← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 132973

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

السفاريني

Полный текст (1 621 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله الذي قهرَ بالموتِ العباد، وأذل به رقاب أهل التجبر والعناد، وجعله تذكرة لأهل المعرفة والسداد، وسوى به بين الشريف والخسيس، والقريب والنائي (١)، وشرح صدور عباده المتقين، وألهمهم المعرفة والرشاد، وأحيا بذكره قلوب المخلصين، وعمرها بحبه وشاد، وجعل زبدة أعمالهم السكون لعظمته والانقياد، وأقام لهم من يدعوهم إلى منازل الأفراح فذلك حادي الأرواح والأجساد، وأبهج وجوههم بنور معرفته فأصبحوا كالبدور السافرة، فمن اقتدى بهم ساد، وجعل لهم السعادة في الدنيا والعاقبة في الأُخرى، يوم النفخ والتناد، وجعل قلوبهم قبور أسراره، وصدورَهم محشر نوره الوقَّاد. فسبحانه مِن إله تفرَّد بالعظمة والبقاء والإيجاد، وقضى على عباده بالسعادة والشقاء، فكم من متكبر أباد، وجعل الدور ثلاثة طيبة لأهل الطاعة والازدياد، وخبيثة لأهل الكفر والإلحاد، / أ/ ومَشوبة بهما امتحانًا لتظهر الحكمة من الكريم الجواد. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أقواله، ولا في أفعاله، فهو المنزه عن الصاحبة والأولاد، شهادة عبد مذنب قد قالها من صميم الفؤاد، وادَّخرها عند مَن لا تضيع لديه الودائع يومَ تذوبُ الأكباد.

стр. 37

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وحبيبه وخليله النبي الهاد، الذي أرسله رحمة للعالمين فأظهر الحق وأباد الفسَاد صلئ الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه الأئمة الأمجاد، صلاةً وسلاما دائمين ما دامت السموات والأرض، والبياض والسواد، وعلى العلماء العاملين، والأئمة المجتهدين الذين بذلوا نفوسهم النفيسة في مرضاتك، وجاهدوا حق الجهاد. أما بعد: فلما كانت فوائد العلوم لا تحصى، وعوائده لا تستقصى، إذ هو البحر لكن لا ساحل له، والفضاء الذي لا نُدرك آخره ولا أوله، وكنت قد انقطعت للاشتغال بالعلوم الشرعية النقلية، وعكفت على التقاط الفوائد الذهنية العقلية. غير أني جعلت جُلَّ مطلوبي، وغاية مقصودي ومرغوبي علم الحديث الذي عليه المعول (١) في القديم والحديث، إذ مبنى الشريعة عليه، وقواعد الدين موكولة إليه، كونه كلام الحبيب المختار، وحديث نور الأنوار؛ لاشك عند العقلاء والنظار، أن الحبيب يهوى كلام محبوبه في سائر الأطوار. شعر: لم أسع في طلب الحديث لسمعة ... أو لاجتماع قديمه وحديثه لكن إذا فات المحب لقاءَ مَنْ ... يهوى تعَلَّل باستماع حديثه فلما خالطت بشاشتُه قلبي، ومازجت حلاوته لبي صنفت فيه كتابي المسمى ب (تحبير الوفَاء، في سيرة المصطفى) وألفت فيه

стр. 38

رسائل ومقدمات/ ١/ تزيد على عشرة من المختصرات. ثم إني عزمتُ على جمع كتاب في أحوال الآخرة، بعد أن تتبعت الكتب المؤلفة في هذا الباب (١)، واطلعت على ما فيها من العجب العجاب، فاجتهدت في جمعه وترتيبه، وتفصيله وتبويبه، فصار للمحزون سلوة، وللمشتاق جلوة، محرك المّلوب إلى أجلِّ مطلوب، وباعث النفوس إلى مجاورة الملك القدوس؛ لا يسأمُه الجليس، ولا يمله الأنيس، مشتمل من بديع الفوائد، وفرائد القلائد على ما يعسر تحصيله على الطلاب في سوى هذا الكتاب، إذا نظر فيه المؤمن زاده إيمانًا، وجلا عليه الآخرة حتى كأنه يشاهدها عيانًا، فهو مثير النفوس إلى مجاورة الملك القدوس، وزاجر الهمم الدنيات، عن اقتراف المعاصي والشبهات، وسميته ب: (البحور الزاخرة في علوم الآخرة) فإنه اسم يوافق مسماه، ولفظ يوافق معناه، والله يعلم ما به قصدت، وما بجمعه وتأليفه أردت، فهو عند لسان كل عبد وقلبه، وهو المطلع على نيته وكسبه، فيا أيها الناظرُ فيه لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك صفوه، وعليه هفوه، وهذه بضاعته المزجاة تعوض عليك، وبنات أفكاره تزف إليك. فإن صادفت كفؤاً كريمًا؛ لن تعدم منه إمساكًا بمعروف أو

стр. 39

تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره، فَالله المستعان، وعليه التكلان، ولا ريب أن الحسود لا يُنصف، والعدو في نظره متعسف شعر: وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلة كما أن عين السُّخطِ تبدي المساويا (١) ومَا كان في هذا الكتاب من صواب، همن الله ورسوله، وخلفائه العلماء، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، / ٢/ والله بَرَيء منه ورسوله، ويأبي الله العصمة لغير كتابه المجيد والسعيدُ مَنْ عُدت هفواته في جنب صوابه. فصل وقد خطر لي أن أذكر في صدر كتابي هذا بعض مثالب الحسد: أخرج القاسم بن أصبغ وأبو بكر بن أبي شيبة عن الزبير بن العوّام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاءُ هي الحالقة؛ لا أقول إنها تحلق الشعر لكن تحلُقُ الدّين، والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أونبئكم بما يثبت ذلك أفشوا السلام بينكم"، ورواه الترمذي والإمام أحمد وهو صحيح (٢).

