← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 132972

صفة المفتي والمستفتي - ت أبي جنة

ابن حمدان

Полный текст (377 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فَصْلٌ * الْأَوْلَى [لَهُ] (١) التَّبَرُّعُ بِالْفُتْيَا. * وَلَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ [عَلَى ذَلِكَ] (٢) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. * وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَهُ كِفَايَةٌ تَامَّةٌ؛ احْتَمَلَ الْمَنْعَ وَالْجَوَازَ. * فَإِنْ كَانَ اشْتِغَالهُ بِهَا وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، يَقْطَعُهُ عَمَّا يَعُودُ بِهِ عَلَى حَالِهِ؛ فَلَهُ الْأَخْذُ. * وَإِذَا كَانَ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ. * وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ مِنْهُ؛ لَمْ يَأْخُذْ أُجْرَةً مِنْ أَعْيَانِ مَنْ يُفْتِيهِ. وَقِيلَ (٣): لَوْ قَال لِلْمُسْتَفْتِي: "إِنَّمَا يَلْزَمُنِي أَنْ أُفْتِيَكَ بِقَوْلِي، وَأَمَّا (٤) بِخَطِّي فَلَا"؛ فَلَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى خَطِّهِ. وَقِيلَ (٥): "لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ (٦) عَلَى أَنْ جَعَلُوا (٧) لَهُ رِزْقًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ لِيتَفَرَّغَ لِفَتَاوِيهِمْ؛ جَازَ" وَهُوَ بَعِيدٌ.

стр. 177

* وَأَمَّا الهَدِيَّةُ لَهُ؛ فَلَهُ قَبُولُهَا. وَقِيلَ (١): "يَحْرُمُ إِذَا كَانَتْ رِشْوَةً عَلَى أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُ". قُلْتُ: "أَوْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ مِنْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ، فيُفْتِيَهُ لِذَلِكَ بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ، مِمَّنْ لَا يَنتفِعُ بِهِ كَنَفْعِ الْأَوَّلِ" (٢). * * *

стр. 178

فَصْلٌ * وَلَا يُفْتِي فِي الْأَقَارِيرِ، وَالْأَيْمَانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ اللَّافِظِ بِإِقْرَارٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ خَبِيرًا بِهِ عَارِفًا بِتَعَارُفِهِمْ فِي ألفَاظِهِمْ. فَإِنَّ الْعُرْفَ قَرِينَةٌ حَالِيَةٌ يَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ بِهَا، وَيَخْتَلُّ مُرَادُ اللَّافِظِ مَعَ عَدَمِ مُرَاعَاتِهَا، وَكَذَا فَقْدُ كُلِّ قَرِينَةٍ تُعَيِّنُ الْمَقْصُودَ، كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ (١). * * *

стр. 179

فَصْلٌ * مَنْ كَانَتْ فُتْيَاهُ نَقْلًا مِنْ مَذْهَبِ إِمَامِهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى كِتَاب يُوثَقُ بِصِحَّتِهِ؛ جَازَ، كَاعْتِمَادِ الرَّاوِي عَلَى كِتَابِهِ، وَالْمُسْتَفْتِي عَلَى مَا يَكْتمهُ الْمُفْتِي. وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُهُ فِي كِتَابٍ غَيْرِ مَوثُوقٍ بِهِ؛ بِأَنْ يَجِدَهُ فِي نُسَخٍ أُخَرَ كَذَلِكَ. وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُهُ فِي نُسْخَةٍ غَيْرِ مَوثُوقٍ بِهَا؛ بِأَنْ يَرَاهُ كَامِلًا مُنتظِمًا، وَهُوَ خَبِيرٌ فَطِنٌ، لَا يَخْفَى [عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ] (١) [مَوَاقِعُ] (٢) الإِسْقَاطِ وَالتَّغْيِيرِ. * وَإِذَا لَمْ يَجِدْهُ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَثِقْ بِصِحَّتِهِ، نَظَرَ: - فَإِنْ وَجَدَهُ مُوَافِقًا لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَهْلٌ لِتَخْرِيجِ مِثْلِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَوْ لَمْ (٣) يَجِدْهُ مَنْقُولًا؛ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحكِيَهُ عَنْ إِمَامِهِ، فَلَا يَقُلْ: "قَال أَحْمَدُ كَذَا وَكَذَا" بَلْ: "وَجَدْتُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا"، أَوْ: "بَلَغَنِي"، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ. - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِتَخْرِيجِ مِثْلِهِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ [فِيهِ] (٤)، وَلَمْ

стр. 180

يَذْكُرْهُ بِلَفْظٍ جَازِمٍ مُطْلَقٍ، فَإِنَّ سَبِيلَ مِثْلِهِ النَّقْلُ الْمَحْضُ، وَلَمْ يَحْصلْ لهُ مَا يُجَوِّزُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. * وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْكرهُ فِي [غَيْرِ] (١) مَقَامِ الفَتْوَى مُفْصِحًا بِحَالِهِ فِيهِ، فَيَقُولَ: "وَجَدْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الْكِتَابِ الفُلَانِيِّ" أَوْ: "مِنْ كِتَابِ فُلَانٍ، وَلا (٢) أَعْرِفُ صِحَّتَهُ" أَوْ: "وَجَدْتُ عَنْ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا" أَوْ: "بَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا"، وَمَا (٣) ضَاهَى ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ. * وَلا (٤) يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ (٥) أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَجِدُهُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ (٦). * * *

стр. 181

فَصْلٌ * إِذَا (١) أَفْتَى فِي حَادِثَةٍ، ثُمَّ وَقَعَتْ [لَهُ] (٢) مَرَّةً أُخْرَى: - فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا مُسْتَنَدَهُ فِيهَا؛ أَفْتَى بِهِ. - وَإِنْ ذَكَرَهَا (٣) دُونَ مُسْتَنَدِهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَا يُوجِبُ رُجُوعَهُ عَنْهَا؛ لَمْ يُفْتِ بِهِ حَتَّى يُجَدِّدَ النَّظَرَ. وَقِيلَ: "بَلَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ الاجْتِهَادِ". وَالْأَوْلَى: أنَّهُ لَا يُفْتِي بِشَيْءٍ حَتَّى يُجَدِّدَ النَّظَرَ فِي دَلِيلِهِ بِكُلِّ حَالٍ. وَمَنْ لَمْ تَكُنْ فَتْوَاهُ حِكَايَةً عَنْ غَيْرِهِ؛ فَلَا بُدَّ [لَهُ] (٤) مِنَ اسْتِحْضَارِ الدَّلِيلِ فِيهَا (٥). * * *

