← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لطيف، صَّرح فيه بنفي الفتنة والعذاب معًا. قلت: وهذا من خصائص الجمعة وقد أنهيت الكلام على ذلك، في رسالة لي سميتها (اللمعة في فضل الجمعة) (١). وممن لا يفتن في قبره من قرأ في مرض موته ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: الآية ١] لما أخرج أبو نعيم في الحلية أن النبي ﷺ قال: "من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي مات فيه لم يفتن في قبره، وأمن ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه الصراط إلى الجنة" (٢)، ومن جملة الذين لا يسألون الذي تمنى الشهادة بقلب صادق لكنه ملحق بالشهداء، واستثنى جمع فوق ما ذكرنا الملائكة والأنبياء ونبه السيوطي على ذَلِكَ بقوله: ومن هنا يقطع بانتفائه ... عن رسل الله وأنبيائه فكم إمام قاله وكم أمم ... والنسفي في بحره به جزم والشيخ سعد الدين منهم نقلًا ... خلفًا وهذا الخلف مما أشكلا والنيكسارى قال إنّ المسألة ... عن النبي جل من قد أرسله ويسأل عنه غيره في رمسه ... فكيف يسأل النبي عن نفسه والفاكهاني قال في الملائك ... الظاهر انتفاؤه في أولئك قلت: أما الجن فالأدلة ... تعمهم فيسألون جملة وقد اجتمع مما ذكرنا جماعة لا يسألون سيما أن عممنا ذَلِكَ في كل شهيد فإن الشهداء يزيدون على ثلاثين كما ذكره السيوطي، والله أعلم.

стр. 247

فصل في فظاعة القبر وسعته على المؤمن وضيقه على الكافر وفي ضمة القبر أخرج الحاكم، وابن ماجة، والبيهقي خبر عثمان وتقدم قول النبي ﷺ : "ما رأيت منظرًا إلا والقبر أفظع منه" (١). وأخرج ابن ماجة عن البراء قال: كنا مع الرسول ﷺ في جنازة فجلس على شفير قبر فبكى وأبكى حتَّى بل الثرى ثم قال: "يا إخواني لمثل هذا فاعملوا" (٢). أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر قال: توفى رجل بالمدينة فصلى عليه رسول الله ﷺ فقال: "يا ليته مات في غير مولده " فقال رجل من الناس: لم يا رسول الله؟ قال: "إن الرجل إذا توفي في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة" (٣). وأخرج ابن منده عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "يفسح للغريب في قبره كبعده عن أهله". وأخرج عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: "إنما القبر

стр. 248

روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" (١). وأخرج البيهقي عن ابن عمر نحوه. وأخرج علي بن سعيد عن معاذ ﵁ قال: قلت لعائشة ﵂: ألا تخبريني عن مقبورنا وما يلقى وما يصنع به. فقالت: إن كان مؤمنًا فسح له في قبره أربعون ذراعًا. قال القرطبي: وهذا إنما يكون بعد ضيق القبر والسؤال، وأما الكافر فلا يزال قبره ضيقًا عليه. قال: وقوله ﷺ في "القبر إنه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" محمول عندنا على الحقيقة إلى المجاز، وإن القبر يملأ على المؤمن خضًرا وهو العشب من النبات وقد بينه ابن عمر (٢) في حديثه أنه الريحان ويملأ نارًا .. قال: وذهب بعض العلماء إلى حمله على المجاز وإن المراد خفة السؤال على المؤمن وسهولته عليه وأمنه وطيب عيشه وراحته وسعته عليه بحيث يرى مد بصره؛ كما يقال: فلان في الجنة إذا كان في رغد من العيش وسلامة وكذا في ضده قال والأول أصح (٣). وأخرج أحمد (٤)، والحكيم الترمذي، والبيهقي في كتاب "عذاب القبر"، عن حذيفة، قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة فلما انتهينا إلى

стр. 249

القبر، قعدنا على شفته، فجعل يرددِّ بصره فيه، ثم قال: "يُضغط فيه المؤمن ضغطة تزول منها حمائله ويُملأ على الكافر نارًا" (١). قال في النهاية: الحمائل هنا: عُروق الانثَييْنِ. وَيَحْتمل أن يُراد موضع حَمَائِل السيف، أي عَواتِقه وصَدْره وأضْلاعه (٢). وأخرج أحمد، والبيهقي عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن للقبر ضغطةً، لو كان أحدٌ منها ناج لنجا منها سعدُ بنُ معاذٍ" (٣). وأخرج الإمام أحمد والبيهقي، والحكيم، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: لما دُفن سعد بن معاذ سبَّح النبي ﷺ وسبَّح الناس معه طويلًا، ثم كبَّر وكبَّر الناس، ثم قالوا: يا رسول الله، لمَ سَبَّحْتَ؟ قال: "لقد تضايق على هذا الرجل قبرُه حتى فرج الله عنه" (٤).

стр. 250

وأخرج النسائي، والبيهقي، عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "هذا الذي تحرَّكَ له العرشُ، وفُتِحَتْ له أبوابُ السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضمَّ ضمَّةً، ثم فُرِّج عنه" (١) يعني سعَدَ بن معاذ ﵁. قال الحسن: تحرك العرش فرحًا بروحه. وأخرج الطبراني، عن أبي أيوب، بسند صحيح، أن صبيًا دُفن، فقال رسول الله ﷺ : "لو أفلت أحدٌ من ضمَّةِ القبرِ، لأفلتَ هذا الصبيُّ" (٢). قال: ابن أبي مليكة، ما أجير من ضغطة القبر أحد، ولا سعد ابن معاذ الذي منديلٌ من مناديله - أي: في الجنة - خيرٌ من الدنيا وما فيها. قال مجاهد: أشدُّ حديثًا سمعناه عن النبي ﷺ قوله في سعد بن معاذ، وقوله في أمر القبر. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما عُفِي] (٣)

стр. 251

أحدٌ منْ ضَغْطةِ القَبر إلَّا فاطمةُ بنتُ أسد"، فقيل: يا رسول الله، ولا القاسمُ ابنك؟ قال: "ولا إبراهيمُ". وكان أصغرهما (١). قال أبو القاسم السعدي في كتاب "الروح" له: لا ينجو من ضغطةِ القبر صالحٌ ولا طالحٌ. والمرادُ إلاّ من استثناه النبيُّ ﷺ ، وهو فاطمةُ بنتُ أسد بن هاشم بنِ عبدِ مناف والدةُ عليّ بن أبي طالب ﵄ إن ثبت الحديثُ فقيل الحكمة في ذلك لأنها ضمّت المصطفى، وقيل؛ لأنّه سَكبَ عليها الماء الذي فيه الكافور. توُفّيَت في المدينة ودُفنت شِمال قبّة عثمان في موضع يقال له الحمام، وعليها قبّةٌ صغيرة، كذا في "زُبدة الأعمال" والله أعلمْ. قال أبو القاسم السَّعديّ: والفرقُ بينَ المسلم والكافر دوامُ الضغْطِ للكافر، وحُصولُ هذه الحالة للمؤمنِ في أوّل نزوَله إلى قبره، ثم يعودُ إلى الانفساح لهُ فيه. قال: والمرادُ بضغطةِ القبر: التقاء جانبيْه على جسدِ الميّت. قال الحكيم الترمذيّ: سببُ هذه الضَّغْطة؛ أنَّه مَا منْ أحَد إلاّ وقد ألم بخطيئةٍ ما، وإن كان صالحًا؛ فجُعلتْ هذه الضغطة جزاء لها ثُمّ تُدركُه الرحمة. ولذلك ضغط سعدِ بنِ معاذٍ ﵁.

