← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

يَفْري فَرِيَه" (١) وعن الفراء العبقري: السيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان، والجوهر، وواحد العبقري: عبقرية. والحاصل أنَّ كلّ شيءٍ عجيبٍ يُقال له: عبقري. لما وصفنا، وتأمل كيف وصفَ سبحانه الفرش بأنَّها مرفوعة، والزرابي بأنَّها مبثوثة، والنمارق بأنها مصفوفة، فَرَفْعُ الفرْش دال على سمكِها ولينها، وبثُّ الزرابي دال عل كثرتها، وأنَّها في كلّ موضع لا يختص بها صدر المجلس دون مؤخره وجوانبه، وصّفُّ المساندِ (٢) يدلُّ على أنها مهيأة للاستنادِ إليها دائما ليست مخبأة تصف في وقت دونَ وقت والله أعلم. فصل وأمَّا خيامهم وسررهم، وأرائكهم وبشخاناتهم، فقد قال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢]. ففي الصَّحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ للمؤمن في الجنَّة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلًا فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا". وفي روايةٍ للبخاري: "طولها ثلاثون ميلًا" (٣).

стр. 1157

قال في "حادي الأرواح" (١): وهذه الخيام غير الغرف، والقصور بل هي خيام في البساتين (٢) وعلى شواطئ الأنهار. وأخرج ابن أبي الدُّنيا (٣) عَنْ عبد الله ﵁ قال: "لكلِّ مسلمٍ خيرة ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعةُ أبواب يدخل عليها كلّ يوم من كل باب تحفة، وهدية، وكرامة لم يكن قبلها ذلك لا مرحات، ولا ذفرات، ولا سخرات، ولا طماحات حور عين كأنَّهَن بيضٍ مكنون". وأخرج ابن المبارك عن أبي الدرداء ﵁ قال: "الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون بابًا كلها من درة" (٤). وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢]: الخيمةُ: مَنْ درةٍ مجوفة طولها فرسخ، وعرضها فرسخ، ولها ألف باب من ذهب حولها سرادق دوره خمسون فرسخًا يدخل عليه من كل باب منها ملك بهدية من عند الله وذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]. وأمَّا السرر، فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾ وقال: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ [الواقعة: ١٥ - ١٦]،

стр. 1158

وقال: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ (١). فأخبر سبحانه عن سررهم بأنها مصفوفة بعضها إلى جانب بعض ليس بعضها خلفَ بعضٍ، ولا بعيدًا منه، وأخبر أنَّها موضونة أي: منسوجة مضاعفة متداخلة بعضها على بعض كما يوضن حلق الدرع، ومنه سمي الوضين، وهو نطاق من سيور ينسج فيدخل بعضه في بعض، ومنه قول الشاعر: ومِنْ نَسْجِ داودَ مَوْضونة ... يُساقُ مع الحي عيرًا فعيرا قالوا: موضونة: منسوجة بقضبان الذَّهبِ مشبكة بالدر، والياقوت، والزبرجد وقال ابن عباس: مزمولة بالذهبِ. وقال مجاهد: موصولة بالذهب، وأخبر سبحانه بأنها مرفوعة: قال عطاء عن ابن عباس ﵄: سرر من ذهب مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، والسرير مثل ما بين مكة، وأيلة. وقال الكلبي: طول السرير في السَّماء مائة ذراع (٢)، فإذا أراد الرجل أن يجلس عليه تواضع له حتَّى يجلس عليه فإذا جلس عليه ارتفع إلى مكانه. وأما الأرائك فتقدم أنَّها جمعُ أريكة، وأنَّ ابن عباس قال: "لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة" فإنْ كان سرير بغير حجلة لا تكون أريكة، وإنْ كانت حجلة بغير سرير لم تكن أريكة، فالسرير والحجلة أريكة، والحجلة هي البشخانة التي تعلق فوق السرير.

стр. 1159

وقال في "حادي الأرواح" (١): لا تسمَّى أريكة إلَّا بالسرير في الحجلة، وأن يكون على السرير فراش. وفي الصحاح: الأريكة سرير منجد مزين في قبة أو بيت، فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة، والجمع الأرائك. وفي الحديث: أنَّ خاتمَ النَّبِيّ ﷺ (أي: خاتم النبوة) كان مثل زر الحجلة، وهو الزر الذي يجمع به بين طرفيها من جملة أزرارها. قلت: وكون المراد بزرّ الحجلة ما (٢) ذكرنا هو الذي صوبه أكثر المحققين منهم الإمام العلامة المحقق في "حادي الأرواح" (٣)، وغيره كالدميري، وقال الإمام الترمذي بعد إيراده حديث: أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان بين كتفيه خاتم مثل زر الحجلة: إنَّ المرادَ بالحجلة هذا الطائر (٤)، وزرّها بيضها، وإذا كانت المرأة مقصورة في الحجالِ فهو مِمَّا يتمدح به كما قال كثيرّ عزّه في ذلك: وأنت التي حببت كلّ قصيرة ... إليَّ فلا تدري بذاك (٥) القصائر عنيت قصارات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى شر النساء البحائر (٦) والله أعلم.

стр. 1160

الباب العاشر في ذكر خدم أهل الجنَّة، وغلمانهم، ونسائهم، وسراريهم، والمادة التي خلق منها الحور العين، ونكاحهم، وهل في الجنَّة ولد أم لا ؟ أمَّا خدمهم، وغلمانهم فقال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ [الطور: ٢٤]، وقال: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ [الإنسان: ١٩]. قال أبو عبيدة، والفراء، مخلدون: لا يهرمون، ولا يتغيرون. وقال آخرون: مخلدون مقرطون مسورون أي: في آذانهم القرطة، وفي أيديهم الأساور، والخلد القرطة، ومنه قول الشاعر: ومخلدات باللجين كانَّما ... أعجازهن رواكد الكثبان وجمعت طائفة بأنَّهم لا يعرض لهم الكبر، والهرم، وفي آذانهم القرطة، وشبههم باللؤلؤ المنثور لما فيه مِنَ البياضِ، وحسن الخلقة، وفي كونه منثورًا فائدتان: الدلالة على أنَّهم غيرُ معطلين بل مبثوثون في خدمتهم. والثانية: إنَّ اللؤلؤ إذا كان مَنثُورًا ولاسيما على بسط من ذهبٍ أو حرير، كان أحسن، وأبهى من كونه مجموعًا.

