ورَوى أبو بكر الخطيب بإسناده عن محمد بن مخلّد الداروردي، قال: ماتت أمي، فنزلتُ ألحدها، فانفرجت لي فرجة عن قبر بلزقها، فإذا رجل عليه أكفان جُدد، وعلى صدره طاقةُ ياسمين طرية، فأخذتها فشممتها، فإذا هي أزكى من المسك، وشمّتها جماعة كانوا معي، ثم رددتها إلى موضعها، وسددت الفرجة.
وذكر ناصر السُنة أبو الفرج بن الجوزي، ﵀ من طريق جعفر السراج، عن بعض شيوخه، قال: كُشفَ قبرٌ قربَ قبر الإمام أحمد، ﵁، وإذا على بدن الميت ريحانة، تهتز.
وذكَر ابن الجوزي أيضًا في "تاريخه" (١): أنَّ في سنة ست وسبعين ومائتين، انفرج تل [في أرض البصرة]، يُعرَفُ بتل [بني] شقيق، عن سبعة أقبر في مثل الحوض، وفيها سبعةُ أنفس أبدانهم صحيحة، وأكفانهم يفوح منها رائحة المسك، أحدهم شاب له جُمة، وعلئ شفته بلل، كأنه شرب ماء وكأن عينَيه مكَحّلتان، وبه ضربة في خاصرته، وأراد بعضُ من حضر أن يأخذ من شعره شيئًا، فإذا هو قوي كشعر الحي.
وذكر ابن سعد في "طبقاته"، بإسناده عن أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: كنت ممن حفر لسعد بن معاذ قبره بالبقيع، وكان
стр. 317
يَفوحُ علينا المسك كُلّما حفَرنا من قبره تُرابًا حتى انتهينا إلى اللّحد (١).
وبإسناده عن محمد بن شرحيبل بن حَسنة قال: أخذ إنسانٌ قبضةً من تراب قبر سعد، فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك (٢).
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن يونس بن أبي الفرات قال: حفر رجل قبرًا، فقعد يستظل فيه من الشمس، فجاءت ريح باردة، فأصابت ظهره فإذا نقب صغير، فوسعه بأصبعه، فإذا هو ينظر مد البصر، وإذا شيخ مخضوب، كأنما رفَعت المواشطُ يديْها عنه، وقد بقي منْ أكفانه على صدره شيء.
وأمّا من شُوهدَ بدنُه طريّا صحيحًا وأكفانه عليه صحيحة، بعد تطاول المدة من غير الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام، فكثير جدًا، منها ما ذكره ابن أبي شيبة، عن عروة بن الزبير قال: لما سقط جدارُ بيت النبي ﷺ وعمرُ بنُ عبد العزيز ﵀ على المدينة، انكشفَ قدم من القبور التي في البيت، فأصابها شيء فدَميت، ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فزعًا شديدًا، فدخل عروة البيت فإذا القدم قدم عمر بن الخطاب فقال: لعمر لا تفزع، هي قدم عمر بن الخطاب،
стр. 318
فأمر بالجدار فبُني، وردّه (١) على حاله (٢).
ومنها ما ذكره أبو القاسم البغوي، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كتب مُعاويةُ إلى عامله بالمدينة، أن يجري عينًا إلى أُحد، فكتب إليه عامله، إنها لا تجري إلَّا [على] (٣) قبور الشهداء فكتب إليه أن أنفذها، قال: سمعت جابرًا يقول: فرأيتهم يخرجون على رقاب الرجال، كأنّهم نُوَّمٌ حتى أصابتْ المسحاةُ قدم حمزة ﵁، فانبعثت دمًا (٤).
ورَوى الإمامُ مالك، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أنه بلغه أن عمروَ بنَ الجموح، وعبدَ الله بنَ عمرٍ والأنصاري كانا في قبر واحد، وهما ممن استشهد يوم أحد، فحفر السيلُ قبرَهُما فحفر عليهما؛ ليُغيَّرا من مَكانهما، فوُجدا لم يتغيّرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جُرح، فوضع يده على جُرحه، فَدُفن وهو هكذا فأشيلتْ يدُه عن جُرحه، ثم أرسلت، فرجعتْ كما كانت، وكان بين أُحد، وبينَ ما حُفر عليهما، ستٌ وأربعون سنة (٥).
стр. 319
وفي حديث الترمذي (١)، الذي خرّجه عن صُهيب، المرفوع في قصَّة أصحاب الأخدود: أنّ ذلك الغُلام الذي قتله الملك، وآمن الناس كلهم وقالوا: آمنا برب الغُلام، وُجد في زمان عمرَ بن الخطاب، ويدُه على جُرحه كهيئته حين مات.
وقال ناصر السنة، أبو الفرج بن الجوزي: ﵀، إنّ الشريف أبا جعفر بن أبي موسى، قدس الله روحه؛ لما دُفن إلى جانب قبر الإمام أحمد ﵁، بعد وفاة الإمام بمائتي سنةٍ رؤى كفن الإمام أحمد ﵁ وهو يتقعقع.
قال: ولمَا كُشِفَ قبر البربهاري، فاحت ببغداد رائحة طيبة، حتى مَلأتَ المدينة.
стр. 320
الباب الثالث فيما ورد من سَماع الموتى كلامَ الأحياء وتلاقيهم، ومعرفتهم بحالهم بعد الموت، وحال أقاربهم في الدنيا، ومحل الأرواح فى البرزخ
قد تقدم شيء من الكلام على هذا الباب، فليُتَفَطن له، ونقول الآن: أمّا سماعُ الموتى كلامَ الأحياء ففي الصحيحين،. عن أنس ﵁ عن أبي طلحة، ﵁، قال: لمّا كان يومُ بدر، وظهر عليهم يعني مشركي قريش، رسول الله ﷺ أمرَ ببضعة وعشرين رجلًا، وفي رواية أربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فألقوا في طُوي، أي: في بئر من أطواء بدر، وأن رسول الله ﷺ ناداهم: "يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبةَ بن ربييعة، أليس قد وجدتم ما وعدكم ربُكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا"، فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلمُ مِن أجسادٍ لا أرواح لها؟ فقال: "والذي نفس محمد بيده، وما أنتم بأسمع لما أقول منهم". زاد في رواية لمسلم، عن أنس، "ولكنهم لا يقدرون أن يُجيبوا" (١).
стр. 321
وأنكرت عائشة ﵂ ذلك، وقالت: ما قال رسولُ الله ﷺ إنهم ليسمعون الآن ما أقول، إنما قال: "لَيعلمون الآن ما كُنتُ أقول لهم إنه حق "، ثم قرأتْ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: الآية ٢٢] (١).
قال الحافظُ ابن رجب (٢): وقد وافَق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء، طائفة من العلماء، ورجّحهُ القاضي أبو يعلى من أكابر أصحابنا في كتابه: "الجامع الكبير"، واحتجوا بما احتجت به وأجابوا عن حديث قليب بدر، بما أجابت به عائشة، وبأنه يجوز أن يكون ذلك، معجزةً مُختصَّةً بالنبى ﷺ ، دونَ غيره. وفي صحيح البخاري قال قتادة: أحياهم الله تعالى - يعني: أهل القليب - حتى أسمعهم قوله ﷺ توبيخًا وتصغيرًا، ونقمة وحسرة وندمًا، وذهب طوائفُ من أهل العلم إلى سماع الموتى كلام الأحياء في الجملة.
