حل له بالإِفاضة، وتأخير الحلق لا يمنع من الصيد.
وأما صفته، فقال الباجي: نقل ابن المواز عن مالك، أن من الشأن أن يغسل رأسه بالخطميّ (١) والغاسول، حين يريد أن يحلق (٢).
ومعناه: إِن كان قد لبّد رأسه؛ لأن ذلك أيسر عليه ولا يلزمه بما تساقط من شعره وإِزالة الشعث شيء.
وأما المعتمر فيكره أن يغسل رأسه قبل حلقه أو يقتل شيئًا من الدواب أو يقص شاربه أو أظفاره أو يلبس مخيطًا، بعد تمام السعي وقبل الحلق (٣).
قال ابن حبيب: فإِن فعل فلا شيء عليه.
والفرق بينهما: أن الحاج قد وجد منه قبل الحلاق تحلل وهو الرمي، والمعتمر لم يوجد منه قبل الحلاق تحلل (٤).
ويبدأ الحالق بالشق الأيمن (٥) ويستقبل القبلة، ويستحب أن يكثر من
стр. 422
الدعاء وقت الحلاق، فإِن الرحمة تغشى الحاج عند حلاقه، فيما ذكر أهل العلم.
ولتقل في دعائك: اللهمّ لك وضَعْتُ شعري، فحطُّ عني وزري وزكِّ لي عملي، واغفِرْ لي ذُنُوبي، اللَّهمَّ اكتُبْ لِي بكل شعرةٍ حسنة، وامْحُ بها عني سيئةً، وامح عنِّي بها سيئة، وارفع لي بها درجةً، واغفر لي وللمحلقين والمقصرين يا أرحم الراحمين يا واسع المغفرة (١).
فإِذا فرغت من حلاقك كبَّرْتَ وقلتَ: الحمد لله الذي قضى عنا نسكنا، اللهمّ زدْنَا إِيمَانًا وتوفيقًا ويقينًا وعونًا، واغفر لنا ولآبَائِنَا ولأمّهَاتِنَا وللمسلمين أجمعين (٢).
فرع:
ولا يتم نسك الحلق إِلا بحلاق جميع الرأس والشعر الذي على الأذنين.
стр. 423
قال ابن الحاج: قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن الحاج لا يحلق ما على أذنيه من الشعر.
قال التادلي في منسكه: وينبغي أن يكون النظر في كونها من الرأس أو من الوجه كما ذكر في الوضوء.
قال الباجي: ويبلغ في الحلق إِلى العظمين اللذين في الصدغين (١). قال ابن حبيب: ولا يجزئ حلق بعض الرأس. حكاه الشيخ أبو بكر وغيره عن مالك (٢).
قال سند: الخلاف في استيعاب الرأس حلقًا كالخلاف في استيعابه مسحًا في الوضوء (٣).
وأما التقصير فلا يخلو أن يكون المقصر رجلًا أو امرأة، فإِن كان رجلًا
стр. 424
قصر من جميع شعر رأسه (١) واستوعبه بالتقصير ويجز ذلك جزا من قرب أصوله، فإِن لم يجزه * من قرب أصوله وأخذ منه فقد أخطأ ويجزئه. قاله الباجي (٢).
قال الطرطوشي: ومعنى ذلك أن يأخذ منه ما يقع عليه اسم التقصير، وليس ذلك بأن يأخذ الشيء اليسير، وهو ممنوع أن يفعل من ذلك ما تفعله المرأة فتأخذ (٣) قدر الأنملة أو فوقها أو دونها قليلًا وتجمع أطراف قرونها ليعم التقصير جميع شعرها.
قال مالك: ليس لذلك عندنا حد معلوم، وما أخذَتْهُ منه أجزأها، ولا بد أن تعم الشعر كله طويله وقصيره. نقله الباجي (٤).
تنبيه:
قال أبو عمرو (٥) بن القطان في كتاب النظر في أحكام النظر: لا
стр. 425
يقصر للمرأة رجل سواء كانت شابة أو عجوزًا، بل هي أو امرأة أو محرم (١).
فرع:
ويمر الأقرع الموسى على رأسه (٢) لأنها عبادة تتعلق بالشعر، فينتقل إِلى البشرة كالمسح في الوضوء، والدليل فعل عمر ﵁ لذلك.
