الكوكب (١).
قال الإمام المحقق، في كتاب الروح: وكان شعبةُ بن الحجاج، ومسعر بن كدام، حافظين، وكانا جليلين، قال أبو أحمد "الترمذي": فرأيتهما بعد موتهما فقلتُ يا أبا بسطام: ما فعل الله بك؟ فقال: وفقك الله لما أقول:
حَباني إلهي في الجنان بقبة ... لها ألف باب من لجُين وجوهرا
وقال لي الرحمنُ يا شعبةُ الذي ... تحبَّر في جمع العلوم فأكثرا
تنعّمْ بقُربي إنني عنك ذو رضا ... وعن عبديَ القوَّام في اللّيل مسعرا
كفى مُسعر عزًا بأن سيزورني ... وأكشفُ عن وجهي الكريم لينظرا
وهذا فعالي بالذينَ تنسّكوا ... ولم يألفوا في سالف الدهر مُنكَرا (٢)
قال: وقال أحمد بنُ محمد اللبدي: رأيتُ الإمام أحمد بن حنبل في النوم فقلت: يا أبا عبد الله، ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، ثم قال يا أحمد ضُربتَ فيَّ ستين سوطا، قلتُ: نعم يا رب، قال: هذا وجهي قد أبحتك فانظر إليه.
وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج: حدّثني رجلٌ من أهل طرسوس قال: دعوت الله أن يُريني أهل القبور، حتى أسألهم عن أحمد بن حنبل، ما فعل الله به؟ فرأيت بعد عشر سنين في المنام، كأنّ
стр. 352
أهل القبور قد قاموا على قبورهم، فبادروني بالكلام، فقالوا: يا هذا كم تدعو الله أن يُرَيك إيانا تسألنا عن رجل لم يَزل منذ فارقكم تحليّه (١) الملائكة تحت شجرة طوبي.
قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: وهذا كلام من أهل القبور إنما هو إخبار عن علّو درجة أحمد بن حنبل ﵁ وارتفاع مكانه وعظم منزلته، فلم يقدروا أن يُعبّروا عن صفة حاله، وعن ما هو فيه إلا بهذا، وما هو في معناه (٢).
قُلْتُ: وذكر الحافظ ابن رجب في "طبقات الأصحاب" (٣)، ﵃ في ترجمة أحمد بن علي الصوفي، قال: كنتُ على مذهب الإمام الشافعي، ﵁ وكان من عادتي أن لا أُرجع في الأذان، ولا أقنت فى صلاة الفجر، غير أنني أجهر ببسم الله الرَّحمن الرحيم، وكيان عادتي أيضاً ليلة الغيم أنوي رمضان، كما جرت عليه عادة أصحاب أحمد، فلما كان في بعض الليالي، رأيت كأنني في دار حسنة جميلة، وفيها الغلمان والخدم، والجند خلق عظيم وهم صغار وكبار، والدُخل والخُرج، والأمر والنهي، فإذا رجملٌ بهي شيخ على سرير والنور على وجهه ظاهر وعلى رأسه تاجٌ من ذهب مرصج بالجوهر، وثياب خضر تلمع، وكان إلى جانبي رجل ممنطق يشبه الجند، فقلت له: بالله هذا المنزل لمن؟ قال: لمن ضُربَ
стр. 353
بالسوط، حتى يقول القرآنُ مخلوق، قلتُ أنا في الحال: أحمد بنُ حنبل، قال: هوَذا فقلتُ واللهِ إن في نفسي أشياء كثيرة، أشتهي أن أسأله عنها، وكان على سرير وحول السرير خلقٌ قيام فأومأ إليّ: أن أجلسْ وسَلْ عمّا تريد: فمنعني الحياء من الجلوس، فقلت يا سيّدي: عادتي لا أرجِّعُ في الأذان، ولا أقنت في صلاة الفجر، غيرَ أني أجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأخشع فقال بصوتٍ رفيع عال: أصحاب رسول الله ﷺ ، أتقى منك وأخشع، وأكثرهم لم يجهر بقراءتها، فقلت: عادتي ليلة الغيم أصوم، كما قال الإمامُ أحمد بنُ حنبل، فقال: اْعتقد ما شئت من أيّ مذهب تدين الله به، ولا تك مَعْمَعِيًا وأنا أُرعد.
فلما أصبحتُ أعلمْت من يصلي ورائي بما رأيت، وأخبرتهم أني حنبلي، ولم أجهر بعد ودعاني ذلك إلى أن قلتُ هذه القصيدة وهي قوله:
حقيقة إيماني أقولُ لتسمعوا ... لعلي به يومَ القيامة أرجع
إلى أن قال:
وعن مذهي إن تسألوا فابن حنبل ... به أقتدي ما دمت حيًّا أُمتَّعُ
وذكر القصيدة وهي طويلة مشهورة ذكرها الحافظُ في الطبقات وغيرهُ ممّن ترجَم الأصْحابَ واللهُ أعلم.
وذكر في "تنبيه الغافلين"، عن شيخ من أهل البصرة وكان من كبارِ الصالحين بها: أنه رأى الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في النوم فقال: ما صنع اللهُ بك يا أحمد؟ فقال: رحمني وأكرمني، وحياني وقال: يا أحمد ادعُني بالدعوات التي كنت تدعو بها في دار الدنيا، فقلت: اللهم يا رب كل شيء، قال: صدقت يا أحمد أنا ربُّ كل
стр. 354
شيء، قلتُ: بقدرتك على كل شيء، قال: صدقت يا أحمد أنا القادر على كل شيء، قلت: اْغفر لي كُل شيء، قال: يا أحمد غفرت لك كل شيء، قلت: ولا تسألني عن شيء، وفيه: فقلتُ: يا رب شفعني في أهل السُنّة قال: قد شفعتك فيهم، وأعطيتك سؤلك.
قُلْتُ وذكر هذه الرؤيا بنحو ما ذكرنا البيهقي، والحافظ ابن الجوزي، وغيرهما بغير زيادة فقلت: يا رب شفعني إلى آخره، والله أعلم.
وذكر الحافظ ابن رجب، في "طبقات الأصحاب" (١) في ترجمة، شَيخه الإمام المحقق ابن القيم، قدس الله روحه، قال: رأى شيخُنا قبل موته بمدة شيخَه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ في النوم، فسأله عن منزلته فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر، ثم قال له: وأنت قد كدت تلحق بنا؛ لكن أنت الآن في طبقة ابن خريمة، فمات بعد تلك الرّؤيا ﵁.
وذكر الحافظ في "طبقات الأصحاب" (١) أيضًا في ترجمة حافظ الدنيا وإمامها: الحافظ عبد الغني، طيب الله ثراه عن الضياء المقدسي، ﵀ قال: سمعت الإمام أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني، سنة اْثنتي عشرة وستمائة، قال: رأيتُ البارحة الكمال، يعني: أخا عبد الغني، وكان تُوفّي في تلك السنة في النوم، وعليه ثوبٌ أبيض فقلت له: يا فلان أين أنت؟ قال: في جنة عدن قلت: أيهما أفضل الحافظ عبد الغني أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: ما أدري، وأما
стр. 355
الحافظ فكل ليلة جمعة ينصب له كرسي عند العرش، ويقرأ عليه الحديث، وينثر عليه الدّرّ والجوهر، وهذا نصيبي منه، وكان في كمه شيء وقد أمسك بيده على رأسها.
