← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ميتا فقُل: بسم الله وعلى ملة رسول الله. زاد في "التذكرة": وسبِّح (١). * * *

стр. 107

الفصل الخامس فيما جاء في ملك الموت وأعوانه قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَجدَة: الآية ١١] وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعَام: الآية ٦١] (١). أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعَام: الآية ٦١] قال: أعوان ملك الموت من الملائكة. زاد إبراهيم النخعي فيما رواه أبو الشيخ: ثم يقبضهما ملك الموت (٢). وأخرج أبو الشيخ وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما أراد الله أن يخلق آدم بعث ملكًا من حملة العرش، يأتي بتراب من الأرض، فلما أهوى (٣) ليأخذ قالت الأرض: أسألك بالذي أرسلك لا تأخذ منِّي اليوم شيئًا يكون منه للنار نصيب غدًا. فتركها، فلما رجع إلى ربه قال: ما منعك أن (تأتيني) (٤) بما أمرتُك

стр. 108

قال: سألتني بك فعظمتُ أن أردّ شيئًا سألتني بك. فأرسل آخر فقال مثل ذلك، حتى أرسلهم كلهم. فأرسل ملك الموت فقالت له مثل ذلك، فقال: إن الذي أرسلني أحقُّ بالطاعة منك، فأخذ من وجه الأرض كلها، من طيبها وخبيثها، فجاء به إلى ربِّه فصبَّ عليه من ماء الجنة فصار حمأً مسنونا فخُلقَ منه آدم ﵇. زاد ابن عساكر عن يحيى بن خالد فسمّاه ملك الموت، ووكّله بالموت (١). وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن سابط قال: يدبر أمرَ الدّنيا أربعة: جبريلُ وميكائيل وإسرافيل وملكُ الموت، فأمّا جبريلُ، فصاحب الجنود والريح، وأما ميكائيل فصاحب القطر والنبات، وأمّا ملك الموت فموكل بقبض الأنفس وأمّا إسرافيل فيتنزل بالأمر عليهم بما يُؤمرون (٢). وأخرج أبو الشيخ في "العظمة" عن الرّبيع بن أنس، أنَّه سُئِل عن ملك الموت، هل هو الذي وحده يقبض الأرواح قال: هُو الذي يَلي أمرَ الأرواح، وله أعوان على ذلك، غير أنَّ ملك الموت هو الرئيس، وكل خطوة منه من المشرق إلى المغرب. قلتُ: أين تكون أرواح المؤمنين؟ قال: عند السدرة (٣).

стр. 109

وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النَّازعَات: الآية ٥] ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم، فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يُؤمّن على الدعاء ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى، عليه ويدلى في حفرته (١). وقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾ [القِيَامَة: الآية ٢٧] أعوان ملك الموت يقول بعضهم لبعض: مَنْ يرقى بروحه من أسفل قدمه إلى موضع خروج نفسه. وأخْرَجَ الطبرانيُّ في "الكبير" وأبو نعيم وابن منده عن الحارث بن الخزرج، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول -ونظر (٢) إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال-: "يا ملك الموت، أرفق بصاحبي فإنَّه مؤمنُ"، فقال ملكُ الموت: طب نفسًا، وقر عيْنا، واعلم أني بكل مؤمن رفيق، واعلم يا محمد أني لأقبض روح ابن آدم، فإذا صرخ صارخ من أهل بيته همت في الدار ومعي روحه، فقلت ما هذا الصّارخ، والله ما ظلمناه ولا سبقنا أجله، ولا استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا بما صنع الله تؤجروا وإن تسخطوا تَأثموا وتؤزروا، وإن لنا عندكم عودة بعد عودة فالحذر الحذر، وما مِنْ أهل بيت شعر ولا مدر برٌّ ولا فاجر، ولا جبل إلا أنا أتصفحهم في كل يومٍ وليلة، أنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم

стр. 110

منهم بأنفسهم والله لوْ أردتُ أنْ أقبضَ روح بعوضَة ما قدرت على ذلك، حتى يكون الله هو يأذن بقبضها (١). قال جعفر بن محمد: بلغني أنّه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا نَظَرَهُ عند الموت فإن كان يحافظ على الصلاة، دنا منه ملكُ الموت وطرد عنه الشيطان، ويلقنه الملك لا إله إلا الله محمد رسول الله، في ذلك الحال العظيم. وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن: ما من يوم إلا وملكُ الموت يتصفح في كل بيتٍ ثلاثَ مرات، فمنْ وجده منهم قد استوفى رزقه وانقضى أجله، قبض روحه. وإذا قبض روحه أقبل أهله برنّة وبكاء، فأخذ ملك الموت بعضادَتي الباب، فيقول ما لي إليكم من ذنب، وإني لمأمورٌ والله ما أكلت له رزقًا، ولا أفنيت له عُمرا، ولا انتقصت له أجلا، وإنّ لي فيكم لعودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدا (٢). قال الحسن: والله لو رأوا مقامه، وسمعوا كلامه؛ لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم. وأخرجَ ابن أبي الدُنيا، عن عبيد بن عمير قال: بينما إبراهيم

стр. 111

عليه السلام يَوْمًا في داره إذْ دخلَ عليه رجلٌ حسن الشارة -بالشين المعجمة والرَاء المخفّفة: أي الهيئة. فقال يا عبد الله: من أدخلك داري؟ قال: أدخلنيها ربّها قال: ربّها أحقّ بها، فمن أنت؟ قال: ملك الموت قال: لقد نُعتَ لي منك أشياء ما أراها فيك، قال: أدبر فأدبر، فإذا عيون مقبلة وإذا عيون مدبرة، وإذا كلّ شعرة منه كأنها إنسان قائم، فتعوّذ إبراهيم ﵇ من ذلك وقال: عُد إلى الصّورة الأولى. قال: يا إبراهيم، إنَّ الله إذا بعثني إلى من يحبّ لقاءه، بعثني في الصورة التي رأيت أوّلا. وأخرج نحوَه (١) الإمام ابن الإمام عبد الله، في زوائد "الزهد" وابن أبي الدنيا عن كعب غير أنهما قالا: قال إبراهيم إن كنت صادقًا فأرني منك آية أعرف أنك ملك الموت. قال له ملك الموت أعرض بوجهك فأعرَضَ ثُمَّ نظر فأراهُ الصَّورة التي يقبض المؤمنين قال: فرأى من النَّور والبهاء شيئًا لا يعلمه إلا الله، ثم قال: أعرض بوجهك فأعرض، ثمَّ نَظَر فأراهُ الصورة التي يُقبَضُ فيها الكُفّارُ والفجّار، فرعب إبراهيم رُعبا، حتى ارتَعدتْ فرائصه، وألصقَ بطنهُ بالأرض، وكادت نفسه تخرج. وفي "شرح الصُّدور في أحوال الموتى والقبور" للسيوطي (٢)،

