← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 132972

صفة المفتي والمستفتي - ت أبي جنة

ابن حمدان

Полный текст (377 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

* وَفَتْوَى الْمُجْتَهِدِ الْمَذْكُورِ؛ كَفَتْوَى الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، فِي الْعَمَلِ بِهَا، وَالاِعْتِدَادِ بِهَا فِي الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ (١). * * *

стр. 142

فَصْلٌ * وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: "إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إِمَامٍ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِالْفَتْوَى [فِيهِ] (١) عَنْ نَفْسِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْإِمَامِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَيَكُونُ مُتَّبِعُهُ مُقَلَّدًا لِلْمَيِّتِ لَا لَهُ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ لَهُ، لَا لِلْمَيِّتِ، وَالسَّائِلُ إِنَّما أَرَادَ الاسْتِفْتَاءَ عَلَى قَوْلِ الْمَيِّتِ" (٢). وَالأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مُسْتَفْتِيَهُ عَمِلَ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ الَّذِي عَرَفَ الْمُفْتِي صِحَّتَهُ بِالدَّلِيلِ، فَقَدْ وَافَقَهُ [فِيهِ] (٣)؛ فَصَحَّتْ فُتْيَاهُ. * وَإِنْ مَنَعْنَا تَقْلِيدَ الْمَيِّتِ - فِي وَجْهٍ لَنَا بَعِيدٍ وَمَذْهَبٍ لِغَيْرِنَا ضَعِيفٍ-؛ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَجَدَّدَ النَّظَرَ عِنْدَ حُدُوثِ الْمَسْأَلةِ حِينَ الْفَتْوَى -وَفِي وُجُوبِهِ (٤) مَذْهَبَانِ، سَنَذْكُرُهُمَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى-[؛ فَلَا يُفْتِي السَّائِلَ. وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَعَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْفَتْوَى أَدْرَكْنَا الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي الفُتْيَا] (٥).

стр. 143

الْحَالةُ الثَّانِيةُ: أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ، مُسْتَقِلًّا بِتَقْرِيرِهِ بِالدَّلِيلِ، لَكِنْ لَا يَتَعَدَّى أُصُولَهُ وَقَوَاعِدَهُ، مَعَ إِتْقَانِهِ لِلفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَأَدِلَّةِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، عَارِفًا (١) بِالقِيَاسِ وَنحْوِهِ، تَامَّ الرِّيَاضَةِ، قَادِرًا عَلَى التَّخْرِيجِ وَالاسْتِنْبَاطِ، وَإِلْحَاقِ الفُرُوعِ بِالْأُصُولِ وَالقَواعِدِ الَّتِي لإمَامِهِ. وَقِيلَ (٢): "وَلَيْسَ مِنْ [شَرْطِهِ: مَعْرِفَةُ هَذَا] (٣) عِلْمَ الْحَدِيثِ، وَاللُّغَةَ، وَالْعَرَبِيَّةَ؛ لِكَوْنِهِ يَتَّخِذُ نُصُوصَ (٤) إِمَامِهِ أُصُولًا يَسْتَنْبِطُ مِنْهَا الأْحْكَامَ؛ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ، وَقَدْ يَرَى حُكْمًا ذَكَرَهُ إِمَامُهُ بِدَليلٍ، فَيَكْتَفِي بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ بَحْيثٍ عَنْ مُعَارِضٍ أَوْ غَيْرِهِ". وَهُوَ بَعِيدٌ. وَهَذَا شَأْنُ أَهْلِ الْأَوْجُهِ وَالطُّرُقِ فِي الْمَذَاهِبِ، وَهُوَ حَال أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الطَّوَائِفِ الْآنَ. * فَمَنْ عَمِلَ بِفُتْيَا هَذَا؛ فَقَدْ قَلَّدَ إِمَامَهُ دُونَهُ؛ لِأَنَّ مُعَوَّلَهُ عَلَى صِحَّةِ إِضَافَةِ مَا يَقُولُ إِلَى إِمَامِهِ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِتَصْحِيحِ نِسْبَتِهِ إِلَى الشَّارعِ بِلَا وَاسِطَةِ إِمَامِهِ. وَالظَّاهِرُ: مَعْرِفتهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثٍ وَلُغَةٍ وَنَحْوٍ. وَقِيلَ (٥): "إِنَّ فَرْضَ الْكِفَايةِ لَا يَتَأَدَّى بِهِ؛ لَأَنَّ تَقْلِيدَهُ نَقْصٌ وَخَلَلٌ فِي الْمَقْصُودِ".

стр. 144

وَقِيلَ (١): "يَتَأَدَّى بِهِ فِي الفَتْوَى، لَا فِي إِحْيَاءِ الْعُلُومِ الَّتِي تُسْتَمَدُّ مِنْها الفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَ فِي فَتْوَاهُ مَقَامَ إِمَامٍ مُطْلَقٍ، فَهُوَ يُؤَدِّي عَنْهُ مَا كَانَ يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ حِينَ كَانَ حَيًّا قَائِمًا بِالفَرْضِ مِنْهَا". وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ. * ثُمَّ قَدْ يُوجَدُ مِنَ الْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ اسْتِقْلالٌ بِالاِجْتِهَادِ وَالفَتْوَى فِي مَسْألَةٍ خَاصَّةٍ أَوْ بَابٍ خَاصٍّ. * وَيَجُوزُ (٢) لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا لَمْ يَجِدْهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ عَنْ إِمَامِهِ لِمَا (٣) يُخْرِّجُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ، وَهُوَ أَصَحُّ. فَالْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ -مَثَلًا- إِذَا أَحَاطَ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ، وَتَدَرَّبَ فِي مَقَايِيسِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ؛ تَنَزَّلَ مِنَ الْإِلْحَاقِ بمَنْصُوصَاتِهِ وَقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ مَنْزِلَةَ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ فِي إِلْحَاقِهِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ. وَهَذَا أَقْدَرُ عَلَى ذَا مِنْ ذَاكَ [عَلَى ذَاكَ] (٤)، فَإِنَّهُ يَجِدُ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ قَوَاعِدَ مُمَهَّدَةً، وَضَوَابِطَ مُهَذَّبَةً، مَا لَا يَجِدُهُ (٥) الْمُسْتَقِلُّ (٦) فِي أُصُولِ الشَّرْعِ (٧) وَنُصُوصِهِ.