стр. 182

فَصْلٌ * قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁: "إِذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابي خِلَافَ سُنَّةِ رَسُول اللهِ ﷺ فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَعُوا مَا قُلْتُهُ" (١). وَقَوْلُهُ: " [إِذَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ] (٢)، وَقُلْتُ قَوْلًا [يُخَالِفُهُ] (٣)، فَأَنَا رَاجعٌ عَنْ قَوْلِي، [قَائِلٌ] (٤) بِذَلِكَ الْحَدِيثِ" (٥)، وَفِي لَفْظٍ: "فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ": صَرِيحٌ فِي مَدْلُولِهِ، وَأَنَّ مَذْهَبَهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، لَا قَوْلُهُ الْمُخَالِفُ لَهُ، فَتَجُوزُ الْفَتْوَى بالْحَدِيثِ (٦) عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُهُ. * وَلَيْسَ لِكُلَّ فَقِيهٍ أَنْ يَعْمَلَ بمَا يَرَاه (٧) حُجَّةً مِنَ الْحَدِيثِ حَتَّى يَنْظُرَ؛ هَلْ

стр. 183

لَهُ مُعَارِضٌ أَوْ نَاسِخٌ أَمْ لَا؟ أَوْ (١) يَسْأَلَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ ويعْرَفُ بِهِ. وَقَدْ تَرَكَ الشَّافِعِيُّ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ عَمْدًا؛ [لِأَنَّهُ] (٢) عِنْدَهُ مَنْسُوخٌ (٣)، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ حَدِيثُ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" (٤) [وَتَرَكَهُ] (٥)، لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مَنْسُوخٌ لِمَا بَيَّنَهُ [هُوَ] (٦). وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ خُزَيْمَةَ: هَلْ تَعْرِفُ سُنَّةً لِرَسُولِ (٧) اللهِ ﷺ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُودِعْهَا الشَّافِعِيُّ كِتَابَهُ؟ قَال: "لَا" (٨). * فَمَنْ وَجَدَ (٩) مِنَ الشَّافِعَيَّةِ حَدِيثًا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ: - فَإِنْ كَمَلَتْ [لَهُ] (١٠) آلَةُ الاجْتِهَادِ فِيهِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ، أَوْ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ، أَوْ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلةِ؛ فَلَهُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ.

стр. 184

- وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ آلَتُهُ، وَوَجَدَ فِي قَلْبِهِ حَزَازَةٌ مِنْ مُخَالفَةِ الْحَدِيثِ، بَعْدَ أَنْ بَحَثَ فَلَمْ يَجِدْ لِمُخَالفَتِهِ (١) عَنْهُ جَوَابًا شَافِيًا، فَلْيَنْظُرْ؛ هَلْ عَمِلَ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ إِمَامٌ مُسْتَقِلٌّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ وَجَدَهُ؛ فَلَهُ أَنْ تَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِهِ فِي الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ مَذْهَبِ إِمَامِهِ فِي ذَلِكَ (٢). وَقَدَ ذَهَبَ [بَعْضُ] (٣) الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَأَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتَيْنِ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ (٤). * * *

стр. 185

فَصْلٌ * وَهَلْ لِلْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إِلَى مَذْهَبٍ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبٍ آخَرَ أَمْ لَا؟ - فَإِنْ (١) كَانَ مُجْتَهِدًا، فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ آخَرَ؛ تَبعَ اجْتِهَادَهُ. - وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُ مُقَيَّدًا مَشُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ التَّقْلِيدِ؛ نَقَلَ ذَلِكَ الشَّوْبَ مِنَ التَّقْلِيدِ إِلَى ذَلِكَ الإمَامِ الَّذِي أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى مَذْهَبِهِ، ثُمَّ إِذَا أَفْتَى بَيَّنَ ذَلِكَ فِي فُتْيَاهُ (٢). وَلِهَذَا قَال الْقَفَّال: "لَوْ أَدَّى (٣) اجْتِهَادِي إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، قُلْتُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا، لَكِنِّي أَقُولُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. لِأَنَّهُ (٤) جَاءَ السَّائِلُ لِيَسْتَفْتِيَ (٥) عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَلَابُدَّ أَنْ أُعَرِّفَهُ بِأَنِّي (٦) أُفْتِي بِغَيْرِهِ" (٧). - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ بَنَى عَلَى اجْتِهَادِهِ.

стр. 186

- فَإِنْ تَرَكَ مَذْهَبَهُ إِلَى مَذْهَبٍ [هُوَ] (١) أَسْهَلُ مِنْهُ وَأَوْسَعُ؛ فَالْمَنْعُ أَصَحُّ. - وَإِنْ (٢) تَرَكَهُ لِكَوْنِ الآْخَرِ أَحْوَطَ الْمَذْهَبَيْنِ؛ فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ، ثُمَّ عَلَيْهِ بَيَانُ ذَلِكَ فِي فَتْوَاهُ (٣) كَمَا سَبَق (٤). * * *

стр. 187

فَصْلٌ * لَيْسَ لِمَنِ انْتَسَبَ إِلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ فِي مَسْأَلةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ؛ أَنْ يَتَخَيَّرَ فَيَعْمَلَ أَوْ يُفْتِيَ بَأَيِّهمَا شَاءَ . [بَلْ] (١) إِنْ عَلِمَ تَارِيخَ الْقَوْلَيْنِ، عَمِلَ بِالْمُتَأَخِّرِ، إِنْ صَرَّحَ قَائِلُهُمَا بِرُجُوعِهِ عَنِ الْأوّلِ، وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَا: إِنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ. وَقِيلَ: "يَجُوزُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا إِذَا تَرَجَّحَ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ لِقَائِلِهِمَا -كَمَا يَأْتِي-؛ لِأَنَّ كَلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالهُ بِدَلِيلٍ". * وَإِنْ ذَكَرَهُمَا [قَائِلُهُمَا] (٢) مَعًا، وَرَجَّحَ أَحَدَهُمَا؛ تَعَيَّنَ. * وَإِنْ لَمْ يُرَجِّحْ أَحَدَهُمَا، أَوْ جَهِلَ الْحَال، هَلْ قَالهُمَا مَعًا أَمْ لَا؟ عَمِلَ بِالأرْجَحِ -عَلَى (٣) الأْصَحِّ- الأْشْبَهِ بِقَوَاعِدِ الإْمَامِ وَأُصُولِهِ كَمَا يَأْتِي. هَذَا إِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِهِ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ. * وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا؛ فَلْيَأْخُذْهُ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ. * فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، تَوَقَّفَ.