فرع:
ولا بأس للحاج بعد رمي جمرة العقبة أن يحلق عانته ويقص أظفاره ويأخذ من شاربه (٣) ولحيته قبل أن يحلق رأسه (٤) بخلاف المعتمر، وقد تقدم
стр. 426
الفرق بينهما (١). قاله الباجي.
ومراده بالأخذ من اللحية: أن يأخذ من طولها (٢).
وكان ابن عمر ﵄ يقصر ما زاد على القبضة (٣).
وقال ابن حبيب في الواضحة: وبالغ في الأخْذِ من اللحية عند حلاقك رأسك، فإِنه مستحب في ذلك الوقت، ما لا يستحب في غيره (٤).
стр. 427
فرع:
والحلاق بالموسى؛ فمن حلق بالنورة، فقال ابن القاسم في المدونة: يجزئه (١).
وقال أشهب: لا يجزئه، ورآه تعبدًا فيقتصر (٢) فيه على السنة.
فرع:
ومن حل من عمرته في أشهر الحج فالحلاق له (٣) أفضل إِلا أن تقرب (٤) أيام الحج، ويريد الحج، فليقصر لمكان حلاقه في الحج قاله ابن المواز (٥).
стр. 428
فصل: في طواف الإفاضة
وينبغي أن لا يؤخر طواف الإِفاضة بعد الحلق إِلا بقدر ما يقضي حوائجه التي لا بد له منها، فيذهب إِلى مكة فيطوف طواف الإِفاضة.
ويُسمَّى طوافَ الزيارةِ، وطواف الصَّدَر (بفتح الصاد والدال) وطواف الفرض، وطواف الركن (١)، قاله النووي في منسكه (٢).
وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة، أو يقال: زرنا قبره ﵊ (٣).
стр. 429
قال ابن رشد في جامعه: قيل: إِنما كره ذلك لما للزائر من فضل على المزور في صلته (١) بزيارته إِياه، وإِنما تفعل الزيارة تأدية لما يلزم من فعله (٢) ورغبته في الثواب عليه (٣).
وهذا الطواف ركن من أركان الحج بالإِجماع (٤).
قال القرافي في الذخيرة: وتحديد أول وقته مبني على تحديد أول وقت
стр. 430
الرمي هل هو بعد طلوع الشمس يوم النحر أو طلوع الفجر أو نصف الليل (١).
ولعله يريد بعد نصف الليل * على مذهب الشافعي (٢).
ولا يجوز قبل يوم عرفة إِجماعًا.
تنبيه:
قال القاضي عياض: واختلف فيمن طاف غيرَه من طواف قدوم أو وداع أو تطوع ونسي طواف الإِفاضة حتى رجع إِلى بلده؟
وعن مالك وأصحابه: في إِجزاء طواف القدوم عنه روايتان.
وأكثر العلماء ومشهور قولي مالك: أنه لا يجزئه (٣).
واختلف أيضًا عندنا: هل يجزئ طواف الوداع عن طواف (٤) الإِفاضة؟ والأشهر أنه يجزئ (٥).
стр. 431
وكذلك طواف التطوع.
يريد: إِذا تطوع يوم النحر وأما قبله فلا يجزئه (١).
وأما تحديد آخر وقته، فالمشهور تمام الشهر، وعليه دم بدخول المحرَّم. والخلاف في آخر وقته مبني على الخلاف في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وقيل: العشر منه.
وقيل: إِن أشهر الحج تنقضي بفراغ أيام الرَّمْي.
وفائدة هذا الخلاف تظهر في تأخير طواف الإِفاضة، فعلى المشهور: لا يلزم الدم إِلا من أخره إِلى المحرم (٢). وعلى القول الثاني: من أخره إِلى الحادي عشر لزمه الدم. ذكره أبو بكر الطرطوشي في تعليقه الخلاف.
وعلى القول الثالث: إِن أوقعه في اليوم الرابع عشر لزمه الدم.
وفي المدونة: إِن أخره حتى مضت أيام التشريق، فانصرف من مِنى إِلى مكة فلا بأس (٣). وإِن أخره أيامًا حتى تطاول طاف وأهدى.
وهذ اخارج عن الأقوال الثلاثة، فيكون رابعًا. قاله ابن عبد السلام.
