وعيته (١)، توفي (ض) سنة أربع وتسعين ودفن يوم الجمعة.
٢ - القاسم بن محمد بن أبي بكر: ابن أخي أم المؤمنين عائشة (ض)، تربى في حجر عمته وتفقه عليها حتى أصبح الإمام القدوة في المدينة، أحد الفقهاء السبعة، ورث (ح) عن أم المؤمنين رواية السنة، والحرص على الرواية بألفاظها، فكان يحدث الحديث بحروفه. كان عفيفا كريما، ورعا، فقيها، ذا الحسب العتيق، وكان لغوامض الأحكام فائقا، وإلى محاسن الأخلاق سابقا، توفي سنة ثمان ومئة وقيل: سنة سبع ومئة وقيل: سنة ست ومئة.
٣ - أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (ض): توقي أبوه وهو صغير، كان من أقران عروة بن الزبير، جمع بين الفقه والسنة، من كبار محدثي المدينة، روى عنه كبار المحدثين، أمثال عروة، والزهري، والشعبي، كان ثقة ففيها كثير الحديث توفي سنة أربع وتسعين من الهجرة.
٤ - مسروق بن الأجدع بن مالك الكوفي: العابد أبو عائشة، كان (ح) كوفيا، لكنه لم يشارك في الحروب الأهلية والمعارك الداخلية، ذكر الإمام الذهبي أن أم المؤمنين عائشة (ض) تبنته (٢)، وذكر الإمام ابن سعد عن مسروق بن الأجدع قال: ((أتينا أم المؤمنين عائشة فقالت: خوضوا لابني عسلا، ثم قالت: ذوقوه، فإن رابكم شيء فزيدوا فيه عسلا ...)) (٣).
ولما توفيت أم المؤمنين عائشة (ض) قال مسروق: ((لولا بعض الأمر لأقمت على أم المؤمنين مناحة)) (٤). وقد أخرج البخاري في صحيحه والإمام أحمد في مسنده معظم مروياته عن عائشة (ض).
كان (ح) يعد من فقهاء العراق، وكان على مكانة عالية من الزهد،
стр. 317
يصلي فتتورم قدماه، كان قاضي الكوفة، لكنه لا يأخذ على القضاء رزقا ولا جزاء، قال الشعبي: كان مسروق أعلم بالفتوى من شريح، وكان شريح يستشير مسروقا، مات سنة ثلاث وستين للهجرة.
أما من النساء فأول من ينبغي أن نستهل بذكرها هي:
١ - السيدة عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية المدنية، كانت مثالا رائعا لتعليم وتربية أم المؤمنين (ض)، فقد نشأت وترعرعت في حجرها، وذكرها ابن المديني ففخم أمرها وقال: ((عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة الأثبات فيها)) (١).
وقال ابن حبان: ((كانت من أعلم الناس بحديث عائشة)) (٢) وقال سفيان:
((أثبت حديث عائشة حديث عمرة، والقاسم، وعروة)) (٣) كانت أم المؤمنين تحبها كثيرا، ونظرا إلى حب أم المؤمنين لها كان الناس كذلك يدارونها ويحترمونها، فكانت هي التي يتأخاها الناس وتستلم هدايا الناس لعائشة (ض)، فكانت تثيب الناس وترد عليهم (٤)، وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ابن أخيها فكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنة ماضية أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتبه (٥).
كما أنها كانت تقوم بإصلاح الأخطاء الاجتهادية لابن أخيها (٦)، يقول الزهري: قال لي القاسم بن محمد: ((أراك تحرص على العلم أفلا أدلك على وعائه؟ قلت: بلى، قال: عليك بعمرة بنت عبد الرحمن، فإنها كانت في حجر عائشة، فأتيتها فوجدتها بحرا لا ينزف)) (٧).
стр. 318
٢ - صفية بنت شيبة رحمها الله: كانت من التابعيات المشهورات، وابنة صاحب مفتاح الكعبة، روى عنها المحدثون، ومروياتها موجودة في سائر كتب الأحاديث، وتذكر في كتب الأحاديث بـ ((صفية بنت شيبة صاحبة عائشة)) (١) ورثت عن عائشة (ض) رواية السنة، فكان الناس يسألونها، ويقصدونها طلبا لأحاديث عائشة (ض)، وفي سنن أبي داود (ض): ((خرجت مع عدي بن عدي الكندي حتى قدمنا مكة، فبعثني إلى صفية بنت شيبة وكانت قد حفظت من عائشة)) (٢).
