فصل
وأمَّا زروع الجنَّة فقال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١].
وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ كان يومًا يحدث، وعنده رجل من أهل البادية فقال: (يعني: النَّبيّ ﷺ ) إنَّ رجلًا من أهل الجنَّةِ استأذن ربّه في الزّرع فقال له: "أو لست فيما اشتهيت؟ فقال: بلى، ولكن أحب الزرع فأسرع، وبذر فبادر الطرف نباته، واستواؤه، واستحصَاده، وتكويره أمثال الجبالِ فيقول الله : دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء" فقال الأعرابي: يا رسُولَ الله، لا تجد هذا إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحابُ زرع، فأمَّا نحن فلسنا بأصحاب زرع فضحكَ رسول الله ﷺ (١).
قال في "حادي الأرواح" (٢): هذا يدل على أنَّ في الجنَّة زرعًا وذلك البذر منه قال: ولا أعلم ذكر الزرع في الجنَّة إلا في هذا الحديث وفي خبر إبراهيم بن [الحسين] (٣) عن أبيه، عن عكرمة "بينما رجل في الجنَّة فقال في نفسه: لو أنَّ الله يأذن لي لزرعت فلا يعلم إلا والملائكة على أبوابه فيقولون سلام عليك يقول لك ربّك: تمنيت في نفسك شيئًا
стр. 1122
فقد علمته وقد بعث معنا البذر، فيقول: ابذروا فيخرج أمثال الجبال، فيقول له الرب من فوق عرشهِ: كلّ يا ابن آدم فإنَّ ابن آدم لا يشبع".
قال في "حادي الأرواح" (١): وهذا أحسن أن تكون الأرض معمورة بالشجر والزرع.
قلت: قد مرّ أنَّ نبات الجنَّة زعفران، ومرّ أنَّ أرضها من فضة أو درمكة فكيف يقال: إنها تحرث، لكن أمور الآخرة لا تقاس على الدنيا أو يكون البذر بلا حرث لعدم التلازم بينهما كما أن أنهارها بلا أخدود والله يفعل ما يشاء، والواجب على كلّ ذي لب التسليم، والله تعالى الموفق.
стр. 1123
الباب الثامن في ذكر أنهار الجنَّة وعيونها، وطعام أهلها، وشرابهم، ومصرف ذلك وآنيتهم
قال تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] وقال تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [يونس: ٩].
فدل على أنَّ الأنهار موجودة حقيقة، وأنها جارية، وأنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا وقد ظن بعض المفسرين أنَّ معنى جريانها: أنها تجري بأمرهم وتصرفهم لها كيف شاءوا قال في "حادي الأرواح" (١): وكأن الذي حمله على ذلك أنه لمَّا سمع أنَّ أنهارها تجري في غير أخدود حمل قوله: "تجري من تحتها" أي: بأمرهم إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهذا من ضعف الفهم فإنَّ أنهار الجنَّة وإنْ جرت في غير أخدود فهي تحت القصور، والمنازل، والغرف، وتحت الأشجار وهو سبحانه لم يقل: من تحت أرضها وقد أخبر عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الأنعام: ٦] وحكى سبحانه عن فرعون قوله: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].
نكتة: ذكر الإمامُ العلامة ناصر السنة ابن الجوزي في مجلس وعظه يومًا هذه الآية فقال طيب الله ثراه: انظروا يا إخواني هذا
стр. 1124
الأحمق (يعني: فرعون) افتخر بنهر ماء أجراه ما أجرأه فانظر هذه البلاغة التي كادت تثلب الفؤاد والله تعالى يفعل ما يشاء ويختار سبحانه من منح من شاء ما شاء.
وقال : ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ [الرحمن: ٦٦] أي: فوارتان. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد قال: نضاختان بالماء، والفاكهة (١) وعن أنس ﵁: نضاختان بالمسك، والعنبر فينضخان على دور أهل الجنَّةِ كما ينضخ المطرُ على دور أهل الدنيا (٢)، وعن البراء: اللتان تجريان أفضل من النضاختين.
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥]. وذكر سبحانه هذه الأجناس الأربع ونفى عن كلّ واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا، فآفة الماء أنْ يأسن، ويأجن يعني: يتغير، وينتن من طول مكثه، فإن قيل: قد وصف سبحانه الأنهارَ بأنها تجري، ومعلوم أن الماء الجاري لا يأسن فما فائدة قوله: غير آسن؟
فالجواب: الماء الجاري وإنْ كان لا يأسن فإنه إذا [أخذ] (٣) منه شيء، وطال مكثه، أسن، وماء الجنَّة لا يعرض له ذلك، ولو طال مكثه مهما طال، واعلم أنَّ في خمر الدُّنيا آفات كثيرة، ولا كذلك خمر
стр. 1125
الجنَّة ففي خمر الدنيا الصداع، والغول والإنزاف، واللغو، وعدم اللذة فهذه خمسة آفات تغتالُ العقل، وتكثير اللغو. على شرابها، بل لا يطيب لشرابها ذلك إلا باللغو، وتنزف في نفسها وينزف المال، وتصاع الرأس، وهي كريهة المذاق، وهي رجس من عمل الشَّيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس، وتصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وتدعوا إلى الزنا، وربما دعت إلى الوقوع على البنت وعلى الأخت وذوات المحارم، وتذهب الغيرة، وتورث الخزي والندامة والفضيحة، وتلحق شرابها بانقص نوع الإنسان، يعني: المجانين، وتسلبه أحسن الأسماء والصفات يعني: العقل، وتكسوه أقبحهما، وتسهل قتل النفس، وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرة، ومؤاخاة الشياطين في تبذير المالِ، ويكفي في ذمها أنها أمّ الخبائث فهي جامعة لجميع المفاسد والمحرمات ومانعة من جميع المصالح والخيرات، على أنَّها لا تجتمع هي وخمرة الجنَّة في جوف كما ثبت ذلك عنه ﷺ أنه قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة" (١).
وجمع بين هذه الأنهار الأربع؛ لأنَّ أنهار الماء فيها ريهم ونضافتهم، وأنهار اللبن فيها قوتهم وغذاؤهم، وأنهار الخمر فيها لذتهم وسرورهم، وأنهار العسل فيها شْفاؤهم ومنفعتهم،
стр. 1126
فجمع بينها لهذه، فإنها جمعت أفضل الأشربة والله أعلم.