قال ابن عبد البر (٣): ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، وهم الأكثرون، وهُو اختيار الطبريّ - يعني: ابن جرير - وغيره، وكذا ذكرهُ ابن قتيبة وغَيره، وهؤلاء يحتجون بحديث القليب، كما سبق، وليس هُوَ وهمٌ ممن رواه، فإن عُمرَ وأبا طلحة وغيرهما، ممن
стр. 322
شهد القصة، حكاهُ عن النبيِّ ﷺ ، وعائشة ﵂؛ لم تشهد ذلك، وروايتُها عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّهم ليعلمون الآن، ما كنت أقول لهم"، حقّ تُؤيد روايةَ من روى: " [إنهم لَيَسْمَعُون] "، ولا تنافيها، فإنَّ الميت إذا جاز أن يعلم، جاز أن يسمع؛ لأن الموت ينافي العلم، كما ينافي السمع والبصر، فلَو كان مانعًا من البعض، لكان مانعًا من الجميع، وتقدَّمَ حديثُ أُمِّ محجن.
وأمّا قولُ مَن قال: إن ذلك خاصٌّ بكلام النَّبِيّ ﷺ فليس كذلك، فقد ثبت في الصحيحين، أنّ النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّ العبدَ إذا وُضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنَّه لَيَسْمَعُ قرعَ نِعالهم" وتقدم.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: الآية ٨٠] وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: الآية ٢٢]. فإن السَّماع يُطلقُ ويُرادُ به: إدراك الكَلام وفهمُه، وُيرادُ به الانتفاع به، والاستجابة له، والمرادُ بهذه الآيات: نفي الثاني دون الأوَّل، فإنها في سياق خطاب الكفار، الذين لا يستجيبون للهدى والإيمان إذا دُعوا إليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: الآية ١٧٩] الآية.
ففي السماع والإبصار عنهم؛ لأنَّ الشيء قد يُنفى لانتفاء فائدته وثمرته، فإذا لم ينتفع المرء بما سمعه وأبصره، فكأنه لم يسمع ولم يُبصر، وسماع الموتى بهذه المثابة، وكذلك سماع الكفار لمن دَعاهم إلى الإيمان والهدى، وقول قتادة في أهل القليب أحياهم الله
стр. 323
حتى أسمعهم، يدلُّ على أن الميت لا يسمعُ القول إلَّا بعد إعادة الروح إلى جسده، كما جاء ذلك مُصرَّحًا في حديث البراء بن عازب، عن النبي ﷺ الطويل وتقدم فيه: "وتُعادُ روُحه إلى جسده".
وقد رجّح جماعةٌ، أن السؤال، والعذاب والثواب، أعني: النعيم للروح خاصة، وعليه الإمام ابن عقيل وأبو الفرج ابن الجوزي (١)، في بعض تصانيفهما، واستدل الإمام ابن عقيل بأن أرواح المؤمنين تتنعم في حواصل طيور خضر، وأرواح الكفار في حواصل طيور سود، وهذه الأجساد تبلى، فدلّ ذلك على أن الأرواح، تعذب وتنعم في أجساد أُخرَ، كذا زعم. وهذا لا حُجة فيه، لأنه لا ينافي اتصال الروح ببدنها أحيانًا، مع بقائه واستحالته.
واستدل بعضُ من ذهب إلى هذا القول بما رُوي أنّ ابن عُمر دخل المسجد، وابن الزبير قد قُتل وصُلب، فقيل له: هذه أسماء بنتُ أبي بكر في المسجد، فقال لها اصبري، فإن هذه الجثة ليست بشيءٍ وإنما الأرواح عند الله فقالت: وما يمنعني من الصبر، وقد أهدي رأس يَحيى بن زكريا إلى بَغي من بغايا بني إسرائيل (٢).
وبما روى ابن أبي الدُنيا: نزل عمرُ بنُ الخطاب إلى جانب قبور قد درستْ، فنظر إلى قبر منها، فإذا جُمجَمة بادية، فأمر رَجُلًا فواراها، ثم قال: إنَّ هذه الأبدانَ ليس يضرها هذا الثرى شيئًا، وإنَّما الأرواح التي تُعاقَبُ وتُثابُ إلى يوم القيامة.
стр. 324
وروى محمد بن سعدٍ، عن خالد بن مَعدانً قال: لمَّا انهزمت الرُّوم يومَ أجنادين، انتَهوا إلى موضع لا يعبره إلَّا إنسان [إنسان]، (١)، فَجَعلَتِ الرُّوم تُقاتل عليه، فتقدَّمَ هِشامُ بنُ العاص، فقاتلهم حتى قتل، ووقَعَ على تلك التلة فسدّها، فلما انتهى المسلمون إليها، هابُوا أن يُوطئوه الخيل، فقال عَمرو بنُ العاص: إنَّ الله قد استشهده ورفع روحه، وإنَّما هُو جُثة، فأوطِئوه الخيلَ، ثم أوطأه هُوَ، وتَبعهُ الناسُ حتَّى قطَّعوه (٢).
فأجاب ابن رجب كغيره (٣): إنَّ هذه الآثار لا تدل على أن الأرواحَ لا تتصلُ بالأبدانِ بَعدَ الموتِ وإنَّما تدلُ على أن الأجساد لا تتضَّررُ بما ينَالُها من عذابِ النَّاس لها، أومن أكل التراب لها، وهذا حق، فإن عذابَ القَبر؛ ليسَ من جنس عذاب الدُنيا، وإنَّما هو نوعٌ آخرُ يصلُ إلى الميِّت بمشيئة الله وقُدرته، وقولُهم: إن الأرواحَ عند الله تُعاقَبُ وتُثاب؛ لا ينافي أن تتصل بالبَدَن أحيانًا، فيصل بذلك إلى الجسد نعيمٌ وعذاب.
قال: وقد تُستقلُ الرُّوح أحيانًا بالنعيم والعذاب، إما عند استحالة الجسد، أو قبل ذلك، وأثبتت طائفةٌ النَّعيم والعذاب للجسد من غير اتّصال الروح به، ومِمَّن ذكر ذلك من أصحابنا: الإمامُ ابن
стр. 325
عقيل في كتابَ [الإرشاد] (١) وابن الزاغوني وحُكِي عن ابن جرير الطبري، وذكر القاضي أبو يعلى أنَّه ظاهر كلامِ الإمام أحمد ﵁ فإنَّه قال في رواية: خَيل أرواح المؤمنين في الجنَّة، وأرواح الكفار في النار، والأبدان في الدنيا، يعذب الله من يشاء، ويرحم من يشاء بعفوه.
قال القاضي: دلّ هذا على أن الأرواحَ تُعذَّب، وتُنَعَّم على الانفراد، وكذلك الأبدان إن كانت باقية، أو إلى الأجزاء التي استحالت. قال: ولا مانع أن يُخْلَق في الأبدان إدراك تحس به النعيم والعذاب، كما خلق في الجبل لما تجلَّى لَهُ ربُّه، ثم جعله دكّا.
وقال ابنه القاضي أبو الحسين: وَلأنَّهُ لما لَم يستحل نطق الذِّراع المسمومة؛ لم يستحلْ عذابُ الجسد البالي، واتصال العذاب إليه، بقدرة الله تعالى.
قال الحافظ ابن رَجب (٢): وقد يُستَدلُّ لهذا أيضًا، بأن عُمَر قال للنبي ﷺ يوم تُكلّم أهل القَليب، كيف تُكلّم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فلم ينكر النبي ﷺ ذلك، وإنَّما قال: ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم، فدلّ على أنَّ سماعهم حصل على أجساد (٣) لا أرواحَ فيها، وقد دلّ القُرآن على سجود الجمادات، وتسبيحها لله وخشوعها له،
стр. 326
فدل على أنَّ فيها حياة تحسها، وإدراكًا فلا يُمنَعُ مثل ذلك في جسد ابن آدم بعد مفارقة الرُّوح له. والله أعلم.