وقال الإمام المحقق في الروح: قال أبو جعفر الضرير: رأيتُ عيسى بن زاذان بعد موته، فقلتُ: ما فعل الله بك؟ فأنشأ يقول (١):
لو رأيتَ الحسانَ في الخُلد حولي ... والأكاويب مَعَهن للشراب
يتمرغن بالكتاب جميعا ... يتمشين مُسبلات الثياب
ثم قال: والرؤيا الصحيحة أقسام منها إلهام، يلقيه الله سبحانه في قلب العبد، وهو كلام يكلم به الرب عبده في المنام، كما قال عبادة بن الصامت وغيره، ومنها مثلٌ يضربه ملك الرؤيا الموكل بها، ومنها التقاء رُوح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم، كما ذكرنا، ومنها عروج روحه إلى الله وخطابها له، ومنها دخول روحه الجنَّة ومشاهدتها، وغير ذلك، فالتقاء أرواح الأموات والأحياء نوع من أنواع الرؤيا الصحيحة، التي هي عند الناس من جنس المحسوسات، وهذا موضع اْضطرب فيه الناس (٢).
وقد أخرج الإمام أبو عبد الله بن منده، الحافظ من الأصحاب في كتاب "النفس والروح"، بسنده عن ابن عمر بن الخطاب، ﵄ قال: لقي عُمرُ بنُ الخطاب عليَّ بن أبي طالب، رضي الله
стр. 356
عنهما فقال له: يا أبا حسن، ربَّما شهدتَ وغِبنا ورُبّما شَهدنا وغبت، [ثلاثة أسألك عنهن] (١): فهل عندك منهن علم؟ فقال: وما هن؟ فقال الرجل يحبُ الرجل ولم يَرَ منهُ خيرا، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرا. فقال عليّ: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الأرواح جنودٌ مجندة، تلتقي في الهواء (٢) أقسام، فما تعارف منها اْئتلف، وما تناكر منها اْختلف".
فقال عمرُ واحدة، والرجل يحدث الرجل الحديث إذ نسيه فبينا هو قد نسيه إذ ذَكَرَه، فقال: نعم، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما في القلوب قلبٌ إلّا ولهُ سحابة كسحابة القمر بينا القمر يضيء إذ تخللته سحابة، فأظلم إذ تجلت فأضاء، وبينا القلب يتحدث إذ تخللته سحابة فنسي، إذ علت عنه فذكر".
فقال عمر اْثنتان: والرجلُ يرى الرّؤيا فمنها ما يَصدُقُ ومنها ما يكذب، فقال: نعم سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد [ينام] (٣) يمتلئ نوماً إلا يُعرج بروحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش، فتلك الرؤيا التي تصدُق والذي يستيقظ دون العرش، فهي التي تكذب".
стр. 357
فقال عمر: ثلاثٌ كنتُ في طلبهن فالحمد لله الذي أصبتهن قبل الموت (١)(٢).
ومن عجيب صحَّة الرؤيا ما ذكره الإمام المحقق في "الروح"، مما نحن بصدده أنَّ رجلا كان اْسمُه عبد الله، ويُكنىَّ بأبي محمد، وكان معروفًا برؤية الأموات، قال: وكان رجلاً صالحًا، مشهورًا برؤية الأموات وسؤالهم عن الغائبات، ونَقْل ذلك إلى أهلهم وقراباتهم، وكثر منه ذلك، فكان المرء يأتيه فيشكوا إليه أن حميمه قد مات من غير وصية، وله مال لا يهتدي لمكانه، فيعده خيرًا ويدعو الله في ليلته فيتراءى لهُ الميت الموصوف، فيسأله عن الأمر فيخبره به (٣).
قال: فمن نوادره: أن اْمرأة عجوزًا من الصالحات ماتت، ولامرأة عندها سبعة دنانير وديعة، وشكت إليه ما نزل بها وأخبرته باسمها، واسم الميتة صاحبتها، ثم عادت إليه من الغد، فقال لها: تقولُ لك فلانَة: عُدّي من سقفِ بيتي سبع خشبات، تجدي الدنانير في السابعة، في خرقة صوف ففعلت، فوجدتها كما وَصَفَ لها (٤).
قال: وقال علي القيرواني العابد: أخبرني رجلٌ لا أظن به كذبًا
стр. 358
قال: اْستأجرتني اْمرأةٌ من أهل الدنيا، على هدم دارٍ لها، وبنائها بمال معلوم، فلما أخذت في الهدم؛ لزمت الفعلة هي ومن معها، فقلت: مالك؟ قالت: والله ما لي إلى هدم هذه الدار من حاجة، لكن أبي ماتَ وكان ذا يسار كثير، فلم نجد له كثير شيء فخلتُ: أي ظننتُ أن ماله مدفون، فعمدت إلى هدم الدار، لعلي أجد شيئًا فقال لها بعض من حَضَرنا: لقد فاتك ما هو أهون من ذلك، قالت وما هو؟ قال: فلان تمضين إليه، وتسألينه أن يُبيت قصتك الليلة، فلعله يرى أباك، فيدلك على مكان ماله بلا تعب، فذَهبَت إليه، ثم عادت إلينا فزعمت أنه كتب اْسمها، واسم أبيها عنده، فلما كان من الغد، بكرت إلى العمل وجاءت المرأة من عند الرجل، وقالت: إنَّ الرجل قال لي: رأيتُ أباك وهو يقول: المال في الخبية، فجعلنا نحفر تحت الخبية، وفي جوانبها حتى لاح لي شق، وإذا المال فيه قال: فأخذنا في التعجب، والمرأة تستخف بما وجدت، وتقول: مالُ أبي كان أكثرَ من هذا، ولكن أعود إليه، فمضت فأعلمته، ثم سألته المعاودة، فلمّا كان من الغد، أتت وقالت: إنه قال لها إن أباك يقول لكِ: اْحفري تحت الجابية المربعة، التي في مَخْزن الزيت، قال: ففتَحت المخزن، فإذا بجابية مُرَبَّعة في الركن، فأزلناها وحفرنا تحتها، فوجدنا كوزاً كبيرًا، فأخذته، ثم دام بها الطمع في المعاودة ففعلت، فرجعت من عنده وعليها الكآبة فقالت: زعم أنه رآه وهو يقول له قد أخذتْ ما قُدّر لها وأما ما بقي فقد أخذه عفريت من الجن يحرسه إلى مَنْ قُدِّرَ له. والله أعلم.
стр. 359
فصل
وأما محل الأرواح بعد الموت، فقد كَثُر فيه الخلافُ بين أهل الإتقان والإنصاف، حتى حقق أهل التحقيق ذلك؛ وبينوا هاتيك المسالك.
قال الحافظ ابن رجب (١): فأما الأنبياء فليس فيهم شك أن أرواحهم في أعلى عليين عند رب العالمين، وقد ثبت في الصحيح أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ عند موته أن قال: "اللهم الرفيق الأعلى" (٢) وكررها حتى قُبض.
وقال رجلٌ لابن مسعود: قُبضَ رسول الله ﷺ فأين هو؟ قال: في الجنة.
وأما الشهداء؟ فقال أكثر العلماء هم في الجنة، وقد تكاثرت الأحاديث بذلك:
ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا ابن مسعود عن هذه الآية، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩] فقال: أما إنا فقدْ سألنا عن ذلك، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، فاطلع عليهم ربُّك اْطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أيّ شيء نشتهي، ونحنُ نسرحُ من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما أنهم لم يُتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نُريد أن ترد أرواحنا فى أجسادنا، حتى نُقتلَ فى سبيلك مرةً أخرى، فلمّا رأى أن
стр. 360
ليس لهم حاجة تُركوا" (١).
