← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

رجل يعمل على ظهرها بمعصية الله (١). وقال علي كرّم الله وجهه: إذا بلغت الجنازة القبر فجلس الناس فلا تجلس، ولكن قم على شفير قبره فإذا دُلي في قبره فقل: بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملّة رسول الله، اللهم إنه عبدك نزل بك، وأنت خيرُ منزول به خلّف الدنيا خلْفَ ظهره فاجعل ما قَدِمَ عليه خيرًا مما خلّف، فإنك قلت ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عِمرَان: الآية ١٩٨] (٢). وأخرج الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة الكتاب، وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة في قبره" (٣). وكان أنس ﵁ يقول إذا وُضع الميتُ في قبره: اللهم جاف القبر عن جنبيه وصعّد روَحهُ، وتقبله وتلقاه منك برَوح (٤). وقال عَمرو بن مرة: كانوا يستحبون، إذا وضع الميت في

стр. 177

اللحد أن يقولوا: اللهم أعذه من الشّيطان الرجيم. وأخرج الطبراني في "الكبير"، عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات أحدُ من إخوانكم فسوّيتم التراب عليه، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيبه، ثم يقول يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول أرشدنا أرشدك الله، ولكن لا تشعرون فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمدّ نبيّا وبالقرآن إماما، فإنّ منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما نقعد عند من لقّن حجّته، فيكون الله حجيجه دونهما قال رجل يا رسول الله: فإن لم يعرف أمّه؟ قال: ينسبه إلى حواء يا فلان ابن حواء" (١). والله أعلم.

стр. 178

خاتمة أخرج البزار والحاكم، عن أبى سعيد، أنّ النّبيّ ﷺ مرّ بالمدينة، فرأى جماعةً يحفرون قبرًا، فسأل عنه، فقالوا: حبشي قدم فمات، فقال رسول الله ﷺ : "لا إله إلّا الله سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها" (١). وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ موفوعًا: "ما من مولود إلا وقد ذرّ عليه من تراب حفرته" (٢). وأخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن عبد الله ﵁ قال: إن الملك الموكل بالرّحم يأخذ النطفة من الرحم، فيصعد بها على كفه، فيقول: يا ربّ مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: مخلقة، قال: ربّ ما الرّزق؟ ما الأثر؟ ما الأجل؟ فيقول: انظر في أمّ الكتاب، فينظر في اللوح المحفوظ، فيجد فيه رزقه وأجله، وعمله. ويأخذ التراب الذي يدفن في بقعته، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: الآية ٥٥] (٣).

стр. 179

وذكر في "المجالسة" عن هلال بن يساف قال: ما من مولود يولد، إلا وفي سرّته من تربته التي يموت فيها (١). وأخرج الترمذي عن مطر بن عُكامِس مرفوعًا: "إذا قضي لعبدٍ أن يموت بأرض، جعل له إليها حاجة" قال الترمذي: حسن غريب (٢). وروَى السّدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النّبيّ ﷺ في قوله ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عِمرَان: الآية ٦] قال إذا وقعت النطفة في الأرحام، طارت في الجسد أربعين يومًا، ثم تكون علقة أربعين يومًا، ثم تكون مضغة أربعين يومًا، فإذا بلغ أن تخلق، بعث الله ملكًا يصوّرها، فيأتي الملك بتراب بين إصبعيه، فيخلطه في المضغة، ثم يعجنه بها ثم يُصوّرها كما يؤمر، الحديث. وفيه: "فإذا ماتَ ذلك الجسَدُ دُفن حيث أخذ ذلك الترابُ" خرّجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣).

стр. 180

قال الحافظ ابن رجب، قدّس الله روحه والسّدي: مختلف في أمره، وكان الإمام أحمد ﵁ ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة، للتفسير الواحد. وأخرج الترمذي عن أبي عزة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة"، أو قال: "بها حاجة"، قال: هذا حديث حسن صحيح وأبو عزّة له صحبة واسمه يَسار بنُ عُبيد (١) وأنشدوا: إذا ما حمام المرء كان ببلدة ... دعته إليها حاجة فيطير وأخرج ابن ماجه عن ابن مسعود مرفوعًا: "إذا كان أجل العبد بأرض أتته الحاجة إليها، حتى إذا بلغ أقصى أثره قبضه الله، فتقول الأرض يوم القيامة: رَبّ هذا ما استْودَعْتني" (٢). قال القرطبي في "التذكرة" (٣): قال علماؤنا رحمةُ الله عليهم: فائدة هذا الباب، تنبيه العبد على التيقظ للموت، والاستعداد له بحسن الطاعة، والخروج من المظلمة وقضاء الدّين، وإثبات الوصيّة بما لَهُ وعليه في الحضر، فضلًا عن أوان الخروج عن وطنه إلى سفر فإنه لا يدري أين كتبت منيّته من بقاع الأرض وأنشدُوا: مشينا في خُطا كُتبت علينا ... ومن كتُبت عليه خُطا مشاها

стр. 181

وأرزاق لنا متفرّقات ... فمن لم تأته مِنّا أتاها ومن كُتبت منيته بأرض ... فليس يموتُ في أرضٍ سواها وقُلْتُ: والقلبُ ملذوع بنار الفراق واللب في طماطيم البلابل والاحتراق، أذكر غربتي وبعدي عن الأحبّة، وأتسلى بالقضاء والجسم قد قضى نحبه [شعرًا] بكت عيني وأرّقني سُهادي ... وذاب القلُب من طول البُعاد ولم أر عترتي وسوادَ عيني ... فوا أسفي ويا حرّ الفؤاد فلا أدري إذا دَنت المنايا ... أموت بغربتي أم في بلادي وهذي غربة كُتبَت علينا ... وآثارٌ بتقدير الجواد قضى الرحمن آثاري ورزقي ... وأجلي مذ خُلقت كذا معادي فما أبغي (١) وحُكم الله فينا ... يقينَا غيرَ ممنوع النَّفاد فائدتان: الأولى: لأولياء الميّت أن يتحروا له الجار الصالح، فقد أخرج أبو نعيم، عن أبي هريرة وضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ادفنوا موتَاكم وسط قومٍ صالحين، فإن الميّت يتأذَّى بجار السوء، كما يتأذى الحي بجار السوء" (٢).