стр. 252

قال: وأمّا الأنبياءُ فلا نعلم أن لهم في القَبور ضَمةً ولا سؤالًا لعصمتهم (١). قُلت: قَدْ قدَّمنا أنَّ السؤال إنما هُو عن الأنبياء وما أخبروا به، فكيفَ يُسألونَ عن أنفسهم، فهم أكرمُ على الله وأجلّ وأعظمُ عندَ اللهِ من أن يُسألوا. وقد ذَكرَ ابن الجوزي ﵀ في "مناقب سيّدنا الإمام أحمدَ"، أنَّهُ رآه المروزي ﵀ فقال له: ما فعل اللهُ بك؟ فَذكرَ أنَّ الملكين سألاهُ وقالا له: من ربّك؟ فقال: سبحانَ الله أوَمثلي يُسأل عن ربه؟ فقالا: لا تؤاخذنا، بذا أمرنا ثم انصرفا، فكيفَ بأنبياء الله الكرام، وهمُ المخبرون عنه، الدّالونَ عليه، المجتهدون في إنقاذ عباده من غضبه إلى مرضاتِه بإذنه. من أسباب ضمة القبر قالَ محمدُ التيمي: كان يُقالُ ضمّةُ القبر. إنّما أصلُها أنَّها أمّهم، ومنها خُلقوا، فغابوا عنها الغيبةَ الطويلةَ فلمَّا رُدّوا إليها ضمتْهم ضمّةَ الوالدةِ إذا غابَ عنها ولدُها ثُمَّ قدم. فَمنْ كانَ لله مُطيعًا ضمتهُ برأفة ورفق، ومَنْ كانَ عاصيًا ضمته بعنف؛ سَخطًا منها عليهِ لربّها. وأخرجَ البيهقي وابنُ مندهَ والديلمي وابن النجارِ، عن عائشةَ

стр. 253

رضي الله عنها قالتْ: يا رسول الله، إنك منذ يوم حدثتَني بصوتِ مُنكرٍ ونكير (١) وضغطةِ القبر، ليس ينفعني شيء قال: "يا عائشة، إنَّ أصوات منكرِ ونكيبر في سَماع المؤمنينَ كإثمد في العين، وإن ضغطة القبر على المؤمن كالأمّ الشفيقة يشكو إليها ابنها الصداعَ، فتغمرُ رأسهُ غَمرَا رفيقًا، ولكنْ يا عائشةُ ويلٌ للشاكين في الله، كيفَ يُضغطونَ في قبُورهم كضغطةِ الصخرة على البيضة" (٢). فائدتان: الأولى: أسباب دفع عقوبة السيئة: قالَ بعضُهم: مَن فعلَ سيّئة فإن عقوبتها تُدفع عنه بعشَرة أسباب: أن يتوَب فيتوبَ (٣) الله عليه، أو يستغفر فَيُغفر له، أو يعملَ حسنات فتمحوها، فإن الحسنات يُذهِبْنَ السيّئات، أو يُبتلى بمصْائب في الدُّنيا، فيُكَفَرَ عنهُ، أو في البرزخ بِالضغطة والفتنة، فيكفر عنه، أو يدعو له إخوانُه من المؤمنين ويستغفرونَ له، أو يُهدون له من ثواب أعمالِهمْ ما ينفعه، أو يُبتَلى في عرصاتِ القيامةِ بأهوال تكفِّر عنه، أو تُدرِكه شفاعة نبيّه ﷺ أو رحمة ربّه. انتهى. الثانية: ذُكِرَ في "الفردوس" للديلمي، ولم يُسنده ولدُه مِنْ حديث علي ﵁ مرفوعًا: "أوّلُ عدلِ الآخرةِ القبور، ولا

стр. 254

يُعرف شريف من وضيع" (١). وقال ابن عبّاس ﵄: إن الله أرحَمُ ما يكون لعبده إذا دخل قبرَه وتفرقَ عنْه الناس وأهله. وأخرجَ الديلمي عَنْ أنسٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أرحمُ ما يكونُ اللهُ بالعبد إذا وُضعَ في حفرته" (٢). وأخرجَ ابن أبي الدنَيا عَنْ أبي عاصِمٍ الحَبْطيّ يرفعه قال: "إن أوّل مَا يُتحف به المؤمنُ في قبره يُقال له: أبشر فَقدْ غُفِرَ لمِنْ تَبعَ جَنازتك" (٣). وأخرجَ البزارُ وعبد بن حميد في "مُسنديهما" والبَيْهقي في "الشعب"، عَن ابن عَبّاس ﵄ قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "إن أوَلَ ما يجُازى به المؤمنُ بَعدَ موته، أنْ يُغْفَرَ لجميع مَنْ تِبعَه" (٤). وفي الباب عن جابر بنِ عبدِ الله، أخرَجَهُ ابن أبي الدُّنيا (٥)

стр. 255

وسلمان الفارسيّ أخرجَهُ أبو الشيخ في "الثَواب"، وأبي هريرة أخرجهُ الحاكمُ في "التاريخ"، والبيهقيُّ في "الشعب" والديلمي (١)، وأنسُ أخرجهُ الحكيمُ الترمذي (٢). * * *

стр. 256

البابُ الثاني في عذاب القبرِ ونعيمه نسألُ اللهَ أنْ يجَعلنا من أهل النعيم؛ بمنه وكرمه العميم قال السيوطي: وقع ذِكْرهُ أي عذابُ القبر في القُرآن في عدّةِ أماكن، كما بينتُه في "الإكليل في استنباط التنزيل"، انتهى. قال الحافظ ابن رجب في قولِ اللهِ : ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٥] عَنْ عَبدِ الرحمن بنِ أبي لَيْلى قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآيات: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى قوله: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ قال: "إذا كانَ عندَ الموتِ قِيلَ له هذا، فإنْ كانَ مِنْ أصحاب اليمين أحبَّ لقاءَ اللهِ، وأحبَّ اللهُ لِقاءه وإنْ كان من أصحابِ الشمال كَره لقاءَ الله، وكرِه اللهُ لقاءه " (١). وأخرجَ الإمامُ أحمدُ، أن النّبيّ ﷺ قال: "مَن أحبّ لِقاء الله أحبّ اللهُ لِقاءه، ومَن كَره لقاء الله، كَرهَ اللهُ لِقاءهُ"، فَأكبَّ القومُ يَبْكون: قال: "ما يبكيكم" قالوا: إنَّا نكره المَوت قال: "ليس ذلك ولكنه إذا حَضَر، ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] فإذا بشر بذلِك أحبَّ لقاء اللهِ، واللهُ للقائه أحبّ وإمّا أنْ يَكُون من المكذبين الضالين؛ ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣)﴾

