← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فُلان بن فلان المؤمن، وهو أعلم منهم بذلك، فيقولُ الله: ردّوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدُهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فإنه يسمعُ خفق نعالكم، ونفض أيديكم إذا وليتم عنه مدبرين، فتأتيه أملاك ثلاثة، ملكان من ملائكة الرحمة، وملك من ملائكة العذاب، وقد اكتنفه عمله الصالح والصلاة عند رجليه والصيام عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصدقة عن يساره، والبِرّ وحسن الخُلُق على صدره، فكلما أتاه ملك العذاب من ناحية، ذبّ عنه عمله الصالح، فيقوم بمرزبة، لو اجتمع أهل منى لم يقلوها، فيقول: أيّها العبد الصالح لولا ما اكتنفك من الصلاة والصوم، والزكاة، والصدقة لضربتك بهذه المرزبة ضربة يشتعل قبرك منها نارًا، فهو لكما وأنتما له. ثم يصعد ملك العذاب فيقول أحدهما لصاحبه: ارفق بوليّ الله فإنه جاء من هول شديد، فيقول: مَن ربّك؟ فيقول: الله، فيقول: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام، فيقول: مَن نبيّك؟ قال: محمّد، فيقولان: وما يدريك؟ قال: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدّقت، وينتهرانه عندها، وهي أشد فتنة تُعرضُ على المؤمن، فينادى من السماء: قد صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، واكسوه من كسوتها، وطيبوه من طيبها، وأفسحوا له في قبره مدّ البصر، وافتحوا له بابًا من الجنة عند رأسه، وبابًا عند رجليه، ثم يقولان له: نم نومة العروس في حَجلتها، لم يذق عذاب القبر، فهو يقول: ربّ أقم السّاعة لكي أرجع إلى أهلي ومالي وما أعددت لي، فيبعث من قبره مبيضَّ الوجه"، قوله

стр. 212

في الحديث: ينكت بمثناة آخره، أي: يبحَثُ. والمخصرة: ما اختصره الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوه، والحَجَلة (١): بفتح المهملة، والجيم البشخانة. ذكرهُ السيوطي. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود قال: إنَّ أحدكم إذا مات، ليُجلَّسُ في قبره إجلاسًا، فيقالُ: ما أنت؟ فإن كان مؤمنًا قال: أنا عبد الله حيّا وميّتا، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، فيفسح له في قبره ما شاء الله، فيرى مكانه من الجنة، وينزل عليه كسوة يلبسها من الجنة، وأما الكافر فيقال له: ما أنت؟ فيقول: لا أدري! فيُقال: لا دريت، ثلاثًا، فيضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويُرسل عليه حيّات من جوانب قبره، تنهشه، وتأكله، فإذا جَزِعَ فصاح قُمع بمقمع من نار وحديد، ويُفتحُ له باب إلى النّار (٢). وأخرج الآجري في "الشريعة"، عن ابن مسعود أيضًا ﵁ قال: إذا تُوفي العبدُ بعثَ الله إليه ملائكة، فيقبضون روحه في أثوابه، فإذا وُضع في قبره، بعث اللهُ إليه ملكين ينتهرانه، فيقولان: مَن ربّك؟ قال: ربّي الله، قالا: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام. قالا: من نبيك؟ قال: نبيّ محمّد، قالا: صدقت، كذلك كنت، أفرِشوه من الجنّة، وألبسُوه منها، وأروه مقعده منها، وأما الكافرُ: فيُضربُ ضربةً

стр. 213

يلتهب قبره منها نارًا، ويضيق عليه قبره، حتى تَختلفَ أضلاعه، وتُبعث عليه حيّاتٌ من (١) حيات القبر، كأعناق الإبل (٢). وأخرج هنّاد في "الزهد"، وابن أبي شيبة، و [ابن] جرير وابن المنذر، وابن حِبّان في "صحيحه"، والطبراني في "الأوسط"، وابن مردوول والحاكم والبيهقي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، إن الميت إذا وُضع في قبره، إنه يسمع خفق نعالهم، حين يُولّون عنه، فإذا كان مؤمنًا، كانت الصّلاةُ عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصومُ عن شماله، وفعل الخيرات والمعروف والإحسان إلى الناس من قِبَل (٣) رجليه، فيُؤتَى من قِبَل رأسه، فتقول الصلاة: ليس قِبَلي مدخل، فيُؤتى من قبل يمينه، فتقول الزكاة: ليس قِبَلي مدخل، ويُؤتى مِن قِبَل شِمالِه، فيقول له الصّوم: ليس قِبَلي مدخل، ثم يُؤتى من قِبَل رجليه، فيقول فعِل الخيرات والمعروف والإحسان إلى الناس: ليس قِبَلي مدخل، فيُقال له: اجلس فيجلس، وقد مثلت له الشمس، قد قربت للغروب، فيُقال له: أخَبرنا عمّا نسألك، فيقول: دعني حتى أصُلّي فيُقال: إنك ستفعل، فأخبرنا عمّا نسألك فيقول: عمّ تسألون؟ فيقالُ له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم؟ يعني النبيّ ﷺ ، فيقولُ: أشهد أنه

стр. 214

رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات من عند ربّنا، فصدَّقناه واتبّعناه، فيُقال له: صدقت، على هذا حييت، وعليه متّ، وعليه تبُعث إن شاء الله، ويُفسح له في قبره مدّ بصره، وذلك قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧] ويُقال: افتحوا له بابًا إلى النار، فيُفتح له باب إلى النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، فيزداد غبطة وسرورًا، ويُقال: افتحوا له بابًا إلى الجنة، فيُفتح له، فيُقال: هذا منزلك وما أعدّ الله لك، فيزداد غبطة وسرور، فيُعادُ الجسد إلى ما بدأ منه التراب، وتُجعلُ روحه في النسيم الطيب، وهي طيرٌ خضرٌ تعلّق في شجر الجنَّة، وأمّا الكافرُ فيُؤتى في قبره من قبل رأسه، فلا يوجد شيء فيُؤتى من قبل رجليه، فلا يوجد شيء، فيُجلَّس خائفًا مرعوبًا فيُقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم؟ وما تشهد به، فلا يهتدي لاسمه، فيُقالُ: محمد [رسول الله] (١) ﷺ فيقول: سمعتُ الناس يقولون أشياء فقلتُ كما قالوا، فيقال له: كَذَبْتَ على هذا حيِيتَ، وعليه متّ، وعليه تبعث إن شاء الله ويُضيّقَّ عليه قبره، حتى تَختلِفَ أضلاعُه فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: الآية ١٢٤] فيُقال: افتحوا له بابًا إلى الجنة، فيُفتح له بابٌ إلى الجنَّة فيُقال: هذا كان منزلك وما أعدَّ الله لك، لو كنت أطعته، فيزدادُ حسرة وثبورا، ثمّ يُقال: افتحوا له بابًا إلى النار، فيُفتح له بابٌ إليها،