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود والحاكم، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "لما أصيب إخوانكم بأحُد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضرٍ، تَرِدُ أنهارَ الجنَّة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب، معلقة في ظل العرش، فلمّا وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يُبلغ إخواننا عَنّا أنا أحياء في الجنة، نُرزقُ لئلاَّ ينكلوا عند الحرب، ولا يزَهدوا في الجهاد، قال: فقال الله أبلّغُهُ عنكم، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩] (٢).
وأخرج الإمام أحمد والترمذي، وصححه من حديث عمرو بن دينار، عن الزهري عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: إن أرواح الشُّهداء في طير خُضر تعلقُ من شجر الجنّة" (٣).
стр. 361
كذا رواه عمرو عن الزهري، ورواه سائر أصحاب الزهري عنه، ولَم يذكروا: الشهداء وإنما ذكروا نسمة المؤمن.
وأخرج ابن منده، من طريق معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد، أنه سَأل ابن شهاب عن أرواح المؤمنين قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير أخضر، مُعلقة بالعرش تغدوا ثم تروح إلى رياض الجنة، تأتي ربها كل يوم، تسلم عليه.
وكذا قال الضحاك وإبراهيم اليمني وغيرهما من السلف، في أرواح الشهداء.
وأخرج الإمام أحمد وأبو يعلى وابن أبي الدُّنيا، من حديث ثابت عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا الحسنة، فكان فيما يقول: "هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟ " فإذا رأى الرجل الذي لا يَعرفه الرّؤيا سَأل عنه، فإن أُخْبِرَ عنه بمعروف كان أعجب لرؤياه.
قال: فجاءت اْمرأة فقالت: يا رسول الله، رأيتُ في المنام كأني خرجت فأدخلت الجنة، فسمعتُ وجبة اْرتجت لها الجنة، فإذا بفُلان وفُلان وفُلان، حتَّى عَدَّت اْثنى عشرَ رجلاً، وقد بَعثَ رسول الله ﷺ بسريِّة قبل ذلك، قالت: فجيء بهم، عليهم ثيابٌ طلس، تشخُب أوداجهم، فقال: اْذهبوا بهم إلى نهر البيذخ، فغُمسوا فيه وأخرِجُوا، ووُجوههم كالقمر، ليلة البدر وأتوا بكراس من ذهب، فأقعدوا (١) وجيء بصحفة من ذهب، فيها بسر فأكلوا من بُسره ما شاءوا، فما
стр. 362
يقلبونها لوجه من وجه، إلاّ أكلوا من فاكهة ما شاءوا قالت: وأكلت معهم. قالت: فجاء البشير من تلك السرية، فقال يا رسول الله كان كذا وكذا، وأصُيب فلان وفلان، حتى عدّ اْثني عشر فقال: عَلَيَّ بالمرأةِّ، فقال: "قُصّى رؤياك على هذا"، فقال الرجل: هُو كما قالت: أصيب فلان وفلان (١).
وروى ابن عُيَيْنة، عن عبد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس ﵄ يقول: أرواح الشهداء تحولُ في أجواف طَير خُضر، تُعلَّق في ثمر الجنة.
وقال قتادة: بلغنا أنَّ أرواح الشهداء في صُوَر طير بيض تأكل من ثمار الجنة.
وقال عبد الله بن عمرو (٢): أرواح الشهداء في طير كالزرازير، يتعارفون ويُرزقون من ثمر الجنة، وقال ابن عباس، عن كعب بن مالك، جنة الماوى جَنة فيها طير خضر، ترعى فيها أرواح الشهداء.
وقال أبو الدّرداء وقد سُئل عَن أرواح الشهداء: هي طيرٌ خضر معلقة في قناديل تحت العرش، تسرحُ في رياض الجنة حيث شاءت، وقال ابن مسعود: أرواح الشهداء طيرٌ خضر في قناديلَ تحت العرش،
стр. 363
تسرحُ في الجنّة حيث شاءت، ثم ترجعُ إلى قناديلها (١).
ورُوي عن مجاهد أنه قال: ليس الشهداء في الجنة، ولكنهم يُرزقون منها، وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية قال يقول: أحياء عند ربهم يُرزقون من ثمر الجنة، ويجَدون ريحها، وليسوا فيها. وروى ابن المبارك عنه أيضاً أنه قال: ليس هم في الجنة لكن يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها (٢).
قال الحافظ ابن رجب (٣): وقد يُستَدلُ لقوله، أي: مجاهدُ بما رَوى ابن إسحق عن عاصم عن عَمرو بنِ قتادة، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهداء على بارق نهر الجنة، فيه قُبة خَضراء يخرجُ عليهم رزقُهم من الجنة بكرة وعشيّا" (٤)، وخرجه ابن منده، ولفظه على بارق نهر في الجنة، قال الحافظ: وهذا يدل على أن النّهر خارج من الجنة، قال وابن إسحق مُدلس، ولم يصرح بالتحديث.
قال الحافظ: ولعل هذا في عموم الشهداء، والذين في القناديل
стр. 364
التي تحت العرش خواصهم، أو لَعل المراد بالشهداء هنا: مَن هُو شهيد من غير قتل: في سبيل الله، كالمطعون والمبطون، والغريق وغيرهم، ممّن ورد النص بأنه شهيد، والأحاديث السابقة كُلها فيمن قتل في سيبل الله، وبعضها صريح في ذلك وفي بعضها أن الآية نزلت، وهي قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]، والآية نصّ في المقتول في سبيل الله، وقد يُطلق الشهيد على من حقق الإيمان، وشهد بصحته بقوله كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] (١).
قال ابن أبي نجيح عن مُجاهد في هذه الآية يقول (٢): يشهدون على أنفسهم بالإيمان لله. ورَوى سفيان عن رجل عن مُجاهد قال: كلُّ مؤمن صدّيق وشهيد، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩].
وخرج ابن أبي حاتم (٣) عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: كُلكم صِدّيق وشهيد، قيل له: ما تقول يا أبا هريرة؟ قال: اْقرءوا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] الآية.
قال الحافظ ابن رجب: فيه إسماعيلُ بن يحيى التيمي ضعيف
стр. 365
جدّا، [لكن] يُعضده: ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] من شهادة هذه الأمّة للأنبياء، من تبليغ رسالاتهم. قال الحافظ: وبكلّ حال فالأحاديث المتقدّمة، كلها في الشهيد المقتول في سبيل الله، لا يحتمل غير ذلك. قال: وإنما النظر في حديث ابن إسحق اْنتهى (١).
فائدة: سُمّي الشهيد شهيدًا قيل؛ لأنّه مشهود له بالجنة، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقيل إن أرواحهم يعني الشهداء حضرة دار السلام؛ لأنهم أحياء عند ربهم، فهو فعيل بمعنى فاعل: أي شاهد، أي حاضِر للجنة، وقيل: سُمّى بذلك لسقوطه بالأرض، والأرض الشاهدة، وقيل: سُمي بذلك لشهادته على نفسه، لله ، حين لزمه الوفاء بالبيعة التي بايعهُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] فاتّصلت شهادة الشهيد الحق، بشهادة العبد فَسمّاهُ شهيدا، وقد قال ﷺ في شهداء أحد: "أنا شهيدٌ على هؤلاء" (٢) لبذلهم أنفسَهم دونه وقتلهم بينَ يَديه تصديقًا لما جاء به ﷺ . هذا ملخّص ما ذكره القُرطبي ﵀ (٣).