قال الحافظ: ويدل على ذلك، ما أخبرَ الله من شهادة الجُلود والأعضاء يومَ القيامة، وما رُويَ عن ابن عباس، ﵄، في اختصام الروح والجسد يومَ القيامة، فإنَّه يَدلُّ على أن الجسد يُخاصِم الروح ويكلمها وتكلمه، قال: ومما يدل على وقوع العذاب على الأجساد؛ الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر على الميّت حتى تختلف أضلاعه، ولأنَّه لو كان العذاب على الروح خاصة لم يختص العذاب بالقبر، ولم يُنسب إليه. انتهى.
والمعروف أن العذاب والنعيم على الأرواح والأجساد، وأن الأرواح لها نوع اتِّصال بالجسد، وبسبب ذلك يتألم الجسد ويتنعم والله أعلم.
стр. 327
فصل
وأما تلاقي الأرواح في البرزخ، فقد رَوى مسلم بن إبراهيمَ الوراق من حديث أبي قتادة مرفوعًا "إذا وَلي أحدكم أخاه فليحسن كفنه، فإنهم يتزاورون في قَبورهم" [وخرّجه الترمذي، وابن ماجة غير أنهما لم يذكرا "أنَّهم يتزاورون في قبورهم"، وخرّجه محمدُ بنُ يحيى الهمداني، في صحيحه بهذه الزيادة (١).
ورُويَ عن النَّبي ﷺ أنَه قال: "أحسنوا كفانةَ موتاكم، فإنَّهم يتباهون، ويتزاورونَ في قُبُورهم" (٢).
ذكره الحافظُ ابن رجب في "أهوال القبور" بصيغة التمريض، ولفظُه: يُروى من حديث محمد بن مصفى، ثنا معاوية، عن أبي الزُبَيْر عن جابر، عن النبي ﷺ ، فذكره.
وخرَّجَ ابن أبي الدُّنيا عن راشد بن سَعْدٍ أن رَجلًا تُوفِّيت امرأتُه، فرأى نساءً في المنام، ولم يرَ امرأته معهنّ فسألهُنَّ عنها، فقُلْن إنكم قَصَّرْتمُ في كفنها، فهي تستحي أن تخَرُج معنا، فأتى الرجل النَّبِيَّ ﷺ ،
стр. 328
فأخبره فقال ﷺ : "انظر هل إلى ثقة من سبيل" قال: فأتى رجلًا من الأنصار قد حضرته الوفاة، فأخبرَهُ، فقالَ الأنصاريُّ: إن كان أحدٌ يُبلَّغُ الموتى بلَّغتُ، قال: فَتُوفيّ الأنصاري فجاء بثوبين مثرودين بالزعفران، فجعلهما في كفن الأنصاريّ، فلما كانَ اللَّيلُ، رأى النسوة معهن امرأته، وعليهن الثوبان الأصفران (١).
قال الجلالُ السُيوطي: هذا مُرسل؛ لا بأسَ بإسناده (٢).
وذكر ناصرُ السُّنَّة ابن الجوزي في "عُيُونِ الحكايات" بسنده عن محمد بن يوسف الفريابي قال: كانت امرأة بقيسارية، فتُوفيِّتْ فرأتها بنتُها في المنام فقالت: يا بُنيّة: كفَّنتموني بكفنٍ ضَيّق وأنا بين صواحباتي، أستحي منهن، وفلانة تأتينا في يوم كذا وكذا، ولي في موضع كذا أربعة دنانير، فاشتروا بها كفنا، وابعثوا به إليّ مَعها قالت البنت: ولم أعلم أنَّ لها في الموضع الذي ذكَرتْهُ دنانير قالت: فنظرت فإذا الدنانير كما ذكرت، لم يكن بالمرأة التي ذكرت بأس، فلما كان بعد أعتلّت، قال الفريابي: فجاءوني فقالوا: يا عبد الله: ما تقول؟ فقصُّوا عليَّ القصة فذكرت الحديث الذي ورد أنهم يتزاورون في أكفانهم، فقلت: اشتروا لها كفنًا، وذهبتِ البنتُ إلى المرأة فقَالَتْ: إنْ حَدث بك حادثة الموت فإني أبعثُ إلى أمي بشيء تبلغيه،
стр. 329
فماتت في اليوم الذي ذكرَتْ ووضَعُوا الكفنَ معَها في كفنها، فرأت البنتُ أمَّها في المنام فقالت: يا بُنيَّة قد أتتنا فلانة، ووصل إليّ الكفَن ما أحسنه جزاكِ اللهُ خيرا، وذكره الحافظُ ابن رجَب بنحوه (١).
وقد أخرَجَ الإمام أحمد وغيره من طريق أبي لهيعة، عن أبي الأسود عن دُرَّةَ بنتِ مُعَاذ، عن أُمّ هانيء الأنصاريَّة، أنَّها سألت رسولَ الله ﷺ أنتزاور إذا مِتنا، وَيرى بعضُنا بعضا؟ فقال ﷺ : "يكونُ النسم طيرًا يعلقُ بالشَّجر حتى إذا كانَ يومُ القيامة، دخلت كُل نفس في جسدها" (٢).
стр. 330
فصل
وأمّا معرفة الموتى بمن يزورهم ويُسَلمّ عليهم، فأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يزور قبر أخيه ويَجلسُ عنده إلَّا استأنس به ورَدّ عليه حتى يقوم" (١).
وأخرج من حديث أبي هريرة ﵁، قال: إذا مَرّ الرجل بقبر يعرفه، فسلم عليه ردّ ﵇، وعرَفه، وإذا مَرّ بقبر لا يعرفه، فسلم عليه ردّ ﵇ (٢).
وأخرج ابن عبد البر عَن ابن عباسٍ مَرفوعًا: "مَا من أحد يمرُّ بقبر أخيه المؤمنِ كان يعرفه في الدنيا يسلم عليه إلَّا عرفه وردّ ﵇" (٣).
стр. 331
قال عبد الحق الإشبيلي (١): إسنادُهُ صحيح. وتعقّبه الحافظُ ابن رجب بأنه ضعيف، بل مُنكر (٢).
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبى ﷺ ، أنه وقف على مُصعب بن عُميرٍ، حين رَجع من أحد فوقف عليه، وعلى أصحابه فقال: "أشهد أنكَّمْ أحياء عند الله فزوروهم، وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده؛ لا يُسلم عليهم أحدٌ إلَّا رَدّوا عليه إلى يوم القيامة" (٣). رواه البيهقي والحاكم وصححه وغيرهما.
وأخرجَ مسلم في صحيحه، كان رسول الله ﷺ يعلمهم، إذا خَرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السلام عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسألُ الله لنا ولكم العافية" (٤).
وفي حديث آخر: "ويرحم الله المستقدمين منكم، والمستأخرين" (٥). رواه الإمام أحمد. وفي آخر: "اللهم لا تحرمنا
стр. 332
أجرهم ولا تفتنا بعدهم" (١) ويحسن أن يزيد "واغفر لنا ولهم".
قال شيخ الإسلام في "فتاويه": الاستثناء - يعني؟ في قوله ﷺ : "وإنا إن شاء اللهُ بكم للاحقون" - لأجل بقاء الإيمان، فكأنه قال: نموتُ إن شاء الله مُؤمنين، أو لأجل بيان تعليق كل الحوادث بمشيئة الله، تفويضًا وتوكلًا واستعانَة، أو لأجل اللحاق بأولئك المخاطبين انتهى أو للتبرك كما قاله جماعة من الفقهاء.