واعلم أنَّ أنهار الجنَّة تتفجر من أعلاها ثُمَّ تنخر نازلة إلى أقصى درجاتها كما أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيّ ﷺ أنه قال: "إنَّ في الحنَّة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنَّة، وأعلى الحنَّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنَّة" (١).
وأخرج الترمذي عن معاذ، وعبادة بن الصامت نحوه، ولفظ عبادة: "والفردوس أعلاها درجة، ومنها الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى" (٢).
وفي البخاري عن أنس ﵁ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: "رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعةِ نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان فقلت: يا جبريل ما هذا؟ فقال: النهران الباطنان ففي الجنَّة، وأمَّا النهران
стр. 1127
الظاهران فالنيل والفرات" (١).
وفيه أيضًا أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: "بينا أنا أسير في الجنَّة إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك رنك فضرب الملك يده فإذا طينه مسك أذفر" (٢) أي: شديد الرائحة، وهو بالذال المعجمة.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١] الخير الكثير. وقال أنس: نهر في الجنَّة. وقالت عائشة ﵂: هو نهر في الجنَّة ليس أحد يدخل إصبعيه في أذنيه إلَّا سمعَ ذلك النهر. قال في "حادي الأرواح" (٣): وهذا والله أعلم معناه أنَّ خرير ذلك النهر يشبه الخرير الذي يسمعه حين يدخل إصبعيه في أذنيه.
وفي "حادي الأرواح" (٤) عن النَّبيّ ﷺ : "أنهار الجنَّة تفجر من تحت تلال، أو من تحت جبال المسك" ورواه الحاكم أيضًا وصح عن عبد الله موقوفًا: أنَّ أنهار الجنَّة تفجر من جبل مسك (٥).
وأخرج "ابن أبي الدنيا" (٦) عن أنس ﵁ قال: أظنكم تظنون أنهار الجنَّة أخدودًا في الأرض لا والله إنَّها لسائحة على وجه
стр. 1128
الأرض، إحدى حافتيها اللؤلؤ، والأخرى الياقوت، وطينه المسك، الأذفر قيل له: ما الأذفر؟ قيل: الذي لا خلط له.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "سيحان، وجيحان، والنيل، والفرات كلٌّ من أنهارِ الجنَّة" (١).
وفي "حادي الأرواح" (٢) عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "أنزل الله من الجنَّة خمسة أنهر: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنَّة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل ﵇، فاستودعها الجبال، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معاشهم فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨] فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل جبريل ﵇ فرفع من الأرض القرآن، والعلم كله، والحجر الأسود من ركن البيت ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة فرفع ذلك كله إلى السماء فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد حرم أهلها خير الدنيا والآخرة". رواه ابن عدي في ترجمة سلمة (٣).
стр. 1129
والحديث غير ثابت؛ لأنَّ فيه أحمد بن عدي، قال في حقه البخاري: منكر الحديث. وفي "حادي الأرواح" (١) عامة أحاديث أحمد هذا غير محفوظه، وبالجملة فهو من الضعفاء. وقال النسائي: متروك. وقال أبو حاتم: لا يشتغل به، ثُمَّ أخرج له عن ابن عباس ﵄ قال: "إن في الجنَّة نهرًا يقال له البيذخ عليه قباب من ياقوت تحته جوارٍ، يقول أهل الجنَّةِ: انطلقوا بنا إلى البيذخ فيتصفحون تلك الجواري، فإذا أعجب رجلًا منهم جارية مس معصمها فتتبعه" (٢) فهذا من جملة مروياته المستنكرات عليه والله الموفق.
فصل
وأمَّا عيون الجنَّة فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾ [الذاريات: ١٥]. وقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان: ٥، ٦].
قال بعض السلف معهم قضبان الذهب حيثما مالوا مالت معهم وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ فقال الكوفيون الباء بمعنى منْ أي: يشرب منها. وقال آخرون: بل الفعل مضمن، ومعنى يشرب بها أي: يروى بها، فلما ضمَّنه معناه عداه تعديته. قال في "حادي الأرواح" (٣): وهذا أصح، وألطف، وأبلغ. وقالت طائفة: الباء
стр. 1130
للظرفية، والعين اسم للمكان كما تقول كنا بمكان كذا وكذا ونظير هذا التضمن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] أي يهم فعدي تعديته.
وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ [الإنسان: ١٧، ١٨] فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صرفا، وأن شراب الأبرار يمزج منها؛ لأنَّ أولئك أخلصوا الأعمال كلها فأخلص شرابهم، وهؤلاء مزجوا فمزج شرابها، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٨]. فأخبر سبحانه أن مزاج شرابهم بشيئين بالكافور في أولِ السورة، والزنجبيل في آخرها، فإن في الكافور من البرد وطيب الرائحة، وفي الزنجبيل من الحرارة وطيب الرائحة ما يحدث لهم باجتماع الشرابين، ومجيء أحدهما على أثر الآخر حالة أخرى أكمل وأطيب وألذ من كلّ واحد منهما بانفراده، وتعدل كيفية كلّ منهما بكيفية الآخر، وما ألطف موقع ذكر الكافور في أول السورة، والزنجبيل في آخرها فإنَّ شرابهم مزج أولاً بالكافور وفيه من البرد ما يجيء الزنجبيل بعده فيعدله، والظاهر أن الكأس الثاني غير الأولى وأنهما نوعان لذيذان من الشراب أحدهما: مزج بكافور، والثاني: مزج بزنجبيل.
стр. 1131
وأيضًا فإنه سبحانه أخبر عن مزج شرابهم بالكافور وبرد في مقابلة ما وصفهم به من حرارة الخوف، والإيثار، والصبر، والوفاء بجميع الواجبات التي نبه بوفائهم بأضعفها، وهو ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر على الوفاء بأعلاها، وهو ما أوجبه الله عليهم، ولهذا قال: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان: ١٢] فإنَّ الصبر من الخشونة وحبس النفس عن شهواتها ما اقتضى أن يكون في جزائهم من سعةِ الجنَّة، ونعومة الحرير ما يقابل ذلك الحبس والخشونه، وجمع لهم تعالى بين النضرة والسرور، فهذا جمال ظواهرهم، وهذا جمال بواطنهم، كما جملوا ظواهرهم في الدنيا بشرائع الإسلام، وبواطنهم بحقائق الإيمان.
