← Фикх малики

Фикх малики · id 132974

إرشاد السالك إلى أفعال المناسك

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (875 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الحسنات (١)، فالقلب المصر على المعصية واللّاهي عن التوجه والالتجاء إِلى الله تعالى في قضاء حاجته متلاعب مَمْقُوت، والآيات الكريمة دالّةٌ على ذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢). ومعنى فليستجيبوا لي، أي: فليجيبوني بالطاعة. والقلب المصر أو اللاهي غير مجيب، والفاء في قوله ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ جواب الشرط. وقال عزّ من قائل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٣) أي يستكبرون عن دعائي ومسألتي، وقيل: عن توحيدي. وقال عزّ من قال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٤) *. وقال عزّ من قائل: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).

стр. 387

ورُوي عن زيد بن أسلم (١) أنه قال: ما من دَاعٍ يدعُو إِلا كان بين إِحدى ثلاث: إِما أن يُستجاب له، وإِما أن يدخر له، وإِما أن يكفر عنه (٢). ومنها: أن يبتدئ بالصلاة على النبيّ ﷺ في أول دعائه وفي أوسطه، ويختم بالصلاة عليه ﷺ (٣).

стр. 388

ومنها: أن يكون في جلوسه على هيئة التشهد، فإِنها الحالة المشروعة في أشرف العبادات، وهي الصلاة. وأنشد بعضهم (١): وَإِنِّي لأدْعُو الله وَالأمْرُ ضَيقٌ ... عَلَيَّ فَمَا يَنْفَكُّ أنْ يَتَفَرَّجَا ورُبَّ فَتى ضَاقَتْ عَلَيْهِ أمُورُهُ ... أصَابَ لَهَا فِي دَعْوَةِ الله مَخْرَجَا فخذ نفسك بالاجتهاد في ذلك الزمن، فإِنه موقف عظيمٌ تُسكب فيه العبراتُ، وتُقَالُ فيه العثرات، وتُرجَى فيه الطلبات وهو أعظم مجامع الدنيا، فيه يجتمع عباد الله الصالحون، والأولياء المخلصون، فلا تُضيِعْ ذلك الوقتَ بما

стр. 389

لا يعود عليك نفعُهُ وتُرجَى (١) بركته، فإِنه إِذا فات لا يستدرك. مسألة: وقد تقدم أن أول الوقوف زوال الشمس؛ وأما آخره فطلوع الفجر من اليوم العاشر، ولا يجب استيعابُ الوقت إِجماعًا، وأجمعت الأمة على إِجزاء جزء من الليل (٢) فإِن وقف (٣) بها نهارًا دون الليل لم يجزه عند مالك (٤). ويجزئه عند الشافعي (٥) والحنفي (٦) وعليه دم. فلو دفع قبل الليل مغلوبًا عليه، فهل يجزؤه أم لا؟ قولان، ونفي الإِجزاء هو أصل المذهب، وثبوته مراعاة للخلاف (٧).

стр. 390

ولو دفع حين الغروب أجزأه عند ابن القاسم. ولو دفع قبل الغروب ولم يخرج من عرفة حتى غربت الشمس، قال مالك: أجزأه وعليه دمٌ، لعزمه على ترك الليل (١). فرع: ومن جاء ليلًا، وقد دفع الإِمام، أجزأه أن يقف قبل طلوع الفجر (٢). وأما من تعمد ترك الوقوف مع الإِمام نهارًا، أو وقف ليلًا وهو غير مراهق فعليه الهدي. تنبيه: واجتماع الناس يوم عرفة في مساجد الأمصار وقت الوقوف بعرفة يذكرون ويدعون، تشبهًا بالحجاج، نص عليه الشيخ أبو بكر الطرطوشي: أنه من البدع (٣).

стр. 391

وقد قال ابن الجوزي: أجازه ابن عباس ﵄، وكان يفعله (١). وسُئل عنه أحمد بن حنبل فقال: أرجو أن يكون خفيفًا، وقد فعله جماعة من السلف (٢) رحمهم الله تعالى.

