← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

البحور الزاخرة في علوم الآخرة تأليف الإمام العالم العلامة محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الحنبلي رحمة الله تعالى عليه (١١١٤ هـ - ١١٨٨ هـ) (يطبع لأول مرة على عدة نسخ خطية بخط المؤلف وخط حفيده) حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه عبد العزيز أحمد بن محمد بن حمود المشيقح غفر الله له ولوالديه ولذريته ولمشائخه ولجميع المسلمين

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

مُقَدِّمَة إنَّ الحمدَ لله، نَحْمَدُه، ونستعينُه، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ به مِن شرور أنفسِنا، وَمِن سيئاتِ أعمالنا، مَنْ يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِل، فلا هَادِيَ له، وأشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] وبعد فإنَّ الإِيمان بالحياةِ الآخرة والعمل لها أصلٌ مِنْ أصول العقيدة الإسلامية، ولكن كثيرًا مِنَ الناسِ قد انشغلوا في حياتهم، فرضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، ونسوا أو تناسوا الموت وسكراته، والقبر ووحشته، والبعث ورهبته، والحشر وروعته، والحساب ودقته، والصراط والعبور عليه، وإنها لجنةٌ أبدًا، أو نارٌ أبدًا، ذلك لأننا نعيش في عصر قد طغى فيه

стр. 4

حب الدنيا على قلوب كثيرٍ من الناس، حتى تنافسوا على متاعها الزائل، ونسوا ما أمامهم من بعثٍ وجزاء، فكان لا بد من التذكير بهذِه الحياة الآخرة في وقت المسلمون أحوج ما يكونون إليه. ولقد كان الحديث عن الحياة الآخرة موضع اهتمام وعناية في القرآن الكريم، والسُّنة المطهرة. ومن هذين المصدرين: الكتاب، والسنة: ألَّف العلماء مصنفات كثيرة عن الحياة الآخرة وجوانبها وغيرها مما يتصل بها، والمتأمل لما كتبه العلماء عن الحياة الآخرة قديمًا وحديثًا، يجد أن طريقتهم في التأليف متنوعة: فمنهم من يكتب عن قضية واحدة من قضايا الآخرة، ومنهم من يكتب في أكثر من قضية، ومنهم من استوفى أكثر أمور الآخرة في مصنف واحد. نماذج من بعض المؤلفات عن الحياة الآخرة وما يتصل بها: ١ - التذكرة في أحوال الموتى والآخرة: للإمام القرطبي. ٢ - العاقبة: لعبد الحق الأشبيلي. ٣ - البعث والنشور: للإمام البيهقي. ٤ - البعث والنشور: لابن أبي داود. ٥ - البدور السافرة في أحوال الآخرة، شرح الصدور في أحوال الموتى والقبور: للسيوطي. ٦ - إثبات عذاب القبر: للبيهقي. ٧ - أهوال القبور: لابن رجب. ٨ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: لابن القيم. ٩ - التخويف من النار: لابن رجب. ١٠ - يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار لصديق بن حسن خان.

стр. 5

١١ - التحرير المرسوخ في أحوال البرزخ. لابن طولون الصالحي ت: ٩٥٣. ١٢ - التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة: للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري. ما يتعلق بكتب الفتن وأشراط الساعة: ١ - عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) له كتاب السنة والفتنة. ٢ - نعيم بن حماد المروزي - أبو عبد الله الخزاعي ت (٢٢٢) له كتاب الفتن؛ له بعض النسخ موجودة في جامعة أم القرى بمكة مكتبة مركز البحث العلمي قسم المخطوطات، ط. بتحقيق سمير بن أمين الزهري. وله ط أخرى بتحقيق سهيل زكار. ٣ - إسماعيل بن عيسى العطار (٢٣٢) له كتاب: الفتن. ٤ - عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (٢٣٥) له كتاب الفتن. ٥ - أخوه عثمان بن محمد بن أبي شيبة (٢٣٩) له كتاب الفتن. ٦ - حنبل بن إسحاق - ابن عم الإمام أحمد بن حنبل ت (٢٧٣) له كتاب الفتن. ٧ - أبو داود سليمان بن الأشعث ت (٢٧٥) له كتاب الملاحم. ٨ - أبو الحسن أحمد بن جعفر - ابن المناوي ت (٣٣٦) له كتاب الملاحم. ٩ - محمد بن الحسين الآجري ت (٣٦٠) له كتاب الفتن انظر الشريعة له ص ٤٤. ١٠ - أبو محمد عبد الله بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ ت (٣٦٩).

стр. 6

١١ - أبو الحسين علي بن محمد القابسي ت (٤٠٣) له المنبه للفطن من غوائل الفتن. ١٢ - عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ت (٦٠٠) هـ له أشراط الساعة. ١٣ - عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر؛ ليوسف بن يحيى السلمي من علماء القرن السابع. ١٤ - أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي المعروف بابن كثير ت (٧٧٤) هـ. ١٥ - أبو عمرو بن عثمان بن سعد الداني ت (٤٤٤) هـ له كتاب الستن الواردة في الفتن. ١٦ - الفتن لمحمد بن فطيس بن واصل الغافقي الألبيري ت (٣١٩) هـ. ١٧ - جزء فيه فوائد في مسائل من قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة" لأبي علي الجبائي ت (٤٩٨) هـ. ١٨ - الفتن لأبي محمد بن الوليد الطرطوشي ت (٥٢٠) هـ. ١٩ - أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي ت (٩٠٢) هـ القناعة فيما يحسن الإحاطة من أشراط الساعة وهو مطبوع. ٢٠ - الحصر والإشاعة في أشراط الساعة للسيوطي ت (٩١١) هـ. ٢١ - استطراد الظرفاء في شرح حديث الخلفاء أي الإثنا عشر لأحمد بن بابا التنبكي ت (١٠٣٦) هـ. ٢٢ - محمد بن عبد رب الرسول البرزنجي ت (١١٠٣) هـ الإشاعة

стр. 7

لأشراط الساعة وهو يشتمل على أحاديث ضعيفة كثيرة وما لا يصلح الاستدلال به. ٢٣ - مجموع في أحاديث الهدى لأبي العلاء إدريس العراقي ت (١١٨٣) هـ. ٢٤ - النواب صديق حسن خان القنوجي ت (١٣٠٧) هـ له الأذاعة لما كان وما يكون بين أشراط الساعة، مختصر كتاب: البرزنجي وقد تجنب فيه مصنفه إيراد كثير من الضعيف والموضوع، مطبوع. ٢٥ - بهجة الناظرين للشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي ت (١٠٣٣) هـ. ٢٦ - تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان. له أيضًا. ٢٧ - أبو غنم الكوفي له كتاب الفتن باسم العرف الوردي في أخبار المهدي. ٢٨ - شرح حديث إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس لأبي عبد الله الطيب بن كيران الفاسي (١٢٢٧). ٢٩ - نصر بن عبد المنعم التنوخي له كتاب: مختصر في الملاحم والفتن له نسخة خطية. ٣٥ - أصح ما ورد في المهدي وعيسى لمحمد بن حبيب الله الجكني الشنقيطي (١٣٣٦). هـ ٣١ - الجواب المقنع المحرر في الرد على من طغى وتجبر بدعوى أنه عيسى أو المهدي المنتظر له أيضًا. ٣٢ - المفهوم والمنطوق مما ظهر من الغيوب التي نبأ بها الصادق المصدوق لمحمد بن عبد السلام السابح ت (١٣٤٨) هـ.

