← Фикх малики

Фикх малики · id 132974

إرشاد السالك إلى أفعال المناسك

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (875 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فرع: وصفة الموادعة على ما رواه الترمذي (١) والنسائي (٢) وابن خزيمة (٣) أن ابن عمر ﵄ كان يقول للرجل إِذا أراد سفرًا: ادن منِّي أودعك، كما كان رسول الله ﷺ يودعنا فيقول: "أسْتَوْدِعُ الله دِينَكَ وأمَانَتَكَ وخوَاتِيمَ عمَلِكَ". وفي كتاب ابن السني عن ابن عمر ﵄ عنه ﷺ أنه ودع غلامًا فقال له: "زَوَّدَكَ الله التَّقْوَى (٤) وَوَجَّهَكَ فِي الخَيْرِ وَكَفَاكَ الهَمَّ". ويستحب أن يقول (٥) للمسافر إِذا ولّى: "اللَّهمّ اطو له البَعِيدَ، وهَوِّنْ عليه السَّفرَ"، لحديث أبي هريرة ﵁ المروي في ذلك (٦).

стр. 177

فصل: فيما جاء في المصافحة والمعانقة وتقبيل الرأس واليد وغيرهما والسلام عند الانصراف ولم أقف على مشروعية المصافحة عند الوداع بخلاف القدوم، والظاهر الجواز؛ لأن المصافحة جائزة بل مستحَبَّةٌ، كلما لقي الرجل أخاه، لقوله ﷺ : "تَصَافَحُوا يذْهَبِ الغِلُّ" (١) وكرهها مالك في حكاية أشهب (٢). حكاه ابن

стр. 178

شاس (١) وغيره. قال (٢) ابن يونس (٣)، وسئل مالك عن المصافحة؟ فقال: إِن الناس ليفعلون ذلك، وأما أنا فلا أفعله (٤). وروي عن مالك في المصافحة غير هذا، وأنه صافح سفيان بن عيينة (٥)

стр. 179

وقال: لولا أنها بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان بمعانقة رسول الله ﷺ لجعفر ﵁ (١)، حين قدم من أرض الحبشة، فقال مالك: ذلك خاص بجعفر، ورآه سفيان عامًا (٢). وأجاز مالك في رسالته (٣) لهارون الرشيد (٤) أن يعانق قريبه، إِذا قدم من سفره (٥).

стр. 180

وقيل: إِن هذه الرسالة لم تثبت لمالك (١). قال الشارمساحي (٢): وفي المصافحة عن مالك ثلاث روايات: إِحداها: أنها مكروهة دون كراهة المعانقة، والأخرى: جوازها. والثالثة: استحبابها، وهو مقتضى مذهبه في الموطإِ بإِدخاله حديث الأمر بها (٣).

стр. 181

ونقل القاضي عياض في "المدارك" قال مصعب (١): لما قدم أمير المؤمنين المهدي (٢) المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما بصر بمالك انحرف المهدي إِليه، فعانقه وسلم عليه (٣). تنبيه: وفي تلقِّي مالكٍ وأشراف المدينة المهديَّ على أميال دليل على أن العمل عندهم على ذلك، وأنه لا بأس بذلك لأهل الفضل. وكره مالك معانقةَ الرجلِ الرجلَ، وتلا قوله تعالى (٤): ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (٥). وأمَّا تقبيل اليد والرأس وغيرهما فقال ابن يونس: سُئل مالك - رحمه

стр. 182

الله - عن الرجل يُقبل يدَ الوالي أو رأسَه، أو المولى يفعل ذلك بسيده (١)؟ فقال: ليس ذلك من عمل الناس هو من عمل الأعاجم (٢). وأرخص لابنه * القادم من سفر أن يتلقاه ويقبله. قال: ولا ينبغي إِن قدم من سفر أن تعانقه أم زوجته. قيل: فتقبيل رأس أبيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفًا (٣). وسئل في رواية أخرى: هل يقبل يد أبيه (٤) أو عمه؟ قال: لا أرى أن يفعل، وإِن من العبرة أن من مضى لم يكن يفعل ذلك (٥). وقيل: كان ابن عمر ﵄ إِذا قدم من سفر قبّل ابنَه سالمًا (٦)، وقال: شيخ يقبل شيخًا (٧).