стр. 432
فرع:
فإِذا طفت طواف الإِفاضة فلا تسع بعده إِن كنت قد سعيت عقيب طواف القدوم، وإِن كنت لم تسع سعيت عقيب طواف الإِفاضة (١).
هذا (٢) حكم المفرد والقارن، وأما المتمتع الذي طاف وسعى قبل عرفة ثم أحرم بالحج فإِنه يطوف طواف الإِفاضة ويسعى.
فرع:
فلو أخر غير المتمتع طواف القدوم والسعي عامدًا، حتى خرج إِلى مِنى، فليطف وليسع إِذا رجع من مِنى ويهدي.
وإِن كان ناسيًا أو مراهقًا فلا دم عليه.
قال ابن الجلاب: والقياس عندي في الناسي أن عليه الدم بخلاف المراهق (٣).
стр. 433
وقاله الأبهري (١).
فرع:
فإِذا طفت طواف الإِفاضة فقد حل لك (٢) النساء والصيد والطيب، بشرط تقدم الحلاق.
فرع:
فإِن حاضت المرأة أو نفست قبل طواف الإِفاضة لم تبرح حتى تفيض، ويحبس عليها كريُّها (٣) أقصى جلوس النساء في الحيض والاستظهار (٤)، ويحبس في النفاس ستين يومًا (٥).
стр. 434
واستحسن في سماع أشهب أن تعينه في العلف (١).
قال القرافي: وحيث قلنا بحبسه فلا يزاد على الكراء الأول.
وأما المحْرَم فيحبس عليها حتى يمكنها النفر. وأما الرفقة فإِن كان حبسها لهم اليومين والثلاثة حبسوا مع الكري، وإِن كان أكثر من ذلك لم يُحبسْ إِلا الكري والمحرم *.
تنبيه:
قال القرافي وغيره: إِنما يُحبَسُ عليها كَرِيُّها إِذا كان يمكنه الانفراد في السفر، كالقرى التي حول مكة شرفها الله تعالى. وأما أهل الآفاق البعيدة الذين لا يسيرون إِلا جملة فلا يحبس عليها الكري، ويفسخ الكراء بينهما، وكراؤه محمول على زمن الحج (٢) عادة؛ لأنها لو صرحت له بذلك عند العقد لم يرض، وهي كالمحصر بالعدو، وللكري عليها حق الفسخ (٣).
стр. 435
فرع:
ولا يلزمها إِذا فاسخها (١) الكري جميع الأجرة، ويحتمل أن يقال بلزومها، لأن الامتناع منها، قاله في الذخيرة (٢).
فرع:
وفي الذخيرة: وروي عن سحنون أن من حبسها الحيض عن طواف الإِفاضة فإِنها تطوف، للخلاف في اشتراط الطهارة في الطواف؛ ولأنه يستباح للضرورة كقراءة القرآن للحائض لضرورة النسيان (٣) وما هنا أعظم (٤).
قال التادلي: وعلى ما قاله سحنون من أنها تطوف كذلك فتؤخر الركوع حتى تطهر وتهدي.
قال التادلي: وخرّج بعض فضلاء الشافعية من أهل عصرنا على أحد قولي مالك، فيمن نسي طواف الإِفاضة، وقد كان طاف للقدوم ولم يذكر حتى رجع إِلى بلده: أنه يجزئه عن طواف الإِفاضة، فكذلك (٥) ينبغي قضاء
стр. 436
الصلاة بالحيض بخلاف النسيان، فإِذا طافت للقدوم ثم طرأ عليها الحيض قبل الإِفاضة انصرفت وتركت الطواف للضرورة، وكانت بمنزلة من رجع إِلى بلده ناسيًا للطواف وقد كان طاف للقدوم.
قال: وهو تخريج لا بأس به. انتهى.
تنبيه:
واعلم أن التخريج ليس بقول، ولا يجوز أن ينسب لمن خُرِّج على قوله أنه يقول به. نقله التادلي في شرح الرسالة عن الشيخ أبي إِسحاق الشيرازي (١).
وقال ابن عبد السلام من أصحابنا: القول المُخَرَّجُ لا يقلده العامي ولا ينصره الفقيه ولا يختاره المجتهد.