стр. 145

وَقَدْ سُئِلَ [الإِمَامُ] (١) أَحْمَدُ ﵁ عَمَّنْ يُفْتِي بِالْحَدِيثِ، هَلْ لَهُ ذَلِكَ (٢) إِذَا حَفِظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ؟ فَقَال: "أَرْجُو". فَقِيلَ لِأَبِي إِسْحَاقَ ابْنِ شَاقْلَا: فَأَنْتَ تُفْتِي، وَلَسْتَ تَحْفَظُ هَذَا القَدْرَ؟ فَقَال: "لَكِنِّي أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ" يَعْنِي الإِمَامَ أَحْمَدَ (٣). * ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَفْتِيَ -فِيمَا يُفْتِيهِ بِهِ مِنْ تَخْرِيجِهِ هَذَا- مُقَلِّدٌ لِإمَامِهِ لَا لَهُ. وَقِيلَ: "مَا يُخَرِّجُهُ أَصْحَابُ الْإِمَامِ عَلَى مَذْهَبِهِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ (٤) إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَذْهَبُهُ؟ " فِيهِ لَنَا وَلِغَيرِنَا خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ. * وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ هُوَ: "الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى أَقْوَالِهِ، كَمَا يَتَمَكَّنُ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى [كُلِّ] (٥) مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَوِ (٦) السُّنَّةُ أَوِ الاسْتِنْبَاطُ".

стр. 146

* ولَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يُفْتِيَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيمَا يُفْتِي بِهِ، بِحَيْثُ يَحْكُمُ فِيمَا يَدْرِي، وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي، بَلْ قَدْ يَجْتَهِدُ الْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ، وَيَجْتَهِدُ العَامِّيُّ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ وَيَتَّبِعُهُ. * ثُمَّ تَخْرِيجُهُ تَارَةً يَكُونُ مِنْ نَصٍّ مُعَيَّنٍ لِإِمَامِهِ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيِّنَةٍ، وَتَارَةً لَا يَجِدُ لِإِمَامِهِ نَصًّا مُعَيَّنًا [يُخَرِّجُ مِنْهُ] (١)؛ فَيُخَرِّجُ عَلَى وَفْقِ أُصُولِهِ وَقَوَاعِدِهِ، بِأَنْ يَجِدَ (٢) دَلِيلًا مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ إِمَامُهُ، وَعَلَى شَرْطِهِ، فَيُفْتِيَ بِمُوجَبِهِ. وَجَعْلُ هَذَا مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ بَعِيدٌ. * ثمَّ إِنْ وَقَعَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّخْرِيجِ فِي صُورَةٍ فِيهَا نَصٌّ رمَامِهِ مُخَرَّجًا (٣) -هُوَ فِيهَا بِخِلَافِ نَصِّهِ فِيهَا- مِنْ نَصٍّ آخَرَ فِي (٤) صُورَةٍ أُخْرَى، سُمِّيَ (٥): "قَوْلًا مُخَرَّجًا (٦) "؛ كَنَصِّهِ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ (٧) فِي وَقْتَيْنِ، فَيُخَرِّجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي الْأُخْرَى، فَيَكُونُ لَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَوْلَانِ: قَوْلٌ مَنْصُوصٌ، وَقَوْلٌ مُخَرَّجٌ. وَإِنْ قُلْنَا: "الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلَيْهِ [فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ] (٨) لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ"؛ لَمْ يَجُزِ

стр. 147

النَّقْلُ وَالتَّخْرِيجُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَى الْمُتَأَخِّرَةِ. [وَيَجُوزُ عَكْسُهُ. هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَصْحَابِنَا. وَفِي جَوَازر خِلافٌ وَتَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ آنِفًا. وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ يُطْلِقُونَ النَّقْلَ وَالتَّخْرِيجَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَيَلْزَمُ التَّخْرِيجُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَى الْمُتَأَخِّرَةِ] (١)؛ فَيَكُونُ الْقَدِيمُ مَذْهَبًا، وَالْجَدِيدُ لَيْسَ مَذْهَبًا. * وَإِذَا وَقَعَ النَّوْعُ الثَّانِي فِي صُورَةٍ قَدْ قَال فِيهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ غَيْرَ ذَلِكَ، سُمِّيَ [ذَلِكَ] (٢): "وَجْهًا" لِمَنْ خَرَّجَهُ، وَيُقَال: "فِيهَا وَجْهَانِ". * وَقَدْ يُخَرِّجُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ خِلَافَ نَصِّ الْإِمَامِ فِيهَا، عَلَى مَا يَرَاهُ دَلِيلًا مِنْ جِنْسِ أَدِلَّةِ الْإِمَامِ. وَذَلِكَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا كَثِيرٌ، وَالْخِلَافُ هُنَا اصْطِلَاحٌ لَفْظِيٌّ. * وَشَرْطُ التَّخْرِيجِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا عِنْدَ اخْتِلافِ النَّصَّيْنِ: أَلَّا يُوجَدَ بَيْنَ الْمَسْأَلتَيْنِ فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ (٣)، وَلَا يَكُونَ الْإِمَامُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَ زَمَنُ الْقَوْلَيْنِ قَرِيبًا. وَلَا حَاجَةَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِلَى عِلَّةٍ جَامِعَةٍ، وَهُوَ كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ. * وَمَتَى أَمْكَنَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلتَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ -عَلَى الأصَحِّ- التَّخَريجُ، وَلَزِمَهُ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا لِلْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ.

