من كتاب البضائع والوكالات (١).
مسألة:
وحكم الأعمى إِذا وجد قائدًا حكمُ البصير (٢).
مسألة:
أفتى أبو الوليد بنُ رشد بأن فرض الحج ساقط عن أهل الأندلس * وأهل المغرب، للمشقة اللاحقة لهم في بلاد المغرب وغيرها (٣).
стр. 212
وقال ابن طلحة الأندلسي (١) في كتابه "المدخل": وقد لقيت في بلاد المغرب وأنا قاصد الحج من المغرب ما اعتقدت معه أن الحج ساقط عن أهل المغرب، بل حرام لما يركبونه من المخاطرات (٢).
وأفتى الشيخ أبو بكر الطرطوشي (٣) بأنه حرام على أهل المغرب، فمن
стр. 213
خاطر وحج فقد سقط فرضه ولكنه أثم بما ارتكب من الغرر (١).
وقال القاضي (٢) أبو بكر بن العربي: والعجب ممن يقول: إِن الحج ساقط عن أهل المغرب، وهو يسافر من قطر إِلي قطر ويخرق البحار، ويقطع المخاوف في مقاصد دينية ودنيوية، والحال واحد في الخوف والأمن والحلال والحرام وإِنفاق المال وإِعطائه في الطريق وغيره (٣) لمن لا يرضى.
فرع:
وفي الذخيرة: ويسقط فرض الحج إِذا كان في الطريق عدوٌّ يطلب النفس أو يطلب من المال مَا لَا يَتَحدَّدُ، أو يتحدد ويجحف (٤)، وفي غير المُجْحِفِ
стр. 214
خلافٌ (١).
وأفتى الشيخ أبو عِمْرَان الفاسِي (٢) جماعةً مشوا للحج فطلب أعرابيٌّ منهم لكل حمل ثُمُنَ درهم، بأن يرجعوا فرجعوا (٣).
стр. 215
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إِن طلب منه ظالم في الطريق أو في دخول مكة مالًا، فقال بعض الناس: لا يدخل ولا يعطيه وليرجع، والذي أراه أن يعطيه، ولا ينبغي أن يدخل في ذلك خلاف، فإِنه يجوز للرجل أن يصون عرضه ممن يهتكه بمال يدفعه له، وهذا بإِجمَاع الأمة، وقد جاء: "ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة" (١) فكذلك ينبغي أن يشتري دينه ممن يمنعه إِياه. ولو أن ظالمًا قال لرجل: لا أمكنك من الوضوء والصلاة إِلا بجُعْلٍ لوجب عليه أن يعطيه (٢).
مسألة (٣):
فإِن كان مع الرجل زاد وراحلة إِلا أنه لا يقدر على المشي من اللصوص
стр. 216
وما أشبه ذلك فكان مالك يقول: هو عذر بَيِّن. ثم رجع بعدما أفتى به زمانًا، وقال: الحذَر لا يُنْجِي من القَدَر، فإِذا وجد الرجلُ الزادَ المبلِّغ والراحلةَ وصحةَ البدن فالحج واجب عليه.
قال ابنُ المواز: ولم يقل مالك ذلك إِلا في مدينة الرسول ﷺ ، وأمَّا مَا سواها من الأمصار فهو بالخيار، إِن شاء أجاب وإِن شاء ترك، نقله ابن رشد في كتاب جمل من أصول العلم.
مسألة:
والبحرُ لا يمنعُ وجوب الحج إذا لم يكن له طريق إِلَّا منه، إِذا كان يركب وكان غالبُه السلامةَ، فإِن غلب العطب أو علم تعطيل الصلاة بمَيْدٍ (١) أو ضيق ونحوه فإِنه لا يركبه (٢).
стр. 217
فصل
والمرأة كالرَّجُلِ في الاستطاعة، وتزيد عليه باستصحاب زوج * أو مَحْرَمٍ، فإِن لم يكن أو أبى المحرم ووجَدت رُفقة مأمونة من رجال أو نساء لزمَهَا الحجُّ (١).
واعتبار الأمْنِ في رُفْقَةِ النساءِ: أن تتحفَّظ معهم من أهْل الشرِّ من الرجال، وهذا هو المشهور (٢).
وقال ابنُ عبد الحكم: لا تخرجُ إِلا مع محْرم لقوله ﷺ : "لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بالله والْيَوْمِ الآخرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا" (٣)،
стр. 218
وإِن الفساد مع الرُّفقَةِ المأمونةِ لا يتعذَّر بالليلِ (١).
وقال ابن حبيب: إِن كانت صَرُورَةً (٢) خرجت وإِلا فلا.