стр. 1161

واختلف العلماء في هؤلاء الغلمان، فقال (١) علي كرَّم الله وجهه، والحسنُ البصري: هم أولاد المسلمينَ الذين يموتون ولا حسنة لهم، ولا سيئة يكونون خدمًا لأهل الجنَّةِ إذ الجنَّة لا ولادة فيها، وبعضهم قال: هم أولاد المشركين يجعلهم الله خدمًا لأهل الجنَّة، واستدلَّ هؤلاء بقول النَّبِيِّ ﷺ : "سألت ربي اللاهين من ذرية البشرِ أن لا يعذبهم، فأعطانيهم، فهم خدمُ أهل الجنَّة" (٢). يعني: الأطفال، رواه يعقوب بنُ عبد الرحمن القاري، وعبد العزيز بن الماجشون، وفضيل ابن سليمان قال في "حادي الأرواح" (٣): وطرقه ضَعيفة ففيه يزيد واهٍ، وفضيل بن سليمان متكلم فيه وعبد الرحمن بن إسحق ضعيف قال ابن قتيبة: واللاهون: من لهيت عن الشيء إذا غفلت عنه، وليست من لهوت. وقيل: هم غلمان، أنشأهم الله في الجنَّة إنشاءً كما أنشأ الحور العين، وولدان أهل الدُّنيا يكونون يومئذ أبناء ثلاث وثلاثين سنة، لقوله ﷺ : "مَن مات مِن أهل الجنَّةِ من صغيرٍ أو كبير، يردون بني ثلاثين سنة في الجنَّة لا يزيدون عليها أبدًا، وكذلك أهل النار" (٤). رواه

стр. 1162

الترمذي من حديث أبي سعيد ﵁، واختار هذا القول في "حادي الأرواح" (١) واستدل له بقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ [الطور: ٢٤]، وهؤلاء غيرُ أولادهم فإن من تمام كرامة الله لهمْ أنْ يجعل أبنائهم مخدومين معهم لا غلمانًا لهم. وفي حديث أنس ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "أنا أوَّل النَّاس خروجًا إذا بعثوا" (٢). وفيه: "ويطوف عليَّ ألف خادم كأنَّهم لؤلؤ مكنون" والمكنون: هو المستور الذي لم تبتذله الأيادي. والحاصل أن الولدان من جنس الحور العين، وليسوا من ذريةِ آدم على الصحيح المعتمد. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلًا قال للنَّبِيّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ [الإنسان: ١٩] هذا الخادم فكيف المخدوم؟ قال: "والذي نَفسي بيده إن فضلَ المخدومِ على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" حكاه مكي. وأخرج ابن المبارك، والبيهقي عن ابن عمرو ﵄ قال: "إن أدنى أهل الجنَّةِ منزلًا من يسعى عليه ألفُ خادمٍ كلّ خادمٍ على عملٍ ليس عليه صاحبه" وتلا قوله تعالى ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩] (٣). وأخرج ابن أبي الدُّنيا عن أنس ﵁ مرفوعًا قال: "إن

стр. 1163

أسفل أهل الجنَّةِ أجمعين درجة، من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم" (١). وأخرج ابن أبي الدنيا (٢) أيضًا عن أبي هريرة قال: "إن أدْنى أهل الجنَّةِ منزلة، وليس فيهم دنيْ مَنْ يغدو، ويروح عليه خمسة عشر ألف خادم ليس منهم خادمٍ إلَّا ومعه طرفة ليس مع صاحبه" (٣). وقد نبه غيرُ واحدٍ من العلماء في مثل هذه الأحاديث على تقدير لفظة "من" أي: إنَّ مِنْ أدنى أهل الجنَّةِ كيت، وكيت، وكذا أحب العمل إلى الله كذا، وأحب العمل إلى الله كذا أي: إن من أحب العمل إلى الله، وبهذا يزول أشكلة كثيرة في أبواب كثيرة من الحديث والله تعالى أعلم. فصل وأما نساؤهم، وسراريهم فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَةَرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥]. والأزواج: جمع زوج، والمرأة: زوج الرجل، وهو زوجها، هذا الأفصح، وهي لغة قريش وبها نزل القرآن كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ومِنَ العربِ مَنْ يقول: زوجة، وهو نادر، والمطهرة: التي طهرت من الحيض، والبول، والنفاس، والغائط، والمخاط، والبصاق، وكل قذر، وطهر لسانها من الفحش،

стр. 1164

والبذاء، ونظرها من طمح عينها إلى غير زوجها، وكذلك خلقت حواء فلما اقترفت ما اقترفت قال سبحانه: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] "إنَّي خلقتك مطهرة، وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة" (١) يعني لما خصفت عليها من ورق الشجرة، وهي التين فأدمتها كذا قيل، وهو في "العرائس" للثعلبي وفي "منظومة ابن العماد" التي جمع فيها الأنبياء على [حكم] (٢) ما قاله القرطبي في "تذكرته": إن أوّل مَنْ حاض بنات يعقوب ﵇ (٣) قال في منظومته: وأرسل الحيض على البنات ... من نسل يعقوب عن الثقات ولم أره لغيره وعندي فيه بعد لقوله تعالى في حكايته عن [الست] (٤) سارة: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١]، أي: حاضت والله تعالى أعلم. وقال جل شأنه: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى

стр. 1165

وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾ [الدخان: ٥٤ - ٥٦]. والحور: جمع حوراء وهي المرأة الشَّابة الحسناء الجميلة البيضاء شديدة سواد العين، وقال زيدُ بن أسلم: هي التي يحار فيها الطرف والعينُ حسان الأعين وقال مجاهد: هي التي يحار فيها الطرف من رقةِ الجلدِ، وصفاء اللون. وقال الحسن: هي شديدة بياض العين شديدة سوادها. واختلف في اشتقاقِ هذه اللفظة فقال ابن عباس: الحور في كلامِ العربِ: البيض. وكذا قال قتادة. وقال مقاتل: الحور: البيض الوجوه. وكلام مجاهد يدل على أنَّ اللفظة مشتقة، من الحيرة، وردَّه الإمامُ "المحقق"، وقال: بل أصل الحور: البياض، والتحوير: التبييض، ومنه الحواريون أي: القصارون. والصحيح: أنَّ الحورَ مأخوذ من الحَوَرِ في العين، وهو شدة بياضها مع قوةِ سوادها فهو متضمن لأمرين كما في "الصحاح" (١). وقال أبو عمرو: الحورُ أنْ تسودَّ العين كلَّها مِثْلُ أعين الظِّباء والبقر، وليس في بني آدم حور، وإنَّما قيل للنساء حور العيون؛ لأنهنَّ شُبِّهْنَ بالظباء والبقرِ. وقال الأصمعي: ما أدري ما الحَوَرُ في العينِ. قال في "حادي الأرواح" (٢): أهل اللغة قالوا: الحور في العين معنى يلتئم مِنْ حسن البياض والسوادِ وتناسبهما، واكتساب كلّ واحدٍ الحسن من الآخرِ، وعين حوراء إذا اشتدَّ بياضُ بياضها، وسوادُ سوادها، ولا تسمَّى المرأة حوراء حتَّى يكون مع حَوَرِ عينها بياض لون جسدها.