стр. 40

وفي الحديث: "إن الغلَّ والحسدَ يأكلان الحسناتِ كما تأكلُ الجمرةُ (١) الحطبَ" (٢). وصح عنه ﷺ : "لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانا" (٣). وفي الخبر: "إن لنِعم الله أعداء، قيل: من أعداء نِعم الله؟ (٤) " [قيل: ومَن يُعادي نعم الله، يا رسول الله قال: "الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فَضْله" (٥). وقال معاوية: يا بنيّ إيّاك والحسد، فإنه يبين فيك قبل أن يبين في محسودك.

стр. 41

وقال ابن عبد الملك: وأظلم من في الأرض من بات حاسدًا لمن كان في نعمائه يتقلب (١) وقال بعض الحكماء: إياكم والحسد، فإن الحسد أوّل ذنب عصى الله به في السماء، وأوّل ذنب عُصي الله به في الأرض، يشيرُ إلى إبليس وقابيل. وقال الأحنف بن قيس: لا راحة لحسود ولا وفاء لبخيل، ولا صديق لملول، ولا مرؤة لكذوب، ولا سُؤْدد لسيء الخلق (٢). وقال محمد بن سيرين: ما حسدت أحدًا على شيء من الدّنيا، فإن كان من أهل الجنّة فكيف أحسده وهو صائرٌ إلى الجنّة؟! وإنْ كان من أهل النار فكيف أحسده وهو/٣/ صائرٌ إلى النار؟! وقال الحسنُ البصري: يا ابن آدم لِمَ تحسدُ أخاك؟ فإن كان الذي أعطاه الله إياه لكرامته فلم تحسد مَنْ أكرمه الله؟ وإن كان غير ذلك، فلا ينبغي لك أن تحسد مَن مصيره إلى النار. (٣) وقال بعضهم: ليس شيء أضرّ من الحسد، يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن تصل إلى المحسود: غمّ لا ينقطع، ومصيبة لا يؤجرُ عليها، ومذمّة لا يحمد بها، ويسخط عليه الرب، ويغلق عنه أبواب التوفيق.

стр. 42

ومما ينسب للإمام الشافعي في ذمّ الحسد: ألاَ قل لِمَنْ كان لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله ... لأنك لم ترض لي ما وهب فجازاك منه بأن زادني ... سدَّ عليك وجوه الطلب (١) ولا ريب أنَّ من أشد الناس تحاسدا العلماء سيما في هذه الأزمان، ومن ثَمَّ ورد عن ابن عباس: استمعوا (٢) عِلمَ العُلماء ولا تصدّقوا بعضهم على بعض فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغاورًا من التيوس في زربها (٣). وفي رواية عنه: خذوا العلم حيث وجدتموه، ولا تقبلوا (٤) أقوال الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة (٥). وهذا الداء قد فشى في الناس سيما في أهل العلم، فنسأل الله العافية والموازين الوافية، واعلم أن النصح من الحسود مفقود كما أن الوفاء من النساء ليس بموجود. وقد قلت في ذلك نظمًا وهو:

стр. 43

اسمع مقالة ناصح لك منصف ... يغنيك عن تسآل من لم يعرف طلبُ الوَفاء من النِّساءِ متعذر ... والنصح من شخص حسود منتفِ /٤/ والهيبة العظماء من ذي فاقة ... والحرمة اعدد من جهولٍ مسرف واحذر تَسلْ يومًا عدوك حاجة ... فلقد علمنا أنه لم يُسعِفِ وقد رتبتُ هذا الكتاب على مقدمة وخمسة كتب وخاتمة.

стр. 44

المقدمة في ذِكْرِ الموتِ وما يتعلقُ بِهِ، والرُّوح وتشتمل على ثمانية فصول (١): الفصل الأول في النَّهْي عن تمَنِّي الموتِ وحِكْمتِه أخرج الإمام أحمد في الزهد، وابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن قال: لما خلق الله آدمَ وذريته قالت الملائكة: إنَّ الأرض لا تسعهم. قال: إني جاعلٌ موتًا. قالوا: إذن لا يهنؤهم عيش. قال: إني جاعل أملًا (٢). وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: لما هبط آدم ﵇ إلى الأرض قال له ربه: ابن للخراب ولدْ للفناء (٣). واعلم أن الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وانتقال من دار إلى دار. وهو من أعظم المصائب، وقد حماه الله تعالى مصيبة في قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المَائدة: الآية ١٠٦]، فهو المصيبة العظمى، والرزية

стр. 45

الكبرى، وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكير فيه وترك العمل له، مع أنه فيه عبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن أفتكر، وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لو أَنَّ البهائم تعلم من الموتِ ما تعلمون ما أكلتم مِنْها سمينًا" (١). وقد نهى ﷺ عن تمني الموت والدعاء به لضرٍّ نزل به، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ نزل به في الدنيا، إن كان لابد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي"، متفق عليه (٢). وفي رواية: "لا يتمنين أحدكم الموت، / ٥/ ولا يَدْع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمرُهُ إلا خيرًا" (٣).

стр. 46

وأخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت، إمّا محسنًا فلعله أن يزداد، أو مسيئًا فلعله أن يستعتب" (١) أي: يرجع. لحال في "الصحاح" (٢): أعتبني فلان إذا عاد إلى مسرّتي راجعًا عن الإساءة، واستعتب، وأعتب بمعنىً. وقال القرطبي في التذكرة: الاستعتاب طلبُ العُتبى وهو الرضى، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنوب (٣). وأخرج الإمام أحمد والبزار عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنَّوا الموت فإنَّ هَوْل المُطَّلع شديد، وإن من السعادةِ أن يطولَ عُمْرُ العبدِ حتَّى يرزقَه اللهُ الإنابةَ" (٤). قال في النهاية (٥): المُطَّلع -بالتشديد-: مكان الاطلاع من موضع عال والمراد به هنا ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقب الموت تشبيهًا له بالمُطَّلع الذي يُشرَفُ عليه من موضع عال. وأخرج الشيخان عن أنس ﵁ لولا أنَّ رسول الله ﷺ نهانا أن نتمنى الموت لتمنيناه (٦). وتمنى سعدُ بن أبي وقاص ﵁ الموت والنبي ﷺ