стр. 215

فيقال: هذا منزلك وما أعدّ الله لك، فيزداد حسرة وثبورًا". قال أبو عمرو الضرير: قلت لحمّاد بن سلمة، كأن هذا من أهل القِبلة، قال: نعم، قال أبو عمرو: وكأنه يشهد بهذه الشهادة على غير يقين، يرجع إلى قلبه كانَ يسمعُ الناس يقولون شيئًا فيقوله (١). وأخرج الإمام أحمد، والبيهقي بسند صحيح، عن عائشة ﵂ قالت: جاءت يهوديّة، فاستطعمت على بابي، فقالت: أطعموني، أعاذكم الله من فتنة الدّجّال، ومن فتنة عذاب القبر، فلم أزل أحبسها، حتى أتى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما تقولُ هذه اليهوديّة؟ قال: "ما تقول؟ " قلت: تقول: أعاذكم الله من فتنة الدَجّال، ومن فتنة عذاب القبر، فقالت عائشة: فقام رسول الله ﷺ فرفع يديه مَدَّا، يستعيذ بالله من فتنة الدّجّال، ومن فتنة عذاب القبر، ثمّ قال: "أمّا فتنة الدجّال فإنه لم يكن نبيٌّ إلا حذّر أمّته، وسأحذّركموه بحديث لم يحذرْهُ نبي أمتَه، إنّه أعور والله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر يقرأه كلّ مؤمن، فأمّا فتنةُ القبر، فبي تفتنون وعنّي تُسألون، فإذا كان الرجل الصالح، أُجلس في قبره غير فزع، ولا مشغوف ثمَّ يقال له: فيم كُنتَ؟ فيقول: في الإسلام، فيقال: ما هذا الرجل الذي كان

стр. 216

فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات من عند الله، فصدّقناه فيفرج له فرجة قِبَل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له: انظر ما وقاك الله ثم يفرج له فرجة إلى الجنة، فينظرُ إلى زهرتها، وما فيها فيقال له: هذا مقعدك منها، ويُقال: على اليقين كنت، وعليه متّ وعليه تبعث إن شاء الله. وإذا كان الرّجل السّوء، أجلس في فبره فزعًا مشغوفًا، فيُقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيُقالُ: ما هذا الرّجل الذي كان فيكم؟ فيقول: سمعتُ النّاس يقولون قولًا، فقلت كما قالوا، فيُفرج له فُرجة قبل الجنّة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيُقال له انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يُفرجُ له فرُجة قِبَل النار، فيُنظرُ إليها يحطم بعضها بعضا، ويُقال له: هذا مقعدك منها على الشك كُنتَ، وعليه مِتّ، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى، ثمَّ يُعذَّب" (١). وأخرج الحكيم في "نوارده" (٢)، عن سفيان الثوري قال: إذا سُئل الميّتُ: مَن ربك؟ تراءى له الشيطان، في صورة فيشيرُ إلى نفسه، إني أنا ربك. قال الحكيم: ويؤيّده قوله ﷺ عند دفن الميت: "اللهم أجره من الشيطان" كما تقدم، فلو لم يكن للشيطان هناك سبيل، ما دعا ﷺ بذلك.

стр. 217

وأخرج ابن شاهين في "السُّنّة" (١) عن راشدٍ قال: كان النبي ﷺ يقول: "تعلموا حُجَّتَكم، فإنكم مسئولون"، حتى إن كان أهل البيت من الأنصار، يحضر الرجلَ الموتُ فيُوصُّونه، والغلام إذا عَقل، فيقولون له: إذا سألوك مَن ربّك؟ فقُل: الله ربّي: وما دينك؟ فقل: الإسلام دِيني، ومَن نبيّك؟ فقل: مُحمّد ﷺ . وأخرج السلفي في "الطيوريات"، عن سهل بن عمَّار قال: رأيتُ يزيد بن هارون في المنام بعد موته، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أتاني في قبري ملكان، فظّان غليظان، فقالا: ما دينك؟ ومَن ربك؟ ومَن نبيّك؟ فأخذتُ بلحيتي البيضاء، وقلت: لمثلي يُقال له هذا؟ وقد علمّتُ الناس جوابكما ثمانين سنة، وقالا: أكتبت عن حريز بن عثمان قلت: نعم، قالا: إنه كان يبغض عثمان فأبغضه الله. وأخرجه اللالكائي بدون زيادة: أكتبت إلخ، وبدل ثمانين سنة ستين سنة، وزاد فقال: أحدهما صدق، نَم نَومة العَروس، فلا روعة عليك بعد اليوم (٢). وأخرج اللالكائي في "السُّنّة"، عن محمّد بن نصر الصايغ، قال:

стр. 218

كان أبي مُولعًا بالصّلاة (١) على الجنائز، من عرف ومن لم يعرف، فقال: يا بُني حَضرتُ يومًا جنازة، فلمّا دفنوها، نزل إلى القبر نفسان، ثم خرج واحد وبقى الآخر، وحَثا الناسُ التراب، فقلت: يا قوم يُدفن حيّ مع ميّت؟ فقالوا (٢): ما ثَمَّ أحد، فقلت: لعلَّه شُبّه لي، ثم رجعت فقلت ما رأيت إلا اثنين، خرج واحد وبقي الآخر، لا أبرح حتى يكشف اللهُ لي ما رأيت، فجئت إلى القبر، فقرأت عشر مرّات يس وتبارك، وبكيت فقلت: يا ربّ اكشف لي عمّا رأيتُ فإني خائف على عقلي وديني، فانشقّ القبرُ وخرج منه شخص فولى مبادرًا فقلت: يا هذا بمعبودك إلّا وقفت حتى أسألك، فالتفت إليّ فقلت له: الثانية والثالثة فالتفت وقال: أنت نصر الصّايغ قلت: نعم. قال: هل تعرفني؟ قلت: لا. قال: نحن ملكان من ملائكة الرّحمة، وُكّلنا بأهل السُّنّة، إذا وُضعوا في قبورهم، نزلنا حتى نلقنهم الحُجَّة وغاب عني (٣).

стр. 219

فصل واعلم أنّ القبر أوّل منازل الآخرة، كما أخرجه ابن ماجه عن سيدنا عثمان ﵁ أنه كان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبلّ لحيته، فقيل له: تذكر الجنَّة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا ذُكر القبر؟ قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ القبرَ أوّل منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ منه" (١). وقال ﷺ : "مار أيتُ منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه" (٢). وأخرجه الترمذي، وزاد فيه: وسمعت عثمان يُنشد على قبر: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناجيا قلت: وأنكر الحفاظ هذه الزيادة وقال بعضهم: ليست هذه الزيادة في الترمذي، والله أعلم (٣). قال القرطبي (٤): القبرُ واحد القبور في الكثرة، وأقبرٌ في القلّة، ويقال للمَدفن مقبر قال الشاعر: لكلّ أناس مقبرٌ بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد قال: واختُلف في أوّل من سنّ القبر، فقيل: الغُراب لما قتل

