وقيل: ذلك غير مكروه (١) لجواز الإِجارة على الأذان وتعليم (٢) القرآن.
فرع:
وعقد الإِجارة بالحج لازم، وإِن قلنا بالكراهة، لتعلق حق الغير، فلو أراد نقضها لما بلغه أن أحدًا لا يحج عن أحد لم يكن له ذلك، قاله ابن القاسم.
والإِجارة على ثلاثة أقسام: بأجرة معلومة (٣)؛ وبالنفقة وتسمى البلاغ (٤) في النفقة، وعلى وجه الجعالة وهو أن لا يلزم نفسه شيئًا ولكن إِن حج كان له كذا وإِلا فلا وتسمى البلاغ في الحج، قاله اللخمي.
فإِذا وقعت الإِجارة بشيء معين فيملك الأجير الأجرة بنفس العقد ويتولى
стр. 667
النفقة بنفسه فما زاد فله وما نقص فعليه، ولو ضاع المال كان ضامنًا للحج أحرم أو لا.
وأما البلاغُ في النفقة فهو إِعطاء الأجير مالًا يحج منه، فله الإِنفاق بالمعروف من غير إِسراف ولا تقتير، ويشتري من المال حاجته من الثياب والوطاء واللحاف والكعك والزيت والخل واللحم المرة بعد المرة، ويخرج من المال ما لزمه من هدايا وفدية (١) غير مُتعمِّد لموجبها (٢)، فإِذا رجع رد ما فضل.
قال محمد: وإِنا لنكره ذلك (٣).
قال اللخمي: يريد إِلا بشيء (٤) معلوم.
فرع: قال اللخمي: والإِجارةُ من بلدِ المُوصِي إِن وَصَّى مِنْهُ ثم مات.
قال ابن القاسم: ويحرم من ميقات الميت وإِن لم يشترطوا ذلك عليه.
وقال أشهب في كتاب محمد: يحج عنه من الموضع الذي أوصى منه (٥) * يريد إِذا كان يغير بلده.
стр. 668
قال محمد بن عبد الحكم: إِن كان من أهل مصر فمات (١) بخراسان ووصى بالحج عنه من خراسان فهذا أحسن، وإِنما يحج عنه من بلد الميت إِذا مات به إِلا أن لا يجد من يستأجر بتلك الوصية من موضع وصى به.
قال مالك: ومن أراد أن يحج عن رجل من مكة فأحب إِلي أن يهل من ميقات ذلك الرجل، وإِن أهل مِن مكة أجزأه (٢).
فرع:
قال مالك في كتاب محمد فيمن عليه مشي فأوصى أن يمشي عنه: لا يمشي عنه ويهدي عنه هديين للحج وصفته بالمشي، فإِن لم يجد فواحد يجزئه (٣).
فرع:
متى لم يعيِّن المستأجرُ السنةَ التي يحج فيها الأجير بطلت الإِجارة، للجهل بالزمان، كما لو باعه سلعة بثمن إِلى أجل غير معين وقيل: تصح.
والقول بالبطلان غير صحيح، وهو لابن العطار (٤).
стр. 669
وقد أجاز في سماع أبي زيد (١) من العتبية الاستئجار على حجة مقاطعةً في غير سنة (٢) معينة (٣).
قال في البيان: وإن استؤجر على أن يحج في ذلك العام فلا يتعين في ذلك العام، وإن استأجره على الحج وسكت فهو على أول سنة، فيلزمه أن يحج فيما بعدها (٤).
فرع:
وعلى القول بالبطلان (٥): فلو استؤجر على عام معين، فنوى فيه عن
стр. 670
نفسه انفسخت، وكذا لو اعتمر عن نفسه في العام المعين ثم حج عن الميت انفسخت، ولا يجوز له أن يُشرك معه غيره في وجهته.
فرع:
وفي الذخيرة، قال سند: يجب اتصال العمل بالعقد في الإِجارة المعينة كسائر الإِجارات، وإِن كانت بالحجاز فالأحسن أن تكون في الأشهر الحرم، فيشرع فيها عقيب العقد، ويجوز التأخير في المضمونة السنتين (١).
فرع:
ولو شرط على الأجير الإِفراد بسبب أن الميت رضي بذلك، فقرن انفسخت؛ لأنه أتى بغير ما قصده المُوصي، فلو تمتَّع لم تنفسخ وأعاد الحج، لأن القِرانَ أمرٌ يخفى، وهو راجع إِلى النية، وقد يعود إِلى القران لو أمرناه بالإِعادة (٢) فلذلك انفسخت، والتمتع لا يخفى (٣).
