقلق نفسك سأوقظك للصلاة معنا. عبر المركب الليل على بحر هادئ وهو يؤرجح في لطف الحجيج النائمين. وعندما استيقظ الحجاج مع بزوغ الفجر لم يبق في نفوسهم وحشة الابتعاد عن الأرض، فقد ألفوا المركب والبحر المحيط بهم، بدأت الحركة تدب شيئا فشيئا على المركب، فيسمع همس صلواتهم وحثيث خطواتهم في غدوهم ورواحهم

стр. 131

حتى إن كثيرا منهم قد صعد إلى السطح بحثا عن نسيم الصباح في انتظار ساعة الإفطار. بعد مضي الليلة الهادئة اتسم الحجاج بمزاج عال إذ كانوا يتبادلون الابتسامات وكلهم فضول لمعرفة بعضهم أخبار بعض والسؤال عن أشغالهم وعن بلدانهم. نشأت بين الحجاج روح الجماعة التي زادتهم ترابطا أعلنوه في عبارة (الحجاج المغاربة)، كان إبراهيم موجودا على السطح رفقة هادي ومجموعتهما. يحب المسلم الاستغراق في تأمل السماء كحب الباسكي للمحيط: كلاهما يرنو للهروب إلى اللانهاية. لم يكن النهار قد طلع بعد كان هادي منشغلا بحملة تفتيش في المركب، أما إبراهيم فكان لسانه يردد الذكر الصباحي مستعملا السبحة وبصره يجول بين آخر نجوم الليل المتبقية. داعبت نسمة خفيفة وجهه أعطته إحساسا بلذة رقيقة. استدار إبراهيم جهة الإمام كي يشركه في إحساسه قائلا: - أتدري وكأنه نسيم الصبا ... كان أبي -رحمة الله عليه - يقول لي بأنه ريح من الجنة عندما يطل على الأرض يوم سعيد.

стр. 132

رد عليه الإمام: - كل أيام الحج سعيدة، يا حاج إبراهيم، ثم أضاف قائلا: - تمهل! استمع إلى هذا الصوت الذي يرتل القرآن ... ألقى إبراهيم السمع وعقب قائلا: - إنه بحق صوت سماوي. واصل الرجلان الاستماع حين التحق بهما حجاج آخرون وقد اتكئوا على المترسة. بدا الصوت وكأنه يخرج من أحد نوافذ السفينة الموجودة أسفل السطح مكان استماع الحجاج، كان الصوت يرتل آيات من سورة نوح حين رفض بعض قومه جراء كبريائهم الانصياع لندائه، الذي لم يجد حتى صدى ليهديهم إلى طريق الله. كان الصوت يرتل الآيات بنبرات مختلفة، فكانت ترتفع مرة متضرعة كأنين نوح ومرة مهتزة لعصيان الكفار الرافضين الاستماع إليه، وأخرى بطيئة، خفيضة وعميقة عند صدور القرار الإلهي المحتوم ضد الضالين والمفسدين. كان الموت يشرح الموضوع وتتخلله مقاطع صمت

стр. 133

أشد قوة من تسلسل الصوت، وعند معاودة التلاوة كان الصوت وباستمرار يأخذ بلب الحجاج. كانوا منبهرين، كانوا يستمعون وأفئدتهم معلقة مع كل مقطع وكلمة يترقبون فترات توقف تخلصهم من الضغط الذي يعصرهم ويدفع بهم في هوة الصمت ثم تراهم يترصدون الصوت الذي يأخذهم من جديد لكن هذه المرة إلى الحل الختامي ... عندما أطلق الصوت آخر تضرع لنوح إذ سكت بقي الحجاج في انبهارهم يعتريهم شعور بأن عقابا سينزل من السماء كي يضرب شرار الناس. لكن أخذوا أنفاسهم واسترجعوا وعيهم وتهامسوا كلهم بصوت واحد: - صدق الله العظيم. كان هادي قد عاد قبل هذا بزمن غير أنه مكث بعيدا عن قصد احتراما لمشاعر الحجاج المشدودة باهتمام نحو الصوت، أحس أن عليه أن يقدم تفسيرا لما حصل فقال: إن الصوت الذي سمعتموه هو لشيخ من تونس أخبرني بذلك آخرون عندما كنت في الأسفل مارا بمقصورته وهو يغني.