يريد: ولا يجوز الحكم ولا الفتيا به.
فهذا التخريج، وإِن كان ظاهرًا، لا بأس به كما قاله التادلي فلا يجوز أن يقلده العامي ولا يفتي به الفقيه، ولا يخرج عن المذهب بمثل (٢) هذا التخريج.
стр. 437
تنبيه:
وما يفعله النساء من الأدوية لقطع الدم وحصول الطهر، وإن علمت أنه إِنما يقطع الدم اليوم ونحوه، فلا يجوز لها ذلك، وحكمها حكم الحائض. وإِن استدام انقطاعه نحو ثمانية أيام أو عشرة فقد صَحَّ طوافها إِذا طافت في ذلك الطهر، وإِن عاودها الدم في اليومين والثلاثة إِلى الخمسة فقد طافت وهي محكوم بها حكم (١) الحيض، فكأنها طافت مع وجود الدم. ولم أر نصًا في جواز الإِقدام على ذلك، إِذا كانت جاهلة بتأثيره في الدوام.
وقد سئل الشيخ الإِمام أبو محمد عبد الله المنوفي (٢) عن امرأة عالجت استعجال دم الحيض لقصد الخروج من العدة فجاءتها الحيضة فهل تخرج * من العدة؟ فقال: الظاهر أنها لا تخرج من العدة بذلك. وتوقف عن ترك الصلاة والصيام.
قال صاحب التوضيح (٣): وإِنما قال: الظاهر، لاحتمال أن استعجاله لا
стр. 438
يخرجه عن الحيض، فعلى بحثه في أن استعجاله لا يؤثر فينبغي أن رفعه لا يؤثر، لا سيما إِذا عاودها بقرب ذلك، والله أعلم.
وقال ابن رشد: وسئل مالك عن المرأة تخاف تعجيل الحيض فيوصف لها شراب تشربه لتأخير الحيض؟ قال: ليس ذلك بصواب وكرهه.
قال ابن رشد: إِنما كرهه مخافة أن تدخل على نفسها الضرر (١) في جسمها (٢). انتهى.
فانظر هل هذا مثل (٣) الأدوية التي تقطع الدم بعد وجوده أم لا؟ وهو الظاهر فإِن المرأة بعد إِتيان الدم محكوم عليها بأنها حائض ولا يزول حكمه إِلا بدوام انقطاعه (٤) أقل مدة ما بين الدمين، فتأمله.
стр. 439
فصل
فإِذا فرغت من الإِفاضة فينبغي التعجيل بالعود إِلى مِنى (١)، ولا تقيم بمكة للتنفل بالطواف، وخفف (٢) أن تقيم لأجل الصلاة إِذا أذن وأنت بمكة.
فإِذا رجعت إِلى مِنى فصل الظهر ثم كبّر، فإِنه يُستحب التكبير عقب خمس عشرة مكتوبة أولها ظهر يوم النحر وآخرها صلاة الصبح من اليوم الرابع وهو آخر أيام التشريق. ويفعل ذلك أهل سائر (٣) الآفاق تشبهًا بأهل مِنى، وبيان ذلك: أن أول صلاة يكبر بعدها أهل مِنى هي صلاة الظهر من يوم النحر؛ وآخر ذلك صلاة الصبح يوم الرابع.
وأما صلاة الظهر فإِنهم ينفرون بعد الزوال وقبل الصلاة فيصلون الظهر في المحصب، بهذا وردت السنة (٤).
стр. 440
وصفة التكبير (١): الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إِله إِلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، الحمد لله على ما هدانا، اللهمّ اجعلنا لك من الشاكرين.
فرع:
قال ابن حبيب: ينبغي لأهل مِنى وغيرهم أن يكبروا أول النهار، ثم إِذا ارتفع، ثم إِذا زالت الشمس بعد الصلاة والرمي، ثم بالعشي، وكذلك فعل عمر بن الخطاب ﵁ (٢).
يريد: ويجهرون (٣) بالتكبير.
стр. 441
فرع:
ومن نسي التكبير عقيب الصلاة كبّر إِن كان قريبًا، فإِن تباعد فلا شيء عليه.
وقد قال مالك: يكبر ما دام في مجلسه، فإِذا قام فلا شيء عليه (١).