стр. 8

٣٣ - أشراط الساعة وذهاب الأخيار وبقاء الأشرار لعبد الملك بن حبيب (٢٣٨). ومن المعاصرين: ٣٤ - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ له رسالة في إثبات نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان، وغيرها من الكتب النافعة والمفيدة. ٣٥ - الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀، إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن، والملاحم وأشراط الساعة. ٣٦ - الشيخ عبد الله بن جار الله الجار الله ﵀: إتحاف أهل الإِيمان بما يعصم من فتن هذا الزمان. ٣٧ - الشيخ عبد الله بن سليمان المشعلي له مجموع أخبار آخر الزمان وأسرار الساعة وما سيجري منه من الفتن والحروب. حياة المؤلف وعصره الحالة السياسية: عاش السفاريني ﵀ في القرن الثاني عشر في بلاد الشام، في الفترة ما بين (١١١٤ هـ-١١٨٨ هـ)، وكانت بلاد الشام لا تزال تحت الحكم العثماني، وإذا نظرنا إلى الدولة العثمانية في هذا العصر، نجدها أصبحت ضعيفة من بعد قوتها (... فقد تألبت عليها دول أوربا في هذا القرن، حتى انتزعت منها كثير من ممتلكاتها في أوربا، وكان سلاطينها من الضعف بمكان، فلم يكن لهم شيء من الأمر في الدولة، وإنما كان الأمر لوزرائهم، وكان أكثر هؤلاء الوزراء جهلاء؛ لا يعرفون شيئًا من أحوال

стр. 9

السياسة الدولية في هذا القرن، ولا يعرفون ما يجري حولهم، ولا يأخذون بشيء من الإصلاح والتجديد بل يجمدون على ما ألفوه ...) (١). وإذا أردنا أن نتعرف على حكم الشيخ السفاريني من حكام عصره، ولا شك أن السفاريني قد نشأ وتربى في هذا الجو السياسي والظروف القاسية قد عانى منها وأحس بوطئتها على من حوله. ولذا فإنه عندما اكتملت رجولته ووصل إلى درجة التأثير (نراه محاربًا للظلم والطغيان، صادعًا بكلمة الحق، لا يماري فيه، ولا يهاب أحداً، والجميع من أعيان بلده وأمرائه يهابونه، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر) (٢). الحالة الدينية: كان العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر يعاني من الجمود والانحطاط وقد تسربت الأدواء إلى الأخلاق والمجتمعات، وقبل المسلمون كثيرًا من العادات والشعائر والتقاليد الأعجمية غير الإسلامية. فقد انتشرت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت ملة الحنفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن .. فقد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق على غير الله من الأولياء والصالحين والأوثان، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون (٣).

стр. 10

وفي خضم هذا الفساد الاعتقادي، والابتعاد عن كتاب الله، وسنة النبي ﷺ الذي ساد العالم في القرن الثاني عشر، قيض الله له من يصحح لهذِه الأمة عقيدتها وسلوكها، ومن يبين هؤلاء الذين حملوا لواء الإصلاح الشيخ محمد السفاريني في بلاد الشام، ومن أبرز مظاهر تغييره للأوضاع الاعتقادية السائدة تأليفه في العقيدة السلفية، ومنها كتابه (لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية). الحالة العلمية: كان هذا العصر من الناحية العلمية يغلب عليه الجمود وعدم الابتكار، ويعلل بعض المؤرخين سبب هذا الانحطاط إلى الحكم الاستبدادي، والضرائب الفادحة، والتدهور الاقتصادي، والانهيار الاجتماعي، وهذِه الأمور لا تغري بالابتكار الشخصي في العلوم، فعصر الجمع والتعليق والاختصار والتقليد الذي بدأ قبل ذلك بقرون عديدة، واستمر في هذِه الأثناء، ولكن النتائج التي أعطاها كانت أقل وأضعف. ويصف الشيخ السفاريني الحالة العلمية التي عاشها في معرض حديثه عن إقدامه على شرح (ثلاثيات مسند الإمام أحمد) بعد تردد طويل، - بعد أن استقر رأيه على كتابة شرحه القيم - (... ولم يبق من آثار هذا البيان إلا حكايات تتزين بها الطروس ككان وكان، والعلم قد أفلت شموسه، ونقوضت محافله ودروسه، وربعه المأهول أمسى خاليًا، وواديه المأنوس أضحى موحشًا داويًا، وغصنه الرطيب غدا ذاويا، وبرده القشيب صار باليا. فالعالم الآن قلت مضاربه، وضاقت مطالبه، وعالت معاطيه، وسددت مذاهبه، فليس له في هذا الزمان ومنذ أزمان

стр. 11

إلا الألتجاء إلى عالم السر والإعلان ...) (١). فالحاصل: أن السمة البارزة للحياة العلمية في هذا العصر من حيث التأليف قد كانت عبارة عن الاختصار والنقل والتعليق والشرح والجمع وتكرار ما قاله السابقون، مع بعض الإضافات العلمية من ترجيح وتصويب خطأ، ونحو ذلك، ونجد هذِه السمة واضحة في مؤلفات الشيخ السفاريني مواكبة منه لروح العصر العلمية، وتأثرًا بالسائد فيه. ترجمة المُصَنِّف من كتاب "السحب الوابلة " هو العلامة مُحمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السَّفَّارِيني أبو العون، أو أبو عبد الله (١١١٤ - ١١٨٩ هـ) (٢). قلتُ: وترجمه العلامة محمد بن عبد الله بن حميد النجدي (ت ١٢٩٥) فقال في "السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة" (٣): مُحَمَّدُ بن أَحْمَدَ بن سَالِم بن سُلَيْمَان السَّفَّارِينيُّ، أَبُو العَوْنِ كَمَا قَالَهُ تِلْمِيذُهُ الكَمَال الغَزِّيِّ، مُفْتِي الشَّافِعِيَّة بِدِمَشق، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ -عَلى مَا قَالَهُ تِلْمِيذُهُ العَلَّامَةُ البَارعُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الحَنَفِيُّ فِي "شَرْحِ