стр. 134

- لم يكن يغني يا بني بل كان يرتل القرآن. بدا الفتى وكأنه يريد أن يطرح سؤالا غير أنه اكتفى بالقول: - كان رائعا وكأنه يغني أغنية مصرية. كان إبراهيم يفكر دائما في ذلك الرجل التونسي لكي يزوده بالمعلومات عن شروط الهجرة إلى المدينة فنهض من مكانه وانطلق بحثا عن الأخبار التقى اثنين من التونسيين أو ثلاثة فسألهم غير أن إجاباتهم لم تشف غليله. لكنه لم ييأس من العثور على أحدهم ليفهمه بطريقة أكثر دقة. انتشرت قصة هادي بين مجموعات الحجيج، وكان إبراهيم سعيدا بتزويد كل من أراد بمعلومات أكثر حول الفتى ومغامرته كمن يريد أن يوفيه حقه جزاء لآلامه الماضية. أما هادي الذي لم يكن معتادا على اهتمام الناس به، فلقد كان سعيدا بهذه الشهره المفاجئة. لكن عندما دق جرس موعد القهوه مذكرا إياه بوجوب الالتحاق بالمطبخ، أحس بالحزن لفراقه الدور البطولي، غير أنه استرجع شعوره بالسعادة لأن صغر سنه كحاج وفقره أكسباه رأفة كل من في المطبخ، حتى إن رئيسه وقف في صفه حين

стр. 135

أوقع بعض الأطباق وتكسرت. خجل هادي لسوء تصرفه، وازداد خجله عندما استهزأ به مساعد الطباخ ووصفه بالأخرق وهو يتباهى أمامه ويعلمه كيف تغسل الأطباق فقاطعه رئيس المطبخ قائلا: - آه! تتكلم وكأنك لم تكسر صحونا بحياتك يا يونغ، الذي ارتبك بدوره جزاء للألم الذي سببه لهادي. هكذا استمر اليوم بأحداثه اليومية على ظهر المركب وانتهى كما بالأمس بصلاة العشاء وهذا بعد أن ألقى الإمام على مجموعته بطلب من إبراهيم درسا دينيا يخص الفروض والنصائح والممنوعات التي تمس مناسك الحاج. كان هادي مدفوعا بفضوله، يطرح عديدا من الأسئلة التي كانت تضحك رفقاءه لسذاجتها في حين كان إبراهيم يدافع عن الولد مذكرا الجميع بالقول المأثور: - اسأل عن دينك حتى ولو قيل عنك إنك مجنون. بعد مرور يومين تحت سماء صافية لا غيم فيها وبحر هادئ، كان الحجاج يلهجون بحمد ربهم الذي من عليهم برحلة طيبة كان أغلبهم قادمين من المناطق

стр. 136

الداخلية هما يفسر قلة معرفتهم أو جهلهم لها. استغربوا كعادة كل مسلم من شمال إفريقية والذي من طبعه دقة الملاحظة والاستنباط - من عدم ظهور اليابسة لأنهم وعلى مدى ثلاثة أيام لم يمتد بصرهم إلى غير البحر المحيط بهم من كل جانب، فخرجوا بنتيجة أن مساحة البحر أكبر من مساحة اليابسة. استغرب هادي لهذا الاستنتاج فعلق مخاطبا إبراهيم الذي غدا معلمه أكثر فأكثر، قائلا: - خلق الله الناس كي يعيشوا على الأرض وليس في الماء. رد عليه معلمه مفسرا: - نعم لكن عدد الأسماك يفوق بكثير عدد البشر لهذا يجب أن تكون اليابسة أقل مساحة من الماء. كان وقت الصلاة بالنسبة إلى هادي هو أفضل الأوقات، كان ينتظره بشغف كالتلميذ الذي يتطلع إلى وقت الاستراحة. كان فرحا لحضور الصلاة، كان قد توضأ قبلها في المطبخ وهو يعطي انطباعا بأنه شخص يعرف ماذا