стр. 112

عن ابن عباس وابن مسعودٍ معًا قالا: لمّا اتخذ اللهُ إبراهيمَ خليلًا سأل ملكُ الموت ربّه أنْ يأذنَ له، فيبشره بذلك فأذن له، في إبراهيمَ فبشرّه، فقال: الحمدُ لله. ثم قال: يا مَلكَ الموت أرني كيف تقبض أنفاس الكفار. قال: يا إبراهيم، لا تطيق قال: بلى فأعرض ثم نظر فإذا برجُل أسود، ينال رأسه السّماء يخرجُ من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده، إلَّا في صورة رَجُل يخرجُ من مسامعه لهبُ النار، فغشي على إبراهيم ثم أفاق وقد تحوّل ملكُ الموت في الصّورة الأولى، فقال: يا ملك الموت؛ لو لم ير الكافر من النار والخزي إلّا صورتك لكفاه، فأرني كيفَ تقبضُ أرواح المؤمنين. قال: أعرضْ ثمَّ التفَتَ فإذا هو برجل شابّ أحسنُ النّاس وَجْهًا وأطيَبُه ريحًا في ثيابِ بيض، فقال: يا ملك الموت لو لم يَر المؤمن عندَ موته من قُرّة العيني والكرامة إلّا صورتك لكان يكفيه. وأخرجَ الإمام أحمدُ، وأبو الشيخ وأبو نعيم عن مجاهد قال: جُعلت الأرض لملك الموت مثل الطست، يتناول من حيث شاء، وجُعل لهُ أعوان يتوفونَ الأنفُسَ، ثمَّ يقبضُها مِنهُم (١). وأخرجَ ابن أبي الدُنيا: قيلَ لملك الموتِ ما مِنْ نَفْسٍ منفوسة إلا وأنت تقبض روحها؟ قال: نعم. قيل: كيف وأنت هاهنا والأنفس في أطراف الأرض؟ قال: إنّ الله سَخّرَ لي الدُنيا فهيَ كالطست، يُوضع

стр. 113

قدّام أحدكم فيتناول من أيّ أطرافها شاء، كذلك الدنيا عندي (١). وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ وأبو نعيم عن شهر بن حوشب، قال: ملك الموت جالسٌ والدنيا بين ركبتيه، واللوح الذي فيه آجال بني آدم في يده وبين يديه ملائكة قيام، وهو يَعرضُ اللوح، لا يطرف فإذا أتى على أجل عبد قال: اقبضوا هذا (٢). وأخرج ابن أبي الدنيا أنّ الدّنيا سهلها وجبلها بين فخذي ملك الموت، ومعه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فيقبض الأرواح فيعطي هؤلاء لهؤلاء [وهؤلاء لهؤلاء] (٣)، يعني ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، قيل فإذا كانت ملحمة، وكان السيف مثل البرق قال يدعوها فتأتيه الأنفس (٤). وقال سيدنا سليمان بن داود ﵇ لملك الموت -وكان له صديقًا-: مالك تأتي أهل البيت فتقبضهم جميعًا، وتدع أهل البيت إلى جنبهم لا تقبض منه أحدا؟ قال: لا أعلم بما أقبض منها إنما أكون تحت العرش، فتلقئ إلى (صكاك) (٥) فيها أسماء. رواه ابن أبي شيبة عن خيثمة (٦).

стр. 114

وأخرج أيضًا عنه قال: دَخل ملك الموت إلى سليمان، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، يديم النظر إليه، فلمّا خرج قال: الرجُل مَن هذا؟ قال: هذا ملكُ الموت قال: رأيتُه ينظر إليّ كأنّه يريدني. قال: فما تريدُ؟ قال: أريدُ أنْ تحمِلَني على الرّيح حتى تلقيَني بالهِند، فدعا الريح فحمله عليها، فألقته في الهند. ثم أتى ملك الموت سليمان فقال: إنك كُنت تديم النّظر إلى رجل من جلسائي. فال: كنتُ أعجبُ منه أمرت أن أقبضه بالهند وهو عندك (١). وذكر الجلال السيوطي في "أحوال الموتى والقبور" عن ابن عساكر من خبر خيثمة قال سُليمانُ بنُ داود لملك الموت: إذا أردتَ أن تقبض رُوحي فأعلمني. فقال: ما أنا بأعلم بذلك منك إنما هو كتب تلقى إليّ فيها تسمية من يموت. وأخرجَ ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أنّ ملكا استأذن ربّه أن يهبط إلى إدريس، فأتاه فسلّم عليه، فقال له إدريس: هل بينك وبين ملك الموت شيء؟ قال: ذلك أخي من الملائكة. قال: هل تستطيع أن تنفعني عنده بشيء؟ قال: أمّا أن تؤخّر شيئًا أو تقدمُه فلا، ولكن سأكلمه فيرفق بك عند الموت قال: اركب بين جناحيّه، فركب إدريس فصعد به إلى السماء العليا فلقى ملكَ

стр. 115

الموت، وإدريس بين جناحه، فقال له: يا ملك الموت إنّ لي إليك حاجة. قال: علمت حاجتك، تكلمني في إدريس، وقد محي اسمه من الصحيفة، ولمْ يبقَ من أجله إلا نصفُ طرفة، فمات إدريس بين جناحي ذلك الملك (١). وأخرجَ المروزي وابن أبي الدنيا عن جابر بن زيد: أن ملك الموت كان يقبض الأرواح بغير وجع، فسبّه النّاس ولعنوه فشكى إلى ربّه، فوضع الله الأوجاع ونُسى ملك الموت، يقال مات فلان بوجع كذا وكذا (٢). وأخرج الإمام أحمد والبزّار عن النبي ﷺ قال: "كانَ ملك الموت يأتي الناس عيانًا، فأتى مُوسى فلطمه، ففقأ عينهُ فأتى ربه فقال: يا ربّ عبدك موسى فقأ عيني، ولولا كرامتُه عليك لشققت عليه. قال له: اذهب إلى عبدي فليضع يده على جلد ثور، فله بكلّ شعرة وارت يده سَنة. فأتاه فقال له، فقال: ما بعد هذا؟ قال: الموت. قال: فالآن، فشفه شمّه فقبض روحه، وردّ الله عليه عينه، فكان يأتي الناس خُفية" (٣).