стр. 257

[الواقعة: ٩٣]، فإذا بُشر بذلك، كره لقاء اللهِ، واللة للقائهِ أكْره" (١). وظاهرُ كلامِ المحقق في كتابِ "الرّوح" أنَّ عذابَ القَبر ذُكِرَ في القرآن؛ لأنَّه قالَ: قولُ السّائل ما الحكمةُ في أنَّ عذابَ القبر لمْ يُذكرْ في القرآنِ، مع شدّة الحاجة إلى معرفته، والإيمان به، ليُحذر ويُتّقَى، فالجوابُ من وجهين: مجملٌ ومفصّل. أمَّا المجْمَلُ فهو: أنَّ الله أنزَلَ على رَسُولِه وَحْيَيْن فَأوْجَبَ عَلى عبادِه الإيمانَ بهما، والعملَ بما فيهما، وهُما: الكتابُ والحكمة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] إلى قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] والحكمة: هي السّنّة باتفاق السَّلف، وما أخبَر به الرسولُ عن الله، فهو في وجوب تصديقه والإيمانِ به كما أخبرَ به الرّبُّ على لسانِ رسوله، هذا أصلٌ متَّفقٌ عليه بينَ أهل الإسلام، لا يُنكره إلا من ليس منهم، وقد قال النَّبِيّ ﷺ :

стр. 258

"إني أوتيتُ الكتابَ ومثلَهُ معه" (١). قال: وأما الجوابُ المُفصَّلُ: فهو أنّ نعيمَ الروح وعذابَه، مذكورٌ في القرآن، في مواضعَ، فمنها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] الآية، وهذا خطابٌ لهم عندَ الموتِ قطعًا، وقد أخبرتِ الملائكةُ وهم الصادقونَ أنهم حينئذ يجزَوْنَ ﴿عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] (٢) ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لمَا صحَّ أنْ يُقال لهم اليومَ تجُزون عذابَ الهُونِ، وقوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥] الآية فَذَكَر عذاب [الدار] ذكرًا صريحًا، لا يحتملُ غيره ومنها قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)﴾ [الطور: ٤٥ - ٤٦] انتهى كلامه. وأخرجَ البخاريُّ عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ يدعو: "اللهم إني أعوذُ بكَ من عذاب القبر" (٣). قلتُ: وَذكرَ الحافظُ ابن رجب في "أهوال القَبور" أنَّ عَذابَ

стр. 259

القَبْرِ ذُكرَ في القُرآن في عدةِ مواضعَ (١). أخرج الترمذي عن علي ﵁ قال: ما زلنا في شك من عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: الآية ١، ٢] (٢). وأخْرَجَ آدمُ بنُ أبي إياس عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: إذا مات الكافرُ أُجْلِسَ في قَبره فيُقالُ: من ربك وما دينك؟ فيقولُ: لا أدْري، فيُضَيّقُ عليه قبرُه، ثم قرأ ابن مسعود ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] المعيشةُ الضنكُ: هي عذابُ القبر (٣). وروى شُريكٌ عن أبي إسحق عن البراء ﵁ في قوله : ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] قال: عذابُ القبر (٤). وكذا رُويَ عن ابن عباسٍ ﵄ في قوله تعالى:

стр. 260

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: الآية ٢١] (١) وكذا قال قتادةُ والربيعُ بنُ أنس في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: الآية ١٠١]، إحداهما: في الدنيا والأخرى هي عذاب القبر (٢). قال الحافظُ ابن رجب (٣): وقد تواترت الأحاديثُ عن النبي ﷺ في عذابِ القبر، ففي الصحيحينِ عن عائشة ﵂ أنَّها سألتْ رسول الله ﷺ عن عذاب القبر، فقال: "نعم عذابُ القبر حقّ" قالت عائشةُ ﵂: فما رأيتُ النبي ﷺ بعدُ صلَّى صلاةً إلَّا تعوّذ من عذاب القبر (٤). وفيهما عنها ﵂ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "إني رأيتُكُم تُفتَنُون في القبور كفتنة الدجال" قالت عائشةُ ﵂: فكُنتُ أسمعُ رسولَ اللهِ ﷺ بعد ذلك يتعوّذُ من عذابِ القبر (٥). وفي صحيح مسلم عن ابن عباسٍ ﵄ عن النبي ﷺ أنه كانَ يُعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذُ بكَ مِنْ عَذابِ القبر وأعوذُ

стр. 261

بك من فِتنْةِ المحيا والممات، وأعوذ بكَ مِنْ فتنة المسيح الدجال" (١). وأخرجَ مسلم وابنُ أبي شيبةَ عن زيد بن ثابتٍ، قال: بينما النبي ﷺ في حائط - أي: بستان - لبني النجار على بغلة له، ونحنُ معهُ إذْ حَادت به فكادت أن تلقيَه وإذا أقبرٌ ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: "مَن يعرِف أصحاب هذه الأقبر؟ " فقال رجل: أنا، فقال: "متى مات هؤلاء؟ " فقال: ماتوا في الإشراك، فقال النبيُّ ﷺ : "إن هذة الأمّةُ تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر، الذي أسمع منه" ثم أقبل علينا بوجهه فقال: "تعوّذوا بالله من عذاب النار"، فقالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: "تعوّذوا بالله من عذاب القبر" فقالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، فقال: "تعوّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن"، فقالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فقال: "تعوّذوا بالله من فتنة الدجال، فقالوا: نعوذُ بالله من فتنة الدجال" (٢). وأخرج الشيخان عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أهل القبور يعذبون في قبورهم، عذابًا تسمعه البهائم" (٣). وأخرج الإمام أحمد وأبو يعلى، والآجري عن أبي سعيد

стр. 262

الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُسَلّطُ على الكافر تسعة وتسعون تنّينا تلدغُه حتى تقوم الساعة" (١). وأخرج أبو يعلى والآجري وابن منده، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "المؤمن في قبره في روضة، ويُرَحَّبُ له قبره، أي: يُوسع سبعون ذراعًا، وينوّر له كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيم نزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: الآية ١٢٤]؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "في عذاب الكافر، والذي نفسي بيده، إنه ليُسَلّطُ عليه تسعة وتسعون تتّينًا، ينفخون في جسمه ويلسعونه، ويخدشونه إلى يوم القيامة" (٢). وأخرج الإمام أحمد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "يُرسَلُ على الكافر حَيّتان واحدة من قبل رَأسه، والأخرى من قِبل رجليه، يَقرصانه قرصًا، كلمَّا فرغتا عادتا إلى يوم القيامة" (٣). وأخرج مسلم عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لولا