стр. 12

القَامُوسِ" شَمْسُ الدِّينِ العَلَّامَة الفَهَّامَة، المُسْنِدُ، الحَافِظُ، المُتْقِنُ. نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ شَيْخِ مَشَايِخِي الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بن سَلُّوم مَا نَصُّهُ: وُلدَ سَنَةَ ١١١٤ بِقَرْيَتِهِ سَفَّارِينَ، فَقَرَأَ القُرْآنَ صَغِيرًا وَحَفِظَهُ وَأَتْقَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فَقَرَأَ العِلْمَ فِي الجَامِعِ الأُمَوِيِّ، عَلَى مَشَايخَ فُضَلاَءَ، وَأَئِمَّةٍ نبُلاَءَ، مَا بَيْنَ مَكِّيِّينَ، وَمَدَنِيِّين وَشَامِيِّينَ، وَمِصْرِيِّينَ، وَذَكَرَهُم فِي إِجَازَتهِ الكُبْرى لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ مُرْتَضَى. فَمِنْهُم فِي الحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَالْفَرَائِضِ، وَالأَصْلَيْنِ: العَلَّامَةُ خَاتمَةُ المحقِّقِينَ شَيْخُ المَذْهَبِ فِي عَصرهِ وَمِصْرِهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ التَّغْليُّ، وَالشَّيْخُ مُصْطَفَى بن عَبْدِ الحَقِّ اللَّبَدِيُّ، وَالشَّيْخُ عوَّاد بن عُبَيْدٍ الكوري، وَالشَّيْخُ طَهَ بن أَحْمَدَ اللَّبَدِيّ، وَالشيْخُ مُصْطَفَى بن الشَّيْخِ يُوسُف الكَرْمِيُّ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحِيم الكَرْمِيُّ، وَالْمُعَمَّرُ السَّيِّدُ هَاشِمٌ الحَنبَلِيُّونَ، وَفِي أَنْوَاعِ الفُنُونِ العَلَّامَةُ الفَهَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُ الغَنِيِّ النَّابُلُسيُّ، صَاحِب البَدِيعِيَّاتِ المَشْهُورَةِ والتَّاليفِ الجَلِيلَةِ، وَالْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ المَنِينيُّ، وَشَيْخُ الطَّرِيقَةِ السَّيِّدُ مُصْطَفَى البَكْرِيُّ، وَالْعَلَّامَةُ حَامِدُ أَفَندِي مُفْتِي الشَّامِ، وَالْحَافِظُ مُحَمَّد حَيَاة السِّندِيُّ ثم المَدَنِيُّ، وَالْمُعَمَّرُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمنِ المُجَلِّدُ الحَنَفِيُّ، وَالمُلَّا إِلْيَاسُ الكُرْدِيُّ، وَالْعَلَّامَةُ إِسْمَاعِيل جَرَّاح العَجْلُونِيُّ، وَالْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الغَزِّيُّ مُفْتي الشَّافِعِيَّةِ، وَقَرِيبُهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الغَزِّيُّ الذِي تَوَلَّى الإِفْتَاءَ بَعْدَهُ، وَالَشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ البَصْرَوِيُّ، وَالشَّيْخُ سُلْطَان المحاسِنِيُّ خَطِيبُ الجَامِعِ الأُمَوِيِّ وَغَيرُهُم، وَأَجَازُوهُ بِإِجَازَاتٍ مُطَوَّلَةٍ وَمُخْتَصَرَةٍ. وَبَرَعَ فِي فُنُونِ العِلْمِ، وَجَمَعَ بَيْنَ الأَمَانَةِ، وَالْفَقِهِ وَالدِّيَانَةِ وَالصِّيَانَةِ،

стр. 13

وَفُنُونِ العِلْمِ، وَالصِّدْقِ، وَحُسْنِ السَّمْتِ، وَالْخُلُقِ، وَالتَّعَبُّدِ، وَطُولِ الصَّمْتِ عَن مَّا لاَ يَعْني، وَكَانَ مَحْمُودَ السِّيرَةِ، نَافِذَ الكَلِمَةِ، رَفِيعَ المَنزِلَةِ عِندَ الخَاصِّ وَالْعَامِّ، سَخِيَّ النَّفْسِ، كَريمًا بِمَا يَمْلِكُ مُهَابًا، مُعَظَّمًا، عَلَيْهِ أَنْوَارُ العِلْمِ بَادِيَةً. وَصَنَّفَ تَصَانِيفَ جَلِيلَةً فِي كُلِّ فَنٍّ، فِمِنْهَا: "الْعَقِيدَةُ الفَرِيدَةُ" وَشَرْحُهَا الحَافِلُ، العَظِيمُ الفَوَائِدِ، الجَمُّ العَوَائِدِ، مُجَلَّدٌ ضَخْمٌ، شَرْحُ "فَضَائِلِ الأَعْمَالِ" لِلضِّيَاءِ المَقْدِسيِّ، "نَفَاثُ الصَّدْرِ المُكْمَدِ بِشَرْح ثُلاَثيَّاتِ المُسْنَدِ" وَعَدَدُهَا ٣٦٣، مُجَلَّدَانِ، "شَرْحُ عُمْدَةِ الأَحْكَامِ" مُجَلَّدَانِ (١)، "شَرْحُ نُونِيَّةِ الصَّرْصَريِّ" فِي السِّيرَةِ مُجَلَّدَان، "الْمُلَحُ الغَرَامِيَّةِ شَرْحُ مَنظُومَةِ ابن فَرَحِ اللامِيَّة"، "شَرْحُ الدَّليلِ" في الفِقْهِ وَصَلَ فِيهِ إِلَى الحُدُودِ، "الْبُحُورُ الزَّاخِرَةُ فِي عُلُومِ الآخِرَةِ لا مُجَلَّدَانِ (٢)، "تَحْبِيرُ الوَفَا فِي سِيرَةِ المُصطَفَى"، "غِذَاءُ الأَلْبَابِ بِشَرْحِ مَنظومَةِ الآدَاب" مُجَلَّدَانِ أَوْدَعَ فِيهِ مِنْ غَرَائبِ الفَوَائِدِ مَا لاَ يُوجُدُ فِي كِتَابِ، "دَرَارِي الذَّخَائِرِ شَرْحُ مَنظُومَةِ الكَبَائِرِ"، "قَرْعُ السِّيَاطِ فِي هَمْعِ أَهْلِ اللِّوَاطِ"، "الْجَوَابُ المُحَرَّرُ فِي كَشْفِ حَالِ الخَضِرِ وَالاسْكَندَرِ"، و"تُحْفَةُ النُّسَّاكِ فِي فَضْلِ السِّوَاك"، "التَّحْقِيقُ في بُطْلاَنِ التَّلْفِيقِ" رَدَّ بِهَا جَوَازَ التَّلْفِيقِ فِي العِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا لِلشَّيْخِ مَرْعِي، "الدُّرُّ المَنثُورُ فِي فَضْلِ يَوْم عَاشُور المأْثُورِ"، "اللُّمْعَةُ في فَضْلِ يَوْمِ الجُمْعَةِ"، "الْقَوْلُ العَلِيُّ شَرْح أَثَرِ سَيِّدِنَا الإِمَامِ عَلِيٍّ"، "نتَائِج الأَفْكَارِ شَرْحُ حَدِيثِ سَيِّدِ الاسْتِغْفَارِ" أَوْدَعَ فِيهِ غَرَائِبَ، نَحْو سَبْعِ كَرَارِيسَ، رِسَالَةٌ فِي بَيَانُ كُفْرِ تَارِكِ الصَّلاَةِ، رِسَالَةٌ الوَسْوَاس، رِسَاَلةٌ في شَرْحِ حَدِيثِ الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، رِسَالَةٌ