٣ - كلثم بنت عمرو القرشية: هي كذلك تلقب في كتب الرجال بصاحبة عائشة، وقد روت بعض الأحاديث.
٤ - عائشة بنت طلحة: أم عمران التيمية المدنية، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، تربت في حضن خالتها عائشة (ض)، قال ابن معين: ((ثقة حجة، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وقال أبو زرعة الدمشقي: حدث عنها الناس لفضلها وأدبها)) (٣).
٥ - معاذة بنت عبد الله العدوية: أم الصهباء البصرية، تتلمذت على أم المؤمنين عائشة (ض)، وروت معظم أحاديثها، وورثت عنها حبها لكثرة العبادة، كانت من العابدات، يقال: إنها لم تتوسد فراشا بعد وفاة زوجها (أبي الصهباء) حتى ماتت.
روي عن شيخ من أهل البصرة قال: أتيث معاذة فقالت: إني اشتكيت بطني فوصف لي نبيذ الجر، فأتيتها منه بقدح، فوضعته، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أن عائشة حدثتني أن النبي ﷺ نهى عن نبيذ الجر فاكفنيه بما شئت، قال: فانكفأ القدح وأهريق ما فيه، وأذهب الله تعالى ما كان بها (٤).
стр. 319
٢ - الإفتاء:
ما سبق من الأدلة على فضل عائشة (ض) وكمالها في مختلف المباحث وتحت عديد من العناوين يصور لنا بكل وضوح حياة عائشة (ض) بعد وفاة النبي ﷺ ، وبإمكاننا أن ندرك كيف أنها قضت بقية عمرها كمرجع أساسي للسائلين والمستفتين ومثابة للزوار والطالبين، وقدوة يقتدى بها في سائر المجالات والشؤون، لكن من حسن حظنا أن خزانة تراثنا الإسلامي غنية بتلك الشهادات المسجلة القاطعة والحاسمة التي تؤكد لنا وتجعلنا نقطع بالقول إن عائشة (ض) كانت مرجع الصحابة في كل شيء، وما أشكل عليهم شيء من الحديث أو الفقه إلا وجدوا عندها منه علما، وكان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ومشيختهم يسألونها ويستفتونها.
تقسيم ابن قيم علماء الصحابة المفتين:
هذا وقد صنف المحدثون علماء الصحابة إلى ثلاث طبقات، وذلك نظرا إلى قلة أو كثرة فتاواهم: قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط)):
المكثرون من الفتيا: والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ مئة ونيف وثلاثون نفسا ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس (ض). قال أبو محمد ابن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم، قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب ابن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عباس (ض) في عشرين كتابا، وأبو بكر محمد المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث.
المتوسطون في الفتيا: قال أبو محمد: والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير (ض) ... الخ.
стр. 320
المقلون في الفتيا: والباقون منهم مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك .... وهم أبو الدرداء، وأبو اليسر، وأبو سلمة المخزومي، وأبو عبيدة بن الجراح، والحسن، والحسين ابنا علي، والنعمان بن بشير، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو طلحة، وأبو ذر، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة ﵃ أجمعين ....)) (١). عائشة تفتي في عهد الخلفاء الراشدين:
كانت أم المؤمنين عائشة (ض) قد استقلت بالفتوى وحازت على هذا المنصب الجليل المبارك منذ وفاة النبي ﷺ ، وأصبحت مرجع السائلين ومأوى المسترشدين وبقيت على هذا المنصب في زمن الخلفاء كلهم إلى أن وافاها الأجل.
يقول القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة في المدينة المنورة:
((كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت يرحمها الله)).
وحتى عمر الفاروق ﵁ الذي كان مجتهد الإسلام والدين لم يستغن عن هذه المشكاة التبوية: ((كانت عائشة تفتي في عهد عمر، وعثمان إلى أن ماتت يرحمها الله، وكان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ : عمر، وعثمان بعده، يرسلان إليها فيسألانها عن السنن)) (٢).