стр. 47

يسمع، فقال ﷺ : "لا تتمن الموتَ، فإن كنتَ من أهل الجنَّةِ، فالبقاء خير لك، وإن كنتَ من أهل النَّارِ، فما يعجلك إليها" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنى أحدكم الموت فإنه لا يدري ماذا قدم لنفسه" (٢). وأخرج/ ٦/ الإمام أحمد وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم، عن أُمّ الفضل ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليهم وعمّه العباس ﵁ يشتكي فتمنَّى الموتَ: فقال له: "يا عمّ لا تتمنّ الموت فإنك إن كنت محسنًا، كنت تؤخر وتزداد حسنا إلى إحسانك خيرًا لك، وإن كنتَ مسيئًا، فإن تؤخرّ تستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمنّ الموت" (٣). وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به قبل أن يأتيه إلا أن يكون قد وثق بعمله" (٤). واعلم أنَّ خير الناس مَنْ طالَ عُمره وحسن عمله. وكما أخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه والحاكم عن أبي

стр. 48

بكرة ﵁ "أن رجلًا قال يا رسول الله، أيّ الناس خير؟ قال: "مَنْ طال عُمُره وَحُسَن عَمَلهُ" قال: فأيُّ الناسِ شَرٌّ؟ قال: "مَنْ طَال عمُره وساءَ عَمَلُه" (١). وأخرج الحاكم عن جابر ﵁ مرفوعًا "خياركم أطولكم أعمارًا وأحسنكم أعمالًا" (٢). والإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: "خياركم أطولكم أعمارًا وأحسَنُكم أعمالا" (٣). والطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا: "ألا تبئُكم بخياركم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله قال: "أطولكم أعمارًا في الإسلام إذا سُددوا" (٤). وأخرج عن عوف مرفوعًا: "كلما طال عمر المسلم كان له خيرًا" (٥).

стр. 49

وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رجلان من بلى -حي من قضاعة- أسلما مع رسول الله ﷺ ، فاستشهد أحدهما وأُخِرّ الآخر سنةً، قال طلحة بن عبيد الله ﵁: فرأيت الجنة فرأيت الرجل المؤخّر منهما أُدخل الجنة قبل الشهيد، فعجبت لذلك فأصبحت فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "أليس قد صَام بعدهُ رمضان وصلَّى ستة آلافِ ركعة، وكذا وكذا ركعة، صلاة سنة" (١). وروى أحمد والبزار عن طلحة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس أحد أفضلَ عند الله، من مؤمن يُعمّرُ في الإسلام؛ لتسبيحه وتكبيره، وتهليله" (٢). وأبو نعيم عن سعيد بن جبير قال: بقاءُ المسلم كُلَّ يومٍ غنيمة، لأداء الفرائض والصلوات، وما يرزقه الله من ذكره (٣). وابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: بلغني أن المؤمن إذا مات تمنى الرجعة إلى الدنيا؛ ليس ذاك إلا ليكبر تكبيرة، أو يهلل تهليلة، أو يسبح تسبيحة (٤). واعلم: أنه يجوز تمني الموت والدعاء به لخوف الفتنة في الدنيا.

стр. 50

فقد أخرج الإمام مالك عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقولُ: يا ليتني كنتُ مكانه" (١). والبزار عن ثوبان أن النبي ﷺ قال: "اللهمّ إني أسألك فِعْلَ الخيرات وَتْركَ المنكرات وحُبَّ المساكينِ، وإذا أردتَ بالنَّاسِ فتنةً فاقبْضني إِليك غيرَ مَفْتُونٍ" (٢). ومالك عن عمر ﵁ قال: اللهمَّ قد ضَعُفَتْ قوّتي، وكَبِرَت سِنِّي، وانتشَرَت رعيَّتي، فاقبضني غَير مضيّعٍ ولا مُقصّرٍ، فما جَاوزَ ذلك الشهرَ حتى قبِضَ (٣). وأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن عبد البر في التمهيد، والمروزي في الجنائز، والطبراني في الكبير، عن عليم الكندي قال: كنتُ مع عيسى الغفاري على سطح فرأى قومًا يتحملون من الطاعون، فقال: يا طاعون خذني إليك، ثلاثًا فقال عُليم: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله ﷺ : "لا يتمنّيَنَّ أحدكُم الموتَ، فإنه عند ذلك انقطاعُ عَمله، ولا يرد فيستعتب"، فقال أبو عيسى: أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بادروا بالموت ستًّا: إمرةَ السفهاءِ، وكثرةَ

стр. 51

الشُّرَط، وبيعَ الحكم، واستخفافًا بالدم، وقطيعة الرحم، ونَشْوءًا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل لِيُغنِّيَهمُ بالقرآن، وإن كان أقلهم فقهًا" (١). قوله: يتحملون أي: يرتحلون. كما في الصحاح (٢). وفي الحديث: "فإن رأيتم في الإسلام ستة خصال فتمنَّوا الموت، وإن كانت نفسك في يدِك فأرسلها: إضاعةُ الدّم، وإمارة الصِّبيانِ، وكثرة الشُّرَط، وإمارة السُّفهاء، وبيع الحكم، ونشوءًا يتخذون القرآن مزامير" (٣). وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا يخرج الدجال حتى لا يكون شيءٌ أحب إلى المؤمن من خروج نفسه" (٤). وقال سفيان: يأتي على الناس زمان يكون الموتُ أحبَّ فيه (٥)