стр. 188

* وَلَابُدَّ فِي الْوَجْهَيْنِ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا، وَمَعْرِفَةِ أَصَحِّهِمَا عِنْدَ الْفَتْوَى وَالْعَمَلِ بِمِثْلِ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّاخّرِ، وَسَوَاءٌ وَقَعَا مَعًا أَوْ لَا، مِنْ إِمَامٍ أَوْ إِمَامَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا نُسِبَا إِلَى الْمَذْهَبِ نِسْبَةً وَاحِدَةً، وَتَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا لَا يَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ تَقَدُّمِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ. وَلَيْسَ (١) ذَلكَ [أَيْضًا] (٢) مِنْ قَبيل اخْتِلَافِ الْمُفْتِينَ عَلَى الْمُسْتَفْتِى، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ رَاجعٌ إِلَى شَخصٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ؟ فَلْيَلْتَحِقُ (٣) بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِأَصَحِّهِمَا عَنْهُ وَأَصْرَحِهِمَا وَأَوْضَحِهِمَا. * وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الرَّأْيَيْنِ (٤) مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَالآخَرُ مُخَرَّجًا؛ فَالظَّاهرُ أَنَّ الَّذي نَصَّ عَلَيْه منْهُمَا يُقَدَّمُ، كَمَا يُقَدَّمُ مَا يُرَجِّحُهُ منَ الْقَوْلَيْن الْمَنْصُوصَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؛ لأَنَّهُ أَقْوَى نِسْبَةً إِلَيْهِ مِنْهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ مُخَرَّجًا مِنْ نَصٍّ آخَرَ؛ لِتَعَذُّرِ الْفَارِقِ. * وَمَنْ يَكْتَفِي بأَنْ يَكُونَ فِي فُتْيَاهُ (٥) أَوْ عَمَلِهِ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ فِي المَسْألةِ، وَيَعْمَل بِمَا شاءُ مِنَ الأقوَالِ أوِ (٦) الأوْجُهِ، مِنْ غيْرِ نَظيرٍ فِي التَّرْجِيحِ وَلَا تَقَيُّدٍ بِهِ؛ فَقَدْ جَهِلَ وَخَرَقَ الإِجْمَاعَ.

стр. 189

وَقَدْ حُكِيَ [عَنْ] (١) بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ، أنَّهُ قَال: "الَّذِي عَلَيَّ لِصَدِيقِي إِذَا وَقَعَتْ لَهَ حُكُومَةٌ، أَنْ أُفْتِيَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ". وَوَقَعَتْ لِرَجُلٍ وَاقِعَةٌ فَأَفْتَى (٢) فِيهَا جَمَاعَةٌ بِمَا يَضُرُّهُ، فَلَمَّا عَادَ وَسَأَلهُمْ قَالوا: "مَا عَلِمْنَا أَنها لَكَ! " وَأَفْتَوْه بالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تُوَافِقُهُ (٣). وَذَلِكَ يَفْعَلُونَهُ لِقِلَّةِ خَيْرِهِمْ، وَكثْرَةِ نِفَاقِهِمْ، وَلا خِلافَ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ قَال مَالِكٌ: "لَيْسَ كَلُّ مَا فِيهِ [تَوْسِعَةٌ] (٤) قُلْتُ: لَا تَوْسِعَةَ فِيهِ" (٥). يَعْني أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا فِيمَا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ يُقْطَعُ فِيهِ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ مُتَعَيِّنٍ، لَا مَجَال لِلِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ. وَقَال فِي اخْتِلافِ الصَّحَابَةِ: "مِنْهُمْ مُخْطِئٌ وَمُصِيبٌ، فَعَلَيْكَ بِالاِجْتِهَادِ" (٦). قُلْتُ (٧): "وَيتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِالأْرْجَحِ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِي كُلِّ مَسْأَلةٍ اخْتَلَفُوا

стр. 190

فِيهَا، وَمَا فِيهَا قَوْلٌ [وَاحِدٌ] (١) لَأِحَدِهِمْ وَلَمْ يَشْتَهِرْ بَيْنَهُمْ؛ أَخَذَ بِهِ مَنْ يَرَى تَقْلِيدَهُمْ. وَإِنْ اشْتَهَرَ فَلَمْ (٢) يُنْكَرْ؛ فَبِطَرِيقِ الأْوْلَى، وَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ، وَفِيهِ لِبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ خِلَافٌ (٣) مَشْهُورٌ (٤). * * *

стр. 191

فَصْلٌ * إِذَا اعْتَدَلَ عِنْدَ الْمُفْتِي قَوْلَانِ، وَقُلْنَا: "يَجُوزُ ذَلِكَ": - فَقَدْ قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: "لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِأَيَّهِمَا شَاءَ، كَمَا يجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ الْمُفْتِي بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ" (١). - وَقِيلَ: "إِنَّهُ يُخَيِّرُ الْمُسْتَفْتِيَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْتِيهِ (٢) بِمَا يَرَاهُ، وَالَّذِي يَرَاهُ [هُوَ] (٣) التَّخْيِيرُ، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَال بِالتَّخْيِيرِ". - وَإِنْ قُلْنَا: "يَمْتَنِعُ (٤) تَعَارُضُ الأْمَارَاتِ (٥) وَتَعَادُلُهَا"، تَعَيَّنَ الأحْوَطُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ. - وَإِنْ أَفْتَاهُ بِقَوْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، لَمْ يُخَيِّرْه فِي الْقَبُولِ مِنْهُ. - وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ، خَيَّرَهُ بَيْنَ الْقَبُولِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ. -[أَمَّا إِنْ قُلْنَا: "كَلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ"؛ فَظَاهِرٌ. - وَ] (٦) أَمَّا إِنْ قُلْنَا: "الْمُصِيبُ وَاحِدٌ" فَلَأِنَّهُ غَيْرُ مُتعَيِّنٌ (٧) مِنْهُمَا؛

стр. 192

كَتَخْيِيرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ (١) مَنْ أَفْتَاهُ بِالطَّلَاقِ بَيْنَ قَوْلِهِ لَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ يُفْتِيهِ بِخِلَافِهِ؛ فَلا (٢) يَلْزَمُهُ أَنْ يُخَيَّرَهُ صَرِيحًا بِذَلِكَ (٣). * * *