وخرّجَ ابن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت" من رواية عطاء بن خالد حدثتني خالتي قالت: ركبتُ يومًا إلى قبور الشهداء، فنزلتُ عند قبر حمزة ﵁، وما في الوادي داعٍ ولا مُجيب يتحركُ إلَّا غلامًا قائمًا أخذ برأس دابَّتي، فَلمَّا فرغت من صلاتي قلت: هكذا بيدي السلام عليكم، فسمعتُ ردّ السّلام عليّ، يخرجُ من تحت الأرض أعرفه، كما أعرف أن الله خلقني وكما أعرف الليل من النَّهار، فاقشعرَّتْ كُل شعرة منّي (٢).
وفي صحيح مُسلم عن عَمرو بن العاه، ﵁؛ لمَّا حضره الموت قال في وصيته: إذا دفنتموني فشنُّوا علّي التراب شنَّا، ثم أقيموا حول قبري قدْرَ ما يُنحُر جزور ويقسَّمُ لحمُها، حتَّى أستأنسَ
стр. 333
بكمْ وأنظرَ ماذا أراجع به رسلُ ربي (١).
قال الحافظ ابن رجب (٢): وخرَّج ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن أبي التياح قال: كان مُطرف يبدو فإذا كان يومُ الجمعة أدلج، قال: فأقبل حتى إذا كان عند المقابر هوم على فرسه، فرأى كأن أهل القبور، كل صاحب قبر جالسٌ على قبره فقالوا: هذا مُطرفُ يأتي الجمعة قلت: أتعلمون عندكم يومَ الجمعة قالوا: نعم ونَعلم ما تقول فيه الطيرُ، قلت ما تقول الطير؟ قال: تقول سلامٌ سلامٌ يوم صالح.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني إبراهيم بن بشار الكوفي، قال: حدَّثني الفَضيلُ بنُ موفق قال: كنتُ آتي قَبر أبي كثيرًا فشهدتُ جِنازة، فلما قُبر صاحبها تعجلتُ لحاجَة، ولم آت إلى قبر أبي قال: فرأيتُه في النوم، فقال: يا بُني لِمَ لَمْ تأتني؟ قلتُ: يا أبت، وإنك لتعلم بي قال: أي والله، إنك لتأتيني، فما أزال أنظرُ إليك من حين تطلع من القنطرة حتى تقعد إليّ وتقوم من عندي، فما أزالُ أنظر إليك مولّيا، حتى تجوز القنطرة (٣).
قال ابن أبي الدُّنيا: قال الفضيل بن مُوفق ابن خال سفيان بن عيينة: لما مات أبي جزعت عليه جزعًا شديدًا، فكنتُ آتي قبره كل
стр. 334
يوم، ثم إني قصرتُ عن ذلك ما شاء الله، ثم إني أتيته يومًا، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت، فرأيت كأنّ قبر أبي انفرج، وكأنّه قاعد في قبره متوشحًا أكفانه، عليه سحنة الموتى، قال: فبكيتُ لما رأيته فقال: يا بني ما أبطأ بك عنّي قال: قلتُ وإنك لتعلمُ بمجيئى، قال: ما جئتَ من مرّة إلَّا علمتها، وقد كنتَ تأتيني فأُسَرّ بك ويسرّ من حولي بدعائك، قال: فكنُتُ بعدُ آتيه كثيرًا (١).
وأخرج ابن أبي الدنيا أيضًا عن عثمان بن سودة الطفاوي، وكانت أمّهُ مِن العابدات، وكانَ يُقالُ لها راهبة، فماتت قال: فكنت كثيرًا آتيها كل جمعة، فأدعو لها وأستغفر لها، ولأهل القبور قال: فرأيتُها ذات ليلة في منامي، فقلت لها: يا أمَّه فكيفَ أنتِ؟ فقالت: يا بُنيّ إنّ الموتَ لكربه شديد، وأنا بحمد الله تعالى في برزخ محمود، يُفرش فيه الريحان، ويوسد فيه السندسُ والاستبرق إلى يوم النشور، فقلت: ألكِ حاجة؟ قالت: نعم. قلت: وما هي؟ قالت: لا تَدَع ما تصنعُ من زيارتنا والدعاء لنا، فإني لأُبشر بمجيئك يومَ الجمعة إذا أقبلتَ من أهلك فيُقال: يا راهبة ابنك قد أقبل فأسرّ بذلك، وُيسرُّ من حولي من الأموات (٢).
وأخرج الحافظ ابن رجب، عن الأسد بن مُوسى قال: كان لي صديق فمات، فرأيتُه في النوم، وهو يقول لي: سبحان الله جئت إلى قبر فلان صديقك، قرأت عنده وترحّمت عليه، وأنا ما جئت إلي ولا
стр. 335
قربتني، فقلت له: وما يدريك؟ قال: لمّا جئتَ إلى قبر صديقك، رأيتك، قلت: كيف رأيتنى والتراب عليك؟ قال: ما رأيت الماء إذا كان في الزجاج؟ أما يتبيّن؟ قلتُ: بلى، قال: كذلك نحنُ نرى من يزورنا (١).
تنبيه: قال الحافظ ابن رجب: قد ذكرنا فيما تقدم من كلام الموتى، ورد السلام عليهم، يعني ما ذكرنا قال: ولا يُنافي ذلك قوله ﷺ : "ولا يستطيعون أن يجيبوا"؛ لأن المرادَ نفيُ الإجابة المعهودة التي يسمعها الأحياء، وقد ثبت تكلم الموتى، كما في "صحيح البخاري "، عن أبى سعيد مرفوعًا: "إذا وُضعَت الجنازةُ واحتملها الرجالُ على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدّموني .. " (٢) الحديث. وتقدم.
قُلْتُ: قد يُقال إنّ ردَّ السلام وعدمَه، يختلف باختلاف الأشخاص.
وقد ذكر في "الروح"، عن مالك بن دينار قال: رأيتُ مسلمَ بنَ يسار بعد موته، فسلمت عليه فلم يردّ عليّ السلام، فقلت: ما يمنعك أن تردّ عليّ السّلام؟ قال: أنا ميتُ فكيف أردّ عليك السلام؟ فقلت:
стр. 336
ماذا لقيتَ بعد الموت؟ قال: لقيتُ والله أهوالًا وزلازل (١) عظامًا شدادًا. قال: قلتُ فما كان بعد ذا؟ قال: وما تراه يكونُ من الكريم؟ قَبِلَ مِنّا الحسناتِ، وعَفَى لنا عن السّيّئات، وضمن عنا التّبعات، قال: ثم شهق مالك شهقة خرّ مغشيّا عليه، فلبث بعد ذلك أيامًا مريضًا ثم انصدع قلبه، فات، رحمة الله عليه.
стр. 337
فصل
وأمّا معرفة الموتى بحالهم في الدنيا قبل الدفن، ومعرفتهم في قبورهم بحال أهلهم وأقاربهم في الدنيا. فأخرج الإمام أحمد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الميت يَعرف من يغسله ومن يحمله، ومن يدلّيه في قبره". فقال ابن عمر وهو في المجلس - يعني: لأبي سعيد -: ممّن سمعتَ هذا؟ فقال أبو سعيد: من رسول الله ﷺ (١).
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ﵁، أن النبيّ ﷺ قال: "لا تفضحوا أمواتكم بسيّئات أعمالكم، فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور" (٢)(٣).
وأخرج الإمام أحمد عن أنس ﵁، مرفوعًا: "إنَّ أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كانت (٤) خيرَا استبشروا، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تُمتهم حَتَّى تهديهم، كما هديتنا" (٥).
стр. 338
وأخرجه أبو داود، من حديث جابر بن عبد الله، غير أنه قال: "حتى تهديهم كما هديتنا، وألهمهم أن يَعملوا بطاعتك" (١).