стр. 148

وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَوْلِ بِالتَّخْرِيجِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي إِمْكَانِ الفَرْقِ (١) وَتَمَامُ ذَلِكَ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى-. * * *

стр. 149

الْحَالةُ الثَّالِثَةُ: أَلَّا يَبْلُغَ بِهِ رُتْبَةَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ (١)، أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ، غَيْرَ أَنّهُ فَقِيهُ النَّفْسِ، حَافِظٌ لِمَذْهَبِ إِمَامِهِ، عَارِفٌ بِأَدِلَّتِهِ، قَائِمٌ بِتَقْرِيرِهِ وَنُصْرَتِهِ، يُصَوِّرُ، [ويُحَرِّرُ] (٢)، ويُمَهِّدُ، ويقَرِّرُ، ويزَيِّفُ، ويرَجِّحُ. * لَكِنَّهُ قَصَّرَ عَنْ دَرَجَةِ أُولِئَكَ: - إِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْ فِي حِفْظِ الْمَذْهَبِ مَبْلَغَهُمْ. - وَإِمَّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتبَحِّرٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَنحْوِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِثْلُهُ فِي ضِمْنِ مَا يَحْفَظُهُ مِنَ الْفِقْهِ، وَيَعْرِفُهُ مِنْ أَدِلِّتِهِ، عَنْ أَطْرَافٍ مِنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ. - وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُقَصِّرًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَدَوَاتُ الاجْتِهَادِ الْحَاصِلِ لِأَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ (٣). وَهَذِهِ صِفَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأخِّرِينَ الَّذِينَ رَتَّبُوا الْمَذَاهِبَ وَحَرَّرُوهَا، وَصَنَّفُوا فِيهَا تَصَانِيفَ بِهَا يَشْتَغِلُ النَّاسُ الْيَومَ غَالِبًا، وَلَمْ يَلْحَقُوا مَنْ يُخَرِّجُ الوُجُوهَ ويمَهِّدُ الطُّرُقَ فِي الْمَذَاهِبِ. * وَأَمَّا [فِي] (٤) فَتَاوِيهِمْ: فَقَدْ كَانُوا يَتبَسَّطُونَ (٥) فِيهَا كَتبَسُّطِ (٦) أُولَئِكَ أَوْ نَحْوِهِ،

стр. 150

وَيَقِيسُونَ غَيْرَ الْمَنْقُولِ وَالْمَسْطُورِ [عَلَى الْمَنْقُولِ وَالْمَسْطُورِ فِي الْمَذْهَبِ، غَيْرُ مُقْتَصِرِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَقِيَاسِ لَا فَارِقَ] (١)، نَحْوُ: قِيَاسُ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ فِي رُجُوعِ الْبَائِعِ إِلَى عَيْنِ مَالِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الثَّمَنِ. * وَلَا تَبْلُغُ فَتَاوِيهِمْ فَتَاوَى أَصْحَابِ الْوُجُوهِ. * وَرُبَّمَا تَطَرَّقَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَخْرِيجِ قَوْلٍ، وَاسْتِنْبَاطِ وَجْهٍ وَاحْتِمَالٍ (٢). * وَفَتَاوِيهِمْ مَقْبُولَةٌ أَيْضًا (٣). * * *

стр. 151

الْحَالةُ الرَّابِعَةُ: * أَنْ يَقُومَ بِحِفْظِ الْمَذْهَبِ، وَنَقْلِهِ، وَفَهْمِهِ، فَهَذَا يُعْتَمَدُ نَقْلُهُ وَفَتْوَاهُ [بِهِ] (١)، فِيمَا يَحْكِيهِ مِنْ مَسْطُورَاتِ مَذْهَبِهِ، مِنْ مَنْصُوصَاتِ إِمَامِهِ، وَتَفْرِيعَاتِ (٢) أَصْحَابِهِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَذْهَبِهِ وَتَخْرِيجَاتِهِمْ. * - وَأَمَّا مَا [لَا] (٣) يَجِدُهُ مَنْقُولًا فِي مَذْهَبِهِ: - فَإِنْ وَجَدَ فِي الْمَنْقُولِ مَا هَذَا فِي مَعْنَاهُ، بِحَيْثُ يُدْرِكُ مِنْ غَيْرِ فَضْلِ فِكْرٍ وَتَأَمُّلٍ أَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي الْأَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَبْدِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي إعْتَاقِ الشَّرِيكِ؛ جَازَ لَهُ إِلْحَاُقهُ بِهِ، وَالفَتْوَى بِهِ. وَكَذَلِكَ: مَا يَعْلَمُ انْدِراجُهُ تَحْتَ ضَابِطٍ وَمَنْقُولٍ مُمَهَّدٍ فِي الْمَذْهَبِ. - وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَعَلَيْهِ الإِمْسَاكُ عَنِ الفُتْيَا فِيهِ (٤). وَمثْلُ هَذَا يَقَعُ نَادِرًا فِي حَقِّ مِثْلِ الْفَقِيهِ (٥) الْمَذْكُورِ، إِذْ يَبْعُدُ أَنْ تَقَعَ وَاقِعَةٌ لَمْ يُنَصَّ عَلَى حُكْمِهَا فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى [بَعْضِ] (٦) الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَلَا مُنْدَرِجةٌ تَحْتَ شَيْءٍ مِنْ ضَوَابِطِ الْمَذْهَبِ الْمُحَرَّرَةِ فِيهِ. * ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْفَقِيهَ لَا يَكُونُ إِلَّا فَقِيهَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ تَصْوِيرَ الْمَسَائِلِ عَلَى وَجْهِهَا