وكما هو معروف أن كل صحابي لم يكن مسموحا له بالإفتاء في عهد عمر ﵁، بل كان ذلك الأمر إلى البعض من خاصة أصحاب الرسول ﷺ ، وهم الذين كانوا يفتون، وهذا يدلنا على مدى اعتماد عمر (ض)
стр. 321
على عائشة أم المؤمنين والاعتراف بفضلها ومكانتها العلمية وسعة اطلاعها ومعرفتها.
وهذا الأمير معاوية (ض) كان والي دمشق، وكان إذا أشكل عليه شيء يرسل إلى أم المؤمنين يستفسرها عنه (١)، وفي بعض الأحيان يكتب إليها يستنصحها، أخرج الإمام الترمذي في سننه: ((كتب معاوية إلى عائشة أم المؤمنين (ض) أن اكتبي إلي كتابا توصيني فيه ولا تكثري علي، فكتبت عائشة (ض) إلى معاوية: سلام الله عليك أما بعد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، والسلام عليك)) (٢).
كانت المدينة المنورة مقر كبار الصحابة ومركزهم، وقد بقي في المدينة حتى خلافة الشيخين كل من عثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وأمثالهم من كبار الصحابة وعلماء الإفتاء (ض) أجمعين، فلما تولى عثمان (ض) الخلافة، توفي معظم هؤلاء الكبار من الصحابة.
وبدأ عصر الشباب منهم، وكان على رأس قائمتهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن الزبير، وأبو هريرة (ض) أجمعين وكما مر معنا فإن عائشة (ض) قد حازت على منصب الافتاء منذ صغرها في زمن كبار الصحابة (ض)، وكان جلة الصحابة يراجعونها في معضلات الأمور، أخرج الإمام الترمذي عن أبي موسى الأشعري (ض): ((ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ حديث قط فسألنا عائشة
стр. 322
إلا وجدنا عندها علما)) (١)، وأخرج الإمام ابن سعد: ((يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ (٢)، ويقول التابعي الجليل مسروق: ((أي والذي نفسي بيده لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ يسألونها عن الفرائض)) (٣).
حتى أمثال ابن عباس، وابن عمر (ض) الذين كانوا يدانونها في الاجتهاد والفقه كذلك يسألونها في بعض القضايا ويتأكدون منها فيها (٤)، وكذلك أبو موسى الأشعري (ض) الذي يعد من علماء الصحابة لم يكن في غنى عنها (٥).
كانت المدينة المنورة قلب بلاد الإسلام، فكان الناس يقصدونها من مشارق الأرض ومغاربها ليتشرفوا بزيارة النبي ﷺ فيأنسوا بجواره ويتبركوا بآثاره، وينالوا شرف زيارة أم المؤمنين عائشة (ض)، وكانوا يأتون من بلدان بعيدة وأجنبية، لا يكون عندهم اطلاع على الآداب والتقاليد التي لا بد من مراعاتها عند الدخول على أم المؤمنين عائشة (ض)، فكانوا يتعلمون الآداب أول ما يصلون ويبدأون بالسلام.
يقول عبد الله بن أبي موسى: ((أرسلني مدرك أو ابن مدرك إلى عائشة أسألها عن أشياء، فأتيتها فإذا هي تصلي الضحى، فقلت أقعد حتى تفرغ، فقالوا: هيهات، فقلت لآذنتها: كيف أستأذن عليها؟ فقال: قل: السلام عليك ورحمة الله وبركاته)) (٦).
وكانت توقر من كان يأتيها وتعاملهم معاملة الإكرام والاحترام، ويحول بينها وبينهم الحجاب (٧)، عن يزيد بن بابنوس قال: ((ذهبت أنا وصاحب لي
стр. 323
إلى عائشة فاستأذنا عليها فألقت لنا وسادة وجذبت إليها الحجاب)) (١).