стр. 392

فصل: فى الدَّفع من عَرَفة قال القرافي: والسنة الدفع مع الإِمام *، فإِن تقدمه في السير أجزأه (١). قال ابن حبيب: وإِذا دفع الإِمام فارفع يديك إِلى الله ، وسله المغفرة والعفو عنك، وعن والديك وأولادك، وقضاء الحوائج، وادفعْ وعليك السكينةُ والوقارُ، سواءً كنت راكبًا أو ماشيًا، وإِذا كنت ماشيًا فامش الهوينا، وإِن كنت راكبًا فاعنق (٢) ولا تهرول. ولا بأس إِن وجدت فرجةً أن تحرِّك شيئًا (٣). ويكون طريقك بين المأزمَيْن (٤)، وهما الجبلان بين عرفة والمزدلفة، ومن مرّ على غير المأزمين أو سلك وراءهما (٥) فلا شيء عليه.

стр. 393

والمَأزَم: بالهمزة، المضيق، سمّيا مأزمين للضيق الذي بينهما. فرع: ويستحب الإكثار من الذكر وتلاوة القرآن في مسيره إِلى المُزْدَلِفَة (١). ويقول: اللهمّ إِليْكَ أرْغَبُ، وَإِيَّاكَ أرْجُو، فتقبَّلْ نُسْكِي ووفقني وارزقني من الخير أكثر مما أطلب، ولا تخيّبني إِنّك أنت الله الجواد الكريم (٢). ويكثر من قوله: لا إِله إِلا الله، والله أكبر. فرع: قال سند: ومن دفع فلا ينزل ببعض تلك المياه لعشاء أو استراحة (٣) مسألة: فإِذا وصلت إِلى المزدلفة فابدأ بالصلاة قبل أن تحط رحلك (٤)، فتصلي بها المغرب والعشاء جمعًا (٥) وقصرًا، بأذانين وإِقامتين في رواية ابن القاسم، وقيل:

стр. 394

بأذان وإِقامتين، ولا بأس أن تحط رحلك قبل الصلاة مثل: الرحل الخفيف، ما لم تضطر إِلى رحلك لثقل دابتك فلا بأس بذلك. فرع: قال ابن الحاج: ولا تتعش قبل صلاة المغرب، وإِن كان خفيفًا. وافعل ذلك بين صلاة المغرب والعشاء إِن كان خفيفًا، وإِن كان فيه طول فأخّره (١) إِلى بعد العشاء، فهو أولى. فرع: ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق، فقد قال ابن حبيب: لا يصلي حتى يغيب الشفق، وسواء في ذلك الإِمام وغيره. وقال أشهب: يصلّون حينئذ، وخالفه ابنُ القاسم في هذا. مسألة: واختلف فيمن صلّى المغرب والعشاء قبل أن يأتي المزدلفة. فقال ابن حبيب: لا يجزئه ذلك ويعيدهما، وإِن صلاهما بعد مغيب الشفق. وقال أشهب: لا يعيدهما (٢).

стр. 395

وقيل: يعيد العشاء الأخيرة فقط. وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إِلا من به عذر أو بدابّته، ولا يجمع بينهما إِلا بعد مغيب الشفق (١). وقال محمد: يصلي كل صلاة لوقتها. فرع: والصلاةُ مع الإِمام في المزدلفة أفضلُ (٢)، فإِن لم يدرك الإِمام أو لم يقدر على الوصول إِليه صلى في رحله. ولا يتنفل بينهما (٣)، ويتنفل بعدهما ما بدا له ولا بد له (٤) من الوتر.