стр. 182

وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "إذا مات لأحدكم الميت، فأحسنوا كفنه، وعجّلوا إنجاز وصيّته وأعمقوا له في قبره، وجنبوه جار السّوء" قيل: يا رسولَ الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ قال: "هل ينفع في الدنيا؟ " قالوا: نعم، قال: "كذلك ينفع في الآخرة". وأخرج الديلمي، من حديث أمّ سلمة مرفوعًا "أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بعويل، ولا بتأخير وصية، ولا بقطيعة، وعجلوا قضاء دَيْنه، وأعدلوا [] عن جيران السّوء" (١). وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن نافع المزني قال: مات رَجلٌ بالمدينة فَدُفن بها فرآه رجلٌ كأنّه من أهل النار، فاغتم لذلك، ثم رآه بعد سابعة أو ثامنة كأنه من أهل الجنة، فسأله قال: دفن معنا رجل من الصالحين، فشفع في أربعين من جيرانه، فكنت فيهم. الثانية: قال الآجرّي: يستحب الوقوف بعد الدفن قليلًا والدعاء للميت، مستقبل وجهه بالثّبات، فيقال اللهم هذا عبدك، وأنت أعلم به منّا، ولا نعلم منه إلا خيرًا، وقد أجلسته لتسأله، اللهم فثبّته بالقول الثابت في الآخرة، كما ثبّتّه في

стр. 183

الدّنيا، اللهمّ ارحمه، وألحقه بنبيّه، ولا تضلّنا بعده، ولا تحرمنا أجره. قُلتُ: فإن كان يعلم من عمله غير الخير، فلا ينبغي أن يقول، ولا نعلم إلا خيرًا لأنّه كذب، وهو لا يجوز، ثم رأيت علماءنا أعزّهم الله، صرحوا بذلك منهم "الإقناع" (١)، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 184

الكتاب الأول في أحوال البرزخ وهو الحاجز بين شيئين ومنه قوله : ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ [الرحمن: الآية ٢٠] أي حاجز يمنعهما من أن يختلط أحدهما بالآخر، ووجه تسمية ما هنا برزخًا؛ لأنه يحجز بين الدّنيا والآخرة، كما هو ظاهر، وفيه أربعة أبواب:

стр. 185

البابُ الأول في ذكر حال الميت عند نزوله قبره، وسؤال الملائكة له، وما يفسح له في قبره أو يضيق عليه، وما يرى من منزله في الجنة والنّار، وكلام القبر للميت عند نزوله إليه قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧]. وأخرج الشيخان عن البراء بن عازب ﵁، عن النبي ﷺ قال: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧] نزلت في عذاب القبر" زاد مسلم "يقال له من ربُّك؟ فيقول الله ربي، ونبيّي محمّد" فذلك قوله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧]، وفي رواية للبخاري "إذا أقُعد المؤمن في قبره أتى، ثم شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمَّدًا رسول الله، فذلك قوله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧] " الآية (١).

стр. 186

وأخرج الطبراني عن البراء مرفوعًا: "يقال للكافر مَن ربّك فيقول: لا أدري، فهو تلك الساعة أصمّ أعمى أبكم، فيضرب بمرزبة، لو ضُرب بها جبلٌ لصار ترابًا، فيسمعها كلُّ شيءٍ غير الثّقلين"، وقرأ ﷺ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧] الآية (١). وفي رواية لأبي داود (٢): "يأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له: مَن ربّك؟ فيقول: ربّي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى، فآمنت به وصدّقت، فيُنادِي منادٍ من السّماء أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنّة، وافتحوا له بابًا إلى الجنّة، وألبسوه من الجنّة، ويفسح له فيه مدّ بصره"، وذكر الكافر إلى أن قال: "ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له مَن ربّك؟ فيقول: هاه هاه: لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي منادٍ من السّماء، أن كَذَبَ عبدي، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها، وسمومها قال: فيضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه" وفي رواية: "ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبلًا لصار ترابًا"، قال: "فيضربه ضربة

стр. 187

يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصيرُ ترابًا". قال: "ثم تعاد الروح" وخرّجه النسائي وابن ماجه مختصرًا (١). وخرّجه الإمام أحمد ﵁ بسياقٍ مطوّل (٢). وأخرج الشيخان عن أنس ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا وُضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كُنتَ تقول في هذا الرّجل؟ لمحمّد ﷺ فأمّا المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبدُ الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار وقد أبدلك الله مقعدًا من الجنة، قال: فيراهما جميعا" (٣)، يعني المقعدين. قال قتادة: ذكر لنا "أنه يُفسح له في قبره وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنتُ أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت. ويُضرب بمطراق من حديد، ضربة فيصيح صيحة يسمعه من يليه، غير الثقلين" (٤). زاد أبو داود: "إنَّ المؤمن يُقال له: ما كنت تعبد؟ فإن

стр. 188

هداه الله تعالى قال: كنتُ أعبد الله، فيقال: ما كنت تقول في هذا الرّجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، قال: فما يُسأل عن شيء غير هذا"، وزاد أيضًا "فيقول دعوني حتى أبشر أهلي، فيقال له أسكن، وذكر الكافر أنه يُسأل عما كان يعبد، ثم عن هذا الرجل" (١). وفي الصّحيحين عن أسماء بنت الصّدّيق ﵄ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم كُسفت الشمس: "ولقد أوحى (٢) الله إليّ أنكم تفتنون في قبوركم، مثلٌ أو قريبٌ من فتنة الدّجّال، يؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال: له نم صالحًا، فقد عَلمنا أن كنت لموقنا، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته" (٣). وخرّجه الإمام أحمد بلفظ: "ولقد رأيتكم تفتنون في قبوركم، يُسأل الرّجل ما كنت تقول؟ وما كنت تعبد؟ فإن قال لا أدري، رأيتُ الناس يقولون شيئًا فقلته، ويصنعون شيئًا فصنعته، قيل له: أجل أي نعم على الشك، عشت وعليه متّ، هذا مقعدك من النار، وإن قال:

стр. 189

أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قيل له: على اليقين عشتَ وعليه متّ، هذا مَقعدك من الجنة" (١). وأخرج الترمذي وابن حبّان في "صحيحه"، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النّبي ﷺ قال: "إذا قُبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يُقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول: ما كان يقول، هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان قد كنا نعلم نك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا، ثم ينوّر له فيه، ثم يقال له نَمْ فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان نم كنومة العَروس الذي لا يوقظه إلّا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا، قال: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت مثله لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم انك تقول ذلك، فيُقالُ للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه، حتى تختلف فيه أضلاعه، فلا يزال فيها معذبًا، حتى يبعثه الله من مضجعه" (٢). وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يجلس الرّجل الصّالح في قبره، غير فزع ولا