ولم تكن (ض) تتحرج في إجابة المستفتين عن أي مسألة من مسائل الدين، ولو كانت متعلقة بالشؤون الخاصة، بل إنها كانت تشجع المستفتين الذين كانوا يستحيون من السؤال الخاص بهم، وذلك عملا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ تطمئنهم وتقول لهم: ((أنا أمك فلا تستحي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك)) (٢). ولم يكن يفوتها الحج أي سنة، فلما حجت أقامت عند جبل ثبير (٣)، فيقصدها هناك عدد كبير من السائلين والمستفتين، وقد تجلس في سقيفة زمزم (٤)، ويأتيها طلاب العلم وشداة المعرفة يروون غليلهم العلمي وينهلون من المنهل الصافي، فيسألونها في كل صنف من المسائل وهي تجيبهم في ضوء الكتاب والسنة. ولو اختلف أحد منهم في قضية أو أشكل عليهم أمر يراجعونها لحسم القضية، عن سعيد بن المسيب قال: ((إن أبا موسى الأشعري (ض) أتى عائشة زوج النبي ﷺ فقال لها: لقد شق علي اختلاف أصحاب النبي ﷺ في أمر إني لأعظم أن أستقبلك به، فقالت: ما هو؟ ما كنت سائلا عنه أمك فسلني عنه، فقال: ((الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل، فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال أبو موسى الأشعري: لا أسأل عن هذا أحدا بعدك أبدا)) (٥).
وكان أبو الدرداء (ض) يفتي فيقول: لا وتر لمن أدرك الصبح، فانطلق رجال من المؤمنين إلى عائشة (ض) فقالت: ((كان رسول الله ﷺ يصبح فيوتر)) (٦).
стр. 324
وكان عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري (ض) من أصحاب النبي ﷺ أحدهما يعجل الإفطار والآخر يؤجله فسئلت عائشة (ض) عن ذلك فقالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قالوا: عبد الله بن مسعود، قالت: ((كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ ) (١).
وكان ابن عباس (ض) يفتي أن من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، فكتب زياد بن أبي سفيان إلى عائشة (ض) أن عبد الله بن عباس (ض) قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، فقالت عائشة (ض): ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيديه ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله حتى نحر الهدي (٢).
وفي سنن البيهقي قال الزهري: أول من كشف الغمى عن الناس وبين لهم السنة في ذلك عائشة (ض)، فلما بلغ الناس قول عائشة هذا أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس (٣).
وكان أبو هريرة (ض) يفتي أن من أدركه الفجر جنبا فلا يصم، فانطلق عبد الرحمن إلى عائشة وأم سلمة (ض) وسألهما فقالت: كان النبي يصبح جنبا من غير طهر ثم يصوم، يقول عبد الرحمن: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فقال مروان: عزمت عليك إلا ذهجت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول،
стр. 325
قال: فجئنا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم (١).
يحرم على المحرم لبس الخفين، فلو لم يجد المحرم النعال فيقطع أعلى الخفين حتى تصير نعالا، فكان ابن عمر (ض) يفتي بقطع رأس الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة (ض) حدثتها أن رسول الله ﷺ قد كان رخص للنساء في الخفين، فترك ذلك (٢).
وذات مرة تذاكر أبو هريرة وابن عباس (ض) عدة الحامل المتوفى عنها زوجها تضع بعد وفاة زوجها بأيام، فقال ابن عباس: عدتها آخر الأجلين، وقال أبو هريرة: عدتها وضع الحمل، فبعثوا إلى عائشة وأم سلمة (ض) فقالتا: ((وضعت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بثلاثة أيام فذكر أمرها لرسول الله ﷺ فأمرها فنكحت)) (٣).
اختلف أبو هريرة، وابن عمر (ض) في ثواب اتباع الجنائز، فقال أبو هريرة: من تبع جنازة فله قيراط، فقال ابن عمر: أكثر أبو هريرة علينا، فصدقت عائشة (ض) أبا هريرة وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقوله (٤).