стр. 263

أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أنْ يُسمعكم من عذاب القبر" (١). قوله ﷺ : "لولا أن لا تدافنوا": هو بحذف إحدى التاءين تخفيفًا، أي: لولا خوف ترك دفنكم الأموات، بل تتركونهم بلا دفن، من خوف أن يُصيبهم من العذاب ما أصاب الميت، وقيل: لولا أن تموتوا من سماعه لفظاعته وعظيم أمره، فتصعقون لوقتكم، وقيل غير ذلك. فإنْ قُلْتَ: ما معنى قوله: "لولا أن لا تدافنوا" الخ، ومن المعلوم أن الصحابة ﵃ مؤمنون بعذاب القبر، مصدّقون به، فهو عندهم كالمحسوس، وكيف لا وهم خير هذه الأمة؟ فالجوابُ: عن ذلك من وجوه فقيل: محمول على ما ذكرنا، من أنهم يموتون، ولا إشكال وقد تقدم في الأحاديث ما يدل لذلك، وقيل: إن الذي حمله ﷺ على ذلك: أنهم إذا سمعوا، تركوا دَفن الميت، استهانة به أو لعجزهم عنه، أو لدهشتهم وحيرتهم، أو لفزعهم وعدم قدرتهم على دفنه، أو لئلا يحكموا على كل من أطلعوا على تعذيبه في قبره، أنه من أهل النار، فيتركون الترحم عليه، وتَرَجِّى العفو عنه. ذكر مُلخص هذه الأوجه المناوي، في "شرحه الكبير على الجامع الصغير" (٢)، وأكثرها لا يخلو من مناقشة والله أعلم.

стр. 264

وأخرج الشيخان، عن أبي أيوب ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، وقد وجبت الشمس، فسمع صوتًا فقال: "يهود تعذب في قبورها" (١). وأخرجا عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مرّ على قبرين، فقال: "إنهما ليُعذبان وما يعذبان في كبير، أمّا أحدُهما: فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة"، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها باثنتين، ثم غرزَ على كل قبر منهما واحدة، قالوا: لم فعلت هذا يا رسولَ الله؟ قال: "لعله يخُفّفُ عنهما، ما لم ييبسا" (٢). وقد رُويَ هذا الحديثُ عنه ﷺ من وجوه متعددة، وخَرَّجه ابن ماجة عن أبي بكرة. وفي حديثه "وأما الآخر، يعذب في الغِيبة" (٣). وخرَّجه الخلال وغيره، عن أبي هريرة مرفوعًا، وفي بعض رواياته: "وأما الآخرُ فكان يهمز الناس بلسانه، ويمشي بينهم بالنميمة".

стр. 265

وخرجه الطبراني عن عائشة (١) وأنس وابنِ عُمر (٢). وخرّجه أبو يعلى الموصلي وغيره، عن أبي أُمامة، وفي حديثه قالوا: يا نبيّ الله وحتى متى يُعذبان؟ قال: "غيبٌ لا يعلمه إلَّا الله ولولا تمريج في قلوبكم وتَزَيُّدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" (٣). ورُوي من وجوه أُخرَ. وأخرج النّسائي، عن عائشة ﵂ قالت: دَخلت عليّ أمرأةٌ من اليهود، فقالت: إنّ عذاب القبر من البول، قلتُ: كَذَبْتِ، قالتْ: بلى إنه ليُقرضُ منه الجلد والثوب، قالت: فخرج رسول ﷺ إلى الصلاة، وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: "ما هذه" فأخبرته بما قالت، فقال: "صَدَقَتْ" (٤). وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنّسائي وابن ماجة، عن عبد

стр. 266

الرحمن بن حَسَنة، سمع النبي ﷺ يقول: "ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البولُ: قطعوا ما أصابه البول، فنهاهم فُعُذب في قبره" (١). وأخرجَ الإمام أحمد، وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أكثر عذاب القبر من البول" (٢). ورُويَ موقوفًا عن أبي هريرة. وأخرج البزارُ والحاكم عن ابن عباس، عنه ﷺ قال: "إنَّ عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا منه" (٣). وخَرّجه الطبراني والدارقطني، عن أنس بنحوه (٤).

стр. 267

وأخرج الطبراني، عن أبي أُمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اتقوا البول؛ فإنه أوَّل ما يحاسب به العبد في القبر" (١). وأخرج ابن عدي عن أنس، أن رسول الله ﷺ مرّ برجل يُعذّبُ في قبره من البول (٢). وأخرج أيضًا بإسناد ضعيف، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "فتنة القبر من ثلاث: من الغيبة والنميمة والبول" (٣). قال الحافظ ابن رجَب (٤): لكن رَوى عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد، عن قتادة قال: كان يُقال: "عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلثٌ من الغيبة، وثُلث من النميمة، وثُلثٌ من البول" (٥). خرّجه الخلال موقوفًا على قتادة، قال الحافظ (٦): وهو أصح. وأخرج الخلال عن

стр. 268

ميمونة مولاة رسول الله ﷺ قال لها النبي ﷺ : "يا ميمونة إن من أشد عذاب القبر: الغيبة والبول" (١). قال الحافظ ابن رجب (٢): وقد ذكرَ بعضُهم السرَّ في تخصيص البول والنميمة والغيبة بعذاب القبر: وهو أنه أوّل منازل الآخرة، وفيه أنموذج ما يقع يومَ القيامة، من العقاب والثواب، والمعاصي التي يُعاقب عليها يومَ القيامة نوعان: حقّ لله وحقٌّ لعباده، وأوّل ما يُقضى فيه يومَ القيامة من حقوق الله: الصلاة، ومن حقوق العباد، الدِّماء فأمّا البرزخ: فيقضى فيه مقدمات هذين الحقين، وما يليهما فمقدمة الصلاة: الطهارة منَ الحدث والخبث، ومقدمة الدِّماء: النميمة والوقيعة في الأعراض، وهما أيسر أنواع الأذى فيُبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما. وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن أبي إسحق، عن أبي ميسرة عَمرو بن شرحبيل، قال: مات رجلٌ فلما دخل قبره أتته الملائكة، فقالوا: إنّا جالدوك مائة جلدةٍ من عذاب الله، فذكر صلاته وصيامه وجهاده، فخففوا عنه، حتى انتهى إلى عشرة أسواط (٣)، ثم سألهم فخففوا عنه حتى انتهى إلى واحدة، فجلدوه جلدة اضطرم قبره نارًا وغُشِّي عليه فلمّا أفاق قال: فيم جلدتموني