стр. 52

إلى قُرَّاء ذلك الزمان من الذهب الأحمر. (١) وقال أبو هريرة ﵁: يُوشك أن يكون الموت أحبَّ إلى المؤمن من الماء البارد يُصب عليه، والعسل فيشربه. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أمّ الدّرداء قالت: كان أبو الدّرداء إذا مات الرجل على الحالة الصالحة قال: هنيئًا لك يا ليتني كنت مكانك، فقالت له أمّ الدرداء في ذلك. قال: هل تعلمينَ يا حمقاء أن الرجل يصبح مؤمنًا ويمسي منافقًا يُسلبُ إيمَانُه وهو لا يَشعر؟ فانا لهذا الميت أغبط مني لهذا بالبقاءِ في الصلاة والصوم (٢). وفي "فروع" ابن مفلح (٣) اتجاهٌ يستحب، يعني تمني الموت للخبر المشهور "إذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون"، إسناده جيّد. رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، وقال الإمام أحمد في رواية المروزي: إنما أتمنَّى الموتَ صباحًا ومساءً أخاف أن أفُتَنَ في الدنيا (٤). انتهى. وسمعتُ أستاذي الشيخ عبد القادر التغلبي يقول: قال الشيخ

стр. 53

أبو المواهب: تمَنِيّ الموت في عصرنا هذا غير مكروه، بل يجب. كذا سمعت وفي "فنون" ابن عقيل: قال عالم يومًا -يعني نفسه- لكربٍ دخل عليه: يا ليتني لَم أَعِشْ لهذا الزمان فقال متحذلق يدّعي الزهد يريد أن يظهر اعتراضه على أهل العلم: لا تقل هذا وأنت إمام تتمنى على الله تعالى، مَا أرادَهُ اللهُ بِكَ خَيرٌ مما تتمناهُ لنفسك، وهذا اتهام لله. فأجابه: ومِن أين لك لسانٌ ينطق بما لا يكبر على العلماء، كأنك تعلمهم ما لا يعلمون، وتوهم أنك تدرك عليهم ما يجهلون، أليس الله قد حَكَى عن مريم: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣]! وقال أبو بكر الصديق: يا ليتني كنت مثلك يا طائر (١). انتهى. والمراد غيرُ تمني الشهادة، وأما تمنيها فلا خلاف في ذلك، فقد تمناها عمر، كما في البخاريّ (٢)، وفي الحديث: "مَن تمنّاها مخلصًا من قلبه أعطاه الله منازل الشهداء" (٣) والله أعلم. * * *

стр. 54

الفصل الثاني في فَضْلِ المْوتِ وَذِكْرِهِ تقدم أنَّ الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما وتبدل وانتقال من دار إلى دار. أخرج أبو نعيم، عن بلال بن سعد أنه قال في وعظه: يَا أَهْلَ الخُلودِ ويَا أَهْلَ البقاءِ إنكم لم تُخْلقوا للفناء، وإنما خُلقتم للخلود والأبد، ولكنكم تنتقلون من دار إلى دارٍ (١). وقال عمر بن عبد العزيز إنما خُلقتم للأبد، ولكنكم تنتقلون من دارٍ إلى دار (٢). ومن هذا قول المعري في قصيدته الداليّة (٣). خُلّقَ الناسُ للبقاء فَضَلّتْ ... أُمّةٌ يَحسبونهم للنفادِ إنما ينقلون من دارِ أعما ... لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشاد وأخرج الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير، وابن المبارك في الزهد، وابن أبي الدنيا، عن عبد الله بن عمرو

стр. 55

رضي الله عنهما مرفوعًا: "الموتُ تحفة المؤمن" (١). والديلمي عن الحسين بن علي ﵄ مرفوعًا: "الموت ريحانة المؤمن" (٢). وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "الموت غنيمة والمعصية مصيبة والفقر راحة، والغنَى عقوبة" (٣). وقال ﷺ : "اثنتان يكرهما ابن آدم: يكره الموتَ والموتُ خير له من الفتنة، ويكره قِلةَ المال وقلة المالِ [أقل] (٤) للحساب" (٥). وأخرج الشيخان عن أبي قتادة ﵁ قال: مُرّ على النبي ﷺ بجنازة، فقال: "مستريحُ ومستراح منه". قالوا: يا رسول الله: ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: "العبد المؤمن

стр. 56

يستريح من تعب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب" (١). وقال ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن (٢) وسَنته وإذا فارق الدنيا فارق السجن والسَّنة" بفتح أوله القحط والجدب. رواه ابن المبارك والطبراني من حديث عمرو بن العاص (٣). وأخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا عن ابن عمر ﵄ قال: إن الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن، وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه كمثل رجل كان في سجن، فأخُرِجَ منه فجعل يتقلب في الأرض ويتفسح فيها (٤). وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر أنّ النبي ﷺ قال لأبي ذرّ: "يا أبا ذر، الدنيا سجن المؤمن والقبر أمنه، والجنة مصيره، يا أبَا ذر إن الدنيا جنةُ الكافر، والقبرُ عذابُه، والنارُ مصيرُه" (٥). وقال ابن مسعود: حبذا المكروهان: الفقر والموت (٦). وقال

стр. 57

بعضُ السلف: بلغني أنّ أوّل سرور يدخل على المؤمن الموت؛ لما يرى من كرامة الله وثوابه. وقال ابن مسعود ﵁: ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله (١). وعن أبي عنبة الخولاني الصحابي ﵁ أنه قيل له: إن عبد الملك خرج هاربًا من الطاعون. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما كنت أرى أنّي أبقى حتى أسمع بمثل هذا! أفلا أخبركم عن خلال كان عليها إخوانكم أوّلها: لقاء الله كان أحبَّ إليهم من الشَّهد. والثانية: لم يكونوا يخافون عدوًّا قلّوا أو كثروا. والثالثة: لم يكونوا يخافون عَوزًا من الدنيا، كانوا وأثقين بالله أن يرزقهم. الرابعة: إن نزل بهم الطاعون لم يبرحوا حتى يقضي الله فيهم ما قضى (٢). وقال أبو عبد ربه لمكحول: أتحبُّ الجنة؟ قال: ومَن لا يحبّ الجنّة! قال: فأحبّ الموت، فإنك لن ترى الجنّة حتى تموت. وأخرج الترمذي والنّسائي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أكثروا ذكر هادم اللذات" (٣) وعن