стр. 116

وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "كانَ داودَ ﵇ فيه غيرةٌ شديدة، فكان إذا خَرج أغلق الأبواب فلمْ يدخل على أهله أحد حتى يرجع، فخرج ذات يوم ورجع فإذا في الدار رجل قائم، فقال له: من أنت؟ قال: أنا الذي لا أهاب الملوك ولا يُمنعُ مني الحجاب، قال داود: أنت إذن والله ملكُ الموت، مَرحبًا بأمر الله. فرمل داود مكانه، فقبضت نفسه" (١). وأخرج الطبراني، عن الحسين أن جبريل هَبط على النبي ﷺ يوم موته، فقال: كيف تجدُك؟ قال: "أجدني يا جبريلُ مغمومًا وأجدني مكروبًا" فاستأذَنّ ملكُ الموت علي الباب، فقال جبريل: يا مُحمَّد هذا ملك الموت، يستأذن عليك، ما استأذن على آدميّ قبلك، ولا يستأذن على آدميّ بعدك. قال: "ائذن له". فأقبل حتى وقف بين يديه فقال: إن الله أرسلني إليك، وأمرني أن أطيعك إن أمرتني أن أقبضَ نفسك، قبضتها، وإن كَرهتَ تَركتُها قال: "وتفعلُ يا ملك الموت؟ " قال: نعم بذلك أمُرت، فقال له جبريل: إن الله اشتاق إلى لقائك، فقال رسول الله ﷺ : "امض لما أُمرتَ به" (٢). وأخرج أبو نعيم عن ثابت البناني قال: الليلُ والنهار أربعةٌ

стр. 117

وعشرون ساعة، ليس فهها ساعة تأتي على ذي روحْ إلّا وملك الموت قائمٌ عليها، فإن أُمِر بقبضها قبضَها وإلَّا ذهبَ (١). وأخرج الإمام أحمد في "الزهد" وأبو الشيخ عن أنس ﵁ مرفوعًا: "إن ملك الموت لينظر في وجوه العباد، في كل يوم سبعين نظرة، فإذا ضَحك العبدُ الذي بعث إليه، يقول: عجبَا بُعثت إليه لأقبض روحه وهو يضحك" (٢). تنبيه: أخرج أبو الشيخ، والعقيلي في "الضّعفاء" والديلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آجَالُ البهائم (وخشاش) (٣) الأرضِ كلها في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها وليس لملك الموت من ذلك شيء" (٤). قال السيوطي: وله طريق آخر، أخرجه الخطيبُ في الرواة عن مالك، من حديث ابن عمر مثله. قال ابن عطية (٥)، والقرطبي: وكأن معنى ذلك أن الله يعدم حياتها بلا مباشرة ملك، فالآدميّ شرُف بأن خلق له ملكا وأعوانه

стр. 118

وجعل قبض روحه وإسلالها من جسده على يده، وقد قال عزرائيل للنبي ﷺ لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة، ما قدرت على ذلك، حتى يكون الله هو الآمر بقبضها، كما تقدم (١). قال السيوطي (٢): ولكن أخرج الخطيب في الرّواة عن مالك عن سليمان بن مهير الكلابي قال: حضرتُ مالك بن أنس وسأله رَجلٌ عن البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها فأطرق طويلًا ثم قال: ألها نَفس؟ قال: نعم. قال: فإن ملك الموت يقبض أرواحها ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزُّمَر: الآية ٤٢] (٣). قال السيوطي: ثم رأيتُ جويبرا أخرجَ في تفسيره عن الضحاك، عن ابن عباس قال: وكّل ملك الموت بقبض أرواح الآدميين، فهو الذي يلي قبض أرواحهم وملكًا في الجن، وملكًا في الشياطين، وملكًا في الطير، والوحش والسباع، والحيتان والنّمل، فهم أربعة أملاك والملائكة يموتون في الصعقة الأولى، وإن ملك الموت يلي قبض أرواحهم، ثم يموت، فأما الشُهداء في البحر، فإن الله يلي قبض أرواحهم، لا يكل ذلك إلى ملك الموت لكرامتهم عليه، حيث ركبوا لجج البحر في سبيله. قال: وجويبر

стр. 119

ضعيف جدًّا والضحاك عن ابن عباس منقطع. قال: ولآخره شاهد مرفوع فأخرج ابن ماجه عن أبي أمامة سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنّ الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح، إلَّا شُهداء البَحر فإنه يتولى قبضَ أرواحهم" (١). وأخرجَ ابن أبي شيبةَ في "المصنف"، عن عبد الله بن عيسى قال: كان فيمن قبلكم رجَلٌ عَبَد الله أربعين سنة، في البرّ، ثم قال: يا رب قد اشتقتُ أن أعبدك في البحر، فأتى قومٌ فاستحملهم فحملوه وجرت بهم سفينتهم ما شاء الله، أن تجري ثم قامت فإذا شجرة في ناحية الماء، قال: ضعوني على هذه الشجرة، فوضعوه وجَرتْ بهم سفينتهم، فأرادَ ملكٌ أن يَعرجَ إلى السّماء فتكلم بكلامه الذي كان يعرج به فلم يقدر على ذلك فعلم أن ذلك لخطيئة كانت منه، فأتى صاحب الشجرة فسأله أن يشفع له إلى ربه، فصلى ودعا للملك، فعرج وطلبَ من ربه أن يكون هو يقبض نفسه، ليكون أهون عليه من ملك الموت، فأتاه حين حضر أجله، فقال: إني طلبت إلى ربيّ أن يشفّعَني فيك كما شفّعك فيّ، وأن أكون أنا أقبض نفسك فَمِن حيث شِئتَ قبضتها، فسجد سجدة فخرجت من عينه دمعة فمات (٢).