стр. 1166

وَالعِينُ: جمع عيناء، وهي العظيمة العين من النساء، ورجل أعين إذا كان ضخم العين، وامرأة عيناء، والجمع عين قال: والصحيح: أنَّ العين اللاتي جمعتْ أعينهن صفات الحسن والملاحة. لطيفة: ذكرَ في "حادي الأرواح" (١) أنَّه يستحب الضيق في المرأة في أربعةِ مواضع: فمها، وخرق أذنها، وأنفها، وما هناك وتستحب السعة منها في أربعةٍ أيضًا: وجهها، وصدرها، وكاهلها - وهو ما بين كتفيها - وجبهتها ويستحب البياض منها في أربعةٍ: لونها، وفرقها، وثغرها، وبياض عينها. ويستحب السواد منها في أربعةٍ: عينها، وحاجبها، وهدبها، وشعرها. ويستحب الطول منها في أربعة أيضًا: قوامها، وعنقها، وشعرها، وثيابها. ويستحب القصر منها في أربعة: (وهي معنوية): لسانها، ويدها، ورجلها، وعينها. فتكون قاصرة الطرفِ، قصيرة الرجل واللسان عن الخروج، وكثرة الكلام، قصيرة اليد عن تناول ما يكره الزوج، وعن بذله، وتستحب الدقة منها في أربعة: خصرها، وفرقها، وحاجبها، وأنفها. وقال سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾ [ص: ٥٢] فالأتراب: جمع ترب وهو لذة الإنسان. وقال: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾ [الرحمن: ٧٤]، أي: لم يمسهن، قاله أبو عبيدة، ويونس، وقال الفرَّاء الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية،

стр. 1167

والطمث هو الدم يقال: طمثت الجارية إذا افترعتها، وبيت الفرزدق يدلَّ لِمَا قاله أبو عبيدة: خرجن إليَّ لم يطمثهن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام أي: لم يمسهن قبلي أحد، قال المفسرون لم يطأهن، ولم يغشهن، ولم يجامعهن هذه ألفاظهم. والله تعالى أعلم. وقال تعالى في وصفهن: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢]، المقصورات: المحبوسات. قال أبو عبيدة: خدرت في الخيام. قال في "حادي الأرواح" (١): وفيه معنى آخر: وهو أنْ يكونَ المراد أنهنَّ محبوسات على أزواجهن لا يردن غيرهم وهم في الخيام وهذا معنى قول من قال: قصرن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، ولا يطمحن إلى مَنْ سواهم، ذكره الفراء. قال المحقق: قلت: هذا معنى قاصرات الطرف لكن أولئك قاصرات بأنفسهن، وهؤلاء مقصورات وقوله: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ على هذا القول صفة لجواريٍ هن في الخيام، وليس معمولًا لمقصورات وكأن أرباب هذا القول فروا من كونهن محبوسات، والحبس عذاب والجواب: أنَّه سبحانه وصفهن بأنَهنَّ مخدرات لا يخرجن مِنْ خدورهن، ولا يلزم من هذا أنّهنَّ لا يفارقن الخيام إلى الغرف والبساتين، ألا ترى أن نساءَ ملوك الدُّنيا وذويهم من

стр. 1168

المخدرات المصونات قد يخرجن في بعضِ الأوقات لنحو منتزه؟ والله تعالى أعلم. وقال تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠]. فالخيرات: جمع خيرة، وهي مخففة من خيرة كسيدة ولينة، وحسان جمع حسنة فهن خيرات الصفات والأخلاق حسان الوجوه. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٨]: الضمير عائد للنساء الدال عليهن الفرش على أنَّه قيل في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ [الواقعة: ٣٤]: كناية عن النساء، لكن قوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ يأباه كما نبّه عليه المحقق إلَّا أن يقال: رفعة القدر، وصوّب في "حادي الأرواح" (١): أنَّ الفرش على حقيقتها ودلت على النساء؛ لأنها محلهن غالبًا. قال قتادة، وابن جبير في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾ أي: خلقناهن خلقًا جديدًا (٢). وقال ابن عباسٍ: يريد إنشاء الآدميات. وقال الكلبي ومقاتل: يعني: نساء أهل الدُّنيا العجز الشمط، بقوله تعالى: خلقهن بعد الكبر والهرم بعد الخلق الأول في الدنيا ويؤيده حديث عائشة ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخل عليها وعندها عجوز، فقال: "منْ هذه؟ " قالت: خالتي قال: "إنه لا يدخل الجنَّة العجز" فدخل العجوز من ذلك ما شاء الله، فقال ﷺ : ﴿إِنَّا

стр. 1169

أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾ خلقًا آخر يحشرون يوم القيامةِ عراة حفاة غرلًا، وأول من يكسى إبراهيم خليل الرحمن". ثُمَ قرأ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾ (١) وذكر مقاتل أن المراد بهنَّ الحور العين، اختاره الزجاج أي: أنشأهن سبحانه لأوليائه لم تقع عليهن ولادة (٢)، وظاهر كلام "المحقق" الميل إلى هذا، وأنَّ الحديث لا يدل على أختصاص العجائز المذكورات بهذا الوصف، بل يدل على مشاركتهن للحور العين في هذه الصفات المذكورة فلا يتوهم (٣) أنفراد الحور العين بذلك، نعم هنّ أحق بذلك منهن، فالإنشاء واقع على الصنفين. وقوله: ﴿عُرُبًا﴾ جمع عروب وهنَّ: المحببات إلى أزواجهن. قال أبو عبيدة: العروبة: الحسنة التبعل. قال في "حادي الأرواح" (٤): يريد حسن موافقتها، وملاطفتها لزوجها عند الجماع. وقال المبرد: هي العاشقة لزوجها، وأنشد لبيد في ذلك: وفي الخروج عروب غير فاحشة ... ريا الراودف يغشى دونها البصر وقيل: هي الغنجة وهي لغة المدينة. قال في "حادي الأرواح" (٥): جَمَع سبحانه بين حسن صورتها، وحسن عشرتها، وهذا غاية ما يطلب من النساء وبه تكمل لذة الرجل بالمرأة التي لم يطأها سواه.