стр. 366
ثم قال: هذا الكَلام في الشهيد، وأما الشهادة فصفة يُسمّى حاملها بالشاهد، ويبالغ بشهيد.
قال: وللشهادة ثلاثةُ شروط لا تتمُ إلا بتمامها، وهي الحضور والوعي، والأداء، أمّا الحضور: فهو شهود الشاهد المشهود، وأمّا الوعي: فهو أن يعي ما شاهده وعلمه في شهوده ذلك، وأمّا الأداء: فهو الإتيان بالشهادة على وجهها، في موضع الحاجة إلى ذلك، هذا معنى الشهادة والشهادة على الكمال: إنما هي لذي العزة والجلال، وجميع الشاهدين سواه يؤدون شهادتهم عنده، قال تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] والشهداء همُ العدول، وأهل العدالة في الدنيا والآخرة، وهم القائمون بما وجب للحق عليهم في الدنيا.
تتمة
جَاء في حديث "من جلة الشهداء المرأة تموت بجمع" (١)، رواه النسّائي عن جابر مرفوعًا فقيل هي التي (تموت) (٢) من الولادة، وولدها في بطنها قد تمّ خلقه، وقيل إذا ماتت من النفاس، فهي شهيدة كما تقدم، وقيل التي تموت بكرًا لم يمسها الرجال.
قُلْتُ: ولم أعلم أنّ أحدًا قال في هذه إنها شهيدة من هذه الحيثية، وقوله: "بجمع " فيه لُغتان ضم الجيم وكسرها. وأخرج
стр. 367
الترمذي وأبو داود والنّسائي، عن سعيد بن زيد سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "مَن قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون دمه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيد" (١)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وتقدّمت الإشارة إلى مضمونه.
وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس ﵄: "موت غربة شهادة" (٢). وذكره أيضًا من حديث ابن عُمر وصححه.
وأخرج الترمذي، عن معقل بن يسار مرفوعًا "من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّل اللهُ به سبعين ألف ملك يصلّون عليه حتى يمسي، وإن مات في يومه مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي فكذلك " (٣). قال حديث حسن غريب.
وأخرج الأجري عن أنس بن مالك، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أنس إن اْستطعت أن تكون أبداً على وضوء فافعل، فإن ملك الموت إذا قبض رُوحَ العبد وهو على وضوء كتبت له شَهادة" (٤).
стр. 368
وأخرج الشعبي عن ابن عمر مرفوعًا "من صلى الضحى وصام ثلاثة أيام من كل شهر ولم يترك الوتر في حضر ولا سفر، كُتب لهُ أجر [شهيد] " (١) وذكره أبو نعيم والقرطبي في التذكرة.
وروى أبو نعيم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إذا جاء الموتُ طالب العلم وهو على حاله مات شهيدا" (٢) وبعضهم يزعم أنه ليس بينه وبين الأنبياء إلاّ درجة واحدة.
وفي مسُلم عن أنس مرفوعًا "من طلب الشهادة صادقاً أعطيها، ولَو لم تُصبه" (٣).
وأخرج الإمام بنُ الإمام محمد بن داود الظاهري، عن ابن عباس يرفعه "من عشق وكتم وعفَّ وصبر، غفر الله له وأدخله الجنّة"
وفي لفظ لغير ابن داود، عن ابن عباس يرفعه "من عشق وعفّ وكتم فمات فهو شهيد" وتقدمت الإشارة إلى هذا (٤).
стр. 369
قُلْتُ: ذكر الإمام المحقق في كتابه: الدّاء والدّواء (١) أنّ حفاظ الإسلام، أنكروا على (سويد بن سعيد) (٢) هذا الحديث، وذكره جماعة في الموضوعات، منهم ابن الجوزي والبيهقي، وابن طاهر، وأنكره الحاكم وقال: أنا أتعجّب منه (٣).
قال الإمام المحقّق: والصّواب في الحديث أنه من كلام ابن عباس، موقوفًا عليه فغلط سُوَيد في رفعه. وابن داود روى الحديث المذكور من طريق سويد بن سعيد، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد عن ابن عباس يرفعه والله أعلم.
لطيفة: أخرج النّسائي، عن العرباض بن سارية، أن رسول الله ﷺ قال: "يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربّنا، في الذين يُتوفون زَمن الطاعون، فيقولُ الشهداء: إخواننا قُتلوا كما قُتلنا، ويقول المتوفون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فُرشهم كما متنا، فيقول ربّنا : انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جِراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جِراحُهم أشبهت جراحهم" (٤) والله أعلم.
стр. 370
فصل
وأما بقية المؤمنين سوى الشهداء، فإنهم ينقسمون إلى أهل تكليف وغير أهل تكليف، فغير أهل التكليف كأطفال المؤمنين، فالجمهور على أنهم في الجنة، وقد حكى الإمام أحمد ﵁ الإجماع على ذلك. قال في رواية جعفر بن محمد: ليس فيهم اْختلاف يعني أنهم في الجنة، وفي رواية الميموني: أوا أحد يشك أنهم في الجنة. وذكر الخلال من طريق حنبل عن الإمام أحمد ﵁ قال: نحنُ نُقرّ أن الجنة خُلقت، ونؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] لآل فرعون.
وقال: أرواح ذراري المسلمين في أجواف طير خضر، تسرحُ في الجنة، يكفلهم أبوهم إبراهيم ﵇، وكذلك نصّ الإمامُ الشافعي على أن أطفال المسلمين في الجنة، وجاء صريحًا عن السلف، أن أرواحهم في الجنة.
قال ابن مسعود ﵁: إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح وِلْدَان المؤمنين في أجواف عصافير تسرحُ في الجنّة حيث شاءت فتأوي إلى قناديل مُعلَّقة في العرش (١). خرّجه ابن أبي حاتم ورواه الثوري والأعمش عن أبي قيس عن هذيل من قوله: ولم يذكر ابن مسعود.
стр. 371
وخرَّج البيهقي عن ابن عباس عَن كعب ﵃ نحوه.
وخرج الخلاّل من طريق ليث عن أبي الزُبير، عن عبيد بن عُمير قال: إن في الجنة لشجرة، لها ضروع كضروع البقر، تُغَذى به ولدان، أهل الجَنَّة، حتى إنهم ليستنون ويلعبون، كاستنان البكار. قوله يستنون: أي: يمرحون.
وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن خالد بن مَعدان قال: إنَّ في الجنَّة شجرة يُقال لها طُوبى، ضروع كلها تُرضع صِبيانَ أهل الجنَّة، وإنّ سقط المرأة يَكون في نهر من أنهارِ الجنَّة، يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فَيُبعَث ابن أربعين سنة.
قال الحافظ ابن رجب (١): ويدل على صحة ذلك ما في مسلم، عن أنس ﵁ قال: لمّا تُوفيِّ إبراهيمُ ﵇، قال النّبيّ ﷺ ، "إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإنَّ له لضئرين يكمِّلان رِضاعَه في الجنة" (٢). وخرّج ابن ماجه نحوه، من حديث ابن عباس وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث البراء بن عازب.
وخرج سعيد بن منصور عن مكحول، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إن ذراري المؤمنين، أرواحهم في عصافير في شجر (في) الجنة، يَكفُلُهم أبوهم إبراهيم ﵇". وكذا رواه علي بن عثمان اللاحقى، عن مكحول إلا أنّه قال: "عصافيرٌ خضرٌ في الجنة"، وهذا
стр. 372
كما (قال) (١) الحافظ قال مرسل ولفظه يُشبهُ لفظ الحديث الذي اْحتجَّ به الإمام أحمد، على خَلق الجنَّة كما تقدم.