وأخرج ابن أبي الدنيا من حديث النعمان بن بشير ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إنَّه لم يبقَ من الدنيا إلَّا مثلُ الذباب تَمورُ في جَوّها، فالله الله في إخوانكم من أهل القبور، فإن أعمالكم تعرض عليهم" (٢).
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء أنه قال: إن أعمالكم تُعرضُ على موتاكم، فيُسرون ويساءون، فكان أبو الدردراء يقول عند ذلك: اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملًا أخزَى عند عبد الله بن رواحة ﵁، وفي لفظ اللهم إني أعوذ بك أن يَمقتني خالي عبد الله بن رواحة إذا لقيتُه، يقول ذلك في سجوده (٣).
ودخل عباد على إبراهيم بن صالح، وهو أمير على فلسطين، فقال له: عِظني، قال: ما أعظك أصلحك الله، بلغني أن أعمال
стр. 339
الأحياء تُعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ماذا تعرضُ على رسول الله ﷺ ابن عمك قال: فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه على لحيته ومِمّا ينبغي أن يتفطّنَ له أنه جاء أنَّ أعمال الأمّة كُلّها تُعرضُ على رسول الله ﷺ لأنه ﷺ لأمته بمنزلة الوالد، بل أولى ولقد سمعتُ أستاذِي الشيخ عبد القادر التغلبي، قدَّسَ الله روحه يقول: شيخُ المرءِ أولى من أبيه؛ لأنَّ أبَ الإنسان يُربّيه حتى يبلغ أشدّه، ويَدَعُه فيكون جُلّ تربيته له من جهة ما يتعلقُ بأمُور الدنيا، وأمّا الشيخ فإنه يرشدُه لمعرفة ما يجب عليه وما يُسن وما يُكره، وما يُحرم وما يُباح ويدلّه على رَبِّه، ويعلّمه كلّ ما يحتاج إليه من أمر آخرته، ويعرّفه ما يجبُ لِلّه، وما يجوز وما يستحيل، وكذلك لنبيّه، أو نحو ذلك ﵁ وجزاه الله عنا خيرًا.
وممَّا يدلّ لما ذكرنا مِن أنّ أعمالَ الأمّة، تُعرض على النبى ﷺ ما أخرجه البزار في مُسنده، عن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام".
وقال ﷺ : "حياتي خيرٌ لكم تحُدثون ويحُدث لكم، ومماتي خيرٌ لكم تُعرضُ عليّ أعمالُكم فما رأيتُ مِن خير، حمدتُ اللهَ عليه، وما رأيتُ من شرٍ استغفرتُ الله لكم" (١).
стр. 340
وأخرج ابن أبي الدُنيا، عن محمد بن الحسين، عن خالد بن عمرو القرشي: حدثني صدقة بن سليمان الجعفري، قال: سرتُ سيرة سَمجة فماتَ أبي فأُنبئْتُ وندمت على ما فرطتُ، قال: ثم زَللتُ أيضًا (١) زلَّة، فرأيت أبي في المنام فقال: أي بُني ما كان أشد فَرحي بك، وأعمالك تعرض علي، فنشبهها بأعمال الصالحين، فلمّا كانت هذه المرة، استحيت حياء شديدًا، فلا تخزني فيمن حَولي من الأموات، قال خالد: فكانَ بعد ذلك قد خشعَ ونسك فكنتُ أسمعه يقول في دعائه في السحر، وكان لنا جارًا بالكوفة: أسألك إنابةً لا رجوع فيها ولا حور، يا مُصلح الصالحين ومهدي الضالين [وراحم المذنبين] (٢).
تنبيهان: الأوّل: إذا كانَ الإنسانُ يستحي من أهله وأقاربه أن تُعرضَ عليهم أعماله السّيّئة، فما بالُه لا يستحي من الذي خلقه من عدم، وعلمه الأخبار والحكم، وجعل له العقل والفكر، وخلق له السمع والبصر، وهو من غير شك مطلع على جميع أعماله الظاهرة والباطنة؛ لا ريب أن الله أحق أن يُستحى منه.
الثاني: قد ورد أن أبانا آدم تُعرض عليه أعمالُ ذريته، وأنُه يفرحُ
стр. 341
لصالحها ويغتم لسيّئها، فينبغي لكل ذي لُبّ أن لا يسوء أباهُ بأعماله الخبيثة.
وفي الحديث: أنّ النبي ﷺ ، تُعرض عليه صلاة أمّته يومَ الجمعة، ذكره الحافظ ابن رجَب (١) من حديث أوس، وأبي الدّرداء وأبي هريرة، وأبي مسعود، وأبي أمامة وأنس، وغيرهم. قال: وأشهرها حديثُ أوس بن أوس (٢).
قال: وأمَّا قوله ﷺ : "حياتي خيرٌ لكم" إلى آخره فقد رواهُ حمَّادُ بن زيد، عن غالب بن بكر المزني مرسلًا (٣).
وَروى ابن أبي الدنيا في "كتاب الأولياء"، بإسناده عن عبيد بن سعد، عن أبي أيوب الأنصاري قال: غزونا حتى انتهينا إلى القسطنطينية، فإذا قاصٌّ يقول: مَن عَمل صالحًا من أوّل النهار، عُرض على أقاربه ومعارفه إذا أمسى مِن أهل الآخرة، فقال أبو أيوب: أنظر أيها القاص: ما تقول؟ فقال: والله إن ذلك لكذلك. فقال: اللهُم لا تفضحني عند عُبادة بن الصامت، ولا عند سعد بن عبادة، فيما عملت [بعدهما] (٤) فقال القاص: واللهِ ما كتب اللهُ ولايته لعبد إلَّا ستر الله عورته، وأثنى عليه بأحسن عمله (٥).
стр. 342
ورَوى في كتاب "الموتى" بإسناده عن مجاهد إن الرجل ليُسرّ بصَلاح ولده في قبره (١).
وقد سبق في صدر الكتاب (٢)، أن مصعبَ بن جثامة وعوف بن مالك، كانا متآخين وان مصعبًا قال لعوف: أي أخي أيّنا مات قبل صاحبه فليتراءى له قال: أو يكون ذلك؟ قال: نعم، فمات مُصعَبُ فرآهُ عوفٌ، فيما يرى النائم الخبر بتمامه تقدم.
قال الحافظ ابن رجب: وقد رُويت هذه القصّة على وجهٍ آخر، قال: وهُو أشبهُ فَرَوى ابن المبارك في كتاب "الزهد" (٣)، عن أبي بكر ابن مَريم، عن عطيّة بن قيس، عن عوف بن مالك الأشجعي، أنه كانّ مُؤاخيًا لرجل من قيس، يُقالُ لهُ مُحكم، ثم إنَّ مُحكمًا حضَرته الوفاة، فأقبل عليه عوف فقال له: يا محكم: إذا أنت وردت فارجع إلينا، فأخبرنا بالذي صنع بك، قال محكم: إن كان ذلك يكون لمثلي فعلت، فقبض محكم، ثم ثوى عوف بعده عاما، فرآه في المنام فقال له: يا محكم ما صَنعت وما صُنع بك؟ فقال له: وُفّينّا أجورنا، قال: كلكم؟ قال: كُلنّا إلَّا خواصًا هلكوا في السر، الذين يشار إليهم بالأصابع، واللهِ لقد وُفّيتُ أجري كُلَّه، حتى وفيتُ أجرَ هرّة ضَلّت لأهلي قبل وفاتي بليلة فأصبح عوف فغدا على امرأة مُحكم، فلما دَخل قالت: مرحبًا زورَ مُصعب بعد مُحكم، فقال عوف: هل رأيت محكمًا منذ مات؟ قالت: نعم، رأيتُه البارحة، ونازعني ابنتي ليذهب بها، فأخبرها عوف بالذى رأى، وما ذكر من الهرة التي ضلّت، فقالت: لا علم لي
стр. 343
بذلك، خدمي أعلم بذلك فدعت خدمها، فسألتهم فأخبروها أنها ضفت لهم هرّة قبل موت محكم بليلة فال الحافظ: ومحكم هو ابن جثامة أخو المصعب قلت: والتعدّد ممكن (١)، والله أعلم.