ونظيره قوله تعالى في آخر السورة: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]: فهذا زينة الظاهر، ثُمَّ قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. فهذا زينة الباطن المطهر له من كلّ أذى ونقص.
ونظير هذا قوله تعالى لأبيهم آدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] فضمن له أن لا يصيبه ذل الباطن بالجوع، ولا ذل الظاهر بالعري، وأن لا يناله حَرّ الباطن بالظماء، ولا حر الظاهر بالضحى، والضح: هو الحر، ومنه حديث: "لا يقعدن أحدكم بين الضح والظل فإنَّه مقعد
стр. 1132
الشيطان" (١) أي يكون نصفه في الشمس، ونصفه في الظل، وحديث عياش بن أبي ربيعة لمَّا هاجر، أقسمت أمه بالله لا يظلها ظل، ولا تزال في الضح والريح حتى يرجع إليها. ذكره في النهاية (٢).
ونعم الله لا تحصى، وأياديه لا تستقصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] والله سبحانه أعد لعباده المتقين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فصل
وأمَّا طعام أهل الجنَّة، وشرابهم ومصرفه فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٣]. وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾ [الزخرف: ٧٢، ٧٣]. وقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ
стр. 1133
الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٥، ٢٦].
وأخرج مسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يأكل أهل الجنَّة، ويشربون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون طعامهم ذلك جُشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس" وفيه أيضًا عنه أنهم قالوا للنبي ﷺ : فما بال الطعام؟ قال: "جُشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد" (١).
قوله: فما بال الطعام؟ قال: "جشاء" كذا في جميع نسخ مسلم. قال الوقشي ولعله "فمال"؛ لأنه جاء في رواية الزبيدي "أن يهوديًا" يعني حديث (٢) ابن أرقم الذي أخرجه الإمام أحمد: قال في "مشارق الأنوار" والبال: يأتي بمعنى الحال كقوله ما بال هذه؟ أي: ما حالها وشأنها؟ فمعناه: ما بال عقبا الطعام؟ وما شأن عقباه؟ (٣) وأخرج الإمام أحمد، والنسائي بإسنادٍ صحيح عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النَّبيِّ فقال: "يا أبا القاسم تزعم أنَّ
стр. 1134
أهل الجنة يأكلون ويشربون، قال: نعم. والذي نفس محمد بيده إنَّ أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة. قال: فإنَّ الذي يأكل، ويشرب يكون له حاجة، وليس في الجنَّة أذى، قال تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضْمُر بطنه". ورواه الحاكم في صحيحه بنحوه. (١)
وفي "حادي الأرواح" (٢) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ "إنك لتنظر إلى الطير في الجنَّة، فتشتهيه، فيخر بين يديك مشويا" (٣).
وأخرج الحاكم عن حذيفة ﵁، عن النَّبِيَّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ في الجنَّة طيرًا مثل البخاتي" فقال أبو بكر ﵁: "إنها
стр. 1135
لناعمة يا رسُولَ الله قال: "أنعم منها من يأكلها يا أبا بكر" (١).
وفي "حادي الأرواح" (٢) عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨]، يقول: الخمر ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ ولا صداع، وفي قوله: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]، لا تذهب عقولهم، وفي قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ [النبأ: ٣٤]، ممتلئة، وفي قوله: ﴿رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥]، يقول: الخمر ختم بالمسك. وقال علقمة عن ابن مسعود ﵁: "ختامه مسك: قال: خلطه وليس بخاتم يختم. قال المحقق: قلت يريد - والله أعلم - أنَّ آخره مسك، فيخالطه، فهو من الخاتمة ليس من الخاتم. وعن مسروق: "الرحيق: الخمر، والمختوم: يجدون عاقبتها طعم المسك لا. وقال عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ [المطففين: ٢٧]، قال: يمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفًا وكذلك قال ابن عباس (٣): "يشرب منها المقربون صرفًا، وتمزج لمن دونهم". وقال عطاء: التسنيم: اسم العين التي يمزج منها الخمر" (٤).
стр. 1136
وقال في "حادي الأرواح" (١) في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ [الإنسان: ١٨]، قال بعضهم إنها جملة مركبة من فعل وفاعل، وسلسبيلا: منصوب على المفعول أي: سلسبيلًا إليها قال: وليس هذا بشيء، وإنما السلسبيل كلمة مفردة وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها.
وقال قتادة في اشتقاقها (٢): سلسلة لهم يصرفونها حيث شاؤا، وهو من الاشتقاق الأكبر. وقال مجاهد: سلسلة السبيل حديدة الجّرْيَة. وقال أبو العتاهية (٣): تسيل عليهم في الطرق، وفي منازلهم، وهذا من سلاستها، وحدة جريتها. وقال آخرون: معناها طيب الطعم والمذاق. وقال أبو إسحق: سلسبيل: صفة لما كان في غاية السلاسة فسميت العين بذلك وصوّب ابن الانباري أنَّ سلسبيل صفة للماء وليس باسم العين، واحتج بأن سلسبيل مصروف، ولو كان اسمًا للعين لمنع من الصرف، وأيضًا فإن ابن عباس ﵄ قال: معناه أنها تسيل في حلوقهم انسلالا، وردّه الإمام المحقق (٤) بأنَّ الصرف إنَّما هو لاقتضاء رؤوس الآى له كنظائره، وأمَّا قول ابن عباس فإنّما يدل على أنَّ العين سميت بذلك باعتبار صفة السلاسة والسهولة - والله أعلم - ومما قررنا عُلِمَ أنَّ المختار أنَّ العينَ تسمّى سلسبيلًا ليس إلَّا ولذا قيل شعر:
стр. 1137
دع الدُّنيا ولا تركن إليها ... ومع من فرّ منها سلسبيلا
لعلك في جنانِ الخلد تحظى ... بها عين تسمى سلسبيلا
تنبيه: قد تضمنت الأخبار التي ذكرناها أنَّ لأهل الجنَّةِ فيها خبزًا، ولحمًا، وفاكهة، وحلوى، وأنواع أشربة من الماء، واللبن، والخمر، والعسل، وليس في الدنيا مما في الآخرة إلَّا الموافقة في الأسماء، وأمَّا المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر.