قال ابن رشد: ولو كانت متجالة (٣) أو ممن لا يؤبه إِليه لم تمنع من الخروج.
تنبيه (٤):
واختلف هل يكون عبدُها محرمًا يخلو بها ويسافر معها؟ فيه قولان، وعلى القول بالجواز، فهل يُشترط أن يكون وغْدًا؟ - وبه قال مالك - أو لا يُشترطُ ذلك؟
стр. 219
ذهب القاضي إِسماعيل (١) وغيرُه إِلى جواز ذلك.
قال ابن القطّان (٢): وهو الصحيح.
وذهب ابنُ القصَّار (٣) وابن عبد الحكم إِلى المنع (٤) من ذلك.
стр. 220
وللشافعية أيضًا قولان.
قال الأسفراييني (١): والصحيح المنع.
من كتاب النظر في أحكام النظر لابن القطان (٢).
وأما الكافل (٣) فإِنه يخلو بمكفولته ويسافر معها؛ لأنه لها كالأب، من
стр. 221
كتاب الطرر لابن عات (١)، نقله من كتاب الاستغناء لابن عبد الغفور (٢) وحكاه عن ابن عيشون (٣).
стр. 222
مسألة:
وفي ركوب البحر والمشي البعيد للقادرة قولان (١).
وكره مالك للنساء ركوب البحر ونهى عنه خشية التكشف.
قال ابن رشد: وهذا إِذا كنَّ في معزَل عن مخالطةِ الرجال عند قضاء الحاجة ويقدرْنَ علي الصلاة، وإِلا فَلَا يَحِلُّ لهُنَّ أنْ يحججن فيه. من البيان (٢).
والذي رجحه القاضي عياض وجزم به: أن الحج لا يلزمها ماشية؛ لأن مشيها عورة، إِلا فيما قرب من مكة (٣).
стр. 223
قال اللخمي: وهذا يحسن في المرأة الرائعة الحسنة ومن ينظر مثلها عند مشيها (١)، وأمَّا المُتَجَالَّةُ ومن لا يُؤْبَه لها (٢) من النساء فيجب عليها، كالرجل (٣).
стр. 224
فصل وشرط صحته الإسلام
فلا يصح الكافر ويصح ممّن لا يجب عليه كالصبيّ والعبد (١).
فصل
وأما حكم أدائه فهو على الفور (٢).
والقول بالتراخي للمغاربة (٣) مستقرأٌ من مسائل مثل قوله فيمن منعه أبواه من الخروج إِلى الحج، فقال: يترضَّاهما العام والعامين (٤)، فإِن أذنا له وإِلا خرج وتركهما.
стр. 225
وليس هذا بالقوي؛ لأن طاعة الأبوين واجبة، فالتأخير لأجل تعارض واجبين (١)، والكلام حيث لا تعارض، بل فيه دليل علي الفورية؛ لأن استمرار طاعتهما واجب، وقد قال في آخر السؤال: فإِن أذنا له وإِلا خرج وتركهما.
وكل مسألة استقرئ منها التراخي لا تقوى * كقوله فيمن مات زوجها فأرادت الحج: تقعد في بيتها حتى تخرج من عدتها.
فهذه المسألة (٢). استقرأ اللخمي منها التراخي (٣)، وهو غير قوي لتعارض واجبين أيضًا.
стр. 226
قال ابن عبد السلام (١): إِذا تأملت المسائل المأخوذ منها التراخي وجدتها أقرب إِلى دلالتها على الفور منه على التراخي.
والذي يحكيه العراقيون عن مالك أنه على الفور (٢)، وهو الذي ارتضاه ابن بشير (٣) وغيره،
стр. 227
وشهَّره ابنُ بَزِيزَة (١) في شرح التلقين، وابن عسكر (٢) في شرح العمدة له، والقرافي في الذخيرة (٣)، ونصره الطرطوشي في تعليقه الخلاف، وهو أقرب إِلى أصول المذهب وإِلي الاحتياط.
ومن قال بالتراخي قال: إِنه مغيى بخوف الفوات (٤).
стр. 228
قال القاضي أبو بكر بن بكير (١): هو شبه وقت الصلاة.
ولا يشبهه؛ لأن لخوف فوات الوقت علاماتٍ تَدُل عليه، بخلاف فواته بالموت أو بعوارض الأمراض (٢) وغير ذلك.