стр. 220

قابيل هابيل، وقيل بنو إسرائيل، وليس بشيء، وقد قيل: إنّ قابيل كان يعلمُ الدفن، ولكن؛ ترك أخاه استخفافًا به، فبعث الله غُرابًا يبحثُ في الأرض، يعْني يبحثُ الترابَ على هابيل ليدفنه، كذا في "التذكرة"، فقال: عند ذلك ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المَائدة: الآية ٣١] حيث رأى كرامة الله لهابيل، بأن قيّض الله الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة. وقيل: ندمه إنما كان على فقده لا على قتله، وقيل: على عدم معرفته الدّفن، فقد قال ابن عبّاس ﵄: لو كان ندمه على قتله لكان ندمه توبة (١). ويقال: إنه لمّا قتله قعد يبكي عند رأسه، إذ أقبل غرابان فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل قابيل بأخيه كذلك، فكان ندمُه لعدم هدايته أن يفعل كَما فَعل الغُراب، فكان الدّفن سنّة في بني آدم. وفي التنزيل ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عَبَسَ: الآية ٢١] أي جعل له قبرًا يُوارى فيه إكرامًا له، ولم يجُعل ممّا يُلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي، قاله الفرّاء (٢). فائدة: الأفضل في القبر أن يكون مُسنمًا، وأن يُرفع قدر شبر، إلّا بدار حرب فالأولى تسويته بالأرض، وإخفاؤه ولا يُجصّص القبر، ولا يُزوّق ولا يُخلّق أي يبخّر، ولا يُقبّل.

стр. 221

فقد روى مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُجصّص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه (١). وأخرج التّرمذيّ عنه: نهي رسولُ الله ﷺ أن تُجصّص القُبور، وأن يُكتَب عليها، وأن يُبنى عليها، وأنْ تُوطأ. وقال: حديث حسن صحيح (٢). قُلْتُ: وجزم صاحب (٣) "الإقناع" بكراهة تجصيص القبور (٤). وأمّا شيخ الإسلام، وتلميذه المحقق فشن الغارة على فاعل ذلك، قال في "التذكرة" (٥)؛ لأنّ ذلك من المباهاة فيه، وزينة الحياة الدنيا، وهو من منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة وإنما يُزيِّن الميتُ في قبره عمله. وقد قلت في ذلك نظمًا: ولربّ قبر في القبور منقّشا ... سطحا وجوف القبر شعلة نار ما النقش يُغني ظالمًا عن ظلمه ... كلّا ولا التزويق يُرضي الباري ما زينةُ الأمواتَ في جدث سوى ... فعلِ الجميل وصُحبة الأخيار

стр. 222

وفي صحيح مسلم عن عليّ كرّم الله وجهه: "لا تَدَعْ تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلّا سوّيته" (١). وإنما قالت العُلماء: يُسنَّم القبرُ ليعرف فيحترم، لا أنه يُتّخذ مَعبدًا فيمُنع من الارتفاع الكثير الذي كانت الجاهلية تفعله، فإنها كانت تُعلى عليها، وتبني فوقها تفخيمًا وتعظيمًا، ومن ثَمّ شَدّد النكير الإمامُ المحققُ غاية التشديد على فعل ذلك (٢)، وقال: إن فاعل ذلك من إخوان الكفار عَبَدةِ الأحجار. ذكره في المجلد الثاني من "الهدى" (٣). وما أحسن قول القائل: أرى أهل القُصور إذا أميتوا ... بنوا في المقابر بالصّخور أبَواْ إلّا مُباهاة وفَخْرًا ... على الفُقراء حتى في القبور لعمرُك لو كشفْتَ التّرب عنهم ... لمَا تدْرِي الغنيَّ من الفقير ولا الجلدَ المباشرَ ثوبَ صوفٍ ... من الجلد المباشِر للحرير إذا أكلَ الثّرى هذا وهذا ... فما فضلُ الغنيّ على الفقير يا هذا أين الذي جمعتَهُ من المال؟ وأعددتَه للشدائد والأهوال. لقد أصبحت كفك منه صفرًا، وبُدّلت من بَعد غناك فقرا، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره؟! ويا من سُلِب من ماله وداره؟! ما كان أخَفى عليك سبيل الرّشاد، وأقل اهتمامك بحمل الزاد،

стр. 223

فيا من غرّه طول الأمل. أما تفكّرت فيمن قبلك عن أهله قَدِ أرتَحَل؟! ويا مَن غرّه طولُ العمر: أفلا يتفكر في حاله وهو في القبر؟! ويا من أعجبته شُرُفات قصره، أمَا يتأمّل في ظُلمات قبره؟ ويا من اغتر بإخوانه ونجدته. ألا يتذكّر حالته في وحدته؟ أنَسي ما صار إليه إخوانه؟! أم لم يعتبر فيما سار إليه أقرانه؟! أمَا سمعَ قول الرسول لمن في فعل الخير جدوا، وقد جلس على قبر [يا إخواني] (١) لمثل هذا فأعِدّوا. أوما سمع قول الذي خلق فسوى. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البَقَرَة: الآية ١٩٧]. وما أحسنَ قول القائل: تزوّد من معاشك للمعاد ... وقُمْ لله واعمل خير زاد ولا تجمع من الدنيا كثيرا ... فإن المال يجمع للنّفاد أترضى أن تكون رفيق قوم ... لهم زادٌ وأنت بغير زاد وقول الآخر: (٢)

стр. 224

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت مَنْ تزوَّدا ندمت على أن لا تكونَ كمثله ... وأنك لم ترصد كما أرصدا وقول الآخر: إذ الموتُ بحرٌ طافح موجه ... تذهب فيه حيلة السابح يا نفس إني قائل فاسمعي ... مقالةً من مُشفق ناصح لا ينفع الإنسانَ في قبره ... غير التقى والعمل الصّالح (١) وقلت: تزوّد في حياتك للمآل ... وقم بالذّلّ في غَسِقِ اللّيالي ولا تركن لدنيانا وسافر ... لدار الخُلد واقصِد ذا الجلال ولا تدع الدُّعا سِرّا وجهرا ... وتقوى الله تظفرْ بالنَّوال وإن لمّ تجتن الخيرات فيها ... فترحلْ من وبال إلى وبال فوائد الأولى (٢): قال القرطبي (٣): جاء في رواية سؤال ملكين، وفي أخرى، سؤال ملك واحد، ولا تَعَارُض، بل ذلك بالنسبة إلى الأشخاص فرُبّ شخص يأتيه اثنان معًا، فيسألانه معًا عند انصراف الناس؛ ليكون أهون والفتنة في حقه، أشد أعظم وذلك بحسب ما آقترف من الآثام، وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه، تخفيفًا عليه لحصول أنسه بهم، وآخر يأتيه ملك واحد، فيكون أخف عليه، وأقل

стр. 225

في المراجعة، لما قدّمه من العمل الصالح. قال: ويُحتمل أن يأتي اثنان، ويكون السائل أحدهما، وإن اشتركا في الإتيان. فتُحملُ رواية الواحد على هذا. قال السيوطي في "أهوال القبور": قلتُ: وهذا الثاني هو الصَواب، فإن ذِكر الملكين هو الموجود في غالب الأحاديث الثابتة. الثانية: قال القرطبي (١): اختلفت الأحاديث في كيفيّة السؤال والجواب، وذلك بحسب الأشخاص أيضًا، فمنهم من يُسأل عن بعض اعتقاداته ومنهم من يُسأل عن كُلها، ويُحتمل أن يكون الاقتصار على البعض من بعض الرّواة، وأتى به غيره تامّا. قال السيوطي (٢): قلت: والثاني هو الصّواب، لاتّفاق أكثر الأحاديث عليه. نعم يُؤْخَذُ منها خصوصًا من رواية أبي داود، عن أنسٍ فما يُسألُ عن شيء بعدها، ولفظ ابن مردويه فما يُسأل عن شيء غيرها إنه لا يسأل عن شيء من التكليفات غير الاعتقاد خاصة، وصُرِّحَ به في رواية البيهقي، من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧] قال: الشهادة يُسألون عنها في قبورهم بعد موتهم، قيل لعكرمة: ما هو؟ قال: يُسألون عن الإيمان بمحمدٍ وأمر التوحيد.

