← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وعند الحاكم: "فإن فيها عبرة" (١). وعنده أيضًا عن أنس ﵁ مرفوعًا: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها يرق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا: هجرًا" (٢). وفي "التذكرة": عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه خرج إلى المقبرة فلما أشرف عليها قال: يا أهل القبور: أخبرونا عنكم أو نخبركم، أما خبر (ما) قِبَلنَا فالمال قد قُسم، والنساء قد تزوجْن، والمساكن قد سكنها قوم غيركم، ثم قال: أمَا واللهِ لو استطاعوا لقالوا لم نر زادًا خيرًا من التقوى (٣). وقد أحسن القائل حيث قال: يا عجبًا للناس لو فكروا ... وحاسبوا أنفسهم وأبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها ... فإنما الدنيا لهم معبر لا فخر إلا فخر أهل التقى ... غدًا إذا ضمّهمُ المحشرُ ليعلمنّ النَّاس أنَّ التقى ... والبر كانا خير ما يُدْخَرُ عجبت للإنسان في فخره ... وهو غدا في قبره يُقبر ما بال مَن أوّله نطفة ... وجيفة آخره يفخر

стр. 72

يصبح لا يملك تقديمَ ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر وأصبح الأمر إلى غيره ... في كل ما يُقضَى وما يُقدر (١) قال القرطبي: قال العلماء: ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور وخاصة إن كانت قاسية فعلى أصحابها أن يعالجوها بأربعة أمور: أحدُها: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكير والتخويف، والترغيب وأخبار الصالحين، فإن ذلك مما يلين القلوب. الثاني: ذكر الموت، فيكثر من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات، وموت البنين والبنات. يُروى أن امرأة شكتْ إلى سيدتنا عائشة ﵂ قساوة في قلبها فقالت لها أكثري من ذكر الموت يرق قلبك، ففعلت ذلك فَرَقّ قلبها، فجاءت تشكر عائشة (٢). قال القرطبي عن العلماء: فذكر الموت يردعُ عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويُذهبُ الفرحَ بالدُنيا ويهوّن المصائب فيها. الثالث: مشاهدة المحتضرين، فإن في النظر إلى الميت، ومشاهدة سكراته ونزعاته، وتأمّل صورته بعد مماته، ما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرُد عن القلوب مَسرَّاتها، ويمنع الجفون من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل والاجتهاد، في عبادة الكريم الجواد.

стр. 73

فروي أن الحسن البصري (١) ﵀، دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه وشدة ما نزل به، فوجع إلى أهله بغير اللّون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله. فقال: يَا أهلاه عليكم بطعامكم، وشرابكم، فوالله لقد رأيتُ مصرعًا لا أزال أعمل له حتى ألقاه. الرابع: زيارة القبور، فإنها تبلغُ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأوّل، والثاني، والثالث. وينبغي للإنسان؛ لاسيما عند الاحتضار أن يحسن ظنه بالله، فقد قال ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسِنُ الظن بالله" (٢) متفق عليه. وأخرج الترمذيُّ، وابن ماجه، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو فى الموت، فقال له: "كيف تجدك؟ " فقال: أرجوا الله وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وأمنه مما يخاف" (٣).

стр. 74

وأخرج الحكيم الترمذي عن الحسن قال: بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قال ربكم لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فمن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة، ومن أمنني (١) في الدنيا أخفته في الآخرة" (٢). وأخرجه أبو نعيم موصولًا من حديث شداد بن أوس (٣). وقال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند الموت حتى يحسن ظنه بربه (٤). وقال ابن مسعود ﵁: والذي لا إله غيرُه لا يُحسنُ أحد الظنَّ بالله، إلا أعطاه الله ظنه (٥).

стр. 75

وأخرج الإمام أحمد عن واثلة، عن النبي ﷺ أنه قال [قال اللَّه ]: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" (١). وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي غالب صاحب أبي أُمامة قال: كنتُ بالشام فنزلت على رجل من قيس من خيار الناس، وله ابن أخ مخالف له، يأمره وينهاه ويضربه فلا يطيعه، فمرض الفتى فبعث إلى عمه فأبى أن يأتيه، فأتيته أنا به حتى أدخلته عليه، وأقبل عليه يشتمه، ويقول: أي عدوَّ الله، ألم تفعل [كذا]؟. قال: أرأيت أي عم لو أن الله دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي؟ قال: كانت والله تدخلك الجنة. قال: فوالله لله أرحم بي من والدتي. فقُبض الفتى ودفنه عمّه، فلما سوى اللبن سقط منه لبنة، فوثب عمّه ليأخذها ثم تأخر، فقلت ما شأنك؟ قال: مُلِيءَ قبره نورًا وفُسح له مدّ البصر (٢).

стр. 76

وقال ناصر السّنّة الحافظ ابن الجوزي في "تبصرته": كان داود ﵇ إذا ذكر الموت والقيامة بكى حتى تنخلع أوصاله (١)، فإذا ذكر الرّحمة رجعت إليه نفسه. وفي التبصرة أيضًا عن المزني أنه قال: دخلت على الشافعي في مرض موته فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحتُ من الدنيا راحلًا، وللإخوان مفارقًا، ولسوء عملي ملاقيا، وبكأس المنيّة شاربا، وعلى الله واردا، فلا أدري: أروحي تصيرُ إلى الجنَّة فأهنّيها، أم إلى النار فأُعزّيها؟ (٢). ثم أنشأ يقول: ولمّا قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلتُ رجائي نحو عفوك سلّما تعاظمني ذنبي فلما قرنتُه ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما وما زِلتَ ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو مِنّة وتكرما فحسن الظنّ بالله واجب؛ لاسيمّا عند الموت. فانظر: كلام الإمام الشافعي ﵁، كيف قال في حال احتضاره: تعاظمني: أي: عظم في عيني وكبر ذنبي. لأن دأب المؤمن أن يرى ذنبه عظيمًا كبيرا، ويرى عمله قليلًا حقيرا. فلما رأى الإمام ﵁: أن ذنبه في عينه عظيم، وكبر ذلك