стр. 193

فَصْلٌ * إِذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ بالدَّلِيلِ، اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي الْأصَحِّ مِنَ القَوْلَيْنِ أوِ الوَجْهَيْنِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَرْجِعَ فِي التّرْجِيحِ إِلَى صِفَاتِهِمُ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ، فَيَعْمَلَ بَقَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَالْأَعْلَمِ، وَالْأَوْرَعِ. * فَإِذَا اخْتَصَّ [وَاحِدٌ مِنْهُمْ] (١) بِصِفَةٍ مِنْهَا، وَالآخَرُ بِصِفَةٍ أُخْرَى؛ قَدَّمَ الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بِالْإِصَابَةِ (٢)، فَالأعْلَمُ الْوَرعُ (٣) مُقَدَّمٌ عَلَى الأوْرَعِ الْعَالِمِ، كَمَا قُلْنَا فِي التَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَخْبَارِ فِي صِفَاتِ الرُّوَاةِ. * وَكَذَلِكَ: إِذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أوْ وَجْهَيْنِ، لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِهِ بَيَانُ الْأَصَحِّ مِنْهُمَا؛ اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلِيهِمَا وَقَائِلِيهِمَا، وَيُرَجِّحُ مَا وَافَقَ مِنْهُمَا أَئِمَّةَ أَكْثَرِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ، أَوْ أَكْثَرَ الْعُلَماءِ. * وَقَدْ قَال الْقَاضِي حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّد الشَّافِعِيُّ: إِذَا اخْتَلَفَ قَوْلَا الشَّافِعِيِّ -مَثَلًا- فِي مَسْأَلَةٍ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ مُوَافِقٌ مَذْهَبَ (٤) أبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا ظَاهِرًا بِشَيْءٍ، فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْفَتْوَى؟

стр. 194

فَقِيلَ (١): "الْمُخَالِفُ؛ لَأِنَّهُ إِنَّمَا خَالفَهُ لِمَعْنًى خَفِيَ عَلَيْنَا". وَقِيلَ (٢): "بَلِ الْمُوَافِقُ؛ لِلتَّعَاضُدِ وَالْمُوَافَقَةِ فِي الاِجْتِهَادِ وَدَلِيلِهِ". وَقِيلَ (٣): "الأْوْلَى التَّرْجِيحُ بِالْمَعْنَى لَا بِمُوَافَمة وَلَا بِمُخَالفَةٍ" (٤). وَهَذ التَّرَاجَيحُ مُعْتبرةٌ بِالنِّسْبِةِ (٥) إِلَى أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ. وَمَا رَجَّحَهُ الدَّلِيلُ مُقَدَّمٌ عِنْدَهُمْ (٦). وَهُوَ أَوْلَى. * * *

стр. 195

فَصْلٌ * كُلُّ مَسْأَلةٍ [فِيهَا لِإمَامٍ رِوَايَتَانِ] (١) أَوْ قَوْلَانِ، جَدِيدٌ وَقَدِيمٌ؛ فَالْفَتْوَى مِنْ أَتْبَاعِهِ عَلَى الْجَدِيدِ الْمُتَأَخِّرِ -عَلَى الأصَحِّ-. * إِلَّا فِي عِشْرِينَ مَسْأَلةً لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الْفَتْوَى فِيهَا عَلَى الْقَدِيمِ (٢)، مِنْهَا: مَسْأَلةُ التَّثْوِيبِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ، [وَمَسْأَلةُ التَّبَاعُدِ عَنِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ] (٣)، وَأنَّه لَا يُسْتَحَبُّ قِرَاة السُّورَةِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ (٤)؛ فَيَكُونُ اخْتِيَارُهُمْ لِلْقَدِيمِ كَاخْتِيَارِهِمْ لِمَذْهَبِ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ إِذَا أَدَّاهُمْ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ؛ إِذِ الْقَدِيمُ لَمْ يَبْقَ مَذْهَبًا لَهُ لِرُجُوعِهِ عَنْهُ لِمَا سَبَقَ، وَبَلْ أَوْلَى؛ لِكَوْنِ الْقَدِيمِ قَدْ كَانَ قَوْلًا مَنْصُوصًا. * وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ: مَا إِذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمُ الْقَوْلَ الْمُخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَنْصُوصِ، أَوِ اخْتَارَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ (٥) رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ أَحَدَهُمَا عَلَى غَيْرِ مَا رَجَّحَهُ، وَبَلْ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ حَكَمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ (٦) أَهْلًا

стр. 196

لِلتَّخْرِيجِ مِنَ الْمُتَّبِعِينَ لِمَذْهَب الشَّافِعِيِّ -مَثَلًا-؛ أَلا تتَّبعَ شَيْئًا مِنَ اخْتِيَارَاتِهِمْ هَذِه الْمَذْكُورةِ؛ لِأنَّهُمْ مُقَلِّدُونَ لِلشَّافِعِيِّ دُونَ مَنْ خَالفَهُ (١). وَكَذَا الْكَلَامُ بَيْنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ [وَبَيْنَ] (٢) أَصْحَابِهِ، إِنْ قُلْنَا: "أَوَّلُ قَوْلَيْهِ فِي مَسْألةٍ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ"، وَإِلَّا فَلَا. * * *

стр. 197

فصل * إِذَا اقْتَصَرَ الْمُفْتِي فِي جَوَابِهِ عَلَى ذكْرِ الْخِلَافِ، وَقَال (١): "فِيهَا قول المفتى فيها قولان أو روايتان رِوَايَتَانِ" أَوْ: "قَوْلانِ" أَوْ: "وَجْهَانِ" أَوْ نَحْوَ ذلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَرْجَحَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُفْتِ فِيهَا بِشَيْءٍ. * وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، إِذا حَصَلَ غَرَضُ السَّائِلِ مِنَ الْجَوَابِ بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ. * وَإِنْ سَأَلهُ عَنِ الْخِلَافِ؛ ذَكرَهُ، فَرُبَّمَا أَرَادَ [أَنْ] (٢) يَعْلَمَ أَنهُ [لَا إِجْمَاعَ] (٣) فِي ذَلِكَ؛ لِيُمْكِنَ تَقْلِيدُ غَيْرِ إِمَامِهِ (٤). * * *