стр. 396

فرع: والنزول بالمزدلفة المشهور وجوبه، قال القرافي (١) وإِطلاق الوجوب فيه تسامح، وإِنما هو سنة يجب بتركها الدم. قال أبو إِبراهيم: ومن تركه لعذر كالمراهق ونحوه فلا دم عليه، ومن تركه من غير عذر فعليه دم؛ خلافًا لعبد الملك (٢). قال أبو إِبراهيم الأعرج: ومن ترك النزول والوقوف معًا فعليه دم، كان له عذر أو لم يكن (٣). والفرق بين النزول والمبيت أن المبيت الاستراحة * بغير شك، والنزول الواجب يحصل بحط الرحل والتمكن من المبيت (٤). ولا يشترط استغراق النصف الأول من الليل، خلافًا للشافعي (٥).

стр. 397

واختلف عن مالك في القدر المستحق من الزمان بالمزدلفة هل هو الليل كله أو جله أو أقل زمان، حكى ذلك ابن خويز منداد. فرع: ويستحب كثرة التنفل والذكر في ليلة المزدلفة فهي من الليالي المشهورة، وقد انضم إِلى شرف الليلة شرف المكان، وكونه في الحرم والإِحرام (١) ومجمع الحجيج، وليلة العيد عقب ذلك الموقف العظيم (٢). مسألة: فإِذا صلّيت الصبح بالمزدلفة وقفت عند المشعر الحرام تستقبل الكعبة ثم تكبر وتهلل وتحمد الله وتدعو (٣) فتقول: اللهمّ إِني أسألك أن ترزقني في هذا المكان جوامع الخير كله، وأن تصلح لي شأني كله، وأن تصرف عني الشرّ كله، فإِنه لا يفعل ذلك غيرك ولا يجود

стр. 398

به إِلا أنت، اللهمّ كما أوقفتنا (١) فيه وأريتنا إِياه فوفقنا لذكرك، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). ويكثر من قوله: ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٣)، اللهمّ لك الحمد كلّه، ولك الكمال كلّه، ولك الجلال كلّه، ولك التقديس كله، اللهمّ اغفر لي جميع ما أسلفته، واعصمني فيما بقي، وارزقني عملًا صالحًا ترضى به عني يا ذا الفضل العظيم، اللهمّ إِني أتشفع إِليك بخواص عبادك، وأتوسل إِليك بك وأسألك أن ترزقني جوامع الخير كله، وأنْ تَمُنَّ عليّ بما منَنْتَ به على أوليائك الصالحين (٤)، وأن تُصلِحَ حالي في الدنيا والآخرة، يا أرْحَمَ الرَّاحمين (٥).

стр. 399

مسألة: قال ابن الحاج: المزدلفة والمشعر وجمع (١) وقزح (٢) أسماء مترادفة، وعلى هذا فيقف في أي موضع شاء من المزدلفة، والمعروف أن المشعر - موضع خاص في المزدلفة - (٣) ودليل الأول قول سعيد بن جبير: ما بين الجبلين موقف (٤). وقال ابن حبيب: المشعر ما بين جبلي المزدلفة، ويقف الإِمام حيث المنارة التي على قزح، ويكون وجهك في وقوفك بالمشعر قبالة البيت، وجاء أنه ﵇ وقف على قزح، وقال: "هذا قزح وهو موقف، وجمع كلها موقف" (٥) نقله ابن الحاج.

стр. 400

مسألة: قال ابن القاسم: والوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح (١). قال ابن الحاج: والشأن أن تصلي الصبح حين يتصدع الفجر، ومن وقف بعد الفجر، وقبل أن يصلي الصبح، فهو كمن لم يقف. فرع: ومن بات بالمشعر الحرام فلم يقف حتى دفع الإِمام، فلا يقف بعده ولا يتخلف عنه. فرع: لو أتى بعد الفجر ونزل بالمزدلفة، فقال ابن القاسم: لا دم عليه، وقال أشهب: عليه الدم (٢) قاله * اللخمي. فرع:

стр. 401

قال اللخمي: وإن كان قد وقف بعرفة ليلًا وأتى بعد طلوع الشمس، فلا يقف بالمشعر؛ لأن وقت الوقوف قد ذهب. فرع: إِذا دفع من عرفة إِلى مِنى ولم ينزل بالمزدلفة، فقال مالك: عليه دم، خلافًا لابن الماجشون، فإِنه قال: لا دم عليه، قاله اللخمي. وقال ابن رشد في المقدمات: وذهب ابن الماجشون إِلى أن الوقوف بالمشعر فريضة (١). قال أبو إِبراهيم الأعرج: ولعل له قولين (٢). وإِن نزل بها ثم دفع إِلى مِنى أول الليل أو وسطه فلا دم عليه. فرع: وإِذا نزل بالمزدلفة ولم يقف بالمشعر الحرام، فقال مالك وابن القاسم: لا دم عليه (٣)، وإِن وقف بالمشعر ولم ينزل بالمزدلفة فعليه الدم.

стр. 402

فرع: ولا يقف أحد بالمشعر إِلى طلوع الشمس، ولا إِلى الإِسفار جدًّا، ولكن يدفع قبل ذلك، فإِذا أسفر ولم يدفع الإِمام دفع الناس وتركوه، ومن تأخر إِلى طلوع الشمس فقد أساء، ولا شيء عليه (١). قال ابن الحاج: ووقت دفع الإِمام من المشعر الإِسفار الذي يجوز تأخير الصلاة إِليه. وفي طرر التهذيب لأبي الحسن (٢): هو الإِسفار الأول لا الثاني (٣).

стр. 403

وقاله اللخمي في التبصرة. فرع: ويستحب الدفع من المشعر بدفع الإِمام، وواسع للنساء والصبيان أن يتقدموا أو يتأخروا، وإِن قُدِّموا فيكون تقديمهم في آخر الليل قبل صلاة الصبح، فيصلون الصبح بمِنى (١). وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄: أنه كان يقدم ضَعَفَةَ أهْلِه، فيقفون عند المشعر الحرام بالليل (٢) فيذكرون الله تعالى ما بدا لهم؛ ثم يدفعون قبل أن يقف الإِمام (٣). وعلى هذا فينبغي لمن رحل ليلًا أن يفعل فعلهم ويقتدي بهم في ذلك، ولا يحرم نفسه الوقوف إِذا فاته الوقوف على سنته.

стр. 404

فرع: وفي الحاوي لأبي الفرج (١): إِذا أخر الدافع مجيئه من عرفة إِلى المزدلفة حتى فاته المبيت والصلاة بها لم يقف بالمشعر. قال ابن القاسم: وأرى أن يقف. وقال مالك: إِن فاته البيت بالمشعر وأراد الصلاة مع الإِمام وقف معه. انتهى. ومراده: وأدرك معه صلاة الصبح، لقوله: وفاته المبيت. فرع: قال ابن حبيب: وتفعل في الدفع من المشعر من الذكر والسكينة مثل فعلك في الدفع من عرفة، وتهرول في بطن مُحَسِّر (٢) اقتداءً بالنبي ﷺ (٣) وأصحابه ﵃ والأئمة بعده، وهي السنة، ومقدار ما تهرول

стр. 405

في بطن محسر هو (١) قدر رمية حجر؛ لأنه ورد ذلك في حديث جابر (٢). قال مالك: وأحب للمحرم الماشي إِذا هبط من محسر أن يسعى على قدميه مثل ما يصنع الراكب، ومن ترك الإِسراع فلا شيء عليه - راكبًا كان أو ماشيًا - فإِذا خرجت من بطن محسر رجعت إِلى السكينة والوقار.

стр. 406

فصل واختلف من أين ينبغي له أخذ الجمرات؟ والذهب أن له أخذَهَا من حيث شاء، واستحب الجمهور أن يأخذها من المُزْدَلِفَة ليلةَ مبيته بها (١) ويلتقطها لقطًا * وهو أفضل من كسرهَا (٢). وفي الحديث: أن النبي ﷺ أمر بأخذها من وادي محسر (٣). تنبيه (٤): والقدر المستحب لقطه من المزدلفة هي السبع التي يرميها في جمرة العقبة، وليس مراده جميع الجمار، قاله ابن حبيب في مختصر الواضحة. قال: ووجه ذلك أنه مأمور بالمبادرة برميها عند وصوله إِلى مِنى كما سنذكره. وقدرها قدر البندقة كما قاله ابن جماعة التونسي.