وأخرج ابن أبي الدنيا، عن أبي بكر بن عياش، عن حَفّار، كان في بني أسد قال الحفار: كنتُ أنا وشريك لي نتحارس في مقبرة بني أسد، قال: فإني لليلة في المقابر إذ سمعتُ قائلًا يقول: مَنْ قُبِرَ يا عبد الله؟ قال: مالك يا جابر، قال: غدًا تأتينا أمُّنا، قال: وما ينفعها؟ لا تصلُ إلينا إذ أبي قد غضب عليها، وحلف أن لا يُصَلي عليها قال: فجعلا يكرران ذلك مرارًا فجئتُ بشريكي، فجعل يَسمعُ الصّوتَ ولا يفهم الكلام، فلقّنته إياه ثم تفهَّمَ ففهمه، فلما كان من الغد جاءني رجل فقال: احفر في هاهنا قَبرًا (٢) بين القبرين اللذين سمعت منهما الكلام، فقلتُ: اسم هذا جابر، واسم هذا عبد الله، قال: نعم، فأخبرته بما سمعت، فقال: نعم قد كنتُ حلفْتُ أن لا أصلي عليها؛ لا جرمَ لأكفّرن عن يمين، ولأصلّيَنَّ عليها، ولأترحمَنَّ عليها، قال: ثم مرّ بي بعد، وبيده عكاز وإداوة فقال: إني أريدُ الحج لمكان يميني تلك.
стр. 344
وقال ناصُر السنة ابن الجوزي، قدَّس الله روحه: حدثني الشيخ أبو الحسن البرّادنسي عن بعض العدول، أن رَجلًا رأى في منامه قاضي القضاة: أبا الحسن الزَينبيّ فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وأنشد:
وإنّ امرأً ينجو من النار بعدما ... تزوَّد من أعمالها لسعيدُ
ثم قال: قلُ لِفلان وفلان - رجلان كانا وصيين له - لِمَ تُضيّقُونَ صدرَ فُلان وفلانة؟ فسمَّى ثلاث سراري كُنَّ له، قال: ولم أسمع بأسمائهن إلَّا في هذا المنام، فلقي الرجل الوصيين، فذكر لهما ذلك فقالا: سبحان الله" والله لقد كُنَّا البارحة في المسجد نتحدث في التَّضْييق عليهن
قال الإمام المحقق في "الروح": قال سعيد بن المسيب: التقى عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، ﵄، فقال أحدهما للآخر: إن مت قبلي فأخبرني ما لقِيتَ من ربك، وأنا إن مت قبلك، لقيتك فأخبرتك، فقال الآخر: وهل تلتقي الأمواتُ والأحياء؟ قال: نعم أرواحهم في الجنّةِ تذهبُ حيث شاءت، قال: فماتَ فلان فلقيه في المنام، فقال: توكل وأبشر فلم أر مثل التوكل قط (١).
وقال العباسُ عمُّ رسول الله ﷺ ورضي عن العباس، كنُتُ
стр. 345
أشتهي أن أرى عمرَ ﵁ في المنام، هما رأيته إلَّا عندَ قُرب الحَوْل فأريته يمسحُ العرقَ عن جبينه، وهُو يقولُ هذا أوانُ فراغي، إن كان عرشي ليُهَدُّ؛ لولا أني لقيتُ رؤوفًا رحيمًا (١).
وقال عبدُ الله بن عمر بن عبد العزيز، رحمهما الله تعالى: رأيت أبي في النوم بعد موته، كأنه في حديقة، فدَفع إليَّ تُفاحة، فأوّلتها الولد فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الاستغفارُ أي بُنيّ.
قال: ورأى مسلمة بن عبد الملك، عُمر بن عبد العزيز بعد موته فقال: يا أمير المؤمنين مع أيّ الحالات صرت بعد الموت؟
قال: يا مسلمة: هذا أوانُ فراغي، واللهِ ما استرحتُ إلَّا الآن، قال: قلتُ: فأين أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: مع أئمة الهُدى في جنات عدن.
قال: ولمّا ماتَ الحسن بن صالح رآه عمّار بنُ سيف في المنام، فقال له: قد كُنت متمنيًا لقاك، فماذا عندك فتخبرنا به؟ فقال: أبشر فإني لم أر مثل حسن الظن بالله شيئا.
قال: ولما ماتت رابعة، رأتها أمرأةٌ من صاحباتها، وعليها حلةٌ من استبرق وخمار من سندس، فقالت لها: ما فعلت بالجبَّة التي كفنتك فيها؟ والخمار الصوف؟ قالت: والله إنه نُزع عَنّي، وأبدلتُ به هذا الذي ترين علي، وطُوِيَت أكفاني وخُتم عليها، ورُفعَتْ في عليين، ليكملَ لي ثوابُها يومَ القيامة، قالت: فقلت لها: كنتِ تعملين أيام الدنيا، فقالت: وما هذا عندما رأيت من كرامة الله لأوليائه؟ فقلتُ:
стр. 346
فما فعَلت عبدة بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات، سبقتنا والله إلى الدرجات العُلا، قلت: وَبِمَا وقد كنت عند الناس أعبد منها؟ فقالت: إنها لم تكن تبالي على أيّ حال أصبحت من الدنيا وأمست، فقلتُ: فما فُعِل ببشر بن منصور؟ قالت: بخ بخ، أعُطِيَ واللهِ فوقَ ما كانَ يؤمل، قلتُ: مريني بأمرٍ أتقرب به إلى الله، قالت: عليك بكثرة ذكر الله، فيوشك أن تغبطي بذلك في قبرك (١).
قال: وقال أبو يعقوب القاري/ ١٨٤/ رأيتُ في منامي رَجُلاً آدماً طويلاً، والناسُ يَتْبَعُونه، فقلتُ من هذا، قالوا: أوُيس القرني فاتبعته، فقلت: أوصني يرحمك الله، فَكَلَحَ في وَجْهي، فقلت: مُسترْشِد فأرشدني، رحمك الله، فأقبل عليّ فقال: اْبتغ رحمة الله عند محبته، واحذر نقمته عند معصيته، ولا تقطع رجاك منه في خلال ذلك، ثم ولىّ وتركني.
وقال ابن السماك: رأيت مُسعراً في النوم فقلت له: أيُّ الأعمال وَجدْتَ أفضل؟ قال: مجالس الذكر.
وقال الأجلح: رأيتُ سلمة بن كُهيل في النوم، فقُلتُ: أيُّ الأعمال وجدتَ أفضل؟ قال: قيامُ الليل.
وقال أبو بكر بن مريم: رأيتُ وفاء بن مريم بعد موتهِ، فقلتُ: يا وفاء ما فعلت؟ قال: نجوتُ بعد كل جهد، فقلتُ: فأيّ الأعمال
стр. 347
وجدتموها أفضل؟ قال: البُكاء من خشية الله .