стр. 198

فصلٌ * لَيسَ لَهُ أَنْ يفْتِيَ فِي شَيءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلامِ مُفَصِّلًا، بَلْ يَمْنَعُ السَّائِلَ وَسَائِرَ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، وَيَأْمُرُهُمْ بِأَنْ (١) يَقْتَصِرُوا فِيهَا عَلَى الْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ (٢). * وَأَنْ يَقُولُوا فِيهَا وَفِيمَا وَرَدَ مِنَ الآيَاتِ وَالأخْبَارِ الْمُتَشَابِهَةِ: "إِنَّ الثَّابِتَ فِيهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كُلُّ مَا هُوَ [اللَّائِقُ فِيهَا بِاللهِ -تَعَالى-، وَبِكَمَالِهِ] (٣)، وَعَظَمَتِهِ، وَجَلَالِهِ، وَتَقْدِيسِهِ، مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ، وَلَا تَجْسِيمٍ، وَلَا تكْيِيفٍ، وَلَا تَأْوِيل، وَلَا تَفْسِيرٍ، وَلَا تَعْطِيل، وَلَيْسَ عَلَيْنَا تَفْصِيلُ الْمُرَادِ وَتَعْيِينُهُ، وَلَيْسَ الْبَحْث عَنْهُ مِنْ شَأْنِنَا -فِي الأكثَرِ [وَالْأَشْهَرِ] (٤) -، بَلْ نَكِلُ عِلْمَ تَفْصِيلِهِ إِلَى اللهِ -تَعَالى-، وَنَصْرِفُ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ قُلُوبَنَا وَألْسِنَتَنَا". فَهَذَا وَنَحْوُهُ [هُوَ] (٥) الصَّوَابُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى، وَهُوَ سَبِيلُ (٦) السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمُعْتبرةِ، وَأَكَابِرِ [الْفُقَهَاءِ وَ] (٧) الْعُلَمَاءِ، مِنَّا وَمنْ غَيْرِنَا.

стр. 199

وَهُوَ أَصْوَبُ وَأَسلَمُ لِلعَامَّةِ وَأَشبَاهِهِمْ، مِمَّنْ يُدْغِلُ قَلْبَهُ بِالْخَوضِ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدِ اعْتَقَدَ اعْتِقَادًا بَاطِلًا مُفَصَّلًا، فَفِي إِلْزَامِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الاِعْتِقَادِ [الْبَاطِلِ] (١) بِمَا هُوَ أَهْوَنُ وَأَيْسَرُ وَأَسلَمُ. * وَإِذَا عَزَّرَ وَلِيُّ الْأَمْرِ مَنْ حَادَ مِنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّريقَةِ؛ فَقَدْ تَأَسَّى بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي تَعْزِيرِ [صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ] (٢) الَّذِي كَانَ يَسْأل عَنِ الْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى ذَلِكَ. وَالْمُتكَلِّمُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مُعْتَرِفُونَ بِصَحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَأَنهَا أَسْلَمُ لِمَنْ سَلِمَتْ لَهُ (٣). حَتَّى الْغَزَالِيُّ -أَخِيرًا- فَإِنَّهُ قَال: "كُلُّ مَنْ يَدْعُو الْعَوَامَّ إِلَى الْخَوضِ فِي هَذَا؛ فَلَيْسَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ، بَلْ مِنَ الْمُضِلِّينَ، وَهُوَ كَمَنْ يَدْعُو صَبِيًّا يَجْهَلُ السِّبَاحَةَ إِلَى خَوْضِ الْبَحْرِ" (٤). وَقَال: "الصَّوَابُ لِلخَلْقِ إِلَّا النَّادِرَ سُلُوكُ مَسْلَكِ السَّلَفِ (٥) فِي الإْيمَانِ الْمُرْسَلِ، وَالتَّصْدِيقِ الْمُجْمَلِ، وَمَا قَالهُ اللهُ [- تَعَالى-] (٦) أَوْ (٧) رَسُولُهُ [ ﷺ ] (٨)

стр. 200

بِلَا بَحْثٍ وَتَفْتِيشٍ" (١). قَال: "وَفِي الاشْتِغَالِ [بِالتَّقْوَى] (٢) شُغُلٌ شَاغِلٌ" (٣). وَقَال فِي "التَّفْرِقَةِ" (٤) فِي حَقِّ عَوَامِّ الْخَلْقِ: "إِنَّ الْحَقَّ فِيهِ الاتِّبَاعُ، وَالْكَفُّ عَنْ تَغْيِيرِ [الظَّوَاهِرِ] (٥) رَأْسًا، [وَالْحَذَرُ] (٦) عَنْ إِبْدَاعِ (٧) تَأْوِيلَاتٍ لَمْ تُصَرِّحْ (٨) بِهَا الصَّحَابَةُ، وَحَسْمُ بَابِ السُّؤَالِ رَأْسًا، وَالزَّجْرُ عَنِ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ وَالْبَحْثِ، وَاتِّبَاعِ مَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [الثَّانِي: ] (٩) بَيْنَ النُّظَّارِ الَّذِينَ (١٠) اضْطَرَبَتْ عَقَائِدُهُمُ الْمَأْثُورَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمَوْرُوثَةُ، وينْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَحْثُهُمْ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَتَرْكُهُمُ الظَّاهِرَ (١١) لِضَرُورَةِ الْبرهَانِ الْقَاطِعِ" (١٢). وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "مِنَ النَّاسِ مَنْ يُبَادِرُ إِلَى التَّأوِيلِ ظَنًّا لَا قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ فَتْحُ

стр. 201

هَذَا الْبَابِ وَالتَّصْرِيحُ بِهِ يُؤَدِّي إِلَى تَشْوِيشِ قُلُوبِ الْعَوَامِّ؛ بُدِّعَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَكَلُّ مَا لمْ يُؤْثَرْ عَنِ السَّلَفِ ذِكْرُهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ بِأُصُولِ الْعَقَائِدِ الْمُهِمَّةِ؛ فَيَجِبُ تَكْفِيرُ مَنْ يُغَيِّرُ الظَّاهِرَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ قَاطِعٍ" (١). وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "كَلُّ مَا [لَا] (٢) يَحْتَمِلُ التَّأوِيلَ فِي نَفْسِهِ، وَتَوَاتَرَ نَقْلُهُ، وَلَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَقُومَ عَلَى خِلَافِهِ بُرْهَانٌ؛ فَمُخَالفَتُهُ تَكْذِيبٌ مَحْضٌ، وَمَا (٣) تَطرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَال تَأْوِيل وَلَوْ بِمَجَازٍ (٤) بَعِيدٍ، فَإِنْ كَانَ بُرْهَانهُ قَاطِعًا؛ وَجَبَ الْقَول بِهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي إِظْهَارِهِ مَعَ الْعَوَامِّ ضَرَرٌ لِقُصُورِ أَفْهَامِهِمْ؛ فَإِظْهَارُهُ بِدْعَةٌ، وَإِنْ كَانَ البرهَانُ يُفيدُ ظَنًّا غَالِبًا وَلَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ فِي الدِّينِ؛ فَهُوَ بِدْعَةٌ، وَإِنْ عَظُمَ ضَرَرُهُ؛ فَهُوَ كفْرٌ" (٥). وَفِيهِ اِحْتِمَالٌ. قَال: "وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ (٦) السَّلَفِ بِالدَّعْوَةِ بِهَذِه الْمُجَادَلَاتِ، بَلْ شَدَّدُوا الْقَوْلَ عَلَى مَنْ يَخُوضُ فِي الْكَلَامِ، ويشْتَغِلُ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ" (٧). وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "الْإِيمَانُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْكَلَامِ ضَعِيفٌ، وَالْإِيمَانُ الرَّاسِخُ إِيمَانُ الْعَوَامِّ الْحَاصِلُ فِي قُلُوبِهِمْ فِي (٨) الصِّبَا بِتَوَاتُرِ السَّمَاعِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ بِقَرَائِنَ يَتَعَذَّرُ (٩)