стр. 190

مشغوف، ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول: كنتُ في الإسلام، فيقال: ما هذا الرّجل؟ فيقول: محمد رسول الله ﷺ ، جاءنا بالبينات والهدى من عند الله، فصدقناه، وآمنّا، فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما كان ينبغي (١) لأحد أن يَرى الله، أي في الدّنيا فيفرج له فرجة قِبَل النار، فينظر إليها، يحطم بعضها بعضا، فيقال له انظر إلى ما وقاك الله، ثم يُفرج له فرجَة إلى الجنة فينظر إلى زهرتها، وما فيها فيقال له: هذا مقعدك، ويقال له: على اليقين كنت، وعليه متّ، وعليه تُبعث إن شاء الله تعالى، ويجلس الرجل السّوء في قبره، فزعًا مشغوفًا فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري فيقال: ما هذا الرّجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولًا فقلته، فيفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يفرج له فرجة إلى النار، فينظرُ إليها يحطم بعضها بعضا، فيقال له: هذا مقعدك على الشكّ، كنت، وعليه متّ، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى" (٢). وأخرج الطبراني، عن أبي هريرة ﵁ قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ جنازة، فلما فرغ من دفنها وانصرف الناس، قال نبيُّ الله ﷺ : "إنّه الآن يسمع خفق نعالكم، أتاه منكرٌ ونكيرٌ، أعينهما

стр. 191

مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، أي قرونها وأصواتهما مثل الرعد القاصف، فيجلسانه فيسألانه ما كان يعبد؟ ومَن كان نبيه؟ فإن كان ممّن يعبد الله قال: كنت أعبدُ الله، ونبيّي محمّد ﷺ جاءنا بالبيّنات والهدى، فآمنّا واتبّعنا، فذلك فول الله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧]. فيقال له: على اليقين حَييت، وعليه متّ وعليه تبعث إن شاء الله، ثم يُفتح له باب إلى الجنة، ويوسّع له في حفرته، وإن كان من أهل الشكّ قال: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيقال له: على الشكّ حَييت، وعليه متّ، وعليه تبعث، ثم يفتح له باب إلى النار، ويسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخ أحدُهم في الدّنيا ما أنبتت شيئًا تنهشه، وتؤمر الأرض فتنضمّ عليه، حتى تختلف أضلاعه" (١). وأخرج الإمام أحمد عن جابر، عن النّبي ﷺ قال: "إنّ هذه الأمّة تبتلى في قبورها، فإذا دخَل المؤمن قبرَه وتولى عنه أصحابه، جاءه مَلك شديد الانتهار فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرّجل؟ فيقول المؤمن: أشهد أنّه رسول الله، فيقول الملك انظر إلى مقعدك

стр. 192

الذي كان لك في النار، قد أنجاك الله منه، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار، مقعدك الذى ترى من الجنة، فيراهما كلاهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي، فيقال له: اسكن. وأمّا المنافق، فيُقعد إذا تولَى عنه أهله، فيقال له ما كنت تقول في هذا الرّجل؟ قال: لا أدري، أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة، قد أبدلك الله به مقعدك من النار" (١). قال جابر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يُبعث كل عبد على ما مات عليه (٢)، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه" (٣). وأخرج أيضا عن أبي سعيد ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة، فقال ﷺ : "يا أيها الناس إن هذه الأمّة تبتلَى في قبورها، فإذا الإنسانُ دُفِن، فتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق، فأقعده قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمَّدًا عبده ورسوله. يُقال أو يقولُ: صدقت، ثم يُفتح له بابُ إلى النار فيقول: هذا منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنتَ، فهذا منزلُك فيفتح لَه بابٌ إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه، فيقول له اسكن، ويُفسح لَه في قبره، وإن كان كافرًا أو منافقًا يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت

стр. 193

الناس يقولون شيئًا فقلته، فيقال له: لا دريْت ولا تليت، ولا اهتديْت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذْ كفرت به، فإنّ الله تعالى أبدلك هذا، ويفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه قمعة بمطراق، يسمعها خلق الله كُلهم، غير الثقلين". فقال بعض القوم: يا رسول الله: ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلّا هيل أي فزع، وخاف عند ذلك، فقال ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧] " (١). وأخرج أبو بكر الخلال في كتاب "السنة"، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّ النّبي ﷺ قال له: "كيف أنت يا عمر؟ إذا كنت من الأرض في أربعة أذرع، في ذراعين ورأيتَ منكرًا ونكيرًا؟ " قلت يا رسول الله: وما منكر ونكير؟ قال: "فتانا القبر، يبحثان الأرض بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما أصواتهما كالرّعد القاصف، وأبصارُهما كالبرق الخاطف، ومعهما مرزبة، لو اجتمع عليها أهل مِنى لم يطيقوا رفعها، هي أيسر عليهما من عصاي هذه؟ " قُلتُ: يا رسولَ الله، وأنا على حالي هذه؟ قال: "نعم"، فقلت: إذًا لأكفيكهما.

стр. 194

وفي رواية: "فامتحناك، فإن التويت ضرباك بها ضربة صرت رمادًا" (١). قال الحافظ ابن رجب: في إسناده ضعفٌ، وخرّجه الإسماعيلي من وجه آخر، وفيه ضعف بنحوه، وزاد فيه: "يأتيان الرجل في صورة قبيحة، يطآن على شعورهما، ويحفران بأنيابهما" (٢). وأخرج الإمام أحمد وابن حبّان في "صحيحه"، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنّ رسول الله ﷺ ذكر فتاني القبر فقال عمر: أتُرَدُّ علينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "نعم كهيأتكم اليوم"، فقال عمر: بِفيةِ الحَجَرُ (٣).

стр. 195

وأخرجَ الإمام أحمد عن بعض حفدة أبي موسى الأشعري ﵁ أن أبا موسى أوصاهم قال: إذا حفرتم فأعمِقوا قعره، أما إنّي والله لأقول ذلك، وإني لأعلم إن كنت من أهل طاعة الله ليفسحنّ لي في قبري، ولينوّرنّ لي فيه، ثم ليفتحن لي باب مساكني في الجنة، هما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم بمساكني منها، وليأتينّي من روحها وريحها وريحانها، ولئن كنتُ من أهل المنزلة الأخرى، ليضيقنّ عليّ قبري ولتُهدَمنَّ عليّ الأرضُ، وليُفتَحنَّ بابُ مساكني من النار، فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم مني بمساكني منها، ثُمَّ ليأتيني من شررها، ودخانها (١). وقد رُوي عَن مجاهد أن الموتى يفتنون في قبورهم سبعًا فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام (٢). وسنذكر الكلام على هذا بعد إن شاء الله تعالى. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن بحير، حدثنا بعضُ أصحابنا قال: مات أخ لي فرأيته في النوم فقلت له ما كان حالك حين وضعت في قبرك؟ قال: أتاني آت بشهاب من نار، فلولا أن داع دعا لي، لرأيت أنه سيضربني به (٣). * * *