قال: وقالت فاطمة بنت عبد الملك، اْمرأة عمر بن عبد العزيز، ﵁: اْنتبَهَ عُمرُ بنُ عبد العزيز ليلة فقال: لقدْ رأيتُ رؤيا مُعجبة، فقلت: جعلني الله فداك فأخبرني بها فقال: ما كنت لأخبرَكِ بها حئ أصبح، [فلما طلع الفجر خرج فصلىَّ ثم عاد إلى مجلسه قالت: فاغتنمت خلوته] (١) فقلتُ أخبرني بالرّؤيا التي رأيت، قال: رأيت كاني رُفعتُ إلى أرض خضراء واسعة، كأنها بساط أخضر، وإذا فيها قصرٌ أبيض، كأنه الفضة، وإذا خارج قد خرجَ من ذلك القصر، فهتف بأعلى صوته يقول: أين محمد بن عبد المطلب؟ أين رسول الله ﷺ إذ أقبل رسول الله ﷺ ، حتى دخل ذلك القصر.
ثم إن آخر خرج من ذلك القصر، فنادى أين أبو بكر الصديق ابن أبي قحافة، إذ أقبل أبو بكر حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فنادى: أين عمر بن الخطاب؟ فأقبل عُمر، حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فنادى أين عثمانُ بن عفان؟ فأقبل حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فأقبلَ حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فنادى: أين عُمر بن عبد العزيز؟ قال: عمر، فقمتُ حتى دخلت ذلك القصر، قال: فدفعتُ إلى رسول الله ﷺ والقَومُ حولَه فقلتُ: في نفسي: أين أجلس؟ فجلستُ إلى جنب
стр. 348
عمر بن الخطاب، فنظرتُ، فإذا أبو بكر عن يمين النبي ﷺ ، فإذا بين يديَّ رسولُ اللهَ ﷺ وبين أبي بكر رجل، فقلتُ: مَن هذا الرجل الذي بين يدي رسول الله ﷺ ، وبين أبي بكر؟ فقالوا: هذا عيسى بن مريم، فسمعت هاتفًا يهتف، وبيني وبينه ستر نور: يا عمر بن عبد العزيز: تمسّكْ بما أنت عليه، واثبت على ما أنت عليه، ثم كأنه أُذن لي في الخروج، فقمتُ فخرجْتُ مِن ذلك القصر، فالتفتّ خلفي، فإذا أنا بعثمان بن عفان، وهو خارج من ذلك القصر، يقول: الحمدُ لله الذي غفر لي.
قال عمر بن عبد العزيز: رأيت رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر وعمر، جالسان عنده فسَلّمْتُ عليهم، وجلستُ فبينا أنا جالس، إذ أُتي بعليّ ومعاوية، فأدُخلا بيْتًا وأجيفَ عليهما الباب، وأنا أنظر فما كان بأسرع من [أن خرج علي وهو يقول قُضي لي ورب الكعبة وما كان بأسرع من] (١) أن خرج معاوية على أثره، وهو يقول: غُفر لي وربِّ الكعبة.
وقال حمّاد بن أبي هاشم: جاء رجلٌ إلى عُمر بن عبد العزيز، فقال: رأيت رسول الله ﷺ ، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شِماله، وأقبل رجلان يختصمان، وأنت بين يديه جالس، فقال لك: يا عمر إذا عملتَ فاعمل بعمل هذين؛ لأبي بكر وعمر، فاستحلفهُ عمر بالله،
стр. 349
أرأيت هذه الرؤيا؟ [فحلف] (١) فحلفَ فَبكى عمر.
قال: وقال عبد الرحمن بن غنم، رأيت معاذ بن جبل، ﵁، بعد وفاته بثلاث ليال على فرسٍ أبلق، خلفه رجال بيض، عليهم ثياب خضر، على خيل بُلق وهُوَ قُدامهم وهو يقول: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ الآية [يس: آية ٢٦] ثم التفت عن يمينه وشماله، يقول: يا ابن رواحة، يا ابن مظعون: الحمدُ لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الجنة، ثم صافحني وسلّم عليّ.
قال: وقال قُبيصةُ بن عقبة: رأيتُ سفيان الثوري في المنام بَعدَ موته فقُلتُ: ما فعل الله بك يا أبا عبد الله؟ فأنشأ يقول:
نظرتُ إلى ربيِّ عيانا فقال لي ... هنيئا رِضايا عنكَ يا ابن سعيد
لقد كُنَت قوّاما إذا الليلُ قد دجا ... بِعَبْرة محزون وقلبِ عميد
فدونك فاختر أيّ قصر تريده ... وزُرني فإنّي منكَ غيرُ بعيد
قُلْتُ: ذكر الحافظ ابن رجب في "طبقات الأصحاب"، في ترجمة الحافظ العماد (٢)، عن سبط ابن الجوزي، أنه قال: نمتُ وأنا متفكر في جنازته يعني: العماد، وذكرتُ أبيات سفيان الثوري: يعني التي ذكرناها آنفًا فقلت: أرجو أنّ العمادَ يرى ربّه، كما رآه سفيان عند نزول حفرته، ونمتُ فرأيتُ العماد في النوم، وعليه حلة خضراء،
стр. 350
وعمامة خضراء، وهو في مكان متسع، كأنه روضة وهو يرقى في درج مرتفعة، فقلت يا عماد الدين: كيف بت فإني والله متفكر فيك فنظر إليّ وتبسّم على عادته وقال:
رأيتُ إلهي حين أنزلت حفرتي ... وفارقتُ أصحابي وأهلي وجيرتي
فقال جزيت الخير عني فإنني ... رضيتُ فها عَفْوى لديك ورحمتي
دأبتَ زمانًا تأملُ العفو والرضى ... فَوقِّيتَ نيراني، ولقيتَ جَنَّتي
قال: فانتبهتُ مرعوبًا، وكتبتُ الأبيات.
قال الحافظ في الطبقات: وَذُكِرَ أيضًا هذا المنام، عن أبي المظفر السبط. قُلْتُ: وكذا ذكره الشيخُ عبد الرحمن العليمي، في طبقاته المسمَّى بـ "المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد"، ﵃، وفي "طبقات" الحافظ ابن رجب، بَعد هذا عن الضّياء، قال: رُئي الحافظ العماد في النوم على حصان، فقيل له: إلى أين؟ قال: أزور الجبّار (١).
ورآه آخر فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]، والله أعلم.
وقال سفيانُ بنُ عُيينة: رأيت سُفيان الثوريّ يطيرُ من نخلة إلى تحلة، ومن شجرة إلى شجرة، وهو يقول: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ [الصافات: آية ٦١]، فقيل له: بما أدْخلت الجنّة؟ فقال: بالورع، قيل له: فما فَعلَ عليُّ بنُ عاصم؟ قال: ما نراهُ إلا مثلَ
стр. 351
الكوكب (١).
قال الإمام المحقق، في كتاب الروح: وكان شعبةُ بن الحجاج، ومسعر بن كدام، حافظين، وكانا جليلين، قال أبو أحمد "الترمذي": فرأيتهما بعد موتهما فقلتُ يا أبا بسطام: ما فعل الله بك؟ فقال: وفقك الله لما أقول:
حَباني إلهي في الجنان بقبة ... لها ألف باب من لجُين وجوهرا
وقال لي الرحمنُ يا شعبةُ الذي ... تحبَّر في جمع العلوم فأكثرا
تنعّمْ بقُربي إنني عنك ذو رضا ... وعن عبديَ القوَّام في اللّيل مسعرا
كفى مُسعر عزًا بأن سيزورني ... وأكشفُ عن وجهي الكريم لينظرا
وهذا فعالي بالذينَ تنسّكوا ... ولم يألفوا في سالف الدهر مُنكَرا (٢)
قال: وقال أحمد بنُ محمد اللبدي: رأيتُ الإمام أحمد بن حنبل في النوم فقلت: يا أبا عبد الله، ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، ثم قال يا أحمد ضُربتَ فيَّ ستين سوطا، قلتُ: نعم يا رب، قال: هذا وجهي قد أبحتك فانظر إليه.
وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج: حدّثني رجلٌ من أهل طرسوس قال: دعوت الله أن يُريني أهل القبور، حتى أسألهم عن أحمد بن حنبل، ما فعل الله به؟ فرأيت بعد عشر سنين في المنام، كأنّ
стр. 352
أهل القبور قد قاموا على قبورهم، فبادروني بالكلام، فقالوا: يا هذا كم تدعو الله أن يُرَيك إيانا تسألنا عن رجل لم يَزل منذ فارقكم تحليّه (١) الملائكة تحت شجرة طوبي.
قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: وهذا كلام من أهل القبور إنما هو إخبار عن علّو درجة أحمد بن حنبل ﵁ وارتفاع مكانه وعظم منزلته، فلم يقدروا أن يُعبّروا عن صفة حاله، وعن ما هو فيه إلا بهذا، وما هو في معناه (٢).
قُلْتُ: وذكر الحافظ ابن رجب في "طبقات الأصحاب" (٣)، ﵃ في ترجمة أحمد بن علي الصوفي، قال: كنتُ على مذهب الإمام الشافعي، ﵁ وكان من عادتي أن لا أُرجع في الأذان، ولا أقنت فى صلاة الفجر، غير أنني أجهر ببسم الله الرَّحمن الرحيم، وكيان عادتي أيضاً ليلة الغيم أنوي رمضان، كما جرت عليه عادة أصحاب أحمد، فلما كان في بعض الليالي، رأيت كأنني في دار حسنة جميلة، وفيها الغلمان والخدم، والجند خلق عظيم وهم صغار وكبار، والدُخل والخُرج، والأمر والنهي، فإذا رجملٌ بهي شيخ على سرير والنور على وجهه ظاهر وعلى رأسه تاجٌ من ذهب مرصج بالجوهر، وثياب خضر تلمع، وكان إلى جانبي رجل ممنطق يشبه الجند، فقلت له: بالله هذا المنزل لمن؟ قال: لمن ضُربَ
стр. 353
بالسوط، حتى يقول القرآنُ مخلوق، قلتُ أنا في الحال: أحمد بنُ حنبل، قال: هوَذا فقلتُ واللهِ إن في نفسي أشياء كثيرة، أشتهي أن أسأله عنها، وكان على سرير وحول السرير خلقٌ قيام فأومأ إليّ: أن أجلسْ وسَلْ عمّا تريد: فمنعني الحياء من الجلوس، فقلت يا سيّدي: عادتي لا أرجِّعُ في الأذان، ولا أقنت في صلاة الفجر، غيرَ أني أجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأخشع فقال بصوتٍ رفيع عال: أصحاب رسول الله ﷺ ، أتقى منك وأخشع، وأكثرهم لم يجهر بقراءتها، فقلت: عادتي ليلة الغيم أصوم، كما قال الإمامُ أحمد بنُ حنبل، فقال: اْعتقد ما شئت من أيّ مذهب تدين الله به، ولا تك مَعْمَعِيًا وأنا أُرعد.
فلما أصبحتُ أعلمْت من يصلي ورائي بما رأيت، وأخبرتهم أني حنبلي، ولم أجهر بعد ودعاني ذلك إلى أن قلتُ هذه القصيدة وهي قوله:
حقيقة إيماني أقولُ لتسمعوا ... لعلي به يومَ القيامة أرجع
إلى أن قال:
وعن مذهي إن تسألوا فابن حنبل ... به أقتدي ما دمت حيًّا أُمتَّعُ
وذكر القصيدة وهي طويلة مشهورة ذكرها الحافظُ في الطبقات وغيرهُ ممّن ترجَم الأصْحابَ واللهُ أعلم.
وذكر في "تنبيه الغافلين"، عن شيخ من أهل البصرة وكان من كبارِ الصالحين بها: أنه رأى الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في النوم فقال: ما صنع اللهُ بك يا أحمد؟ فقال: رحمني وأكرمني، وحياني وقال: يا أحمد ادعُني بالدعوات التي كنت تدعو بها في دار الدنيا، فقلت: اللهم يا رب كل شيء، قال: صدقت يا أحمد أنا ربُّ كل
стр. 354
شيء، قلتُ: بقدرتك على كل شيء، قال: صدقت يا أحمد أنا القادر على كل شيء، قلت: اْغفر لي كُل شيء، قال: يا أحمد غفرت لك كل شيء، قلت: ولا تسألني عن شيء، وفيه: فقلتُ: يا رب شفعني في أهل السُنّة قال: قد شفعتك فيهم، وأعطيتك سؤلك.
قُلْتُ وذكر هذه الرؤيا بنحو ما ذكرنا البيهقي، والحافظ ابن الجوزي، وغيرهما بغير زيادة فقلت: يا رب شفعني إلى آخره، والله أعلم.
وذكر الحافظ ابن رجب، في "طبقات الأصحاب" (١) في ترجمة، شَيخه الإمام المحقق ابن القيم، قدس الله روحه، قال: رأى شيخُنا قبل موته بمدة شيخَه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ في النوم، فسأله عن منزلته فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر، ثم قال له: وأنت قد كدت تلحق بنا؛ لكن أنت الآن في طبقة ابن خريمة، فمات بعد تلك الرّؤيا ﵁.
وذكر الحافظ في "طبقات الأصحاب" (١) أيضًا في ترجمة حافظ الدنيا وإمامها: الحافظ عبد الغني، طيب الله ثراه عن الضياء المقدسي، ﵀ قال: سمعت الإمام أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني، سنة اْثنتي عشرة وستمائة، قال: رأيتُ البارحة الكمال، يعني: أخا عبد الغني، وكان تُوفّي في تلك السنة في النوم، وعليه ثوبٌ أبيض فقلت له: يا فلان أين أنت؟ قال: في جنة عدن قلت: أيهما أفضل الحافظ عبد الغني أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: ما أدري، وأما
стр. 355
الحافظ فكل ليلة جمعة ينصب له كرسي عند العرش، ويقرأ عليه الحديث، وينثر عليه الدّرّ والجوهر، وهذا نصيبي منه، وكان في كمه شيء وقد أمسك بيده على رأسها.
وقال الإمام المحقق في الروح: قال أبو جعفر الضرير: رأيتُ عيسى بن زاذان بعد موته، فقلتُ: ما فعل الله بك؟ فأنشأ يقول (١):
لو رأيتَ الحسانَ في الخُلد حولي ... والأكاويب مَعَهن للشراب
يتمرغن بالكتاب جميعا ... يتمشين مُسبلات الثياب
ثم قال: والرؤيا الصحيحة أقسام منها إلهام، يلقيه الله سبحانه في قلب العبد، وهو كلام يكلم به الرب عبده في المنام، كما قال عبادة بن الصامت وغيره، ومنها مثلٌ يضربه ملك الرؤيا الموكل بها، ومنها التقاء رُوح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم، كما ذكرنا، ومنها عروج روحه إلى الله وخطابها له، ومنها دخول روحه الجنَّة ومشاهدتها، وغير ذلك، فالتقاء أرواح الأموات والأحياء نوع من أنواع الرؤيا الصحيحة، التي هي عند الناس من جنس المحسوسات، وهذا موضع اْضطرب فيه الناس (٢).
وقد أخرج الإمام أبو عبد الله بن منده، الحافظ من الأصحاب في كتاب "النفس والروح"، بسنده عن ابن عمر بن الخطاب، ﵄ قال: لقي عُمرُ بنُ الخطاب عليَّ بن أبي طالب، رضي الله