فرع:
ولو شرط عليه الإِفراد بغير وصية من الميت فخالف إِلى القِران أو التمتع، فقيل: يُجزئ لأن الحج حصل، وقيل: لا يجزئ ويرد ما قبض؛ لأن الوارث كالموصي.
стр. 671
وفي المسألة خلاف (١) مذكور في الأمهات.
فرع:
وفي تعيين من عيَّن الميتُ قولان:
أما إِن فُهم قصدُ الموصي في رجل لصلاحه أو لعلمه فلا خلاف أنهُ يعمل على قصده.
стр. 672
وإِذا قلنا: يتعين بتعيينه وليس ثمَّ قصدٌ لمعنى معين فأبى ذلك الرجل، فإِن الوصية تبطل.
ولو استأجر الموصي غيره بطل العقد.
وإِن قلنا: إِنه لا يتعين، لم تبطل ويستأجر غيره.
فرع:
وإِذا سمَّى الوصِي قدرًا فوجد من يحج بدونه، فالفاضل ميراث، وكذا ما فضل عن حج البلاغ، فهو ميراث (١) وهذا إِذا لم يعين الوصِي الأجير * وأمَّا إِن عيَّن الأجيرَ وفُهم منه إِعطاء الجميع له عُمِل بقوله أو بما يفهم من قصده. وقيل: إِذا عين القدر ولم يعين الأجير لم يرجع الفاضل ميراثًا، بل يحج به عنه حجج.
فرع:
ولو لم يوجد من يحج عنه بجميع القدر الذي سمى من موضع الميت ومحل إِقامته فقيل: تبطل الوصية ويرجع ذلك (٢) ميراثًا، قاله ابن القاسم (٣).
وقيل: يحج عنه مما يقرب ولو من الميقات أو من مكة، قاله أشهب.
стр. 673
والثالث: إِن كان صرورةً يحج عنه من الميقات أو من مكة؛ وإِن كان غير صرورة رجع ذلك ميراثًا، قاله محمد.
فرع:
وهل يلزم أجير الحج أن يُشهد على إِحرامه عن الميت إِذا لم يجر العرف بالإِشهاد على ذلك أو لا يلزمه؟ أجراه أبو عمران على القولين في المستأجر على تبليغ كتاب إِلى بلد فادَّعى أنَّه أوصله، فحكم له ابن القاسم بالأجرة.
وقال غيره: لا يستحق إِلا بعد إِقامة البينة على إِيصاله.
وأما لو جرى العرف بالإِشهاد على الإِحرام، فلا خلاف أنه يلزمه الإِشهاد.
فرع:
قال عبد الحق في تهذيب الطالب: رأيت في مسائل سئل عنها ابن أبي زيد، قيل له في رجل استؤجر بمال ليحج به، وشرطوا عليه الزيارة، فلم يستطع تلك السنة أن يزور، لعذر منعه من ذلك؟ قال: يرد من الأجرة بقدر مسافة الزيارة.
وقال غيره: يلزمه أن يرجع ثانية (١) حتى يزور، والله أعلم.
стр. 674
الباب التاسع عشر: في ذكر حرم مكة شرفها الله تعالى وذكر حرم المدينة النبوية شرفها الله تعالى وحكم الاصطياد في حرميهما وقطع الشجر منهما (*)
[تحريم الاصطياد وقطع النبات في الحرم]
وقد منع الاصطياد في حرم مكة - شرفها الله تعالى - وكذلك حرم (١) قطع ما ينبت بنفسه في الحرم، إِلا الإِذخر (٢) والسنا (٣).
стр. 675
ويجوز قطع ما يستنبته الآدمي في الحرم، مما جرت العادة باستنباته، ويستوي فيما يحرم الأخضر واليابس.
فرع:
قال الباجي: ولم أر في السنا نصًّا غير أن الحاجة إِليه ماسة (١) ولم يزل ينقل إِلى البلاد للتداوي، ولم ينكر ذلك أحد، فصح أنه مباح (٢).
فرع:
ويكره له أن يحتش الأخضر لبهائمه لأجل خشية قتل الدواب حالة الاحتشاش (٣) وأما رعْي دوابه فلا بأس بذلك، وله أن يطلق دوابه ترعاه (٤).