стр. 196

فصل في كلام القبر للميت عند نزوله أخرج الترمذي عن أبي سعيد ﵁ قال: دَخل رسول الله ﷺ مصلاه فرأى ناسًا يكشرون أي يضحكون، فقال: "أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى الموتُ فأكثروا ذكر هادم اللذات، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا يتكلم فيه، فيقولُ: أنا بيت الغربة أنا بيت الوحدة، أنا بيت التراب، أنا بيت الدود، فإذا دُفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبًا وأهلًا أما إن كنت لأحبّ من مشى على ظهري، فإذا آويتك اليومَ وصرت إليّ فسترى صنعي بك فيتسع مدّ بصره، ويُفتح له بابٌ إلى الجنّة، فإذا دُفن العبدُ الكافر أو الفاجر قال القبر: لا مَرْحبا بك ولا أهلًا أما إن كنت لأبغض من مشى على ظهري، فإذا وليتك اليوم، وصرت إليّ فسترى صنعي بك، قال فيلتئم عليه حتى تلتقي، وتختلف أضلاعه". وقال ﷺ بأصابعه، فأدخل بعضها في بعض، "ويقيّض له تسعون تنّينًا، لو أن واحدًا منها نفخ في الأرض، ما أنبتت شيئًا ما بقيت الدنيا فتنهشه وتخدشه، حتى يُقضى به إلى الحساب". قال: وقال رسول الله ﷺ : "القبرُ إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار" قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه، إلا من هذا الوجه (١).

стр. 197

قال الحافظ ابن رجب: لكن رُوي معناه من وجوه أُخر، فذكر منها عن أبي الحجاج الثمَالي (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول القبر للميت حين يوضع فيه: ويحَك يا ابن آدم، ما غرّك بي؟، ألمْ تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة، وبيت الوحدة، وبيت الدّود، ما غرّك بي؟ تمرّ بي مرارًا (٢) قال: فإن كان مصلحًا! أجاب عنه مجيب القبر، فيقول: أرأيت إن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال: فيقولُ القبرُ إني إذًا أتحول عليه خَضراءَ، وبعود قبره (٣) نورًا، وتصعدُ روحه إلى الله تعالى" (٤). خرّجه ابن أبي الدنيا والحاكم واسم أبي الحجاج: عبد الله بنُ عمرو، يُقال: عبد بن أبي عبد، قال الحاكم: أرى لهُ صحبة. وأخرجَ ابن منده عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ نحوه، وفيه: "إذا وُضع الميتُ في لحده تقول الأرض إن كُنت لحبيبًا إلي وأنت على ظهري، فكيف إذا صرت اليوم إلى بطني، سأريك ما

стр. 198

أصنع بك، فيفسح له قبره مدّ بصره" (١). وقال عبيدُ بن عمير: يجعلُ الله للقبر لسانًا ينطق به، فيقول: ابن آدم كيف نسيتني؟ أما علمتَ أني بيت الأكلَة، وبيتُ الدّود، وبيت الوحدة، وبيت الوَحشة (٢). وقال محمد بن السمّاك الواعظ: بلغنا أن الرجل إذا وُضع في قبره فعذّب، أو أصابه بعض ما يكره ناداه جيرانه من الموتى، أيّها المُخلّف في الدنيا بعد إخوانه وجيرانه أما كان لك فينا مُعتبر أما كان لك في تقدّمنا إياك فكرة أما رأيت انقطاع أعمالنا عنا، وأنت في المهلة فهلا استدركت ما فات إخوانك قال: فتناديه بقاع القبر أيها المغتر بظاهر الدنيا، هلا اعتبرت بمن غيب عنك من أهلك، في بطن الأرض ممن غرّته الدنيا قبلك! ثم سبق به أجله إلى القبور، وأنت تراه محمولًا، تهاديه أحبته إلى المنزل الذي لا بدّ منه.

стр. 199

فصل قال الحافظ ابن رجب، في "أهوال القبور": وقد أَطلَع اللهُ تعالى من شاء من خلقه وعباده، على كثير ممّا ورد في هذه الأحاديث، حتى سمعوه وشاهدوه عيانًا، ونحن نذكر طرفًا من ذلك. وأخرج ابن أبي الدنيا، من طريق يزيد بن طريف قال: مات أخي فلما ألحِد وانصرف الناس، وضعتُ رأسي على قبره، فسمعت صوتًا يقول ما ربك فسمعت صوتًا (١) ضعيفًا أعرف أنه صوت أخي، وهو يقول الله، فقال الآخر: ما دينك؟ قال: الإسلام (٢). ومن طريق العلاء بن عبد الكريم، قال: مات رجلٌ وكان له أخ ضعيف البصر، قال أخوه: فدفناه، فلما انصرف الناس، وضعتُ رأسي على القبر، فإذا أنا بصوت من داخل القبر، يقول من ربّك؟ ومن نبيّك؟ فسمعت صوت أخي وهو يقول: الله، قال الآخر: فما دينك؟ قال: الإسلام. وخرّجَهُ ابن أبي الدنيا في كتاب "القبور" (٣) بلفظ آخر، وهُو: قال: فإذا أنا بصوت من داخل القبر يقول: من ربّك؟ ومن نبيّك؟ فسمعت أخي يقول وعرفتُه، وعرفتُ صوتَه قال: اللهُ ربّي، ومحمدٌ نبيّي، ثم ارتفع شبه سهم من داخل القبر إلى أذني، فاقشعرّ جلدي، وانصرفت.