قال الحافظ: وقد رُوي متّصلاً من وجه آخر، من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عطاء بن فروة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هُريرة عن النبي ﷺ قال: "ذَرَارِي المؤمنين يكفلهم (إبراهيمُ) (٢) ﵇ في الجنّة" (٣) خرّجه ابن حِبّان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، والإمام أحمد عن موسى بن داود، عن ابن ثوبان، إلاّ أنه ذَكر أنّ موسى شك في رفعه، ولكن رواه عن واحد، عن ثابت بن ثوبان ولم يشك في رفعه.
ورُوي من وجه آخر عن أبي هُريرة عن النبي ﷺ قال: "أولاد (المسلمين) (٤) في جبل، يكفُلهم إبراهيمُ وسارة ﵉، فإذا كانَ يومَ القيامة، دُفعوا إلى آبائهم"، وكذا رواه محمدُ بنُ عبد الله، عن وكيع عن سفيان مرفوعًا، ورواه ابن مهدي، وأبو نعيم عن سفيان موقوفًا، قال الدارقطني: والموقوف أشبه (٥).
قال الحافظ ابن رجب (٦): وممّا يُستدَل به لهذا أيضًا ما خرّجه
стр. 373
البخاريُّ، عن سَمرة بن جُندبٍ عن النبي ﷺ أنه رأى في منامه جبريل وميكائيل، أتياه فانطلقا به، وذكر حديثًا طويلاً وفيه: "وإذا روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وإذا شيخٌ في أصلها، حوله صبيان قال: فصَعَدوا بي للشجرة فأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فإذا فيها رجال شيوخ وشباب، وفيها نساء وصبيان"، وذكر الحديث وفيه قالا: "وأما الشيخ الذي رأيت في أصل الشجرة فذاك إبراهيم، وأما الصبيان (الذي) (١) رأيت فأولاد الناس" (٢).
وفي رواية "فكل مَولود ماتَ على الفِطرة، وفي رواية "ولد على الفطرة، وأمَّا الدَّارُ التي دخلت أولاً: فدارُ عامَّة المؤمنين، وأمَّا الدارُ الأخرى فدارُ الشهداء" واستدلّ الحافظُ بغير ما ذكرنا من الأحاديث، ولكنّا اْقتصرنا على المقاصد طلبًا للاختصار، مع وجود ما تلقح به الأفكار، والله الموفق.
قال الحافظ (٣): وذهبت طائفة إلى أنه يُشهَدُ لأطفال المؤمنين عموما أنهم في الجنَّة، ولا يُشهدُ لآحادهم كما يُشهدُ للمؤمنين عمومًا أنَّهم في الجنة، ولا يُشهدُ لآحادهم، وهو قول إسحق بن راهويه، نقله عنه إسحق بن منصورٍ وحربُ في مسائلهما.
стр. 374
قال الحافظ: ولعلّ هذا يرجعُ إلى أن الطفلَ المعين لا يُشهَدُ لأبيه بالإيمان، فلا يُشهدُ له أنه من أطفال المؤمنين، فيكون الوقف في آحادهم للوقف في إيمان آبائهم، وحكى ابن عبد البر (١)، عن طائفة من السلف القول بالوقف في أطفال المؤمنين، سمى منهم حماد بن زيد، وحمّاد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق. قال الحافظ: وهذا بعيد جدًا، ولعلّه أخذ ذلك من عموم كلام لهم، وإنما أرادوا بها أطفال المشركين، وكذلك اْختار القول بالتوقف طائفة منهم الأثرم، والبيهقي، وذُكِرَ أنّ ابن عباس رجع إليه، والإمام أحمد، ذكر أنّ ابن عباس إنما قال ذلك في أطفال المشركين، وإنما أخذه البيهقي من عُموم لفظ رُوي عنه، كما أنه ورد في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة، أن النّبي ﷺ ، سئل عن الأطفال فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٢).
قال الحافظ: ولكن الحُفاظ الثقات، ذكروا أنه سُئل عن أطفال المشركين، واستدل القائل بالوقف بما أخرجه مسلم، عن عائشة ﵂ قالت: تُوفي صبيٌّ فقلتُ طوب له، عُصفورٌ من عصافير الجنة، فقال رسولُ الله ﷺ : "أولا تدرين أن الله خلق الجنَّة وخلق النّار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً" (٣) قال الحافظ: قد ضعَّفَ الإمام أحمد ﵁ هذا الحديث، فإن فيه طلحة بن يحيى، وقد رَوى
стр. 375
مناكير، وذكر له هذا الحديث. وقال ابن معين فيه ليس بالقوي (١).
وقد خرّجه مسلم من طريق فُضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمّ المؤمنين (٢).
قال الإمامُ أحمد: ما أراه يعني: فُضيل بن عَمرو سمعه، إلا من طلحة بن يحيى، يعني أخذه عنه ودلسه، حيث رواه عن عائشة بنت طلحة، وذكر العقيلي (٣) أنه لا يُحفظ إلا من حديث طلحة، ويُعارضُ هذا، ما خرّجه مسلم، عن أبي حَسان قال: قلُت لأبي هريرة ﵁: إنه مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث، فتطيِّب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، "صغارهم دعاميصُ الجنة (يلتقي) (٤) أحدُهم أباه أو قال أبويه، فيأخُذُ بثوبه، أو قال بيده، كما أنا آخذ بصفة ثوبك، فلا يناهى أو قال: ينتهي حتى يُدخله الله وإياه الجنة" (٥).
وفي الصحيحين عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما من الناس مُسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة، بفضل رحمته إياهم" (٦).
стр. 376
ولهذا قال الإمام أحمد نَضَّرَ الله وجهه: هُو يُرجى لأبويه، فكيف يشك فيه؟ يعني أنه يُرجى لأبويه دخول الجنة بسببه.
قال الحافظ: ولعل النبي ﷺ ، نهي أولاً عن الشهادة لأطفال المسلمين بالجنة قبل أن يطَّلع على ذلك؛ لأن الشهادة على ذلك، تحتاجُ إلى علم به، ثم أطلع على ذلك فأخَبَرَ به (١)، واعترض بعضُهم هذا التوجيه بأن سورة الطور مكية، وقد دلّت على تبعيتهم، وأقول هذا الاْعتراض ساقط فإنا إن قلنا بالتبعية، فلا يُقطع لأطفال المسلمين كما لا يُقطع لآبائهم قلنا: لا نقطعُ لأحد أنَّه من أهل الجنة، إلَّا من قَطَع له رسول الله ﷺ بذلك، ولكن: نرجوا من الله ذلك.
وعندي أنّ النبي ﷺ ، إنما نهى عائشة عن ذلك، لمسارعتها للشهادة له، من غير توقيف منه ﷺ ، وهذا كما لا يجوز للحاكم أن يحكم بغير علم، وإن صادف الحق، فكأنّ عائشة قالت ذلك باجتهاد منها، وفيه أنه يَبعد من مثل عائشة، أن تتكلم بمثل هذا الكلام من غير توقيف، ويُجابُ بأنه ﷺ ، لو أوقفها على ذلك لم ينهها عنه، وأيضًا هي ﵂، لمَّا علمت أن الطفل غير مكلف، وأنه ما ألمَّ بسيّئة قطّ، شهدت له بأنَّه من عصافير الجنة، والله سبحانه أعلمُ بالصواب.