стр. 152

وَنَقْلَ أحْكَامِهَا بَعْدَهُ؛ لَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا فَقِيهُ النَّفْسِ. * وَيَكْفِي اسْتِحْضَارُ أَكْثَرِ الْمَذْهَبِ، مَعَ قُدرَتهِ عَلَى مُطَالعَةِ بَقِيَّتِهِ قَرِيبًا (١). * * *

стр. 153

الْقِسْمُ الثَّالِثُ الْمُجْتَهَدُ فِي نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ * فَمَنْ عَرَفَ الْقِيَاسَ وَشُرُوطَهُ؛ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي مَسَائِلَ مِنْهُ قِيَاسِيَّةٍ لا تَتَعَلَّقُ (١) بِالْحَدِيثِ. * وَمَنْ عَرَفَ الفَرَائِضَ؛ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا، وَإِنْ جَهِلَ أَحَادِيثَ النِّكَاحِ وَغَيْرَهُ. وَقِيلَ (٢): "يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ دُونَ غَيْرِهَا". وَقِيلَ: "بِالْمَنْعِ فِيهِمَا" (٣). وَهُوَ بَعِيدٌ. * * *

стр. 154

الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْمُجْتَهدُ فِي مَسَائِلَ، أَوْ مَسْأَلَةٍ * وَلَيْسَ (١) لَهُ الفَتْوَى (٢) فِي غَيْرِهَا. * وَأَمَّا فِيهَا: فَالْأَظْهَرُ: جَوَازُ. وَيَحْتَمِلُ: الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْقُصُورِ وَالْتَّقْصِيرِ. * * *

стр. 155

فَصْلٌ * فَمَنْ (١) أَفْتَى، وَلَيْسَ عَلَى صِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ؛ لأنَّهُ لَا يَعْرِفُ الصَّوَابَ وَضِدَّهُ، فَهُوَ كَالْأَعْمَى الَّذِي لَا يُقَلِّدُ الْبَصِيرَ فِيمَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْبَصَرُ؛ لِأَنَّهُ بِفَقْدِ الْبَصَرِ لَا يَعْرِفُ الصَّوَابَ وَضِدَّهُ، ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). [قَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: "يَلْزَمُ وَلِيَّ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ، كَمَا فَعَلَ بَنُو أُمَيَّةَ" (٣)] (٤). * وَمَنْ تَصَدَّى لِلْفُتْيَا (٥) ظَانًّا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا؛ فَلْيَتَّهِمْ نَفْسَهُ، وَلَيَتَّقِ رَبَّهُ، فَإِنَّ الْمَاهِرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَوِ الْخِلَافِ أَوِ الْعَرَبِيَّةِ دُونَ الْفِقْهِ؛ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفُتْيَا لِنَفْسِهِ وَلغَيْرِهِ؛ لأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَةِ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ مِنْ أُصُولِ الاجْتِهَادِ؛ لِقُصُورِ آلَتِهِ، وَلَا مِنْ مَذْهَبِ إِمَامٍ؛ لِعَدَمِ حِفْظِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ؛ فَلا (٦) يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ، وَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ -عَلَى أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ (٧) -.

стр. 156

وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ تَقْلِيدَهُ فِيمَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ، وَالْحُكْمَ بِهِ (١)، وَلَا وَجْهَ لَهُ مَعَ جَهْلِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ وَعَامَّتَيْهُمَا (٢) لِمَا سَبَقَ آنِفًا (٣). * وَلِا يَجُوزُ لِلمُقَلِّدِ الْفَتْوَى بِمَا هُوَ مُقَلِّدُ فِيهِ (٤). وَقِيلَ: "إِنْ جَهِلَ دَلِيلَهُ". وقِيلَ (٥): "يَجُوزُ لِمَنْ حَفِظَ مَذْهَبَ ذِي مَذْهَبٍ وَنُصُوصَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفا بِغَوَامِضِهِ وَحَقَائِقِهِ". وَقِيلَ (٦): "لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَبَحِّرًا فِيهِ عَالِمًا بِغَوَامِضِهِ وَحَقَائِقِهِ؛ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلعَامِّيِّ الَّذِي جَمَعَ فتاوَى الْمُفْتِينَ أَنْ يُفْتِيَ بِهَا. وَإِذَا كَانَ مُتَبَحِّرًا فِيهِ؛ جَازَ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ". وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ مَنْ مَنَعَ الْفَتْوَى بِهِ: أَنَّهُ لَا يَذْكُرُهُ عَلَى صُورَةِ مَا يَقُوُلهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَلْ يُضِيفُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَحْكِيهِ عَنْ إِمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ؛ لِصِحَّةِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ كَمَا سَبَقَ. فَعَلَى هَذَا: مَنْ عَدَدْنَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمُفْتِينَ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ لَيْسَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنَ الْمُفْتِينَ، وَلَكِنْ قَامُوا مَقَامَهُمْ وَأَدَّوا عَنْهُمْ، فَعُدُّوا مَعَهُمْ.