стр. 200

وقال الضحاك: توفى أخ لي، فدُفِن قبل أن ألحق جنازته، فأتيت قبره فاستمعت عليه، فإذا هو يقول: ربي الله، الإسلام ديني. وخرّج ابن أبي الدنيا حكاية في "كتاب القبور"، عن يزيد بن حوشب قال: كنت جالسًا عند يوسف بن عَمرو إلى جنبه رجل كأن شقّ وجهه صفحة من حديد، فقال له يوسف: حدَّثَ يزيد بما رأيت قال: كنتُ شابًا قد أتيتُ هذه الفواحش، فلما وقع الطاعون قلت: أخرج إلى ثغر من هذه الثغور، ثم رأيتُ أن أحفر القبور، فإني لليلة بين المغرب والعشاء، قد حفرت قبرًا، وأنا متكئ على تراب آخر، إذ أقبل بجنازة رجل، حتى دُفن، في ذلك القبر، وسَوّينا عليه التراب (١) فأقبل طائران أبيضان من المغرب، مثل البعيرين، حتى سقط أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، ثم أثاراه، ثم تدلى أحدهما في القبر والآخر على شفيره، قال: فجئت حتى جلست على شفير القبر، وكنت رجلًا لا يملأ جوفي شيء، قال: فضرب بيده إلى حقوه فسمعته يقول ألست الزائر لأصهارك في ثوبين تسحبهما كبرا تمشي الخيلاء فقال: أنا أضعف من ذلك، قال فضربه ضربة امتلأ القبر ماء أو دمًا (٢) قال: ثمّ عاد فعاد عليه القول مثل الأوّل، حتى ضربه حتى فاض، ثلاث ضربات كل ذلك يقول له ويذكر أنّ القبر يفيض ماء أو دمًا قال: ثم رفع رأسه، فنظر إليّ

стр. 201

فقال: انظر أين هو جالس بلسه اللَّه قال: ثم ضرب جانب وجهي، فسقطت فمكثت ليلتي حتى أصبحت، قال: ثم أخذت انظر إلى القبر على حاله، وأذكر جلوسي، وذكر نحو هذا وشبهه. وكذلك شوهد اتساع اللحد وانفراجه. روى ابن أبي الدنيا، في كتاب "ذكر الموت"، عن أبي بكر بن أبي مريم عن الأشياخ قال: كان شيخ من بني (الجرمي) (١) (٢) بالبصرة، وكان شيخًا صالحًا، وكان له ابن أخ يصحب الفساق، فكان يعظه فمات الفتى، فلمّا أنزله عمه في قبره، وسوى عليه اللبن، شك في بعض أمره فنزع بعض اللبن، فنظر في قبره فإذا فيه أوسع من جبانة البصرة، وإذا هو في وسط منها، فردّ عليه اللبن وسأل امرأته عن عمله، فقالت كان إذا سمع المؤذّن، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يقول وأنا أشهد بما شهدت وأكفيها مَنْ تولى عنها. وأخرج ابن أبي الدنيا، في كتاب من "عاش بعد الموت"، حكاية (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا نحن حول مريض لنا إذ هدأ وسكن حتى ما يتحرك منه عرق، فسجّيناه وأغمضناه، وأرسلنا إلى ثيابه وسدره وسريره (٤)، فلمّا ذهبنا لنحمله لنغسله تحرّك، فقلنا سبحان الله! ما كنا نراك إلّا قدْ متّ، قال: فإنّي قدْ متّ

стр. 202

وذُهِب بي إلى قبري، فإذا إنسانٌ حسن الوجه، طيّبَ الرّيح قد وضعني في لحدي فطوّاه بالقراطيس، إذ جاءت إنسانة سوداء منتنة الريح قالت: هذا صاحب كذا، وهذا صاحب كذا، أشياء والله أستحيي منها، كأنَّما أقلعتُ عنها ساعته، قال: قلتُ: أنشدك الله أن تدعني وهذه، قالت: انطلق نخاصمك، فانطلقتُ إلى دار فيحاء واسعة، فيها مصطبة كأنّها من فضة، وفي ناحية منها مسجد ورجل قائم يصلي، فقرأ سورة النحل، فتردّد في مكان منها، ففتحتُ عليه فانفتل، فقال: السورة معك؟ قلتُ: نعم. فقال: أمّا إنها سورة النجم، ورفع وسادة قريبة منه، فأخرج منها صحيفة فنظر فيها فبادرته السَّوداء، فقالت: فعل كذا وفعل كذا، قال وجعل الحسن الوجه يقول: وفعل كذا وفعل كذا، وفعل كذا؛ يذكر محاسني. فقال الرّجل: عبدٌ ظالم لنفسه ولكن الله تجاوز عنه، لم يجيء أَجَلُ هذا بعدُ، أَجَلُ هذا يوم الاثنين. قال: فقال: انظروا فإن أنا متّ يوم الأثنين فارجو لي ما رأيت، وإن لم أمت يوم الاثنين فإنما هو هذيان الوجع. قال: فلمّا كان يوم الاثنين، صحّ حتى بعد العصر ثم أتى أجله. وفي لفظ: فلمّا خرجنا من عند الرجل قلت للرّجل الحسن الوجه الطيب الريح، ما أنت؟ قال: أنا عملك الصّالح، قلت: فما الإنسانة السوداء المنتنة الريح؟ قال: عملك الخبيث، أو كلامٌ يُشبه هذا، ذكرهُ الحافظ ابن رجب في "أهوال القبور" (١). وقال: فيه عن عمر بن

стр. 203

مسلم، عن رجل حفّار القبور، قال: حفرت قبرين وكنت في الثالث فاشتد عليّ الحرّ، فألقيت كسائي على ما حفرت، واستظللت فيه فبينا أنا كذلك إذ رأيت شخصين، على فرسين أشهبين، فوقفا على القبر، فقال أحدهما لصاحبه: أكتب، قال: ما أكتب؟ قال: فرسخ وفرسخ (١)، ثم تحوّلا إلى الآخر، قال: أكتب قال وما أكتب؟ قال: مدّ البصر، ثم تحوّلا إلى الآخر الذي أنا فيه فقال أكتب قال: وما أكتب قال: فِتْرٌ في فِتْرٍ (٢) فقعدت انظر الجنائز، فجيء برجل معه نفر يسير، فوقفوا على القبر الأوّل قلت: ما هذا الرجل؟ قالوا: إنسانٌ قرّاب يعني سقّاء ذو عيال، ولم يكن له شيء، فجمعنا له، فقلُت: ردُّوا الدراهم على عياله، ودفنته معهم، ثم أُتي بجنازة ليس معها إلا من يحملها فسألوا عن القبر فجاءوا إلى القبر، الذي قالا: مد البصر، قلتُ: من ذا الرجل، فقالوا: إنسان غريب مات على مزبلة، ولم يكن معه شيء، فلم آخذ منهم شيئًا، وصليت عليه معهم، وقعدت انظر الثالث فلم أزل أنتظره إلى العشاء، فأُتي بجنازة امرأة لبعض القواد فسألتهم الثمن، فضربوا برأسي، ودفنوها فيه (٣). فسبحان اللطيف الخبير. قُلْتُ: وقد أخبرني بعض إخواني وهو عندي غير متهم؛ أنّ