стр. 226

الثالثة: قال السيوطي: ورد في رواية أنسٍ، أنّه يُسألُ في المجلس الواحد ثلاثَ مرات، وباقي الروايات ساكتة عن ذلك، فتُحمل على ذلك أو يختلف الحال بالنسبة إلى الأشخاص وعن طاووس أن الموتى يُسألون سبعةَ أيام (١). قلت: وقد قدّمنا عن مجاهد (٢) أن الموتى يفتنون في قبورهم سبعًا، وكانوا يَستحبّون أنْ يُطعَم عنهم تلك الأيام. قلتُ: وقد أشار إلى هذا الحافظ جلال الدين السيوطي في منظومته الموسومة "بالتثبيت عند التبييت" حين قال: يُكرّر السؤالُ للأنام ... فيما رووْا في سبعة أيّام كذا رواه أحمد بنُ حنبل ... في الزهد عن طاووس الحر العلي وبعده أبو نعيم خرَّجه ... في حلية فيا لها من درجة إسنادُه قد صَحّ وهو مُرسل ... وقد يُرى من جهة يتّصل وحكمه الرّفع كما قد قالوا ... إذ ليسَ للرّأيْ به مَجال فليس للقياس في ذي الباب ... من مدخلٍ عند أولي الألباب وإنما التّسليمُ فيه اللائق ... والانقيادُ حيث أنبا الصّادقُ وفيه أنْ قد كانت الصّحابا ... يرَوْن إطعامًا له استحبابًا في طول تلك السّبعة الأيّام ... معونَة في ذلك المقام ومثل هذا جاء عن مجاهد ... فيا له من عاضدٍ وشاهد وعنه أيضًا تمكثُ الأرواح في ... قبورها سبعًا بِلَا مُتَصَرّف

стр. 227

روى الجميعَ في القبور ابن رجب ... وهو إمامٌ حافظ ومنتخَب وعن عُبيْد بن عُمير (١) ورَدا ... وذاك فيما ابن جريج أسندا بأنه يُفتن سبعَا مؤمنٌ ... وأربعين ذا النفاق يُفتن فأفادنا أن المؤمن يُفتن سبعة أيام، وأنّ المنافق يُفتن أربعين يومًا فنسألُ الله أن يثبتنا عند السؤال بسرّ لا إله إلا اللهُ الواحد المتعال (٢). الرابعة: قال القاضي الباقلّاني: إنّ من لم يُدفن ممّن بقي على وجه الأرض، يقع لهم السؤال والعذاب، ويحَجب الله أبصار المُكلَّفين عن رؤية ذلك، كما حجبها عن رؤية الملائكة والشياطين، قال بعضهم: وتُرد الحياة إلى المصلوب، ونحن لا نشعر به كما أنا نحسبُ المغمى عليه ميتًا، وكذلك يضيقُ عليه الجوّ كضمّة القبر، ولا يستنكر (٣) شيئًا من ذلك مَن خالط الإيمان قلبه، وكذلك من تفرّقت أجزاؤه، يخلق الله في بعضها أو كلّها يوجّه السؤال عليه، قاله بعضهم (٤). قلت: وفي "الروح" للإمام المحقّق وممّا ينبغي أن يُعلم أنّ عذاب القبر هُو عذابُ البرزخ، فكلّ من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيب منه، قُبر أم لم يُقبر فلو أكلته السّباعُ أو أحرق حتى صار رمادًا أو نُسف في الهواء أو صُلب أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه

стр. 228

من العذاب ما يصل من القبر. انتهى. قال بعضهم: وليس هذا بأبعد من الذّرّ، الذي أخرجه الله تعالى من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قلت: لا شيء من هذا ببعيد إذ هو الفعّال لما يُريد والخلقُ خلقه، والملك ملكه، وأين الفِرار من ذى الاقتدار، واللهُ الفاعلُ المختار. الخامسة: قال ابن عبد البرّ: لا يكون السّؤال إلّا لمؤمن أو منافق كان منسوبًا إلى دين الإسلام، بظاهر الشهادة بخلاف الكافر، فلا يُسأل (١). وخالفه الإمام المحقّق في "الرّوح" (٢)؛ فقال: القرآن والسّنّة تدلّ على خلاف هذا القول، وأن السؤال للكافر والمسلم. قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧] وقد ثبت في الصحيح، أنّها نزلت في عذاب القبر، حين يُسأل من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ العبدَ إذا وُضع في قبره" وذكر الحديث الذى ذكرناه سابقًا. "وأما المنافق والكافر، فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَريت ولا تَليت، ويُضربُ بمطرقة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها من يليه،

стр. 229

إلا الثقلين" (١). هكذا في البخاري، واسم الفاجر في عرف القرآن والسنة يتناول الكافر قطعًا، لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ [المطففين: الآية ٧] هذا كلامه ونحوه في "العاقبة" (٢)، للحافظ عبد الحق الإشبيلي. وصوّب هذا القول القرطبي في "التذكرة"، وأنكر ذلك الجلال السيوطي، وقال: ما قالاه -يعني: المحقق والقرطبي- ممنوع، فإنه لم يُجمع بينهما -يعني: الكافر والمنافق- في شيء من الأحاديث، وإنما ورد في بعضها ذكر المنافق، وفي بعضها بدله الكافر، وهو محمولٌ على أنّ المُراد به المنافق، بدليل قوله في حديث أسماء: "أمّا المنافق أو المرتاب"، ولم يذكر الكافر كذا (٣) (٤). قال: ولا يخفى أن حديث أنس مُصِّرحٌ بالجمع بين الكافر والمنافق، كما قدمناه، وقد أشار الجلال السيوطي لهذا الخلاف في "أرجوزته" بقوله: قال ابن عبد البّر فيما نقلُوا ... الكافر الصّريح ليس يُسأل وإنما السؤال للمنافق ... منهم كما دلّ حديث الصّادق والقرطبيُ خالَفَ وابنُ القيّم ... والأوّلُ الأرجحُ عندي فافهْم