стр. 14

فِي فَضْلِ الفَقِيرِ الصَّابرِ، "مُنتَخَبُ الزُّهْدِ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ"حَذَفَ مِنْهُ المُكَرَّرَ وَالأَسَاييدَ، "تَعْزِيَةُ اللَّبَيب" قَصَيدَةٌ فِي الخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ. وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّحرِيرَاتِ وَالْفَتَاوى الحَدِيثيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ، وَالأَجْوِبَةِ عَلَى المَسَائِلِ العَدِيدَةِ، وَالتَّرَاجِمِ لِبَعْضِ أَصْحَابِ المَذْهَبِ. وبَالْجُمْلَةِ فَتَآلِيفُهُ نَافِعَةٌ مُّفِيدَةٌ مَقْبُولَةٌ، سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ وَانتَشَرَتْ في البُلْدَانِ؛ لأَنَّهُ كَانَ إِمَامًا مُّتْقِنًا، جَلِيلَ القَدْرِ، وَظَهَرَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ حَسَنَ التَّقْرِيرِ وَالتَّحْرِيرِ؛ لَطِيفَ الإِشَارَةِ، بَلِيغَ العِبَارَةِ، حَسَنَ الجَمْعِ وَالتَّأْلِيفِ؛ لَطِيفَ التَّرْتِيبِ وَالتَّرْصِيفِ، زِينَةَ أهْلِ عَصْرِهِ، وَنَقَاوَةَ أَهْلِ مِصْرِهِ، صَوَّامًا، قَوَّامًا، وِرْدُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سُتُّونَ رَكْعَةً، وَكَانَ مَتِينَ الدِّيَانَةِ؛ لاَ تَأْخُذُهُ في اللهِ لَوْمَةُ لاَئمٍ، مُحِبًّا لِلسَّلَفِ وَآثَارِهِمْ، بِحَيْثُ إِنَّهُ إِذَا ذَكَرَهُمْ أَو ذُكِرُواْ عِندَهُ لَمْ يَمْلِكْ عَيْنَيْهِ مِنَ البُكَاءِ، وَتَخَرَّجَ بِهِ وَانتَفَعَ خَلْقٌ كَثيرٌ مِنَ النَّجْدِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَغَيرِهِمْ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ ٨، أو سَنَة ١١٨٩. - انتَهَى - (١). قَال في "سلكِ الدررِ": بنابلس، ودفنَ بتربتهَا الشّماليةِ، ثم قالَ: وبالجملةِ فقد كانَ غُرة عصرهِ، وشامة مصره، ولم يظهرْ بعدهُ في بلادهِ، وكانَ يدعى للملمات، ويُقصد لتفريج المهمات (٢)، ذا رأيٍ صائبٍ، وفهمٍ ثاقبٍ، جسورًا على ردعِ الظالمينَ، وزجرِ المعتدينَ، إذا رأى مُنكَرًا أخذَتهُ رعدةٌ وعلاَ صوتهُ من شدةِ الحدةِ، وإذا سكنَ غيظهُ وبردَ قيظهُ يقطرُ رقةً ولطافةً، وحلاوةً وظرافةً، ولهُ البَاع الطويلُ في علمِ التاريخِ، وحفظَ وقائع الملوكِ والعلماءِ والأمراءِ والأدباءِ وما وقعَ في الأزمانِ السالفةِ، ويحفظُ من

стр. 15

أشعارِ العربِ العرباءِ، والمولدين شيئًا كثيرًا، وله شعرٌ لطيفٌ مِنه قوله: من لي بأنْ أَنظر إلى خِشْفِ بليلٍ مُعْتَكِرْ وأخُمُّهُ مِن غير شَفٍّ كَالضَّميرِ المُسْتَتِرْ ومنه: الصبرُ عِيلَ مِنَ القِلاَ ... وَالنَّفْسُ أَمْسَتْ فِي بَلاَ وَالْجَفْنُ جَفَّ مِنَ البُكَا ... وَالْقَلْبُ فِي الشِّجْوِ غَلاَ وَشَكَى اللِّسَانُ فَقَالَ فِي شـ ... كْوَاهُ لاَ حَوْلَ وَلاَ وَمنه قوله: أَحِبَّةَ قَلْي تَزْعُمُوا أنَّ حُبّكُمْ ... صَحِيحٌ فَإِنْ كُنتُمُ كَمَا تَزْعُمُواْ زُورُواْ وَأَحْيُواْ فَتًى فَتَّ الغَرَامُ فُؤَادَهُ ... وَإِلَّا فَدَعْوى حُبِّكُمْ كُلَّهَا زُورُ وذكرهُ تلميذهُ الكمالُ محمدُ العامريُّ الغزيُّ في كتابهِ "الورود الأنسيّ بترجمةِ الشيخِ عبدِ الغنِي النابلسيِّ" قال: وقد ترجمتهُ في معجمِي المسمَّى ب"إِتحاف ذوِي الرسُوخِ" وفي طبقاتِ الحنابلة المسماة بـ "النعتِ الأكملِ في ترجمةِ أصحابِ الإمامِ أحمدَ بن حنبل" بترجمةٍ طويلةٍ. قلتُ: وأخبرني بعضُ العلماءِ الصلحاءِ النابلسيِّينَ أنهُ لما أرادَ الرحلةَ إلى دمشق أتى به والدهُ إلى الشيخِ زيدٍ المشهور في بلادِ نابلس المنتسبِ إلى الشيخ عبدِ القادرِ الجيلانيِّ ليدعوَ لهُ - وكانَ معتقدًا في تلكَ الجهاتِ - فلما أخبراهُ بمطلوبهمَا دعا له وأوصاهُ وقال لهُ: إذَا وصلتَ دمشق تجد في الجامعِ الأموي على يمينكَ منَ الباب الفلانِي شخصًا صفتهُ كيت وكيت فبلغه منِّي السلامَ قلْ لهُ: يقولُ لكَ أَخوكَ زيدٌ: ادعُ لي فحينَ وصلَ رأى الشَّخص وعرفه بالصفةِ، وقال لهُ ما وصى بهِ الشيخُ زيدٌ، فقال

стр. 16

الشخص: الشيخُ زيدٌ لاحقني بتوصياتهِ في كلِّ بلدٍ أجيها، ودعا لهُ كثيرًا وبشرهُ بالفتوحِ العظيمِ، ومما ذكرهُ المترجمُ في إجازتهِ للسيدِ محمدٍ مُرتضى أن شيخهُ الشيخَ سلطان المحاسني وشى إليهِ بعضُ الوشاة بأني سئلتُ من أفضل الشيخُ المحاسنيُّ أو الشيخُ المنينيُّ؟ فزعمَ الواشي أني فضلتُ الشيخَ المنينيَّ عليهِ، فكتبَ لِي بهذِه الأبياتِ هِيَ: لاَ تَزْدَرِي العُلَمَاءَ بِالأَشْعَارِ ... وَتَحُطَّ قَدْرَا مِن أُولِي المِقْدَار أتَظُنُّ سَفَّارِينَ تُخْرِجُ عَالِمًا ... يُنشِي القَرِيضَ بِدِقَّةِ الأَنظَارِ هَلَّا أَخَذْتَ عَلَى الشُّيُوخِ تَأَدُّبًا ... كَيْ تَرْتَقِي دَرَجَ العُلاَ بِفَخَّارِ وَاللِّينُ مِنكَ لاحَ فِي مِرْآتِهِ ... لاَ زِلْتَ تَكْشِفُ مُشْكِلَ الأخْبَارِ فأجبتهُ بقولي: قُلْ لِلإِمَامِ مُهَذِّبِ الأَشْعَارِ ... مُنشِي القَرِيضَ وَمُسْنِدِ الأَخْبَارِ تَفْدِيكَ نَفْسِي يَا أَرِيبَ زَمَانِنَا ... يَا ذَا الحِجَى يَا عَالِيَ المِقْدَارِ مَنْ قَالَ عَنِّي يَا هُمَامُ بِأَنِّنِي ... أُزْرِي بِأَهْلِ الفَضْلِ وَالآثَارِ عَجَبًا لِمَن أضْحَى فَرِيدًا فِي الوَرى ... يُصْغِي لِقَوْلِ مُفَنِّدٍ مَكَّارِ مَقْصُودُهُ وَشْيُ الحَدِيثِ وَوَضْعُهُ ... فَقَبِلْتَهُ مِنْ غَيْرِ مَا إِنكَارِ وَغُدَوْتُ مُفْتَخِرًا عَلَى صَبٍّ إِذَا ... جَنَّ الظَّلاَمُ بِكَامِنِ الأكْدَارِ وَرَشَقْتَهُ بِسِهَامِ نَظْمٍ مُزْدَرٍ ... لِلنَّاسِ بِالتَّحْقِيرِ وَالإِصْغَارِ هَبْ أَنَ سَفَّارين لم تخرج فتًى ... ذَا فِطْنَةٍ بِنتَائِجِ الأَفْكَارِ أَيُبَاحُ عُجْبُ المَرْءِ يَا مَوْلاَيَ فِي ... شَرْع النَّبيِّ المُصْطَفَى المُخْتَارِ لاَ زِلْتَ فِي أَوْجِ المَكَارِمِ رَاقيًا ... تُنشِي القَرِيضَ بِهَيْبَةٍ وَوَقَارِ مَا حَرَّكَ الشَّوْقَ التَّلْيدَ صَبَابَة ... صَدْحُ الحَمَامِ وَنَغْمَةُ الهَزَّارِ