стр. 204

رجلًا من بلدهم ماتت زوجته، قال وكانت تتعاطى الرّبا، بالباء الموحّدة، فلما كان وقت العشاء سمع زوجها صريخها من داخل القبر، وكان جالسًا في باب داره فلمّا سمعها أخذته الحشومة من أجلها، وكان ذا شدّة وبأس، فأخذ سلاحه وذهب إلى عند قبرها، فوقف عليه وقال: لها لا تخافي، فإنّي عندك؛ زعمًا منه أنه سينقذها مما هي فيه، لشدّة عتوّه وجهله، وتناول حجرًا من (١) القبر، قال: فما رفع رأسه حتى ضُرِب ضربة أبطلت حركته، وأرخت مفاصله، وأدُلع لسانه، فرجع على حالة قبيحة، وهيئة فضيحة. قال: فوالله لقد رأيته وهو مرخي لسانه (٢)، وبصاقه ينزل على صدره. قال: وهذا خبر استفاض عند أهل البلد كلّها، والله أعلم. وأخبرني الشيخ التقي المتعبد، وهو غير مُتّهم، بل ثقة صدوق، أعني: الشيخ صالح ابن الشيخ محمّد جرّاح، سنة سبع وثلاثين بعد المائة (٣)، في شهر رجب في خلوتي بدمشق الشام، في مدرسة الشيخ مراد، في رحلتي في طلب العلم، وكانَ الشيخُ صالح يتردّدُ عليّ يقرأ في علم العروض، قال: أخبرني والدي الشيخ الصّالح محمد جراح العجلوني قال: ذكر لي جماعة من أهل بلدة، وسمّاها قالوا: كان عندنا هنا رجلٌ يظن به الخير، غير أنه يشرب التتن (٤)،

стр. 205

فتوفّى في يوم شديد الشتاء والبرد، فلم يستطيعوا أن يحفروا له قبرًا من شدة الثلج، فقالوا: نضعه في خشخاشة (١)، ففعلوا فنزل عليه رجل فسوّاه ثم خرج فلمّا كان بعد العشاء الآخرة، وأراد أن ينام تذكر أنّه كان معه صرة درا هم، وظن أنها إنما وقعت في الخشخاشة، فقال لأولاده، وكانوا ثلاثة أو قال اثنين: قومُوا بنا إلى الخشخاشة وذكر لهم الخبر، فقالوا: غدًا نذهب إليها فقال: بل الليلة لئلا تكون الدّراهم فيها، فننفضح غدًا، وأمّا الآن فإن لقينا الدراهم فبها ونعمت، وإلّا فلا أحد يعلم خبرنا، قال: فأخذوا أضواء وذهبوا إلى المحلّ ففتح الرّجل على الميت، فلقي القبر ملآن نارًا عليه، وإذا بالميّت جالس، وإذا بذكره ممدود، وإذا هو واضع رأس ذكره في فمه، ويخرج من فمه دخان منتن، والقبرُ يُضرمُ عليه نارًا، قال: فذهل الرجل وأولاده وصرخ بأهل بلده، فأتوا إليه ونظروا حالته، ولم يقدر الرجل أن يهجم على القبر، لينظر الدراهم لشدة النار. قال: وهذه قصّة معلومة قد أخبرني والدي أنه ذكر هذا (٢) له جماعة من أهل تلك البلدة، ومن جملتهم الرّجل الذي ضاعت دراهمه، أو كلامًا هذا معناه والله أعلم بحقيقة ذلك. ولقد سمعت أذناي ووعى قلبي؛ وعمري إذ ذاك نحو تسع سنين

стр. 206

صراخ ميّت من خشخاشة وذلك أني كنت مع أجير لنا، يدعى حمدًا ناحية الجبّانة وكان قد دُفن رجل يقال له شحادة الهمشري، في خشخاشة في طرف الجبّانة، فلمّا دنوت من الجبّانة سمعته يتضجّر ويصيح تضجّر الذي يضرب بالسّياط، وأبْلغ وسمع ذلك أجيرنا أيضًا، ففزعت لذلك فزعًا شديدًا، وسمع ذلك من تلك الخشخاشة جماعة في مرّات متعدّدة، ومضى عليّ مدّة طويلة، لا أستطيع أن أهجم على الجبّانة، بسبب ذلك حتى مَن الله عليّ بقراءة القرآن، وذلك سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف وعمري إذ ذاك نحو سبع عشرة سنة (١)، ولله الحمد. وذكر لي رجلٌ من أهل القرآن أنّه سَأَلَ حفّارًا عن أعجب ما رأى من أهوال القبور، قال: كشفت يومًا عن قبر، فرأيت فيه جثة إنسان، وفي وسط تلك الجثة عقرب عظيم، هاذا زبانه مثل المرود، وإذا به يَضربُ تلك الجثّة، فتنضمّ وتنطوي، فإذا قلع زبانه منها امتدّت كما كانت، وهكذا والرّجل الذي أخبرني اسمه محمّد، والحفّار اسمه عطا الله، وهذا سمعته منه سنة اثنتين وثلاثين على جبّانة، ولمّا رجعت من رحلتي في طلب العلم، سنة تسعة وثلاثين سألت ولد عطا الله عن ذلك فقال: وأنا والله سمعتُ ذلك من والدي، وهذا عندي غير متّهم، وهذا شيء قد عاينه الناس وتواتر وكثرت الحكايات فيه، وهو ممّا يجب الإيمان به، ولا ينكره إلّا ضال، ونعوذ بالله والله سبحانه أعلم.

стр. 207

تَتِمَّة: أخرج ابن أبي الدّنيا في "التهجّد"، وابن الضريس في فضائل القرآن (١)، وغيرهما عن عبادة بن الصّامت قال: إذا قام أحدكم من اللّيل، فليجهر بقراءته فإنه يطرد بجهره الشياطين، وفسّاق الجنّ، وإنّ الملائكة الذين هم في الهواء، وسكّان الدّار يستمعون لقراءته، ويصلّون بصلاته، فإذا مضت هذه الليلة، أوصت تلك الليلة المستأنفة فتقول نبهيه لساعته، وكوني عليه خفيفة، فإذا حضرته الوفاة جاء القرآن، فوقف عند رأسه وهم يغسّلونه، فإذا فرغ منه دخل القرآن حتى صار بين صدره وكفنه، فإذا وضع في حفرته وجاءه منكر ونكير، خرج القرآن فصار بينه وبينهما، فيقولان له إليك عنا، فإنا نريد أن نسأله فيقول: والله ما أنا بمفارقه حتى أدخله الجنّة، فإن كنتما أمرتما فيه بشيء فشأنكما، ثم يَنظرُ إليه فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا القرآن، أنا الذي كنت أسهرُ ليلَك، وأضمي نَهارَك، وأمنعك شهوتك، وسمعَك وبصرَك، فستجدني من بين الأخلّاء خليل صدق، ومن الإخوان أخا صدق، فأبشر فما عليك بعد مسألة منكر ونكير، مِنْ هَمّ ولا حَزن، ثمّ يخرجان عنه فيصعد القرآن إلى ربه تعالى، فيسأل له فراشًا ودثارًا، وقنديلًا من