стр. 269

هذه الجلدة، قالوا: إنك بُلْتَ يومًا ثم صلّيت، ولم تتوضأ وسمعت رجلًا يستغيث مظلومًا، فلمْ تُغثه. ورواه أبو سنان، عن أبي إسحق، عن أبي ميسرة بنحوه (١). قال الحافظ ابن رجب (٢): ورويناه من طريق حفص بن سليمان القاري، وهو ضعيف جدًا، عن عاصم عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ به. فعذاب القبر حصل هنا بشيئين: ترك طهارة الحدث وترك نصرة المظلوم، مع القدرة عليه كما أنه في الأحاديث المتقدمة حصل بترك طهارة الخبث، والظلم بالقول، وهي متقاربة في المعنى. فَإِنْ قُلْتَ: عدم التنزه من البول والغيبة والنميمة من الكبائر أم من الصغائر؟ قُلْت: بل هي من الكبائر، كما جزم به صاحبُ "الإقناع" وغيره. فَإِنْ قُلْتَ: فكيف ذا مع قوله ﷺ "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير" وقوله ﷺ في حديث يعلى بن مُرة قال: مررت مع رسول الله ﷺ على مقابر، فسمعتُ ضغطةً في قبر، قال: "سمعتَ؟ " قلتُ: نعم، قال: "فإنه يُعذب في يسير من الأمر"، قلت: وما هو؟ قال: "كان يمشي بين الناس بالنميمة، وكان لا يتنزه من البول"،

стр. 270

وذكر قصّة الجريدة. رواه البيهقي في "دلائل النبوة"، ويعلى بن مُرّة هذا: هوَ يعلى بنُ سيابة، وسيابة أمّه (١). قُلْتُ: قد أجاب عن هذا علماؤنا أعزّهم الله تعالى بأنّ معناه لم يعذبا في أمرٍ كان يكبر عليهما، أو يشق فعله لو أراد أن يفعَلاه، وهو التنزه من البول، وترك النميمة. وقوله: "كان يعذب في يسير من الأمر" أي: في زعَمه أو يَسير تركه، ولمْ يردْ ﷺ أن المعصية في هاتين الخصلتين، ليستا من الكبائر في حق الدين، وأن الذنب فيهما هين سهل، ومن ثمَّ قال الحافظ المنذري (٢): ولخوف توهّم مثل هذا، استدرك ﷺ فقال: "بلى إنه كبير" كما في رواية صحيحة أخرجها البخاري وغيره. فالمُعْتَمدُ عندنا أن هذه الخِصال من الكبائر، كما بيّنت ذلك مُوضّحًا في كتابي "الذخائر، لشرح منظومة الكبائر"، الواقعة في "الإقناع" فراجِعْه تَظفرْ بمرادك، والله تعالى الموفق. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن أبي الدنيا في القبور، واللالكائي في السنة، وابن منده، عن ابن عُمر ﵄ قال: بينا أنا أسيرُ بجنبات بدر، إذ خرج رجلٌ من حفرة في عنقه سلسلة، فناداني: يا عبد الله اسقني، فلا أدري أعَرَف اسمي، أم

стр. 271

دعاني بدعاية العرب! قال: وخرج رجل من تلك الحفرة، في يده سوط فناداني: يا عبد الله لا تسقه فإنه كافر، ثم ضربه بالسوط، حتى عاد إلى حفرته. قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "أوقد رأيتَه؟ " قلتُ: نعم. قال: "ذلك عدوّ الله أبو جهل، وذلك عذابُه إلى يوم القيامة" (١). قال الحافظ ابن رجب (٢): ضعيف. وأخرج ابن أبي الدُنيا، في كتاب "من عاش بعد الموت" والخلال في "السنة" وابن البراء في "الروضة"، عن ابن عُمر ﵄ قال: خرجت بسفر فمررتُ بقبر من قبور الجاهلية، فإذا رجل قد خرج من القبر، يتأجّجُ نارًا في عنقه سلسة من نار، ومعي إداوة من ماء فلما رآني قال: يا عبد الله اسقني، إذ خرج على أثره رجُلٌ من القبر، فقال: يا عبد الله لا تسقه، فإنه كافر، ثم أخذ بالسلسلة، واجتذبه فأدخله القبر، ثم أضافني الليل إلى بيت عجوز، إلى جانبِ بيتها قبر فسمعت من القبر صوتًا يقول: بولٌ وما بول، شن وما شن، قلت: للعجوز ما هذا؟ قالت: هذا كان رجلًا لي، وكان إذا بال لم يتق البول، وكنت أقول له: ويحك إن الجمل إذا بال تفاجَ، فكان يأبى فهو يُنادي منذُ يوم مات يقول بولٌ وما بول، قلتُ: فما الشّن؟

стр. 272

قالتْ: جاءه رجلٌ عطشان، فقال: اسقني، فقال: دونك الشن، وإذا ليس فيه شيء فخرَ الرّجل ميتًا فهو ينُادي منذ يومِ ماتَ يقول: شن وما شن؟ فلمّا قدمتُ على رسول الله ﷺ أخبرته، فنهى أن يُسافر الرجل وحده (١). وذكره الحافظ ابن رجب (٢) بلفظ أن الرجل قال: اسقني فإني عطشان، قال: عندك الشن، وشن لنا معلق أي ليس فيه ماء، فقال: يا هذا اسقني، فإني عطشان الساعة أموت، قال: عندك الشن، قال: ووقع الرجل ميتًا، قال الحافظ ابن رجب: وفيه يحيى المدني غير معروف. وقال عروة: بينما راكب يسير بين مكة والمدينة، إذ هو بمقبرة، فإذا رجل قد خرج من قبر يلتهب نارًا، مصفد في الحديد، فقال: يا عبد الله انضح انضح وخرج آخر يتلوه فقال: يا عبد الله لا تنضح، قال: وغُشي على الراكب، وعدلت به راحلته، فأصبح وقد أبيض شعره، حتى صار كأنه ثغامة، قال: فأخبر بذلك عثمان، فنهى أن يسافر الرجل وحده. أخرجه ابن أبي الدنيا (٣). وأخرج أيضًا عن الحويرث الرباب، قال: بينما أنا بالإثابة، إذ

стр. 273

خرج علينا إنسان من قبر يلتهبُ وجهه ورأسه نارًا، في جَامِعَةٍ من حديد، قال: اسقني اسقني، وخرج في إثره إنسان يقول: لا تسقه إنه لكافر، فأدركه وأخذ بطرف السلسلة، فسلبه ثم جره، حتى دخلا القبر جميعًا، قال: الحويرث، فصارت الناقة، لا أقدر منها على شيء، حتَّى التَّوَتْ بعِرْقِ الظُّبْية (١) فبركت، فصَليتُ المغرب والعشاء، ثم ركبت حتى أصبحت بالمدينة، فأتيت عمر بن الخطاب، ﵁ فأخبرته، قال: يا حويرث: والله ما أتهمك، ولقد أخبرتني خبرًا شديدًا، فأرسل عُمر إلى مشيخة من كتفي الصفراء، وقد أدركوا الجاهلية، ثُم دعا الحويرث فقال: إن هذا أخبرني ولست أتهمه، حدّثهم يا حويرث ما حدثتني، فحدّثهم فقالوا: قد عرفنا هذا يا أمير المؤمنين، هذا رجلٌ من بني غفار، مات في الجاهلية، ولم يكن يرى للضيف حقًا، فحمد الله عمر وسُرّ بذلك حين أخبروه أنه مات في الجاهلية (٢). وروى هشام بن عمار في كتاب "البعث" (٣)، عن يحيى بن حمزة، حدثني النعمان عن مكحول: أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب ﵁ وقد ابيض نصف رأسه ونصف لحيته، فقال لهُ عُمر ﵁: ما بالك؟ فقال: مررتُ بمقبرة بني فلان ليلًا، فإذا رجل يطلب رجلًا بسوط من نار، كلما لحقه ضربه فاشتعل ما بين