стр. 77

في مرآهُ قَرَنهُ بعفو الله ورحمته، فرآه صغيرًا بالنسبة إلى عفو تلك الحضرة الإلهية، ورحمة تلك العزة الصمدانية، فلذا قال: فلما قرنته -يعني ذنبي- بعفوك ربي -أي يا ربي- كان عفوك من ذنبي أعظما، بل ذنبي بالنسبة إلى عفوك لا يبلغ قطرة من بحرٍ لجيٍّ. فهذا دَأبُ السلف أن يخافوا ذنوبَهم، ويرجوا رحمةَ ربّهم ومعبودِهم. ولهذا قال ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن" (١) الحديث. وقال ﷺ : "لا يموتَن أحدكم إلا وهو حَسِنُ الظنِّ بربه" (٢) وكان ذلك قبل موته بثلاثة أيام. فإن أشدّ الشدائد عند الموت، عدم حسن الظن بالله، وربّما أدى ذلك إلى القنوط من رحمة الله فيهلك، ورُبّما غاب عن حواسه فخرجَتْ رُوحُه وهو يَظنُ بالله الظنون السّيّئة. ولخوفِ هذا قال ﷺ : "احضروا موتاكم، ولقنوهم لا إله إلا الله، وبشروهم بالجنة، فإن الحكيم العليم من النساءِ والرِّجال يتحير عند ذلك المصرع، وإن إبليس عدوّ الله أقرب ما يكون من العبد في ذلك الموطن عند فراق الدنيا، وترك الأحبة، ولا تقنطوهم فإن الكرب شديد، والأمر عظيم، والذي نفس محمدُ بيده لمعالجة مَلَك الموت أشدُ من ألف ضربة بالسيف، وما من ميّت يموت إلا كل عِرق منه يألم على حدته" (٣).

стр. 78

فانظر كيف قال ﷺ : "وبشروهم بالجنة، ولا تقنطوهم". فهذا كله من شفقته ﷺ . فإن أسباب الرجاء قوية عندنا، فإنا نقول لمن خفنا عليه من غلبة الخوف: عدّل ما عندك بالرجاء، غير أنَّه ينبغي أن تتوب وترجو القبول، ونبذرُ ونرجو الحصاد؛ لكن الرَّجَاء مع العصيان حماقة، كما نُقرّرهُ في آخر الكتابِ إن شاء اللهُ تعالى. وفي الصحيحين: "سددوا وقاربوا وأبشِرْوا" (١). وفي صحيح مسلم: "لا يموتَنَّ أحدُكم إلا وهو يُحسنُ بالله الظَنّ" وتقدم (٢). قال الحافظ ابن الجوزيّ في "تبصرته": إذا اشتدّ خوف المُؤمن لذنبٍ تقدم منه، فليرجُ العفوَ وليحذر القنوط، وليعلم أن مراد الحق منه التوبة والاستغفار. وفي مُسند الإمام أحمد عن أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده؛ لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيُغفَرُ لهم" (٣). وفي "المسند" أيضًا عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن إبليس قال لربه ، بعزتك وجلالك؛ لا

стр. 79

أزال أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم. فقال اللهُ : بعزتي وجلالي لا أزالُ أغفرُ لهم ما استغفروني" (١). فلا ريب أنّ حسن الظن بمن خلق فسّوى، وقدّر فهدى، وهو مستغني عنا، وعن عملنا، وعن تعذيبنا، وعقابنا من أعظم ما نتقربُ به إليه، ومن أجزل ما نتوجه به عليه، وأيّ عبادة أعظم من حسن ظنّنا بربّنا، مع خوف أن يعاملنا بعدله. فالعاقل يكون بين الرّجاء والخوف؛ لكن يغلِّب الرّجاء عند الاحتضار، ويحسن الظّنّ ثَمَّ بالكريم الغفّار، ويستحضر أنه قدم على أكرم الأكرمين، إذْ هُو الكريم الستار. ولذا لمّا قال ذلك الفتى لعمّه، وهو يعنّف فيه، فواللهِ للهُ أرحمُ بي من والدتي، فلما قُبِض الفتى ودفنه عمّه، ثم نظر في قبر الفتى لإصلاح بعض شأنه، فإذا بالقبر قد مُلئَ نُورًا مِن كَرم الله ، وفُسح لَه مَدّ البصر. وحكي في الأخبار أن الإمام أحمد ﵁ لمَّا حضرته الوفاة قال لولده عبد الله: ألق عليّ أحاديثَ الرجاء. واعلم أن للموت سكرات، وأن الأعضاء يُسلمّ بعَضُها على بَعض قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: الآية ١٩] وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعَام: الآية ٩٣] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقِعَة: الآية ٨٣]

стр. 80

وقال: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القِيَامَة: الآية ٢٦]. وفي "البخاريّ" أن رسول الله ﷺ كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه، في الماء فيمسح بهما وجهه، ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" (١). وفي "تذكرة" القرطبي عن أنس مرفوعًا: "أنَّ العبدَ ليعالج كربَ الموت، وأنَّ مفاصله ليسلِّمُ بعضُها على بعضٍ، يقول: عليك السلام تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة" رواه إبراهيم بن هدبه (٢). وحكى المحاسبيّ في "الرعاية"، أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇: "يا خليلي، كيف وجدت الموت" قال: كسفودٍ مجميّ جُعلَ في صوفٍ رطب، ثم جذب قال: أمّا إنّا قد هَوّنّا عليك". ونحوه عن موسى وأنه قال: وجدتُ نفسي كالعُصفور الحيّ يقلى على المقلى؛ لا يموت فيستريح، ولا ينجو فيطير (٣). ورُويَ عنه أنه قال: وجدتُ نفسي كشاة تُبسلخُ بيد القصّاب.