стр. 137

يفعل، كان يحس بفرحة مميزة كمن وجد مدخلا لسعادة عارمة حتى ظن أن مصدرها الجنة. مع نهاية اليوم الثالث انطلاقا من تونس، أعلن البحارة للحجاج الموجودين على السطح أو في الممرات: - خلال هذا النهار سنصل إلى قناة السويس. بدأ الحجاج الذين كانت لديهم معلومات أكثر عن الموضوع يشرحون للآخرين. في الماضي، كان الحجاج المغاربة يسافرون إما برا وإما بحرا. بحرا كانوا يمرون ببونة وتونس وعند وصولهم إلى بور سعيد، كانوا يأخذون القافلة حتى قناة السويس ثم يستقلون (الشوقدوف) في البحر الأحمر باتجاه جدة، أبدى بعض الحجاج رأيهم معلقين على قصة القناة. أصبح الأمر في وقتنا الحاضر أكثر يسرا لأن الحجاج يركبون المركب نفسه من الجزائر إلى جدة مباشرة. غير أن بعض الحجاج كان لديهم رأي آخر، إذ يرون أن قناة السويس كانت حجر عثرة أمام استقلال مصر وحتى فلسطين كان هادي قد تابع مقطعا من هذا الحديث بعد مجيئه لصلاة المغرب، إذ شد انتباهه لفظ (شوقدوف) الذي احتار لغرابة نبرته. أراد

стр. 138

شيخ مسن ينتمي إلى مجموعة إبراهيم أن يشرح الأمر للولد إكراما له فقال: - أمي رحمة الله عليها، كانت قد أدت حجها زمن كان الحجاج يستقلون (الشوقدوف). كان عبارة عن قارب يتحرك على سطح الماء بفضل أشرعته التي تدفعها الرياح. رد عليه هادي وهو يضحك: - وماذا يحدث إن لم يكن هناك رياح؟. رد الحاج عليه مضيفا: - إن الله يرسل دائما رياحا للحجاج الذين يقصدون مكة. لم يشأ هادي أن يصر بعد هذه الملاحظة القاطعة. في اليوم التالي وبعد صلاة الظهر تم الإعلان عن ظهور اليابسة وحصل غليان كبير فوق المركب. صعد أغلبية الحجاج على السطح وعيونهم متجهة اتجاه مسار المركب، كانوا يحدقون باتجاه خط الأفق الذي اندمجت ألوانه بين زرقة الماء وزرقة السماء، بدأ خط الأس بالاتساع؛ كلما تقدم المركب بدأت أشكال تظهر شيئا فشيئا قاطعة بردائها الباهت امتداد الماء ومع

стр. 139

إحساس الحجاج بأن الأرض خلف هذا الستار، تعالت أصواتهم بالهتاف التقليدي: -لبيك اللهم لبيك!. صدر هذا الهتاف من أعماقهم وكأنه في الوقت نفسه نشيد طاعة وعرفان. تعني رؤية الأراضي المصرية للحجاج المغاربة أنهم على وشك بلوغ هدفهم. والآن يعبرون عن فرحتهم التي ملأت نشيد صوتهم المنخفض، وبدوره فإن صوته الطفولي الخافت يصاحب بنبرته الحادة الإنشاد الجماعي للرجال الذي كان أشد انخفاضا حتى مجيء وقت صلاة العصر الذي صرفهم عن هتافهم. عندما عاد الحجاج إلى السطح لمشاهدته اقترابهم من البر، شغل أمر آخر اهتمامهم. لقد تراءت لأعينهم مدينة مصرية. كان هذا الاسم محملا بالذكريات لكل من على المركب. ذكرى الأزهر، مركز الثقافة والحداثة الإسلامية، الموسيقا الساحرة المعروفة في مدن أهل المركب لأن الأسطوانات المصرية قد غزت الجماهير المغربية واللهجة الشعبية المميزة للقاهريين. كل هذا أضفى صدى متنوعا بين الحجاج والمدينة التي كانت تبرز الآن فيها المراسي والأحياء.

