Полный текст (155 стр.). Показаны 141–155 · переход к 146.
стр. 141
كان هادي يتأمل الرجل ذا الطربوش وهو يصعد على المركب فاعترف قائلا:
- لم أر في حياتي ربانا كهذا في بونة. ابتسم الحاج لبراءة الولد وخاطبه:
- أكيد لم يكن بإمكانك رؤيته بما أنك لم تدخل أبدا ميناء بونة، بالإضافة إلى هذا فالربان هناك لا يلبس الطربوش.
في هذه الأثناء توقف المركب على بعد أمتار من المرسى مغيرا بذلك موضوع الأحاديث التي كانت تدور بين الحجاج. كانوا على مصب القناة الممتدة
كالشريط نحو الجنوب تساءل بعض الحجيج:
- لماذا توقفنا هنا؟ أوليس لدينا الحق أن نرسو في بور سعيد؟.
انطلق زورق من المرسى بأقصى سرعة وعلى ظهره رجال بطرابيش يرتدون بزات بيضا، ليقترب من المركب. كان الحجاج يتوقعون مفاجأة جديدة، في هذه اللحظة أقبل أحد ضباط المركب واتجه إلى المكان الذي مازال يتدلى منه السلم الذي تسلمه الربان، كان هناك بعض البحارة مختلطين مع الحجاج الذين أمطروهم بوابل من الأسئلة بالعربية ولغة (صبير)
стр. 142
التي هي مزيج من العربية والفرنسية والإسبانية، أو الفرنسية قصد الحصول على تفسير لما يحدث.
جاء ضابط المركب كي يستقبل رجال مصلحة مراقبة القناة وموظفيها، وموظفي المصلحة الصحية والشرطة، استولت هذه اللحظات على فضول الحجاج وعلى أحاديثهم إذ أخذوا يتفحصون الوفود الجديدة التي كان الضابط يستقبلها فوق مركبه. كان انطباعهم أن المصريين يتكلمون الفرنسية بطلاقة ورددوا فيما بينهم وكلهم دهشة:
- صحيح أن مصر هي بلد العلوم، فنحن أهل المغرب ليست لدينا التسهيلات نفسها كي نأخذ حظنا من التعلم.
وازداد أسفهم إذ إنهم لا يستطيعون النزول إلى مدينة بور سعيد والتجول فيها ورؤية أهلها عن قرب والصلاة على الأقل في المسجد الذي لاحت منارته التركية لأنظارهم. انزعج بعض محبي مصر بقولهم:
- في الماضي كان بإمكانهم- أي الحجاج-اجتياز كل البلاد أو الاستقرار فيها إن أرادوا ذلك، أما الآن فليس لدينا حق زيارة مدينة ولو عند التوقف!.
стр. 143
تنهد الإمام وهو يخاطب إبراهيم:
- جاء الإسلام غريبا وسيعود غريبا، مذكرا بالمناسبة بحديث معروف. ثم أضاف بعد أن تنبه للوقت:
- يا إخواني أظن أن وقت صلاة العصر قد أزف، فالشمس في دورانها كانت بين منتصف النهار والغروب.
كانت الصلاة قد غيرت مجري الأفكار ومواضيع الأحاديث حتى إن الهدف من الرحلة بدأ يشغل عقول الحجاج الذين تبدأ رحلتهم المقدسة من هذا المكان.
كانت رواية عريقة قد غيرت اسم بور سعيد إلى البر السعيد، وكما حصل للأجيال السابقة من الحجيج، فكثير منهم الآن، مثل إبراهيم كانوا يشعرون بانفعال لوجودهم أخيرا على (الأرض السعيدة). هذه الكلمات أضفت بعدا سحريا وروحانيا في نفس كل حاج، هذه الأرض كانت بالنسبة إليهم الجسر الذي يربط ماضي أرواحهم البعيد بمستقبلها الأكثر بعدا هناك إما في الجنة وإما في النار.
بعد الإجراءات الاعتيادية أخذ المركب وجهته نحو البحر الأحمر، كان الحجاج يبدون أقل اهتماما
стр. 144
بما يجري على الأرض حتى إنهم لم يروا عن ميمنة المركب وميسرته أنوار المساء التي كانت تضيء شاطئ القناة. وفي صباح اليوم التالي؛ عندما كان المركب عند مخرج القناة تراءى لناظر الحجيج ذاك المشهد الضارب في القدم الذي يحيط بخليج السويس على اتساعه ومذكرا إياهم بالبطولات الدينية.