стр. 676
قال ابن عبد السلام: والأقرب أن الكراهة هنا على التحريم.
فرع:
ولو نبت ما يستنبت بنفسه من غير تسبب آدمي، كالنَّخْل والرمان، جاز قطعه ولو استنبت ما عادته ينبت بنفسه، كشجر الطرفاء وأم غيلان، فلا يجوز قطعه.
وقال الباجي: ما غرس مما ينبت بنفسه جاز قطعه عندي (١).
ونهى النبي ﷺ عن خبط (٢) الشجر * وعضده (٣) وقال ﷺ : "هُشُّوا
стр. 677
وارْعَوْا" (١).
والهَشُّ: تحريك الشجر ونفضه.
والخبط: ضربه بالعصا.
والعضد: كسره.
فرع:
قال القرافي: إِذا أقلع شجرة من الحرم ردها لمنبتها، فإِن نبتت ذهبت الجناية، وإِلا انتفع بها واستغفر الله تعالى (٢).
فرع:
قال القرافي: وخفف مالك في قطع (٣) العصا والعصاتين من شجر الحرم (٤). قال ابن الحاج: ولا بأس بأخذ السواك.
تنبيه (٥):
قال التادلي: والمستثنيات سبعة على اختلاف في بعضها: الهش، والعصا، والسواك والإِذخر، والسنا، وقطع الشجر للبناء والسكنى في موضعه،
стр. 678
وقطع الشجر لإِصلاح الحوائط والبساتين.
[إخراج التراب والأحْجَار من الحرم]
تنبيه:
أدخل ابن المعلى في مناسكه مَسْألةً من كلام النووي ونقلها التادلي منه في مناسكه وهي (١): أنه قال النووي في كتابه الروضة: لا يجوز إِخراج شيء من تراب الحرم وأحجاره إِلى غيره (٢)، وسواء في ذلك تراب نفس مكة وتراب ما حولها من جميع الحرم وأحجاره، ولا يجوز إِخراج أشجاره ولا أغصانه في الأصح، وقيل: يكره ولا يحرم. قاله القاضي بدر الدين بن جماعة في منسكه (٣) قال: ويكره إِدخال تراب الحل وأحجاره.
وقال النووي في مناسكه أيضًا: ليس للحاج أن يستصحب شيئًا من الأكواز المعمولة من تراب حرم المدينة، ولا الأباريق ولا غير ذلك (٤).
стр. 679
ويريد به ما ذكره القاضي بدر الدين بن جماعة من السبح المعمولة من تراب سيدي حمزة ﵁ والأكر، قال: ومن أخذ شيئًا من ذلك وجب رده.
ونَقْل ابن المعلى والتادلي لذلك في منسكيهما يدل على اختيارهما لهذا الحكم، ويوهم أن ذلك يجري على قواعد مذهب مالك، وهذا حكم يحتاج إِلى توقف ودليل؛ ويشكل ما ذكروه بأمور:
منها: أنهم أجمعوا على إِباحة نقل ماء زمزم إِلى سائر البلاد بل استحبُّوا ذلك، وجاء أنه ﷺ استهدى سهيل (١) بن عمرو من ماء زمزم فبعث إِليه براوية من ماء زمزم. والماء والتراب شيئان في كونهما من العناصر التي بُني الوجود عليها فلا فرق بينهما، ولا خلاف أن ماء زمزم أعظم حرمة من التراب والأحجار، لجواز الاستجمار بالأحجار دون ماء زمزم، وقوله ﷺ : "ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم" (٢)، ولم يرد أنه لا ينتفع بأحجار الحرم وترابه إِلا فيه،
стр. 680
وكل محذور يتوقع في الأحجار والتراب يُتوقع مثله في ماء زمزم الذي هو أشرف عنصر وأعظم حرمة.
ومنها: أنهم كرهوا إِدخال تراب الحل وأحجاره إِلى الحرم، وهذه الكعبةُ المشرفة أكثر أحجارها من غير الحرم على ما ذكره ابن الجوزي واتفق عليه نقل التاريخيين أن الكعبةَ بنيت من خمسة أجبل * من لبنان وطور سيناء وطور زيتا والجودي وحراء (١).