стр. 81

ورُوي: أن الموت أشدُّ من الضرب بالسُّيوف، والنشر بالمناشير، والقَرْض بالمقارض. وأخرج أبو نعيم في "الحلية"، عن واثلة مرفوعًا "والذي نفسي بيده؛ لمعاينة ملك الموت أشدُّ من ألف ضربة بالسّيف" (١). وجاء أن ملك الموت إذا تولّى قَبضَ نَفسِه بعد موت الخلائق يقول: وعزتك لو علمت من سكرة الموت ما أعلم، ما قبضتُ نفس مؤمن. ذكره القاضي أبو بكر بن العربي. ويأتي قريبًا الكلامُ على شدة الموت. واعلم أن لملك الموت نذيرًا قال القرطبي: ورد في الخبر: أن بعضَ الأنبياء قال لملك الموت: أمالك رسولُ تقدمه بينَ يديك يكون الناسُ على حَذَر منك؟ قال: نعم؛ لي واللهِ رسلٌ كثيرة من الأعلال، والأمراض والهرم، وتغيّر السمع والبصر، والشيب، فإذا لم يتذكر من نزل به ذلك ولم يتُب، ناديته إذا قبضته، ألمْ أقدّم إليك رسولًا بعد رسول، وأنا النذير الذي ليس بعدي نذير. فما من يوم تَطلعُ شمسُه، إلا وملك الموت يُنادي، يا أبناء الأربعين، هذا وقت أخذ الزاد، أذهانكم حاضرة، وأعضاؤكم قويّة شداد، يا أبناء الخمسين، قدْ دَنا الأخذ والحصاد. يا أبناء السّتّين نسيتم العقاب، وغفلتم عن ردّ

стр. 82

الجواب، فما لكم من نصير (١). ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فَاطِر: الآية ٣٧] ذكرهُ ناصر السّنّة أبو الفرج بنِ الجوزيّ، في كتابه "روضة المشتاق، والطريق إلى الملك الخلّاق". وفي صحيح البخاري، "أعذر الله إلى امرئٍ أخّر أجله حتى بلغه ستّين يسنة" (٢). أي اعذر غاية الإعذار الذى لا إعذار بعده، أو أكبرُ الأعذار إلى بني آدم، بعثه الرسل إليهم لتتم الحجة عليهم، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسرَاء: الآية ١٥] قال تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فَاطِر: الآية ٣٧] فقيل المراد بالنذير: القُرآن. وقيل: الرُّسل، وقيل: الشيب، فإنه يأتي في سنّ الاكتهال، فهو علامة لمفارقة سِنّ الصِّبّى الذي هو بسنّ اللهو واللعب، قال الشاعر: رأيتُ الشيب من نُذُر المنايا ... لصاحبه وحسبك من نذير فقلت لها المشيب نذير عمري ... ولستُ مُسوّدا وجهَ النذير وقال القاضي منذر بن سعيد البلوطي: كم تصابى وقد علاك المشيبُ ... وتعامى عمدًا وأنت اللبيب كيف تلهو وقد أتاك نذيرُ؟ ... وشباك الحِمام منك قريب يا مُقيمًا قد حان منه رحيلُ ... بعد ذاك الرحيل يومٌ عصيبُ

стр. 83

إن للموت سكرةٌ فارتقبْها ... لا يدوايك إذْ أتتْكَ طبيب ثم تثوي حتى تصيرَ رهينا ... ثم تأتيك دعوةْ فتجيب بأمور المعاد أنت عليمٌ ... فاعمَلَنْ جاهدًا لها يا أريبُ وتذكرّ يومًا تحاسبُ فيه ... إن مَن يذّكرّ الممات ينيب ليس في ساعةٍ من الدهر إلا ... للمنايا عليك فيها رقيبُ كل يوم ترميك منها بسهم ... إن يخطئ يومًا فسوف يصيب (١) وقال بعضهم المراد بالنذير الحُمَّى، ومنه قوله ﵇: "الحمى رائد الموت". (٢) قال الأزهري: معناه أن الحمى رسول الموت فكأنها تُشعر بقدومه وتنذر بمجيئه، وقيل: موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان، فإن ذلك إنذار بالرحيل في كل وقت، وأوان وحين وزمان، وما أحسن قول القائل: وأراك تحملهم وليس تردُهم ... وكأني بك حُملت فلم ترد

стр. 84

وقول الآخر (١): الموت في كل حين يَنشُرُ الكفنا ... ونحن في غفلة عما يُراد بنا لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها ... وإن توشَّحَتَ من أثوابها الحسَنا أين الأحبّةُ والجيران ما فَعلوا ... أين الذين همُ كانوا لنا سكنا سقاهُم الموتُ كأسا غيرَ صافية ... فصيرتهم لأطباق الثرى رَهنا وذكر القُرطبي: أنَّه روى أنَّ مَلك الموت دخل على داودَ ﵇ فقال: مَن أنت؟ قال: مَن لا يهاب الملوك، ولا يمتنع من القصور، ولا يقبل الرّشا. قال: فإذًا أنت ملك الموت، ولم أستعد بعد قال: يا داود أين فلانُ جارُك؟ أين فلان قريبك؟ قال: ماتا قال: أمَا كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد (٢). وقيل: النذير: العقل؛ لأنه يميّز بين الحسنات والسّيّئات، والقبيح والحسن. وذكر القرطبي حكاياتٍ في الشيب منها عن بعض المترفين: أنه رفض ما كان يفتنه فسُئل عن السبب فقال: كانت لي أمة، لا يزيدُني طول الاستمتاع منها إلَّا غرامًا بها، فقلَّبْتُ شَعْرَها يَومًا،