стр. 157

وَسَبِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولُوا مَثَلًا: "مَذْهَبُ أَحْمَدَ كَذَا وَكَذَا، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ كَذَا وَكَذَا"، أَوْ (١) نَحْوَ ذَلِكَ. وَمَنْ تَرَكَ مِنْهُمْ إِضَافَةَ ذَلِكَ إِلَى إِمَامِهِ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اكْتِفَاءً بِالْمَعْلُومِ مِنَ الْحَالِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالْمَقَالِ؛ جَازَ. * وَإِذَا عَرَفَ الْعَامِّيُّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ (٢)، وَدَلِيلَهَا (٣): فَقِيلَ: "يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ، وَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى العِلْمِ بِهِ، كَوُصُولِ الْعَالِمِ إلَيْهِ". وَقِيلَ: "يَجُوزُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ دَلِيلُهَا نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَظُهُورُ دَلَالةِ النَّقْلِي بِخِلَافِ النَّظَرِيِّ". وَقِيْلَ: "لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا". وَهُوَ أَظْهَرُ -وَقَدْ سَبَقَ نَحْوُهُ، وَسَيَأْتِي (٤) تَمَامُهُ؛ [وَلِأَنَّهُ] (٥) رُبَّمَا كَانَ لَهُ مُعَارِضٌ يَجْهَلُهُ هُوَ. فَلَوْ اسْتَفْتَى عَامِّيٌّ فَقِيهًا فِي حَادِثَةٍ، فَأَفْتَاهُ بِشَيءٍ، فَاعْتَقَدَهُ مَذْهَبًا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِصِحَّتِهِ، لَكِنْ لَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ.

стр. 158

فَصْلٌ * لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بمَا سَمِعَهُ مِنْ مُفْتٍ، إِنَّما يَجُوزُ [لَهُ] (١) أَنْ يَعْمَلَ هُوَ بهِ. * وَلا يُفْتِيَ بِالْحِكَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ، بَلْ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سُئِلَ عَمَّا عِنْدَهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَالْقَاضِي، وَغَيْرُهُمَا (٢)، مِنَّا وَمنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَدْ قَال عَبْدُ اللهِ [بْنُ أَحْمَدَ] (٣): سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الرَّجُلِ تَكُونُ (٤) عِنْدَهُ الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ، فِيهَا قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَاخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابعِينَ، وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ بَصَرٌ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ الْمَتْرُوكِ، [وَلَا] (٥) الْإِسْنَادِ الْقَوِيِّ مِنَ الضَّعِيفِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا شَاءَ، وَيَتَخَيَّرَ مَا أَحَبَّ مِنْ مَتْنِهِ، فَيُفْتِيَ [بِهِ] (٦)، وَيَعْمَلَ بِهِ؟ قَال: "لَا يَعْمَلُ حَتَّى يَسْأَلَ مَا يُؤْخَذُ بِهِ مِنْهَا، فَيَكُونُ يَعْمَلُ عَلَى أَمْرٍ صَحِيحٍ، يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ" (٧).

стр. 159

فَصْلٌ * وَمَنْ تَفَقَّهَ، وَقَرَأَ كِتَابًا أَوْ كُتُبًا مِنَ الْمَذْهَبِ (١)، وَهُوَ قَاصِرٌ، لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفَةِ بَعْضِ الْمُفْتِينَ الْمَذْكُورِينَ؛ فَلِلْعَامِّيِّ أَنْ يُقَلِّدَهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فِي بَلَدِهِ، وَقَرِيبًا مِنْهُ. * وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى السَّفَرِ إِلَى مُفْتٍ؛ لَزِمَهُ. وَقِيلَ: "إِذَا (٢) خَلَتِ الْبَلْدَةُ عَنْ مُفْتٍ، حَرُمَ السُّكْنَى فِيهَا". * فَإِنْ شَقَّ السَّفَرُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ مَسْأَلَتَهُ لِلْقَاصِرِ الْمَذْكُورِ: - فَإِنْ وَجَدَهَا مَسْطُورَةً، وَهُوَ مِمَّنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ؛ أَخْبَرَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ، وَكَانَ الْمُسْتَفْتِي لَهُ مُقَلِّدًا لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ لَا لِلحَاكِي لَهُ. - وَإِنْ لَمْ يَجِدْهَما؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقِيسَهَا عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَسْطُورِ وَإِنِ اعْتَقَدَهُ، مِثْلُ قِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ يُعَرَّضُ (٣) لِأنْ يَعْتَقِدَ مَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ دَلِيلًا فِيهِ (٤). * * *

стр. 160

فَصْلٌ * فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْعَامِّيُّ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا فِي بَلَدِهِ وَلا غَيْرِهِ: فَقِيلَ: "لَهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْوَقْفِ" (١). وَهُوَ أَقْيَسُ. لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . قَال: "يَدْرُسُ الْإِسلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوبِ (٢)، حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ، وَلَا صَلَاةٌ، وَلا نُسُكٌ، وَلا صَدَقَةٌ، ويُسْرَى عَلى كتَابِ اللهِ فِي لَيْلَةٍ، فَلا يَبْقَى فِي الأرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى (٣) طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ، الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالعَجُوزُ الكَبِيرَةُ، يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هذِهِ الكَلِمَةِ "لَا إِلَهَ إِلَا اللهُ"، فَنَحْنُ نَقُولُهَا". فَقَال صِلَةُ بْنُ زُفَرَ لِحُذَيْفَةَ: فَمَا تُغْنِي (٤) عَنْهُمْ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صِيَامٌ، وَلَا صَلَاةٌ، وَلَا نُسُكٌ، وَلَا صَدَقَةٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، فَرَدَّدَهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ [فِي] (٥) الثَّالِثَةِ، فَقَال: يَا صِلَةُ، تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ، تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ، تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ (٦).