стр. 183

وقيل لمالك: أرأيت من قدم من سفر فتلقاه ابنته أو أخته فتقبله؟ قال: لا بأس بذلك. وقال أيضًا: لا بأس أن يقبل خدّ ابنته (١). قيل: أفترى أن تُقَبِّله خَتَنَتُه (٢) أو تعتنقه وهي متجالة؟ (٣) فكره ذلك (٤).

стр. 184

الفصل الرابع: فيما يقال عند الركوب والنزول ودخول القرى فإِذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فإِذا استوى على ظهر دابته فليقل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١). ثم يقولُ: الحمد لله، ثلاث مرات، ثم يكبر، ثلاث مرات، ثم يقول: سبحانك إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، فإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنْتَ. لحديث علي ﵁ في ذلك عن النبي ﷺ رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣). وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إِذا استوى

стр. 185

على بعيره - خارجًا إِلى سفر - يكبِّرُ ثلاثًا ثم قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللهمّ إِنَّا نَسألُكَ في سَفَرِنَا هذا البِرَّ والتَّقْوَى ومن العمَلِ مَا تَرْضَى. اللهمّ هوِّنْ (١) علَيْنَا سَفَرنَا هذا، واطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللهمّ أنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ والخليفةُ في الأهْلِ. اللهمّ إِنِّي أعُوذُ بكَ من وَعْثَاءِ السَّفرِ (٢) وكآبَةِ المنظر وسوءِ المنقلَبِ في المال والأهْلِ والوَلَدِ (٣) "، وإِذا رجع قالهنّ وزاد فيهنّ: "آيِبُونَ تَائِبُون عَابدُون لربِّنَا حَامِدُون". رواه مسلم (٤). وفي رواية له: وكآبة المنقلب وسوء المنظر (٥). وإِن كان في سفينة قال عند ركوبها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي

стр. 186

لَغَفُورٌ رحِيمٌ﴾ (١)، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) لمَا رُوي أن النبي ﷺ قال: "ذلك لأمَّتِي أمَانٌ مِنَ الغَرَق" رواه ابن السنّي (٣). ويقول أيضًا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، إِذا ركب السفينة، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا﴾ (٤)، الآية. فهي صريحة في استعمال هذا الذكر في السفينة والبعير. ومنها: التكبير، إِذا صعد الثنايا وشبهها، والتسبيح إِذا هبط الأودية، وذلك مروي في البخاري (٥) وفي

стр. 187

مسلم (١) نحوه، غير أنه لم يذكر التسبيح * وذكر عوض التسبيح التهليل والتكبير. ومنها: إِذا نزل منزلًا فليقل: أعوذ بكلمات الله التَّامّات منْ شرِّ ما خلق، فإِنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله، رواه مالك في الموطإِ (٢)، وخرجه

стр. 188

مسلم (١) والترمذي (٢) عن النبي ﷺ . ومنها: أنه يكره النزول في قارعة الطريق لنهيه ﷺ عن ذلك، فإِنها طريق الدواب ومأوى الهوام بالليل، رواه مسلم (٣). ومنها: أنه ينبغي إذا نزل منزلًا أن يودِّعه بركعتين، لحديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كَانَ لَا ينزلُ منزلًا إِلَّا ودَّعَهُ بركْعَتَيْن. رواه الحاكم وصححه (٤). ومنها: إِذا أقبل الليلُ فليقل ما روي في سنن أبي داود وغيره عن

стр. 189

عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إِذَا سَافَرَ فَأقْبَلَ اللَّيْلُ قال: "يا أرْضُ: ربّي وربُّك الله، أعوذُ بالله من شَرِّك وشرِّ مَا فِيك وشَرِّ ما خُلق فيك وشرِّ ما يَدِبُّ علَيْك، أعوذُ بكَ من أسَد رأسْوَدَ، ومن الحيَّةِ والعَقْرَب، ومن سَاكِنِ البَلَدِ ومنْ وَالِدٍ ومَا وَلَد" (١). قال الخطابي (٢): ساكن البلد: هم الجن الذين هم سكان الأرض، والبلد