стр. 274

قرنه إلى قدمه نارًا، فلاذ بيَ الرجل، وقال: يا عبدَ الله أغثني، فقال الطالب: يا عبدَ الله لا تُغثه فبئس عبد الله هو، فقال عمر: لذلك كرّه لكم نبيكم ﷺ أن يسافر أحدُكم وحدَه. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت" (١)، عن مجاهد قال: أردت حاجة فبينما أنا في الطريق، إذ فجأني حمار وقد أخرج عنقه من الأرض، فنهق في وجهي ثلاثًا، ثم دخل فأتيت القوم الذين أردتهم، فقالوا: ما لنا نرى لونك قد حال، فأخبرتهم الخبر، فقالوا: ذاك غُلام من الحي، وتلك أمه في ذلك الخباء وكانت إذا أمرته بشيء شتمها، وقال ما أنت إلَّا حمار ثم نهق في وجهها، فماتَ يوم مات، فدفناه في تلك الحفيرة، فما من يوم إلَّا وهو يُخرج رأسه في الوقت الذي دفنّاه فيه، فينهق إلى ناحية الخباء ثلاث مرات، ثم يدخل. وأخرج ابن أبي الدُنيا عن عمرو بن دينار قال: كان رجلٌ له أخت (٢) منْ أهل المدينة، ماتت فجهزها وحملها إلى قبرها، فلمّا دُفنت ورجع إلى أهله، ذكر أنه نسي كيسًا كان معه في القبر، فاستعان برجل من أصحابه فأتيا القبر، فنبشاه فوجد الكيس، فقال للرجل تنح حتى أنظر على حال أختي، فدفع بعضَ ما على اللحد، فإذا القبر يشتعل نارًا، فردّه وسوى القبر، ورجع إلى أمّه فسألها عن حال

стр. 275

أخته، فقالت: كانت تؤخِّر الصّلاة، ولا تصلي فيما أظنّ بوضوء، وتأتي أبواب الجيران إذا ناموا فتلقم أذنها أبوابهم، فتخرج حديثهم (١). وحكى الحافظُ ابن رجب وغيره (٢) أنّ جماعةً من التابعين خرجوا لزيارة أبي سنان، فلما دخلوا عليه، وجلسوا عنده، قالوا: قوموا بنا نزر (٣) جارًا لنا مات أخوه، ونعزيه فيه. قال محمد بن يوسف الفريابي: فقمنا معه، ودخلنا على ذلك الرجل، فوجدناه كثير البكاء والجزع على أخيه، فجعلنا نُعزيه ونسليهُ وهُوَ لا يقبل تسلية، ولا عزاء: فقلنا له: أما تعلم أنَّ الموت سبيلٌ لابُدَّ منه؟ قال: بلى، ولكن أبكي على ما أصبح وأمسى فيه أخي من العذاب فقلنا له: قد أطلعك الله على الغيب؟ قال: لا، ولكن لمّا دفنته وسويت عليه التراب، وانصرف الناس جلستُ عند قبره، وإذا صوتٌ من قبره يقول: أوه أفردوني وحيدًا أقاسي العذاب، قد كُنتُ أصُلّي، قد كنت أصوم، فأبكاني كلامه وقلتُ: صوت أخي والله أعرفه، فقلت: لعلّه خُيّل إليك، قال: ثم سكت، فإذا أنا بصوته يقول: أوه ولا أدري في الثانية، أو في الثالثة فنبشته حتى بلغْتُ قريبًا من اللبن، فإذا طوق من نار في كفنه، وفي "الزواجر" في عنقه. انتهى وفي وسطه فأدخلت يدي رجاء أن أقطع ذلك الطوق،

стр. 276

فاحترقتْ أصابعي، فبادرت إخراجها، فإذا يده قد احترقت أصابعها، قال: فرددت عليه التراب وانصرفت، فكيف لا أبكي على حاله، وأحزن عليه؟ " فقُلنا: فما كان أخوك يعمل في الدنيا؟ قال: كان لا يؤدِّي الزكاة من ماله، فقلْنا هذا تصديق قول الله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، وأخوك عجّل له العذاب في قبره، ثم خرجنا من عنده. قال محمد بن يُوسف الفريابي (١): فقلت للأوزاعي، وزعم في "الزواجر" (٢) أنه إنما قال لأبي ذر صاحب رسول الله ﷺ : هؤلاء اليهود والنصارى، يموت الميت منهم ولا نرى فيهم ذلك، أو لا نسمع هذا منهم، فقال: أولئك لا شك أنهم في النار، وإنما يريكم الله في أهل الإيمان، لتعتبروا، أو نحو هذا. وذكرَ الحافظ ابن رجَب أيضًا، في "أهوال القبور" (٣) له: أن ابن أبي الدنيا أخرج عن ابن عباس ﵄ أنه كان جالسًا، فأتاه قومٌ فقالوا: إنا خرجنا حُجاجًا ومعنا صاحبٌ لنا، حتى أتينا ذات الصفاح (٤)، فمات فيها فهيأناه، ثم انطلقنا، فحفرنا له قبرًا ولحدنا

стр. 277

اللحد، فلمّا فرغنا من لحده، إذا نحنُ بأسود قد ملأ اللحد، فحفرنا غيره، فلمّا فرغنا من لحده، فإذا نحنُ بالأسود قد ملأ اللحد، فتركناه وحفرنا له مكانًا آخر، فلمّا فرغنا من لحده إذا نحنُ بالأسود قد ملأ اللحد، فتركناه وأتيناك. قال ابن عبّاس: ذاك عمله الذي يُعمل به انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالذي نفسي بيده، لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيه، فانطلقنا فدفنّاه في بعضها، فلما رجعنا قلنا لامرأته: ما كان عمله؟ ويحك" قالت: كان يبيع الطعام فيأخذ منه، قوت أهله، ثم يُقَرّض القصب مثله، فيُلقيه فيه. قال الحافظ ابن رجب في كتابه "أهوال القبور" (١): وروى الهيثم ابن عديِّ حدثنا أبان بن عبد الله البجليّ قال: هلك جار لنا، فشهدنا غسله وكفنه وحمله إلى قبره وإذا في قبره شيء شبيه بالهرّ، فزجرناه فلم ينزجر، فضرب الحفار جبهته بِبَرمة، فلم يبرح فتحولوا إلى قبر آخر، فلمّا لحدوا فإذا هو فيه فصنعوا به مثل ما صنعوا أولًا، فلم يلتفت، فرجعوا إلى قبر ثالث، فلمّا لحدوا، فإذا ذلك الهر فيه، فصنعوا به مثل ما صنعوا أوّلا فلم يلتفت، فقال القوم: يا هؤلاء: إنّ هذا الأمر ما رأينا مثله، فادفنوا صاحبكم، فدفنوه، فلمّا سُوّيَ عليه