стр. 85

فإذا فيه شعرتان بيضاوان، فأخبرتها، فارتاعت، وقالت: أرني فأرْيتُها فقالت: جاء الحقُّ وزهقَ الباطل، اعلم أنّي لو لم تفترضْ عَليَّ طاعتك لما أويت إليك، فدع لي ليلي أو نهاري لأتزوَّدَ فيه، لآخرتي فقلت: لا، ولا كرامة. فَغَضِبَتْ وقالت: تحول بيني وبين ربي، قد آذنني بلقائه، اللهمَّ بدّل حبّه لي بغضًا، قال: فبتُ وما شيء أحبّ إليّ من بُعدِها عنّي، وعرضتُها للبيع، فأتاني مَن أعطاني فيها ما أريد فلما عزمتُ على البيع بكت، فقلتُ: أنتِ أردتِ هذا. فقالتْ: واللهِ ما اخترتُ عليكَ شيئًا من الدُّنيا، هل لك إلي ما هو خير من ثمني. قُلتُ: وما هو؟ قالتْ: تعتقني لله فإنه أملك لك، وأعود عليك منك علي. فقلتُ: قد فعلتُ. فقالت: أمضى الله صفقتك، وبلغَّك أضعاف أملك. فتزهّدتُ وبغضت إليَّ الدنيا ونعيمها (١). قال القرطبي: وفي الإسرائيليّات أن إبراهيمَ الخليل ﵊ لمّا رجع من تقريب ولده إلى ربّه ، رأت سارة في لحيته شعرة بيضاء، وكان ﵇ أوّل من شاب فأنكرتها، وأرته إياها، فجعل يتأمَّلهُا وأعجبته، وكرهتها سارة وطالبته بإزالتها، فأبى وأتاه ملك فقال: السلامُ عليك يا إبراهيم، وكان اسمه أبرم فزاده في اسمه هاء والهاء في السريانية للتفخيم، والتعظيم ففرحَ بذلك وقال: أشكر إلهي وإله كل شيء. فقال له

стр. 86

الملك: إنَّ الله قد صيرك مُعظَّما فى أهل السموات وأهل الأرض، وقد وسمك بسمة الوقار في اسمك، وفي خلقك، أمّا اسمك فإنك تدعى في أهل السموات وأهل الأرض إبراهيم، وأمّا خَلْقك فقد أُنزل وقارًا ونورًا على شعرك. فأخبر سارة بما قال له الملك، وقال: هذا الذي كرهتيه نور ووقار. قالت: فإني كارهة له. قال: لكني أحُبّه، اللهم زدني نورًا ووقارًا، فأصبح وقد أبيضت لحيتُه كلّها (١). وفي الآثار النبويّة: "مَن شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة" (٢)، ورُوي أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليستحي أن يعذّب ذا شيبة" ذكره القرطبي (٣). وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله: وعزتي وجلالي وفاقة خلقي إليّ إني لأستحيي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام"، ثم بكى فقيل له: ما يُبكِيك يا رسول الله قال: "أبكي ممّن يستحي اللهُ منه، وهو لا يستحي من الله" (٤).

стр. 87

وما أحسن قول بعض العرب في الشيب: يا بُؤس من فقد الشباب وغُيرّت ... منه مفارق رأسه بخضاب يرجو نضارة وجهه بخضابه ... ومصير كلّ عمارة لخراب إنّي وجدت أجلّ كلّ مصيبةٍ ... فَقْدُ الشباب وفرقة الأحباب فائدة: روى أبو نعيم من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الموتُ كفارة لكل مسلم" (١). قال أبو بكر ابن العربي: حديث حسن صحيح. * * *

стр. 88

الفصل الثالث في علامة خاتمة الخير، ومن دنى أجله، والكلام على شدة الموت أخرج الترمذي عن أنس ﵁ مرفوعًا: "إذا أرادَ اللهُ بعبد خيرا استعمَلهُ" قالوا: كيف يستعمله؟ قال: "يوفقه لعمل صالح قبل الموت" (١). وأخرج الإمام أحمد والبزار والحاكم عن عمرو بن الحمق مرفوعًا: "إذا أحبَّ اللهُ عبدا عسله"، قالوا: وما عسله؟ قال: "يوفق له عملا صالحًا بين يدي أجله، حتى يُرضي جيرانه" (٢). وابن أبي الدنيا عن عائشة مرفوعًا، "إذا أراد اللهُ بعبدٍ خيرا، بعثَ إليه قبل موته بعام ملكا، يسدّده ويوفقه، حتى يموت على خير أحايينه فيقول الناس: ماتَ فلانٌ على خير أحايينه" (٣) الحديث. فائدة: قال بعض العلماء: الأشياء المقتضية لسوء الخاتمة

стр. 89

والعياذ بالله تعالى أربعة: التهاونُ بالصلاة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وإيذاء المسلمين. وزاد بعضُهم: النظر في الأحداث - يعني: الغلمان- المرد، أي: بشهوة فإنّ ابن القيمّ قال تبعًا لغيره: ما ابتُلي بمحبة المردان إلا من سقط من عَين الرحمن. وتقدم بعض الكلام على شدة الموت ولنلحقه بتكملة: أخرجَ الطبرانيُّ في الكبير، وأبو نعيم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نفس المؤمن تخرجُ رشحًا، وإن نفس الكافر تسيلُ كما تسيل نفسُ الحمار، وإنَّ المؤمنَ ليعمل الخطيئة فَيُشَدُّ بها عليه عند الموت؛ ليكفر بها عنه وإن الكافر ليعمل الحسنة فيسهل بها عليه عند الموت ليجزي بها" (١). وأخرج الدينوري في "المجالسة" عن وهيب بن الورد قال: يقولُ الله تعالى: "إني لا أريد أن أخرج أحدًا من الدنيا وأنا أريد أن أرحمه، حتى أوفيه بكل خطيئة كان عملها سقمًا في جسده، ومصيبة في أهله وولده، وضيقًا في معاشه، وافتقارًا في رزقه، حتى أبلغ منه مثاقيل الذّرّة، فإن بقي عليه شدّدت عليه عند الموت، حتى يفضي إلي كيوم ولدته أمّه. وعزّتي لا أُخرج عبدًا من الدنيا وأنا أريد أن أعذبه، حتى أوفيه بكلّ حسنةٍ عملها. صحّة في جسمه، وسعة في رزقه، ورغدًا في عيشه، وأمنًا في سربه حتى أبلغَ منه مثاقيل الذّرّ، فإن بقي له شيء