стр. 17

فجاء واعتذرَ وظنَّ أني لم أقبل عذره، فجاءَ يومًا بابنه وقال لهُ: قمْ قبِّل يد عمك يسمح لأبيك عن ما بدر منهُ، فقلت: أنا أرجو منكَ السماحَ. فقالَ: سبحانَ اللهِ قد استجزتَ علماءَ الشامِ وأهملتني مع مزيدِ الصحبةِ، فطلبتُ منهُ إجازةً فاحتفلَ في إجازةٍ مطولةٍ، فاخترمتهُ المنيةُ قبلَ وصولِها إلينا، رحمهُ اللهُ تعالَى ورضي عنهُ. أ. هـ من السحب الوابلة. التعريف بالكتاب ١ - عنوان الكتاب: إن أكثر النسخ الخطية التي وقفت عليها لهذا الكتاب، تتفق على تسميه ب "البحور الزاخرة في علوم الآخرة"، وقد صرح بهذِه التسمية في خطبة الكتاب، كما نجد المؤلف يذكر في بعض كتبه هذا الكتاب بهذا الاسم، فنراه في "لوامع الأنوار" عندما ذكر سؤال الملكين في القبر، يقول: "وقد ذكرنا في كتابنا "البحور الزاخرة في علوم الآخرة" ما لعله يشفي ويكفي (١). وعندما ذكر الدجال في "لوامع الأنوار" ذكره بهذا الاسم (٢). وفي "غذاء الألباب"؛ لما ذكر صفة النار، قال: "وقد ذكرنا من ذلك شافيًا وقسمًا وافيًا في كتابنا "البحور الزاخرة من علوم الآخرة" (٣). وعلى هذا جرى من ترجم للمؤلف، كالجبرتي (٤)، وابن حميد (٥)، والغزي (٦)، وغيرهم.

стр. 18

٢ - توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف: هناك أدلة كثيرة تؤكد صحة نسبة كتاب: "البحور الزاخرة في علوم الآخرة" للشيخ السفاريني، وهي كالآتي: أولًا: إن جميع نسخ الكتاب الخطية التي وقفت عليها تؤكد صحة نسبة هذا الكتاب للسفاريني، وإنه من تأليفه، وذلك مما كتب على ظهرها وفي أثنائها، وفي آخر ورقة منها. ثانيًا: أن السفاريني يذكر كتابه هذا في بعض مؤلفاته، فنراه في كتابه "غذاء الألباب"، يصفه بقوله: هو كتاب جليل المقدار، اشتمل على الموت والبرزخ والمحشر والموقف والجنة والنار، وغير ذلك من أحوال الآخرة، وفيه نفائس العلوم وجواهر المنطوق والمفهوم درر فاخرة. ومن عيناه بـ "البحور الزاخرة". فإنه اسم يوافق مسماه، ولفظ يطابق معناه (١). وذكره في كتابه: "شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد" في عدة مواضع، منها: أنه لما ذكر أحاديث الدجال، قال: وقد فصلت هذا وبينته مع الجمع بين الأحاديث المختلفة في ذلك في كتابي "البحور الزاخرة في علوم الآخرة" (٢). ويذكر في كتابه "لوامع الأنوار البهية" في مواضع مختلفة، منها: أنه لما تحدث عن فتنة القبر قال: وقد ذكرنا في كتابنا: "البحور الزاخرة في علوم الآخرة" ما لعله يشفي يكفي (٣). ثالثًا: أن الشيخ محمود الألوسي -صاحب "تفسير روح المعاني"-

стр. 19

ينقل من كتاب "البحور الزاخرة" وينسبه للشيخ السفاريني، ومن ذلك قوله أثناء ذكره الروايات الواردة في وصف الدابة التي تخرج في آخر الزمان، يقول: وقد تصدى السفاريني في كتابه "البحور الزاخرة" للجمع بين هذِه الروايات المتعارضة" (١). وفي موضع آخر أثناء كلامه عن أشراط الساعة والرد على القائلين بتحديد وقت قيامها، يقول: نقله السفاريني في "البحور الزاخرة" (٢). رابعًا: أن الشيخ صديق حسن خان، في كتابه "الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة" ينسب كتاب "البحور الزاخرة" إلى السفاريني (٣). خامسًا: أن الشيخ نعمان بن محمود الألوسي يذكر في بعض مؤلفاته هذا الكتاب منسوبًا إلى الشيخ السفاريني، ومن ذلك قوله في كتابه "الآيات البينات": قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في كتابه "البحور الزاخرة في أحوال الآخرة" (٤). ٤ - تاريخ تأليف الكتاب: جاء في آخر ورقة من المخطوطة التي كتبها المؤلف بقلمه ما نصه: "ووافق الفراغ من تبييضه نهار الخميس لثلاثة وأربعين ومائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام آمين آمين". ٥ - موضوعات الكتاب: اشتمل الكتاب على خطبة الكتاب والمقدمة وخمسة كتب وخاتمة.