قال: واحتج القائل بالتراخي بأن أبا بكر الصديق ﵁ وغيره من المسلمين حجوا (٣) قبل النبي ﷺ وهو مقيم بالمدينة، ونعوذ بالله أن يكون أبو بكر ﵁ أدى الفرض أو أحد من المسلمين (٤) قبل رسول الله ﷺ ، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ
стр. 229
اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) فأي تقدم أغْلظُ من أن يؤدَّى فرضُ (٢) الحج قبل أن يؤديه هو؟ وقد أمر رسول الله ﷺ من ضحّى قبل أن يضحي أن يعيد أضحيته (٣)، فكيف بالحج (٤) الذي هو أحد دعائم الإِسلام؟
هذا ما لا يجوز أن يظنه ظان ولا يتوهمه متوهم.
وكيف وحج أبي بكر ﵁ كان والنبي ﷺ قائم، وهو أن المسلمين والمشركين اجتمعوا في الحج، فهذا أدل دليل علي ما قلناه، وإِنما بعثه النبي ﷺ أميرًا علي المسلمين (٥)، وإِنما كان حجهم تبرّرًا - على ما كان النبي ﷺ يحضر المشاهد والحج قبل أن يهاجر - لا أداء لأداء فريضة.
وقد قال مجاهد وعكرمة: إِنَّ حَجَّ أبي بكر ﵁ وقع في
стр. 230
ذي القعدة وحج النبي ﷺ من العام المقبل وقع في ذي الحجة (١).
وقال النبي ﷺ في خطبته: "ألَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ (٢)، وإِن النَّسِيء زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ" (٣).
فزال النَّسِيء بحجّ النبي ﷺ ولم يكنْ زائلًا قبل حجَّه، ولسْنَا نشكُّ أنَّ النبي ﷺ لم يفرض عليه الحج * حين أمر أبا بكر ﵁ ثم أردفه بعلي ﵁ معه براءة قبل السَّنَةِ التي حج فيها، ليخلص الحج لرسول الله ﷺ وللمسلمين، ولا يجامعهم في حجهم مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وهذا إِنما كان بسورة براءة التي بعث بها النبي ﷺ لتُتْلَى على
стр. 231
مَنْ حجَّ بمنى (١). انتهى.
وللقاضي إِسماعيل والقاضي أبي الفرج (٢) مثل ما قاله ابن بكير، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "خُذُوا عَنِّي مناسككم" (٣).
فدل على أن ما وقع قبل ذلك إِنما كان على وجه التبرر، ولم يتلقوا ما فرض الله تعالى عليهم إِلا من فعله ﷺ .
стр. 232
فصل
وأما العمرة فسنة مؤكدة مَرَّةً في العمر، وقيل: واجبة (١).
وحكمها في الاستطاعة حكم الحج (٢)، ويكره تكرارها في السنة عند مالك.
وقال مطرف وابن الماجشون (٣): لا يكره تكرارها (٤).
فصل
وللحج ميقاتان (٥): زماني ومكاني.
стр. 233
فالزماني: شهور الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة (١).
وقيل: العشر منه.
وقيل: إِلى آخر أيام الرمي، وسيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى.
فرع:
ويكره الإِحرام بالحج قبل أشهره، ويلزم (٢) إِن وقع علي المشهور، ولا ينقلب عمرة (٣).
стр. 234
وقيل: لا ينعقد الإِحرام بالحج؛ لأنه بمنزلة من قدّم الظّهر قبل الزّوال ويحل بعمرة، قاله مالك أيضًا.
قال اللخمي: وقوله: ويحل بعمرة، استحسان وهو بمنزلة من دخل في صلاة ثم ذكر صلاة فإِنه يستحب له أن ينصرف عن شفع.
قال ابن القاسم: فإِن قطع فلا شيء عليه (١)؛ من التبصرة.
مسألة:
ولا ميقات للعمرة من الزمان (٢)، ويصح الإِحرام بها (٣) في كل وقت من السنة من غير كراهة إِلا في أيام منى لمن حج (٤).
والميقات المكاني (٥) للمقيم بمكة من أهلها وغيرهم إِذا أرادوا الحج من (٦)
стр. 235
مكة (١).
وفي تعيين المسجد الحرام قولان: بالاستحباب وعدمه.
وعلى تعيينه، فلا يحرم من باب المسجد (٢)، بل من عند البيت (٣).
وقال ابن حبيب: يهل من باب المسجد.
وأما العمرة لمن كان بمكة، فلا بد لمريدها من الجمع بين الحل والحرم (٤)، ويكفي الخروج إِلى الحل ولو بخطوة، والأفضل أن يحرم من الجعِرَّانة (٥) أو
стр. 236
التنعيم (١).