стр. 407

وقال ابن عطاء الله الإِسكندري: ينبغي أن تكون فوق الفستقة ودون البندقة، ولا تكون من حصى المسجد الحرام ولا مما رمي به، فإِن ذلك مكروه، وتكون الجمار طاهرة. وهي سبعون حصاة لمن لا يتعجل، وتسع وأربعون لمن يتعجل. قال ابن الحاج: ورمي الجمار بالحجارة، وما عدا الحجارة من حجارة الكُحْل والزرنيخ وشبهها من المعادن أو الذهب. فإِذا وصلت إِلى مِنى فترمي جمرة العقبة بسبع حصيات على الهيئة التي جئت عليها من ركوب أو مشي، قبل أن تحط رحلك. قال سند: لأنها تحية الحرم، وذلك ضحى يوم النحر فتكبر مع كل حصاة رافعًا صوتك (١). فرع: وفي الذخيرة قال سند: اختلف في تحديد أول وقت (٢) رميها، هل هو نصف الليل أو طلوع الفجر أو طلوع الشمس (٣). قوله: نصف الليل، لم أره، والمعروف في المذهب أن أوله طلوع الفجر.

стр. 408

وقال ابن رشد في البيان: إِنه إِن رمى قبل طلوع الفجر لم يجزه بلا خلاف (١). وفي التهذيب: الشأن أن يرميها ضحوة، فإِن رميت بعد الطلوع (٢)، وقبل طلوع الشمس أجزأك، وأما قبل الفجر فيلزم الإِعادة، والرجال والنساء سواء (٣). قال ابن عطاء الله: قال بعض أصحابنا: ويقول مع كل حصاة: الله أكبر في طاعة الرحمَن وغضب الشيطان (٤). وقال ابن الحاج: تكبر ثلاثًا وتقول: على رغم الشيطان وطاعة الرحمن.

стр. 409

تنبيه: وخُصَّ التكبير دون سائر الذكر للسنة (١)، فإِن سبح ولم يكبّر فقال ابن القاسم: ما سمعت فيه شيئًا (٢). وقال أبو الوليد الباجي: لا شيء عليه عندي؛ لأنه لو ترك التكبير فلا شيء عليه، قاله ابن القاسم (٣). وتقف للرمي من أسفل الجمرة من بطن الوادي وأنت مستقبل القبلة والعقبة (٤) عن يمينك. قال مالك: وإن رماها من فوقها أجزأه. وقال القاضي عياض: ويرمي جمرة العقبة من حيث تيسر عليه من أعلى العقبة أو أسفلها أو وسطها، كل ذلك يجزئ، والمستحب من بطن الوادي من

стр. 410

أسفلها (١) كما جاء في الحديث (٢)، هذا كله قول كافة العلماء. وقال الباجي: من رمى جمرة العقبة من أسفلها فليجعل مِنى عن يمينه ومكة عن يساره، ويستقبل العقبة (٣). فرع: قال اللخمي: وتوالي الرمي مع التكبير برفع الصوت، ولا تقف عندها للدعاء * ولا لغيره. قال ابن الحاج: وقل: اللهمّ اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا.

стр. 411

مسألة: ووقت أدائها يوم النحر من طلوع الفجر إِلى الغروب وقيل: الأفضل في أدائها من طلوع الشمس إِلى الزوال وما بعده لأهل الأعذار كالمريض والناسي. ووقع لابن القاسم في العتبية: إِذا زالت الشمس يوم النحر فقد فات الرمي إِلا لمريض أو ناسٍ (١). وحمل على فوات وقت الفضيلة. وسيأتي ذكر وقت قضائها في بيان وقت الرمي. قال ابن المعلى: واستحب بعض المتأخرين من المالكية أن يرجع إِلى مِنى بعد رميه من فوق الجمرة، ولا يرجع على طريقه لئلا يضر الناس بالمزاحمة. فصل ثم تنزل في منزلك من مِنى، وتقول: الحمد لله الذي بلغنيها (٢) سالمًا معافى، اللهمّ هذه مِنى قد أتيتها وأنا