فرع:
وإن نسي الإِمام التكبير فإِن كان قريبًا قعد وكبر، وإِن تباعد فلا شيء عليه، فإِن (٢) ذهب ولم يكبر والقوم جلوس كبروا.
فرع:
ويكبر النساء والمسافرون وأهل البوادي ومن صلى وحده والعبيد وغيرهم.
وفي المختصر: لا تكبر النساء دبر الصلوات.
فرع:
قال الباجي: وأهل الآفاق لا يجهرون بالتكبير في خروجهم إِلى المصلى ولا دبر الصلوات، والحجاج يجهرون به. في كل * الساعات إِلى الزوال من
стр. 442
اليوم الرابع، فيرمون ثم ينصرفون بالتكبير والتهليل حتى يصلوا الظهر والعصر في المحصب (١).
فرع:
وفي التكبير خلف النوافل قولان: المشهور عدم التكبير (٢).
стр. 443
فصل: في أحكام الرمي (١)
فإِذا زالت الشمس في ثاني يوم النحر فيسن للحاج أن يتوضأ، ويذهب قبل الصلاة ماشيًا، فيرمي الجمار الثلاث يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد (٢) مِنى فيرميها من فوقها (٣) مما يلي مسجد مِنى بسبع حصيات متواليات (٤) مع التكبير، يرفع به صوته، ثم يتقدم أمامها مما يلي الجمرة الوسطى ويجعلها خلف ظهره فيدعو ويهلل ويكبر، ويصلِّي على النبي ﷺ بقدر إِسراع سورة البقرة (٥).
стр. 444
وفي رفع يديه في الدعاء قولان.
قال ابن حبيب: وإِذا دعا راغبًا بسط يديه فجعل بطونهما إِلى السماء، وإِذا دعا راهبًا جعل بطونهما مما يلي الأرض، وذلك في كل دعاء.
فإِن رمى عن غيره وقف ودعا عنه.
ثم يُثَنِّي بالجمرة الوسطى فيرميها من فوقها كما تقدم، ويتقدم للدعاء (١) أمامها، إِلا أنّه لا يجعلها خلف ظهره، بل يقف يسارها، وهو السنة في ذلك. ولعل ذلك توسعة على الناس في المرور إِلى الجمرة الثالثة.
ويستقبل الكعبة في وقوفه للدعاء كالأولى (٢) ومن ترك الوقوف للدعاء (٣) فلا شيء عليه.
ثم يثلث برمي جمرة العقبة فيرميها من أسفلها، وقد تقدم بيان ذلك (٤) في رمي جمرة العقبة يوم النحر. ولا يقف للدعاء عندها فتلك السنة.
ثم يذهب الإِمام إِلى مسجد مِنى في هذا اليوم بعد تمام الرمي، فيصلي الظهر بالناس، ثم يخطب خطبة واحدة لا يجلس فيها على المشهور.
стр. 445
وقال ابن حبيب: يجلس في وسطها (١). فيعلم الناس حكم الرمي والمبيت والتكبير وحكم التعجيل وغير ذلك من الأحكام. وهذه هي الخطبة الثالثة.
أما أهل مِنى فيتمون الصلاة كما يتم أهل عرفة الصلاة لو كان بها أهل مقيمون.
ومن لم يحضر مع الإِمام الصلاة والخطبة فإِنه يبدأ بالرمي، ثم يصلّي في رحله أو حيث شاء، والأوْلى الصلاة في المسجد في أيام مِنى لمن قدر.
فصل
قال القرافي: والجمار اسم للحصى لا للمكان، جمعُ جَمرة، والجمرة اسم للحصاة (٢).
وإِنما سُمِّيَ الموضعُ جمرةً (٣) باسم ما جاوره، وهو اجتماع الحصى فيه.
وقد تقدم في حكم نزوله بالمزدلفة ذكر الموضع الذي تؤخذ منه الجمار،
стр. 446
وحكم الرمي بغير الحجارة وحكم طهارتها وعددها (١).
وقد تقدم (٢) أيضًا حكم رمي جمرة العقبة يوم النحر، وأنه لا يرمي فيه غيرها.
وقد تقرر أن الرمي في أيام (٣) مِنى بعد الزوال وقبل الصلاة.
ومن رمى بعد الصلاة، فقد ترك الأولى، ولا شيء عليه.