فإنْ قيل: فأين يشوى اللحم ولا ثَمَّ نار؟
قلت: أجاب بعضُ العلماء عن هذا الاستشكال بأنَّه يشوى في الجنَّة بأسباب قدرها الله سبحانه غير النار كما قدر إنضاج الثمر والطعام، وقيل غير ذلك.
وظاهر كلام الإمام المحقق في "حادي الأرواح" (١) أنه يشوى في الجنَّة بنار تكون مصلحة غير مفسدة بل صرح بذلك حيث قال: لا يمتنع أن يكون فيها نار تصلح ولا تفسد شيئًا.
وقد صحّ عنه ﷺ أنَّه قال: "مجامرهم الألوة" فالمجامر جمع مجمر، وهو البخور الذي يتبخر بإحراقه، والألوة: العود المُطرَّاة كما مر، فأخبر سبحانه أنَهم يتجمرون به أي: يتبخرون بإحراقه لتسطع لهم رائحته، وقد أخبر سبحانه أنَّ في الجنَّة ظلالًا، والظلال لابد أن تقي مما يقابلها، فقال: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ [يس: ٥٦]، وقال: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] فالأطعمة،
стр. 1138
والحلوى، والتجمر تستدعي أسبابًا تتم بها، والله سبحانه خالق السبب والمسبب، وهو رب كلّ شيء ومليكه لا إله إلَّا هو هذا كلامه. وهو تأييد لما صوبه أنه يشوي في الجنَّة بأسباب قدرها العزيز العليم، لإنضاجه، وإصلاحه كما قدر هناك أسبابا؛ لإنضاج الثمر، والطعام، وكما جعل في أجواف العالم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام، ويلفظه، ويهيئه لخروجه رشحا وجشاء وكذلك ما هناك من الثمار والفواكه يخلق لها من الحرارة ما ينضجها، ويجعل سبحانه أوراق الشجر حلالا فرب الدنيا والآخرة واحد، وهو الخالق بالأسباب، والأسباب مظهر أفعاله وحكمته، ولكنها تختلف، وقد أجابَ بعضُهم عن الاستشكال بأنه يشوى بكن، وآخرون بأنه يشوى خارج الجنَّة، ثُمَّ يؤتى به إليهم.
قلت: وحديث ابن مسعود (١) حجة لِمَنْ قال يشوى بكن، وتقدم قريبًا، والحاصل أنَّ الله قادر، والقادر الذي لا يجوز عليه العجز البتة لا يسع كلّ ذي لب إلَّا التسليم لما أخبر هو به، أو نبيِّه ﷺ فإنَّ إخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنَّما هو إخبار منه تعالى على ألسنتهم.
وربما سبحانه جعلَ للأشياء أسبابا غير الأسباب المعهودة المألوفة فينكر ذلك من لا عنده علم، ولا عقل، ولا فهم فهذا محض الجهل والظلم إذ ليست قدرته تعالى قاصرة عن أسباب أخر ومسببات ينشأها منها كما لم تقصر (٢) قدرته في هذا العالم المشهود عن أسبابه
стр. 1139
ومسبباته، وليس هذا بأهون عليه من ذلك، ولعل النشأة الأولى التي أنشأها تعالى فيها بالعيان والمشاهدة أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب، ولعل إخراج هذه الفواكه، والثمار من بين هذه التربة الغليظة، والماء، والخشب، والهواء المناسب لها أعجب عند العقل من إخراجها من تربة الجنَّة ومائها وهوائها، ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشرب (١) ولذة من بين فرث ودم ومن قيء ذباب أعجب من إخراجها أنهارًا في الجنَّة باسباب أخر.
ولعل إخراج جوهري الذهب والفضة في عروق الحجارة من الخيال، وغيرها أعجب من إنشائها هناك من أسباب، ولعل إخراج الحرير من لعاب دود القز، وبنائها على أنفسها القباب البيض والحمر والصفر أحكم بناء أعجب من إخراجه من أكمام تتفتق عنه شجر (٢) هناك قد أودع فيها، وأنشئ منها.
ولعل جريان بحار الماء بين السمَّاء والأرض على ظهور السَّحابِ أعجب من جريانها في الجنَّة في غير أخدود، وبالجملة فالمعبود بحق قادر على كلِّ شيء، والقادر له أن يعكس الأسباب بأن يجعل الماء ينضج ويحرق إذ لا يسأل عمَّا يفعل، وإذا تأمل العاقل بين أمور الدنيا والآخرة، ثُمَّ وازن بينها، وبين ما أخبر به تعالى من أمور الآخرة من الجنَّة والنار وما فيهما وجد هذه الأشياء نموذجًا دالًا على تلك أتم دلالة شاهدة لها، فمن رزقه الله علمًا لدنِّيِّا، وقذفَ في قلبهِ
стр. 1140
نورًا ربانيًا انكشف جميع ذلك لبصيرته انكشافًا تامًّا فآمن به واطمئن قلبه له، وصدق به فكان مؤمنًا حقًا، والذين حجبوا عن ذلك، وجعل على قلوبهم أكنة أنْ يفقهوه، فبعدًا لقوم لا يؤمنون.
فصل
وأمَّا آنيتهم فقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، والصحاف جمع صحفة، وهي القصاع قاله الكلبي، وقال الليث: الصحفة: قصعة مسلنطحة عريضة، والجمع: صحاف (١)، والأكواب: جمع كوب هو المستدير الرأس الذي لا أذن له ومرّت الإشارة إليها.
وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ [الواقعة: ١٧، ١٨]، فالأباريق هي: الأكواب غير أنّ لها خراطيم فإنْ لم يكن لها خراطيم، ولا عرى فهي أكواب، وأباريق الجنَّة من الفضة في صفاء القوارير يرى من ظاهرها ما في باطنها، والعرب تسمي السيف إبريقًا لبريق لونه.
قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾ [الإنسان: ١٥، ١٦]، فالقوارير: هو الزجاج، وشفافته، وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها، وقَطعَ توهم كون تلك القوارير من زجاج بقوله ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥].