стр. 412

عبدك، وفي قبضتك، أسألك أن تَمُنَّ عليَّ بِمَا مننتَ به على أوليائك، اللهمّ إِني أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني، يَا أرحم الراحمين (١). فصل فإِذا نزلت بمِنًى بعد رمي جمرة العقبة، فإِن كان معك هدي بدأت به قبل الحلق فتنحره؛ لأن سائق الهدي لا يحلّ من شيء حتى ينحر هديه. وتقول عند نحره: بسم الله، اللهمّ منك وإِليك فأسألك أن تتقبل مني كما تقبلت من إِبراهيم خَليلك ونبيك ﵇ (٢). ولا تذبح حتى ترمي الجمرة، ومن ذبح قبل الرمي أو حلق بعد الرمي وقبل الذبح أجزأه ولا شيء عليه. فصل ووقت نحر الهدايا وذبحها بعد الفجر، والأفضل ضحوة، ومن ذبح قبل الفجر أعاد.

стр. 413

والهدي: جزاء الصيد، وما وجب لأجل نقص في حج أو عمرة كدم القِران والتمتع والفساد والفوات وغيرهما، ومن ذلك ما نوى به الهدي من النسك، وإِن لم ينو به هديًا فهو نُسك وليس بهدي. والنُّسُك: ما وجب لإِلقاء التفث وطلب الرفاهية من اللباس، والدهن والطِّيب ونحو ذلك (١)، ودم النسك لا يختص بزمان ولا مكان (٢). فرع: وكره مالك أن ينحر هديه أو أضحيته غيره، فإِن استناب أجزأه (٣) إِلا أن يكون النائب غير مسلم فلا يجزئه. وسيأتي بيان أيام النحر.

стр. 414

فصل ثم تحلق رأسك (١)، فإِذا نحرت وحلقت فقد حل لك كل شيء إِلا النساء والصيد والطيب (٢). فإِن تطيبت قبل طواف الإِفاضة فلا شيء عليك (٣) على المشهور. فرع: قال اللخمي: الناس في الحلق والتقصير على ثلاثة أوجه: حلاق وتقصير، وتخيير بينهما.

стр. 415

فالحِلاق: لمن لا وَفْرة (١) له، وللأقرع ولمن لبّد (٢) أو عقص أو ظفر من الرجال، إِذا لم يمكن تقصيره كذلك. والتقصير: فرض النساء، فلا يجوز لهنّ أن يحلقن إِلا لضرر (٣) برؤوسهنّ (٤)؛ لأن حلْقَهُنَّ مُثلةٌ (٥)، وكذلك بنت تسع أو عشر تقصر ولا تحلق، وإِن كانت * صغيرةً جازَ أن تحلقَ أو تقصرَ. والخِيَار بينهما: لمن له وَفْرَةٌ من الرَّجَال، ولم يلبِّد ولا ظفر ولا عقص.

стр. 416

قال الشيخ أبو محمد البلنسي (١) في شرح الرسالة: الحِلاق ثلاثة: فرض وسنة ومكروه. فالفرض: لمن لبّد أو عقص. والسنة: لمن لم يلبد ولم يعقص. والمكروه: للنساء لأنه مثله. قال ابن حبيب: والتلبيد أن يجعل الصمغ في الغاسول ثم يلطخ به رأسه عند الإِحرام، ليمنعه من الشعث. والعقص: أن يجمع شعره في قفاه إِذا كان مجممًا لئلا يشعث. والعقد مثله. والظفر: أن يظفر رأسه إِذا كان مُجَمَّمًا، لئلا يشعث.