стр. 20

خطبة الكتاب: وقد ذكر فيها المؤلف ﵀ أهمية الكتابة عن الحياة الآخرة، ودوافع التأليف، واستطرد فيها بذكر فصل في "مثالب الحسد" لخاطر خطر له. مقدمة الكتاب: وهي في ذكر الموت وما يتعلق به، والكلام على الروح بالتفصيل، وجعلها في سبعة فصول وخاتمة. الكتاب الأول: في البرزخ. وقد قسمه إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، وضمن ذلك تنبيهات وفوائد، وقد ذكر في هذا الكتاب ما يتعلق بالقبر وساكنيه، فذكر أهوال القبور، وعذاب القبر ونعيمه، وأدلة ثبوته، وشبهات المنكرين له، والرد عليها، وذكر تلاقي الأرواح في البرزخ، ومحل الأرواح بعد خروجها من البدن، وعن زيارة القبور. الكتاب الثاني: في أشراط الساعة. وجعله في ثلاثة أبواب. تحدث في الباب الأول عن أشراط الساعة التي مضت وانقضت. وفي الباب الثاني: تكلم عن أشراط الساعة الوسطى بأدلتها. وفي الباب الثالث: ذكر أشراط الساعة الكبرى، وختم هذا الكتاب بالكلام على نفختي الفزع والصعق، وأحوال الكون عند ذلك. الكتاب الثالث: وهو خاص بالمحشر، وما يتعلق به، وقد ذكر في هذا الكتاب الحشر والنشر، والوقوف في المحشر، وأحوال الناس في ذلك، والحساب والصراط، والحوض والشفاعة، والرؤية، وغير ذلك من مشاهد القيامة بأدلتها وتفاصيلها. الكتاب الرابع: في ذكر الجنة وصفاتها، وصفات أهلها، وأطال الكلام على ذلك بالتفصيل. الكتاب الخامس: في ذكر النار وفي صفاتها، وصفات أهلها، وذكر

стр. 21

حال الموحدين في النار، وخروجهم منها برحمة الله وشفاعة الشافعين. الخاتمة: في فضل التوبة إلى الله، وذكر الأدلة على فضلها، وفي لزوم محبة الله تعالى، وأحوال أهلها، وبهذا تم الكتاب. والله أعلم. ٦ - منهج المؤلف في الكتاب: ١ - رتب المؤلف الكتاب ترتيبًا حسنًا، وقسمه إلى كتب، والكتب إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، وضمن بعضها تنبيهات وفوائد. ٢ - استقى المؤلف مادة الكتاب من القرآن الكريم، ومن السنة الشريفة، ومن بعض كتب التفسير، وشروح السنة، والعقائد، والتواريخ والسير، وكتب الزهد والوعظ واللغة والأدب والفقه، كما يظهر ذلك من مراجعة المصادر التي رجعت إليها في توثيق نصوص الكتاب، وهو غالبًا يصرح بعزو المعلومات إلى مصادرها ذاكرًا الكتاب ومؤلفه، أو أحدهما. ٣ - النقل والجمع والاختصار سمة بارزة ومنهج سار عليه المؤلف، وقد يعلق -أحيانًا- على بعض المسائل، مشيرًا إلى ذلك بقوله: قلت. وتارة يعرض المسألة وأقوال العلماء فيها، ولا يرجح شيئًا منها. وأحيانًا يحقق بعض المسائل، ويرجع فيها إلى المراجع الكثيرة. ٤ - أسلوبه في هذا الكتاب هو أسلوب المصادر التي اعتمد عليها مع بعض التصرف، ويظهر ذلك جليًا في إرجاع المعلومات إلى مصادرها، فنجد الفروق يسيرة. ٥ - عندما يذكر مسألة أو دليلًا لأي منها تكملة تقدمت أو ستأتي، يشير إلى ذلك غالبًا بأنه: سبق أو سيأتي. ٦ - ينقل أحيانًا نصوصًا فيها مبالغة كبيرة بدون نقد ولا تمحيص، ولعله جرى في هذا على ما صرح به في بعض كتبه من أنه يخلي نفسه من التبعة بالعزو، فهو يقول: "وعزوت -غالبًا- كل قول لقائله؛ لأخرج من

стр. 22

معرة تبعة مسائله" (١). ومن أمثلة ذلك: نقله للحوادث الواقعة قبل خروج المهدي، وفيها مبالغة، وكذا الروايات الواردة في أوصاف "يأجوج ومأجوج". وغيرها. ٧ - لديه ملكه شعرية. فهو يورد شيئًا من ذلك في بعض المناسبات. ٨ - يختم بعض الأبواب والفصول بالدعاء والتوجه والتضرع إلى الله . علمًا بأن بعض تلك الفصول بدون عنوان. ٩ - للمؤلف ﵀ في هذا الكتاب اصطلاحًا سار عليه، عرف بالتتبع والاستقراء. فمراده: من قوله (إمامنا): الإمام أحمد بن حنبل. ومن قوله (علماؤنا أو الأصحاب): علماء الحنابلة. ومن قوله (شيخ الإسلام): مراده تقي الدين أحمد بن تيمية. ومن قوله (المحقق): مراده ابن القيم. ومن قوله (الحافظ): مراده ابن رجب. ومن قوله (العلامة): مراده مرير بن يوسف الكرمي الحنبلي. ١٠ - للمؤلف اجتهادات خاصة كما في ص ٢٣٠ وص ٢٤١. ٧ - بعض المآخذ على الكتاب: أولًا: إيراده لبعض الروايات والحكايات التي فيها مبالغة، وتحتاج إلى نظر، ولا يتكلم عليها بشيء، اعتمادًا على عزوها إلى من ذكرها. ثانيًا: تساهله في إيراد بعض الأحاديث الواضحة الضعف الشديد، بل والموضوع، وبعضها في ثبوته نظر، ويحتاج إلى تدقيق وتمحيص، دون التنبيه على ذلك غالبا.

стр. 23

وقد حاولت قدر الإمكان بيان درجة الحديث معتمداً على ما قاله أهل هذا الشأن -وربما اكتفيت بالعزو إلى مصادرها. وبالله التوفيق

стр. 24

وصف النسخ الخطية اعتمدت في إثبات نص هذا الكتاب على أربع نسخ خطية: ١ - النسخة الأولى: وهي بخط المؤلف ومكانها المكتبة الظاهرية بدمشق برقم ٥٣٩٦ - ٥٣٩٧ تصوف ويقع الجزء الأول في ٢١٠ ورقة، والثاني في ١٥٧ ورقة. ورمزت لها بالرمز (ط). ٢ - النسخة الثانية: وهي بدار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم ٣٥٨٧ تصوف، وكتبت بخط رقعة وعدد أوراقها ٤٥٢ ورمزت لها بالرمز (أ)، وهي نفس النسخة الآتية. ٣ - النسخة الثالثة: وتقع في ٨٨٦ صفحة بقلم حفيد المؤلف سعيد السفاريني وانتهى منها لستة عشر مضت من شهر صفر الخير سنة ثلاثة وأربعين ومائتين وألف وهي مصورة من المكتبة الخاصة لفضيلة الشيخ علي بن إبراهيم بن صالح بن حمود المشيقح وقد عرفني بها ابنه الشيخ فهد. ورمزت لها بالرمز (ب). وخطها جميل وواضح. ٤ - النسخة الرابعة: مخرومة وخطها رديء ولم أستفد منها شيء. ٥ - النسخة الخامسة: المطبوعة في المطبعة العمومية في الهند سنة ١٣٤١ ومقدار ما طبع منها قدر ربع الكتاب في مجلد واحد وانتهى إلى نفخة الصعق وعنوانها "البحور الزاخرة في علوم الآخرة".