стр. 1170

وقال تعالى: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾ [النبأ: ٣٣]، فالكواعب: جمع كاعب أي: الناهد، قاله قتادة، ومجاهد (١)، والمفسرون والمراد: ثديهن نواهد، كالرمان ليست متدليةً إلى أسفل، ويسمين نواهد. وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ مرفوعًا: "لغَدْوَة في سبيل الله أو روحة خير مِنَ الدُّنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده، - (يعني سوطه) - من الجنَّة خير من الدُّنيا وما فيها، ولو اطَّلعت امرأة من نساء أهل الجنَّةِ إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحًا ولأضاءت ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" (٢). تقدَّم أنَّ النصيف هو: الخمار. وفي المسند (٣) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "للرجل من أهل الجنَّةِ زوجتان من حور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب". وأخرج الطبراني (٤) عن أم سلمة ﵂ قالتْ: قلت: يا رسُولَ الله، أخبرني عن قول الله : ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ٢٢] قال:

стр. 1171

"حور بيض عِين ضخام العيون شعر (١) الحوراء بمنزلة جناح النسر" قلت: أخبرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ [الرحمن: ٥٨]. قال: "صفاؤهن كصفاء الدّرّ الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي" قلت: أخبرني عن قوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠] قال: "خيرات الأخلاق حسان الوجوه" قلت: يا رسُولَ الله، أخبرني عن قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ [الصافات: ٤٩]، قال: "رقتهن كرقة الجلدة الذي رأيته في داخل البيضة مما يلي القشر - وهو - الغرقئ" قلت: يا رسُولَ الله، أخبرني عن قوله : ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة: ٣٧]، قال: "هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصاء شمطاء خلقهن الله تعالى بعد الكبرِ فجعلهن عذارى عربًا متعشقات محببات أترابًا على ميلادٍ واحدًا". قلت: يا رسُولَ الله، نساء الدُّنيا أفضل أم الحور العين قال: "بل نساء الدنيا أفضل مِنَ الحورِ كفضل الظهارة على البطانة". قلت: يا رسُولَ الله ومما ذلك؟ قال: "بصلاتهنَ، وصيامهن، وعبادتهن الله، ألبسَ الله وجوههن النَّور، وأجسادهن الحرير، بيض الألوان، خضر الثياب، صفر الحلي، مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب يقلن: نحن الخالدات فلا نموت أبدًا، ونحن الناعامات فلا نبأس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا طوبى لمن كنَّا له وكان لنا" قلت: يا رسُولَ الله، إنَّ المرأة منا تتزوج زوجين، والثلاثة، والأربعة، ثُمَّ تموت فتدخل الجنَّة، ويدخلون معها مَنْ يكون

стр. 1172

زوجها؟ قال: "يا أم سلمة إنَّها تخير فتختار أحسنهم خلقًا فتقول: أي رب إنَّ هذا كان أحسنهم معي خلقًا في دارِ الدنيا فزوجنيه، يا أم سلمة، ذهبَ حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة". قال في "حادي الأرواح" (١): تفرد به سليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، ثُمَّ ساق هذا الحديث من طريقه قال: ولا يعرف إلَّا بهذا السند. قلت: وقد ورد خلافه فعن حذيفة أنَّه قال لأمامة: إنْ سرَّكِ أن تكوني زوجتي في الجنَّة إن جمعنا الله فيها فلا تتزوجي منْ بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها (٢). خطب معاوية (٣) أم الدرداء فأبت، وقالت سمعت أبا الدرداء يحدث عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "المرأة لآخر أزواجها في الآخرة". وقال لي: إنْ أردتِ أن تكوني زوجتي في الآخرة فلا تتزوجي من بعدي. والله أعلم. وأخرج أبو يعلي الموصلي عن أبي هريرة ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم،

стр. 1173

ومساكنكم من أهل الجنَّةِ بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل الرجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة سبعين مما ينشئ الله، وثنتين مِنْ ولدِ آدم لهما فضل على من أنشأ الله تعالى بعبادتهما في الدنيا يدخل على الأولى منهما في غرفةٍ مِنْ ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ، عليه سبعون زوجًا من سندس وإستبرق، وإنَّه ليضع يده على كتفيها، ثُمَّ ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها، وجلدها، ولحمها، وإنَّه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبده لها مرآة، وكبدها له مرآة فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله لا يأتيها من مرة إلَّا وجدها عذراء ما يفتر ذكره، ولا تشتكي قبلها فبينما هو كذلك إذْ نودي إنَّا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل، إلَّا أنه لا مني، ولا منية إلَّا أن تكون له أزواج غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلَّما جاء واحدةً قالت: والله ما في الجنَّة شيء أحسن منك، وما في الجنَّة شيء أحب إليَّ منك" (١). قال في "حادي الأرواح" (٢): وهذا قطعة من حديث الصورِ الذي تفرد به" إسماعيل بن رافع، وقد روى له الترمذي، وابن ماجة وضعفه الإمام أحمد، ويحيى، وجماعة (٣). وقال الدارقطني، وغيره:

стр. 1174

متروك (١). وقال ابن عُدي: عامة أحاديثه فيها نظر (٢). وقال الترمذي: يضعفه بعضُ أهل العلمِ وسمعت محمدًا (يعني البخاري) يقول: هو ثقة مقارب الحديث (٣). قال المحقق: وقال شيخنا أبو الحجاج: هذا الحديث مجموع مِنْ عدة أحاديث ساقه إسماعيل، وغيره هذه السياقة، وشرحه الوليدُ بن مسلم (٤) في كتاب مفرد وما تضمنه معروف في الأحاديث. انتهى كلامه. وفي صحيح ابن حبان (٥) عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ [الرحمن: ٥٨] قال: "ينظر

стр. 1175

إلى وجهه في خدها أصفى مِنَ المرآة، وإنَّ أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنَّه ليكون لها سبعون ثوبًا ينفذها بصره حتَّى يرى مخ ساقها من وراء ذلك". وأخرج الترمذي وصححه، والبزار عن أنس ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "يزوج العبد في الجنَّة سبعين زوجة" قيل: يا رسُولَ الله أيطيقها؟ قال: "يعطى قوة مائة" (١). وأخرج الإمام أحمد، والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إن أدنَى أهل الجنَّةِ منزلةً الذي له ثمانون ألف خادم، واثنان وسبعون زوجة، وينصب له قبة من لؤلؤ، وياقوت، وزبرجد كما بين الجابية وصنعاء" (٢). وأخرج البيهقي (٣) عن عبد الله بن أبي أوفى مرفوعًا قال: "إنَّ الرجلَ من أهل الجنَّةِ ليتزوج خمسمائة حوراء، وأربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف ثيب يعانق كلّ واحدةِ منهنَّ مقدار عمره من الدُّنيا" ثُمَّ أخرجه عن عبد الرحمن بن سابط موقوفًا عليه، وصححه. وأخرج أبو نعيم في "صفةِ الجنَّة"، وأبو الشيخ عن ابن أبي أوفى