وأما الآفاقي (٢)، فأهل المدينة: لهم ذو
стр. 237
الحليفة (١)، ولأهل نجْد قَرَن (٢)، والجحفة (٣) لأهل الشام ومصر والمغرب، ولأهل اليمن يَلَمْلَم (٤)، ولأهل العراق وخراسان والمشرق ذات عرق (٥).
وسواء في ذلك الحج والعمرة.
стр. 238
ومن كان مسكنه بين الميقات ومكة أو بين ميقاتين أحرم من داره أو من مسجده.
فرع:
ولا يجوز لمريد الإِحرام إِذا مر على بعض هذه المواقيت أن يتجاوزه فيحرم بعده، لا إِلى ميقات سواه ولا إِلى غير ميقات، إِلا أن يتعداه إِلى ميقاتٍ له، كالشَّامي والمصريّ يمر بذي الحليفة فلهم تجاوزُه إِلى الجحفة * بشرط أن يمروا بها (١)، فإِن لم يمروا بها فليس لهم أن يتجاوزوا ذا الحليفة بغير إِحرام، قاله ابن حبيب في الواضحة.
وقال اللخمي: يريد إِذا لم يكن سيرهم على موضع يحاذي الجحفة.
فرع:
والإِحرام من أول الميقات أفضل (٢).
ويكره تقديم الإِحرام قبل الوصول إِلى الميقات، ويلزم إِن وقع (٣).
فرع:
قال ابن الحاج: والحج واجب على من كان في الجزائر مثل: الأندلس،
стр. 239
لأنها بحار مأمونة؛ ولأنهم لا يجدون طريقًا من غيره (١).
ونقل أبو عِمران الفاسي عن ابن شعبان، أنه قال: ليس علي أهل الجزائر حجٌّ.
والأول أصح، وهو عن مالك.
فرع:
ومن لم يكن مروره على الميقات، فيلزمه أن يتحرى محاذاة الميقات الذي يليه، ويُحرم إِذا حاذاه سواء سار في البر أو البحر (٢).
تنبيه:
قولهم: سواء حاذاه في البر أو البحر، أما البر فظاهر، وأما البحر فهذا حكمه مع غلبة الظن أنه يسلم من عوارض التعويق بالريح، وأما إِن خشي فلا ينبغي أن يكون الحكم كما ذكروا، لأنّه يؤدي إِلى التغرير والخطر بفوات الحج وبقائه محرِمًا، وهذا من المشقة. فيؤخر إِحرامه حتى يصل إِلى البر، هذا حكم
стр. 240
بحر القُلْزُم (١)؛ لأنه يأتي علي ساحل الجحفة ويمكنه النزول إِلى البر، والإِحرام من نفس الجحفة.
قال سند: وواسع أن يؤخر إِحرامه حتَّى يصل إِلى جُدة، لما يلحقه من المضرة إِن نزل إِلى البر (٢) وفارق رحله، وكذا إِن أحرم في البحر للتغرير، فيؤخر إِحرامه حتى يأمن ويهدي، ويحرم إِذا نزل جدة (٣)، وقيل: إِذا رحل منها، وهو الأظهر.
وأما بحر عَيذاب (٤)، فلا يلزمه أن يحرم فيه إِذا حاذى الجحفة للتغرير، ولا دم عليه للتأخير، قاله سند.
فرع:
لو أخر المدني الإِحرام من ذي الحليفة إِلى الجحفة من غير مرض ففي الدم قولان، من مناسك التادلي.
стр. 241
باب: أركان الحج التي لا بد للمحرم من الإتيان بها ولا يجزئ في تركها هدي ولا غيره
وهي: الإِحرام وطواف الإِفاضة والسَّعْيُ والوقوف بعرفة جُزْءًا من ليلة النحر.
زاد ابن الماجشون: ورمي جمرة العقبة (١).
تنبيه:
ومراد ابن الماجشون (٢) أنه إِذا ترك رمي جمرة العقبة في جميع أيام الرمي حتى انقضت أيام الرمي ولم يرمها، فإِنه يبطل حجه، وليس مراده رمي جمرة العقبة يوم النحر؛ لأن المنقول عنه أنه إِذا لم يرمها يوم النحر حتى أمسى فليرمها وعليه دم، وإِن ذكرها قبل انقضاء أيام منى رماها وعليه بَدَنة، ذكره عنه ابن حبيب.
стр. 242
وزاد ابن الماجشون: الوقوف بالمشعر الحرام مع جمرة العقبة (١).
стр. 243
ونقل ابن الحاج عن أبي عُبيد (١) من أصحابنا أنه يقول بذلك أيضًا، واحتج بأن الله تعالى ذكره في القرآن (٢).