стр. 1141
وأخرج البخاري، ومسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ أن النَّبيّ ﷺ قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (١).
وأخرج أبو يعلي الموصلي عن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا فربَّما رأى الرجل الرؤيا فيسأل عنه إذا لم يكن يعرفه فإذا أُثني عليه معروفًا كان أعجبَ لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا رسُولَ الله رأيت كأني أتيت فأخرجتُ من المدينةِ فأدخلتُ الجنَّة، فسمعت وجبة ارتجت لها الجنَّة، فنظرت فإذا فلان بن فلان، وفلان بن فلان فسمت اثني عشرَ رجلًا. كان رسول الله ﷺ قد بعث سريَّة قبل ذلك فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البياخ أو البيدي، فغمسوا فيه، فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصحفة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاءوا، فما يقلبونها من وجه إلَّا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلتُ معهم". فجاء البشير من تلك السَّريَّة فقال: أصيب فلان، وفلان حتى عدَّ اثني عشرَ رجلًا فدعا رسول الله ﷺ المرأة فقال: "قصّي رؤياك" قصتها وجعلت تقول: جيء بفلان وفلان كما
стр. 1142
قال. ورواه الإمام أحمد في مسنده بنحوه (١). قال في "حادي الأرواح" (٢): وإسناده على شرط مسلم.
стр. 1143
الباب التاسع في ذكر لباس أهل الجنَّة، وحليهم، ومناديلهم، وفرشهم، وبسطهم، ووسائدهم وسررهم وأرائكهم .
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣)﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٣].
وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [الكهف: ٣١].
قال في "حادي الأرواح" (١) عن جماعة من المفسرين: السندس: ما رق من الدّيباج، والإستبرق: ما غلظ منه، وقالت طائفة: ليس المراد به الغليظ، ولكن المراد به الصفيق (٢). وقال الزجاج: هما نوعان من الحرير وأحسن الألوان الخضر (٣)، وألين الملابس الحرير، فجمع لهم سبحانه بين حسن المنظر، وحسن اللباس مع نعومته، والتذاذ الجسم به.
وقد ذكر في "حادي الأرواح" (٤) مسألة عظيمة، وملخصها أنه قد قال سبحانه وَلَاسُ ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]، وقد صح عن المصطفى ﷺ أنه قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"
стр. 1144
أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث عمر (١) وأنس ﵄.
فقيل: لا يلبس الحرير في الجنَّة، ولكن يلبس غيره، وخصوا عموم الآية، وقيل هو من الوعيد الذي له حكم أمثاله مثل قوله ﷺ "من أتى كاهنًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد" (٢) أو كما قال، فيحمل على الزجر، فإذا تاب فلا خلاف في أنه خرج من عهدة الوعيد، وكذا الحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ودعاء المسلمين، وشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة فيه، وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه ونظيره "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة" (٣) وسمعت بعض السادة يقول: أخشى على من لبس الحرير في الدنيا ولم يتب أن يخرج من الدُّنيا على غير فطرة الإسلام، وكان ذلك لكون من يدخل الجنَّة لابد وأن يلبس الحرير، ومن مات مسلمًا لابد من دخول (٤) الجنَّة، والمصطفى ﷺ منع أن يلبس الحرير في الجنَّة (٥) فعلى هذا لا يموت مسلمًا، ونعوذ بالله فنسأل الله تعالى الهداية، والعناية بمنه وكرمه.
стр. 1145
قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]، فقوله: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي بارزا، وظاهرًا يحمل ظواهرهم ليس ذلك بمنزلة الشعار الباطن بل ذلك للزينة والجمال، وقرئ "عَالِيهُم" بالرفع على الابتداء، وبالنصب على الظرفية كما صوبه في "حادي الأرواح" (١) فإن قيل عال مفرد، وثياب: جمع فكيف يخبر عن المفرد بالجمع؟ فالجواب أن عاليًا قد يراد به الكثرة كقول الشاعر:
ألا إنَّ جيران العشية رابح ... دعتهم دواع من هوى ومناح
ومنه قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ [المؤمنون: ٦٧]. فقوله: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ الرفع مبتدأ، "وثياب سندس" خبره، ومن رفع خضرا جعله صفة لثياب، وهو الأقيس ومن جره جعله صفة لسندس على إرادة الجنس، كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر، والدرهم البيض، ووجه الرفع أقيس وأسلم من وجوه.
أحدها: المطابقة بينهما في الجمع.
الثاني: موافقته لقوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١].
الثالث: منْ تخلصه وصف المفرد بالجمع.
الرابع: مجيء كلام العرب بالجمع الذي هو في لفظ الواحد فيجرونه مجرى الواحد كقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠]، وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، والله أعلم.
стр. 1146
في "حادي الأرواح" (١) عن الحسن: الحلي في الجنَّة على الرجال أحسن منه على النساء. وفيه عن سعدِ بن أبي وقاص مرفوعًا: "لو أنَّ رجلًا مِنْ أهل الجنَّةِ اطلع فبدا بسواره لطمس ضوءَ الشمس كما تطمس الشمسُ ضوءَ النجوم" (٢). وفيه ابن لهيعة وثقه الإمامُ أحمد، وتكلَّم فيه ابن معين وغيره.
وفيه عن أبي إمامةَ مرفوعًا: "في أهل الجنَّةِ مسورون بالذهب والفضة، مكللون بالدر، عليهم أكاليل من درّ وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك شباب جرد مرد مكحلون" (٣).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنه كان وهو يتوضأ للصلاة يمد يده حتَّى تبلغ إبطه، فقال له أبو حازم: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ، أنتم ها هنا لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء سمعتُ خليل ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" (٤) وفي هذا استئناس لمن استحب غسلَ العضد، وإطالته.