стр. 90

هوّنت عليه الموت، حتى يفضي إليّ وليس له حسنة يتقي بها النار" (١). قال في "الصحاح": فلان آمن في سربه بالكسر أي: في نفسه. وأخرج ابن أبي الدنيا عن زيد بن أسلم قال: إذا بقي على المؤمن من درجاته شيء لم يبلغه بعمله شُدد عليه الموت؛ ليبلغَ بسكراته وشدائده درجته من الجنة. وإن الكافر إذا كان قد عمل معروفًا في الدنيا هون عليه الموت؛ ليستكمل ثواب معروفه في الدنيا ثم يصير إلى النار. وأخرج الترمذيّ وحسنه، والحاكم وصححه، وابن ماجه عن النبي ﷺ قال: "المؤمن يموت بعرق الجبين" (٢). وأخرجَ الحاكم والترمذي في نوادره عن سَلمان ﵁ مرفوعًا: "ارقبوا الميت عند الموت ثلاثًا: إن رشحتْ جبينه، وذَرفتْ عيناه -أي: سالتَ- وانتشَر منخاره -أي: انتفخ- فهي رحمة الله تعالى قد نزلت به. وإن غطّ غطيطَ البَكر -أيْ: تردَّد صوته بحيث لا يجد مساغًا. والبَكر من الإبل بمنزلة الفتي من الناس. المخنوق صفة للبكر -وخمد لونه، وأزبد شدقاه، فهو عذاب من الله قد حلّ به" (٣).

стр. 91

وقال ابن مسعود: إنّ المؤمن يبقى عليه خطايا يجازى بها عند الموت، فيعرق لذلك جبينه (١). وقال سفيان: كانوا يستحبون العرق للموت (٢). ومن ثم قال علقمة لبعض أصحابه: احضرني فلقّنّي لا إله إلا الله، فإن عرق جبيني فبشّرني. قال بعض العلماء: وإنما يعرق جبينه حيَاء من ربه لما. اقترف من مخالفته؛ لأنّ ما سفل منه قد مات، وإنما بقيت منه قوة الحياة وحركاتها فيما علا، والحياء في العينين. والكافر في عمى عن هذا كله. والموحد المعذب في شُغل عن هذا بالعذاب، الذي قد حلّ به. وأخرج الإمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي شيبة في "مسنده"، وابن أبي الدنيا عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "تحدثوا عن بني إسرائيل فإنه كان فيهم أعاجيب". ثم أنشأ يحدثنا قال: "خرجت طائفة منهم فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا: لو صلينا ركعتين ودعونا الله يُخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت، ففعلوا فطلعَ رجل أسود اللون، بين عينيه أثر السجود، ققال: يا هؤلاء ما أردتم إليّ لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن، فأدعوا الله أن يعيدني كما كنت. وأخرج الإمام أحمد في الزهد عن عمر بن حبيب أن رجلين من بني إسرائيل عبدا حتى سئما العبادة فقالا: لو خرجنا إلى القبور فجاورناها لعلنا أن نراجع، فجاؤوا إلى القبور، فعبدا اللَّه فنشر لهما

стр. 92

ميت فقال لهما: لقد متُّ منذ ثمانين سنة، وإني لأجد ألم الموت بعد، وقال كعب: لا يذهب عن الميت ألم الموت ما دام في قبره، وإنه لأشد ما يمر على المؤمن، وأهون ما يصيب الكافر (١). رواه أبو نعيم. وأخرج ابن أبي الدنيا، بسند رجاله ثقات، عن الحسن، أن رسول الله ﷺ ذكر ألم الموت وغصته، فقال: "هو كقدر ثلاثمائة ضربةٍ بالسيف" (٢). وأخرج أيضًا عن الضحاك: سئل رسول الله ﷺ عن الموت، فقال: "أَدْنَى جبذات الموتِ بمنزلةِ مائة ضربةٍ بالسَّيف" (٣). وقال علي: والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراشه (٢). وأخرج أبو الشيخ في كتاب "العظمة" عن الفضيل بن عياض أنه قيل له: ما بال الميت تنزع نفسه، وهو ساكت، وابن آدم يضطرب من القرصة؟ قال: إن الملائكة توثقه (٣). وأخرج المروزي في "الجنائز" وابن أبي الدنيا عن ميسرة مرفوعًا "لو أن قطرة من ألم الموت وضعت على أهل السماء والأرض لماتوا جميعًا. وإن في القيامة لساعة تضاعف عن شدة الموت سبعين ضعفًا (٢). وأخرج ابن أبي الدنيا في التاريخ عن أنس مرفوعًا: "لمعالجة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف" (٤)، وأخرج أيضًا أن

стр. 93

عمرو بن العاص ﵁ قال له ابنه لما احتضر: يا أبت إنك كنت تقول ليتني ألقى رجلًا عاقلًا عند الموت حتى يصف لي ما يجد وأنت ذَلِكَ الرجل فصف لي الموت، قال: يا بني والله لكأني أتنفس من سم إبرة وكأن غصن شوك يجر من قدمي. وقال في "العاقبة": كان عمرو بن العاص ﵁ يقول: لوددت أني لو رأيتُ رجلًا لبيبًا حازمًا قد نزل به الموت فيخبرني عن الموت، فلما نزل به الموت، قيل له: يا أبا عبد الله، كنت تقول أيام حياتك: وددت أني رأيت رجلًا لبيبًا حازمًا قد نزل به الموت، فيخبرني عن الموت، وأنت ذَلِكَ الرجل اللبيب الحازم وقد نزل بك الموت فأخبرنا عنه فقال: أجد كأنّ السموات قد أطبقت على الأرض وأنا بينهما، وكأن نفسي تخرج على ثقب إبرةٍ، وكأنَ غُصْن شوك يجذب به من هامتي إلى قدمي، ثم قال متمثلًا بقول أمية بن أبي الصلت: ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا (١) وأخرج الحاكم في "المستدرك"، وابن سعد عن عوانة بن الحكم أنّ عمرو بن العاص كان يقول: عجبًا لمن نَزَل به الموتُ وعقله معه، كيف لا يصفه، فلما نزل به قال له ابنه عبد الله يا أبت:

стр. 94

إنك كنت تقول عجبًا لمن نزل به الموت، وعقله معه كيف لا يصفه، فصف لنا الموت. قال: يا بُني الموتُ أجلُّ من أن يُوصف، ولكن سأصفُ لك منه شيئًا أجدني كأنّ على عُنقي جبال رَضوى، وأجدني كأن في جوفي شوك السلاء، وأجدُني كأنَّ نفَسي يخرج من ثقب إبرة (١). وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا وأبو نعيم، عن ابن أبي مُليكة أنّ عمرَ ﵁ قال لكعب: أخبرني عن الموت قال: يا أمير المؤمنين: هو مثل شجرة كثيرة الشوك في جوف ابن آدم، فليس منه عِرق ولا مِفصل إلا فيه شوكة ورَجُلٌ شديد الذراعين فهو يعالجها وينزعها (٢). وأخرج ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبّه قال: الموت أشد من ضربِ السيف، ونَشْر بالمناشير، وغَلْيٍّ في القدور، ولو أنّ ألَمَ عِرقٍ من عروق الميت قُسّم على أهل الأرض لوسعهم ألَمًا ثمّ هو أوّل شِدّة يلقاها الكافر، وآخر شِدّة يلقاها المؤمن. وأخرج أبو نعيم في "الحلية"، عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال: "أحضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله وبشروهم بالجنّة، فإن الحليم من الرجال والنساء يتحيّر عند ذلك المصرع، وإنَّ الشيطانَ أقرب ما يكون من ابن آدم عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف، والذي نفسي بيده لا تخرجُ

стр. 95

نفس عبد مؤمن من الدنيا، حتى يتألّم كل عِرق منه على حياله" (١). وقال ﷺ : "اللهم إنك تأخذ الرّوح من بين العصب والقصب والأنامل، اللهم فأعنّي على الموت وهوّنه عليّ" رواه ابن أبي الدنيا. وأخرج الحارث بنُ أبي أسامة، بسند جيد عن عطاء بن يسار مرفوعًا: "معالجة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف، وما من مؤمن يموت، إلا وّكُلّ عِرق يألمُ منه على حدة، وأقرب ما يكون عدوّ الله -يعني: الشيطان- منه تلك الساعة" (٢). وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس ﵁ قال: لم يلق ابن آدم شيئا قط، منذ خلقه الله أشد من الموت عليه (٣). وأخرج الإمامُ أحمد، عن ابن عباس ﵄ قال: آخر شدة يلقاها المؤمن الموت (٤). وقال عمر بن عبد العزيز: ما أحبُّ أن يهوَّن علي سكرات الموت؛ لأنه آخر ما يؤجر به المسلم (٥).

стр. 96

وقال رجل لكعب: ما الداء الذي لا دواء له؟ قال: الموت. قال زيد بن أسلم: دواه رضوان الله. وقال الحسن: أشد ما يكون من الموت على العبد إذا بلغت الروح التراقي، فعند ذلك يضطربُ وتغلو نفسه. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن محمد بن كعب القرظيِّ قال: بلغني أن آخر من يموت ملك الموت، يقال له يا ملك الموت مت، فيصرخ عند ذلك صرخة لو سمعها أهل السموات والأرض لماتوا فزعًا، ثم يموت. وأخرجَ زيادُ النُميري قال قرأتُ في بعض الكتب، أن الموتَ أشدُّ على ملك الموت منه على جميع الخلق. وقد قال ﷺ : "ليس أحدٌ أشدَّ بلاءً من الأنبياء كما يشدد علينا البلاء كذلك يضاعف لنا الأجر" (١) وقال في مرض موته: "اللهم أعني على سكرات الموت" (٢). فإن قلت: ما وجه تشديد البلاء على الأكابر من الأنبياء والصالحين، فهل له من حكمة؟ قلتُ: نعم بل له حِكم فقد قال الإمام ابن عقيل: كأن له

стр. 97

سبحانه وتعالى فيهم جواهرَ مودعة، أحبّ أن يظهرها ويجعلهم حججًا على المتخلفين عنه، صبرًا على بلائه، ورضًا بقضائه. وقال القرطبي: لتشديد الموت على الأنبياء فائدتان (١): إحداهما، تكميل فضائلهم ورفع درجاتهم، وليس ذلك نقصًا ولا عذابًا، بل هو كما جاء "إنّ أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل". والثانية: أنْ يعرف الخلق مقدار ألم الموت وأنه باطن، وقد يطلع الإنسان على بعض الموتى، فلا يرى عليه حركة ولا قلقًا ويرى سُهولة خروج روحه، فيظنُ سهولة أمر الموت ولا يعرف ما الميت فيه، فلما ذكر الأنبياء الصّادقون في خبرهم شدة ألمه مع كرامتهم على الله، قَطَعَ الخلقُ بشدة الموت، الذي يقاسيه الميت مطلقًا بإخبار الصادقين عنه ما عدا الشهداء، أي لما أخرج الطبراني عن أبي قتادة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الشهيد لا يجد ألم القتل، إلا كما يجد أحدكم القرصة" (٢). وأخرج النسائي مثله من حديث أبي هريرة ﵁ (٣).

стр. 98

فائدتان: الأولى: ذكر جماعة من العلماء أن السّواك يسهّل خروج الرّوح، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ في الصحيحين في قصّة سواكه ﷺ عند موته (١). الثانية: أخرج ابن أبي حاتم (٢) عن قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [المُلك: الآية ٢] خلق الموت في صورة كبش لا يمرّ على أحدٍ إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس لا تمر على شيء إلا أحُيي. وأخرج أبو الشيخ في كتاب "العظمة"، عن وهب بن منبه قال: خلق الله الموت كبشًا أملحًا مستترًا بسواد وبياض؛ له أربعة أجنحة، جناح تحت العرش، وجناح في الثرى، وجناح في المشرق، وجناح في المغرب، قال له كن فكان، ثم قال له أبرز فبرز الموت عزرائيل (٣). وبهذه الآثار عُرف أن الموت جسم خلق في صورة كبش؛ لا عرض. ويؤيده ما ورد في حديث الصحيحين: "يُجَاءُ بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثمّ يُقال: هل