стр. 417

فصل: في موضع الحلاق (١) وصفته ووقته فأما موضعه فقال الباجي: موضع الحلاق في الحج مِنى وفي العمرة مكة وذلك على وجه الاستحباب، فلو حلق في الحج بمكة أو مِنى أو في الحل فلا شيء عليه إِذا حلق في أيام مِنى (٢). قال ابن الحاج: قال مالك: موضع الحلاق أو التقصير في الحج عند الجمرة أو حيث شاء من مِنًى. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا ينبغي لأحد أن يحلق خلف العقبة، ذكره في النوادر (٣). وأما وقته فبعد طلوع الفجر ورمي جمرة العقبة ونحر الهدي إِن كان، وأما آخر وقته فآخر أيام الرمي، فإِن لم يحلق فيها حلق وأهدى سواء كان بمكة أو رجع إِلى بلده. فرع: فلو توجه للإِفاضة قبل الحلق فذكر وهو بمكة قبل الطواف، فليرجع حتى يحلق ثم يفيض.

стр. 418

فرع لو قدم الإِفاضة على الرمي والنحر والحلق، فعن مالك: الإِجزاء مع الهدي، وقيل لا يجزئه، وهو كمن لم يفض، وقيل: يعيد الحلق مع الإِفاضة (١). وقال الباجي: ومن أفاض قبل الحلق فاختلف فيه (٢). وفي المختصر: أنه يرجع فيحلق ثم يفيض، فإِن لم يفض فلا شيء عليه، وقيل: ينحر ثم يحلق ولا شيء عليه. فرع: ومن حلق قبل النحر فلا فدية عليه على الأصح (٣)، ومن نحر قبل الرمي فلا فدية عليه. وأما من حلق قبل أن يرمي فعليه فدية الأذى (٤).

стр. 419

وهذا فيمن أفرد الحج، وسواء كان قدّم السعي أو أخّره كالمراهق أو المحرم بالحج من مكة، وأما القارن فمشهور مذهب مالك أنَّ حكمَه في ذلك حكم المفرد. وذكر أبو بكر بن الجهم (١) أن القارن لا يحلق بعد الرمي حتى يطوف ويسعى (٢). تنبيه: ومعنى هذه الرواية: أن هذا القارن أخر الطواف الأول والسعي إِلى يوم النحر؛ لأن الذي لم يؤخرهما قد طاف وسعى لعمرته، ولم يبق له إِلا

стр. 420

طواف الإِفاضة، ولا شركة للعمرة فيه، وحكمه أن يحلق كما يحلق الحاج، هكذا فسره اللخمي. فرع: ومن ضلَّتْ (١) بدنته يوم النحر أخر الحلاق وطلبها ما بينه وبين الزوال، فإِن وجدها وإِلا حلق * وأفاض، وفعل ما يفعله من ليس معه هَدْيٌ، من وطءِ النساءِ وغيره كان ذلك الهدي مما عليه بدلُه أم لا. فرع: والحِلَاق يجمع أمريْن: كونه نسكًا من مناسك الحج كالرمي، وكونه تحللًا يبيح بعض ما كان ممنوعًا منه. فرع: لو وطئ قبل الحلق حلق بعد ذلك وأهدى، ولو كان قد طاف طواف الإِفاضة (٢)، وسواء كان ذلك في أيام مِنى أو بعد أن وصل بلده، وذلك بخلاف الصيد. فلو صاد (٣) بعد طواف الإِفاضة وقبل الحق فلا يلزمه جزاء؛ لأن الصيد

стр. 421

حل له بالإِفاضة، وتأخير الحلق لا يمنع من الصيد. وأما صفته، فقال الباجي: نقل ابن المواز عن مالك، أن من الشأن أن يغسل رأسه بالخطميّ (١) والغاسول، حين يريد أن يحلق (٢). ومعناه: إِن كان قد لبّد رأسه؛ لأن ذلك أيسر عليه ولا يلزمه بما تساقط من شعره وإِزالة الشعث شيء. وأما المعتمر فيكره أن يغسل رأسه قبل حلقه أو يقتل شيئًا من الدواب أو يقص شاربه أو أظفاره أو يلبس مخيطًا، بعد تمام السعي وقبل الحلق (٣). قال ابن حبيب: فإِن فعل فلا شيء عليه. والفرق بينهما: أن الحاج قد وجد منه قبل الحلاق تحلل وهو الرمي، والمعتمر لم يوجد منه قبل الحلاق تحلل (٤). ويبدأ الحالق بالشق الأيمن (٥) ويستقبل القبلة، ويستحب أن يكثر من