فرع:
والقادر على الرمي يباشر ذلك بنفسه، والعاجز عن الرمي يستنيب وعليه دم، ويتحرى وقت رمي نائبه (٤) فيدعو ثم يصلي *.
فرع:
وإِذا قدر على حمل المريض، وهو يقوى على الرمي، حمل في محمل أو على ظهر إِنسان أو دابة، ورمى بيده.
وإِن لم يجد من يحمله أو لا يستطيع الرمي رمى عنه غيره.
стр. 447
فإِن صح المريض في أيام الرمي رمى عن نفسه، وعليه دم سواء رمى عن نفسه بعد أن صح أو اكتفى برمي غيره عنه.
فرع:
ويبدأ النائب بالرمي عن نفسه، فإِن قدَّم الصبيَّ أو المريضَ أجزأه.
فرع:
والصبي الذي لا يحسن الرمي يُرمى عنه، ولا دم، ولا يجزئ رمى واحد عن الصبي وعن نفسه ويعيد الرمي عن نفسه وعن غيره.
فإِن لم يرم الصبي القادر أو لم يرم عن الصغير فالدم على من أحجهما.
وأما تحديد وقت الرمي، فأوله كما تقدم إِذا زالت الشمس.
وتقدم ذكر أول وقت رمي جمرة العقبة (١)، وأما آخر وقت رمي جمرة العقبه يوم النحر فهو (٢) الغروب (٣).
واختلف في ليلة الحادي عشر، فقيل: الرمي فيها أداء، وقيل: قضاء، وقضاؤها في ثاني يومها، وقيل: آخر الرابع.
стр. 448
وأداء الثلاث من الزوال إِلى الغروب، وقيل: إِلى الاصفرار، ويجزئ بعده فإِن رمى بالليل، فقيل: قضاء، وقيل: أداء (١).
وقضاء الثاني في الثالث وقضاء الثالث في الرابع من يوم النحر، فإِذا خرج الرابع فات الرمي، ولزم الدم (٢).
وقال أبو مصعب (٣): من نسي جمرة من الجمار فليرم متى ما ذكر، بمنزلة الصلاة.
فرع:
قال محمد: ولا أُحب لأحد أن يرمي إِلا متوضئًا، وهو قول مالك، ولا يعيد إِن كان غير متوضئًا، ولكن لا يتعمد ذلك.
стр. 449
فرع:
ومن نكس الجمار فرمى الأخيرة ثم الوسطى ثم الأولى، أعاد الوسطى ثم الأخيرة.
وكذلك لو رمى الوسطى ثم الأخيرة ثم الأولى أعاد الوسطى والأخيرة.
ولو رمى الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطى أعاد الأخيرة فقط.
فإِن لم يذكر حتى تباعد أعاد الرمي كله.
وهذا مبني على أن الترتيب واجب (١).
وقال ابن بشر: اختلف في الترتيب هل هو من باب الأوجب أو من باب الأوْلى؟
وتستحب الإِعادة على القول بالاستحباب.
فرع:
فلو ترك جمرةً ثم ذكرهَا في يومها أتى بها ولا شيء عليه إِن كانت الأخيرة، وإن كانت الأولى أو الوسطى أتى بها وأعاد ما بعدها، وقيل: يعيد (٢).
стр. 450
وإِن ذكرها بعد مضيِّ يومها أتى بها وأعاد ما بعدها في يومها، وأعاد الجمرة الحاضرة في يوم ذكرها (١) بناء على ما تقدم.
فرع:
واختلف أيضًا في الموالاة في حصى الجمرة الواحدة: هل هي واجبة أو مستحبة؟
وقال القرافي: قيل: الفور شرط مطلقًا، وقيل: مع الذكر.
فرع:
وفي الذخيرة: ومن رمى بسبع (٢) حصيات في مرة لم يجزه وهو كواحدة، وكذلك لو رمى في مرة (٣) بحصاتين اعتدَّ بواحدة * منهما، والأخرى لغو لا حكم لها.
فرع:
ومن شك في رميه في جمرة واحدة أو في الجمار كلّها، فليبن على يقينه.
стр. 451
فرع:
ومن بقيت حصاة في يده لا يدري من أي الجمار هي فليرم بها الجمرة الأولى ثم يعيد الوسطى والأخيرة (١)، وقيل: يستأنف الجمار الثلاث (٢).