стр. 190

من الأرض ما كان مأوى لحيوان، وإِن لم يكن فيه بناء ومنازل. قال: ويحتمل أن المراد بالوالد إِبليس، وما ولد: الشياطين (١). الأسود: الشخص، وكل شخص يسمى أسود. ومنها إِذا أراد دخول قرية فليقل ما رواه النَّسائي في سننه أن النبي ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إِلا قال حين يراها: "اللهمّ ربّ السماوات السبع وما أظْلَلْنَ، والأرَضِينَ السَّبْع وما أقْلَلْنَ، ورب الشياطين وما أظْلَلْنَ، وربّ الرياح وما ذَرَيْن، أسألُكَ خيرَ هذهِ القريَةِ وخيرَ أهْلِها، ونعوذُ بكَ منْ شَرِّها وشرِّ أهْلِها وشرِّ مَا فيها" (٢). قال النووي: وروينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا أشْرَفَ على أرضٍ يريد دخولها قال: "اللهمّ إِنِّي أسألُكَ من خَيْر هذهِ وخيْرِ ما جمعْتَ فيها، وأعوذ بكَ مِنْ

стр. 191

شَرَّهَا وشَّر ما جمَعْتَ فيها. اللهمّ ارزقْنَا حياها (١)، وأعذنا من وَبَاها، وحببنا إِلى أهلها، وأحْبِبْ صالحي أهلها إِلينا" (٢).

стр. 192

الفصل الخامس: في آداب سفره في نفسه ومع رفقائه قال تاج الدين بن عطاء الله في "منسكه": وينبغي لمريد الحج أن يقدم النية في امتثال أمر الله عند شروعه في سفره لتكون * حركاتُه في سفره كلُّها طاعةً، والأوْلي أن تكون نيتهُ خالصةً، لا يُخالطها شيء مِن المقاصد الدنيوية. فرع: قال القرافي في "قواعده": فلو حج وخلط في نيته قصد التجارة، أو كانت متمحضة للتجارة ونية الحج تابعة، صح حجه، ولم يكن آثمًا (١). وينبغي له أن ينظر في الرفيق، فيجتهد في اختيار من لا بد له منه من المكارية (٢) والتجارة: فليكن مع من يصلي ومن الغالب علي حاله اجتناب

стр. 193

المنكر، ولو كان ذلك بزيادة أجرة. مسألة: قال ابن الحاج في منسكه: وفي كتاب ابن المواز: ولا بأس أن يحج ومعه النصراني يخدمه (١) وقد يكري الحاج مع النصراني للرخص وحسن الصحبة. قلت: وعلي هذا فلا يكره الكراء مع أهل البدع واستخدامهم، وإِن كان يؤدي إِلي مخالطتهم، إِذا كان له بهم رفق أكثر من غيرهم والله أعلم. وينبغي له أن يعتمد مع رفقائه بسط الوجه وحسن الخلق والإِيثار بما لا

стр. 194

يضره فقده وحمل ما بدر إِليه منهم من أمر مؤلم أو تقصير في حقه، فبذلك ينشرح له صدره ويطيب له سفره. وذكر ابنُ رُشْدٍ في "البيان والتحصيل" أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يخدم أصحابه في سفر الحج ويدور بإِبلهم وهم نيام، وذلك من كرم طباعه (١) ﵁. وينبغي له إِذا كان قادرًا علي المشي أن يُريح دابته بما لا يضره من المشي (٢). قال عز الدين بن جماعة: ويجب ذلك في الدابة المستأجرة، حيث جرت العادة، إِلا إِذا كانت مطيقةً، ورضيَ به المالك (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا صلَّى الفجر في السفر مشى قليلًا وناقته تُقَاد"، رواه البيهقي (٤).

стр. 195

وقال الغزالي: وفي المشي عن الدابة صدقتان: أحدهما: ترويحُ الدابة، وقد قال ﷺ : "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ" (١). والأخرى: إِدخالُ السرور على مالكها. قال: وفيه أيضًا راحةٌ للراكب وصحةٌ لبدنه ورياضة، وفي ذلك آثار عن السلف (٢). وقال ابن عطاء الله في "منسكه": في المشي عن الدابة فوائد؛ منها: أن المشي إِلى العبادات أفضل، فليقصد ذلك لعظيم أجره (٣). قال ابن معلّى: قالوا: ويحرم عليه أن يُحمِّل دابته فوق طاقتها وأن يُجوِّعها من غير ضرورة، فإِن حمّلها الجمال فوق طاقتها لزم المستأجر الامتناع من ذلك.