كانوا يشيرون إلى شكل بعيد باتجاه الجنوب الشرقي بدا وكأنه جبل؛ إنه جبل الطور أو جبل سيناء حيث تلقى سيدنا موسى ألواح الشرع.
فأضافوا قائلين:
- يوجد هناك في أسفل الجبل، الوادي المقدس جث رأى موسى النار.
استمرت التعليقات وهم يشيرون إلى مكان في الخليج:
- هناك ربما حفرة فرعون؟.
كان هاديء الذي أنهى عمله بالمطبخ إذ تركه رئيسه يخرج لأنه رأى أن الحاج الصغير في حاجة إلى أن يأخذ قسطه من المتعة، سأل إبراهم قائلا:
- لماذا لا يقترب المركب أكثر من حفرة
стр. 145
فرعون لنرى إن كان فرعون لا يزال هناك؟
كان إبراهيم الذي طرح السؤال نفسه منذ زمن على شيخ حاج كان عند والده، تذكر الإجابة التي ما زالت محفورة في ذاكرته حتى الآن!.
- لا يمكن للمركب أن يقترب أكثر من هذا مخافة أن تسحبه تلك الحفرة الدوامة. كان هادي يستمع إلى إبراهيم وقد ارتسم الانبهار على وجهه لفكرة أن هذه الحفرة المشؤومة لا يفلت منها أحد. كان المركب يشق مياها مائلة إلى الخضرة تنسي الحاج اسم البحر الأحمر ولا تبقي له سوى المنظر الموحش وغير الواضح لضفاف ممتدة في الآفاق البعيدة. كانت تظهر من وقت لآخر على سطح البحر، أمواج وفي أعلاها أضواء وكأن تدفقا مضيئا سرى فجأة على السطح السائل أعجبت تلك الأضواء هادي خاصة في المساء عندما تكون أكثر وضوحا للرؤية.
شرحوا لهادي الأمر بتشبيه تلك الأضواء بأعواد الثقاب عندما تقدح، مع أن الإجابة أعجبت الولد إلا أنه في قرارة نفسه كان لديه إحساس مبهم بأن هناك معجزة مضيئة وضعتها الإرادة الإلهية على الطريق المؤدية إلى الأراضي المقدسة .... لكن فكره
стр. 146
عاد به إلى تلك الأضواء، فسأل إبراهيم وهو على أهبة النوم:
- لماذا يوجد في هذا البحر أعواد ثقاب؟.
فكر المعلم لحظة ثم أجاب الفتى المسترسل في نومه:
- خلق الله كل شيء الماء وأعواد الثقاب.
في اليوم التالي، كان الحجاج يستعدون لحدث متوقع. تحرر هادي نهائيا من الخدمة في المطبخ فلقد كان يمضي وقته في اكتشاف أماكن المركب وزواياه وهو يلاحظ أينما ذهب أن الركاب كلهم يتأهبون بالتحضيرات نفسها؛ فمجموعة من الحجيج كانت تأخذ حماما وأخرى تغتسل. وجميعهم كانوا بين من يقص شعره ويشذب لحيته ويقلم أظافره. أحس الولد أن هناك أمرا غريبا يحدث بسبب هذا الاستعداد غير المألوف فسأل الطفل أول حاج صادفه طامعا في الحصول على إجابة. كان شيخا حليق الرأس تماما، مرتديا قطعة قماش بيضاء معقودة عند حزامه وأخرى موضوعة فوق أحد كتفيه، كان يبدو أنه خرج للتو من غرفة الحمام الساخنة. نظر إليه الشيخ باستغراب ثم أخذ نفسه الذي قطعه ربو مزمن قائلا:
стр. 147
- يا ولدي كان ينيغي على والديك بما أنك أنت أيضا حاج أن يزوداك بالمعلومات الكافية.
أخذ مرة أخرى نفسه بحشرجة وأضاف:
- كما ترى فأنا الآن محرم ... كان هادي قد سمع هذه الكلمة من قبل فقاطع الشيخ قائلا:
- آه!. أجل الإحرام. قال لنا إمامنا إنهم سيعلنون عن وقته بإطلاق صفارة الإنذار في رابغ.
رد الشيخ قائلا وكأنه استاء من إجابة الولد:
- قد أكون استعددت باكرا لكني لست في حاجة إلى سماع صفارة الشيطان. حينئذ ترك هادي الشيخ المتذمر وهو يفكر بالالتحاق بمجموعته على السطح لاستكمال معلوماته.
وجد هادي إبراهيم وقد تحول إلى حلاق، كان يحلق رأس أحد أفراد مجموعته، كان الإمام ينظر في مرآة صغيرة ويشذب شاربه والآخرون يقلمون أظافر أيديهم وأرجلهم.