فرع:
ومن رمى حصاةً فوقعت قرب الجمرة فإِن وقعت في موضع حصى الجمرة أجزأه (٣) وإن لم تبلغ رأس الموضع (٤).
وإِن سقطت في محمل رجل فنفضها صاحب المحمل فسقطت في الجمرة، لم يجزه؛ لأنها لم تقع في الجمرة من فعله.
ولو أصابتِ المحملَ ثم سقطتْ في الجمرةِ أجزأه (٥).
ولو شك في وصولها الجمرة فالظاهر عدم الإِجزاء.
ولو رمى الجمرة فتعدتها لم يجزه لعدم الاتصال.
стр. 452
فرع:
ولو أصابت البناء القائم وسقطت في المرْمَى أجزأه، كما إِذا أصابت المحمل ثم سقطت بنفسها في الجمرة.
فرع:
ولو ثبتت في شقوق البناء القائم فأفتى الشيخ خليل صاحب التوضيح بعدم الإِجزاء. وكان شيخه أبو محمد عبد الله المنوفي يميل إِلى الإِجزاء (١).
فرع:
ولو وضع الحصاة وضعًا لم تجزه.
وعن أشهب: إِن نوى بالطرح الرمي أجزأه (٢)، فانظر هل يأتي ذلك في الموضع؟
فرع:
فلو رمى الجمار بخمس خمس فذكر قبل غروب الشمس، رمى الأولى بحصاتين وأعاد الثانية والثالثة، وإِن ذكر بعد غروب الشمس فعل ما ذكرنا
стр. 453
وكان عليه دم، وإن لم يذكر إِلا في الغد، وقد رمى، فإِنه يفعل ما ذكرنا، ويعيد رمي يومه.
فرع:
قال ابن رشد: ومن نسي الرمي يومًا أو يومين ثم ذكر (١)، فقال ابن وهب عن مالك: يرمي لما فاته في اليوم الثالث لليومين الماضيين، ويهدي.
قال ابن وهب: إِن كان عامدًا قضى وأهدى، وإِن كان ناسيًا قضى ولا هدي عليه، وإن لم يذكر حتى خرجت أيام الرمي فعليه الهدي وفاته القضاء، خلافًا لأبي مصعب.
تنبيه (٢):
الأولى في الهدي في ترك الجمرة الواحدة أو الجمار بدنة، وقيل: في الجمرة الواحدة بقرة وفي الجمار بدنة، فإِن لم يجد البدنة فبقرة وإِلا فشاة.
وأما الحصاة الواحدة فالهدي فيها شاة، ومن لم يقدر على الهدي صام عشرة أيام.
стр. 454
فصل
ومن أراد أن يتعجل (١) فليرم في اليوم الثاني من أيام الرمي، وهو ثالث يوم النحر، ثم ينفرد ولا يقيم بمنى، ويصلي الظهر بالمحصب (٢). أو في الطريق.
стр. 455
ومن كان له ثقل وعيال فله أن يؤخر، ما لم تصفرَّ الشمس، ولا يصلي يومَ النفر بمسجد مِنى غير صلاة الصبح، قاله عبد الحق في تهذيب الطالب، ونقله عن مالك في الموَّازية.
فرع:
وإِذا تعجل سقط عنه رمي اليوم الثالث من أيام الرمي.
وقال ابن حبيب: سنة المتعجل أن يرمي جمار اليوم الثاني بعد الزوال قبل الصلاة ثم يعود من فوره * فيرمي لليوم الثالث، كما كان يفعل لو أقام، ثم ينفر صادرًا إِلى مكة، وليس عليه أن ينزل المحصب.
وكذلك قال ابن شهاب.
والأول (١) هو قول مالك وأصحابه أعني في سقوط الرمي.
وأما نزول المصحب فليس هو محل الخلاف بل حكمهم (٢) القصد إِلى مكة لطواف الوداع.
ونقل مكي (٣) من أصحابنا في منسكه أن يدفن حصى اليوم الثالث.