стр. 99

تعرفون ما هذا؟ فيقولون: نعم، وكل قَدْ رآه، هذا الموت. فيذبح". زاد أبو يعلى: "كما تذبح الشاة" (١). ولا شكّ أن ألم الموت شديد، والحرص منه لا يفيد، فيا من غَفَل عنَ هذا الخطْبِ العظيم، والداء الجسيم. انتبه قبل أن يحلّ بك الحِمام، وتذوقَ طعم الآلام. فلا ينفع ثمّ عُذر ولا ندامةَ، سوى التقوى والاستقامة، فما بالك تطلب الدنيا طلب من لا يموت، وتجهد نفسك في جمعها، مع أنّ حظك من ذلك القوت، انتبه يا مسكين لذلك الوقت المحتوم، واعبد مولاك الجوَاد الحيّ القيّوم، فإنَّ الدنيا لا تدوم، والندمُ على ذي الفعل المذموم. وما أحسن قول القائل: أذكرُ الموتَ ولا أرهبهُ ... إنّ قلبي لغليظ كالحجر أطلب الدّنيا كأنّي خالد ... ووَرائي الموت يقفو بالأثر وكفى بالموت فاعلم واعظا ... لمن الموت عليه قد قدَر والمنايا حوله ترصُده ... ليس ينجي المرءُ منهنّ مَفر فمثل لنفسك يا مغرور قد حلّت بك السّكرات، ونزل بك الأنين والغمرات، فمِن قائل: إنّ فلانا قدْ أوصى. وماله قد أُحصي. ومن قائل يقول: إنّ فلانا ثقل لسانه، فلا يعقل يعرف جيرانه، ولا يكلم إخوانه. وكأنّي أنظر إليك تسمع الخطاب، ولا تحسن ردّ

стр. 100

الجواب، ثم تبكي ابنتك كالأسيرة، وتتضرّع وتقول من ليتمي بعدك يا حسن السّيرة، وأنت تسمع ذلك، ولا تردّ جوابا فمالك. وأنشدوا: فأقبلت الصُّغرى تمرّغ خدّها ... على وَجنتي حينا وحينا على صدري وتخمش خدّيها وتبكي بحرقة ... تنادي أبي إني غُلبتُ عن الصبر أجبني أبي مَن لليتامى تركتهم ... كأفراخ زغب في بعيد من الوكري * * *

стр. 101

الفصل الرابع فيما يقول الإنسان في مَرض الموت وما يقرأ عنده. وما يقال إذا احتضر وتوابع ذلك قال ﷺ : "ما من ميت يُقرأ على رأسه يس إلّا هوّن الله عليه" رواه ابن أبي الدنيا والديلمي عن أبي الدّرداء (١). وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وابن حبان أن النبي ﷺ قال: "اقرءوا على موتاكم صورة يس" قال ابن حبان: أراد به من حضره الموت (٢). وأخرج المروزي عن جابر بن زيد قال: كان يُستحب إذا حَضر الميت أن يُقرأ عليه سورة الرعد، فإن ذلك يخفف عن الميت، وإنه أهون لقبضه وأيسر لشأنه (٣). وكان يُقال قبل أن يَموت الميت بساعة في حياة رسول الله

стр. 102

- ﷺ اللهمَّ أغفر لفلان بن فلان، وبرِّد عليه مضجعه، ووسع عليه في قبره، وأعطه الراحة بعد الموت، وألحقه بنبيه، وتولّ نفسه وصعّد روحه في أرواح الصالحين، واجمع بيننا وبينه، في دار تبقى فيها الصُحبة، ويذهب عنا فيها الغضب واللغوب، ويصلى على رسول الله ﷺ ويكرّر ذلك، حتى يقبض. وأخرج عن الشعبي: كانت الأنصار يقرؤن عند الميت سورة البقرة (١). وقال ﷺ : "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" أخرجه مُسلم (٢). قال ابن حبان وغيره: أراد من حضره الموت. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٣). وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن المحاربي قال: حَضَرتْ رجلًا الوفاة فقيل له: قل: لا إله إلا الله. فقال: لا أقدر، كنت أصحب قومًا يأمرونني أن أشتم أبا بكر وعمر.

стр. 103

وأخرج أبو يعلى والحاكم بسند صحيح عن طلحة وعمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنّي أعلم كلمة لا يقولها رجل يحضره الموت، إلّا وَجدَتْ رُوحه لها راحة حتى تخرج من جسده، وكانت له نورًا يوم القيامة" (١)، وفي رواية "إلا نفسَّ الله عنه، وأشرق لونه، ورأى ما يَسُرّه -لا إله إلا الله-". وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ مرفوعًا: "مَن قال عند موته: لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لا تطعمُهُ النارُ أبدا" (٢). وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هل أدلكم على اسم الله الأعظم دعاء يونس لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأيما مسلم دعا بِها في مرضه أربعين مرّة فمات في مرضه ذلك أعطى أجر شهيد وانبرى مغفورًا له" (٣). وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" وابن منيع في "مسنده" عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ألا أخبركم بأمر حق، من تكلم به في أوّل مضجعه من مرضه نجاه الله من النار؟ "

стр. 104

قُلْتُ: بلى. قال: "لا إله إلا الله يحيى ويميت، وهو حيّ لا يموت، وسبحان الله رب العباد والبلاد، والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، فيه على كل حال، الله أكبر كبرياء ربّنا وجلاله وقدرته بكل مكان اللهم إن كنتَ أمرضْتني لتقبض روحي في مرضي هذا، فاجعل روحي في أرواح من سبقت له منك الحسنى، وأعذني من النار كما أعذت أولياءك الذين سبقت لهم منك الحسنى، فإِنْ مت في مرضك ذلك فإلى رضوان الله تعالى، والجنة وإن كنت قد اقترفت ذنوبًا تاب الله عليك" (١). وأخرج ابن عساكر عن الإمام عليّ ﵁، سمعت من رسول الله ﷺ : "كلمات من قالهن عند وفاته دخل الجنة؛ لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات الحمد لله ربّ العالمين، ثلاث مرّات، تبارك الذي بيده الملك، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير" (٢). والمروزي قالت أم سلمة: إذا رأيته احتضر فقل السلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين. أخرج البزّار والطبراني في "الأوسط" عن أبي بكرة قال: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وهو في الموت، فلمّا شقّ بصره مدّ رسول الله ﷺ يده فأغمضه فلما أغمضه صاح أهل البيت فسكتّهم رسول الله ﷺ وقال: "إن النفس إذا خرجت يتبعها البصر،