стр. 120

فائدة: أخرج ابن عساكر في "تاريخه" عن أبي زرعة قال: قال لي نجيب بن أبي عبيد، رأيتُ ملك الموت في النوم وهو يقول: قل لأبيك يصلي عليّ حتى أرفق به عند قبض روحه، فحدّثت أبي بما رأيت فقال: يا بُني لأنَا بملِك الموت آنسُ منيّ بأمّك (١). وأخرجَ ابن عُساكر من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال: ذكرتُ حديثًا رواه ابن عمر عن النبي ﷺ : "ما حقّ امرء مسلم يبيت ثلاث ليالٍ إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" (٢). فدعوت بدواة وقرطاس لأكتب وصيّتي، فغلبني النوم، فنمت ولم أكتبها، فبينما أنا نائم إذ دخل داخلٌ أبيض الثياب، حسن الوجه طيّب الرائحة، فقلت: يا هذا من أدخلك داري قال: أدخلنيها رَبُّها. قلت: من أنت؟ قال: ملك الموت فرعبتُ منه، فقال: لا ترع إني لم أؤمر بقبض روحك قلت: فاكتب لي براءة من النار قال: هات لي دواة وقرطاسًا. فمددت يدي إلى الدواة والقرطاس الذي نمت عنه، وهو عند رأسي فناولته فكتب إذن لي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أستغفر الله، أستغفر الله، حتى ملأ ظهر الكاغد وبطنه، ثم ناولنيه وقال: هذه براءتك، رحمك الله، وانتبهت فزعًا ودعوت بالسّراج ونظرتُ، فإذا القرطاس الذي نمت وهو عند رأسي مكتوب ظهره وبطنه استغفر الله. تتمة: قال القرطبي (٣): لا تنافي بين قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ

стр. 121

مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَّجدَة: الآية ١١] وقوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعَام: الآية ٦١] وقوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النَّحل: الآية ٢٨]، وقوله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزُّمَر: الآية ٤٢] لأن إضافة التوفي إلى ملك الموت؛ لأنَّه المباشر للقبض، وللملائكة الذين هم أعوانه لأنهم يأخذون في جذبها، من البدن، فهو قابضٌ وهم معالجون، وإلى الله لأنه الفاعل الحقيقي. وقال الكلبيّ: يقبض ملك الموتِ الروحَ من الجسدِ، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب. وأما اختلاف صفة ملك الموت بالنسبة إلى المؤمن، والكافر فواضح، كما تقرر أن الملائكة لهم قوّة التشكّل بأيّ شكل أرادوا. تنبيه: قبض الأرواح على قسمين: فمنهم من يطعنه الملك بحربة، مسمومة قد سقيت سُمّا من نار؛ فتفر الرّوح خارجة فيأخذها في يده، وهي ترعدُ أشبه شيء بالزئبق على قدر الجرادة، شخصًا إنسانيًا ثم يناولها الزّبانية. ومن الموتى من يجذبُ نفسَه رويدًا، حتى تنحصر في الحنجرة، إلا شعبة متصلة بالقلب، فحينئذ يطعنها بتلك الحربة الموصوفة. قال في "التذكرة": لم أجد لهذه الحربة في الأخبار ذكرًا إلا ما ذكره أبو نعيم، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: إن لملك الموت ﵇ حربة، تبلغ ما بين المشرق والمغرب، فإذا انقضى أجل عبد من الدُنيا ضرب رأسه، بتلك الحربة، وقال: الآن

стр. 122

يزار بك عسكر الأموات (١). والله أعلم. واعلم أنه تقطع الآجال كلّ سنة، فقد أخرجَ الديلميّ عن أبي هُريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "تقطع الآجال من شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، وقد خرج اسمه في الموتى". وأخرج ابن أبي الدنيا مثله، عن عثمان بن المُغيرة بن الأخنس (٢). وأخرج أبو يعلى بسند حسّنه [المنذري] (٣)، عن عائشةَ ﵂ أن النبيّ ﷺ كانَ يصومُ شعبانَ كُلّه فَسألتُه قال: "إن الله يكتبُ فيه كُلّ نفس ميتة تلك السنة، فأحبّ أن يَأتيني أجلي وأنا صائم" (٤). وأخرج ابن أبي الدنيا عن عطاء بن يسار قال: إذا كانتْ ليلةُ النّصف من شعبان رُفع إلى ملك الموت صحيفة، فيقال: اقبض ما

стр. 123

في هذه الصحيفة، فإن العبدَ ليغرسُ الغراس وينكحُ الأزواجَ، ويبني البنيان، وأنّ اسمَه قد نسخ في الموتى. وأخرجَ ابن أبي الدُنيا، والحاكمُ في المستدرك عن عقبةَ بن عامر الصحابي ﵁ قال: أوّلُ مَن يعَلمُ بموتِ العبد الحافظ لأنّه يعرج بعمله، وينزل برزقه، فإذا لم يخرج له رزق علم أنَّه ميت (١). وأخرج أبو الشيخ في "تفسيره"، عن محمد بن جحادة قال: إنّ شجرة تحت العرش، ليس مخلوق إلّا له فيها ورقة، فإذا سقطت ورقة عبد خرجت روحه من جسده، فذلك قوله تعالى : ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعَام: الآية ٥٩] (٢). [قوله: ﴿مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ أي: سواء كانت الورقة الساقطة من الشجرة التي تحت العرش أو غيرها من الأشجار؛ لأن النكرة إذا جاءت بسياق النفي تفيد العموم، كقولك: ما جاءني من أحدٍ انتهى] (٣). * * *

стр. 124

الفصل السادس فيما يحضر الميت من الملائكة وغيرهم وما يَراه المحتضر، وما يقال له، وما يبشر به المؤمن، وينذر به الكافر (١) أخرج الإمام أحمد وأبو داود في "سننه"، والحاكم في "المستدرك"، وابن أبي شيبة في "المصنف"، والبيهقي في كتاب "عذاب القبر"، وغيرهم من طرق صحيحة، عن البراء ابن عازب ﵄ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، وكأنّ على رؤسنا الطير، وفي يده عودٌ ينكث به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذُوا بالله من عذاب القبر"، مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إنَّ العبَد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه الملائكة من السّماء بيضُ الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم أكفانٌ من كفن الجنة وحَنُوطٌ من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنّة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان". قال: "فتخرجُ تَسيلُ كما تسيل القطرةُ مِن في السِّقاء وإن كنتم ترونَ غير ذلك، فيأخذها فإذا أخذها لم يَدَعوها في يده طرفة عين،