فليس فيها على هذا من حجارة الحرم غير أحجار جبل حراء، وهذا منقول عن ابن عباس ﵄، وأن آدم ﵇ بناه من أحجار الجبال (٢).
وذكر ابن الحاج ذلك أيضًا، وزاد أن ربض البيت من حراء.
والربض: الأساس المستدير بالبيت من الصخر، وكانت لاطية بقرب الأرض.
وكانت في أيام قريش يقتحمها العَناق (٣) فلما بناها المشركون والنبي ﷺ
стр. 681
غلام يومئذ رفعوها في السماء عشرين ذراعًا وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي (١)، وكان النبي ﷺ يحمل لها الحجارة معهم من أجياد، والحديث في الصحيح (٢).
وأيضًا فإِن الوليد بن عبد الملك أول من نقل إِليه أساطين الرخام (٣)، وذلك قبل مالك بن أنس، والناس ناس متعاضدون على الحق، لا يظن بهم أنهم يخافون الوليد ويسكتون على مكروه يحدثه الوليد في حرم الله تعالى، وكان من شأن الأئمة الرجوعُ إِلى كلمة الحق.
ولما استشار هارون مالك بن أنس في هدم ما بناه الحجاج في البيت، وإِعادته على ما بناه ابن الزبير ﵄، قال له مالك: ناشدتك الله يا
стр. 682
أمير المؤمنين لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحدهم إِلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبتُه من صدور الناس، فتركه الرشيد على حاله (١).
فانظر كيف رجع إِلى مالك فيما أشار به، وكان يرى أن قصده حقٌّ يُثاب عليه وسنة تُحيى، فثبت بهذا أن إِدخال أحجار الحل إِليه غير مكروه.
ومنها: أنه لا فرق بين حرمة الشجر وحرمة الحجر والتراب والكيزان، بل جاء في حرمة الشجر ما لم يرد في أحجارها وترابها، وقد منعوا إِخراج الشجر والأغصان وأجازوا قطع السواك والعصا والعصاتين من شجر الحرم، ولم يشترطوا في ذلك أنه لا يخرج بالسواك من الحرم ولا بالعصا، فأباحوا اليسير، وكان ينبغي لهم أن يفرقوا في الأحجار بين الكثير واليسير، ولم يذكروا ذلك.
وقد تقدم ما ذكره الباجي في نقل السنا وأن نقله يجوز (٢) ولا فرق بينه وبين التراب بدليل أنهم ألحقوا كسوة الكعبة بالتراب، وهي منقولة إِلى مكة من غيرها، فإِلحاق السناء بالتراب من باب أولَى.
ومنها: أن مسجد عرفة الذي يصلي فيه الإِمام اِخْتُلِفَ فيه: هل هو في الحل أو في الحرم؟ وتوقف مالك في حكم من وقف فيه (٣)، ولأصحابه فيه قولان:
стр. 683
قال ابن المواز: ويقال: إِن الحائط القبلي منه على حد عُرنة، وعرنة من الحرم وعرفة من الحل (١)، ولو سقط لسقط في عرنة (٢)، وهذا المسجد أحدثه السلف الصالح من قبل مالك بن أنس، وحائطه على حد الحرم، بحيث أنه لو سقط سقط في الحل * أفترى أنهم تحرزوا من إِدْخَال شيء في هذا الحائط من الحرم أو وقوع شيء من تراب الحل في الحرم، ولو كان هذا مما هو ممنوع لبعدوا به عن الحرم، واتبعوا قوله ﷺ : "من حام حول الحمى يوشك أنْ يقع فيه" (٣).
وكذا أنصاب حدود الحرم من هذا الباب، وإِذا تتبعت ذلك وجدته كثيرًا، وهذا مجال ضيق حرج.
ومنها: أنهم أجروا مجرى الأحجار والتراب كسوةَ الكعبة، فقال الإِمام أبو الفضل بن عدلان (٤): لا يجوز قطعُ شيءٍ من ستور الكعبة ولا نقلُه ولا بيعُه
стр. 684
ولا شراؤُه ولا وضعُه بين أوراق المصحف، ومن حمل شيئًا من ذلك لزمه رده (١).
وهذا على وجه الاستحسان منه لذلك، والنصوص تخالف ذلك.
قال الباجي: وقد استخَفَّ (٢) مالك شراء كسوة الكعبة.