стр. 105

وإن الملائكة تحضر الميت فتؤمن على دعائكم لأهل الميت". ثم قال ﷺ : "اللهم ارفع درجة أبي سلمة في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يوم الدين" (١). وقال ﷺ : "إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإن الملائكة تؤمن على دعاء أهل الميت" رواه الحاكم (٢). وقال ابن عباس لمجاهد: لا تنامنَّ إلا على وضوءٍ، فإن الأرواح تُبعث على ما قُبضت عليه (٣). وقال ﷺ : "من أتاه ملك الموت وهو على (طهارة) (٤) وضوءٍ أُعطي الشهادة" (٥). وأخرج المروزي عن بكر بن عبد الله المزني قال: إذا أغمضتَ

стр. 106

ميتا فقُل: بسم الله وعلى ملة رسول الله. زاد في "التذكرة": وسبِّح (١). * * *

стр. 107

الفصل الخامس فيما جاء في ملك الموت وأعوانه قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَجدَة: الآية ١١] وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعَام: الآية ٦١] (١). أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعَام: الآية ٦١] قال: أعوان ملك الموت من الملائكة. زاد إبراهيم النخعي فيما رواه أبو الشيخ: ثم يقبضهما ملك الموت (٢). وأخرج أبو الشيخ وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما أراد الله أن يخلق آدم بعث ملكًا من حملة العرش، يأتي بتراب من الأرض، فلما أهوى (٣) ليأخذ قالت الأرض: أسألك بالذي أرسلك لا تأخذ منِّي اليوم شيئًا يكون منه للنار نصيب غدًا. فتركها، فلما رجع إلى ربه قال: ما منعك أن (تأتيني) (٤) بما أمرتُك

стр. 108

قال: سألتني بك فعظمتُ أن أردّ شيئًا سألتني بك. فأرسل آخر فقال مثل ذلك، حتى أرسلهم كلهم. فأرسل ملك الموت فقالت له مثل ذلك، فقال: إن الذي أرسلني أحقُّ بالطاعة منك، فأخذ من وجه الأرض كلها، من طيبها وخبيثها، فجاء به إلى ربِّه فصبَّ عليه من ماء الجنة فصار حمأً مسنونا فخُلقَ منه آدم ﵇. زاد ابن عساكر عن يحيى بن خالد فسمّاه ملك الموت، ووكّله بالموت (١). وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن سابط قال: يدبر أمرَ الدّنيا أربعة: جبريلُ وميكائيل وإسرافيل وملكُ الموت، فأمّا جبريلُ، فصاحب الجنود والريح، وأما ميكائيل فصاحب القطر والنبات، وأمّا ملك الموت فموكل بقبض الأنفس وأمّا إسرافيل فيتنزل بالأمر عليهم بما يُؤمرون (٢). وأخرج أبو الشيخ في "العظمة" عن الرّبيع بن أنس، أنَّه سُئِل عن ملك الموت، هل هو الذي وحده يقبض الأرواح قال: هُو الذي يَلي أمرَ الأرواح، وله أعوان على ذلك، غير أنَّ ملك الموت هو الرئيس، وكل خطوة منه من المشرق إلى المغرب. قلتُ: أين تكون أرواح المؤمنين؟ قال: عند السدرة (٣).

стр. 109

وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النَّازعَات: الآية ٥] ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم، فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يُؤمّن على الدعاء ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى، عليه ويدلى في حفرته (١). وقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾ [القِيَامَة: الآية ٢٧] أعوان ملك الموت يقول بعضهم لبعض: مَنْ يرقى بروحه من أسفل قدمه إلى موضع خروج نفسه. وأخْرَجَ الطبرانيُّ في "الكبير" وأبو نعيم وابن منده عن الحارث بن الخزرج، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول -ونظر (٢) إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال-: "يا ملك الموت، أرفق بصاحبي فإنَّه مؤمنُ"، فقال ملكُ الموت: طب نفسًا، وقر عيْنا، واعلم أني بكل مؤمن رفيق، واعلم يا محمد أني لأقبض روح ابن آدم، فإذا صرخ صارخ من أهل بيته همت في الدار ومعي روحه، فقلت ما هذا الصّارخ، والله ما ظلمناه ولا سبقنا أجله، ولا استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا بما صنع الله تؤجروا وإن تسخطوا تَأثموا وتؤزروا، وإن لنا عندكم عودة بعد عودة فالحذر الحذر، وما مِنْ أهل بيت شعر ولا مدر برٌّ ولا فاجر، ولا جبل إلا أنا أتصفحهم في كل يومٍ وليلة، أنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم

стр. 110

منهم بأنفسهم والله لوْ أردتُ أنْ أقبضَ روح بعوضَة ما قدرت على ذلك، حتى يكون الله هو يأذن بقبضها (١). قال جعفر بن محمد: بلغني أنّه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا نَظَرَهُ عند الموت فإن كان يحافظ على الصلاة، دنا منه ملكُ الموت وطرد عنه الشيطان، ويلقنه الملك لا إله إلا الله محمد رسول الله، في ذلك الحال العظيم. وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن: ما من يوم إلا وملكُ الموت يتصفح في كل بيتٍ ثلاثَ مرات، فمنْ وجده منهم قد استوفى رزقه وانقضى أجله، قبض روحه. وإذا قبض روحه أقبل أهله برنّة وبكاء، فأخذ ملك الموت بعضادَتي الباب، فيقول ما لي إليكم من ذنب، وإني لمأمورٌ والله ما أكلت له رزقًا، ولا أفنيت له عُمرا، ولا انتقصت له أجلا، وإنّ لي فيكم لعودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدا (٢). قال الحسن: والله لو رأوا مقامه، وسمعوا كلامه؛ لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم. وأخرجَ ابن أبي الدُنيا، عن عبيد بن عمير قال: بينما إبراهيم
следующие страницы →