(قلت) (٥): صححه في "الإنصاف"، وجزم به في "المغني"
стр. 1147
و"الشرح"، وابن رزين، وغيره، وقدمه في "الفروع"، وعنه: (لا يستحب ذلك. قال الإمام أحمد: لا يغسل فوق المرفق. قال في "الفائق") (١): ولا تستحب الزيادة على محل الفرض في أنص "الروايتين" وهو الذي صححه الإمام المحقق قال: وهو قول أهل المدينة ولا حجة في الحديث؛ لأن الحلية إنَّما تكون زينًا في الساعد، والمعصم لا في العضد، والكتف وأمَّا ما في الحديث: "مَنْ استطاع منكم أنْ يطيل غُرّته فليفعل". فهذه الزيادة من كلام أبي هريرة ﵁ مدرجة في الحديث لا من كلامه ﷺ قال: وكان شيخ الإسلام قدَّسَ الله روحَه يقول: "هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام رَسول الله ﷺ فإن الغرة لا تكون إلَّا في الوجه، وإطالتها غير ممكنة إذ يدخل في الرأس، ولا يسمّى ذلك غرة والله أعلم" (٢).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "من يدخل الجنَّة ينعَم، لا يبأس (٣) لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنَّة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (٤).
وأخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء أعرابي جرمي فقال: يا رسُولَ الله أخبرنا عن الهجرة
стр. 1148
إليكَ أين ما كنت؟ أم لقوم خاصة؟ أم إلى أرض معلومة؟ أم إذا مت انقطعت؟ فسأل ثلاث مرار، ثُمَّ جلس، فسكت رسول الله ﷺ يسيرًا ثُمَّ قال: "أين السائل؟ " قال: ها هو ذا يا رسول الله. قال: "الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها، وما بطن، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثُمَّ أنتَ مهاجر وإنْ مت بالحضر" (١).
فقام آخر، فقال: يا رسُولَ الله أخبرني عن ثياب أهل الجنَّةِ تخلق خلقًا، أم تنسج نسجًا. قال: فضحك بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ : "تضحكون من جاهل يسأل عالمًا" فسكت النَّبِيَّ ﷺ ساعته، ثُمَّ قال: "أين السائل عَنْ ثياب الجنَّة؟ " قال: ها هو ذا يا رسُولَ الله قال: "لا بل تشقق عنها ثمر الجنَّة ثلاث مرار" (٢).
وعند الإمام أحمد (٣) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "سوط أحدكم من الجنَّة خير من الدُّنيا ومثلها معها، ولقاب قوس أحدكم مِنَ الجنَّة خير من الدنيا ومثلها معها، ولنصيف امرأة من الجنَّة خير من الدنيا ومثلها معها".
قيل لأبي هريرة ﵁ ما النصيف؟ قال: "الخمار".
وفي "حادي الأرواح" (٤) عن أبي سعيدٍ ﵁ مرفوعًا: "إن الرجل في الجنَّة ليتكئ سبعين سنة قبل أنْ يتحول، ثُمَّ تأتيه امرأة،
стр. 1149
فتضرب على منكبه، فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإنَّ أدنى لؤلؤةٍ عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه، فيرد السلام، ويسألها: مَنْ أنت؟ فتقول: أنا المزيد وإنَّه ليكون عليها سبعون ثوبًا أدناها مثل النعمان من طوى، فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها مِنْ وراء ذلك، وإنَّ عليهم لتيجان، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق، والمغرب".
وروى الترمذي منه ذكر التيجان وما بعده.
وأخرج ابن أبي الدنيا (١) عن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: "ما مِنْ أحد يدخل الجنَّة إلَّا انطلق به إلى طوبى، فتفتح له أكمامها، فيأخذ من أي ذلك شاء أبيض، وإن شاء أحمر، وإن شاء أخضر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن".
وأخرج عن ابن عباس ﵄ أئه سئل ما حلل الجنَّة؟ قال: "شجر فيها ثمر كأنَّه الرمان، فإذا أراد ولّي (٢) الله كسوة انحدرت إليه من غصنها، فانفلقت عن سبعين حلة ألوانًا بعد ألوان، ثُمَّ تنطبق ترجع كما كانت".
وعنده عن أبي سعيد ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سئل ما طوبى؟ قال: "شجرة في الجنَّة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنَّةِ تخرج من أكمامها" (٣).
стр. 1150
وأخرج عن أبي هريرة ﵁ قال: "دار المؤمن في الجنَّة لؤلؤ فيها شجرة، فتنبت الحلل، فيأخذ الرجل بإصبعه، وأشارَ بالسبابة والإبهام سبعين حلة متمنطقة باللؤلؤ والمرجان" (١).
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: أهدى أُكْيدر دُومة إلى النَّبِيِّ ﷺ جبة من سندس، فتعجب الناس من حسنها فقال ﷺ : "لمناديل سعد في الجنَّة أحسن من هذا" (٢).
وفيهما أيضًا عن البراء بن عازب ﵄ قال: "أُهدى لرسول الله ﷺ ثوب حرير، فجعلوا يعجبون من لينه، فقال رسول الله ﷺ : "تعجبون من هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنَّة أحسن من هذا" (٣).
قال في "حادي الأرواح" (٤): لا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذ بخصوصه هاهنا فإنَّه كان في الأنصار بمنزلةِ الصديق في المهاجرين، واهتز لموته العرشُ، وكان ﵁ لا تأخذه في الله لومة لائم، وختم الله له بالشَّهادة، وآثر رضى الله ورسوله على رِضَى قومه وعشيرته وحلفائه، ووافق حكمُه الذي حَكَمَ به الله من فوق سبع سمواته، ونعاه جبريل ﵇ إلى النَّبِيِّ ﷺ يوم موته، فحق له ﵁ أن
стр. 1151
يكون مناديله التي يمسح بها يديه أحسن من حلل الملوك.
وقد ذكرتُ في كتابي "تحبير الوفاء في سيرة المصطفى" في وقعة بني قريظة ما يشفي، وذكرت في قصة إسلامه ﵁ ما يدل على رسوخه، وعلوّ كلمته رضوان الله عليه، فإنَّه كان من الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم.
فصل ومن ملابس أهل الجنَّةِ التيجان على رءوسهم
أخرج البيهقي (١) عَنْ أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ : "من قرأ القرآن فقام به آناء الليل، وأطراف النَّهار، ويحلل حلاله، ويحرم حرامَه خلطه الله بلحمِه ودمِه، وجَعَله رفيقَ السَّفرة الكرام البررة، وإذا كان يوم القيامةِ كان القرآن له حجيجا، فقال: يا رب كلّ عامل يعمل في الدُّنيا يأخذ بعمله من الدُّنيا إلَّا فلانًا كان يقوم بي آناء الليل والنهار، فيحل حلالي، ويحرم حرامي. يقول؟ رب فأعطيه فيتوَّجه الله تاجَ الملكِ، ويكسوه مِنْ حلة الكرامة، ثُمَّ يقول: هل رضيت؟ فيقول: يا رب أرغبُ له في أفضل من هذا فيعطيه الله الملك بيمينه، والخلد بشماله، ثُمَّ يقول له: هل رضيت؟ فيقول: نعم يا رب".