стр. 202

التَّعْبِيرُ عَنْهَا، ويؤَكِّدُهُ مُلَازَمَةُ الْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ، فَإِنَّ كَلَامَ الْمُتكلِّمِينَ يُشْعِرُ السَّامِعُ أَنَّ فِيهِ صَنْعَة (١) يَعْجِزُ عَنْهَا الْعَامِّيُّ، [لَا أنَّهُ] (٢) حَقٌّ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبُ عِنَادِهِ" (٣). وَقَال شَيْخُةُ (٤) أَبو الْمَعَالِي: "يَحْرِصُ الإْمَامُ مَا أَمْكَنَهُ عَلَى جَمْعِ عَامَّةِ الْخَلْقِ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ" (٥). وَقَال الصَّيْمَرِيُّ: "أَجْمَعَ أَهْلُ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِهَا؛ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ خَطَّهُ بفَتْوَى فِي مَسْأَلةِ كَلَامٍ، كَالْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْتَتِمُّ قِرَاءَةَ مِثْلِ هَذِهِ الرُّقْعَةِ" (٦). وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الامْتِنَاعَ مِنَ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ عَنِ الْفُقَهَاءِ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى وَالْحَدِيثِ، قَال: "وَإِنَّمَا خَالفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ" (٧). وَقِيلَ (٨): "إِنْ كَانَتِ الْمَسْأَلةُ مِمَّا يُؤْمَنُ فِي تَفْصِيلِ جَوَابِهَا مِنْ ضَرَرِ الْخَوْضِ الْمَذْكُورِ؛ جَازَ الْجَوَابُ مُفْصَّلا (٩)، بِأَنْ يَكُونَ جَوَابُهَا مُخْتَصَرًا مَفْهُومًا، فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَطْرَافٌ يَتَجَاذَبُهَا [إِلَيْهَا] (١٠) الْمُتَنَازِعُونَ، وَالسُّؤال عَنْهُ صَادِرٌ مِنْ مُسْتَرْشِدٍ خَاصٍّ

стр. 203

مُنْقَادٍ، أَوْ مِنْ عَامَّةٍ قَلِيلَةِ التّنَازُعِ وَالْمُمَارَاةِ، وَالْمُفتِي مِمَّنْ يَنْقَادُونَ لِفُتْيَاهُ، وَنَحْوُ هَذَا". وَعَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ يُخَرَّجُ مَا جَاءَ عَنْ [بَعْضِ] (١) السَّلَفِ مِنَ الْفَتْوَى (٢) فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْكَلامِيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ نَادِرٌ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ الْكَلَامِ عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ شَيءٌ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ، حَتَّى إِنَّ شَيْخَ الإسْلَامِ الأنْصَارِيَّ جَمَعَ مِنْ (٣) ذَلِكَ مُجلَّدًا (٤). وَقَدْ قَال أَحْمَدُ: "لَسْتُ بِصَاحِبِ كَلَامٍ، وَلَا أَرَى الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ، إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللهِ [-تَعَالى-] (٥) أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ [ ﷺ ] (٦) " (٧). وَقَال: "كُنَّا نَأْمُرُ بِالسُّكُوتِ، فَلَمَّا دُعِينَا إِلَى الْكَلَامِ تَكَلَّمْنَا" (٨). يَعْني زَمَنَ الْمِحْنَةِ؛ لِلضَّرُورَةِ فِي دَفْعِ شُبَهِهِمْ، لَمَّا ألجِئَ إِلَى ذَلِكَ. وَقَال: "لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَدَعَ الْجِدَال، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ السُّنَّةَ" (٩).

стр. 204

وَقَال: "مَنِ ارْتَدَى بِالْكَلَامِ لَمْ يُفْلحْ" (١). وَقَال: "لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْكَلَامِ وَإِنْ ذَبُّوا عَنِ السُّنَّةِ" (٢). وَقَال مَالِكٌ: "لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُجَادِلَ عَنِ السُّنَّةِ، بَلِ السُّنَّةُ أَنْ تُخْبِرَ بِهَا، فَإِنْ سُمِعَتْ مِنْكَ، وَإِلَّا سَكَتَّ" (٣). وَإِذَا كانَ هَذَا حَال مُتكلِّمِي (٤) الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فكَيْفَ نَحْنُ وَمَنْ يَتِّبعُ الآثَارَ؟ وَقَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: "النَّاسُ يَكْتبونَ أحْسَنَ مَا يَسْمَعُونَ، وَيَحْفَظُونَ أَحْسَنَ مَا يَكْتبونَ، وَيَتَحَدَّثُونَ بِأَحْسَنِ مَا يَحْفَظُونَ" (٥). وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا -أَوْ إِثْمًا- أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" (٦).

стр. 205

فَمَا كَانَ يَعْلَمُهُ الإِنْسَانُ يَنْبَغِي أَلَّا يُعْلِمَ بِهِ [مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ] (١)، وَلَا يَأْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ بِسَبَبِهِ. وَأَكثر أَهْلِ السُّنَّةِ يَعْرِفُونَ الْيَسِيرَ مِنْهُ، وَلا يَنتمُونَ إِلَيْهِ، وَلا يُدِلُّونَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَلا يَدْعُونَهُمْ إلَيْهِ. وَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ: "حُكْمِي فِي أَصْحَابِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ، ويُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ، ويقَال: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَاشْتَغَلَ بِالْكَلَامِ" (٢) أَوْ مَعْنَى ذَلِكَ. وَقَال: "لَقَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْل (٣) الْكَلَامِ عَلَى شَيءٍ؛ لَأَنْ يُبْتَلَى الْمَرْءُ بِكُلِّ شَيءٍ نُهِيَ عَنْهُ -غَيْرَ الْكُفْرِ- أَهْوَن مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِهِ" (٤) أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. * وَعِلْمُ الْكَلامِ الْمَذْمُومِ: هُوَ أُصُولُ الدِّينِ إِذَا تُكُلِّمَ فِيهِ بِالْمَعْقُولِ الْمَحْضِ، أَوِ الْمُخَالِفِ لِلْمَنْقُولِ الصَّرِيحِ [الصَّحِيحِ] (٥). فَإِنْ تُكُلِّمَ فِيهِ بِالنَّقْلِ فَقَطْ، أَوْ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ الْمُوَافِقِ لَهُ؛ فَهُوَ أُصُولُ