وقال ابن الصلاح من فقهاء الشافعية: أمر ذلك إِلى الإِمام يصرفه في بعض مصارف بيت المال بيعًا وإِعطاءً، واحتج بما رواه الأزرقي في تاريخ مكة: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج (٣) وتبعه النووي على ذلك واستحسنه (٤).
وروى الأزرقي عن عائشة ﵂ وعن ابن عباس ﵄ أنهما قالا: لا بأس أن تُباع كسوة الكعبة ويجعل ثمنها في سبيل الله تعالى والمساكين وابن السبيل (٥).
стр. 685
قال ابن عباس وعائشة (١) وأم سلمة (٢) ﵃: لا بأس أن يلبس كسوتَها من صارت إِليه من حائض وجنب وغيرهما.
وقد أجراها ابن عدلان مجرى الأحجار والتراب، ولا فرق بينهما في الحرمة، بل حرمة الكسوة أعظم لحرمة البيت الشريف، وقد انتقض ذلك عليه بالنصوص، ويلزمه ذلك في الأحجار والتراب.
ومنها: أن الإِمام العالم أبا محمد عبد السلام بن إِبراهيم بن رحال الحاجي قال: نقلت من كتاب الشيخ العالم أبي محمد صالح الهزميري - نفع الله به - قال: قال صالح بن عبد الحكم: سمعت أبا محمد عبد السلام بن يزيد الصنهاجي، يقول: سألت أحمد بن بكوت (٣) عن تراب المقابر الذي كان
стр. 686
الناس يحملونه للتبرك: هل يجوز أو يُمنع؟ فقال: هو جائز، ما زال الناس يتبركون (١) بقبور العلماء والشهداء والصالحين، وكان الناس يحملون تراب قبر سيدنا حمزة بن عبد المطلب ﵁ في القديم من الزمان.
فإِذا ثبت أن تراب قبر سيدنا حمزة ﵁ يُحمل من قديم الزمان، فكيف يتمالأ أهل العلم بالمدينة على السكوت عن هذه البدعة المحرَّمة؟ ! هذا من الأمر البعيد (٢).
والناس اليوم يأخذون من تربة قريبة من مشهد سيدنا حمزة ﵁ ويعملون منها خرزًا شبه (٣) السبح، وهي المشار إِليها في كلام القاضي بدر الدين بن حماعة - رحمه الله تعالى * -
ومنها: أن مالكًا ﵁ سُئل عن الرجل يخرج من المسجد،
стр. 687
أعني مسجد رسول الله ﷺ ، فيجد شيئًا من حَصَى المسجد قد تعلق بوجهه أيلزمه رده إِلى المسجد؟ فقال: لا يلزمه ذلك، وأرخص له في طرحه (١) فقال السائل: يا أبا عبد الله إِنهم يقولون: إِذا خرجت الحصاة من المسجد تصيح حتى ترد إِلى المسجد؟ فقال له مالكٌ: دعها تصيح حتى ينشَقَّ حلقُها، فقال له: أولها حلْق يا أبا عبد الله؟ قال: ومن أين تصيح؟ فألزمه بهذا الكلام إِبطال ما ذكر من صياحها، ولم يفرق بين وجوده لذلك في الحرم أو بعد خروجه منه (٢).
[حكم قطع شجر المدينة]
واعلم أن النووي ومن تبعه لم يفرقوا بين شجر مكة وشجر المدينة.
قال ابن الجوزي في مناسكه: إِن المدينة تفارق مكة في أنه يجوز أن يؤخذَ من شجر المدينة ما تدعو الضرورة إِليه للرحل (بالحاء المهملة) وشبه ذلك، فأجاز قطع ما تدعو الضرورة إِليه (٣).
وحرم أصحابُنَا قطع أشجارها، وأن من قطع شجرة من منبتها ردها، فإِن
стр. 688
نبتت وإِلا انتفع بها، قاله القرافي في الذخيرة (١).
وانتفاعه بها من جملته إِخراجه من الحرم إِلى غيره من الحل، وقد أجاز بعضهم قطع الشجر ليغرس في موضعه شجرًا أو يبني بيتًا؛ وإِذا قطعه فله تملكه ملكًا تامًا يتصرف فيه بما يريد.