стр. 161

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "السُّنَنِ" (١)، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي "صَحِيحِهِ"، وَقَال: "هَذَا حَدِيثٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ" (٢). * * *

стр. 162

بَابُ بَقِيَّةِ أَحْكَامِ الْمُفْتِي، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعلَّقُ بِهِ

стр. 163

* تَصِحُّ فُتْيَا (١): - الْعَبْدِ. - وَالْمَرْأَةِ. - وَالْقَرِيبِ (٢). - وَالْأُمِّيِّ. - وَالْأَخْرَسِ الْمَفْهُومِ الْإِشارَةِ أَوِ الْكِتابَةِ. * وَتصِحُّ مَعَ جَرِّ النَّفْعِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ. * وَكَذَا (٣): مِنَ الْعَدُوِّ. وَقِيلَ: "لَا؛ كَالْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ". * وَلا تَصِحُّ مِنْ فاسِقٍ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُجتَهِدًا، لَكِنْ يُفْتِي نَفْسَهُ، وَلَا يَسْأَلُهُ غَيْرُهُ. * وَأَمَّا مَسْتُورُ الْحَالِ؛ فَتَجُوزُ فُتْيَاهُ. وَقِيلَ: "لَا [تَجُوزُ] (٤) ". وَقِيلَ: "تَجُوزُ، إِنِ اكْتَفَيْنَا (٥) بِالْعَدَالةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِلَّا فَلَا" (٦).

стр. 164

فَصْلٌ * وَمَنْ (١) كَانَ مِنْ أَهْل الْفُتْيَا قَاضِيًا؛ فَهُوَ كَغَيْرهِ. وَقِيلَ (٢): "يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، دُونَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهِمَا (٣) ". وَقَدْ قَال شُرَيْحٌ: "أَنَا أَقْضِي لَكُمْ، وَلَا أُفْتِي" (٤). وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْحُكْمِ مِنْهُ عَلَى الْخَصْمِ، فَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ وَقْتَ الْمُحَاكَمَةِ؛ إِذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ ضِدُّهُ [بِقَوْلِ خِصْمِهِ] (٥)، أَوْ حُجَّتِهِ، أَوْ قَرَائِنِ حَالِهِمَا (٦). * * *

стр. 165

فَصْلٌ * إِذَا سَأَل عَامِّيٌّ (١) عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ تَقَعْ؛ لَمْ تَجِبْ إِجَابَتُهُ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ (٢). وَقِيلَ: "تُكْرَهُ (٣)؛ لِأَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ كَانَ لَا يَتكَلَّمُ فِيمَا لَمْ يَقَعْ". وَقَال أَحْمَدُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ (٤): "إِيَّاكَ أَنْ تَتَكلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَامٌ" (٥). وَقُلْتُ: "إِنْ كَانَ غَرَضُ السَّائِلِ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَعَ لَهُ، أَوْ لِمَنْ سَأَلَ عَنْهُ؛ فَلا بَأْسَ. وَكَذَا (٦): إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَفَقَّهُ فِي ذَلِكَ، ويقَدِّرُ وُقُوعَ ذَلِكَ، وَيُفَرِّعُ عَلَيْهِ". * * *

стр. 166

فَصْلٌ * فَإِنْ أَفْتَى الْمُفْتِي بِشَيْءٍ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ: فَإِنْ عَلِمَ الْمُسْتَفْتِي بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَمِلَ بِالْأَوَّلِ؛ حَرُمَ عَمَلُهُ بِهِ. وَلَوْ نَكَحَ بِفَتْوَاهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى النِّكَاحِ، ثُمَّ رَجَعَ بِاجْتِهَادٍ؛ لَزِمَهُ مُفَارَقَتُهَا -فِي الْأَقْيَسِ-؛ لِأَنَّ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ -فِي الْأَصَحِّ-. كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ مَنْ قَلَّدَهُ فِي القِبْلَةِ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ (١)؛ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ مَعَهُ (٢) -فِي الْأَصَحُّ (٣) -. - وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي قَدْ عَمِلَ بِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ قَاطِعٍ؛ لَزِمَهُ نَقْضُ عَمَلِهِ ذَلِكَ، وَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِ الثَّانِي. - وَإِنِ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُ وَلَمْ يَرْجعْ؛ لَمْ يَنْقُضْ عَمَلَهُ بِالْأَوَّلِ. - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ (٤) بِهِ؛ تَرَكَهُ. - وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِرُجُوعِهِ؛ اسْتَمَرَّ كَمَا كَانَ. * وَلَا يَلْزَمُهُ إِعْلَامُهُ.

стр. 167

وَقِيلَ: "بَلَى؛ لِأَنَّ مَا رَجَعَ عَنْهُ لَا يَعْمَلُ هُوَ بِهِ، فَكَذَا (١) مَنْ قَلَّدَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ -فِي الْأَصَحِّ-". قَال [الْقَاضِي] (٢) الإمَامُ أَبُو يَعْلَى فِي "الْكِفَايَةِ": "مَنْ أَفْتَى بِالإِجْتِهَادِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ (٣) إِعْلَامُ الْمُسْتَفْتِي بِذَلِكَ، إِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ (٤) بِهِ، وَإِلَّا أَعْلَمَهُ بِتَغَيُّرِ مَذْهَبِهِ الَّذِي اتَّبَعَهُ فِيهِ" (٥). وَقَال غَيْرُهُ: "يُعْلِمُهُ بِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ (٦)، وَكَذَا بَعْدَهُ حَيْثُ يَجِبُ النَّقْضُ، وَإِلَّا فَلَا" (٧). * وَإِذَا كَانَ الْمُفْتِي [إِنَّمَا] (٨) يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ مُعَيَّنٍ: - فَإِذَا رَجَعَ لِكَوْنِهِ بَانَ لَهُ قَطْعًا أَنَّهُ خَالفَ فِي فَتْوَاهُ نَصَّ مَذْهَبِ إِمَامِهِ؛ وَجَبَ نَقْضُهُ، وَإِنْ كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّ نَصَّ مَذْهَبِ إِمَامِهِ فِي حَقِّهِ كَنَصِّ الشَّارعِ فِي حَقِّ [الْمُفْتِي] (٩) الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ (١٠).