стр. 25

بيان عملي في الكتاب يتلخص فيما يلي: ١ - نسخ الكتاب من المخطوط ، معتمداً في ذلك نسخة المكتبة الظاهرية وهي النسخة الأصل، مع الإشارة إلى بدايات كل صفحة من أوراقها مشيراً إلى أرقام الصفحات [أ] مراعياً في ذلك القواعد الإملائية الحديثة في رسم الكلمات التي جاءت مخالفة كـ: مسئلة، مشايخ، وغيرها فقد كتبتها وفق الرسم الحديث لتظهر "مسألة، مشائخ"، أيضًا: إضافة ما كان في هامش النسخ وكتب عليه علامة "صح" إلى صلب الكتاب، أيضاً: تصحيح الكلمة المخالفة للفصيح وإضافة النقط للكلمات التي أهمل نقطها وكتابة الكلمات كتابة نحوية صحيحة إذا ورد ذلك وهو قليل. ٢ - الاجتهاد في المقابلة بين النسخ وإثبات الفروق في الهامش ، لإكمال السقط، ورمزت لكل نسخة برمز هي موضحة في نماذج صور المخطوطات، متبعًا ما يأتي: (أ) إذا وجدت اختلاف بين النسخ فإنني أجتهد حسب الطاقة في اختيار الصواب في صلب الكتاب معتمدًا في ذلك على مرجحات منها: تناسب السياق، أو مناسبة الكلام وغير ذلك، وإذا تم ذلك أثبته في النص مع الإشارة إلى خلافه وإلى ما تم اختياره من النسخ. (ب) الإشارة إلى ما سقط من النسخ في الهامش. (ج) إصلاح التصحيف في النسخة الأصلية وذلك بالرجوع إلى النسخ الأخرى، أو التنبيه على ذلك بما توصلت إليه من المصادر. (د) إضافة ما ترجح عندي أنه ساقط من الأصل في النسخ أو من

стр. 26

المصادر التي رجع إليها المؤلف، وغالبًا ما أكتفي بالإشارة إلى ذلك، وما أهمل استدركته من مصادر المؤلف كما في ص ٦٣٤ وص ٧٤٥. ٣ - جرت عادة النساخ بالاختلاف في الكتابة للصلاة على النبي ﷺ أن يقتصروا على قولهم "﵇" ولا يذكروا الصلاة ، في بعض الأحيان لا يذكروا لفظ التسليم فخوفاً من إطالة الحاشية فإنني قد اقتصرت على ما في النسخة الام معرضاً عن هذا الاختلاف ولم أشر إليه في الهامش لكثرته، إلَّا قليلاً في بداية الكتاب. ٤ - وجود كلمات لم أستطع قراءتها ولا المراد منها أو طمس ، فاضعها بين قوسين وأشير في الهامش إلى معناها أو أجتهد في تقدير الكلمة المطموسة في الهامش. ٥ - عزو الآيات القرآنية الواردة في النص إلى موضعها في المصحف . ٦ - عزو الأحاديث التي وردت في الكتاب إلى مواضعها في غير الصحيحين من كتب السنة المشهورة سواء ورد بلفظه كاملاً أو بمعناه. ٧ - الاجتهاد في البحث للحكم على الأحاديث التي لم يحكم عليها ابن السفاريني أو أطلب ما يؤيد حكمه وذلك معتمداً في النقل على فحول علماء هذا الشأن ٨ - توثيق النقول التي ينسبها المؤلف إلى أصحابها ، وإذا لم يصرح فإنني أبحث عن ذلك للوقوف عليه وهذا قليل ولم يفوتني ذلك إلَّا نزراً يسيراً وهذا يرجع إلى عدة أسباب إما عدم طبع الكتاب أو ندرته وعدم وجوده. ٩ - ترجمت لبعض الأعلام الواردين في النص ترجمة مختصرة. ١٠ - ضبط ما يشكل على القارئ قراءته أو يلتبس عليه بالشكل مع شرح بعض الكلمات اللغوية.

стр. 27

١١ - وضع الفواصل بين الكلمات وعلامات الترقيم المتفق عليها حديثًا ليستقيم المعنى. ١٢ - ربط الكتاب بمواضيعه وأحاديثه بعضه بعضًا وذلك برصد الإحالات إلى المواضيع التي مرت بها إلا ما ندر وهذا قليل. ١٣ - وضع فهارس عامة للكتاب حسب ما ورد في صلب الكتاب. ١٤ - التنبيه على أخطاء المؤلف في العقيدة ، وهي كثيرة فمنها على سبيل المثال في الصفحات التالية: ٤٧٦، ٤٧٧، ٤٩١، ٥٠٥، ٥٠٧، ٥٣٩، ٦٨٢، ٦٨٥، ٧٤٥، ٧٦٨، ١١٨٤، ١٤١٨، ١٤٤٣، ١٤٦٧، ١٥١٠، ١٥١٩، ١٥٢٦، ١٥٣٥، ١٥٣٩، ١٥٦٩، ١٥٧١، ١٥٨١، ١٦٠١. ويقابلها في الطبعة التي صدرت الصفحات التالية/ حسب الأولوية في طبعتي بأجزائها همثلاً عندي ص ٤٧٦ في الطبعة الصادرة (٤٠١/ ١) وهكذا إلى آخر التنبيهات (٤٠٣/ ١) (٤١٤/ ١) (٤٢٥/ ١) (٤٢٧/ ١) (٤٥٠/ ١) (٥٦٥/ ١) (٥٦٨/ ١) (٦١٥/ ١) (٦٣٧/ ١) (٢٥٠/ ٢) (٤٥٦/ ٢) (٤٧٩/ ٢) (٤٩٨/ ٢) (٥٣٢/ ٢) (٥٣٩/ ٢) (٥٤٤/ ٢) (٥٥١/ ٢) (٥٥٤/ ٢) (٥٧٩/ ٢) (٥٨١/ ٢) (٥٨٩/ ٢) (٦٠٧/ ٢). ١٥ - نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وأئمة الدعوة ﵏ - وترجيح ما رآه في كثير من المسائل. وفي النهاية فإنني أشكر كل من ساعدني في إنجاز هذا العمل، وهم كُثر، فجزاهم الله عني خير الجزاء، وقد يفوتني بعض العزو إلى من نقلت

стр. 28

عنه فأرجو من القارئ أن يعذرني في التقصير على ذلك وأن ينبهني إلى وجود خطأ لاستدراكه في الطبعات القادمة إن شاء الله. نسأل الله سبحانه أن يجزي الجميع خيرًا وأن يضاعف أجورنا ويغفر لنا سيئاتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (١). وكتبه أبو أحمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن حمود المشيقح في مدينة بريدة، حرسها الله من كل سوء وبلاد المسلمين

стр. 29

ورقة من النسخة (ط) بخط المصنف

стр. 30

الورقة الأولى من نسخة الظاهرية ٣٥٨٧ (أ)

стр. 31

الورقة الأولى من نسخة (ب)

стр. 32

نموذج من النسخة الرابعة

стр. 33

البحور الزاخرة في علوم الآخرة تأليف الشيخ الإمام العالم العلامة خاتمة المحققين وخلاصة المدققين سيدي الشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الحنبلي عامله الله بلطفه الخفي ورحمه رحمة واسعة آمين الجزء الأول طبع على نفقة المحسن الشهير الموفق لكل خطير الحاج مقبل بن عبد الرحمن الذكير وفقه الله إلى نشر أمثاله من الأعمال النافعة وأثابه على ذلك الثواب الجزيل طبع في المطبعة العمومية لصاحبها خالد بن محمد الفرج بومباى (الهند) سنة ١٣٤١ هجرية [صفحة العنوان من المطبوع]