الركن الأول: الإحرام
أما الإِحرام (٣): فهو الدخول في حرمة الشيء، وحرمة الشيء: ما لا يحل انتهاكه، وبهذا التفسير يزول الإِشكال عن قول ابن الحاجب: الإِحرام وينعقد بالنية (٤)، فظاهر كلامه أن الإِحرام * مبايِنٌ للنية، ذكره الجزولي (٥).
стр. 244
وقال القاضي عبد الوهاب: هو الاعتقاد (١) بالقلب الدخول في الحج أو العمرة (٢).
يعني أن تكون له نية تميز ما دخل فيه عن غيره؛ لأن الإِحرام يكون بالحج الفرض والنفل، ويكون بالعمرة، فلا بد من النية التي تخلص الإِحرام لشيء معين.
وقال ابن شاس: الإِحرام ينعقد بالنيةِ المقترنة بقولٍ أو فعلٍ كالتلبية والتوجه على الطريق، فجعل مالك ﵀ أحَدَ هذين شرطًا في الانعقاد.
واشترط ابن حبيب التلبية عند الإِحرام (٣).
وأما مجرد النية فالمنصوصُ أنه لا ينعقد بها.
وخرَّج اللخميُّ الانعقاد على القول بانعقاد الطلاق بالنية (٤)، وضعّفه ابن
стр. 245
بشير (١).
وفي الذخيرة قال سند: ينعقد بمجرد النية (٢).
وقال التادلي: وصرح بذلك في الكتاب (٣) والمُعلِم (٤) والقبس (٥) والتلقين (٦)، وقال به جماعة من الأشياخ.
стр. 246
وقال سند: وهو المحكي عنا في الخلافيات، فلو نوى وأقام بموضعه كان محرمًا. ولو نوى وهو يجامع أهله انعقد ولزمه التمادي في الحج والقضاء، ولم يحك خلافًا.
وفي التَّبْصِرَة لابن محرز (١) قال أشهب: لو كبر أو هلل أو سبح، يريد بذلك الإِحرام كان محرمًا.
قال ابن يونس: الاتفاق على أنه إِذا قلَّد (٢) الهدي أو أشْعَره (٣) ينوي به الإِحرام ولم يُلَبِّ، أن إِحرامَه صحيحٌ.
стр. 247
فرع:
كره مالك التسميةَ في كتاب ابن المواز.
وروى ابنُ وهب (١) عن مالك: التسمية أحب إِليّ.
ورُوي عنه: ذلك واسع.
فرع:
لو أحرم مطلقًا لا ينوي حجًّا ولا عمرة، قال أشهب: هو بالخيار في صرفه إِلى أحدهما، وإِلى الحج أفضل، وقال أيضًا: إِلى القِرَانِ (٢) أفضل.
فرع:
لو اختلف عقْده ونُطْقُه فالاعتبار بالعقْد (٣).
стр. 248
فرع:
ولو نسيَ ما أحرم به، قال أشهب: يكون قارنًا (١) غير أنه ينبغي أن يقول الآن: لَبَّيْكَ بحجَّة؛ لاحتمال أن يكون الذي نسيه عمرة.
فرع:
ولو شكّ هل أفرد (٢) أو قرن تمادى على نية القران وحده؛ وإن شك هل أحرم بعمرة أو بحج مفرد طاف (٣) وسعى، لإِمكان أن يكون إِحرامه بعمرة مفردة ولا يحلق لاحتمال أن يكون في حج ويتمادى على عمل الحج، ويهدي لتأخير الحلاق ليس للقران؛ لأنه لم يحدث نية، وإِنما تمادى على النية المتقدمة في شيء واحد، فإِن كانت نيته بعمرة فقد تمت بالطوف والسعي، وتماديه بعد ذلك لا يكون به قارنًا، وإِن كانت نيته بالحج كان مفردًا وكان ذلك الطواف له لا للعمرة؛ لأنه لم يحدث نية العمرة (٤).
стр. 249
فرع:
لو نوى الحج ولم ينو الفرض، ولا النفل، انصرف إِلى الفرض إِن كان صرورة، لقوته (١).
فرع:
ولو نوى النفل قبل حجة الفريضة لزم، ولم ينقلب إِلى الفرض.
فرع:
ولو أحرم بما أحرم به فلان، وهو لا يعلمه، جاز عند أشهب والشافعية (٢) لقصة (٣) علي (٤) ﵁.
стр. 250
قال سند: ولو أحرم في الصلاة بما أحرم به إِمامه قال أشهب: يجزيه، من الذخيرة (١).
مسألة (٢):
رفض النية في الحج لا يضر (٣).