وقال القاضي عياض: قال المهلب (٢): قطع النبي ﷺ النخل من المدينة حين بنى مسجده، وذلك يدل على أن النهي (٣) لا يتوجه لقطع شجرها للعمارة وجهة الإِصلاح، وأن يقطع شجرها وشوكها ليتخذ موضعه (٤) جنانًا وعمارة، وإن توجه النهي إِنما هو لقطع الإِفساد استبقاءً لبهجة المدينة وخضرتها في عين الوارد والمهاجر إِليها (٥).
стр. 689
قال القرافي: والكلام في شجر المدينة كالكلام في شجر حرم مكة (١).
فإِذا تقرر هذا فقد ظهر بما قدمناه أن قواعد مذهبنا وفتاوى الفقهاء ونصوص المذهب شاهدة بمخالفة ما ذكره النووي وغيره.
ومما يؤيد ذلك أن العمارات التي بوادي القرى (٢) فيها (٣) من أحجار المدينة ما هو باق مشاهد إِلى الآن، والظاهر أنها محمولة من مقطع أحجار المدينة وهو بيِّن، فإِن تلك الأراضي ليس فيها مقطع يشبه مقطع أحجار المدينة، بل جبالها كلها (٤) بين الحمرة والصفرة (٥).
ومما يؤيد ذلك أنه لو كان إِدخال حجارة الحل مكروهًا ما كانت الكعبة المشرفة والحجرة النبوية فيهما من أحجار الرخام ما لا خفاء به، وذلك من زمن عمر بن عبد العزيز، بل من قبله، من زمن الوليد بن عبد الملك، فلا وجه للقول بالكراهة وليس في مسائل المذهب ما يدل على المنع من إِخراج كيزان الحرمين.
وقد قال النووي ﵀: لا يجوز الأكل في الأواني المعمولة من تراب الحرم، ولعل مراده الأواني التي أُخرجت من الحرم * وجعل الخارج بها بمنزلة المعتدي والغاصب.
стр. 690
فرع:
فإِذا أقدم على قطع شجرة لا يجوز له قطعها فليستغفر الله ولا شيء عليه، وبئس ما صنع.
فرع:
ويكره للمحرم قطع ما يُستنبت من النخل والرمان، وكذلك يكره له احتشاش الكراث والسلق والخس، ونحو ذلك من البقول خشية قتل الدواب (١) قاله مالك في الواضحة.
فرع:
ويكره للمحرم أن يحتش في الحل خيفة قتل الدواب، وما يفعله الحاج من الاحتشاش في طريق مكة بعد الإِحرام ينبغي الاحتراز منه، لمن عز عليه دينه.
والظاهر أن الكراهية في هذه وما قبلها على التحريم، وليست على بابها، للتعليل بخيفة قتل الدواب، قاله ابن عبد السلام.
فرع:
وشجر الحرم سواء فيه الأخضر واليابس؛ لأن الأخضر بهجة وأبهة واليابس له حرمة، وربما انتفع الطيور بالمبيت عليه والتوقف عليه بالنهار.
стр. 691
فصل (*)
والمدينة ملحقة في تحريم شجرها وصيدها، غير أن الشجر لا جزاء فيه (١). وأما الصيد فالمشهور أنه لا جزاء فيه، قاله ابن الحاجب (٢).
وقال القاضي عبد الوهاب: مقتضى مذهب مالك أن الجزاء فيه واجب (٣).
وقال ابن نافع: فيه الجزاء وقاسه على حرم مكة.
وحكى ابن القصار أيضًا عن بعض أصحابنا: أنه الأشبه بمذهب مالك.
وقال ابن القصار أيضًا (٤): الصيد في حرم المدينة مكروه.
وقال القرافي: الأشبه التحريم (٥).
стр. 692
فرع:
وإِذَا قلنا: إِن فيه الجزاء، فيحرم أكله، وعلى المشهور: أكله مكروه.
قال مالك: وليس كالذي يصاد بمكة.
فتحصل في ذلك: هل يحرم صيد المدينة أو يكره؟
قولان: المشهور: حرامٌ، وهل يؤديه أم لا؟ المشهور: لا جزاء؛ وعلى الشاذ فهل يحرم أكله أو يكره؟ المشهور: الكراهة.
فصل
وأما تحديد حرم مكة (١) فحده ما يلي المدينة النبوية إِلى منتهى التنعيم نحو أربعة أميال.
ومما يلي العراق ثمانية أميال إِلى موضع يقال له: المُقَطَّع (٢).
ومن عرفة تسعة أميال.