стр. 125

حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرجُ منها كأطيب نفحة مسكٍ، وُجدت على وَجهِ الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرّون على ملأٍ من الملائكةِ، إلا قالوا ما هذا الروحُ الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه، التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى سماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقرّبوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السّماء السابعة، فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد رُوحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدقت فينادي منادٍ من السّماء، صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. فيأتيه من رَوحها، وطيبها ويفسح له في قبره مدّ بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي جاء بالخير فيقول له: أنا عملُك الصالح. فيقول: يا ربّ أقِمِ السّاعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي". قال: "وإن العبدَ الكافر إذا كان (بانقطاع من الدنيا، وإقبال من

стр. 126

الآخرة) (١) نزل إليه من السّماء ملائكة سودُ الوجوه مَعهم المسوحُ فيجلسونَ منه مدَّ البصر، ثُم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج، منها كأنتن ريح جيفة وُجدتْ على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرّون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الرُّوح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدّنيا، فيستفتح فلا يفتح له، ثم قرأ ﷺ ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعرَاف: الآية ٤٠] فيقول الله اكتبوا كتابه في سجّين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا، ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحَجّ: الآية ٣١]، فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: مَن ربّك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي منادٍ من السّماء أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرّها وسمومها ويُضيق

стр. 127

عليه قبرُه حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: مَن أنت؟ فوجهَك الوجه الذي جاء بالشّر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: يا ربّ لا تقم الساعة" (١). وأخرج أبو يعلى في "مُسنده" وابن أبي الدُنيا من طريق يزيد الرقاشي عن أنس، عن تميم الداري، عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله لملك الموت انطلق إلى وليّي فأتني به، فإني قد خبرته بالسّرّاء والضّرّاء فوجدته حيث أحبّ، فاتني به لأريحه من هموم الدنيا وغمومها، فينطلق إليه ملك الموت، ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحنوط من حنوط الجنة، ومعهم ضبائرُ الريحانِ" والضبائر -بالضاد المعجمة وبعدها موّحدة آخره راء كعمائر-: هي الجماعاتُ، كما في "نهاية ابن الأثير" (٢)، وواحدتها ضبارة، كعمارة "أصل الريحانة واحد" "وفي رأسها عشرون لونًا لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر فيجلس ملك الموت عند رأسه، وتحوشه الملائكة ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض،

стр. 128

والمسك الأذفر"، الحديث بطوله (١). وأخرج الإمام أحمد وابن حبّان والحاكم واللفظ له والبيهقي عن أبي هُريرة أنَّ النّبي ﷺ قال: "إن المؤمن إذا قُبض أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون اخرجي راضية مرضيًا عنك، إلى روح الله وريحانٍ وردت غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليُناولُ بعضهُم بعضًا فيشمّونه حتى يأتوا به باب السّماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءت مِن قِبَل الأرض، كلما أتوا به سماء قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، فلهم أفرح به من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه، يسألونه ما فعل فلان؟ فيقولون: دَعُوه حتى يستريح، فإنه كان في غمِّ الدنيا فإذا قال لهم: ما أتاكم؟ فإنه قد مات. يقولون: ذُهب به إلى أمّه الهاوية. وأما الكافر فتأتيه ملائكة العذاب، بمسح فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله وسخطه. فتخرجُ كأنتن ريح جيفة فينطلقونَ به إلى بابِ الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، كلّما أتوا على أرض قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح الكُفار" (٢).

стр. 129

وأخرج ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " [إنَّ الميتَ] (١) تحضُرُه الملائكة فإذا كان الرجلُ صالحًا قال: اخرجي أيتها النفس الطّيّبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدةً وأبشري برَوح وريحان، وربّ راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري برَوْحٍ وريحان وربّ راضٍ غيرِ غَضبان، فلا يزالُ يقال لها ذلِك حتّى تنتهي إلى السابعة. فإذا كان الرّجُلُ السّوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السّماء، فيسُتَفتح لها، فيقال: مَن هذا؟ فيقال: فلان بن فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لكِ أبواب السماء، فترسل من السماء ثم يصير إلى القبر" (٢). وأخرج البزارُ عن أبي هُريرة ﵁، عن النبي ﷺ

стр. 130

قال: "إن المؤمن إذا حضر أتته الملائكة بحريرة، فيها مسك ومن ضبائر الريحان، فتُسلّ روحه كما تُسل الشعرة من العجين، ويُقال: أيتّها النفس الطيبة، اخرجي راضية مرضيًا عنك، إلى روح الله وكرامته، فإذا أخرجَتْ رُوحه، وُضعت على ذلك المسك والريحان، وطويت عليه الحريرة وذهب به إلى عليين. وإن الكافر إذا حُضر أتته الملائكة، بمسح فيها جمرة فتنزع روحه انتزاعًا شديدًا، ويُقال: أيّتها النفس الخبيثة، اخرجي ساخطة مسخوطًا عليكِ إلى هوان الله وعذابه، فإذا أخرجت رُوحه، وُضِعت على تلك الجمرة ويطوى عليها المسح ويُذهَبُ به إلى سجّين" (١). * * *

стр. 131

الفصل السابع في الكلام على الروح وما يتعلق بذلك اعلم رَحمني الله وإياكَ أن الناس اختلفوا في حقيقة الرّوح، ومنهم من سكت عن الخوض في ذلك لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. وأما الذين خاضوا في الكلام عليها تباينت مذاهبهم، واختلفت أراؤهم، والصحيح أن الروح جسم مخالف بالماهية، لهذا الجسم المحسوس، وهو جسمٌ نوراني عُلوي، خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الوَرد، وسريان الذهن في الزّيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف، مُشابكًا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء، بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجَتْ عن قبول تلك الآثار، فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح، اختار هذا القول، الإمامُ المحقق ابن القيم، في كتابه "الرّوح" (١) من أقوال عديدة وقال: إنه الصواب في هذه المسألة وهو الذي لا يصح غيره، وكلّ الأقوال سواه باطلة، وعليه دلّ الكتاب والسّنّة، وإجماع الصحابة وأدلّة العقل والفطرة، وذكر لهذا القول مائة دليل وخمسة عشر دليلا، وأجاد، وأفاد، وزيف قول ابن سينا وابن