стр. 140

كان هادي وإبراهيم صامتين احتراما للسكون العام الذي كان يلف المكان، قلل المركب من سرعته في حين خرج زورق لملاقاته، كان الحجاج يراقبون القارب الصغير وهو يقترب من مركبهم، وكانت غالبيتهم غير معتادة على هذه الأمور فقد أبدوا اهتماما لما يجري. كان الحجاج متكئين على المترسة يقصون كل ما يرونه من أمور القارب على من خلفهم: - عجبا!؛ لقد رموا من على المركب سلما مصنوعا من الحبال نحو (الفلوكة). - أجل!، هناك رجل معتمرا طربوشا يتسلق السلم. عقب من كان لديهم علم بما يجري بقولهم: - أجل إنه الربان الذي سوف يدخل مركبنا إلى الميناء. تساءل آخرون: - الربان؟ - أجل؛ يوجد دائما ربان في كل الموانئ وظيفته إدخال المراكب إلى الموانئ. أضاف المخبرون.

стр. 141

كان هادي يتأمل الرجل ذا الطربوش وهو يصعد على المركب فاعترف قائلا: - لم أر في حياتي ربانا كهذا في بونة. ابتسم الحاج لبراءة الولد وخاطبه: - أكيد لم يكن بإمكانك رؤيته بما أنك لم تدخل أبدا ميناء بونة، بالإضافة إلى هذا فالربان هناك لا يلبس الطربوش. في هذه الأثناء توقف المركب على بعد أمتار من المرسى مغيرا بذلك موضوع الأحاديث التي كانت تدور بين الحجاج. كانوا على مصب القناة الممتدة كالشريط نحو الجنوب تساءل بعض الحجيج: - لماذا توقفنا هنا؟ أوليس لدينا الحق أن نرسو في بور سعيد؟. انطلق زورق من المرسى بأقصى سرعة وعلى ظهره رجال بطرابيش يرتدون بزات بيضا، ليقترب من المركب. كان الحجاج يتوقعون مفاجأة جديدة، في هذه اللحظة أقبل أحد ضباط المركب واتجه إلى المكان الذي مازال يتدلى منه السلم الذي تسلمه الربان، كان هناك بعض البحارة مختلطين مع الحجاج الذين أمطروهم بوابل من الأسئلة بالعربية ولغة (صبير)

стр. 142

التي هي مزيج من العربية والفرنسية والإسبانية، أو الفرنسية قصد الحصول على تفسير لما يحدث. جاء ضابط المركب كي يستقبل رجال مصلحة مراقبة القناة وموظفيها، وموظفي المصلحة الصحية والشرطة، استولت هذه اللحظات على فضول الحجاج وعلى أحاديثهم إذ أخذوا يتفحصون الوفود الجديدة التي كان الضابط يستقبلها فوق مركبه. كان انطباعهم أن المصريين يتكلمون الفرنسية بطلاقة ورددوا فيما بينهم وكلهم دهشة: - صحيح أن مصر هي بلد العلوم، فنحن أهل المغرب ليست لدينا التسهيلات نفسها كي نأخذ حظنا من التعلم. وازداد أسفهم إذ إنهم لا يستطيعون النزول إلى مدينة بور سعيد والتجول فيها ورؤية أهلها عن قرب والصلاة على الأقل في المسجد الذي لاحت منارته التركية لأنظارهم. انزعج بعض محبي مصر بقولهم: - في الماضي كان بإمكانهم- أي الحجاج-اجتياز كل البلاد أو الاستقرار فيها إن أرادوا ذلك، أما الآن فليس لدينا حق زيارة مدينة ولو عند التوقف!.