стр. 208

نور الجنة، فيؤمر له بفراش ودثار، وياسمين من ياسمين الجنة (١)، فيحمله ألف ملك من مقربي السّماء الدنيا، فيسبقهم القرآن إليه، فيقول: هل استوحشت بعدي؟ ما زلت منذ فارقتك، على أن كلّمت الله في فراش ودثار ومصباح، فهذا قد جئتك به، فتدخل عليه الملائكة، فيحملونه ويُفرِشُونه ذلك ويضعون الدثار تحت رجليه، والياسمين عند صدره، ثم يحملونه حتى يضعونه على شقه الأيمن، ثم يصعدون عنه فيستلقي عليه، فلا يزال ينظر إلى الملائكة، حتى يلجوا إلى السّماء، ثم يدفع القرآن في قبلة القبر، فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك (٢). قال الجلال السيوطي في "شرح الصدور" (٣) والحافظ ابن رجب في "أهوال القبور" (٤): قال أبو عبد الرحمن المقري (٥)، وكان

стр. 209

في كتاب أبي معاوية: فيوسع له أربعمائة عام ثم يحمل الياسمين، من عند صدره فيجعله عند أنفه، فيشمّه غضًا إلى يوم ينفخ في الصور، ثم يأتي أهله كل يوم مرة أو مرتين، فيأتيه بخبرهم ويدعو لهم بالخير، والإقبال، فإن تعلّم أحدٌ من ولده القُرآن بشرَه بذلك، وإن كان عقبه عقب سوء أتى الدار بكرة وعشيا، فبَكى عليه إلى أن ينفخ في الصور. قال الحافظ أبو عيسى المديني: هذا خبر حسن، وقد رواه الإمام أحمد ﵁ وأبو خيثمة، وطبقتهما من المتقدمين، عن أبي عبد الرحمن المقري، هذا كلام الحافظ ابن رجب، في أهوال القبور، وقد رواه العقيلي في "الضّعفاء". (١) قلت: ورواه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢)، من وجه آخر عن عبادة مرفوعًا، قالا -أعني- العقيلي وابن الجوزي: ولا يصح. وأخرج جويبر (٣) في "تفسيره"، عن الضّحّاك عن ابن عباس ﵄ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة رجل من الأنصار، فانتهى إلى القبر لم يُلحد له، فجلس وجلس الناس،

стр. 210

وكأنّ على رؤسهم الطّير، فَضَربَ رسولُ الله ﷺ بصره في الأرض، ينكت بمخصرة معه، ثم رفع بصره إلى السّماء فقال: "أعُوذ بالله من عذاب القبر"، ثلاث مرّات، ثم قال: "إنّ العبد المؤمن، إذا كان في إقبال من الآخرة، وإدبار من الدنيا، أتاه ملك الموت فجلس عند رأسه، وتهبط إليه ملائكة معهم تحفة من تحف الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، ومن كسوتها فيجلسون منه مدّ البصر، سماطين فيبدأ ملك الموت فيبشره، ثمّ تبشّره الملائكة، فتسيل نفسه كما تسيل القَطْرة من فيّ السّقاء فرحًا بمباشرة ملك الموت، حتى إذا أخذ نفْسَه، لم تدعها الملائكة طرفة عين، حتى يأخذوها ويحتضنوها إليهم بتلك التحف التي هبطوا بها، فإذا ريحُها قد ملأ ما بين السّماء والأرض، فتقول الملائكة ما أطيب هذه الرائحة، فتقول الملائكة هذه [رائحة] (١) نفس فلان، قبض اليوم، وتُصلِّي عليه، فإذا انتهوا به إلى السماء فُتحت أبواب السماء، فليس من بابِ إلا وَهو مشتاق إليه أن يهبط منه حتى إذا دخلوا بها من باب عمله بكى عليه الباب فلا يمرّون [بها] (٢) على أهل سقاء إلا قالوا: مرحبًا بهذه النفس المطمئنة، التي قبلت دعوة (٣) ربها حتى انتهوا إلى سدرة المنتهى، فيقول ملك الموت والملائكة الذين هبطوا إليها: يا رب قَبضْنا روح

стр. 211

فُلان بن فلان المؤمن، وهو أعلم منهم بذلك، فيقولُ الله: ردّوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدُهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فإنه يسمعُ خفق نعالكم، ونفض أيديكم إذا وليتم عنه مدبرين، فتأتيه أملاك ثلاثة، ملكان من ملائكة الرحمة، وملك من ملائكة العذاب، وقد اكتنفه عمله الصالح والصلاة عند رجليه والصيام عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصدقة عن يساره، والبِرّ وحسن الخُلُق على صدره، فكلما أتاه ملك العذاب من ناحية، ذبّ عنه عمله الصالح، فيقوم بمرزبة، لو اجتمع أهل منى لم يقلوها، فيقول: أيّها العبد الصالح لولا ما اكتنفك من الصلاة والصوم، والزكاة، والصدقة لضربتك بهذه المرزبة ضربة يشتعل قبرك منها نارًا، فهو لكما وأنتما له. ثم يصعد ملك العذاب فيقول أحدهما لصاحبه: ارفق بوليّ الله فإنه جاء من هول شديد، فيقول: مَن ربّك؟ فيقول: الله، فيقول: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام، فيقول: مَن نبيّك؟ قال: محمّد، فيقولان: وما يدريك؟ قال: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدّقت، وينتهرانه عندها، وهي أشد فتنة تُعرضُ على المؤمن، فينادى من السماء: قد صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، واكسوه من كسوتها، وطيبوه من طيبها، وأفسحوا له في قبره مدّ البصر، وافتحوا له بابًا من الجنة عند رأسه، وبابًا عند رجليه، ثم يقولان له: نم نومة العروس في حَجلتها، لم يذق عذاب القبر، فهو يقول: ربّ أقم السّاعة لكي أرجع إلى أهلي ومالي وما أعددت لي، فيبعث من قبره مبيضَّ الوجه"، قوله