стр. 148
لما رأى حلاق المناسبة الولد قادما ناداه بلطف:
-آه! هلا أتيت إلي لأجعل رأسك يشبه البصلة؟.
فهم هادي المقارنة بين رأس حليق ورأسه الذي اعتاد عليه فرد بإجابة جمعت بين الهزل والجدية:
- أنا أفضل أن تقصر شعري.
كان الإمام قد انتهى من شاربه فتدخل قائلا:
- لقد انتهيت، فتعال كي أخفف من شعرك.
كان يتأمل خصلات شعر الولد التي كانت تغطي عينيه:
- وكأنك لم تذهب عند حلاق قط.
أضاف وهو يطقطق بمقصه وكأنه يهدد شعر هادي الذي كان يبتسم وهو يقدم رأسه إلى الحلاق وهو يجلس على الصندوق الكبير الذي كان قد استعمله ستارا أول مرة عند استنجائه. بدأت خصل الشعر تتساقط، واصل الإمام طقطقة مقصه وهو ينظر إلى الأخاديد التي خلفها في رأس الفتى غير أنه بدا محرجا من النتيجة وهو يرى رأسه قد أصبح أكثر شبها
стр. 149
بجلد عنزة لم تجز أشعارها بشكل جيد. غير أن دوي الصفارة الذي جاء في الوقت المناسب أنقذ كرامة الإمام الحلاق وما تبقى من شعر هادي الذي قفز واقفا وهو يصفق بيديه ويصيح بكل فرح:
- عمي إبراهيم هذا صوت صفارة رابغ!.
توقف الحجاج الذين يقلمون أظافرهم ويشذبون لحاهم وانضموا إلى صياح الولد:
- رابغ .. رابغ ...
كانوا كلهم ينطقون بهذا الاسم الذي أشعل فتيل الهيجان على المركب.
وبطريقة لا شعورية توجه الإمام إلى رفاقه آمرا إياهم:
- ماذا تنتظرون؟ يجب أن نذهب إلى الحمام لكي نرتدي لباس الإحرام، فنحن داخلون إلى الأراضي المقدسة. تقدم ليعطي المثل واتجه إلى المكان المخصص للاغتسال الشعائري للحاج.
مكث هادي في مكانه مترددا وهو يتابع الحجاج بعينيه وهم يتتبعون خطا الإمام.
стр. 150
- وأنا، هل علي أن أفعل مثلكم؟. ليس لدي ملابس الإحرام.
هنا شد استفهام الولد أنظار المجموعة الصغيرة التي فاجأها الأمر، أجابه إبراهيم:
- بالطبع، يجب عليك أن تفعل الشيء نفسه!. أنت أيضا حاج، حتى إنك قاسيت الأمرين من أجل ذلك. أما فيما يخص لباس الإحرام فعندي كفاية لأقتطع لك منه جزءا يكفي قامتك الصغيرة، تعال! ..
عقب الإمام مقترحا: أنا أيضا أستطيع أن أقتطع من قماشي جزءا لتغطي به كتفي الطفل، ثم أضاف قائلا:
- سأترك لك القسم الأكبر من الفضل يا إبراهيم.
رد عليه إبراهيم بنبرة مازحة:
- أنا ممتن لك كثيرا لأني في الحقيقة محتاج الى رحمات ربي أكثر من احتياج هادي إلى قطعة قماشي. تبع الولد مجموعة الحجاج وهو لا يدري إن كان ينبغي عليه قول شيء
стр. 151
للمناسبة خشية من كشف مشاعر العرفان بالجميل والصداقة التي كان يحسها نحو رفقائه. كان يبحث عن موضوع مضحك، فواتته الفرصة عندما التقى بشيخ حاج صاعدا سلما باتجاه سطح المركب وهو محرم، فخاطب بوقاحة إبراهيم الذي كان يمشى أمامه قائلا:
- لو تنفك عقدة حزام هذا الشيخ فهل سنراه عاريا؟.
رد عليه إبراهيم:
- لقد خلقنا كلنا عراة وسنمثل عراة يوم الحشر.
بقي هادي مذهولا للحظة في حين كان إبراهيم، الذي كانت بين يديه قطعة القماش التي اشتراها من بونة يناديه:
- يا هادي، تعال يا بني، حتى أقيس عليك ما يكفيك من القماش.
عندما رجع مركب الحجاج إلى بونة، جاء حاج من طرف إبراهيم يطرق باب العم محمد.