ومن طريق اليمن تسعة أميال إِلى موضع يقال له: أضاءة (٣)، بالمدِّ.
стр. 693
وممَّا يلي جُدة عشر أميال (١) إِلى منتهى الحديبية (٢).
قال مالك في العتبية: والحديبية في الحرم (٣).
وهناك أعلام مبنية تدل على حدود الحرم.
فائدة:
وأول من نصب حدود الحرم إِبراهيم الخليل ﵇، ثم إِن قريشًا قلعوها في زمن النبي ﷺ فاشتدَّ ذلك على رسول الله ﷺ ، فرأى رجال من قريش في المنام قائلًا يقول: حرمٌ أعزكم الله به قلعتم أنصابَه! الآن تخطفكم العرب؛ فأصبحوا يتحدثون بذلك فأعادوها، فسأل النبي ﷺ جبريلَ ﵇: هل أصابوا في ردها؟ قال جبريل: ما وضعوا منها نصبًا إِلا بيد ملَك (٤).
ثم جددها * النبي ﷺ بعد ذلك في عام الفتح، ثم جددها عمر بن
стр. 694
الخطاب (١) ﵁ ثم جددها معاوية ﵁ ثم جدَّدها عبد الملك بن مروان (٢).
فإِن قلت: ما السر (٣) في أن بعض حدود الحرم قريب من مكة كالتنعيم، وبعضها بعيد كناحية جدة وبعضها متوسط كناحية اليمن؟
قلت: فيه أقوال:
أحدها أنه لما وضع إِبراهيم ﵇ الحجر الأسود في موضعه أضاء نورُه يمينًا وشمالًا، ومن كل ناحية (٤) فمنتهى الحرم حيث انتهى نوره.
وقيل: إِنه منتهى ضوء الخيمة التي أُنزلت في موضع البيت قبل بناء آدم ﵇ (٥) له (٦).
وقيل: إِن آدم ﷺ لما هبطت له تلك الخيمة جاءت الجنُّ والشياطينُ ليقربوا منها، فاستعاذ آدم ﵇ منهم بالله تعالى وخاف على نفسه
стр. 695
منهم، فبعث الله ملائكة حفوا بمكة من كل ناحية، فحدود الحرم موضع وقوف (١) الملائكة.
وهذا أظهر (٢).
وقيل غير ذلك (٣).
فصل (*)
وأما حدود حرم المدينة، فقد قال ابن رشد: حرم رسول الله ﷺ لابتي المدينة بريدًا في بريد (٤).
قال القاضي عياض: قال ابن حبيب: وتحريم النبي ﷺ ما بين لابَتي المدينة، إِنما ذلك في الصيد خاصة، وأما في قطع الشجر فبريد في بريد في دور المدينة كلها بذلك، أخبرني مطرف عن مالك - وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن وهب.
وذكر مسلم في بعض طرقه: "إِني أحرم ما بين جبليها" (٥).
стр. 696
وفي حديث أبي هريرة: وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمّى لها (١).
وهذا تفسير لما ذكره ابن وهب. ورواه مطرف عن مالك.
وقال ابن الجوزي في مناسكه (٢): وفي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "المدينَةُ حَرَامٌ ما بينَ عير إِلى ثَور، من أحدثَ فِيهَا حَدَثًا أوْ آوَى مُحْدِثًا فعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ، لا يقبلُ الله منهُ صرفًا ولَا عَدْلًا يومَ القِيَامَةِ" (٣).
стр. 697
قال أبو عُبيد القاسم بن سلام (١): عير وثور اسمان لجبلين بالمدينة غير أن أهل المدينة لا يعرفون جبلًا بها يقال له: ثور، وإِنما ثور بمكة فيرى (٢) أن الحديث أصله: ما بين عير إِلى أحُد (٣)، انتهى.
وقد ذكر غيره أن ثورًا جبل صغير خلف أحد، مما يلي المشرق، فعلى هذا يكون أحد داخل الحرم، وعلى ما قاله أبو عبيد يكون أُحُد خارج الحرم.
ويؤيد هذا أنه ﷺ أتى بني حارثة (٤)، وكانت منازلهم غربي مشهد
стр. 698
سيدي حمزة ﵁ في موضع يقال له أثارب، فقال ﷺ : "أرَاكُمْ يا بني حَارِثَةَ قدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ"، ثم التفت فقال: "بلْ أنتُمْ فِيهِ" (١).