стр. 422

الدعاء وقت الحلاق، فإِن الرحمة تغشى الحاج عند حلاقه، فيما ذكر أهل العلم. ولتقل في دعائك: اللهمّ لك وضَعْتُ شعري، فحطُّ عني وزري وزكِّ لي عملي، واغفِرْ لي ذُنُوبي، اللَّهمَّ اكتُبْ لِي بكل شعرةٍ حسنة، وامْحُ بها عني سيئةً، وامح عنِّي بها سيئة، وارفع لي بها درجةً، واغفر لي وللمحلقين والمقصرين يا أرحم الراحمين يا واسع المغفرة (١). فإِذا فرغت من حلاقك كبَّرْتَ وقلتَ: الحمد لله الذي قضى عنا نسكنا، اللهمّ زدْنَا إِيمَانًا وتوفيقًا ويقينًا وعونًا، واغفر لنا ولآبَائِنَا ولأمّهَاتِنَا وللمسلمين أجمعين (٢). فرع: ولا يتم نسك الحلق إِلا بحلاق جميع الرأس والشعر الذي على الأذنين.

стр. 423

قال ابن الحاج: قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن الحاج لا يحلق ما على أذنيه من الشعر. قال التادلي في منسكه: وينبغي أن يكون النظر في كونها من الرأس أو من الوجه كما ذكر في الوضوء. قال الباجي: ويبلغ في الحلق إِلى العظمين اللذين في الصدغين (١). قال ابن حبيب: ولا يجزئ حلق بعض الرأس. حكاه الشيخ أبو بكر وغيره عن مالك (٢). قال سند: الخلاف في استيعاب الرأس حلقًا كالخلاف في استيعابه مسحًا في الوضوء (٣). وأما التقصير فلا يخلو أن يكون المقصر رجلًا أو امرأة، فإِن كان رجلًا

стр. 424

قصر من جميع شعر رأسه (١) واستوعبه بالتقصير ويجز ذلك جزا من قرب أصوله، فإِن لم يجزه * من قرب أصوله وأخذ منه فقد أخطأ ويجزئه. قاله الباجي (٢). قال الطرطوشي: ومعنى ذلك أن يأخذ منه ما يقع عليه اسم التقصير، وليس ذلك بأن يأخذ الشيء اليسير، وهو ممنوع أن يفعل من ذلك ما تفعله المرأة فتأخذ (٣) قدر الأنملة أو فوقها أو دونها قليلًا وتجمع أطراف قرونها ليعم التقصير جميع شعرها. قال مالك: ليس لذلك عندنا حد معلوم، وما أخذَتْهُ منه أجزأها، ولا بد أن تعم الشعر كله طويله وقصيره. نقله الباجي (٤). تنبيه: قال أبو عمرو (٥) بن القطان في كتاب النظر في أحكام النظر: لا

стр. 425

يقصر للمرأة رجل سواء كانت شابة أو عجوزًا، بل هي أو امرأة أو محرم (١). فرع: ويمر الأقرع الموسى على رأسه (٢) لأنها عبادة تتعلق بالشعر، فينتقل إِلى البشرة كالمسح في الوضوء، والدليل فعل عمر ﵁ لذلك. فرع: ولا بأس للحاج بعد رمي جمرة العقبة أن يحلق عانته ويقص أظفاره ويأخذ من شاربه (٣) ولحيته قبل أن يحلق رأسه (٤) بخلاف المعتمر، وقد تقدم
следующие страницы →