стр. 278

اللّبن، سمعنا قَعقعة عِظامه، فذهبوا إلى امرأته، فقالوا: يا هذه ما كان عملُ زوجك؟ وحدثوها ما رأوا فقالت: كان لا يغتسل من الجنابة. وذُكر أيضًا (١) عن بعض مشايخ أهل دِمشق قال: حججنا، فهلك صاحبٌ لنا في بعض الطريق على ماءٍ من تلك المياه، فأتينا أهل الماء نطلب شيئًا نحفر له فأخرجوا لنا فاسًا ومجرفة، فلمّا وارينا صاحبنا، نسينا الفأسَ في القبر، فنبشناه، فوجدناهُ قد جُمعَ عُنقُه ويداه ورجلاه في حلقة الفأس، فسوّينا عليه التراب، وأرضينا أصحابه أي الفأس من الثمن، فلمّا انصرفنا جئنا إلى امرأته، فسألناها عنه، فقالت: ما رأيتم من حاله يحج ويغزو!! فلما أخبرناها الخبر قالت: صحبه رجل معه مال، فقتلَ الرّجل، وأخذ المال، فَبِهِ كان يحج ويغزو. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: كنتُ فيمن دَلّى الوليدَ بنَ عبدِ الملك في قبره، فنظرتُ إلى ركبتيه قد جُمعت إلى عنقه، فقال ابنه: عاش والله أبي وربّ الكعبة، فقلت: عوجل أبوك وربّ الكعبة، فاتعظ بها عُمر بعده (٢). وقال الحافظ في "أهوال القبور" (٣): وروينا من طريق أبي إسحق الفزاري أنه سأل نباشًا قد تاب، فقلتُ أخبرني عن من مات على الإسلام تُرِكَ وجهُهُ على ما كان أم ماذا؟ قال: أكثر ذلك حُوّل

стр. 279

وجهه عن القبلة، قال: فكتبت بذلك إلى الأوزاعي، فكتب: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثلاث مرات أمّا من حُوّل وجهه عن القبلة فإنَّه ماتَ على غير السُّنَّة (١). وخرَّجه أبن أبي الدُنيا وقال: حَدَّثنا عبدُ المؤمن بن عبد الله القيسي، قال: قيل لنباشٍ قد كان تاب، ما أعجب ما رأيت؟ قال: نبشتُ رَجُلًا فإذا هو مسمّرٌ بالمسامير في سائر جسده، ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه (٢). قال: وقيل لنبّاش آخر ما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيتُ جمجمة إنسانٍ مصبوب فيها رصاص. قال: وقيل لنبّاش آخر ما كان سببُ توبتك؟ قال: عامة من كنت أنبش، أراه محوّل الوجه عن القبلة. وذكر ابن الفارسي الليثي صاحب ناصر السنة ابن الجوزي ﵀ أنه سنة تسعين وخسمائة، وجد ميتًا ببغداد بظاهر باب البصرة، وقد بلي ولم يبق غير عظامه، وفي يَديه ورِجْليه ضبُابٌ من حديد، وقد ضُربَ فيها مسامير في قصب يديه ورجليه، وقد وُضِعت ضُبّةُ حديد على بطنه، وضُرب فيها مسماران. أحدُهما في سرته، والآخر في جبهته، وكان هائل الخلقة، غليظ العظام، وكان سبب ظهوره زيادة الماء، فكشف جانب تل، كان يُعرف بالتّلّ الأحمر على ميلين من سور باب البصرة القديم.

стр. 280

فصل واعلم رحمك الله أن الملاحدة والزنادقة أنكروا عذاب القبر، وسعته وضيقه وكونه حفرة من حفر النّار، أو روضة من رياض الجنَّة، وأنكروا جلوس الميت في قبره. قالوا: فإنا نكشفُ القبر ولا نجد فيه ملائكة يَضربون الموتى، بمطارق الحديد، ولا نجد ثَمّ حيّات وثعابين، ونيران. قالوا: وكيف يفسح له مدّ بصره أو يضيق عليه ونحن نجده بحاله، ومساحَته على حالها؟ وكيف يَسع ذلك اللحد الضيق له؟ ولمن يؤنسه أو يوحشه؟ وقال إخوانهم من أهل البدع والضلال: كُل حديث يُخالف مقتضى العقول، نقطع بتخطئة ناقله قالوا: ونحن نرى المصلوب على الخشبة مُدة طويلة، لا يُسأل ولا يجيب ولا يتحرك، ولا يتوقد جسمُه نارًا ومن افترسته السباع، ونهشته الطير، وتفرّقت أجزاؤه في حواصل الطيور، وأجواف السباع، وبطون الحيّات، ومدارج الرياح، فكيف يُسأل وكيف يَصير القبر على هذا روضة أو حُفرة؟ وكيف يتسع قبرهُ أو يُضيق؟ هكذا زعم أعداءُ الله رسله، وأجاب عن ذلك الإمام المحقق في "الرّوح" (١)، كغيره بأمور يُعلم بها. الجواب: الأمر الأوّل: أن يعلم أن الرسل ﵈، لم يخبرونا بما تحيله العقول، وتقطع باستحالته، بل إخبارُهم قسمان،

стр. 281

أحدهما: ما شهد به العقل والفطرة. والثاني: ما لا تُدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ، واليوم الآخر، والثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالًا في العقول أصلًا، وكلُ خبر يُظن أن العقل يُحيله لا يخلو من أحد أمرين أن يكون كذبًا عليهم، أو فسادًا في ذلك العقل، وهو شُبهة خيالية، ظن صاحبها أنها معقول صريح، قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: الآية ٦] إلى غير ذلك من الآيات، فالمؤمن المصدّق لِله ورسوله، يَنشرحُ صدره لما يتلقاه عنهما، كما قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: الآية ٦]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: الآية ٥٧] والمحال لا يشفي، ولا يحصل به هدى ولا رحمة، ولا يُفرح به وأمّا الذين في قلوبهم مرض، فلا يزدادون إلَّا رجسًا على رِجْسهم. الأمر الثاني: أن يفهم عن الرّسول ﷺ مُراده من غير غلوّ ولا تقصير ولا يُحمّل كلامه على ما لا يَحتمله، ولا يقصرُ به عن مراده، وعمّا قصده من الهدى والبيان، وبإهمال ذلك، حصل الضلال والعدول عن الصواب، بل سؤالهم عن الله ورسوله ﷺ أصلٌ لكل بدعة وضلالة، نشأت في الإسلام وما أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والروافض، وسائر طوائف أهل البدع في الضلال إلَّا سؤالهم عن الله ورسوله، فلهذا تراهم حيارى لا