стр. 212

في الحديث: ينكت بمثناة آخره، أي: يبحَثُ. والمخصرة: ما اختصره الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوه، والحَجَلة (١): بفتح المهملة، والجيم البشخانة. ذكرهُ السيوطي. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود قال: إنَّ أحدكم إذا مات، ليُجلَّسُ في قبره إجلاسًا، فيقالُ: ما أنت؟ فإن كان مؤمنًا قال: أنا عبد الله حيّا وميّتا، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، فيفسح له في قبره ما شاء الله، فيرى مكانه من الجنة، وينزل عليه كسوة يلبسها من الجنة، وأما الكافر فيقال له: ما أنت؟ فيقول: لا أدري! فيُقال: لا دريت، ثلاثًا، فيضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويُرسل عليه حيّات من جوانب قبره، تنهشه، وتأكله، فإذا جَزِعَ فصاح قُمع بمقمع من نار وحديد، ويُفتحُ له باب إلى النّار (٢). وأخرج الآجري في "الشريعة"، عن ابن مسعود أيضًا ﵁ قال: إذا تُوفي العبدُ بعثَ الله إليه ملائكة، فيقبضون روحه في أثوابه، فإذا وُضع في قبره، بعث اللهُ إليه ملكين ينتهرانه، فيقولان: مَن ربّك؟ قال: ربّي الله، قالا: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام. قالا: من نبيك؟ قال: نبيّ محمّد، قالا: صدقت، كذلك كنت، أفرِشوه من الجنّة، وألبسُوه منها، وأروه مقعده منها، وأما الكافرُ: فيُضربُ ضربةً

стр. 213

يلتهب قبره منها نارًا، ويضيق عليه قبره، حتى تَختلفَ أضلاعه، وتُبعث عليه حيّاتٌ من (١) حيات القبر، كأعناق الإبل (٢). وأخرج هنّاد في "الزهد"، وابن أبي شيبة، و [ابن] جرير وابن المنذر، وابن حِبّان في "صحيحه"، والطبراني في "الأوسط"، وابن مردوول والحاكم والبيهقي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، إن الميت إذا وُضع في قبره، إنه يسمع خفق نعالهم، حين يُولّون عنه، فإذا كان مؤمنًا، كانت الصّلاةُ عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصومُ عن شماله، وفعل الخيرات والمعروف والإحسان إلى الناس من قِبَل (٣) رجليه، فيُؤتَى من قِبَل رأسه، فتقول الصلاة: ليس قِبَلي مدخل، فيُؤتى من قبل يمينه، فتقول الزكاة: ليس قِبَلي مدخل، ويُؤتى مِن قِبَل شِمالِه، فيقول له الصّوم: ليس قِبَلي مدخل، ثم يُؤتى من قِبَل رجليه، فيقول فعِل الخيرات والمعروف والإحسان إلى الناس: ليس قِبَلي مدخل، فيُقال له: اجلس فيجلس، وقد مثلت له الشمس، قد قربت للغروب، فيُقال له: أخَبرنا عمّا نسألك، فيقول: دعني حتى أصُلّي فيُقال: إنك ستفعل، فأخبرنا عمّا نسألك فيقول: عمّ تسألون؟ فيقالُ له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم؟ يعني النبيّ ﷺ ، فيقولُ: أشهد أنه

стр. 214

رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات من عند ربّنا، فصدَّقناه واتبّعناه، فيُقال له: صدقت، على هذا حييت، وعليه متّ، وعليه تبُعث إن شاء الله، ويُفسح له في قبره مدّ بصره، وذلك قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧] ويُقال: افتحوا له بابًا إلى النار، فيُفتح له باب إلى النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، فيزداد غبطة وسرورًا، ويُقال: افتحوا له بابًا إلى الجنة، فيُفتح له، فيُقال: هذا منزلك وما أعدّ الله لك، فيزداد غبطة وسرور، فيُعادُ الجسد إلى ما بدأ منه التراب، وتُجعلُ روحه في النسيم الطيب، وهي طيرٌ خضرٌ تعلّق في شجر الجنَّة، وأمّا الكافرُ فيُؤتى في قبره من قبل رأسه، فلا يوجد شيء فيُؤتى من قبل رجليه، فلا يوجد شيء، فيُجلَّس خائفًا مرعوبًا فيُقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم؟ وما تشهد به، فلا يهتدي لاسمه، فيُقالُ: محمد [رسول الله] (١) ﷺ فيقول: سمعتُ الناس يقولون أشياء فقلتُ كما قالوا، فيقال له: كَذَبْتَ على هذا حيِيتَ، وعليه متّ، وعليه تبعث إن شاء الله ويُضيّقَّ عليه قبره، حتى تَختلِفَ أضلاعُه فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: الآية ١٢٤] فيُقال: افتحوا له بابًا إلى الجنة، فيُفتح له بابٌ إلى الجنَّة فيُقال: هذا كان منزلك وما أعدَّ الله لك، لو كنت أطعته، فيزدادُ حسرة وثبورا، ثمّ يُقال: افتحوا له بابًا إلى النار، فيُفتح له بابٌ إليها،

стр. 215

فيقال: هذا منزلك وما أعدّ الله لك، فيزداد حسرة وثبورًا". قال أبو عمرو الضرير: قلت لحمّاد بن سلمة، كأن هذا من أهل القِبلة، قال: نعم، قال أبو عمرو: وكأنه يشهد بهذه الشهادة على غير يقين، يرجع إلى قلبه كانَ يسمعُ الناس يقولون شيئًا فيقوله (١). وأخرج الإمام أحمد، والبيهقي بسند صحيح، عن عائشة ﵂ قالت: جاءت يهوديّة، فاستطعمت على بابي، فقالت: أطعموني، أعاذكم الله من فتنة الدّجّال، ومن فتنة عذاب القبر، فلم أزل أحبسها، حتى أتى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما تقولُ هذه اليهوديّة؟ قال: "ما تقول؟ " قلت: تقول: أعاذكم الله من فتنة الدَجّال، ومن فتنة عذاب القبر، فقالت عائشة: فقام رسول الله ﷺ فرفع يديه مَدَّا، يستعيذ بالله من فتنة الدّجّال، ومن فتنة عذاب القبر، ثمّ قال: "أمّا فتنة الدجّال فإنه لم يكن نبيٌّ إلا حذّر أمّته، وسأحذّركموه بحديث لم يحذرْهُ نبي أمتَه، إنّه أعور والله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر يقرأه كلّ مؤمن، فأمّا فتنةُ القبر، فبي تفتنون وعنّي تُسألون، فإذا كان الرجل الصالح، أُجلس في قبره غير فزع، ولا مشغوف ثمَّ يقال له: فيم كُنتَ؟ فيقول: في الإسلام، فيقال: ما هذا الرجل الذي كان
следующие страницы →