стр. 230

قلت: وأنا أقول: الثاني أرجح، تبعًا للأعلام، والله وليّ الإنعام. السادسة: اختلف العلماء: هل السّؤال خاصٌّ بهذه الأمّة المعظمة؟ أم هو عام؟ على ثلاثة أقوال: خاصٌ وعليه الحكيم الترمذي، عام وعليه المحقق والإشبيلي في "العاقبة"، والقرطبي في "التذكرة"، الوقف وعليه ابن عبد البرّ، وأشار السيوطي لهذا الخلاف في الأرجوزة (١)، مُرجحًا للخصوص في قوله: خُص نبيّ الله فيما قد ذُكِر ... بأنه يُسأل عنه من قُبر ولم يكن ذا لنبيّ قبلَهُ ... أبان ربُّ العرش فيه فضلَه ولم يكن لأُمّة من الأمُم ... من قبلنا قطُ سؤالٌ ملتزَم نَصَّ على ذاك كبير القدر ... الترمذي وابن عبد البَرّ وآخرون عمّموه في الأُمم ... وبعض أهل العلم نحو الوقف أمّ قال إمام المحققين في "كتاب الروح"، بعد أن ذكر الأقوال (٢): والظاهرُ والله أعلم أن كل نبيّ مع أمته كذلك، أي: كنبيّنا مع أمّته، وأنهم مُعذبون في قبورهم بعد السؤال لهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة. واستدلّ الحكيم الترمذي على عدم السؤال: أن الأمم قبل هذه

стр. 231

الأمّة، كانت الرسل تأتيهم بالرسالة، فإذا أبَوا كُفّت الرسل، واعتزلوهم وعُوجلوا بالعذاب، فلما بعث الله محمّدًا بالرحمة، أمسك عنهم العذاب، وأُعطي السيف، حتى يُدخلَ في دين الإسلام من دخل؛ لمهابة السّيف ثم يَرسخ الإيمان في قلبه، فمن هنا ظهر النفاق، فكانوا يُسرّون الكفر ويعلنون الإيمان، وكانوا بين المؤمنين في ستر، فلمّا ماتوا قيّض الله لهم فَتّانَي القبر ليستخرج أمرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب (١)، قلت: وما ذكره مردود من وجهين: الأول: أنّ دعوى أن الرسل لم يكونوا يقاتلون، وأنهم إنما كانوا يأتون قومهم بالرسالة، فإذا أبَوا كَفّوا عنهم غير مُسلّمٍ إذ من المعلوم: أنّ الرسل كانت تقاتل على إعلاء كلمة الله، وقد أخبر الله بذلك في كتابه، في قصّة طالوت وأخبر النبيّ أنه أُحِلّت له الغنائم، ولم تحل للأنبياء قبله، وإنما كانت تأكلها النار، فهل الغنائم إلّا من قتال الكفار؟! وأخبر الله في سورة المائدة: أنّ سيدنا موسى غزا العمالقة، وفي الخبر: أنه غزاهم، وكان فيهم بلعام بن باعوراء الذي أنزل الله فيه سبحانه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾ [الأعراف: الآية ١٧٥]، وقصّته مشهورة، وهذه أخبار الإسكندر طافحة، وقتاله الملوك والقبائل، فعلى القول بنبوّته، ففيه دليل لما ادّعيناه، وفي التواريخ أن أوّل من

стр. 232

قاتل لإعلاء كلمة الله: سيّدُنا شيث ﵇ قاتل أخاه قابيل وذرّيته لكفرهم. والحاصل: أنّ القول بأنّ الرسل لم تكن تقاتل لإعلاء كلمة الله مردود، وهذا من فضل ربّ العالمين، على هذا العبد المسكين، في الاستدلال لهذه المسألة، ولم أر من استدلّ بذلك لها، فالحمدُ لله الذي هدانا لهذا، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله. الوجه الثاني: قد مرّ في حديث عائشة الصحيح، في قصّة اليهودية ما يردّ دعوى الترمذي، وأيضًا في حديث أنس الصحيح، قال: مرّ النّبيّ ﷺ بحائط لبني النجار، فسمع صوتًا من قبر فقال: "متى مات صاحب هذا القبر"؟ قالوا: مات في الجاهلية، قال: "لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوتُ الله أن يُسمعكم عذاب القبر" (١). والذي يظهر: أنّ عذاب القبر إنما يكون بعد السّؤال والله الموفق. السّابعة: قال الحكيم (٢): إنما سمّيا فَتَّانَي القبر؛ لأنّ في سؤالهما انتهارًا، وفي خلقهما صعوبة، وسُمّيا منكرًا ونكيرًا؛ لأنّ خَلقهما لا يُشبه خلق الأدميين، ولا خلق الملائكة، ولا خلق البهائم، ولا خلق الهوام، بل هما خلق بديع، وليس في خلقهما أنس للناظرين إليهما،

стр. 233

جعلهما الله تكرمة للمؤمن، ليُثبته وينصره وهتكًا لستر المنافق في البرزخ، من قبل أن يُبعث. قال السيوطي (١): وهذا يدل على أن الاسم منكَر بفتح الكاف، وهو المجزوم به في القاموس. قال: وذكر ابن يونس من أصحابنا الشّافعيّة: أن اسم ملكي المؤمن مُبشّر وبَشير قلت. وهذا يحتاجُ إلى دليل مأثور، وإلا فالأحاديث ليس فيها سوى منكر ونكير، وقد أشار السيوطي (٢) لهذا في قوله: وضَبطُ مُنكر بفتح الكاف ... فلست أدري فيه من خلاف وذكر ابن يونس من صحبنا ... أنّ اللذين يأتيان المؤمنا اسمهما البشير والمُبشر ... ولم أقف في ذا علي ما يؤثر وحيثُ لم يوجد له دليل ... فلاله إلّا الرّدّ يا نبيل الثامنة: قال القرطبي (٣): إن قيل: كيف يخاطبُ الملكان جميع الموتى، في الأماكن المتباعدة في الوقت الواحد؟ فالجواب: إن عظم خَلْقهما يقتضي ذلك فيُخاطبان الخلق الكثير، في الجهة الواحدة، في المرّة الواحدة، مخاطبة واحدة، بحيث يُخَيّل لكلّ واحد من المُخَاطبَين أنه المخاطب دون من سواه، ويمنعُه الله من سماع جواب بقية الموتى. وقال السيوطي (٤): ويُحتمل تعدد الملائكة، لذلك كما في الحفظة ونحوهم. وذهب إليه الحليمي من الشافعية، وألمّ به الجلال

стр. 234

السيوطي في "الأرجوزة" حيث قال: ويسألانِ كُلّ أهل الأرض ... كحال عزرائيلَ عند القبض هذا الذي نصّ عليه القرطبي ... وهو الذي أختاره وأجتبي واختار في منهاجه الحَليمي ... تِعداد هذا الملك الكريم وقال بل ملائكِ السّؤال ... جماعة ككاتبي الأعمال فبعضهم بمُنكَرٍ يُسمّي ... وبعضُهم له النكير وسما فيرُسلُ الله لكل ميتٍ ... اثنين منهم بُعثا للفتنة التاسعة: اختلفت الأحاديث في قدر سعة القبر للمؤمن، ولا تعارض فإن ذلك يتفاوت بحسب الأشخاص، لتفاضل الأعمال. العاشرة: في أسئلة تتعلقُ بهذا الباب، سُئلها الحافظ العسقلاني ﵀: سُئل عن الميّت إذا سُئل: هل يُسئل قاعدًا أو يُسأل وهو راقد؟ فأجاب: يُقعد ويُسأل. وسئل عن الروح، هل تُلبس حينئذٍ الجثة كما كانت؟ فأجاب: نعم لكن ظاهر الخبر: أنها تحل في نصفه الأعلى. وسُئل: هل يُكشف له حتى يرى النبي ﷺ ؟ فأجاب: إنه لم يَرد في حديث، وإنما ادّعاه من لا يُحتج به بغير مستند، سوى قوله في هذا الرجل، ولا حجة فيه؛ لأن الإشارة إلى الحاضر في الذهن. وقد ألمّ بهذا السيوطي في "الأرجوزة" (١) فقال:

стр. 235

ومن يَقُل يُمثَّل النبيّ ... قال عياضٌ ما هُو المرضي وهكذا أجاب فيه ابن حجر ... وقال لا أصل لهذا في الأثر وسئل -أعني- الحافظ ابن حجر عن الأطفال: هل يُسألون؟ فأجاب: بأن الذي يَظهر اختصاص السؤال بمن يكون مكلفًا. قلت: وذكر المحقّق في "الرّوح" قولين (١)، وذكر أدلتهما، ولم يُرجّح منهما شيئًا، غير أنه قدّم قولَ مَن قال: إنهم يُسألون، وهو مُقتضي ما ذهب إليه أصحابُنا أعزّهم الله قال في الإقناع: وهل يُلقّنُ غيرُ المكلّف؟ مبني على نزول الملكين إليه، والمرجّح النزول وصحّحهُ الشيخ يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه، قال ابن عبدوس من أصحابنا: يُسألُ الأطفالُ عن الإقرار الأوّل، حين الذّرّية والكبارُ يُسألون عن معتقدهم في الدّنيا، وإقرارهم الأوّل. وقد حكى السيوطي الخلاف في ذلك بقوله في "الأرجوزة" (٢): الخامس الأطفال دون الحنث في ... أرجح قوليهم وجزم النسفي وذاك مُقتضى كلام النووي ... وابن الصّلاح لا يُلقَّن الصّبي فالزركشيُ أضحى له معللا ... بأنّهُ في قبره لا يُسألا وقيل إنّ كُلّ طفل يُسأل ... ويُحصَل العقل لهم ويُكمَلُ واللهُ يلهم الجواب عمّا ... قد عوهد الذُرّ عليه قدما قد قاله الضحّاك ذو الإحراز ... وهو الذي أفتى به البرازي والقرطبي والفاكهاني جزما ... به وجمعٌ من كبار العلماء

стр. 236

وصرّح ابن يونس من صَحِبْنا ... بأنّه يندب أن يُلقّنا قال وفي تتمة قديما ... قد لقن النبي إبراهيما [كذلك في تعليقه القاضي حكى ... وفي النظامي وهو لابن فوركا واستغرب السبكي هذا الأثرا ... فما له في كتبه أصل يرى وصوب السيوطي في "شرح الصدور" عدم السؤال. والله أعلم. [الحادية عشرة: في "روض الرياحين" لليافعي، عن شقيق البلخي، أنه قال: طلبنا خمسًا فوجدناها في خمس: طلبنا ترك الذنوب فوجدناها في صلاة الضحى، وطلبنا ضياء القبور فوجدناه في صلاة الليل، وطلبنا ظل العرش فوجدناه في الخلوة، وطلبنا منكر ونكير فوجدناه في قراءة القرآن، وطلبنا عبور الصراط فوجدناه في الصوم والصدقة (١). الثانية عشرة: أخرج الأصبهاني في "الترغيب"، من طريق ابن هدبة، عن أنس مرفوعًا: "من فارق الدنيا وهو سكران دخل القبر سكران" (٢). وأخرجه أبو الفضل الطوسي في "عيون الأخبار" من طريق ابن هدبة عن أنس وفيه: "فإنه يعاين ملك الموت سكرانًا، ويعاين منكرًا ونكيرًا سكرانًا" (٣).

стр. 237

الثالثة عشرة: ذكر السيوطي أنه وقع في فتاوى شيخه علم الدين البلقيني أنَّ الميت يجيب السؤال بالسريانية. قال: ولم أقف لذلك على مستند. هذا كلامه في "شرح الصدور" (١). وقال في أرجوزته ﵀: ومن غريب ما ترى العينان (٢)] ... أن سؤال القبر بالسرياني أفتى بهذا شيخنا البلقيني ... ولم أره لغيرِه بعيني قال بعضُهم: وعلى تقدير صحّة ذلك، فكيفيّة السؤال هذا "أنزه": أي قُم يا عبد الله، "أنزح" أي: فيم كنت تقول (٣) "كاره" أي: من ربّك، وما دينك؟ وما الذي مت عليه "سالحين"، أي: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ وفي الخلائق أجمعين والله أعلم. الرابعة عشر: زعم بعض العلماء أن الملائكة الذين ينزلون على الميت في قبره أربعة، وأنّ اسم أحدهما ناكور، والآخر دومان، وقد أشار السيوطي إلى ذلك في "أرجوزته" (٤) بقوله ﵀: وقد أتى في مرسل مضعّف ... أنّ السؤال من ثلاثة [لفي]

стр. 238

أو أربع أولئك الاثنان ... وألحقوا ناكور مع [دوماني] فقد أخبر رحمه الله تعالى أنّ الخبر فيه علّتان، أحدهما: الإرسال، والثانية: أنه ضعيف والله أعلم. تنبيه: [قال أبو القاسم السعدي في كتاب "الرّوح" (١): ورد في الأخبار الصحاح أن بعض الموتى لا (تنالهم) فتنة القبرِ، ولا يأتيهم الفتانان وذلك على ثلاثةِ أوجه: مضاف إلى عمل، ومضاف إلى حال بلاءٍ نزل بالموتِ، ومضاف إلى زمانٍ. أخرج النسائي عن راشد بن سعد، عن رجلٍ من أصحابِ رسول اللهِ ﷺ أنَّ رجُلًا قال: يا رسولَ اللهِ، ما بالُ المؤمنينَ يُفتنون في قبورِهم إلا الشهداء؟ قال: "كفى ببارقةِ السُّيوفِ على رَأسِهِ فتنةِ" (٢). وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ لَقي العدوَّ فَصَبَرَ حَتى يُقتلَ أو يغلِبَ لم يُفتن في قبرِهِ" (٣). وأخرج مسلم عن سلمان الفارسي ﵁ قال: سِمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "رباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ مِنْ صيامِ شهرٍ وقيامه وإنْ مات جَرى عليه عمله الذي كان يعمله وأُجريَ عليه رزقهُ وأَمِنَ مِنَ الفتَّان" (٤). وأخرجَ الترمذي وصححه عن فضالةَ بن عبد الله، عن

стр. 239

رسول الله ﷺ قال: "كل ميتٍ يختمُ على عملِهِ إلا الذي مات مرابِطًا في سبيل اللهِ فإنه ينمو] (١) عليه (٢) إلى يوم القيامةِ ويأمن فتنة القبر"، وأبو داود بلفظ: "ويؤمن من فَتَّانَي القبر" (٣). وأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : "من مات مرابطًا في سبيل الله أجرى اللهُ عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمله (٤)، وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان، ويبعثه الله آمنا من الفزع" (٥). وأخرج نحوه الإمام أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر، وزاد: "يبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع الأكبر" (٦). قال القرطبي (٧) في هذا الحديث: والذي قبله: وهو الموت حالة الرباط والرّباط ملازمة ثغور المسلمين مدةً على نية الجهاد، فارسًا كانَ أوْ راجِلا.