стр. 1152
وفي مسند الإمام أحمد عن بريدة ﵁ مرفوعًا: "تعلَّموا سورة البقرة فإنَّ أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة". ثُمَّ سكت ساعةً، ثُمَّ قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران، فإنَّهَما الزهراوان، وإنَّهما يظلان صاحِبَهما يوم القيمةِ كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صوات، والقرآن يلقى صاحبه يوم القيمةِ حين ينشق عنه قبره كالرجل المشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول له: ما أعرفك فيقول له القرآن: أنا الذي أظمأتكَ في الهواجر، وأسْهَرتُ ليلك، وإنَّ كلّ تاجر مِن وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كلّ تجارة فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسِه تاج الوقار، ويكسى والداه جبتين لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن ثُمَّ يقال: اقرأ، واصعد في درج الجنَّة، وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلًا" (١) قوله البطلة: أي: السحرة، والغياية: ما أظل الإنسان، وكذا الغمامة.
فصل
وأمَّا الفرش، فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، وقال: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ [الواقعة: ٣٤]، فسر بطائنها من استبرق على أنها ظهائرها أعلى، وأحسن من بطائنها؛ لأنَّ بطائنها للأرض، وظهائرها للجمال. قال عبد الله ﵁: هذه
стр. 1153
البطائن قد أخبرتم بها فكيف بالظهائر؟! ويدل قوله: "وفرش مرفوعة" على أنَّها عالية لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة.
أخرجَ الترمذي عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: "ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام" قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلَّا من حديث رشدين بن سعد (١) قال في "حادي الأرواح" (٢): قلت: رشدين بن سعد عنده مناكير وبَيَّن ذلك.
ومعنى الحديث كما قال الترمذي: أنَّ الارتفاع المذكور للدرجات، والفرش عليها
وعند عبد الله بن وهب عن أبي سعيد مرفوعًا "ما بين الفراشين كما بين السَّماء إلى الأرض".
قال في "حادي الأرواح" (٣): وهذا أشبه أنْ يكون هو المحفوظ. كذا قال.
وأخرج الطبراني عن كعب في قوله: "وفرش مرفوعة" قال: "مسيرة أربعين سنة" (٤).
وعن أبي أمامة: "لو أن أعلاها يسقط ما بلغ أسفلها أربعين خريفًا" رواه ابن أبي الدُّنيا موقوفًا (٥)، ورواه الطبراني مرفوعًا بلفظ
стр. 1154
سئل رسول الله ﷺ عَنِ الفُرش المرفوعة قال: "لو طرح فراش من أعلاها لهوى إلى قرارِها مائة خريفٍ" ونظر في رفعه "المحقق" (١).
وأمَّا البسط فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ [الرحمن: ٧٦] قال: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ [الغاشية: ١٤ - ١٦].
قال جبير: الرفرف: رياض الجنَّة، والعبقري: عَتَاقُ الزرابي.
قال الحسن في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ [الرحمن: ٧٦]: هي البسط وأهل المدينة يقولون: هي البسط.
والنمارق: هي الوسائد. قاله: الواحدي في قوله الجميع واحدها نُمرقة بضم النون، وحكى الفراء: كسرها. والزرابي: البسط، والطنافس واحدها زربية في قول جميع أهل اللغة والتفسير. وقوله: ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]، أي: مبسوطة منثورة.
وقال الليث: الرفرف: ضرب من الثياب خضر تبسط الواحد رفرفة، وقال أبو عبيدة: الرفارف البسط، وقيل: رياض الجنَّة وتقدم، وقيل: الوسائد، وقيل غير ذلك.
وقال: "المحقق" (٢) قلت: أصلُ الكلمةِ من الطرف، والجانب، فمنه الرف في الحائط، والرفرف: وهو كِسرُ الخباء، وجوانب الدِّرع، وما تدنى منه، ومنه رفرف الطير إذا حرك جناحَه حولَ الشَّيء يريدُ أنْ
стр. 1155
يقع عليه، والرفرف: ثياب خضر تتخذ منها المجالس، الواحدة رفرفة، وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]: رفرفًا أخضر سد الأفق. متفق عليه (١).
وتقدم أنَّ العبقري (٢): البسط، وقيل: موضع في البادية كثير الجِّن، يقال: كأنهم جن عبقر، فنسب إلى ذلك، وهي الأرض التي سلكها الجن فصار مثلًا منسوبًا إلى شيء رفيع، وأنشد أبو عبيد لزهير:
يخيل عليها جنَّه عبقرية ... جديرون يومَا أنْ ينالو فيشعلوا
قال الواحدي: وهذا الصحيح في العبقري؛ لأنَّ العربَ إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن، وشبهته بهم، ومنه قول لبيدة:
جنى الندى رواسيا أقدامها ...............................
وقال آخر في وصفه امرأة:
جنية ولها جنّيّ يعلمها ... رمى القلوب بقوس ما لها وتر
وذلك لأنهم يعتمدون (٣) كلّ صفة عجيبة في الجن، وأنَّهم يأتون بكلِّ أمر عجيب، قال في "حادي الأرواح" (٤): ولما كان عبقر معروفًا بسكناهم، نسبوا كلِّ شيءٍ مبالغ فيها إليها، يريدون بذلك أنَّه منْ عملهم، وصنعهم، هذا هو الأصل، ثُمَّ صار العبقري اسمًا، ونعتًا لكلِّ ما بولغ في صفته ومنه قوله ﷺ حين ذكر عمر: "فلم أر عبقريًا
стр. 1156
يَفْري فَرِيَه" (١) وعن الفراء العبقري: السيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان، والجوهر، وواحد العبقري: عبقرية. والحاصل أنَّ كلّ شيءٍ عجيبٍ يُقال له: عبقري. لما وصفنا، وتأمل كيف وصفَ سبحانه الفرش بأنَّها مرفوعة، والزرابي بأنَّها مبثوثة، والنمارق بأنها مصفوفة، فَرَفْعُ الفرْش دال على سمكِها ولينها، وبثُّ الزرابي دال عل كثرتها، وأنَّها في كلّ موضع لا يختص بها صدر المجلس دون مؤخره وجوانبه، وصّفُّ المساندِ (٢) يدلُّ على أنها مهيأة للاستنادِ إليها دائما ليست مخبأة تصف في وقت دونَ وقت والله أعلم.