стр. 196

قال سحنون (١) ﵀: وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ إِذا رأى دابة مثقلة خفف عنها مخافة أن يسأله الله تعالى عما تقلده منها. ويكره ضرب الدابة في الوجه، لنهيه ﷺ * عن ذلك (٢). قال ابن معلّى: أمّا ضرب الدابة في غير الوجه فمباح؛ لأنها لا تتأدب بالكلام. وقد أجازوا ركوبها بالمهاميز (٣) وقد حرك النبي ﷺ بعيره بالمحجن،

стр. 197

لكن يكون ذلك برفق، لا كما يفعله أصحاب القلوب القاسية والأيدي الخاطئة من المبالغة في ضربها، فإِن ذلك تعذيبٌ لها، وهو حرام لنهيه ﷺ عن تعذيب الحيوان (١). ولا ينبغي للمسافر اتخاذ الأجراس (٢)، ولا يعلقها علي دابته، ولا يقلدها بالأوْتَار (٣) فإِنه مكروه، فإِن وقع ذلك من الرفقة ولم يقدر علي إِزالته فلينكره علي قدر استطاعته، ويبرأ إِلى الله تعالى من ذلك. قال النووي: ويجتنب النّوم علي الدابة (٤)، لأنه يثقل بالنوم. قال ابن معلّى: ويحمل كلامه على كثرة النوم، فإِن في صحيح مسلم أن

стр. 198

النبي ﷺ نام علي راحلته (١). وينبغي له أن يجتنب المخاصمة ومزاحمة الناس في الطريق وعند الموارد جهدهُ، وليصن لسانه من الشتم والغيبة ولعنة الدواب وجميع الألفاظ القبيحة، ولا يوبخ سائلًا، بل يواسيه بما تيسر خصوصًا بالماء في أوقات العطش أو يردُّه (٢) بالحُسْنَى، وليلحظ في مخالطته للناس قوله ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولم يفسقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ" (٣). وينبغي لمريد الحج أن يلتمس رفقة، فقد كره رسول الله ﷺ الوِحدة في السَّفَر (٤). وفي الحديث الصحيح: "الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، والاثْنَانِ شَيْطَانان وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ" (٥).

стр. 199

وقال (١) ﷺ : "خَيْرُ الصَّحَابَةِ أرْبَعَةٌ". رواه الترمذي (٢). وخرج البزار في مسنده وابن عبد البر في التمهيد أنه ﷺ : "إِن الشيطان يَهُمُّ بالوَاحِدِ والاثْنَينِ فإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لم يهم بهم" (٣).

стр. 200

وفي البخاري أنه ﷺ قال: "لَوْ أنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مَا فِي الوحْدَةِ مَا سَارَ رَاكِبٌ" (١) قال ابن عمر ﵄: يعني وحده. وينبغي إِذا ترافق ثلاثة فأكثر أن يؤمروا على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأيًا ثم ليطيعوه لأمره ﷺ بذلك (٢). ففي مسند أبي داود عنه ﷺ أنه قال: "إِذَا كَانُوا ثلاثَةً فليؤمروا أحَدَهُمْ" (٣). فائدة: قال النووي: روينا في كتاب ابن السني أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّةُ أحَدِكم بأرْضِ فَلَاةٍ فَلْيُنَادِ: يَا عِبَادَ الله احْبسُوا، يا عِبَادَ الله

стр. 201

احبسُوا، فإِنَّ الله حَاضِرٌ (١) سَيَحْبِسُهَا (٢) ". وذكر النووي أنه جربها هو وغيره، فوجدوا أثر ذلك على الفور (٣). فائدة: قال النووي عن بعض كبار العلماء * أنه ليس رجل يكون على دابة صعبة، فيقول في أذنها: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٤) إِلا وقفت بإِذن الله (٥).