стр. 240

قلت: وأقلّ الرّباط ساعة، وتمامه أربعون يومًا قال القرطبي: وأمّا سكان الثغور دائمًا بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هناك، فليسوا بمرابطين. كذا قال: ولعلّه حيث ما لم ينووا المرابطة، وإلا فَلا يَظهر كلامه فليُتأمل. وأخرج ابن ماجه والبيهقيّ، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من مات مريضًا مات شهيدًا ووُقي فتنة القبر، وغدي وريح عليه برزقه من الجنة" (١). قال القرطبيّ (٢): هذا عامٌ بجميع الأمراض لكن يقيد بالحديث الآخر: "من قتله بطنه لم يعذّبْ في قبره". أخرجه النسّائي وغيره (٣). والمراد به: الاستسقاء، وقيل: الإسهال، والحكمة في ذلك أنه يموت حاضر العقل، عارفًا بالله، فلم يحتج [إلى إعادةِ السؤالِ عليه بخلافِ مَنْ يموتُ بسائرِ الأمراض، فإنّهم تغيب عقولهم. قال السيوطي (٤): ولا حاجة لشيء من هذا التقييد فإن الحديث غلط فيه الراوي باتفاق الحُفاظ وإنما هو: "من ماتَ مرابِطًا" لا "مَنْ مات مريضًا" وقد أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٥) لأجل

стр. 241

ذلك، والله أعلم. ورُوِي أنَّ سورة تبارك (الملك) "مَنْ قرأها كل ليلةٍ لم يضره الفتَّان" (١). أخرج جُويبر في "تفسيره" عن ابن مسعود ﵁: مَنْ قرأ سورةَ الملكِ كل ليلةٍ عُصم مِنْ فتنةِ القبرِ (٢). وأخرج أيضًا عن البراء مرفوعًا "مَنْ قرأَ الم السجدةَ، وتبارك قبلَ النوم نجا من عذاب القبر ووقي فتاني القبر" (٣) لكنه ضعيف] (٤). وأخرج الإمام أحمد والترمذي وحسنه، وابن أبي الدّنيا والبيهقي عن ابن عَمرو (٥) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلّا وقاه الله فتنة القبر" (٦). قال القرطبي (٧): هذه أحاديث لا تعارض أحاديث السّؤال

стр. 242

السّابقة بل تخصها، وتبيّن من لا يُسأل في قبره ولا يفتن فيه، ممّن يجري عليه السّؤال ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد؛ لقول الصادق المصدوق. قال: وقوله في الشهيد: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" (١)، معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الجمعان وبرقت (٢) [اسيوف على رءوسهم فرُّوا؛ لأن من شأن المنافق الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم والتفويض للعزيز الحكيم، وقد ظهر صدق ما في ضميره، حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟ قاله الحكيم الترمذي. قال القرطبي (٣): وإذا كان الشهيد لا يُسأل، فالصدِّيق أجل قدرًا، وأعظم خطرًا، فهو أحرى أن لا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء، وقد جاء في المرابط الذي هو أقل رتبة من الشهيد أنه لا يفتن، فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه ومن الشهيد؟ انتهى. قال السيوطي (٤): وقد صرح الحكيم بأن الصِّدِّيقين لا يُسألون، وعبارته: قال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧]، وتأويله عندنا -والله أعلم- أن من مشيئته أن يرفع مرتبة أقوام

стр. 243

عن السؤال، وهم الصدِّيقون والشهداء. وما نقله عن الحكيم الترمذي (١) في توجيه حديث الشهيد، يقتضي اختصاص ذلك بشهيد المعركة. لكن قضية أحاديث الرباط التعميم في كل شهيد. هذا كلام السيوطي قلت: لا يلزم من كون المرابط لا يسأل أن يكون كل شهيد كذلك نعم جزم الحافظ ابن حجر، في "بذل الماعون في فضل الطاعون" (٢)، بأن الميت بالطعن لا يُسأل؛ لأنه نظير المقتول في المعركة، وبأن الصابر في الطاعون يعلم محتسبًا أنه لا يصيبه إلا ما كُتب له، إذا مات فيه بغير الطعن، لا يفتن أيضًا؛ لأنه نظير المرابط. كذا قال السيوطي (٣): وهو متجه جدًا. قال الحكيم في توجيه حديث المرابط (٤): إنه قد ربط نفسه وسجنها وصيرها حبيسًا لله في سبيله، لمحاربة أعدائه، فإذا مات على هذا فقد ظهر صدق ما في ضميره، فَوُقِيَ فتنة القبر. قلت: قد ظهر لي من هذا التعليل مع ضم تعليل حديث المريض الذي تقدم أن كل شهيد كذلك؛ لأن المبطون والغريق والشريق والحريق وصاحب الهدم وذات الجنب والسل وصاحب اللقوة والمتردي من رؤوس الجبال واللديغ ومن قتل دون ماله أو أهله أو دينه أو دمه أو مظلمته وفريس السبع ومن خر عن دابته كلهم متجه فيهم تعليل القرطبي للذي مات بالاستسقاء؛ لأن هؤلاء يموتون وكل منهم حاضر العقل عارف بالله. ولكني لا أسلم لهذا التعليل أبدًا؛ لأن موت الفجأة كذلك، ولأن المقصود من سؤال القبر الاختبار عن

стр. 244

صحة العقيدة وإخلاص الشهادة ولا شيء من ذَلِكَ يدل على ذَلِكَ كما لا يخفى على من تأمل. بقي من الشهداء العاشق (١) إذا عف وكتم ومات والتعليل فيه كما في المرابط؛ لأن صبره عن معشوقه مع القدرة عليه وكتمان ما في قلبه من نار العشق والتعفف عن المعصية يظهر صدق ما في ضميره من الإيمان بالله ورسوله. ولولا ذَلِكَ لهجم على محبوبه ومطلوبه. وهذا ما فتح الله به على هذا الفقير ولم أر من تعرض لذلك. يبقى موت الغريب (٢) فلا أعلم له تعليلًا غير الذل والانكسار، نعم إن كان مغتربًا لنحو طلب العلم يأتي فيه التعليل في حق المرابط وأما أمناء الله في الأرض فيلحقوا بالصديقين. فيبقى المجنون والنفساء فأما المجنون فهو كالطفل، وأما النفساء فإما لموتها عاقلة عارفة بالله وإما لشدة ما تلقى من النصب ومقاساة صعوبة النفاس وهذا ما ظهر لي والله أعلم. قال الحكيم الترمذي (٣): ومن مات يوم الجمعة، فقد انكشف الغطاء عما له عند الله؛ لأن يوم الجمعة لا تسجر فيه جهنم وتغلق أبوابها، ولا يعمل سلطان النار ما يعمل في سائر الأيام، فإذا