فصل
وأمَّا خيامهم وسررهم، وأرائكهم وبشخاناتهم، فقد قال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢].
ففي الصَّحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ للمؤمن في الجنَّة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلًا فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا". وفي روايةٍ للبخاري: "طولها ثلاثون ميلًا" (٣).
стр. 1157
قال في "حادي الأرواح" (١): وهذه الخيام غير الغرف، والقصور بل هي خيام في البساتين (٢) وعلى شواطئ الأنهار.
وأخرج ابن أبي الدُّنيا (٣) عَنْ عبد الله ﵁ قال: "لكلِّ مسلمٍ خيرة ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعةُ أبواب يدخل عليها كلّ يوم من كل باب تحفة، وهدية، وكرامة لم يكن قبلها ذلك لا مرحات، ولا ذفرات، ولا سخرات، ولا طماحات حور عين كأنَّهَن بيضٍ مكنون".
وأخرج ابن المبارك عن أبي الدرداء ﵁ قال: "الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون بابًا كلها من درة" (٤). وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢]: الخيمةُ: مَنْ درةٍ مجوفة طولها فرسخ، وعرضها فرسخ، ولها ألف باب من ذهب حولها سرادق دوره خمسون فرسخًا يدخل عليه من كل باب منها ملك بهدية من عند الله وذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤].
وأمَّا السرر، فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾ وقال: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ [الواقعة: ١٥ - ١٦]،
стр. 1158
وقال: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ (١).
فأخبر سبحانه عن سررهم بأنها مصفوفة بعضها إلى جانب بعض ليس بعضها خلفَ بعضٍ، ولا بعيدًا منه، وأخبر أنَّها موضونة أي: منسوجة مضاعفة متداخلة بعضها على بعض كما يوضن حلق الدرع، ومنه سمي الوضين، وهو نطاق من سيور ينسج فيدخل بعضه في بعض، ومنه قول الشاعر:
ومِنْ نَسْجِ داودَ مَوْضونة ... يُساقُ مع الحي عيرًا فعيرا
قالوا: موضونة: منسوجة بقضبان الذَّهبِ مشبكة بالدر، والياقوت، والزبرجد وقال ابن عباس: مزمولة بالذهبِ. وقال مجاهد: موصولة بالذهب، وأخبر سبحانه بأنها مرفوعة: قال عطاء عن ابن عباس ﵄: سرر من ذهب مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، والسرير مثل ما بين مكة، وأيلة. وقال الكلبي: طول السرير في السَّماء مائة ذراع (٢)، فإذا أراد الرجل أن يجلس عليه تواضع له حتَّى يجلس عليه فإذا جلس عليه ارتفع إلى مكانه.
وأما الأرائك فتقدم أنَّها جمعُ أريكة، وأنَّ ابن عباس قال: "لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة" فإنْ كان سرير بغير حجلة لا تكون أريكة، وإنْ كانت حجلة بغير سرير لم تكن أريكة، فالسرير والحجلة أريكة، والحجلة هي البشخانة التي تعلق فوق السرير.
стр. 1159
وقال في "حادي الأرواح" (١): لا تسمَّى أريكة إلَّا بالسرير في الحجلة، وأن يكون على السرير فراش.
وفي الصحاح: الأريكة سرير منجد مزين في قبة أو بيت، فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة، والجمع الأرائك.
وفي الحديث: أنَّ خاتمَ النَّبِيّ ﷺ (أي: خاتم النبوة) كان مثل زر الحجلة، وهو الزر الذي يجمع به بين طرفيها من جملة أزرارها.
قلت: وكون المراد بزرّ الحجلة ما (٢) ذكرنا هو الذي صوبه أكثر المحققين منهم الإمام العلامة المحقق في "حادي الأرواح" (٣)، وغيره كالدميري، وقال الإمام الترمذي بعد إيراده حديث: أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان بين كتفيه خاتم مثل زر الحجلة: إنَّ المرادَ بالحجلة هذا الطائر (٤)، وزرّها بيضها، وإذا كانت المرأة مقصورة في الحجالِ فهو مِمَّا يتمدح به كما قال كثيرّ عزّه في ذلك:
وأنت التي حببت كلّ قصيرة ... إليَّ فلا تدري بذاك (٥) القصائر
عنيت قصارات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى شر النساء البحائر (٦)
والله أعلم.
стр. 1160
الباب العاشر في ذكر خدم أهل الجنَّة، وغلمانهم، ونسائهم، وسراريهم، والمادة التي خلق منها الحور العين، ونكاحهم، وهل في الجنَّة ولد أم لا ؟
أمَّا خدمهم، وغلمانهم فقال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ [الطور: ٢٤]، وقال: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ [الإنسان: ١٩].
قال أبو عبيدة، والفراء، مخلدون: لا يهرمون، ولا يتغيرون. وقال آخرون: مخلدون مقرطون مسورون أي: في آذانهم القرطة، وفي أيديهم الأساور، والخلد القرطة، ومنه قول الشاعر:
ومخلدات باللجين كانَّما ... أعجازهن رواكد الكثبان
وجمعت طائفة بأنَّهم لا يعرض لهم الكبر، والهرم، وفي آذانهم القرطة، وشبههم باللؤلؤ المنثور لما فيه مِنَ البياضِ، وحسن الخلقة، وفي كونه منثورًا فائدتان: الدلالة على أنَّهم غيرُ معطلين بل مبثوثون في خدمتهم.
والثانية: إنَّ اللؤلؤ إذا كان مَنثُورًا ولاسيما على بسط من ذهبٍ أو حرير، كان أحسن، وأبهى من كونه مجموعًا.