стр. 206

الدِّينِ، وَطَرِيقَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، [وَعَلَمُ السّنَّةِ] (١) وَأَهْلِهَا. * وَاجْتِنَابُ الْجَوَابِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ لِغَيْرِ [الْمُتَمَيِّزِ] (٢) الْمُسْتَرْشِدِ أَوْلَى وَأَسْلَمُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى-؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِمَّا كُفْرٌ أَوْ فِسْقٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هَيِّنًا. وَقَدْ قَال الْغَزَالِيُّ -أَخِيرًا-: "الْخَوْضُ فِي الْكَلَامِ حَرَامٌ؛ لِكَثْرَةِ الْآفَةِ فِيهِ، إِلَّا لِرَجُل وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ لَيْسَتْ تزولُ بِكَلَامٍ أقَرِيبٍ، (٣) وَعْظِي، وَلَا بِحَدِيثٍ نَقْلِيٍّ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَول الْمُرَتَّبُ الْكَلامِيُّ رَافِعًا شُبْهَتَهُ، وَدَوَاءً لَهُ مِنْ مَرَضِهِ، فَيُسْتَعْمَلَ مَعَهُ، ويحْرَسَ عَنْهُ (٤) سَمْعُ الصَّحِيحِ الَّذِي لَيْسَ كَذَلِكَ، أَوْ لِرَجُلٍ كَامِل الْعَقْلِ، رَاسِخِ الْقَدَمِ فِي الدِّينِ، ثَابِتِ الإيمَانِ بِأَنْوَارِ (٥) الْيقِينِ، يُرِيدُ أَنْ يُحَصِّلَ هَذَا الْعِلْمَ؛ لِيُدَاوِيَ بِهِ مَرِيضًا إِذَا وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ، ويفْحِمَ بِهِ مُبْتَدِعًا إِذَا نبَغَ، وَلِيَحْرُسَ بِهِ مُعْتَقَدَهُ إِذَا قَصَدَ مُبْتَدِعٌ أَنْ يُغْوِيَهُ، فتعَلُّمُ ذَلِكَ لِهَذَا الْغَرَضِ؛ فيرْضُ كفَايَةٍ، وَتَعَلُّمُ قَدْرِ مَا يُزِيلُ بِهِ الشَّكَّ وَالشُّبْهَةَ فِي حَقِّ الْمُتَشَكِّكِ؛ فرْضُ عَيْنٍ، إِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِعَادَةُ اعْتِقَادِهِ الْمَجْزُومِ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوَاهُ، فَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ؛ جَازَ جَوَابُهُ، إِذَا أُمِنَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِه مِنَ التَّشْوِيشِ" (٦). * * *

стр. 207

فصلٌ * لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الْجَزْمُ، وَلَا إِثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا (١). فَلا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ [- سُبْحَانَهُ وَ] (٢) تَعَالى-، وَتَوْحِيدِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَلَا فِي نُبُوَّةِ رُسُلِهِ وَتَصْدِيقهِمْ فِيمَا أَتوْا بِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِي وُجُوبِ مَعْرِفَتِهِ كُلُّ مُكَلَّفٍ قَبْلَ النَّظَرِ فِي الْمُعْجِزَةِ وَثُبُوتِ النُّبُوَّةِ بِهَا. قَالهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى (٣) وَأَصْحَابهُ كلُّهُمْ -كأَبِي الْخَطَّابِ (٤) وَابْنِ عَقِيلٍ (٥) وَغَيْرِهِمَا (٦) - وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَسَائِرُ الْمُتَمَيِّزِينَ، مِنَّا وَمنْ غَيْرِنَا. وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُورُ (٧) عِنْدَ الأصْحَابِ وَغَيْرهمْ؛ لأنَّهُ قَدْ لَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْعَقْلِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ، فَيَصِيرَ كُلُّ مُكَلِّفٍ مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْعَقْلِ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَغَيْرُهَا؛ فَلَمْ يَجُزْ لِبَعْضِهِمْ تَقْلِيدُ بَعْضٍ، [كَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ لِبَعْضِهِمْ تَقْلِيدُ بَعْضٍ] (٨)؛

стр. 208

لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي آلَةِ الاجْتِهَادِ. * وَالتَّقْلِيدُ هُوَ: "الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ؛ فَلَيْسَ الْأَخْذُ بِهِ تَقْلِيدًا". قَالهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ [الْمَقْدِسِيُّ رَحَمَهُ آللَّهُ] (١) وَغَيْرُهُ (٢). * وَإِذَا ثَبَتَتِ النُّبُوَّةُ بِالْمُعْجِزَةِ؛ وَجَبَ [اتِّتَاعُ الرَّسُولِ] (٣) وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيِلِ عَلَى [وُجُوبِ] (٤) ذَلِكَ. وَاللهُ أَعْلَمُ. * وَقَدْ قَال أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: "إِنَّ الْمُعْلُومَ (٥) إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ بِالشَّرْعِ أَوْ بِالْعَقْلِ (٦) أَوْ بِهِمَا، فَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّرْعُ؛ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ، بَلْ يُعْلَمُ بِدُونِهِ". وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُهُ وَتَقْرِيرُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالدِّينِ (٧). * * *

стр. 209

فصلٌ * وَأَدِلَّةُ مَنْعِ التَّقْلِيدِ بِوُجُوبِ النَّظَرِ فِي الْكِتَابِ كثِيرَةٌ: وَقَدْ قَال ابْنُ مَسْعُودٍ: "أَلَا لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا، إِنْ آمَنَ آمَنَ، وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ" (١). وَقَال: "أَلَا لَا يُوَطِّنَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ إِنْ كَفَرَ النَّاسُ أَنْ يَكْفُرَ" (٢). وَقَال: "لَا يَكُنْ (٣) أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً؛ يَقُولُ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ، إِنْ ضَلُّوا ضَلَلْتُ، وَإِنِ اهْتَدَوْا اهْتَدَيْتُ! ، [أَلَا لَا يُوَطِّنَنَّ نَفْسَهُ إِنْ كَفَرَ النَّاسُ أَنْ يَكْفُرَ] (٤) " (٥). وَقَال أَحْمَدُ: "مِنْ ضِيقِ عِلْمِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ فِي اعْتِقَادِهِ" (٦).