стр. 1176

رضي الله عنه مرفوعًا قال: "يزوج كلَّ رجلٍ مِنْ أهل الجنَّةِ بأربعةِ آلاف بكر، وثمانية آلاف أيم، ومائة حوراء فيجتمعن في كل سبعةِ أيامٍ فيقلن بأصوات حسان لم يسمع (١) الخلائقُ بمثلهن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن النَّاعمات فلا نبأس، ونحن الرَاضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن طوبى لمَنْ كان لنا وكنَّا له" (٢). وأخرج الطبراني (٣) في الأوسط عن أنس ﵁ قال: حدَّثني رسول الله ﷺ قال: "حدثني جبريل ﵇ قال: يدخل الرَّجل على الحوراء فتستقبله بالمعانقة والمصافحة" قال رسول الله ﷺ : "فبأي بنان تعاطيه لو أنَّ بعض بنانها بدا لغلب ضوؤه ضوء الشَّمسِ والقمر، ولو أنَّ طاقة مِنْ شعرها بدت لملأت ما بين المشرقِ والمغرب منْ طيب ريحها، فبينما هو متكئ معها على أريكة إذْ أشرفَ عليه نور من فوقه فيظن أنَّ الله قدْ أشرفَ على خلقه فإذا حوراء تناديه: يا ولي الله، أمَا لنا فيكَ مِنْ دولة؟ فيقول: مَنْ أنت يا هذه؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ فيتحول عندها فإذا عندها من الجمال، والكمالِ

стр. 1177

ما ليس مع الأولى فبينما هو متكئ على أريكته إذْ أشرفَ عليه نور من فوقه فإذا حوراء أخرى تناديه: يا ولي الله، أما لنا فيك من دولة؟ فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، فلا يزال يتحول من زوجة إلى زوجة". وعن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: "ما من عبد يدخل الجنَّة إلَّا ويزوج ثنتين وسبعين زوجة: ثنتان من الحور العين، وسبعون من أهل ميراثه من أهل الدُّنيا ليس منهنَّ امرأة إلَّا ولها قبل شهي، وله ذكر لا ينثني" (١). وأخرج أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "للمؤمن في الجنَّة ثلاث وسبعون زوجة" فقلنا: يا رسُولَ الله أوله قوة ذلك؟ قال: "إنه ليعطى قوة مائة" (٢). وأخرج الطبراني (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسُولَ الله، هل نصل إلى نسائنا في الجنَّة؟ فقال: "إنَّ الرَّجلَ ليصل في اليوم إلى مائة عذراء". قال محمدُ بن عبدِ الواحد المقدسي: رجال هذا الحديث عندي على شرط الصحيح.

стр. 1178

وأخرجَ أبو الشيخ عن ابن عباس ﵄ قال: قيل: يا رسُولَ الله أنفضي إلى نسائنا في الجنَّة كما نفضي إليهنَّ في الدُّنيا؟ قال: "والذي نفس محمد بيده إن الرَّجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء" (١). قلت: ذكر هذه الأحاديث الإمام المحقق في "حادي الأرواح" (٢) بأسانيدها، وتكلم على رجالها، وفي الجملة هي أحاديث مقبولة، وإن تكلم في رجالها والله تعالى أعلم أنّ كثرتها معْ تباين طرقها يدلُّ على ثبوتها، وليستْ موضوعة جزمًا. ثمَّ قال في "حادي الأرواح" (٣) عقب ذكرها: والأحاديث الصَّحيحة إنَّما فيها أنَّ لكل منهم زوجتين، وليس في الصحيحِ زيادة على ذلك فإنْ كانت هذه الأحاديث محفوظة فإمَّا أن يرادَ بها ما لكلِّ واحد من السراري زيادة على الزوجتين، ويكونون في ذلك على حسب منازلهم في القلةِ والكثرة كالخدم والولدان، وإمَّا أنْ يرادَ أنَّه يعطى المؤمن قوة من يجامع هذا العدد، ويكون هذا هو المحفوظ، ورواه بعض هؤلاء بالمعنى فقال: له كذا وكذا زوجة. وقد روى الترمذي (٤) عن أنس ﵁ يعطى المؤمن قوة كذا وكذا من الجماع.

стр. 1179

قلت: والأوّل أظهر، ولا ينبغي أن يظن بأئمة الحديث النقاد الحفاظ أنْ يسري إليهم هذا الوهم في جملة هذه الأحاديث سيما وقد علمت أنَّ الحفاظَ نصوا على تصحيح بعضها، ولا ريب أنَّ للمؤمن أكثر من ثنتين في الجنَّة جزمًا لِمَا في الصَّحيحين مِنْ حديث عبد الله بن قيس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ للعبدِ المؤمن في الجنَّة لخيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلًا للعبد المؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضًا" (١). تنبيه: الظاهر أن حديث أبي أمامة مقلوب وأنَّ الاثنتين من نساء الدُّنيا والسبعين مِنَ الحور العين والله تعالى أعلم. فصل وأمَّا المادة التي خلق منها الحور العين فقد روى البيهقي عن أنسٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "الحور العين خلقن من الزعفران" قال (٢) البيهقي: "منكر".

стр. 1180

قال المحقق: لكن فيه شعبة. أي: وشعبة لا يروي المناكير. وأخرج الطبراني (١) عن أبي أمامة مرفوعًا: "خلق الحور العين من الزعفران". قال الطبراني: تفرد به على بن الحسين بن هارون. قال المحقق: وروي عن مجاهد موقوفًا وهو أشبه بالصَّواب من طريق أوقفه على ابن عباس قال المحقق: لا يصح رفعه، وحسبه أنْ يصلَ إلى ابن عباس. أي: يكفيه ذلك لجلالة قدر ابن عباس ﵄ وفخامة شأنه (٢). وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: "إنَّ لولي الله في الجنَّة عروسًا لم يلدها آدم، ولا حواء ولكن خلقتْ مِنَ الزعفران". وهذا مروي عن صحابيين: وهما أنس، وابن عباس (٣) ﵄، وعن تابعيين وهما: أبو سلمة، ومجاهد، [قاله] (٤) المحقق، قال: وبكلِّ حال فهن من المنشآت في الجنَّة ليس مولودات من الآباء والأمهات ورواه أبو نعيم عن أنس يرفعه: "لو أنَّ حوراء بصقت في سبعة أبحر لعذبت البحار من عذوبة فمها، وخلق الحور العين من الزعفران" (٥).