стр. 152
سر هذا الأخير لما سمعه من أخبار عن الفحام وكذلك شرف استقبال حاج عائد لتوه من مكة. فدعاه العم محمد للغداء في بيته.
كانت العمة فاطمة قد انهمكت في تحضير غداء مشرف غير أنها كانت تترك المطبخ من حين لآخر مرة حاملة ملعقة، وأخرى سكين مطبخ أو ممسحة يد لتغمر ضيفها المرقر بأسئلة عن الناس وعن أمور تلك البقاع. سلمها الحاج طردا من قبل إبراهيم، وعندما فتحته العمة فاطمة قال الضيف:
- توجد سبحة لك وأخرى لزوجك، وهذا الخاتم لزهرة.
ثم أضاف وهو يخرج من طيات ثيابه محفظة:
- أخبرني الحاج إبراهيم أنك تعرف زهرة. مخاطبا العم محمد وهو يسلمه رسالة من إبراهيم أخرجها من المحفظة. بعد أن مسحت العمة فاطمة يديها ووضعت السكين أرضا، أخذت تقبل المسبحتين وتمررهما على وجهها الذي بللته الدموع. بدأ المم محمد يقرأ رسالة إبراهيم لزوجته بصوت جلي:
стр. 153
(الحمد لله وحده!
إلى عمي العزيز محمد التقي، الوقور، الكريم، الشيخ العالم.
السلام عليك وعلى أهلك. أنا سعيد بإخباركم أني قد وصلت إلى المدية المنورة منذ أيام بعد أن أديت جميع مناسك الحج كما علمتني عند مغادرتي بونة. أنا أحمد الله أن سهل لي العودة إلى الطريق المستقيم بعد أن سرت طويلا في طريق الزلل والخطايا. لعنة الله على إبليس!.
أحس وكأني إنسان جديد وأرى من حولي عالما جديدا أريد العيش فيه إن شاء الله.
هناك مغربي يملك حماما سمح لي بأن أضع فرنا في زاوية كي أبيع القهوة لزبائنه. لقد بدأت في هذا العمل منذ يومين وأريد أن أخبرك عن مدى سعادتي خاصة مع حجاج الهند وجاوة الذين لا يرجعون إلى بلدهم إلا بعد عودة حجيجنا. أريد أن أقول لك أيضا إن مهنة الفحام ليست متداولة في هذه الأمصار لأن الجميع
стр. 154
يستعملون إما البنزين وإما الكحول وقودا، هذا أفضل! فقد تركت الفحم مع الخمر في بونة، غير أني أفكر فيكم وفي أصدقاء والدي لقد جعلت لكم حظا من دعائي في مكة كما في المدينة، لن أنساكم كلما زرت قبر الرسول الذي أقصده كل يوم مع طفل صغير من بونة كان قد ركب المركب خفيه وقد قبل أن يصبح بمنزلة ابني، إنه سعيد أيضا إذ ترك علبة مسح الأحذية كما تركت أنا محلي ...
لن أنسى أبدا (زهرة) وصبرها الرائع معي في محنتي، أتمنى لها حجة لأنها تستحق ذلك وإذا قبلت أن تلتحق بي في المدينة خلال الحج المقبل فأرجوك تسلم لها بقية ثمن بيع البيت حتى تتمكن من تحمل نفقات السفر. أسأل الله أن يجمعنا بالسعادة في هذه الدنيا أو في الآخرة).
المدينة ٢٥ ذو الحجة .... ١٣
(الحاج إبراهيم الذي يدعو لكم)
стр. 155
OBEDIENCE TO YOU!
PILGRIMAGE OF THE POOR
Labbayk: Hajj al-Fuqara' Malik bin Nabi TR.: DR. KHOULIF ZIDANE
هذه الرواية ترسم عمق الروح الجزائرية وشخصيتها المنتمية إلى تراث الثقافة والحضارة الإسلامية وظهرت الرواية في زمن مبكر من تأمل بن نبي لترسم الطريق والاتجاه بعصر جديد يكتبه الجيل القادم بعد أن تستسلم الحضارة المادية الغربية لمصيرها في مسيرة القرن كما توقع بن نبي في دراساته أنه مسرى حج الفقراء تلبية للنداء الإلهي "لبيك اللهم لبيك" في عفوية روحهم وأصالتها: في شخصية الجزائر التي غلفتها ظلل من ليل الاستعمار المظلم لكنها بقيت تستبطن البواعث في قيم الرسالة مع الظاهرة القرآنية التي كانت - كما يقول بن نبي في شهادته -أول إنجاز علمي وأدبي مقاوم للاستعمار ومؤسس لمفهوم البداية في أفق النهاية.