стр. 282

يهتدون لرب [يعبدونه أو أنهم يعترفون أن لهم ربًا ولكنهم بين الراضي والساخط، كما أنك ترى الجبرية يزعمون أن الذنب منه فينسبون القبيح له تعالى الله عن ذلك، وطائفة من الروافض تراهم سخاطًا لكون النبوة ما هي في علي ﵁. الأمرُ الثالث: أنَّ اللهَ سبحانه جعل الدور ثلاثًا: دارَ الدنيا. ودارَ البرزخِ، ودارَ القرارِ، وجعلَ لكلِّ دارٍ أحكامًا تختصُّ بها وركبَ هذا الإنسانَ من بدنٍ ونفسٍ وجعلَ أحكامَ الدنيا على الأبدانِ والأرواحِ تبعًا لها ولهذا جعلَ أحكام الشريعةَ مرتبةً على ما يظهرُ مِنْ حَركاتِ الإنسان والجوارحِ وإن أضمرتْ النفوسُ خلافهُ، وجعل أحكامَ البرزخِ على الأرواحِ والأبدانِ تبعًا لها فكما تبعت الأرواحُ الأبدانَ في أحكام الدنيا فتألمتْ بألمهَا والتذتْ براحتها وكانتْ هي التي باشرت أسبابَ النعيمِ والعذابِ فتبعت الأبدانُ الأرواحَ في نعيمهَا وعذابهَا. فإذا كان يوم محشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرًا باديًا أصلًا. وأن ما أخبر به الرسول ﷺ من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وكونه حفرة أو روضة مطابق للعقل وأنه حق لا مرية فيه. الأمر الرابع: أن الله سبحانه جعل أمرَ الآخرةِ وما كان متصلا بها غيبًا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار وذلك من كمال حكمتِه وليتميز المؤمنون بالغيبِ من غيرهم فأولُ ذَلِكَ أن الملائكةَ

стр. 283

تنزلُ على المحتضرِ وتجلسُ قريبًا منه ويشاهدهم عيانا ويتحدثون عنده ومعهم الأكفانُ والحنوطُ إما من الجنَّة وإما من النارِ ويؤمنون على دعاءِ الحاضرين بالخيرِ والشرِّ وقد يسلِّمون على المحتضر ويرد ﵈ تارةً بلفظهِ وتارةً بإشارة وتارة بقلبه إذا لم يتمكن من نطقِ وإشارةٍ. (وقد سمع) بعض المحتضرين يقول: أهلا وسهلا ومرحبًا بهذه الوجوه. قال المحقق: (أخبرنا) شيخنا (١) - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية قَدس الله روحه - عن بعض المحتضرين، فلا أدري أشاهده، أو أُخبرِ عنه أنه سمع وهو يقول: وعليكَ السلام هَاهُنا فاجلس، وعليكَ السلام هاهنا فاجلس. وذكر ابن أبي الدنيا أنّ عمرَ بنَ عبد العزيز ﵀ لمّا كان في يومه الذي مات فيه، قال: أجلسوني فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ثلاث مرات، ولكن لا إله إلَّا الله، ثم رفع رأسه فأحدّ النظر فقالوا: إنك لتنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين، قال: إني لأرى حضرة، ما هم بإنسٍ ولا جن، ثم قُبض ﵁ (٢). وقال مسلمة بن عبد الملك: لما احتضر عُمر بنُ عبد العزيز، كنّا عنده في قُبّة فأومَى إلينا أن اخرجوا، فخرجنا فقعدنا حول القبة،

стр. 284

وبقي عنده وصيف فسمعناهُ يقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: الآية ٨٣]. ما أنتم بإنس ولا جان. ثم خرج الوصيفُ، فأومأ إلينا أن ادخلوا، فإذا هَو قد قُبض (١). ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: الآية ٨٣] الآية وأما عصَرة القبر، حتى تختلف أضلاع بعض الموتى، فلا يَرده حس ولا عقلٌ ولا فطرة، ولو قُدِّرِ أن أحدًا نبش عن ميت، فوجد أضلاعه كما هي، لم يمتنع أن تكون قد عادت. الأمر الخامس: أن النار التي في القبر ليست من نار الدنيا، فيشاهدها من شَاهَدَ نارَ الدُنيا، وإنما هي من نار الآخرة، وهي أشد من نار الدنيا، ولا يُحس بها أهلُ الدنيا فإن الله يُحمي عليه ذلك التراب، والحجارة التي عليه وتحته، حتى تكون أعظم حرًا من حَرِّ نار الدّنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من ذلك أنّ الرجُلين يدفنان، فيكون أحدُهما إلى جنب صاحبه، وهذا في حفرة من حفر النار، لا يصل حرها إلى جاره، وذلك في روضة من رياض الجنَّة لا يصل نعيمها إلى جاره، وقدرة الرّبّ تعالى أوسع وأعجب من ذلك، ويفرش للكافر لوحان من نار يُشَعلُ عليه قبره بهمَا، كما يُشعل التنور.

стр. 285

قال المحقق ﵀ ورضي عنه (١): حدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الرزين الحرّاني، أنه خرج من داره بعد العصر قاصدًا إلى بستان، قال لما كان قبل غروب الشمس، توسطت القبور، فإذا بقبر منها وهو جمرة نار مثل كور الحداد، والميت في وسطه فجعلت أمسح عيني وأقول، أنا نائم أم يقظان، ثم التفتّ إلى سور المدينة وقلت: والله ما أنا بنائم ثم ذهبتُ إلى أهلي وأنا مدهوش، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل، ثم دخلت البلد فسَألت عن صاحب ذلك القبر، فإذا هو مكّاس قد تُوفي في ذلك اليوم. قال: فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجن، تقع أحيانًا لمن شاء الله أن يرَيهُ ذلك. قال: وحدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن مثناه السلامي التاجر، وكان من خيار عباد الله، وكان يتحرى الصدق، ويتجر؛ قال: جاء رجُلٌ إلى سوق الحدادين ببغداد، فباع مسامير صغارًا، المسمار برأسين فأخذها الحداد، وجعل يحمي عليها فلا تلين معه، حتى عجز عن ضربها فطلب البائع فوجده، فقال: من أين لك هذه المسامير؟ قال: لقيتها فلم يزل به حتى أخبره بأنه وجَدَ قبرًا مفتوحًا وفيه عظام ميت، منظومة بهذه المسامير قال: فعالجتها على أن أخرجها فلم أقدر، فأخذت حجرًا فكسرت عظامه، وجمعتها قال:
следующие страницы →