كونه ﷺ شك في تلك البقعة: هل هي من الحرم أمْ لا؟ فبالضرورة أن أُحُدًا يكون على حد الحرم * لأن أثاربَ دونه بكثير - والله أعلم -.
وقال أبو يحيى بن جماعة في مناسكه (٢): وجرم المدينة اثنا عشر ميلًا من كل جهة (٣).
وفي سنن أبي داود من حديث عدي بن زيد ﵁ قال: حمى رسول الله ﷺ كل ناحية من المدينة بريدا بريدًا، لا يخبط شجرها، ولا يُعضد إِلا ما يساق به الجمل (٤).
стр. 699
وهذه النصوص تدل على أن الاثني عشر ميلًا من كل ناحية من نواحي المدينة، لا كما يتوهم أن قوله: بريدًا في بريد. فما ذكره ابن رشد وغيره أن ذلك في طولها وعرضها، فيكون ستة أميال من كل ناحية.
تنبيه:
واعلم أن ذلك يشكل في شامي المدينة لأن الذي بين المدينة وأُحُد نحو أربعة أميال، وإِن قلنا: إِن حده ثور، فما يصل ذلك اثني عشر ميلًا أيضًا، والعينان تشهدان بأن ما بين عير وثور لا يزيد على بريد.
وهذه حرم الشجر كما تقدم عن ابن حبيب (١)، وأما حرم الصيد فما بين حرارها، وقاله مالك أيضًا.
ودليله:
ما في البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حُرم مَا بين لَابَتْي المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي" (٢).
الباب العشرون: في ذكر آثار شريفة بمكة ينبغي أن تقصد للتبرك (*) بها
واعلم أن بمكة آثارًا ينبغي للحاج أن يقصدها، ويدعو الله فيها:
الموضع الأول: البيت الذي وُلد فيه رسول الله ﷺ -، وهو في زقاق
стр. 702
معروف، يقال له: زقاق المولد (١).
الموضع الثاني: منزل خديجة ﵍ (٢) وهو البيت الذي كان يسكنه رسول الله ﷺ مع خديجة ﵂ وفيه ولدت أولادها منه ﵇، وفيه توفيت خديجة ﵂ ولم يزل النبي ﷺ مقيمًا به إِلى أن هاجر، وكان معاوية اشتراه فجعله مسجدًا يصلى فيه، وفتح معاوية فيه بابًا من دار أبي سفيان، وهي الدار التي قال فيها رسول الله ﷺ يوم الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهْوَ آمن" (٣).
الموضع الثالث: مسجد في دار الأرقم التي على الصفا ، ويقال لها: دار الخيزران (٤)، فله ﷺ فيها تردد وإِقامة.
стр. 703
الموضع الرابع: مسجد بأعلى مكة يقال له: مسجد الجن ، ويقال له: مسجد البيعة (١)، قيل: إِنَّ الجن بايعوا رسول الله ﷺ هناك.
الموضع الخامس: مسجد في عرفة عن يمين الموقف، يقال له: مسجد إِبراهيم ، وهو غير مسجد عرفة الذي يصلي فيه الإِمام (٢)، ذكره ابن الجوزي في مثير الغرام الساكن (٣) ولا يعرف اليوم، والله تعالى أعلم (٤).
الموضوع السادس: مسجد بمنى، يقال له: مسجد الكبش (٥)؛ لأن الكبش الذي نزل فداءً لإِسماعيل ﵇ نزل هناك.
الموضع السابع: موضع بأجياد، وهو مسجد فيه موضع يقال له المتكى * قيل: إِنه ﷺ اتكأ هناك (٦).
стр. 704
الموضع الثامن: مسجد العقبة ، حيث بايع الأنصار ﵃ رسول الله ﷺ (١).
الموضع التاسع: مسجد الجعرانة (٢) حيث أحرم النبي ﷺ بعمرة (٣).
الموضع العاشر: مسجد التنعيم (٤) حيث اعتمرت عائشة ﵂ بأمر رسول الله (٥) ﷺ .
الموضع الحادي عشر: جبل حراء (٦)، فإِن النبي ﷺ كان يتعبد فيه (٧).
стр. 705
الموضع الثاني عشر: موضع بجبل ثور (١) وهو الذي اختفى فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁.
وفي مكة غير هذا من المساجد التي صلى فيها ﵇ وآثار مشهورة عند أهل مكة.