إن فتاوى أم المؤمنين عائشة (ض) رغم إحاطتها بسائر القضايا التي لها اتصال بقواعد الدين وأصول الطهارة وشروط العبادات ونواقض الصلاة
стр. 326
والصيام إلا أن معظمها يتعلق بأحكام النساء والعلاقات الزوجية، وأسلوبها في تبليغ هذه الأحكام وفي خطاب بناتها وبنيها من المسترشدات والمسترشدين هو أسلوب التعليم، ولم يكن في مقدورها أن تتوخى أسلوبا غير هذا الأسلوب، ولو عرضت لأخص الأمور التي تسكت عنها النساء، لأنها المرجع الذي لا يغني عنه مرجع في سنن النبي ﷺ ومأثوراته وأعماله. فهي التي أفصحت عن كل فتوى نسوية سئلت عنها.
وكما قال الإمام ابن حزم، والإمام ابن القيم رحمهما الله: إن فتاواها إذا جمعت كانت مجلدا ضخما كبيرا. وكيف لا وقد كان هناك حشد من الناس رجالا ونساء يقدمون إليها من العراق (١)، والشام (٢)، ومصر (٣) يستفتونها في أمور دينهم ويقتنعون بأجوبتها.
بل كان الناس يتقربون إلى أولئك الذين يخدمونها ويلازمونها، فقد كانت عائشة بنت طلحة (ض) واحدة من الملازمين لها والمتشرفين بخدمتها، تقول: كان الناس يأتونها من كل مصر، فكان الشيوخ ينتأبوني لمكاني منها، وكان الشباب يتأخوني، فيهدون إلي ويكتبون إلي من الأمصار، فأقول لعائشة: يا خالة هذا كتاب فلان وهديته، فتقول لي عائشة: ((أي بنية فأجيبيه وأثيبيه)) (٤).
ورغم كل هذا الفضل والاطلاع الواسع والمعرفة الجليلة لو عرض عليها مسألة لم يكن عندها علم بها، أو وجدت أحدا غيرها هو أحسن إجابة عنها، فإنها تأمر المستفتي أن يذهب إليه، عن شريح بن هانيء قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: ((عليك بابن أبي طالب، فسله، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ..)) (٥).
стр. 327
ومرة سئلت عن الركعتين بعد العصر فقالت: ((سل أم سلمة)) (١)، كما سئلت عن لبس الحرير فقالت: ((سل عبد الله بن عمر) ((٢).
٣ - الإرشاد:
إن أي دين أو مذهب لما يطرأ على أهله الجمود وتتوقف عجلة الحركة الدموية فيه بعد مرور فترة زمنية عليه فإنه يكون في حاجة إلى من ينهض ويقوم بتجديده وإحيائه مرة أخرى، أما إذا كان العهد قريبا ولم يمض عليه وقت طويل فإنه يحتاج إلى من يقوم بواجب الإرشاد والتوعية، ويبذل قصارى مجهوداته في استعادة ما ضاع من أحكامه وتعاليمه، ولا يتركه حتى تختفي معالمه من بين أعين الناس ويتناساه الناس، وهذا ما يسمى بالإرشاد والتوعية.
وإن جهود أم المؤمنين عائشة (ض) نحو القيام بأداء هذه الفريضة ليست بأقل من جهود الصحابة الآخرين، فإنها سواء كانت في حجرتها الشريفة، أو بين أظهر الناس أو في مواسم الحج، لم تنس هذه الفريضة ولم تغفل عنها في أي لحظة وفي أي مكان.
كانت ﵂ تحزن وتقلق من كل ما كان يحدث في زمن خلافة عثمان (ض) وما يحاك فيه من شبكات المؤامرات والمعاندات والتي كانت تنقض عرى الإسلام عروة عروة، ومشاركتها في معركة الجمل لم تكن إلا نتيجة ذلك.