стр. 1181

قال في "حادي الأرواح" (١): وإذا كانت هذه الخلقة التي هي من أحسن الصور، وأجملها مادتها من تراب وجاءت الصورة من أحسن الصور فما الظن بصورة مخلوقة مِنْ مادة الزعفران الذي هناك؟! فالله المستعان. وأخرجَ أبو نعيم عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سطع نور في الجنَّة فرفعوا رؤوسهم فإذا هو مِنْ ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها" (٢) وإلى هذا أشار من قال: فلو أن حوراء الدّياجي تبسمت ... لجلا دجى الظلماء في الأرض نورها ولو مزج الماء الأجاج بريقها ... لأصبح عذبًا سلسبيلًا بخورها قال في "حادي الأرواح" (٣): عن كثير بن مرة قال: إن من المزيد أنْ تمر السحابة بأهل الجنَّةِ فتقول: فماذا تريدون أنْ أمطركم؟ فلا يتمنون شيئًا إلَّا مطروا قال: يقول كثير: لئن أشهدني الله ذلك لأقولن أمطرينا جواري مزينات (٤). وأخرج ابن أبي الدُّنيا (٥) عن ابن عباس ﵄: "إنَّ في الجنَّة نهرًا يقال له البيذخ عليه قباب من ياقوت تحته جوارٍ ناشئات

стр. 1182

يقول أهلُ الجنَّة: انطلقوا بنا إلى البيذخ، فيجيئون، فيتصفحون تلك الجواري فإذا أعجب رجلًا منهن جارية مس معصمها فتتبعه". وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس ﵄ قال: كنا جلوسًا مع كعب يومًا فقال: لو أن يدًا من الحوراء أدُليت مِنَ السَّماء لأضاءت لها الأرض كما تضيء الشمس لأهل الدنيا قال: إنَّما قلت: يدها فكيف بالوجه في بياضه، وحسنه، وجماله؟ (١). وأخرج الإمام أحمد (٢) عن معاذ بن جبل ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدُّنيا إلَّا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فإنَّما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا". وفي مراسيل عكرمة (٣) عن النَّبِيّ ﷺ : "إنَّ الحور العين لأكثر منكن عددًا يدعون لأزواجهنَّ يقلن اللهم أعنه على دينك، وأقبل بقلبه على طاعتك، وبلغه [معرفتك] يا أرحم الراحمين". ذكره ابن أبي الدنيا. وفي "حادي الأرواح" (٤) عن ابن مسعود ﵁: "إنَّ في الجنَّة حوراء يقال لها: اللعبة كلّ حور الجنان يعجبن بها يضربن بأيديهن على كتفها، ويقلن: طوبى لك يا لعبة لو يعلم الطالبون لك لجدوا بين

стр. 1183

عينيها مكتوب من كان يبتغي أن يكون له مثلي فليعمل برضا ربِّي". وقال الحضرمي (١): نمتُ أنا، وأبو حمزة على سطح فجعلت أنظر إليه يتقلب على فراشه إلى الصباح فقلت يا أبا حمزة ما رقدت الليلة. فقال: إني لمَّا اضطجعت تمثلتْ لي حوراء حتى كأني أحسست بجلدها قدْ مس جلدي فحدثت به أبا سليمان، فقال: هذا رجل كانَ مشتاقًا يعني: والشوق لا يزال بصاحبه حتى يريه مطلوبه، وبمثل له محبوبه كما قال عتبة: أراكم بقلبي مِنْ مكان بعيدة ... فيا هل تروني بالفؤاد على بعد فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي ولست ألذّ العيشَ حتَّى أراكم ... ولو كنت في الفردوس في جنة الخلدِ وقال غيره: خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثني جعفر بن محمد قال: لقي حكيم حكيمًا فقال: أتشتاق للحور العين؟ فقال: لا. قال (٢): فاشتق إليهنَّ فإنَّ نور وجههن من نورِ الله فغشى عليه، فحمل إلى منزله فجعلنا نعوده شهرًا. وقال ابن أبي الحواري (٢): سمعت أبا سليمان يقول: ينشأ خلق الحور العين إنشاء فإذا تكامل خلقهن ضربت عليهن الملائكة الخيام.

стр. 1184

وذكر ابن أبي الدنيا (١) عن صالح المري عن يزيد الرقاشي قال: بلغني أنَّ نورًا سطعَ في الجنَّة لم يبق موضع من الجنَّة إلَّا دخل من ذلك فيه، فقيل ما هذا؟ قيل: حوراء ضحكت في وجه زوجها قال صالح: فشهق رجل مِن ناحية المجلس فلم يزل يشهق حتى مات فنسأل الله سبحانه أنْ يرزقنا منهنَّ ما تقرّ به العيون، وتنشرح به الصدور بمنه، وكرمه. فصل وأمَّا نكاحهم، ووطؤهم، والتذاذهم فقد قال ﷺ : "إنَّ الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء" إسناده صحيح (٢). وأخرج ابن وهب عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: يا رسُولَ الله صلى الله عليك وسلم أنطأ في الجنَّة؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده (٣) دَحمًا دَخمًا فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرًا" ورواه الطبراني (٤) عن أبي أمامة بلفظ: سئل رسول الله ﷺ هل يتناكح أهل الجنَّة؟ قال:

стр. 1185

"بذكر لا يمل، وشهوة لا تنقطع دحما دحما" وفي رواية زيادة: "ولكن لامني ولا منية" (١) أي: لا إنزال، ولا موت. وأخرجَ الحاكم عن الأوزاعي في قوله تعالى ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ [يس: ٥٥]، قال: شغلهم افتضاض الأبكار (٢). وقال مقاتل: شغلوا بافتضاض الأبكار عن أهل النار فلا يذكرونهم، ولا يهتمون لهم وكذا قال ابن عباس، وغيره من المفسرين (٣). وأخرج ابن أبي الدنيا عن سعيد بن جبير: إنَّ شهوته لتجري في جسده سبعين عامًا يجد اللذة (٤) ولا يلحقهم بذلك جنابة فيحتاجون إلى التطهير، ولا ضعف، ولا انحلال قوة بل وطئهم وطئ التذاذ نعيم لا آفة فيه بوجه من الوجوه، وأكمل الناس فيه لذة أصونهم (٥) لنفسه في هذه الدار عن الحرام فكما أنَّ من شربَ الخمرَ في الدُنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبسَ الحريرَ في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومنْ أكل في صحافِ الذَّهب والفضة في الدنُّيا لم يأكل فيها في الآخرة كما قال

стр. 1186

النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّهَا لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" فمن استوفي طيباته، والتذاذاته واذهبها في هذه الدار المضمحلة حرمها هناك (١). كما نفي عمَّن أذهب طيباته في الدُّنيا، واستمتع بها النعيم ثم واللذة وأذاقهم عذاب الهون في الدنيا والآخرة ككفتي الميزان ما زيد في إحداهما كان نقصًا، وبخسًا من الأخرى، ولهذا كانت الصحابة ﵃، ومن تبعهم يخافون من ذلك أشد الخوف. وذكر الإمام أحمد طيب الله ثراه عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه رآه الإمام عمر ﵁، ومعه لحم قد اشتراه لأهلهِ فقال: ما هذا؟ قال: لحم اشتريته لأهلي بدرهم فقال: أوكلما اشتهى أحدكم شيئًا اشتراه أمَا سمعتَ الله تعالى يقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] (٢). وأخرج الإمام أحمد قدَّس الله روحه قال: قدم وفد أهل البصرة مع أبي موسى ﵁ على عمر - رضوان الله عليه - قال بعضُ الوفدِ فكنا ندخل عليه كلّ يوم وله خبز ثلاثة ربمَّا وافقناها مأدومة بالسمن، وربما وافقناها مأدومة بالزيت، وربما وافقناها مأدومة باللبن، وربما وافقنا القدائد اليابسة قد دقت ثُمَّ أغلابها، وربما وافقنا