стр. 132

حزم وأمثالهما، وكتابه هذا من أجل ما رأينا في هذا الفن، بل هو أجلّها وأعظمها، ولا ينبغي لمن له رغبة في العلوم أن يجهله، ولا شيء منه فعليك به فإنه مفيد جدًا. فائدة: نقل بعض المتكلمين أن محلّ الروح القلبُ، واستدلّ له بحديث ابن عساكر أن النبي ﷺ قال: "وأما النفس ففي القلب، والقلب بالنياط، والنياط يسقي العروق، فإذا هلك القلب انقطع العِرق" (١)، وهذا الحديث مرسل وقال ابن حجر في "الإصابة" (٢): الحديث فيه غريب كثير، وأسانيده ضعيفة جدًا والله أعلم. فإن قلتَ هل تموت الروح، أم الموت على البدن وحده؟ قلتُ: أجاب عن هذا الإمام المحقق في "الرّوح" فقال: قد اختلف الناس في هذا فقالت طائفة: تموتُ وتذوق الموت؛ لأنها نَفْس و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عِمرَان: الآية ١٨٥] قالوا: وقد دَلّت الآيةُ على أنّه لا يبقى إلا الله وحده قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرَّحمن: الآية ٢٦] الآية. وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القَصَص: الآية ٨٨] قالوا: وإذا كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى قالوا: وقد أخبر الله عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافر: الآية ١١] فالموتة الأولى هذه المشهودة وهي للبدن، والأخرى للرّوح.

стр. 133

وقال آخرون: لا تموت الأرواح فانّها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان قالوا: وقد دلّت على هذا الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح، وعذابها بعد المفارقة، إلى أن يُرجعها الله في أجسادها، ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم والعذاب، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عِمرَان: الآية ١٦٩] الآية. هذا مع القطع بأن أرواحهم فارقت أجسادهم، وقد ذاقت أجسادهم الموت. قال: والصّواب أن يُقال: موت النفس هو مفارقتها لأجسادها، وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل، أو تصير عدمًا محضًا فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب (١). قال: وقد نظم أحمد بن الحسين الكندي هذا الاختلاف في قوله: تنازع الناسُ حتى لا اتّفاقَ لهم ... إلّا على شحب والخلقُ في شحب فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب فإن قلت: فعند النفخ في الصور هل تبقى الأرواح حية كما هي؟ أو تموت، ثم تحيى؟ فالجوابُ ما ذكره المحقق: أنه مستثناة

стр. 134

من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَر: الآية ٦٨] فقد استثنى الله بعضَ من في السّموات، ومن في الأرض من هذا الصّعق؛ فقيل هم الشهداء، وهو قول أبي هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير، وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل هم الذين في الجنة من الحور العين، وغيرهم ومن في النار من أهل العذاب، وخزنتها وهذا قول أبي إسحاق بن شاقِلّا من أصحابنا، وقد نصّ إمامنا (١) ﵁ على أن الحور العين لا يمتن عند النفخ في الصّور، وقد أخبر الله تعالى أن أهل الجنة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدّخَان: الآية ٥٦]، وهذا نصّ على أنهم لا يموتون، غير تلك الموتة الأولى فلو ماتوا مرّة ثانية لكانت موتتان. وأما قول أهل النار ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافر: الآية ١١] فتفسير هذه الآية والتي قبلها قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَة: الآية ٢٨] فكانوا أمواتًا وهم نُطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمّهاتهم ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة، وإلا كانت ثلاث موتات، وصعق الأرواح عند النفخ في الصّور لا يلزم منه موتها، ففي الصحيح أن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أوّل من يفيق، فإذا موسى آخذ

стр. 135

بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقه يوم الطور، فهذا صعق في موقف يوم القيامة، إذا جاء الله لفصل القضاء وأشرقت الأرض بنور ربها فحينئذ تصعق الخلائق كلهم، قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾ [الطُّور: الآية ٤٥] ولو كان هذا الصّعق موتًا، لكانت موتة أخرى، قال: وقد تنبه لهذا جماعة من الفضلاء. فقال القرطبي: ظاهر هذا الحديث، أن هذه صعقة غشي تكون يوم القيامة، لا صعقة الموت الحادثة عند نفخ الصّور (١). وحاصل الجواب أن الروح لا تموت ولا تفنى، والله الموفق. فإن قلتَ: فأين مستقر الأرواح، بعد مفارقتها الأجساد إلى يوم القيامة، هل في السماء أم في الأرض، وهل هي في الجنة أم في النار؟ أم لا؟ وهل تودع في أجساد غير أجسادها التي كانت فيها؟ فتنعّم وتعذّب فيها أم تكون مجرّدة؟ قلتُ: قد أجاب عن هذه المسألة الإمام المحقّق في الروح (٢)، وهي مسألة عظيمة قد تكلم فيها الناس، واختلفوا [فيها] وهي إنما تتلقى من السمع فقط وحاصل ما اعتمده من الجواب، بعد أن ذكر مذاهب الناس في ذلك وأطال نحو كرّاسين أن: الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت (٣):

стр. 136

فمنها أرواح في أعلا علّيّين وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النّبيّ ﷺ في ليلة الإسراء. ومنها [أرواح] (١) في حواصل طيور خضرٍ، تسرح في الجنة حيث شاءت وهي أرواح بعض الشّهداء لا جميعهم، كما قد يتوهم، بل مِن الشّهداء مَن تُحبَس روحه عن دخول الجنة لِدَين عليه أو غيره كما في المسند، عن محمد بن جحش أنّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لي إن قُتِلتُ في سبيل الله؟ قال: "الجنة"، فلمّا وَلَّى قال: "إلا الدين سارني به جبريل آنفا" (٢). ومنهم من يكون محبوسًا على باب الجنة، كما في الحديث الآخر "رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنَّة" (٣). ومنهم من يكون محبوسًا في قبره. ومنهم من يكون مَحبوسًا في الأرض لم تعلُ روحه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحًا سفلية أرضية فإن الأنفس الأرضية، لا تجامع الأنفس السماوية، كما لا تجامعها في الدنيا معرفة ربها، ومحبته وذكره، والأنس به والتقرب إليه، بل هي أرضية سُفلية، لا