ولما أكثر الناس في عثمان (ض) وسخطوا منه من أجل الفتنة التي أثارها العجم وأهل مصر حتى بدأ البعض منهم يلعنه ويسبه ويشتمه، فأرسل
стр. 328
المخارق بن ثمامة - وكان من سادات البصرة - أخته أم كلثوم بنت ثمامة إلى عائشة (ض) وقال: ((ادخلي على عائشة وسليها عن عثمان بن عفان فإن الناس قد اكثروا فيه عندنا، قالت: فدخلت عليها فقلت: بعض بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان، قالت: أما أنا فأشهد على أني رأيت عثمان في هذا البيت في ليلة قائظة ونبي الله ﷺ وجبريل يوحي إليه، والنبي ﷺ يضرب كف أو كتف ابن عفان بيده، اكتب عثم، فما كان الله ينزل تلك المنزلة من نبيه ﷺ إلا رجلا عليه كريما، فمن سب ابن عفان فعليه لعنة الله)) (١). وقد روى القصة الإمام أحمد بن حنبل في مسنده باختلاف يسير في الألفاظ وفيه: ((قالت: لعن الله من لعنه، لا أحسبها إلا قالت ثلاث مرات، لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو مسند فخذه إلى عثمان وإني لأمسح العرق عن جبين رسول الله ﷺ . وإن الوحي ينزل عليه، ولقد زوجه ابنتيه إحداهما على إثر الأخرى وإنه ليقول اكتب عثمان، قالت: ما كان الله لينزل عبدا من نبيه تلك المنزلة إلا عبدا عليه كريما)) (٢).
وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بينه وبين أناس خصومة، فذكر لعائشة (ض) فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الأرض فإن النبي ﷺ قال: ((من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين)) (٣).
وكان العرف في المدينة المنورة أنه إذا ولد الصبيان يؤتى بهم إلى عائشة (ض) تبركا فتدعو لهم بالبركة، فأتيت بصبي فذهبت تضع وسادته فإذا تحت رأسه موسى، فسألتهم عن الموسى فقالوا: نجعلها من الجن، فأخذت الموس فرمت بها ونهتهم عنها وقالت: إن رسول الله ﷺ كان يكره الطيرة ويبغضها (٤).
стр. 329
هذا وقد اختلط المسلمون مع العجم في عهد عمر الفاروق (ض)، لكن قوته التنفيذية وسلطته القوية حالت دون تسرب سموم العجمية وجراثيمها إلى مجتمعات المسلمين، إلا أن عهد عثمان (ض) لم يقدر على مقاومتها، وظل هذا الاختلاط يتركز على مر الأيام إلى أن أخذت تلك السموم الطريق إلى المجتمعات الإسلامية، وبدأت تسمم البيئة العربية، فسادت أنواع من الملاهي وصنوف من الأشياء المسلية مجتمع المسلمين، وعم فيهم اللعب بالشطرنج والنردشير وشتى أنواع الترفيه مما تسبب في تضييع الأوقات، فلما رأى ذلك صحابة رسول الله ﷺ أسرعوا إلى الزجر عنها، وبدأوا يردعون الناس عن هذه الأعمال، وقد بلغ عائشة (ض) أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا فيه عندهم نرد فأرسلت إليهم ((لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري)) وأنكرت ذلك عليهم (١).
وكان ابن أبي السائب من أشهر الوعاظ والقصاص في المدينة، وكما هي عادة القصاص فإنهم يدعون بأدعية مسجعة ذات نغمات خاصة حتى يستجلبوا الناس ويسترعوا انتباههم، وكذلك كان يفعل ابن أبي السائب، فلما سمعت عائشة (ض) عن ابن أبي السائب قالت له: ((ثلاثا لتبايعني عليهن أو لأناجزنك؟ فقال: ما هن؟ بل أنا أبايعك يا أم المؤمنين، قالت: اجتنب السجع في الدعاء، فإن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك، وقص على الناس في كل جمعة مرة، فإن أبيت فثنتين فإن أبيت فثلاثا، فلا تمل الناس. ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقطع عليهم حديثهم، ولكن اتركهم فإذا جرؤوك عليه وأمروك به فحدثهم) ((٢).
وقد أمر الإسلام المطلقة أن تعتد في بيت زوجها، ولم يستثن من هذا
стр. 330
الحكم إلا فاطمة بنت قيس (ض)، حيث طلقها زوجها، وانتقلت إلى بيت آخر واعتدت هناك، فكانت فاطمة تستدل بقصتها على جواز انتقال المطلقة من بيت زوجها واعتدادها خارجه، فنقل عبد الرحمن بن الحكم ابنته من بيت زوجها استنادا إلى قصة فاطمة، فلما أخبرت عائشة (ض) بذلك أرسلت إلى مروان بن الحكم وهو أمير المدينة: ((اتق الله وارددها إلى بيتها، فقال مروان: إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني، وفي رواية: قال: أو ما بلغك شأن فاطمة ابنة قيس؟ قالت: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة، وأضافت قائلة: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبي ﷺ )) (١).