стр. 245

قبض الله عبدًا من عبيده فوافق قبضه يوم الجمعة كان ذَلِكَ دليلًا لسعادته وحسن مآبه؟ لأنه لم يقبض في هذا اليوم العظيم إلا من كتب له السعادة عنده، فلذلك يقيه فتنة القبر؛ لأن سببها إنما هو تمييز المنافق من المؤمن. انتهى. قلت: والمراد إن كان من أهل الإيمان والتقوى وإلا فكم من منافق يموت يوم الجمعة، وكم من فاسق وكافر ولا ينفعه ذلك، والأولى السكوت عن التعليل بل كان من أخبار النبي ﷺ عنه أنه لا يسأل فليتلق بالقبول والتبجيل من غير ما تأويل ولا تعليل. قال السيوطي (١): من مات يوم الجمعة فله أجر شهيد، فكان على قاعدة الشهداء في عدم السؤال. كما أخرج أبو نعيم في "الحلية"، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، أُجير من عذاب القبر، وجاء يومَ القيامةِ وعليه طابع الشهداء" (٢). وأخرج حميد في "ترغيبه" عن عطاء، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم أو مسلمة يموت ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، إلا وُقي عذاب القبر وفتنة القبر، ولقي الله ولا حساب عليه، وجاء يوم القيامة ومعه شهود يشهدون له، أو طابع (٣) " قال السيوطي (٤): وهذا الحديث

стр. 246

لطيف، صَّرح فيه بنفي الفتنة والعذاب معًا. قلت: وهذا من خصائص الجمعة وقد أنهيت الكلام على ذلك، في رسالة لي سميتها (اللمعة في فضل الجمعة) (١). وممن لا يفتن في قبره من قرأ في مرض موته ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: الآية ١] لما أخرج أبو نعيم في الحلية أن النبي ﷺ قال: "من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي مات فيه لم يفتن في قبره، وأمن ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه الصراط إلى الجنة" (٢)، ومن جملة الذين لا يسألون الذي تمنى الشهادة بقلب صادق لكنه ملحق بالشهداء، واستثنى جمع فوق ما ذكرنا الملائكة والأنبياء ونبه السيوطي على ذَلِكَ بقوله: ومن هنا يقطع بانتفائه ... عن رسل الله وأنبيائه فكم إمام قاله وكم أمم ... والنسفي في بحره به جزم والشيخ سعد الدين منهم نقلًا ... خلفًا وهذا الخلف مما أشكلا والنيكسارى قال إنّ المسألة ... عن النبي جل من قد أرسله ويسأل عنه غيره في رمسه ... فكيف يسأل النبي عن نفسه والفاكهاني قال في الملائك ... الظاهر انتفاؤه في أولئك قلت: أما الجن فالأدلة ... تعمهم فيسألون جملة وقد اجتمع مما ذكرنا جماعة لا يسألون سيما أن عممنا ذَلِكَ في كل شهيد فإن الشهداء يزيدون على ثلاثين كما ذكره السيوطي، والله أعلم.

стр. 247

فصل في فظاعة القبر وسعته على المؤمن وضيقه على الكافر وفي ضمة القبر أخرج الحاكم، وابن ماجة، والبيهقي خبر عثمان وتقدم قول النبي ﷺ : "ما رأيت منظرًا إلا والقبر أفظع منه" (١). وأخرج ابن ماجة عن البراء قال: كنا مع الرسول ﷺ في جنازة فجلس على شفير قبر فبكى وأبكى حتَّى بل الثرى ثم قال: "يا إخواني لمثل هذا فاعملوا" (٢). أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر قال: توفى رجل بالمدينة فصلى عليه رسول الله ﷺ فقال: "يا ليته مات في غير مولده " فقال رجل من الناس: لم يا رسول الله؟ قال: "إن الرجل إذا توفي في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة" (٣). وأخرج ابن منده عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "يفسح للغريب في قبره كبعده عن أهله". وأخرج عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: "إنما القبر

стр. 248

روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" (١). وأخرج البيهقي عن ابن عمر نحوه. وأخرج علي بن سعيد عن معاذ ﵁ قال: قلت لعائشة ﵂: ألا تخبريني عن مقبورنا وما يلقى وما يصنع به. فقالت: إن كان مؤمنًا فسح له في قبره أربعون ذراعًا. قال القرطبي: وهذا إنما يكون بعد ضيق القبر والسؤال، وأما الكافر فلا يزال قبره ضيقًا عليه. قال: وقوله ﷺ في "القبر إنه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" محمول عندنا على الحقيقة إلى المجاز، وإن القبر يملأ على المؤمن خضًرا وهو العشب من النبات وقد بينه ابن عمر (٢) في حديثه أنه الريحان ويملأ نارًا .. قال: وذهب بعض العلماء إلى حمله على المجاز وإن المراد خفة السؤال على المؤمن وسهولته عليه وأمنه وطيب عيشه وراحته وسعته عليه بحيث يرى مد بصره؛ كما يقال: فلان في الجنة إذا كان في رغد من العيش وسلامة وكذا في ضده قال والأول أصح (٣). وأخرج أحمد (٤)، والحكيم الترمذي، والبيهقي في كتاب "عذاب القبر"، عن حذيفة، قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة فلما انتهينا إلى

стр. 249

القبر، قعدنا على شفته، فجعل يرددِّ بصره فيه، ثم قال: "يُضغط فيه المؤمن ضغطة تزول منها حمائله ويُملأ على الكافر نارًا" (١). قال في النهاية: الحمائل هنا: عُروق الانثَييْنِ. وَيَحْتمل أن يُراد موضع حَمَائِل السيف، أي عَواتِقه وصَدْره وأضْلاعه (٢). وأخرج أحمد، والبيهقي عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن للقبر ضغطةً، لو كان أحدٌ منها ناج لنجا منها سعدُ بنُ معاذٍ" (٣). وأخرج الإمام أحمد والبيهقي، والحكيم، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: لما دُفن سعد بن معاذ سبَّح النبي ﷺ وسبَّح الناس معه طويلًا، ثم كبَّر وكبَّر الناس، ثم قالوا: يا رسول الله، لمَ سَبَّحْتَ؟ قال: "لقد تضايق على هذا الرجل قبرُه حتى فرج الله عنه" (٤).

стр. 250

وأخرج النسائي، والبيهقي، عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "هذا الذي تحرَّكَ له العرشُ، وفُتِحَتْ له أبوابُ السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضمَّ ضمَّةً، ثم فُرِّج عنه" (١) يعني سعَدَ بن معاذ ﵁. قال الحسن: تحرك العرش فرحًا بروحه. وأخرج الطبراني، عن أبي أيوب، بسند صحيح، أن صبيًا دُفن، فقال رسول الله ﷺ : "لو أفلت أحدٌ من ضمَّةِ القبرِ، لأفلتَ هذا الصبيُّ" (٢). قال: ابن أبي مليكة، ما أجير من ضغطة القبر أحد، ولا سعد ابن معاذ الذي منديلٌ من مناديله - أي: في الجنة - خيرٌ من الدنيا وما فيها. قال مجاهد: أشدُّ حديثًا سمعناه عن النبي ﷺ قوله في سعد بن معاذ، وقوله في أمر القبر. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما عُفِي] (٣)
следующие страницы →