стр. 168

فَصْلٌ * إِذَا عَمِلَ الْمُسْتَفْتِي بِفُتْيَا مُفْتٍ فِي إِتْلَافٍ، ثُمَّ بَانَ خَطَؤُهُ بِمُخَالفَةِ الْقَاطِعِ؛ ضَمِنَهُ الْمُفْتِي. * وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْفَتْوَى؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِتَقْصِيرِ الْمُسْتَفْتِي فِي تَقْلِيدِهِ. وَقِيلَ (١): "يَضْمَنُ؛ لَأِنَّهُ تَصَدَّى لِمَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ، وَغَرَّ مَنِ اسْتَفْتَاهُ بِتَصَدِّيهِ لِذَلِكَ" (٢). * * *

стр. 169

فَصْلٌ * يَحْرُمُ التَّسَاهُلُ فِي الفَتْوَى، وَاسْتِفْتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ ؛ إِمَّا لِتَسَارُعِهِ (١) قَبْلَ تَمَامِ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، أَوْ لِظَنِّهِ أَنَّ الْإِسْرَاعَ بَرَاعَةٌ، وَتَرْكَهُ عَجْزٌ وَنَقْصٌ. * فَإِنْ سَبْقَتْ مَعْرِفَتُهُ لِمَا سُئِلَ عَنْهُ قَبْلَ [تَمَامِ] (٢) السُّؤَالِ، فَأَجَابَ سَرِيعًا؛ جَازَ. * وَإِنْ تَتَبَّعَ الْحِيَلَ الْمُحَرَّمَةَ؛ كَالسُّرَيْجيَّةِ (٣)، أَوِ الْمَكْرُوهَةَ، أَوِ الرُّخَصَ لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ، أَوِ التَّغْلِيظَ عَلَى مَنْ أَرَادَ مَضَرَّتَهُ؛ فَسَقَ. وَإِنْ حَسُنَ قَصْدُهُ فِي حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَلَا تَقْتَضِي (٤) مَفْسَدَةً؛ [لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ] (٥) مِنْ يَمِينٍ صَعْبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا؛ جَازَ؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالى

стр. 170

- لِأَيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١) لَمَّا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ (٢). وَقَدْ قَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: "إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَنَا الرُّخْصةُ مِنْ ثِقَةٍ، فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ" (٣). * * *

стр. 171

فَصْلٌ * [وَيَحْرُمُ] (١) التَّحَيُّلُ لِتَحْلِيل الْحَرَام وَتَحْرِيمِ (٢) الْحَلَالِ بلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ، وَهُمَا مُحرَّمَانِ (٣). [لِقَوْلِ اللهِ -تَعَالى-: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٤). وَ] (٥) قَوْلهِ (٦) - تَعَالى-: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٧). وَقَوْلهِ [-تَعَالى-] (٨): ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (٩). وَقَوْلهِ [-تَعَالى-] (١٠): ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (١١).

стр. 172

وَلقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا أَوْ مَكَرَ بِهِ" (١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وَيقَوْلِهِ ﵇: "الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ" (٣). وَلقَوْلهِ ﵇: "لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ (٤) الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ - تَعَالى- بِأَدْنَى الْحِيَلِ" (٥) ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّةَ. وَلِقَوْلهِ ﵇: "مَا بَال أَقْوَامٍ يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللهِ -تَعَالى- وَيَسْتَهْزِؤُونَ (٦) بِآيَاتِهِ: خَلَعْتُكِ رَاجَعْتُكِ (٧)، طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ بَطَّةَ.

стр. 173

وَفِي لَفْظٍ: "طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ، طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ (١) " (٢). ولقَوْلهِ (٣) ﵇: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، وَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا" حَدِيثٌ صَحِيحٌ (٤). وَ"جَمَلُوهَا" بِمَعْنَى (٥): أَذَابُوهَا (٦). وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: "مَن يَخْدَعِ اللهَ يَخْدَعْهُ" (٧). وَقَال [الْإِمَامُ] (٨) أَحْمَدُ: "هَذ الْحِيَلُ الَّتِي وَضَعَهَا هَؤُلَاءِ، عَمَدُوا إِلَى السُّنَنِ فَاحْتَالوا فِي نَقْضِهَا، أَتَوْا إِلَى الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِنَّهُ حَرَامٌ، احْتَالوا (٩) فِيهِ حَتَى أَحَلُّوهُ" (١٠).

стр. 174

وَقَال: "إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ احْتَال بِحِيلَةٍ فَصَارَ إِلَيْهَا، فَقَدْ صَارَ إِلَى ذَلِكَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ" (١). وَقَال: "مَنِ احْتَال بِحِيلَةٍ فَهُوَ حَانِثٌ" (٢). [وَقَال: "مَا أَخْبَثَهُمْ -يَعْنِي أَصْحَابَ الْحِيَلِ-] (٣) يَحْتَالونَ لِنَقْضِ سُنَنِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" (٤). * * *

стр. 175

فَصْلٌ * لَيْسَ لَهُ الْفَتْوَى فِي حَالِ شَغْلِ قَلْبِهِ وَمَنْعِهِ التَّثَبُّتَ وَالتَّأَمُّلَ؛ لِغَضَبٍ، أَوْ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، أَوْ غَمٍّ، أَوْ هَمٍّ (١)، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ فَرَحٍ غَالِبٍ، أَوْ نُعَاسٍ، أَوْ مَلَلٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ، أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ، أَوْ مُدَافَعِةِ الْأَخْبَثَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا. وَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، فَمَتَى أحَسَّ بِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ حَالِ اعْتِدَالِهِ؛ أَمْسَكَ عَنِ الفُتْيَا. فَإِنْ أَفْتَى فِي شَيءٍ مِنْ هَذه الْأَحْوَالِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إِدْرَاكِ الصَّوَابِ؛ صَحَّتْ فُتْيَاهُ. وَإِنْ خَاطَرَ بِهَا؛ فَالتَّرْكُ أَوْلَى. وَفِي الْحُكْمِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ (٢). * * *