стр. 202

مسألة: قال ابن معلّى: قال النووي: يستحب للحاج أن لا يشارك أحدًا في زاد ولا راحلة، فإِن المشاركة تمنع من التصرف في وجوه الخير (١). قال: ولم أقف على نص في هذه المسألة في مذهبنا، غير أني سمعت من أثق به، ينقل عن بعض المتأخرين: أنها لا تجوز. وذكر شيخنا يحيى بن جماعة التونسي (٢) في مختصره: أنه يؤخذ من كتاب الأضحية من المدونة جواز المخارجة. وهي أن يكون جماعة فيخرج كل واحد منهم مثل ما يخرجه الآخر. بشرط أن تكون نفوسُهم طيبةً. قال: وبالجملة، فلا ينبغي أن يقدم على ذلك؛ لأن طيب النفوس شرط

стр. 203

في الجواز وذلك متعذر لاختلاف أحوال الناس؛ ولذلك قال النووي: لو أذن له شريكه في التصرف لم يؤثر ذلك في استمرار رضاه (١). مسألة: الركوب في سفر الحج أفضل، اقتداءً بالنبي ﷺ (٢)، وهذا عند مالك (٣) والشافعي (٤) والجمهور. وقال بعض المتأخرين من المالكية كاللخمي (٥) وغيره: المشي أفضل.

стр. 204

مسألة: والحجُّ علي القَتَب (١) أفضلُ من المحمل (٢)، اقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه (٣) ﵃. وكرهوا الهوادج والمحامل (٤) إِلا لعذر أو ضرورة، وليست الرئاسة وارتفاع المنزلة عذرًا في ترك السنة.

стр. 205

الباب الثالث: في أحكام الحج وصفتِه وأركانِه ويجب الحجّ بالإِسلام والحرية والتكليف والاستطاعة. قال القاضي عبد الوهاب (١): الإِسلامُ شرطٌ في الأداء بناءً على أنَّ الكفارَ مخاطَبُون بالفروعِ (٢)، وهو المشهور (٣).

стр. 206

والحريةُ: شرطٌ (١) بلا خلاف. والصبي والمجنون: لا يخاطبَان بالحج، حتى يحتلم الصبي ويفيقَ المجنونُ (٢). وأما الاستطاعة: فهي مورد النص، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣). فالاستطاعة سبب الوجوب، وهيَ معتَبَرةٌ بحال المكلَّفُ (٤) في صحة

стр. 207

بدنه وماله وعادته وقدرته من غير تحديد، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والمسافات في القرب والبعد وكثرة الجَلَدِ وقِلته، فمن قدر على الوصول إِلى مكة إِما راجلًا وإما راكبًا بشراءٍ أو كراءٍ فقد لزمه فرضُ الحجِّ، فإِن كان (١) الرجلُ ممن لا يقدر على المشي أو يقدر عليه بمشقة تفدحه (٢) أو كان عيشُه في بلده * يتعذر عليه في طريقه كالصناعة التي لا يجدها، والسؤال الذي لا يجد له موضعًا في طريقه، فهذا لا يجب عليه الحج، حتي يجدَ الزادَ والراحلةَ (٣)، ويلزمه أن يبيع في ذلك ما يبيع عليه السلطان في الدَّيْن (٤). وسئل ابن القاسم عن الرجل تكون له قرية ليس له غيرها أيبيعها في حجة الإِسلام ويترك ولدَهُ لا شيء لهم يعيشون به؟ قال: نعم، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة (٥).

стр. 208

قال أبو الوليد بن رشد: هذا إِذا أمن عليهم الضيعة ولم يخش عليهم التلف؛ لأن الله تعالى أوجب عليه نفقتهم في ماله، كما أوجب عليه الحج، فهما حقان لله تعالى تعيّنا في ماله، فإِذا ضاق عنهما وجب أن يبدأ بنفقة الولد؛ لأن خشية الهلاك عليهم تُسقط عنه فرض الحج (١). مسألة: وفي الذخيرة (٢) قال مالك: يُقَدِّمُ الحج على زواجه، إِلا أن يخاف العنَت (٣) فيتزوج؛ لأن مفاسد الزني عظيمة (٤). ولا يجوز له أن يتزوَّجَ الأمةَ مع وجود الطَّوْل لتوفير المال للحج (٥).

стр. 209

ويُقَدِّمُه على دَيْن والده (١)؛ لأن دَيْن والده لا يجب (٢). مسألة: إِن وجد النفقة لذهابه فقط وجب عليه الحج. قال اللخمي: إِلا أن يخشى الضياع هناك فيراعي نفقة العود إِلى أقرب موضع يعيش فيه. فرع: إِذا لم يكن له مال وبُذِل له مال لم يلزمه قبولُهُ عند الجميعِ؛ لأنَّ أسْبَابَ الوُجُوبِ لا يجبُ تحصيلُهَا على أحد، وكذلك لو بُذل له ذلك على سبيل القرض؛ لأنَّ الدَّيْن يمنع الحج (٣).