стр. 58

عمرَ مثله (١). وأخرج البزار عن أنيس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أكثروا من ذكر هادم اللذات، فإنه ما ذكره أحدٌ في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيّقه عليه" (٢). وسئل رسول الله ﷺ : أيّ المؤمينين أكيسَ؟ -أي: أعقل-. قال: "أكثرهم للموت تذكرًا، وأحسنهم لما بعده استحسانًا أولئَك الأكياس" (٣) أي: العقلاء رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر. وقال ﷺ : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنى على الله" (٤) رواه الترمذي من

стр. 59

حديث شداد بن أوس. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس ﵁ قال: أكثروا ذكر الموت، فإنه يُمَحِّصُ الذنوبَ، وَيُزَةِدُ في الدنيَا، فَإن ذكرتمُوه عندَ الغِنى هدَمَه، وإن ذكرتُموه عندَ الفَقْرِ أرضَاكم بِعَيْشكُمَ (١). وأخرج أيضًا عن عطاء الخُراساني قال: مرّ رسول الله ﷺ في مجلس قد استعلاه الضحك، فقال: "شوبوا مجلِسَكُم بمُكدّر اللذات". قالوا: وما مكدّر اللذات؟ قال: "الموت" (٢). وأخرج الطبراني عن عمّار مرفوعًا: "كفى بالموت واعظًا" (٣). وفسَّر السديُّ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [المُلك: الآية ٢] قال: أكثركم للموت ذكرًا (٤). قال الجلال السيوطي -في "شرح الصدور" عن بعضهم-: من

стр. 60

أكثرَ ذكرَ الموت أكُرِمَ بثلاثة أشياء: تعجيلِ التوبةِ، وقناعةِ القلبِ، ونشاطِ العبادةِ. ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويفِ التوبةِ، وتركِ الرضى بالكفافِ، والتكاسلِ في العبادةِ. وقال التيمي: شيئان قطعا عَنّي لذاذة (١) الدّنيا: ذكرُ الموت، وذكر الوقوف بين يدي الله تعالى (٢). ومَن ذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة حشر مع الشهداء (٣). قال القرطبي في "التذكرة" (٤): قوله ﵊: "أكثروا ذكر هادم اللذات (الموت") كلام مختصر وجيز، قد جمع التذكرة، وأبلغ في الموعظة، فإنّ مَن ذكر الموت حقيقةَ ذكرِهِ نغّص عليه لذته الحاضرة، ومنعه من عينها في المستقبل، وزهّده فيما كان منها يؤمّل، ولكنَّ النفوس الذاهلة والقلوبَ الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعاظ، وتزويق الألفاظ، وإلا ففي قَولِه ﵇: "أكثروا ذكر هادم اللذات" مع قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عِمرَان: الآية ١٨٥] [الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧] ما يكفي السامع له،

стр. 61

ويشغل الناظر فيه. وكان أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كثيرا ما ينشد هذه الأبيات: لا شيء ممّا ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويُودى المالُ والولدُ لم تغن عن هرمزٍ يوما خزَائنُهُ ... والخلدَ قد حاولت عادٌ فما خُلِّدو ولا سليمانَ إذ تجري الرّياحُ له ... والإنس والجنّ فيما بينهما يردُ أين الملوكَ التي كانت لعزتها ... من كلّ أوب إليها وافدٌ يفدُ حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كذبٍ ... لابُدَّ من وردِهِ يومًا كما وردُوا (١) وحكى القرطبي في "التذكرة"، وعبد الحق الإشبيلي (٢) في "العاقبة": أن أعرابيًا كان يسير على جمل له فخر الجمل ميتًا، فنزل الأعرابي عنه وجعل يطوف به ويتفكر فيه، ويقول: مَالَك لا تقومُ؟! مَالَك لا تُبعثُ؟! هذه أعضاؤك كاملة، وجوارحك سالمة ما شأنك؟! ما الذي كان يحملك؟! ما الذي كان يبعثك؟! ما الذي صرعك؟! ما الذي عن الحركة منعك؟! ثم تركه وانصرف متفكرًا في شأنه، متعجبًا من أمره. وأنشدوا في ذلك:

стр. 62

جاءته من قِبَل المنونِ إشارةٌ ... فَهَوى صريعًا لليدين وللفمِ ورمى بمحكم دِرعهِ وبرمحهِ ... وامتدَّ مُلقى [كالقتيل] الأعظمِ لا يستجيبُ لصارخٍ إنْ يَدْعُهُ ... أبدًا ولا يُرجى لخطبٍ معظمِ ذهبت بَسالتُه وَمَرَّ غرامُه ... لمَّا رأى خيل المنيَّةٍ ترتمي يا ويَحُه مِنْ فارس ما بالُه ... ذهبَتْ مروءته ولم يتكلمِ هذي يداهُ وهذه أعضَاؤه ... ما منه من عضوٍ غدا بمثلمِ هيهاتَ ما خيلُ الردى محتاجةٌ ... للمشَرِفِّي ولا السنانُ اللهذمِ هي وَيْحكُم أمرُ الإله وحُكمهُ ... واللهُ يقفيى بالقضاء المحكمِ يا حسرةً لو كان يُقدَرُ قدرُها ... ومصيبة عظمت ولما يعظمِ خبرٌ علمنا كلُّنا بمكانه ... وكأنّنا في حالنا لم نعلمِ (١) قال في "العاقبة" (١): فكيف إذا أضاف الفكرة في الموت إلى الفكرة في مَا بعد الموت، وفي حال الموت وما له وما يُجازَى به من أقواله وأفعاله وفي أيّ متّجر فاته، وأيّ بضاعة فرّط فيها، وأيّ علق نفيس من العمر ضيّعه! هنالك تطيش العَقول، وتُخْرَسُ الألسُن، وتنبذ الدُنيا بالعراء وتطرحُ بجميع ما فيها بالوراء. قال ابن السَّمَّاك (٢) ﵀: إن الموتى لم يبكوا من