стр. 176

فَصْلٌ * الْأَوْلَى [لَهُ] (١) التَّبَرُّعُ بِالْفُتْيَا. * وَلَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ [عَلَى ذَلِكَ] (٢) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. * وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَهُ كِفَايَةٌ تَامَّةٌ؛ احْتَمَلَ الْمَنْعَ وَالْجَوَازَ. * فَإِنْ كَانَ اشْتِغَالهُ بِهَا وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، يَقْطَعُهُ عَمَّا يَعُودُ بِهِ عَلَى حَالِهِ؛ فَلَهُ الْأَخْذُ. * وَإِذَا كَانَ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ. * وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ مِنْهُ؛ لَمْ يَأْخُذْ أُجْرَةً مِنْ أَعْيَانِ مَنْ يُفْتِيهِ. وَقِيلَ (٣): لَوْ قَال لِلْمُسْتَفْتِي: "إِنَّمَا يَلْزَمُنِي أَنْ أُفْتِيَكَ بِقَوْلِي، وَأَمَّا (٤) بِخَطِّي فَلَا"؛ فَلَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى خَطِّهِ. وَقِيلَ (٥): "لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ (٦) عَلَى أَنْ جَعَلُوا (٧) لَهُ رِزْقًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ لِيتَفَرَّغَ لِفَتَاوِيهِمْ؛ جَازَ" وَهُوَ بَعِيدٌ.

стр. 177

* وَأَمَّا الهَدِيَّةُ لَهُ؛ فَلَهُ قَبُولُهَا. وَقِيلَ (١): "يَحْرُمُ إِذَا كَانَتْ رِشْوَةً عَلَى أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُ". قُلْتُ: "أَوْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ مِنْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ، فيُفْتِيَهُ لِذَلِكَ بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ، مِمَّنْ لَا يَنتفِعُ بِهِ كَنَفْعِ الْأَوَّلِ" (٢). * * *

стр. 178

فَصْلٌ * وَلَا يُفْتِي فِي الْأَقَارِيرِ، وَالْأَيْمَانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ اللَّافِظِ بِإِقْرَارٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ خَبِيرًا بِهِ عَارِفًا بِتَعَارُفِهِمْ فِي ألفَاظِهِمْ. فَإِنَّ الْعُرْفَ قَرِينَةٌ حَالِيَةٌ يَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ بِهَا، وَيَخْتَلُّ مُرَادُ اللَّافِظِ مَعَ عَدَمِ مُرَاعَاتِهَا، وَكَذَا فَقْدُ كُلِّ قَرِينَةٍ تُعَيِّنُ الْمَقْصُودَ، كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ (١). * * *

стр. 179

فَصْلٌ * مَنْ كَانَتْ فُتْيَاهُ نَقْلًا مِنْ مَذْهَبِ إِمَامِهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى كِتَاب يُوثَقُ بِصِحَّتِهِ؛ جَازَ، كَاعْتِمَادِ الرَّاوِي عَلَى كِتَابِهِ، وَالْمُسْتَفْتِي عَلَى مَا يَكْتمهُ الْمُفْتِي. وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُهُ فِي كِتَابٍ غَيْرِ مَوثُوقٍ بِهِ؛ بِأَنْ يَجِدَهُ فِي نُسَخٍ أُخَرَ كَذَلِكَ. وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُهُ فِي نُسْخَةٍ غَيْرِ مَوثُوقٍ بِهَا؛ بِأَنْ يَرَاهُ كَامِلًا مُنتظِمًا، وَهُوَ خَبِيرٌ فَطِنٌ، لَا يَخْفَى [عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ] (١) [مَوَاقِعُ] (٢) الإِسْقَاطِ وَالتَّغْيِيرِ. * وَإِذَا لَمْ يَجِدْهُ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَثِقْ بِصِحَّتِهِ، نَظَرَ: - فَإِنْ وَجَدَهُ مُوَافِقًا لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَهْلٌ لِتَخْرِيجِ مِثْلِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَوْ لَمْ (٣) يَجِدْهُ مَنْقُولًا؛ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحكِيَهُ عَنْ إِمَامِهِ، فَلَا يَقُلْ: "قَال أَحْمَدُ كَذَا وَكَذَا" بَلْ: "وَجَدْتُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا"، أَوْ: "بَلَغَنِي"، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ. - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِتَخْرِيجِ مِثْلِهِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ [فِيهِ] (٤)، وَلَمْ

стр. 180

يَذْكُرْهُ بِلَفْظٍ جَازِمٍ مُطْلَقٍ، فَإِنَّ سَبِيلَ مِثْلِهِ النَّقْلُ الْمَحْضُ، وَلَمْ يَحْصلْ لهُ مَا يُجَوِّزُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. * وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْكرهُ فِي [غَيْرِ] (١) مَقَامِ الفَتْوَى مُفْصِحًا بِحَالِهِ فِيهِ، فَيَقُولَ: "وَجَدْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الْكِتَابِ الفُلَانِيِّ" أَوْ: "مِنْ كِتَابِ فُلَانٍ، وَلا (٢) أَعْرِفُ صِحَّتَهُ" أَوْ: "وَجَدْتُ عَنْ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا" أَوْ: "بَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا"، وَمَا (٣) ضَاهَى ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ. * وَلا (٤) يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ (٥) أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَجِدُهُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ (٦). * * *
следующие страницы →