стр. 34

بحمده تعالى تم طبع الجزء الأول من كتاب البحور الزاخرة للإمام السفاريني على نفقة ذي الخيرات والمبرات (الحاج مقبل الذكير) بتصحيح ومراقبة خالد بن محمد الفرج صاحب المطبعة العمومية مراعيًا للنسخة الأصلية مع ما فيها من تحريف الناسخ بقدر الإمكان وصار الفراغ من طبعه في غرة شعبان سنة ١٣٤١ هجرية أعاننا الله على إكماله [الصفحة الأخيرة من المطبوع]

стр. 35

البحور الزاخرة في علوم الآخرة تأليف الإمام العالم العلامة محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الحنبلي رحمة الله تعالى عليه (١١١٤ هـ - ١١٨٨ هـ) حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه عبد العزيز أحمد بن محمد بن حمود المشيقح غفر الله له ولوالديه ولذريته ولمشائخه ولجميع المسلمين [المجلد الأول]

стр. 36

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله الذي قهرَ بالموتِ العباد، وأذل به رقاب أهل التجبر والعناد، وجعله تذكرة لأهل المعرفة والسداد، وسوى به بين الشريف والخسيس، والقريب والنائي (١)، وشرح صدور عباده المتقين، وألهمهم المعرفة والرشاد، وأحيا بذكره قلوب المخلصين، وعمرها بحبه وشاد، وجعل زبدة أعمالهم السكون لعظمته والانقياد، وأقام لهم من يدعوهم إلى منازل الأفراح فذلك حادي الأرواح والأجساد، وأبهج وجوههم بنور معرفته فأصبحوا كالبدور السافرة، فمن اقتدى بهم ساد، وجعل لهم السعادة في الدنيا والعاقبة في الأُخرى، يوم النفخ والتناد، وجعل قلوبهم قبور أسراره، وصدورَهم محشر نوره الوقَّاد. فسبحانه مِن إله تفرَّد بالعظمة والبقاء والإيجاد، وقضى على عباده بالسعادة والشقاء، فكم من متكبر أباد، وجعل الدور ثلاثة طيبة لأهل الطاعة والازدياد، وخبيثة لأهل الكفر والإلحاد، / أ/ ومَشوبة بهما امتحانًا لتظهر الحكمة من الكريم الجواد. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أقواله، ولا في أفعاله، فهو المنزه عن الصاحبة والأولاد، شهادة عبد مذنب قد قالها من صميم الفؤاد، وادَّخرها عند مَن لا تضيع لديه الودائع يومَ تذوبُ الأكباد.

стр. 37

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وحبيبه وخليله النبي الهاد، الذي أرسله رحمة للعالمين فأظهر الحق وأباد الفسَاد صلئ الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه الأئمة الأمجاد، صلاةً وسلاما دائمين ما دامت السموات والأرض، والبياض والسواد، وعلى العلماء العاملين، والأئمة المجتهدين الذين بذلوا نفوسهم النفيسة في مرضاتك، وجاهدوا حق الجهاد. أما بعد: فلما كانت فوائد العلوم لا تحصى، وعوائده لا تستقصى، إذ هو البحر لكن لا ساحل له، والفضاء الذي لا نُدرك آخره ولا أوله، وكنت قد انقطعت للاشتغال بالعلوم الشرعية النقلية، وعكفت على التقاط الفوائد الذهنية العقلية. غير أني جعلت جُلَّ مطلوبي، وغاية مقصودي ومرغوبي علم الحديث الذي عليه المعول (١) في القديم والحديث، إذ مبنى الشريعة عليه، وقواعد الدين موكولة إليه، كونه كلام الحبيب المختار، وحديث نور الأنوار؛ لاشك عند العقلاء والنظار، أن الحبيب يهوى كلام محبوبه في سائر الأطوار. شعر: لم أسع في طلب الحديث لسمعة ... أو لاجتماع قديمه وحديثه لكن إذا فات المحب لقاءَ مَنْ ... يهوى تعَلَّل باستماع حديثه فلما خالطت بشاشتُه قلبي، ومازجت حلاوته لبي صنفت فيه كتابي المسمى ب (تحبير الوفَاء، في سيرة المصطفى) وألفت فيه

стр. 38

رسائل ومقدمات/ ١/ تزيد على عشرة من المختصرات. ثم إني عزمتُ على جمع كتاب في أحوال الآخرة، بعد أن تتبعت الكتب المؤلفة في هذا الباب (١)، واطلعت على ما فيها من العجب العجاب، فاجتهدت في جمعه وترتيبه، وتفصيله وتبويبه، فصار للمحزون سلوة، وللمشتاق جلوة، محرك المّلوب إلى أجلِّ مطلوب، وباعث النفوس إلى مجاورة الملك القدوس؛ لا يسأمُه الجليس، ولا يمله الأنيس، مشتمل من بديع الفوائد، وفرائد القلائد على ما يعسر تحصيله على الطلاب في سوى هذا الكتاب، إذا نظر فيه المؤمن زاده إيمانًا، وجلا عليه الآخرة حتى كأنه يشاهدها عيانًا، فهو مثير النفوس إلى مجاورة الملك القدوس، وزاجر الهمم الدنيات، عن اقتراف المعاصي والشبهات، وسميته ب: (البحور الزاخرة في علوم الآخرة) فإنه اسم يوافق مسماه، ولفظ يوافق معناه، والله يعلم ما به قصدت، وما بجمعه وتأليفه أردت، فهو عند لسان كل عبد وقلبه، وهو المطلع على نيته وكسبه، فيا أيها الناظرُ فيه لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك صفوه، وعليه هفوه، وهذه بضاعته المزجاة تعوض عليك، وبنات أفكاره تزف إليك. فإن صادفت كفؤاً كريمًا؛ لن تعدم منه إمساكًا بمعروف أو

стр. 39

تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره، فَالله المستعان، وعليه التكلان، ولا ريب أن الحسود لا يُنصف، والعدو في نظره متعسف شعر: وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلة كما أن عين السُّخطِ تبدي المساويا (١) ومَا كان في هذا الكتاب من صواب، همن الله ورسوله، وخلفائه العلماء، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، / ٢/ والله بَرَيء منه ورسوله، ويأبي الله العصمة لغير كتابه المجيد والسعيدُ مَنْ عُدت هفواته في جنب صوابه. فصل وقد خطر لي أن أذكر في صدر كتابي هذا بعض مثالب الحسد: أخرج القاسم بن أصبغ وأبو بكر بن أبي شيبة عن الزبير بن العوّام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاءُ هي الحالقة؛ لا أقول إنها تحلق الشعر لكن تحلُقُ الدّين، والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أونبئكم بما يثبت ذلك أفشوا السلام بينكم"، ورواه الترمذي والإمام أحمد وهو صحيح (٢).

стр. 40

وفي الحديث: "إن الغلَّ والحسدَ يأكلان الحسناتِ كما تأكلُ الجمرةُ (١) الحطبَ" (٢). وصح عنه ﷺ : "لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانا" (٣). وفي الخبر: "إن لنِعم الله أعداء، قيل: من أعداء نِعم الله؟ (٤) " [قيل: ومَن يُعادي نعم الله، يا رسول الله قال: "الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فَضْله" (٥). وقال معاوية: يا بنيّ إيّاك والحسد، فإنه يبين فيك قبل أن يبين في محسودك.
следующие страницы →