стр. 63

الموت، ولكن بَكَوْا من حسرة الفَوت، فاتتهم والله دارٌ لم يتزودوا منها، ودخلوا دارًا لم يتزوّدوا لها، فأيّةُ ساعةٍ مرّت على من مضى؟! وأيةُ ساعةٍ بقيت علينا؟!، والله إن المتفكر في هذا؛ لجديرٌ أن يَترُكَ الأوطانَ، ويهجرَ الخلّان، ويدَع لها ما عزّ وما هان. قال الإشبيلي في "العاقبة" (١): رُوي أنّ ملِكًا من ملوك بني إسرائيل كان كلما وُلدَ له ولد فبلغ ما يبلغ الرّجالُ، ويعقل ما يعقل الرّجالُ؛ لبس مسوحه وتعلق برؤوس الجبال، وسلك بطون الأودية يعبد الله . فلم يزل ذلك دأبهُ حتى ولد له مولود فجمع رجاله وخاصّته وقال تعلمون ما كان منْ أمر بَنِيّ وأنه ليس منهم واحد بقى معي ولا التفت إليّ، وإنه ليس يصلح لكُم ولا يستقيم أمركم إلا بأن يليكم واحد من ولدي، وإني أخاف إن لم يكن ذلك تهَلكوا بهلاكي، فخذوا ولدي هذا فرَبّوه وقوموا بأمره فإذا شبّ وعقل، فزينوا له الدنيا وعظموا قدرها عنده ثمّ أمَرَ فبُنِي له قصر عظيم: فرسخ في فرسخ، وجمع له المراضع، وأكثر له من الحواضن، ووكل به رجالا من عقلاء أصحابه ووجوه دولته، وأمر إذا فَهِمَ وعَقَلَ أن لا يخرج من ذلك القصر، وأن لا يُذكرَ عنده الموت، ولا يكون ميتٌ في موضع يكون فيه، مخافة أن يسمع بالموت أو يرى ميّتا فيسأل عنه، فيفسر له، فتتنغّص عليه لذّته، وتتكدّر عليه حياتُه، ويزهد في

стр. 64

الملك، ويسلك مسلك إخوته ويلحق بهم. فبقي الغلام على ذلك لا يذكرون له موتا، ولا يُسمِعونه خبر موت ولا يطلعونه عليه ولا يذكر عنده إلّا الدّنيا وتعظيمها والفرح بها، والإقبال عليها، وتعظيم آبائه الملوك، وأجداده العظماء، والترغيب في الاقتداء بهم والمشي على طريقتهم، والاستنان بسنتهم، إلى أن شبّ الغلام، وعقل ما يعقله الناس. فمشى ذات يوم في ذلك القصر وطاف في أرجائه، وقد أحدق به خاصّته الموكلون به، فانتهى إلى سور القصر فقال: ما وراء هذا السور؟ وما خلف هذا الحائط؟ فقالوا له: وراءه الأرض الوَاسعة، والبلاد الكثيرة، والجمّ الغفير من الناس، وكل ذلك لك وللملك أبيك. فقال: أخرجوني حتى أنظر وأرى، فأبَوْا حتى يشاوروا أباه، فشاوروه وأخبروه أنه يريد الخروج، ويرى الناس، وظنوا أنه يحكمهم، فأذن لهم فأخرجوه فرأى ونظر، فأوّل من وقع عليه بصره من الناس شيخ كبير، قد سال لعابه وسقط حاجباه على عينيه من الكبر. فقال: ما هذا؟ قالوا: شيخ كبير. قال: وما شيخ كبير؟ قالوا: كان شابّا فعمر وعاش حتى أصابه الهرم فعمل به ما ترى قال: وما الهرم؟ قالوا: الكبر وطول العمر، يعيش إلى أن تقل طاقته، وتضعف حركته، حتى لا يقدر أن يُمسك لعابه في فيه، مع علِل أخرى تعتريه من طول الحياة قال: أو يصيبكم هذا؟ أو هو شيء يصيب قومًا دون قوم؟ قالوا: ليس هو مختصًا بأحدٍ دون أحد، بل

стр. 65

يصيب كل من طال عمرُه. قال: ويصيبني أنا مع ما أنا فيه من النعيم، وضروب اللذات، وبلوغ الشهوات؟ قالوا: ويصيبك أنت إن طال عمرك (١). فقال: أفٍ لعيش يكون آخره هذا. ثم رجع ورجعوا إلى قصره [وقد] (٢) تكدّر عليه بعض نعيمه، وتنغّص عليه بعض ما كان فيه، فعالجوه بكل لهو وباطل، حتى أستخرجوا من قلبهِ ما كان وقع فيه من أمر الهَرَم والكبر، فأقام عاما، ثمّ إنه أمرهم بأنْ يُخرجوه ثانيا، فأبَوْا عليه، وخافوا من أبيه، ثم إنَّه عزم عليهم فأخرجوه، فأوّل من رأى مِن الناس شابًا به جُذام أو غيرُهُ من الأدواء. فقال: ما هذا؟ ومِمَّ يكون هذا؟ قالوا: هذا فساد في المزاج وتحريك في الأخلاط، فيتولد عنه هذا وغيره قال: وهذا وحده أصابه، أو كلكم خائف منه أن يصيبه هذا الداء؟ فقالوا: ما عند أحدٍ أمان كلُّ واحدٍ خائف من هذا الداء ومن غيره، الدارُ دارُ أمراض وأسقام وبلايا ورزايا. قال: وأنا خائف؟ قالوا: وأنت خائف، قد أخبرناك أنه ليس لأحد أمانٌ في هذه الدنيا، فأصابه من الغم أكثر مما أصابه في المرّة الأُولى. فرجع ورجعوا، ولم يزالوا يشغلونه بضروب المحاب، وأصناف الملاذ، حتى أخرجوا من قلبه ما كان قد وقع فيه، فأقام كذلك حولًا، ثم قال: أخرجوني فأخرجوه، فنظر فإذا ميت يُحملُ