стр. 1187

اللحم العريض وهو قليل، فقال ذات يوم: إنَّي والله قد أدى تعذيركم، وكراهتكم لطعامي إنِّي والله لو تشيئت (١) لكنت من ألينكم طعامًا، وأرقكم عيشًا، ولكني سمعت الله (٢) عير قومًا بأمرِ فعلوه، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾. فمن تركَ اللذةَ المحرمةَ استوفاها يومَ القيامةِ أكمل ما تكون، ومن استوفاها هاهنا حرمها ثَم أو نْقِص كمالها فلا يجعل الله لذة من عكف على معاصيه، ومحارمه كلذة من ترك شهوته لله أبدًا. قلت: وبالجملة كلّ من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، أو عوّضه ذلك الشيء بنفسه (٣) على وجه مباح شرير. وقد حكى الإمام الحافظ ناصر السنة أبو الفرج ابن الجوزي طيَّب الله ثراه في كتاب "التبصرة" عن بعض السلف قال: كان لنا جار من المتعبّدين قد برز في الاجتهاد فصلىَّ حتَّى تورمتْ قدماه، وبكى حتَّى مرضت عيناه، فاشترى جاريةً وكانت تحسن الغناء وهو لا يعلم فبينا هو في محرابه رفعتْ صوتها بالغناء، فطار لبّه، ورام ما هو عليه من التعبد فلم يقدر عليه فقالتْ له الجارية: يا مولاي لقد أبليت شبابكَ، ورفضت لذات الدُّنيا في أيام حياتك فلو تمتعت بي

стр. 1188

فمال إلى قولها، وترك التعبد، واشتغلَ بفنون اللذات، فبلغ ذلك أخًا له كان يوافقه في العبادةِ فكتب إليه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنَ الناصح الشَّفيق، والطبيب الرفيق (١) إلى مَنْ سلب حلاوة الذكر، والتلذذ بالقرآن بلغني أنكَ اشتريت قينة بعْت بها حظك من الآخرة فإنْ كنتَ بعت الجزيل بالقليل، والقرآن بالقيان فإنِّي محذرك هاذم اللذات، ومنغص الشهوات فكأنه قد جاءك على غرة فأبكم منك اللسان، وهدم منك الأركان وقرَّب منك الأكفان، واحتوشك الأهل والجيران، وأحذرك من الصَّيحة إذا جثت الأمم لملك جبار. ثمَّ طوى الكتاب، وبعثه إليه، فوافاه وهو على مجلس سروره فأذهله، وأغصه بريقه فنهض من مجلسه، وعاد إلى اجتهاده حتَّى مات فقال الذي وعظه فرأيته في المنامِ بعد ثلاث فقلت ما فعل الله بك، فقال شعر: الله عوضني ذو العرش جارية ... حوراء تغنيني طورًا وتسقيني تقول لي اشرب بما قد كنت تأملني ... وقر عينًا مع الولدان والعين يا مَنْ تخلَّى عن الدُّنيا وأزعجه ... عن الخطايا وعيد في الطواسين وقد ذكرت لهذا يعنى مَنْ ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه بابا في مجموعي "نديم الندماء" وذكرت ثَمَ أشياء توفي بالمراد فعلى العاقل أن

стр. 1189

يستدركَ ما فاتَ مِنَ الهفوات، وأنْ ينخلعَ عن المساوئ، والآفات، وأن لا ينهمك في زخارف الدُّنيا الدنية، واللذات فإنَّ ذلك يجلب الندامة، ويورث المهالك، والعاهات يومَ القيامة هذا وباب التوبة مفتوح لمَنْ طلبه والمولى صفوح لمن تركَ مِنْ أجله ذنبه شعر: مولاي جئتك والرجاء ... قد استجار بحسن ظني أبغي فواضلك التي ... تمحو بها ما كان مني فانظر إليَّ بحق لطـ ... ـفك يا إلهي واعف عني لا تخزني يومَ المعا ... دِ بما جنيت ولا تهني (١)

стр. 1190

فصل وأمَّا اختلاف الناس هل في الجنَّة حمل أم لا؟ فقدْ أخْرجَ الترمذي في جامعِه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن إذا اشتهى الولدَ في الجنَّة كان حمله، ووضعه، وسنه في ساعة واحدة كما يشتهي" قال الترمذي: حسن غريب (١). وقد اختلف أهلُ العلمِ في هذا فقال بعضهم: في الجنَّة جماع، ولا يكون ولد هكذا روي عن طاووس، ومجاهد، وإبراهيم النخعي: وقال البخاري: قال إسحق بنُ إبراهيم في حديث النَّبِيّ ﷺ "إذا اشتهى المؤمنُ الولد في الجنَّة كان في ساعة كما يشتهي ولكن لا يشتهي" وقد روي عن أبي رزين العقيلي، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّ أهل الجنَّةِ لا يكون لهم ولد" (٢) انتهى كلام الترمذي. قال في "حادي الأرواح" (٣): قلت إسناد حديث أبي سعيد على شرط الصحيح فرجاله يحتج بهم فيه، ولكنه غريب جدًا، وتأويل إسحق فيه نظر فإنَّه قال: "إذا اشتهى المؤمن" فإذا للمتحقق الوقوع، ولو أريد ما ذكره من المعنى لقال: "لو اشتهى المؤمن الولد لكان حمله في ساعة" فإن ما لا يكون أحق بأداة (لو) كما أنَّ المحقق الوقوع أحق بأداة (إذا).

стр. 1191

وقد أخرج أبو نعيم عن أبي سعيد ﵁ قيل: يا رسُولَ الله أيولد لأهل الجنَّةِ فإن الولد مِنْ تمام السّرور؟ فقال: "نعم والذي نفسي بيده وما هو إلَّا كقدر ما يتمنى أحدكم فيكون حمله، ورضاعه، وشبابه" وأخرج في "حادي الأرواح" (١) بسنده عنه نحوه إلَّا أنه قال: "فيكون حمله، وفصاله، وشبابه في ساعةٍ واحدةٍ" ورواه الحاكم وهو ضعيف كما قال البيهقي (٢). وفي حديث لقيط الطويل (٣) قلت: يا رسُولَ الله ولنا فيها (يعني الجنَّة) أزواج أو منهن مصلحات؟ قال: "الصالحات للصالحين تلذذونهن مثلُ لذاتكم في الدُّنيا، ويلذدنكم غير أن لا توالد". قال لقيط: أقصى ما نحن بالغون، ومشتهون إليه، فلم يجبه النَّبِيّ ﷺ الحديث. قال المحقق: هذا حديث كبير مشهور، وعليه مِنَ الجلالة، والمهابة، ونور النبوة ما ينادي على صحته. وقال في (الهدي) (٤) بعد سياقه حديث الوفد من أوله هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته، وفخامته، وعظمته على أنَّه قَدْ خرجَ مِنْ مشكاة النّبوة لا يعرف إلَّا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما مِنْ كبارِ علماء المدينة ثقتان محتج بهما في