стр. 137

تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك، كما أن النفس العُلوية التي كانت في الدّنيا عاكفة على محبة الله وذكره، والتقرب إليه، والأنس به تكون بعد المفارقة في الأرواح العُلوية المناسبة لها، فالمرءُ مَع مَن أحبّ، في البرزخ ويومَ المَعاد، فالرّوح بعد المفارقة تُلحقُ بأشكالها وأخواتها، وأصحاب عملها فتكون معهم هناك. وفي الحديث (١) "وتجعل روحه يعني المؤمن مع النّسيم الطيّب" أي: الأرواح الطّيّية، المشاكلة لروحه. قال: ومنها أرواح تكون في تنور الزنادقة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه، وتلقم الحجارة فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد، بل رُوح في أعلا عليين وروح أرضية سفلية. وإذا تأملت السّنن والآثار في هذا الباب، وكان لك فضل اعتناء عرفت حجة ذلك، ولا تظن أنّ بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تناقضًا فإنها كلها حقّ، يصدّق بعضها بعضا، لكن الشأن في فهمها ومعرفة النّفس وأحكامها، وأن لها شأنًا غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنة فهي في السماء وتتصلُ بالقبر وبالبَدن فيه وهي أسرع شيء حركةً وانتقالًا، وصعودًا وهبُوطًا، وأنها تنقسمُ إلى مُرسلة ومحبوسة، وعُلوية وسُفلية، ولَها بعد المفارقة صحة ومرض، ولذة ونعيم وألم أعظم مما كان لها في حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس والألم والعذاب والمرض، والحسرة وهنالك اللذة

стр. 138

والراحة والنعيم والإطلاق وما أشبه حالها في هذا البدن بحال الجنين في بطن أمه، وحالها بعد المفارقة، بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار. قال: فلهذه الأنفس أربع دور، وكُلُّ دار أعظمُ من التي قبلها: الدارُ الأولى: بطن الأم، وذلك الحَصْرُ والضيق و (العجز) (١) والظلماتُ الثلاث. الدار الثانية: هذه الدار التي نشأت فيها وألفتها واكتسبت فيها الخير والشر، وأسباب السعادة، والشقاوة. الدار الثالثة: دار البرزخ وهي أوسع من هذه الدار وأعظم، بل نسبتها إليها كنسبة هذه الدار إلى الأولى. الدار الرابعة: دارُ القرار إلى الجنة أو النار فلا دار بعدَها والله ينقلها في هذه الدار طبقًا بعد طبق، حتى يبلغها إلى الدار التي لا يصلح لها غيرها، وهي التي خُلقت لها، وهُيئت للعمل الموصل لها إليها؛ ولها في كل دار من هذه الدّور حكم وشأن، غير شأن الدار الأخرى، فتبارك الله فاطرها، ومنشيها ومميتها، ومحييها، ومسعدها ومشقيها، فهو الذي فاوت بينها في درجات لمسعادتها وشقوتها كما فاوت بينها، في مراتب علوها وأعمالها، وقواها وأخلاقها، فمن عرفها كما ينبغي، شهدَ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده

стр. 139

الخير كله، وإليه يُرجَع الأمر كُلّه، وله القوة والقدرة كلها، والعزة والكمال المطلق من جميع الوجوه، وعرف بمعرفة نفسه صِدقَ أنبيائه ورسله، وأن الذي جاءوا به هو الحقّ الذي تشهد به العقول، وتقربه الفطر، وما خالفه هو الباطل، وبالله التوفيق (١). وسيأتي الكلامُ على مستقر الأرواح أوفى مِن ذلك. فإن قُلتَ: هل الروّح قديمة أم مخلوقة؟ وإن قُلتم أنها محدثة فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسرَاء: الآية ٨٥] وكيف يكون أمر الله مخلوقًا وقد أخبر الله سُبحانه، أنه نفخ في آدم من روحه؟ قلتُ: قد أجاب عنها الإمام المحقّق: وهي مسألة عظيمة زلّ فيها عَالَم وضلّ فيها طوائف، من بني آدم وهدى الله أتباع رسله فيها للحق المبين والصواب المستبين، فأجمعت الرسل صلوات الله وسلامُه عليهم، على أنها محدثة مصنوعة، وهذا معلوم بالاضطرار، من دينهم أن العالم حادث وأنّ معاد الأبدان واقعُ وأن الله وحده هو الخالق، وكل ما سواه مخلوق له وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين، وتابعيهم وهم القرون الفضيلة، على ذلك، من غير اختلاف بينهم في حدوثها، وأنها مخلوقة حتى نبعث نابعة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة. فزعم أنها قديمة غير مخلوقة واحتج على أنها من أمر الله

стр. 140

وأمره قديم، وبأنّ الله تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علمه، وكتابه وقدرته وسمعه وبصره ويده، وتوقّف آخرون، وقالوا: لا نقول شيئا. وسئل عن ذلك حافظ أصبهان أبو عبد الله بن منده من أصحابنا فقال: أمّا بعد فإن سائلًا سألني عن الروح التي جعلها الله قوام أنفس الخلق، وأبدانهم وذكر أن أقوامًا تكلموا في الروح وزعموا أنها غير مخلوقة، وخَصّ بعضهم منها روح القدس وأنها من ذات الله، قال: وأنا أذكر اختلاف أقاويل الناس، وأبيّن ما يخالف أقاويلهم من الكتاب والأثر، وأقاويل الصحابة والتابعين وأهل العلم. وأذكر بعد ذلك، وجوه كلام الذين تكلموا على الروح بغير علم، وأنّ كلامهم يوافق قول جهم وأصحابه، فنقول -وبالله التوفيق-: إن الناس اختلفوا في معرفة الأرواح ومحلّها من النفس فقالت طائفة الأرواح كلها مخلوقة وهذا مذهب أهل الجماعة والأثر، واحتجت بقول النّبيّ ﷺ : "الأرواح جنودٌ مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" (١) والجنود المجنّدة لا تكون إلا مخلوقة. وقالت طائفةٌ: الأرواح من أمر الله أخفى الله حقيقتها وعلمها عن الخلق، واحتجت بقوله تعالى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسرَاء: الآية ٨٥]. وقالت طائفة: الأرواح نور من نور الله تعالى، وحياة من