وقال بعضُ العلماء: يُحتملُ أن يَكونا أبوا الطفل (٢) منافقين، فيكونَ الصبى بين كافرين، والله أعلم.
стр. 377
تنبيه
قد ذكرنا فيما تقدم أن أرواح الشهداء في طير خضر (١)، وفي بعض الأحاديث: (نسمة) (٢) المؤمن طائر والأوّل: يدلّ على أن الطير ظرف للروح، والثاني: يدل على أن الطير هو الروح، وكذلك في أطفال المسلمين في بعض الأحاديث، في أجواف طير خضر، وفي بعضها في أجواف عصافير، وفي بعضها أنهم دعاميص الجنة.
قال القرطبي في حديث كعب: نسمةُ المؤمن طائر، هذا يدلّ على أنها نفسها تكون طائرًا أي على صورته لا أنها تكون فيه ويكون الطائر ظرفًا لها، وكذا في رواية ابن مسعود عند ابن ماجه: "أرواح الشهداء عند الله كطير" (٣) وفي لفظ عن ابن عباس، " (تجولُ) (٤) في طير خضر"، ولفظ ابن عمرو "في صورة طير بيض"، وفي لفظ عن كعب "أرواح الشهداء طيرٌ خضر" قال: وهذا كله أصح من رواية "في جوف طير"، وقال القابسي (٥): أنكر العلماء رواية في حواصل طير خضر؛ لأنها حينئذ تكونُ محصورةً مُضَيَّقاً عليها، ورُدَّ بأنَّ الرواية ثابتة، والتأويل مُحتمل بأن تُجعل "في" بمعنى "على"، والمعنى:
стр. 378
أرواحهم على جوف طير خضر كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع النخل، وجائز أن تسمَّى الطيرُ جوفًا إذا هي مُحيط به، ومُشتمل عليه.
قاله الحافظ عبد الحق الإشبيلي، في "العاقبة" وقال غيره: لا مانع من أن تكون في الأجواف حقيقة، ويوسعها الله لها، حتى يمون أوسع من الفضاء.
وقال ابن دحية في "التنوير" (١): قال قومٌ من المتكلمين هذه رواية منكرة، إذ لا تكون روحان في جسد واحد، فإن ذلك محال، وقولهم جهل بالحقائق، واعتراض على السّنّة الثابتة، فإنّ معنى الكلام بَيّنٌ، فإن روح الشهيد، الذي كان في جوف جسده في الدنيا، يجعل في جوف جسد آخر، كأنّه صورة طائر فيكون في الجسد الآخر، كما كان في الأوّل وذكر مدّة البرزخ، إلى أن يعيده الله يوم القيامة كما خلقه، وإنما الذي يَستحيل في العقل: قيامُ حياتين بجوهر واحد، فيحْيىَ الجوهر بهما جميعًا، وأما روحان في جسد، فليس بمحال إذ لم نقل بتداخل الأجسام، فهذا الجنين في بطن أمه وروحه غير روحها، وقد اْشتمل عليهما جسد واحد، وهذا أقرب لو قيل لهم: إن الطائر له روح غير روح الشهيد، وهما في جسد واحد، فكيف؟ وإنما قيل في أجواف طير خضر، أي: في صورة طير، كما تقول ملكاً في صورة إنسان، وهذا في غاية البيان. اْنتهى
стр. 379
قُلْتُ: ليس هذه بأوّل جناية من المتكلمين على السنة الغراء، بل هم غالبًا نابِذُوها خلف ظهورهم، فالله يأخذ منهم ومن أتباعهم، فالحقُ للديان، والذي جزم به المحقق وابن عبد السلام، وجمعٌ أن أرواح الشهداء كما قال الصادق في جوف طير خضر ولا حاجة إلى تأويل؛ غير أنّ الشهداء يتفاوتون، والله الموفق.
القسم الثاني: أهل التكليف من المؤمنين سوى الشهداء. وقد اْختلف العُلماء فيهم قديمًا وحديثًا، والمنصوص عن الإمام أحمد ﵁، أن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار.
قال الخلالُ في كتاب السنة، من رواية حنبل سمعتُ أبا عبد الله يقول: أرواحُ الكفار في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة، وفي موضع آخر عن حنبل قال: قال عميّ ﵁: أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار، والأبدان في الدنيا يُعذّب الله من يشاء، ويرحم من يشاء، قال أبو عبد الله ولا نقول إنهما يفنيان، بل هما على علم الله باقيان، يبلغ النه فيهما علمه نسأل الله التثبيت وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا.
وقوله ولا نقول إنهما يفنيان، يعني: الجنة والنار، فإنّ في أوّل الكلام عن حنبل، أن أبا عبد الله حكى قصّة ضرار، وحكايته واختلاف العلماء في خلق الجنّة والنار، وأن القاضي أهدر دمَ ضرار لذلك، فاستخفى إلى أن مات، وأن أبا عبد الله قال: هذا كُفر يعني القول بأنهما لم يُخلقا بعد، وسيأتي الكلامُ على هذا مبسوطًا (١).
стр. 380
وقيل إنّ أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر، كما في حديث أمّ بشر مرفوعاً "إن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر، ترعى في الجنة تأكل من ثمارها، وتشرب من مائها، وتأوى إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فتقول: ربّنا ألحقْ بنا إخواننا، وآتنا ما وعدتنا، وإنَّ أرواح الكفار في حواصل طير يعود، تأكل من النار، وتشرب من النار، وتأوي إلى حِجرٍ في النار، يقولون: ربنا لا تلحق بنا إخواننا ولا تؤتنا ما وعدتنا". رواه ابن منده (١).
وأخرج الإمام مالك عن كعب بن مالك مرفوعاً "إنما نسمة المؤمن طائر يُعلق في شجر الجنة، حتى يُرجعه الله إلى جَسده" (٢).
ورواه الإمام أحمد في مسنده وخرّجه النسائي من طريق مالك، وخَرّجه ابن ماجه، ورواه خلق كثير، وخرج ابن منده عن ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "أرواح المؤمنين في طير كالزرازير تأكل من ثمر الجنة" (٣) قال ابن منده ﵀: رواه جماعة عن الثوري موقوفاً،
стр. 381
يعني: على عبد لله بن عَمرو بن العاص ﵄.
قال الحافظ ابن رجب (١)، قدّس الله روحه: الصوابُ وقفُه، وقد ذكره الإمام أحمد موقوفاً وروى ابن المبارك عن كعب من رواية الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: كُنا جلوساً إلى كعب فجاء ابن عباس ﵃، فقال: يا كعب كُل ما في القرآن قد عرفتُ غير أربعة أشياء فأخبرني عنهن، فسأله عن سجّين وعلّيين. فقال كعب: أما علَيّون فالسماء السابعة، فيها أرواح المؤمنين، وأما سجين فالأرض السابعة السُّفلى، فيها أرواح الكفار، تحت خدِّ إبليس.
قال الحافظ: وقد ثبتَ بالأدلّة أن الجنّةَ فوقَ السماء السابعة، وأن النار تحت الأرض السابعة.
وسيأتي بيانُ ذلك في الكتاب الرابع من هذا التأليف، إن شاء الله تعالى (٢).
وقال وهب بن منبّة: إنَّ لله في السماء السابعة داراً يقال لها البيضاء: يجتمع فيها أرواح المؤمنين، فإذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح، فيسألونه عن أخْبار الدنيا، كما يَسألُ الغائب أهله إذا قدمَ عليهم (٣).