стр. 143

تنهد الإمام وهو يخاطب إبراهيم: - جاء الإسلام غريبا وسيعود غريبا، مذكرا بالمناسبة بحديث معروف. ثم أضاف بعد أن تنبه للوقت: - يا إخواني أظن أن وقت صلاة العصر قد أزف، فالشمس في دورانها كانت بين منتصف النهار والغروب. كانت الصلاة قد غيرت مجري الأفكار ومواضيع الأحاديث حتى إن الهدف من الرحلة بدأ يشغل عقول الحجاج الذين تبدأ رحلتهم المقدسة من هذا المكان. كانت رواية عريقة قد غيرت اسم بور سعيد إلى البر السعيد، وكما حصل للأجيال السابقة من الحجيج، فكثير منهم الآن، مثل إبراهيم كانوا يشعرون بانفعال لوجودهم أخيرا على (الأرض السعيدة). هذه الكلمات أضفت بعدا سحريا وروحانيا في نفس كل حاج، هذه الأرض كانت بالنسبة إليهم الجسر الذي يربط ماضي أرواحهم البعيد بمستقبلها الأكثر بعدا هناك إما في الجنة وإما في النار. بعد الإجراءات الاعتيادية أخذ المركب وجهته نحو البحر الأحمر، كان الحجاج يبدون أقل اهتماما

стр. 144

بما يجري على الأرض حتى إنهم لم يروا عن ميمنة المركب وميسرته أنوار المساء التي كانت تضيء شاطئ القناة. وفي صباح اليوم التالي؛ عندما كان المركب عند مخرج القناة تراءى لناظر الحجيج ذاك المشهد الضارب في القدم الذي يحيط بخليج السويس على اتساعه ومذكرا إياهم بالبطولات الدينية. كانوا يشيرون إلى شكل بعيد باتجاه الجنوب الشرقي بدا وكأنه جبل؛ إنه جبل الطور أو جبل سيناء حيث تلقى سيدنا موسى ألواح الشرع. فأضافوا قائلين: - يوجد هناك في أسفل الجبل، الوادي المقدس جث رأى موسى النار. استمرت التعليقات وهم يشيرون إلى مكان في الخليج: - هناك ربما حفرة فرعون؟. كان هاديء الذي أنهى عمله بالمطبخ إذ تركه رئيسه يخرج لأنه رأى أن الحاج الصغير في حاجة إلى أن يأخذ قسطه من المتعة، سأل إبراهم قائلا: - لماذا لا يقترب المركب أكثر من حفرة

стр. 145

فرعون لنرى إن كان فرعون لا يزال هناك؟ كان إبراهيم الذي طرح السؤال نفسه منذ زمن على شيخ حاج كان عند والده، تذكر الإجابة التي ما زالت محفورة في ذاكرته حتى الآن!. - لا يمكن للمركب أن يقترب أكثر من هذا مخافة أن تسحبه تلك الحفرة الدوامة. كان هادي يستمع إلى إبراهيم وقد ارتسم الانبهار على وجهه لفكرة أن هذه الحفرة المشؤومة لا يفلت منها أحد. كان المركب يشق مياها مائلة إلى الخضرة تنسي الحاج اسم البحر الأحمر ولا تبقي له سوى المنظر الموحش وغير الواضح لضفاف ممتدة في الآفاق البعيدة. كانت تظهر من وقت لآخر على سطح البحر، أمواج وفي أعلاها أضواء وكأن تدفقا مضيئا سرى فجأة على السطح السائل أعجبت تلك الأضواء هادي خاصة في المساء عندما تكون أكثر وضوحا للرؤية. شرحوا لهادي الأمر بتشبيه تلك الأضواء بأعواد الثقاب عندما تقدح، مع أن الإجابة أعجبت الولد إلا أنه في قرارة نفسه كان لديه إحساس مبهم بأن هناك معجزة مضيئة وضعتها الإرادة الإلهية على الطريق المؤدية إلى الأراضي المقدسة .... لكن فكره
следующие страницы →