стр. 1192

الصَّحيح احتج بهما إمامُ أهل الحديثِ محمد بن إسماعيل البخاري، ورواه أئمة السنة في كتبهم، وتلقونه بالقبول، وقابلوه بالتسليم، والانقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحدٍ مِنْ رواته فممن رواه الإمامُ بن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه، وفي كتاب السنة، والحافظ الجليل أبو بكر بن عمرو، والحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم، والحافظ الطبراني، والحافظ أبو عبد الله بن محمد بن حبان وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة، والحافظ بن الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحق بن مندة حافظ أصبهان والحافظ ابن مردوية، والحافظ أبو نعيم، وجماعة من الحفاظ. ثم قال: ولا ينكر هذا الحديث إلَّا جاحد، أو جاهل، أو مخالف للكتاب والسنة هذا كلام أبي عبد الله بن مندة رحمه الله تعالى. قلت: وأنا أذكر الحديث بطوله أجمل به مجموعي هذا متبركًا به ومقتديًا بهؤلاء الأعلامِ فأقول: أخرج هؤلاء الأعلام المذكورون عن عاصم بن لقيط أنَّ لقيطًا ﵁ خرجَ وافدًا إلى رسول الله ﷺ ، ومعه صاحب لهُ يقال له: نِهيكُ بن عاصم بن مالكِ قال لقيط بن عامر ﵁: خرجتُ أنا، وصاحبي حتَّى قدمنا على رسول الله ﷺ فوافيناه حين انصرفَ مِنْ صلاةِ الغداةِ فقام في الناس خطيبًا". فقال: "أيها الناس (١) ألا إنِّي قَدْ خبأتُ لكم صَوْتي منذ أربعة

стр. 1193

[أيام] [ألا لأسمعنكم] (١) (٢) ألا فهل من امرئ بعثه قومُهُ" فقالوا: اعلمْ لنا ما يقولُ رسول الله ﷺ ألا ثُمَّ أرجل، لعلَّه [أنْ] يلهيه حديثُ نفسه، أو حديثُ صاحبه، أو يلهيه الضُّلَّال ألا إنِّي مسئول: هل بلَّغت؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا ألا اجلسوا [قال] فجلس النَّاس، وقمتُ أنا، وصاحبي حتَّى إذا فرغَ لنا فؤادُهُ وبصرهُ قلت: يا رسُولَ الله ما عندك مْن علم الغيب؟ فضحك لعمرُ الله، وهزَّ رأسه، وعَلِمَ أنَّي أبتغي [لسقطة] (٣) فقال: "ضنَّ ربُّك بمفاتيح خمسٍ من الغيب لا يعلمها إلَّا الله" وأشار بيده قلت: وما هي؟ قال: "علمُ المنيَّةِ، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلمُ المني حين يكونُ في الرَّحِم [قد علمه] ولا تعلمونه، وعلم ما في غدٍ [قد علم] ما أنت طاعم غدًا ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث، يشرف عليكم آزَّلِّينِ [آزلين] مشفقين، فيظلُ يضحكُ، قدْ علم أنَّ [غيركم إلى قرب"] (٤). قال لقيط: [قلتُ] (٥): لن نعدمَ مِنْ ربِّ يضحكُ خيرًا (٦). قال: "وعلمُ

стр. 1194

يومِ الساعةِ (١) ". قلت: يا رسُولَ الله علِّمنا ممَّا تعلِّمُ الناس [وما تعلم] فإنا من قبيلٍ لا يصدق تصديقنا أحد مِنْ مذحج التي [تربأ] (٢) علينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحنُ منها. قال: "تلبثون ما لبثتم، ثُمَّ يتوفى نبيكم، ثُمَّ تلبثون ما لبثتم، ثُمَّ تُبْعّثُ الصائحة لعمر إلهكَ لا تدع على ظهرها [من شيء] (٣) إلَّا ماتَ والملائكة الذين مع ربَّك فأصبح ربك يطوف في الأرض، وخلت عليه البلادُ، فأرسلَ ربُكَ السماء تهضب (أي مطر) من عند العرشِ فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل، ولا مدفن ميتِ إلَّا شقَّت القبرَ عنه حتَى [تجلعه] (٤) من عند رأسه، فيستوي جالسًا، فيقول ربك: مهيم؟ لما كان فيه يقول: يا ربِّ أمْس اليوم وَلعَهْده بالحياة يحسَبُهُ حديثًا بأهله". فقلت: يا رسُولَ الله كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياحُ والبلى والسِّباع؟ قال: "أنَّبئك بمثل ذلك في آلاء الله؟ الأرضُ أشرفت عليها وهي مدرة بالية، فقلتَ: لا تحيى أبدًا ثُمَّ أرسل ربك عليها السَّماءَ فلم تلبث عليك إلَّا أيامًا حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة ولعَمْر إلهك لهو أقدرُ على أن يجمعهم من الماء على أن يجمعَ نباتَ الأرض فيخرجون من الأصواء من مصارعهم فتنظرون إليه، وينظر إليكم". قال: قلت: يا رسُولَ الله وكيف ونحن مِلء الأرض وهو شَخْص واحد ينظر إلينا، وننظر إليه؟ قال:

стр. 1195

"أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما، ويريانكم ساعةً واحدةً لا تضارُّون في رؤيتهما، ولعمرُ إلهكَ لهو أقدر على أن يراكم وترونه (١) [من أن ترونها ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما] ". قلت: يا رسُولَ الله فما يَفْعَلُ بنا ربُّنا إذا لقيناه؟ قال: "تعرضون عليه باديةً له صفحاتكم، لا تخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك بيده غرفة" من الماء فينضح قبيلكم (٢) بها فلعمر إلهك ما تخطئ وجه أحدِكم منها قطرة، فأمَّا [لمسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما] الكافر فتخطمه بمثل [الحميم] (٣) الأسود ألا ثُمَّ ينصرف نبيُّكّم ﷺ ويفترق على أثره الصَّالحون، فيسلكون جسرًا من النَّار، فيطأ أحدكم الجمرة فيقول: حَسِّ، يقول ربك : أوانه. ألا فتطلعون على حوض الرسول ﷺ على أظمأ - والله - ناهلة قطُّ [ما] رأيتها، فلعمر إلهك ما يبسط واحد منكم يده إلَّا وقع عليها قدح مطهرة (٤) من الطوف والبول والافك، وتحبس الشمس والقمر، فلا ترون منهما أحدًا". قال: قلت: يا رسُولَ الله فبما نبصر؟ قال: "بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك [قبل] (٥) طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرضُ
следующие страницы →