стр. 66

على سرير، قال: ما هذا؟ قالوا: ميت قال: وما ميت؟ قالوا: رجل مثلنا نزل به قضاءٌ إلهيُّ، وحادثٌ سماويّ، فأطفأ شرارته، وأخمد حرارته، وردّه حجرًا من الحجارة، وجمادًا من الجمادات، فقال عَلَيّ به حتى أراه، فجاؤا به فكشف له عنه، فقال: كلّموه. فقالوا: إنه لا يتكلم. وقال: أجلسوه، فقالوا له: لا يجلِس. فجعل ينظر إليه، ويتفكر فيه، ثم قال: وهذا وحده خُصّ بهذا الحادث، أو أنتم كلكم ينزل به هذا الحادث؟ قالوا: كُلّنا فيه سواءٌ وكلّنا ينزلُ بنا هذا الحادث. قال: وأنا؟ قالوا: وأنت. قال: ولا يَدفَعُ عني أبي؟ قالوا: لا يدفع عنك أبوَك، ولا يدفع عن نفسه؟ فقال: إنّ نعيما يصير آخره إلى هذا لجديرٌ أن يتكدّرَ وإن قلبا يخطر به ذكر هذا لحقيق أن يتفطَّر قال؟ وما تصنعون به؟ قالوا: نحفر له حفرة في الأرض نلقيه فيها، ونتركه هنالك، ونرد عليه التراب إلى يوم النشور والعَرض قال: وما يوم النشور والعرضْ؟ قالوا له: هو يوم تبعث فيه الأموات، وتظهر فيه المخبَّآت. قال: ويكون ولابد منه؟ قالوا: ولا بدّ منه. فقال: وهذه أشد. فعمل الكلامُ في نفسه عملَه، وأخذ من قلبه مأخذه، فتغيّر وجهُه، وضعفَ جسمه، وشحب لونه، وأقصر عما كان فيه من تلك الراحات، وتلك البطالات. فأخُبر أبوه بخبره، ووصف له، حديثه، فقال: أو قد فعلها؟ قالوا: نعم، فداواه أبوه بكل شيء، فلم ينفع في شيء، وهَوَّن عليه

стр. 67

الأمر، فلم يهن، وسلاه، فلم يتسلَّ، فقال له أبوه: لا جَرَمَ والله لأدعنَّك تلحق بإخوتك، فبعث إليه ثيابه من المسوح فلبسها وخرج من جوف الليل فتعلق بالجبال ولحق بإخوته فتعبد معهم، وكان يقول في مناجاته: اللهم إني أسألك أمرًا ليس إليَّ، قد سبقت به المقاديرُ، ولوددت أني لو كنت كالطير في الهواء والسمك في الماء، ولم أك شيئًا مذكورًا مخافة الحساب والعقاب. وأنشد الإمام ابن الجوزي في "تبصرته" (١): أتنكر أمر الموت أم أنت عارفٌ ... بمنزله تفنَى وفيه المتالف كأنَك قد غُيِّبِت في اللحد والثرى ... كما لقي الموت القرونُ السِوالف أرى الموت قد أفنى القرون التي مضت ... فلم يبق مألوف ولم يبق آلف كأن الفتى لم يصحب الناس ليلة ... إذا عُصبت يوما عليه اللفائف وقامت عليه عصبة يدفنونه ... فمستذكر يبكى حزينًا وهاتف وغيّب في لحد كريه فناؤه ... ونُضَّد من لبن عليه السقائف وما صاحب البحر القطيع مكانه ... إذا هاج آذى من عليه وقاصف أحق بطول الحزن من ضيق غربة ... تصدّع عنه أهله والمعارفُ ثم قال: أين من ربح في متاجر الدنيا واكتسب؟ أين من أعطى وأولى ثم وَالى ووهب؟ أما رحل عن قصره الذهبُ فذهب؟ أما حلّ به في الحرب المصطلم الحرب؟ أما نازله التلف وأسره العطب؟ أما نابته نائبة لا تُشْبِه النُّوَب؟ أنفعه بُكاء من بكى أو نَدبُ مَن

стр. 68

نَدَب؟ أما ندِم على كل ما جنى وارتكب؟ أما توقنون أنَّ طالبه لكم في الطلب؟ تدبّروا قولَ ناصحكم صدقَ أو كذَب؟ انتهى. واعلم أن ذكر الموت يُوَرّثُ الاستشعارَ بالانزعاج عَن هذه الدار الفانية، والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقيةُ ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتَي ضيقٍ وَسعَة ونعمة ومحنة، فإن كان في حال ضيق ومحنة فذكر الموت سَهّل عليه بعضُ ما هو فيه، إذ لا مصيبةَ إلا والموتُ أعظمُ منها وهو ذائقه ولا بدّ، أو في حال نعمة وسعة، فذِكر الموت يمنعه من الاغترار بها والركون إليها لتحقق عدم دوامها وذهابها عنه وانصرامها. وما أحسن قول من قال: اذكر الموت هادم اللذات ... وتجهز لمصرع سوف يأتي وقول الآخر: اذكر الموت تجده راحة ... في ادِّكار الموت تقصير الأمل وَكَتَبَ عمر بن عبد العزيز إلى بعض أهل بيته أما بعد: فإنَّك إن استشعرت ذكر الموت في ليلك ونهارك، بغض إليك كل فانٍ وحبّب إليك كل باق (١). وقال مجمع التيميّ: ذكرُ الموت غنى (٢). وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لا يُنتفَع به أياما،

стр. 69

فإن سُئل عن شيء قال: لا أدري (١). وذكير القرطبي في "تذكرته" قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل فأثنى عليه، فقال ﷺ : "كيف ذِكرهُ للموت" فلم يذكر منه (٢). فقال: "ما هو كما تقولون" (٣). ثم قال: فتفكر يا مغرور بالموت وسكراته وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه! ومن حاكم ما أعدله! فكفى بالموت مفزعًا (٤) للقلوب، ومبكيا للعُيون، ومفرّقا للجماعات، وهادمًا لِلَّذات، وقاطعًا للأُمنيات، فهلا تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك؟! وانتقالك من موضعك! إذا نُقلت من سعة إلى ضيق، وفارقك (٥) الصاحب والرفيق، وهجرك الأخُ والصَّديقُ، وأُخذْتَ من فَراشك وغطيائك إلى غرر (٦)، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب ومدر، فيا جامعَ المالِ والمجتهد في البنيان؛ ليس لك من