стр. 456
فرع:
وأما حكم الرعاة في الرمي فقد رخص لهم أن ينصرفوا لرعي الإِبل، إِذا رموا جمرة العقبة، وأن يخرجوا عن منى في رعيهم، ويقيموا ليلتهم وغدهم، وهو اليوم الثاني، وليلة اليوم الثالث من أيام الرمي (١) ويأتون إِلى منى يوم النفر الأول فيرمون اليومين ثم يتعجلون إِن شاؤوا أو يقيمون (٢).
فصل
وأهل مكة في التعجيل حكمهم كأهل الآفاق، على الأصح.
وروى ابن القاسم عن مالك: ليس ذلك لهم، إِلا أن يكون لهم عذر من تجارة أو مرض (٣).
стр. 457
فرع:
وهل لمن تعجل من أهل الآفاق أن يبيتوا بمكة ويمضوا على تعجيلهم؟ المذهب أن لهم ذلك.
وقال ابن الماجشون وابن حبيب: لا يصح لهم التعجيل إِلا بشرط أن لا يبيتوا في مكة، وذلك خاص بمن تعجل من أهل مكة، فمن بات من أهل الآفاق بمكة وجب عليه أن يرجع إِلى منى حتى يرمي مع الناس في اليوم الثالث.
وعلى قولهما إِن لم يرجع لزمه الدم.
فرع:
ومن نوى أن يتعجل وغربت عليه الشمس، وهو بمنى، فليس له أن يتعجل فإِن تعجل لزمه الدم بترك المبيت والرمي.
تنبيه:
ويُستثنَى من ذلك من تعجل وطاف للوداع، وخرج مسافرًا، فكان ممره على منى، فغربت عليه الشمس، وهو بمنى، فليمض ولا دم عليه (١).
стр. 458
فرع:
أما إِن أقام المتعجل بمكة حتى أمسى، فقال مالك: لا أرى عليه شيئًا.
تنبيه:
التعجيل لا يحتاج إِلى نية يحدثها في منى، فلو أفاض من منى إِلى مكة في اليوم الثاني من أيام الرمي، ثم بدا له أن يتعجل ويسافر من مكة قبل أن تغرب الشمس، فذلك له، فإِن غربت عليه الشمس بمكة قبل أن يبدو له فليرجع إِلى منى حتى يرمي من الغد، حكاه ابن رشد عن مالك.
فرع:
ويلزم الحاج المبيت بمنى ليالي منى ثلاث ليال والمتعجل (١) ليلتين.
وقال ابن عبد الحكم عن مالك وابن حبيب عن ابن الماجشون: من أقام بمكة أكثر ليلة ثم أتى منى فبات فيها باقي ليله فلا شيء عليه إِلا أن يبيت ليلة كاملة فيلزمه الدم، ولو كان له عذر من مرض أو غيره لم يسقط عنه الدم حكاه الباجي (٢).
стр. 459
وما حكاه عن ابن عبد الحكم وابن حبيب خلاف ما في المدونة (١).
والمشهور: لزوم الدم إِذا بات بغير منى جل ليلته.
ومن بات وراء العقبة التي * عندها الجمرة ليلة أو جلها فليهد. رواه ابن المواز عن مالك (٢).
والجل ما زاد على النصف.
فصل
قال مالك: لا ينبغي لإِمام الحاج أن يتعجل؛ وذلك لأنه يقتدى به، فيقتدي به في التعجيل من لم تكن له نية فيه، وإِقامة شعائر الحج مطلوبة وهو أولى من إِقامها.
وأما تقديم الأثقال إِلى مكة فلا بأس به في حق كل أحد من الحجاج، كتقديم الأثقال إِلى عرفة قبل يومها.
стр. 460
فصل: في الرجوع من منى للسفر إلى بلده
ويستحب لمن رجع من منى ممن لم يتعجل أن ينزل بأبطح مكة حيث المقبرة، وهو المحصب أيضًا، فيصلي فيه أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم يدخل مكة بعد العشاء للسنة (١).
ووسع مالك لمن لا يقتدى به في تركه، وكان يفتي بالترك سرًّا (٢) لئلا يشتهر ذلك، فتترك السنة، وكان هذا شيء يفعل ثم ترك. قاله ابن الحاج.
قال القرافي: وليس بنسك (٣).
والجمهور (٤) على أن النزول به ليلة الرابع غير مستحب (٥)، واستحبه مالك لمن يُقتَدَى به.