وروى ليث من حديثٍ عن ابن مسعود ﵁، قال: إنَّ
стр. 382
أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، تغدوا على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضُها. أخرجه ابن أبي حاتم (١).
واعلم أنه: إنما تَدخُل أرواح المؤمنين من الشهداء وغيرهم الجنة، إذا لم يمنع مانع من نحو كبيرة، كما لو غَلّ، أو كان عليه دين، فإنه يُحبَس عن الجنة إن لم يلطف الله به، ويتغمده برحمته حتى يُقضى عنه دينه.
وفي الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁، أن مِدْعَمًا قُتل يوم خيبر، فقال الناسُ: هنيئًا له الجنة. فقال النبي ﷺ : "كلاّ والذي نفسي بيده، إنَّ الشملة التي أخذها يومَ خيبر، لم تُصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً" (٢).
وعن سمرة بن جندب ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، فقال: "هاهنا أحد من بني فلان؟ " ثلاثًا فلم يُجبه أحد، ثم أجابه رجل. فقال: "إن فُلانا الذي تُوفِّى احتُبس عن الجنة، من أجل الدَّين الذي عليه، فإن شئتم فافْتَكُّوه، أو فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله تعالى" خرّجه الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي بألفاظٍ مُختلفة (٣).
وقالت طائفة: الأرواح في الأرض، ثم اْختلفوا فقالت فرقة منهم: الأرواح تستقرُ على أفنية القبور، وهذا القول هو الذي ذكره
стр. 383
عبد الله بن الإمام أحمد، في سؤاله لوالده ﵄، حيث قال سألت أبي عن أرواح الموتى أفتكون في أفنية قبورها أم هي في حواصل طير؟ أم تموتُ كما تموتُ الأجساد؟ قال: رُوي عن النبي ﷺ ، قال: "نسمة المؤمن إذا مات طائرٌ يُعلق في شجر الجنة، حتى يُرجعَه اللهُ إلى جسده يوم يبعثه" (١).
وحكى القول الذي هو: أن أرواح الموتى في أفنية قبورها ابن حزم، عن عامة أهل الحديث، ورجّحه ابن عبد البرِّ. وقال مجاهد: الأرواح على القبور سبعةَ أيام، من يوم دَفن الميت لا تفارقه، ذلك واستدل هو وغيره بحديث ابن عُمر، عن النبي ﷺ ، "إذا مات أحدُكم عُرضَ عليه مقعَدُه بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمِنْ أهل النار، يُقالُ له هذا مقعدُك حتى يَبعثَك الله" (٢).
فهذا يدلّ على أن الأرواح ليست في الجنّة، وإنما تُعرض عليها بكرة وعشيّا.
واحتج ابن عبد البر أيضًا: بحديث النبي ﷺ ، حين خَرج إلى المقبرة فقال: "السلامُ عليكم دارَ قوم مؤمنين" (٣)، قال: فهذا يدل على
стр. 384
أن الأرواح بأفنية القبور، لكنه رُجح بأنّ أرواح الشهداء فى الجنة وما عداهم على أفنية قبورها كما ذكرنا (١)، وَردّ الإمام المحقق على عموم هذا، يَعني كونُ الأرواح على أفنية القبور، حيثُ قال: إن أراد أنها تكون على أفنية قبورها، أي: هذا الأمر لازم لها لا تفارق أفنية القُبور أبدًا، فهذا خطأ يردّه نصوص الكتاب والسنة، من وجوه كثيرة، وإن أراد أنّها تكون على أفنية القبورِ وَقْتاً من الأوقات أو لها إشراق على قُبورها، وهي في مقرها، فهذا حقّ لكن: لا يُقال مستقرها أفنيةُ القُبور، وذكرَ المحقِّق شُبَه من قال بذلك، ثم ردها بأنَّ عَرْض مقعد الميت عليه من الجنة أو النار لا يدل على أن الروح في القبر، ولا على فنائه دائمًا من جميع الوجوه، بل لها إشراق واتصالٌ بالقبر وفنائه، وذلك القدرُ منها يُعرض عليه مقعده، فإن للروح شأناً آخر يكون في الرفيق الأعلى في أعلى عليين، ولها اْتصال بالبدن، بحيث (٢) إذا سلم المسلم على الميت رُدَّ عليه روحه، فيردُّ ﵇. قال: وإنما يغلط أكثر الناس في هذا الموضع، بحيث يعتقد أن الروحَ من جنس ما يعهد من الأجسام التي إذا شغلت مكانًا، لم يمكن أن تكونَ في غيره، وهذا غلط محض، بل الروح تكونُ فوق السموات في علّيّين، فترد إلى القبر، وترد السلام، وتعلم بالمسلم وهي، في مكانها هناك.
стр. 385
قال: وروحُ نبينا ﷺ في الرفيق الأعلى دائمًا، ويردها الله سُبحانه إلى القبر، فيردّ السلام على من سلّم عليه، ويسمع كلامه، وقد رأى رسول الله ﷺ ، موسى قائمًا يصلي في قبره، وراءه في السماء السادسة أو السابعة، فإما أن تكون سريعة الحركة والانتقال كلمح البصر، وإما أن تكون متصلة بالقبر وفنائه، بمنزلة شعاع الشمس وجرمها في السّماء إلى أن قال: وأما السلام على أهل القبور وخطابهم فلا يدلّ على أنّ أرواحهم ليست في الجنة، وإنها على أفنية قبورها، فهذا سيّدُ العالم ﷺ ، الذي روحه في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى، نسلم عليه عند قبره، فيسمع سلام المسلم. اْنتهى.
وذكر نحوه تلميذه الحافظ ابن رجب، وقال تبعًا له: ويشهد لذلك الأحاديث المرفوعة والموقوفة.
وذكر عن أبي الدارداء وعبد الله بن عَمرو بن العاص، في أن النائم يُعرجُ بروحه إلى العرش مع تعلقها ببدنه، وسرعة عودها إليه عند اْستيقاظه، فأرواح الموتى المتجردة عن أبدانهم أولى بعروجها إلى السماء وعودها إلى القبر في مثل تلك السرعة اْستدل الخصم بحديث البراء بن عازب، حيث قال فيه في صفة قبض روح المؤمن، " .. فإذا اْنتهى إلى العرش، كتُب كِتَابهُ في عليين، ويقول الرّبّ : رُدّوا عبدي إلى مضجعه، فإني وعدتهم أنّي منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فيُرد إلى مضجعه. الحديث. وقال في روح الكافر: فيُصعد بها إلى السماء فَتُغلقُ دونه، فيقول الرّبّ:
стр. 386
رُدّوا عبَدي إلى مضجعه، فإنّي وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخُرجُهم تارة أخرى".
وفي لفظ: "رُدُّوا روح عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أن أرُدَّهم فيها"، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] الآية (١).
وهذا يدل على أنّ أرواح المؤمنين تستقر في الأرض، ولا تعود إلى السّماء بعد عرضها ونزولها إلى الأرض. قال الحافظ: لكن حديث البراء وحده لا يعارض الأحاديث المتقدمة في أنّ الأرواح في الجنة لاسيمّا الشهداء.