ولما فتح المسلمون بلاد العجم تعرفوا على بعض الأسماء الحديثة والأصناف الجديدة من الخمور، ومنها كانت ((بادق)) أي ((باده)) وكانت الخمر في اللغة العربية تطلق على أصناف خاصة وأنواع متميزة، فتساءل الناس عن حكم هذه الأصناف الحديثة هل هي داخلة في معنى الخمر أم لا؟ فأعلنت عائشة في مجلسها تحريمها، تقول كريمة بنت همام: ((سمعت عائشة أم المؤمنين تقول: نهيتم عن الدباء، نهيتم عن الحنتم، نهيتم عن المزفت، ثم أقبلت على النساء فقالت: إياكن والجر الأخضر، وإن أسكركن ماء حبكن فلا تشربنه (٢).
وبطبيعة الحال كان معظم من يدخل عليها من صنف النساء، فيستفتينها في أمور دينهن فترشدهن أم المؤمنين عائشة (ض) إلى الحق وتقدم لهن حلول مشاكلهن، وتطلب منهن أن يبلغن أزواجهن بذلك. فذات مرة دخلت عليها نسوة من البصرة فقالت لهن: مرن أزواجكن يغسلوا عنهم أثر البول والخلاء، فإنا نستحيي أن ننهاهم عن ذلك، وأن رسول الله ﷺ كان يفعله (٣).
ومرة أتتها أم محبة فقاك لها: ((يا أم المؤمنين أكنت تعرفين زيد بن
стр. 331
أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية إلى عطائه بثمانمئة نسيئة، وإنه أراد بيعها فاشتريتها منه بستمئة نقدا، فقالت لها: بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب)) (١).
ودخلت نسوة من أهل الشام على عائشة (ض) فقالت: أنتن اللاتي تدخلن الحمامات؟ قال رسول الله ((ما من امرأة وضعت ثيابها خارج بيتها إلا هتكت ستر ما بينها وبين الله عز وجلا)) (٢). وقد كانت عائشة أم المؤمنين (ض) مأوى لمئات الآلاف من القلوب المسلمة، ولا سيما في موسم الحج حيث تحيط بها النسوة، وهي تمشي أمامهن مثل الإمام والقائد، وأثناء هذا المشي تقوم بأداء واجب الدعوة والإرشاد والإفتاء بكل دقة وبراعة. تقول ذفرة: كنت أمشي مع عائشة في نسوة بين الصفا والمروة، فرأيت امرأة عليها خميصة فيها صلب، فقالت لها عائشة: انزعي هذا من ثوبك، فإن رسول الله ﷺ إذا رآه في ثوب قضبه (٣). وكانت تمنع التحلي بالحلي التي يطلع منها الصوت، وكذلك أصوات الجرس، تقول بنانة مولاة عبد الرحمن بن حبان الأنصاري عن عائشة أم المؤمنين قالت: بينما هي عندها إذ دخل عليها بجارية عليها جلاجل يصوتن، فقالت: لا تدخلوها علي إلا أن تقطعوا جلاجلها، فسألتها بنانة عن ذلك فقالت: ((سمعت رسول الله ﷺ ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه جرس ولا تصحب رفقة فيها جرس)) (٤). ودخلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة، وعلى حفصة خمار رقيق ((فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا)) (٥). وإن مكاتبا لأم المؤمنين دخل عليها ببقية مكاتبته، فقالت له: ادخل
стр. 332
مرتك هذه، فعليك الجهاد في سبيل الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما خالط قلب امرىء مسلم رهج في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار)) (١).
وذات مرة جاءها أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر فأساء الوضوء فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ويل للأعقاب من النار)) (٢).