стр. 210

وَقَال لِرَجُلٍ: "لَا تُقَلِّدْ دِينَكَ أَحَدًا، وَعَلَيْكَ بِالْأَثَرِ" (١). وَقَال [لِلْفَضْلِ] (٢) بْنِ زِيَادٍ: "لَا تُقَلِّدَ دِينَكَ الرِّجَال، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْلَمُوا أَنْ يَغْلَطُوا" (٣). وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى [أَنَّ الْمُكَلَّفَ] (٤) لَا بُدَّ لَهُ مِنَ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ، وَالتَّقْلِيدُ لَا يُفيدُهُ كَمَا سَبَقَ. وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ [وَغَيْرِه] (٥) فِي "الْمُرْتَضَى" وَغَيْرِه. * * *

стр. 211

فَصْلٌ * وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِثْبَاتِهَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ. * وَكُلُّ حُكْمٍ يَثْبُتُ بِدَلِيل ظَنِّيٍّ فَهُوَ اجْتِهَادِيٌّ، إِذْ [لَا] (١) اجْتِهَادَ مَعَ الْقَطْعِ، فَإِنَّ الاجْتِهَادَ: بَذْلُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلِهِ (٢). وَقِيلَ: "يَجِبُ التَّقْلِيدُ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالدَّلِيلِ، إِذَا لَمْ يُعْلَمْ بِالضَّرُورَةِ أَنهَا مِنَ الدِّينِ، وَمَا عَلِمْنَا بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مِنَ الدِّينِ؛ فَلَا تَقْلِيدَ فِيهِ -كَمَا سَبَقَ- وَإِنْ كَانَ مِنَ الْفُرُوعِ". * وَدَلِيلُ وُجُوبِ التَّقْلِيدِ فِيهَا: - قَوْلُهُ -تَعَالى-: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). - وَقَول النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ وَهُوَ جُنُبٌ، فَسَأَل أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً؟ فَقَالوا: لَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ. فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ (٤) - "قَتَلُوهُ

стр. 212

قَاتَلَهُمُ الله -أَوْ "قَتَلَهُمُ اللهُ "-أَلا سَأَلوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا، إِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَال" (١) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْر. - إِذْ لَوْ مُنِعَ (٢) كُلُّ النَّاسِ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَكُلِّفُوا مَعْرِفَةَ الأْحْكَامِ بِدِلِيلٍ؛ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْعِلْمِ عَلَى الْكَافَّةِ، وَتَعَطَّلَتِ الْمَعَايِشُ، وَفَسَدَ النِّظَامُ، وَالْجِهَادُ، وَكَثِير مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. * وَقَدْ دَلَّ عَلَى أنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ: - قَوْلُهُ -تَعَالى-: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٣). - وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ عُسْرًا وَحَرَجًا يَنتفِيَانِ بِقَوْلِهِ -تَعَالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)، وَقَوْلِهِ [-تَعَالى-] (٥): ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر (٦)، وَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٧).

стр. 213

- وَقَوْلِهِ ﷺ (١): "لا ضَرَرَ وَلا إِضْرَارَ فِي الإْسْلامِ" (٢) رَوَاه مَالِكٌ وَغَيْرُه. - وَلَوْ جَازَ لِلْكُلِّ (٣) التَّقْلِيدُ؛ بَطَلَ (٤) الاجْتِهَادُ، وَسَقَطَ فَرْضُ التَّعَلُمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَانْدَرَسَ الْعِلْمُ. وَإِنَّمَا طَلَبُ الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِيَكُونَ الْبَاقُونَ تَبَعًا وَمُقَلِّدِينَ لَهُ، وَالآيَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تُسْقِطِ الاجْتِهَادَ عَنِ الْكُلِّ، وَلَا أَوْجَبَتْهُ (٥) عَلَى الْكُلِّ، بَلْ عَلَى الْبَعْضِ، [وَهَذَا] (٦) هُوَ الْمُدَّعَى. * * *

стр. 214

فَصْلٌ * يَجِبُ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا شَرَعَهُ، وَأَمَرَ بِهِ، وَنَهَى عَنْهُ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبرَ بِهِ؛ لِثبوتِ عِصْمَتِهِ وَصِدْقِهِ، وَلزوم طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِهِ فِيمَا (١) عُرِفَ فِي أَمَاكِنِهِ مِنَ الأْصُولِ وَغَيْرِهَا. وَقَال الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: "لَيْسَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ ﵇ (٢) تَقْلِيدًا؛ لَأِنَّ قَوْلَهُ [ ﷺ ] (٣) حُجَّةٌ"؛ لِمَا سَبَقَ وَعُرِفَ فِي مَوَاضِعِهِ. وَالتَّقْلِيدُ: "أَخْذُ السَّائِلِ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ، بِلَا حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ [لَهُ] (٤) يَعْرِفُهَا" كَمَا سَبَقَ. * وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الإِجْمَاعِ فِيهِ، بَلْ يَجبُ (٥). ويُمْكِنُ أَنْ يُقَال: "الْأَخْذُ بِهِ لَيْسَ تَقْلِيدًا"؛ لأَنَّهُ حُجَّةٌ، كَمَا قُلْنَا (٦) فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ . * وَأَمَّا أَقْوَال الصَّحَابَةِ وَمَذَاهِبُهُمْ (٧):

стр. 215

فَفِيهَا (١) مَذْهَبَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا (٢) حُجَّةٌ يَجُوزُ اتِّبَاعُهُمْ فِيهَا. وَقِيلَ: "وَإِنْ (٣) خَالفَتِ الْقِيَاسَ". - وَهَلْ [يَكُونُ تَقْلِيدًا -عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ-؟ وَالظَّاهِرُ: أَنهُ] (٤) تَقْلِيدٌ مِمَّنْ دُونَهُمْ. إِنْ قُلْنَا: "لَيْسَا بِحُجَّةٍ"؛ فَلا (٥) يُقَلِّدُونَ. وَهُوَ بَعِيدٌ. - وَللْجَاهِلِ تَقْلِيدُهُمْ بِشَرْطِهِ، كَبَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ. وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي "الْمَنْخُولِ" (٦): "يَجِبُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَرَ [﵁] (٧) ". لِقَوْلِهِ ﵇: ["اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" (٨).
следующие страницы →