وأخرج أبو يعلى في مسنده، وابن أبي الدنيا من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس، عن تميمٍ الداري، عن النبي ﷺ ، قال: "يقولُ الله لملك الموت: اْنطلق إلى وَليِ فأْتني به، قد جَرّبتُه بالسَّرَّاء والضّرّاءِ فوجدته حيث أحب، فأْتني به لأريحه من هموم الدنيا وغمومها، فينطلق إليه ملك الموت، ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان" (٢) والضبائر: بضاد معجمة وباء مُوحدة آخره راء هي الجماعات، واحدتها: ضِبارة بكسر أوّله مثل عِمارة، وكل مجتمع ضبارة قاله في النهاية (٣).
قال في الحديث لا أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونًا لكل
стр. 387
لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر، فيجلس ملك الموت عند رأسه وتحتوشه الملائكة، ويضع كُل ملك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض، والمسك الأذفر تحت ذقنه، ويُفتح لهُ باب إلى الجنة، قال: فإن نفسه لتُعلَّل عند ذلك بُطُرف الجنة"، وهو بضم الطاء المهملة، وضم الراء وفاء: جمع طُرفة المستحدث من المال كالطريف، والطارف وهو خلاف التليد والتالد، قاله السيوطي، "مرّة بأزواجها" يَعني أزواج الجنة، "ومرّة بكسوتها ومزة بثمارها، كما يُعلل الصَبيَّ أهلُهُ إذا بكا، وإنَّ أزواجه ليبتهشنَّ عند ذلك ابتهاشاً".
قال في النهاية: يُقالَ للإنسان إذا نظر إلى شيء فأعجبه واشتهاه وأسع نحوه، قد بَهش إليه (١).
وفي الصحاح: بهش (٢) إليه يبهش بهشًا إذا اْرتاح له وخف إليه. انتهى "وتنزُو الروح نَزوا" أي تُسرع وتشبُ كما في الصّحاح (٣). ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح الطيبة، إلى سِدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب" قال: "ولمَلك الموت أشد تلطفاً به من الوالدة بولدها، يَعرف أن ذلك الروح حبيب إلى ربه، كريم على الله، فهو يلتمس بلطفه بتلك الروح رضى الله عنه، فَتُسَل روحه كما تسل الشعرة من العجين. قال: وإنّ روحه لتخرُجُ والملائكة حوله يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]
стр. 388
وذلك قول ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] قال: روْحٌ من جهة الموت وريَحان يتلقى به عند خروج نفسه، وجنّة نعيم أمامه، أو قال مقابله فإذا قبضَ ملك الموت روحه يقول الروحُ للجسد: جزاك الله خيرا، لقد كنت بي سريعًا إلى طاعة الله بطيئًا عن معصيته، فهنيئًا لك اليوم، فقد نجوت وانجعت، ويقول الجسد للروح مثل ذلك قال وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيعُ اللهَ عليها، وكلّ باب من السّماء كان يصعد منه عمله، وينزل منه رزقه أربعين ليلة فإذا قَبضت الملائكة روحه أقامت الخمسمائة ملك عند جسده، لا يقلّبه بَنوا آدم لشق، إلا قلبته الملائكة قبلهم وَعَلَته بكفانٍ قبل أكفانهم، وحنوطٍ قبل حنوطهم، ويقوم من باب بيته إلى باب قبره صفان من الملائكة، يستقبلونه بالاستغفار وَيصيحُ إبليسُ عند ذلك صيحةَ يتصدع منها بعض عظام جسده، ويقول لجنوده: الويلُ لكم كيف خلص هذا العبد منكم؟ فيقولون: إن هذا كان معصوماً، فإذا صَعَد ملك الموت بروحه إلى السماء، يستقبله جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة، كلهم يأتيه ببشارة من ربه، فإذا انتهى ملك الموت إلى العرش خرّت الروحُ ساجدة لربها، فيقول الله لملك الموت اْنطلق بروح عبدي، وضعه في سدر مخضود، وطلح منضود، وظلّ ممدود وماء مسكوب، فإذا وُضع في قبره جاءت الصلاة، فكانت عن يمينه وجاء الصيام، فكان عن يساره، وجاء القرآن والذكر فكانا عند رأسه، وجاء مشيه للصلوات،
стр. 389
فكان عند رجليه، وجاء الصبر فكان ناحية القبر، ويَبعثُ الله عنقاً أي طائفة من العذاب، فيأتيه عن يمينه، فتقول الصلاة وراك، والله ما زال دائبَا بالدال المهملة وموحدة آخره أي جاداً عمره كله، وإنما اْستراح الآن، حين وضع في قبره قال: فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك، فيأتيه من قِبَل رأسه فيقال مثل ذلك، فلا يأتيه العذاب من ناحية فيلتمسُ، هل يجد إليه مساغاً إلاّ وجد وليَّ الله قد أحرزته الطاعة، فيَخرجُ عنه العذاب عندما يرى ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعْني أن أباشرَهُ بنفسي، إلا أني نظرت ما عندكم، فلو عجزتم كنتُ أنا صاحبه، فأما إذ أجزأتُم فأنا ذخر له عند الصراط، وذخر له عند الميزان، قال: ويبَعثُ الله ملكين أبصارُهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصّياصي، أي: بمهملتين هي: قرون البقر، واحدهما صيصيه وأنفاسهما كاللهب، يَطآن في أشعارهما، بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، وقد نُزعت منهما الرأفة والرحمة، إلا بالمؤمنين يُقال لهما منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مِطرقة، لو اْجتمع عليها الثقلان لم يقلوها فيقولان له: اْجلس، فيستوي جالسًا في قبره فتسقط في حقويه فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، والإسلام ديني، ومحمدٌ نَبِيِّ، وهو خاتم النّبيّين، فيقولان له: صدقت فيدفعان القبر، فيوسعانه من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره، ومن قِبل رأسِه ومن قِبَل رجليه، ثم يقولان له انظرُ فوقك فينظرُ، فإذا
стр. 390
هو مفتوح إلى الجنة، فيقولان له هذا منزلك يا وَليَّ الله، لما أطعتَ الله قال رسول الله ﷺ : "فوالذي نفسُ محمد بيده، إنَّه لتصلُ إلى قلبه فرحةٌ، لا ترتدُ أبداً، فيقال له: اْنظر تحتك فينظر تحته، فإذا هو مفتوح إلى النار فيقولان يا وليّ الله نجوت من هذا، قال رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده، إنه لتصلُ إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدا، ويُفتَح لى سبعةُ وسبعون باباً إلى الجنة، فيأتيه ريحُها وبردُها حتى يبعثه اللهُ من قبره قال: ويقولُ الله تعالى لملك الموت: اْنطلق إلى عدوّي فأتني به فإني قد بسطت له رزقي، وسربلته بنعمتي فأبى إلاّ معصيتي، فأتني به لأنتقَم منه اليوم، فينطلق إليه ملك الموت، في "أكره صورة رآها أحد من الناس قط، له اْثنا عشر عينا ومعه سَفّود، وهو بفتح المهملة وضمّ الفاء المشددة آخره مهملة: الحديدة التي يُشوَى بها اللحم من نار، كثير الشوك ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم نحاس أي: دخان لا لهب فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وجمرٌ من جمر جهنم ومعهم سياطٌ من النار، تتأجج فيضربه ملك الموت بذلك السفّود ضربةَ يغيب أصل كّل شوكة من ذلك، في أصل كلّ شعرة وعِرق من عروقه، ثم يلويه ليّا شديداً فينزع روحه من أظفار قدميه، فيلقيها في عقبيه، فيَسكرُ عدوُّ الله عند ذلك سكرةَ، وتضرب الملائكةُ وجهه ودبره بتلك السياط، ثم يجبذه جبذة (١) فتُنزع روحه من عقبيه،