стр. 210

فصل: في حج الماشي وله حالاتٌ: الأولى: إِذا كان ذا حرفة في بلده وهو قادر على المشي بغير مشقة فادحة، وحرفته لا تتعذر عليه في الطريق، سواء كانت صنعة أو كرية، فإِن الحج يجب عليه وإِن لم يجد زادًا ولا مركبًا. وقيل: لا يلزمه إِذا كانت حرفته السؤال. الثانية: أن تكون حرفتُه مما تتعذَّرُ عليه في طريقه (١) وهو يقدر على المشي، فالحج واجب عليه إِذا وجد الزاد خاصة. الثالثة: أن تكون حرفته في بلده مما لا تتعذر عليه في طريقه، وهو لا يقدر على المشي فيعتبر في حقه وجود المركب خاصة. الرابعة: إِذا كان عيشُه ببلده من غير السؤال، وهو يقدر أن يتوصل إِلى مكة بالسؤال، فلا خلاف في أنه لا يجب عليه الحج. واختُلِف هل يباح له ذلك أم يُكْرَهُ؟ فقيل: بالإِباحة، وقيل: بالكراهة، والأولُ قولُ مالك في رواية ابن عبد الحكم. والثاني قوله في سَماع ابن القاسم

стр. 211

من كتاب البضائع والوكالات (١). مسألة: وحكم الأعمى إِذا وجد قائدًا حكمُ البصير (٢). مسألة: أفتى أبو الوليد بنُ رشد بأن فرض الحج ساقط عن أهل الأندلس * وأهل المغرب، للمشقة اللاحقة لهم في بلاد المغرب وغيرها (٣).

стр. 212

وقال ابن طلحة الأندلسي (١) في كتابه "المدخل": وقد لقيت في بلاد المغرب وأنا قاصد الحج من المغرب ما اعتقدت معه أن الحج ساقط عن أهل المغرب، بل حرام لما يركبونه من المخاطرات (٢). وأفتى الشيخ أبو بكر الطرطوشي (٣) بأنه حرام على أهل المغرب، فمن

стр. 213

خاطر وحج فقد سقط فرضه ولكنه أثم بما ارتكب من الغرر (١). وقال القاضي (٢) أبو بكر بن العربي: والعجب ممن يقول: إِن الحج ساقط عن أهل المغرب، وهو يسافر من قطر إِلي قطر ويخرق البحار، ويقطع المخاوف في مقاصد دينية ودنيوية، والحال واحد في الخوف والأمن والحلال والحرام وإِنفاق المال وإِعطائه في الطريق وغيره (٣) لمن لا يرضى. فرع: وفي الذخيرة: ويسقط فرض الحج إِذا كان في الطريق عدوٌّ يطلب النفس أو يطلب من المال مَا لَا يَتَحدَّدُ، أو يتحدد ويجحف (٤)، وفي غير المُجْحِفِ

стр. 214

خلافٌ (١). وأفتى الشيخ أبو عِمْرَان الفاسِي (٢) جماعةً مشوا للحج فطلب أعرابيٌّ منهم لكل حمل ثُمُنَ درهم، بأن يرجعوا فرجعوا (٣).

стр. 215

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إِن طلب منه ظالم في الطريق أو في دخول مكة مالًا، فقال بعض الناس: لا يدخل ولا يعطيه وليرجع، والذي أراه أن يعطيه، ولا ينبغي أن يدخل في ذلك خلاف، فإِنه يجوز للرجل أن يصون عرضه ممن يهتكه بمال يدفعه له، وهذا بإِجمَاع الأمة، وقد جاء: "ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة" (١) فكذلك ينبغي أن يشتري دينه ممن يمنعه إِياه. ولو أن ظالمًا قال لرجل: لا أمكنك من الوضوء والصلاة إِلا بجُعْلٍ لوجب عليه أن يعطيه (٢). مسألة (٣): فإِن كان مع الرجل زاد وراحلة إِلا أنه لا يقدر على المشي من اللصوص
следующие страницы →