стр. 70

مالك والله إلا الأكفان، بل هي للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال، فهلا أنقذك من الأهوال! كلا بل تتركه إلى من لا يحمدك، وقدِمْتَ بأوزار على من لا يعذُرك. وقد فسّر بعضُهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القَصَص: الآية ٧٧] بالكفن. قال القُرطبي: فهو وعظٌ متصل بما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص: الآية ٧٧] أي اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة، وهي الجنة، فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة؛ لا في الطين والمال والتجبر والبغي، فكأنه قال لا تنس أن تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن. وما أحسن قول القائل: هي القناعة لا تبغي بها بدلا ... فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن (١) واعلم أن مما يُعين على تذكر الموت زيارة القبور كما في حديث مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة" (٢).

стр. 71

وعند الحاكم: "فإن فيها عبرة" (١). وعنده أيضًا عن أنس ﵁ مرفوعًا: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها يرق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا: هجرًا" (٢). وفي "التذكرة": عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه خرج إلى المقبرة فلما أشرف عليها قال: يا أهل القبور: أخبرونا عنكم أو نخبركم، أما خبر (ما) قِبَلنَا فالمال قد قُسم، والنساء قد تزوجْن، والمساكن قد سكنها قوم غيركم، ثم قال: أمَا واللهِ لو استطاعوا لقالوا لم نر زادًا خيرًا من التقوى (٣). وقد أحسن القائل حيث قال: يا عجبًا للناس لو فكروا ... وحاسبوا أنفسهم وأبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها ... فإنما الدنيا لهم معبر لا فخر إلا فخر أهل التقى ... غدًا إذا ضمّهمُ المحشرُ ليعلمنّ النَّاس أنَّ التقى ... والبر كانا خير ما يُدْخَرُ عجبت للإنسان في فخره ... وهو غدا في قبره يُقبر ما بال مَن أوّله نطفة ... وجيفة آخره يفخر

стр. 72

يصبح لا يملك تقديمَ ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر وأصبح الأمر إلى غيره ... في كل ما يُقضَى وما يُقدر (١) قال القرطبي: قال العلماء: ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور وخاصة إن كانت قاسية فعلى أصحابها أن يعالجوها بأربعة أمور: أحدُها: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكير والتخويف، والترغيب وأخبار الصالحين، فإن ذلك مما يلين القلوب. الثاني: ذكر الموت، فيكثر من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات، وموت البنين والبنات. يُروى أن امرأة شكتْ إلى سيدتنا عائشة ﵂ قساوة في قلبها فقالت لها أكثري من ذكر الموت يرق قلبك، ففعلت ذلك فَرَقّ قلبها، فجاءت تشكر عائشة (٢). قال القرطبي عن العلماء: فذكر الموت يردعُ عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويُذهبُ الفرحَ بالدُنيا ويهوّن المصائب فيها. الثالث: مشاهدة المحتضرين، فإن في النظر إلى الميت، ومشاهدة سكراته ونزعاته، وتأمّل صورته بعد مماته، ما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرُد عن القلوب مَسرَّاتها، ويمنع الجفون من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل والاجتهاد، في عبادة الكريم الجواد.

стр. 73

فروي أن الحسن البصري (١) ﵀، دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه وشدة ما نزل به، فوجع إلى أهله بغير اللّون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله. فقال: يَا أهلاه عليكم بطعامكم، وشرابكم، فوالله لقد رأيتُ مصرعًا لا أزال أعمل له حتى ألقاه. الرابع: زيارة القبور، فإنها تبلغُ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأوّل، والثاني، والثالث. وينبغي للإنسان؛ لاسيما عند الاحتضار أن يحسن ظنه بالله، فقد قال ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسِنُ الظن بالله" (٢) متفق عليه. وأخرج الترمذيُّ، وابن ماجه، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو فى الموت، فقال له: "كيف تجدك؟ " فقال: أرجوا الله وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وأمنه مما يخاف" (٣).

стр. 74

وأخرج الحكيم الترمذي عن الحسن قال: بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قال ربكم لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فمن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة، ومن أمنني (١) في الدنيا أخفته في الآخرة" (٢). وأخرجه أبو نعيم موصولًا من حديث شداد بن أوس (٣). وقال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند الموت حتى يحسن ظنه بربه (٤). وقال ابن مسعود ﵁: والذي لا إله غيرُه لا يُحسنُ أحد الظنَّ بالله، إلا أعطاه الله ظنه (٥).

стр. 75

وأخرج الإمام أحمد عن واثلة، عن النبي ﷺ أنه قال [قال اللَّه ]: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" (١). وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي غالب صاحب أبي أُمامة قال: كنتُ بالشام فنزلت على رجل من قيس من خيار الناس، وله ابن أخ مخالف له، يأمره وينهاه ويضربه فلا يطيعه، فمرض الفتى فبعث إلى عمه فأبى أن يأتيه، فأتيته أنا به حتى أدخلته عليه، وأقبل عليه يشتمه، ويقول: أي عدوَّ الله، ألم تفعل [كذا]؟. قال: أرأيت أي عم لو أن الله دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي؟ قال: كانت والله تدخلك الجنة. قال: فوالله لله أرحم بي من والدتي. فقُبض الفتى ودفنه عمّه، فلما سوى اللبن سقط منه لبنة، فوثب عمّه ليأخذها ثم تأخر، فقلت ما شأنك؟ قال: مُلِيءَ قبره نورًا وفُسح له مدّ البصر (٢).
следующие страницы →