стр. 141

حياته، واحتجت بقول النبي ﷺ : "إن الله خلق خلقهُ [من] ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره" (١)، ثم ذكر الخلاف في الأرواح هل تموت أم لا، وهل تعذّب مع الأجسادُ في البرزخ وفي مستقرها بعد الموت؟ وهل هي النفس، أو غيرها؟ قال محمد بن نصر المروزي في كتابه: تأوّل صنف من الزّنادقة وصنف من الروافض في روح آدم ما تأوّله النصراني في روح عيسى، وما تأوّله قوم من أنّ الرّوح انفصل من ذات الله، فصار في المؤمن، فعند صنف من النصارى، أنّ عيسى ومريم جميعًا غير مخلوقين؛ لأن عيسى عندهم صار في مريم، فهو غير مخلوق على زعمهم، وقال صنف من الزنادقة وصنف من الروافض: إنّ روحَ آدم مثل ذلك، أنه غير مخلوق قالوا: ثم صار بَعد آدم في الوصي بعده، ثم هي في كلّ نبيّ ووصيّ إلى أن صار في عليّ، ثم في الحسن والحسين، ثم في كل وصيّ وإمام فبه يعلم الإمام كلّ شيء، لا يحتاج أن يعلم من أحد، ولا خلاف بين المسلمين أنّ الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله، خلقها وأنشأها وكوّنها وأخبر عنها ثم أضافها إلى نفسه، كما أضاف إليه سائر خلقه، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجَاثيَة: الآية ١٣]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) قدّس الله روحه الزكيّة: روح الآدمي مخلوقة مبتدعة، باتفاق سلف الأمّة وأئمّتها، وسائر أهل

стр. 142

السّنّة، وقد حكى إجماع الأمّة على أنها مخلوقة غير واحد من المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور الذي هو من أعلم زمانه بالإجماع، والاختلاف وكذلك أجاب أبو إسحاق بن شاقلّا، من أصحابنا بلفظ سألت رحمك الله عن الروح، مخلوقة هي أم غير مخلوقة؟، قال: وهذا لا يشكّ فيه من وُفِّق للصّواب، أنّ الرّوح من الأشياء المخلوقة وقد تكلّم في هذه المسألة طوائف من أكابر العُلماء والمشايخ، وردّوا على من يزعم أنّها غير مخلوقة. وصنّف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتابًا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي، وغيره والشيخ أبو سعيد الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى (١) وقد نصّ على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في روح عيسى بن مريم فكيفَ بروح غيره كما ذكره سيّدنا الإمام أحمد ﵁ فيما كتبه في محتبسه في الرّدّ على الزّنادقة، والجهميّة قال: ثم إن الجهمي ادّعى أمرًا فقال: أنا أجد آية في كتاب الله على أنّ القرآن مخلوق، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: الآية ١٧١] وعيسى مخلوق، قلنا له إن الله منعك الفهم للقرآن، إن عيسى تجري عليه

стр. 143

ألفاظ لا تجري على القرآن؛ لأنّا نسمّيه مولودًا وطفلا وجنينا، وغُلامًا يأكل ويشرب، وهو مخاطب بالأمر والنهي ويجري عليه الخطاب، الوعد والوعيد، ثم هو من ذرية نوح، ومن ذرية إبراهيم، فلا يَحل لنا أن نقول في القرآن ما نقوله في عيسى، فهل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في عيسى؟ ولكن المعنى في قوله ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: الآية ١٧١] فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: كن فكان عيسى بكن، وليس عيسى هو كن ولكن كان بكن، فكن من الله قول وليس كن مخلوقًا، وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى؛ وذلك أن الجهمية قالوا: روح الله وكلمته إلا أن كلمته مخلوقة وقالت النصارى: عيسى روح الله وكلمته في ذاته، كما يُقال هذه الخرقة من هذا الثوب قلنا: نحن إنّ عيسى بالكلمة كان، وليس هو الكلمة، وإنما الكلمة قول الله كن، وقوله وروح منه نقول: من أمره كان الرّوح فيه كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجَاثيَة: الآية ١٣] يقول من أمره وتفسير روح الله إنما معناه بكلمة الله خلقها، كما يقال عبد الله وسماء الله (١). وأرض الله فقد صرح بأن روح المسيح مخلوقة فكيف سائر الأرواح، وقد أضاف الله إليه الرّوح الذي أرسله إلى مريم، وهو

стр. 144

عبده ورسوله، ولم يدل ذلك على أنه قديم غير مخلوق فقال تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ (١) لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ [مريم: ١٧ - ١٩] فهذا الروحُ هو روح الله وهو عبده ورسولهُ. ثم استدلّ على خلقها الإمام المحقق في كتابه (باثنتي) (٢) عشر وجهًا، وأطنب فراجعه. ثم قال: وأمّا ما احتجت به هذه الطائفة، فإن الذي أتوا به من متشابه القرآن والعدول عن محله، وهذا شأن كل ضالّ مُبتدع فحكم القرآن من أوّله إلى آخره يدلُ على أن الله خالقُ الأرواح ومبتدعها، وأما قوله تعالى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسرَاء: الآية ٨٥] فمعَلوم قطعًا أنه ليس المراد هاهنا بالأمر الطلب الذي هو أحد الأنواع للكلام. فيكونُ المرادُ أنّ الروح كلامه الذي يأمرُ به، وإنما المرادُ بالأمر هاهنا المأمورُ وهو عرف مستعمل "في عرف العرب، وفي القرآن منه كثير، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النّحل: الآية ١] أي مأموره الذي قدره، وقضاؤه وقال له كن وكذلك قوله ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هُود: الآية ١٠١] أي: مأموره الذي أمرَ به من هلاكهم وكذلك قوله تعالى

стр. 145

﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النّحل: الآية ٧٧]، وكذلك لفظُ الخلق يُستعمل بمعنى المخلوق كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمَان: الآية ١١] أي: مخلوقه وكقوله للجنة "أنتِ رحمتي، أُسْكِنُكِ مَن شِئتُ من خلقي" (١) أو كما ورد فليس في قوله ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسرَاء: الآية ٨٥] ما يدل على أنّها قديمة غير مخلوقة، بِوَجْهٍ ما. وقد قال بعض السّلف في تفسيره المراد بالرّوح في الآية، أنه جَرى بأمر الله في أجْساد الخلق، وبقدرته استقرّ، وهذا بناء على روح الإنسان، وفي ذلك خِلاف بين السلف والخلف، وأكثر السّلف بل كُلهم على أنّ الزوح المسئول عنها في الآية، ليست أرواح بني آدم بل هي الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه، أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة، وهو ملك عظيم. وقد ثبت في الصحيح من حديث عبد الله قال بينا أنا أمشي مع رسول الله ﷺ إلى أن قال فمررنا على نفرٍ من يهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الرّوح وقال بعضهم: لا تسألوه عسى أن يجيء فيه بشيء تكرهونه، وقال بعضهم نسأله فقال رجل يا أبا القاسم: ما الروح؟ فسكت عنه ﷺ فعلمت أنه يوحى إليه فقمت فلما تجلى عنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسرَاء: الآية ٨٥] (٢).
следующие страницы →