وذات مرة نزلت عائشة أم المؤمنين (ض) على صفية أم طلحة الطلحات فرأت بنات لها يصلين بغير خمر قد حضن، فقالت عائشة: لا تصلين جارية منهن إلا في خمار، إن رسول الله ﷺ دخل علي وكانت في حجري جارية، فألقى علي حقوه فقال: ((شقيه بين هذه وبين الفتاة التي في حجر أم سلمة، فإني لا أراها إلا قد حاضت)) (٣).
ويقول عروة: إن عائشة (ض) أتتها امرأة فقالت: إن ابنتي عروس مرضت فتمزق شعرها أفأصل فيه؟ فقالت: ((لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة)) (٤).
وفي تلاوة القرآن يظن بعض الناس أن السرعة دليل على عظم الثواب وزيادة في الأجر فكلما يكون التالي مسرعا يكون ثوابه أعظم وأزيد، فجاء شخص إلى عائشة (ض) وسألها أن ناسا يقرؤون القرآن في الليلة مرة أو مرتين؟ فقالت: ((أولئك قرؤوا ولم يقرؤوا، كت أقوم مع رسول الله ﷺ ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه)) (٥). وكان صحابة رسول الله ﷺ قافلين من سفر حج، وكان فيهم
стр. 333
أسيد بن حضير - أحد كبار الصحابة وأجلتهم - فلما وصلوا ذا الحليفة كان غلمان من الأنصار تلقوا أهليهم، فلقوا أسيد بن حضير فنعوا له امرأته فتقنع وجعل يبكي، فقالت له عائشة: ((غفر الله لك أنت صاحب رسول الله ﷺ ولك من السابقة والقدم، مالك تبكي على امرأة؟)) (١).
ومن المعروف أن الكعبة المشرفة تكسى كل عام كساء جديدا وينزع عنها الكساء القديم، وكان من عادة متولي الكعبة أنه كان يدفن الكساء القديم بعد نزعه منها لكي لا تصيبها يد نجسة، وإن شيبة بن عثمان هو الذي كان في يده مفتاح الكعبة، فدخل على عائشة (ض) فقال: ((يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تجتمع علينا فتكثر، فتعمد إلى آبار فنحتفرها فنعمقها ثم ندفن ثياب الكعبة فيها كي لا يلبسها الجنب والحائض)) فأدركت عائشة (ض) بفهمها روح الشريعة ومقاصدها أن هذا التعظيم لثياب الكعبة أمر غير شرعي، لم يأمر به الله تعالى ولا رسوله ﷺ ، ويمكن أن يسبب ذلك إفساد العقائد في الزمن التالي، فقالت له: ((ما أحسنت ولبئس ما صنعت، إن ثياب الكعبة إذا نزعت منها لم يضرها أن يلبسها الجنب والحائض، ولكن بعها واجعل ثمنها في المساكين وفي سبيل الله)) (٢)، ولعل تقطيع ثياب الكعبة بقطعات ثم بيعها صار بعد هذه الواقعة، وتمكن المسلمون من شرائها يتبركون بها وينظرون إليها بنظر الاحترام والإجلال، ولا شك أن فضل ذلك يرجع إلى عائشة (ض) التي فتحت باب اقتناء هذه البركة والحصول عليها؛ جاء شخص (يعتقد أنه أبو هريرة (ض) إلى المسجد النبوي بجانب حجرة عائشة (ض) وبدأ يحدث الناس بصوت عال حتى يسمعها، وكانت هي تصلي، فلما فرغت من صلاتها مر بها عروة فقالت له: ألا يعجبك أبو فلان جاء وجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ
стр. 334
يسمعني ذلك وكنت أسبح؟ فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم)) (١).
تقصد (ض) أنه لا بد من المطابقة بين القول والعمل، للذين يتدارسون الحديث النبوي، وإلا فلا يبقى له أي تأثير في قلوب المستمعين.
ذات مرة كانت عائشة (ض) في الخيمة بمنى أيام الحج وكان الناس يأتونها لزيارتها فدخل عليها شباب من قريش وهم يضحكون فقالت: ما يضحككم؟ قالوا: فلان خر على طنب فسطاط، فكادت عنقه أو عينه أن تذهب، فقالت: لا تضحكوا، فإني سمعت رسول الله ﷺ قال: ((ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة)) (٢).
...
стр. 335
الفصل الخامس
فضل عائشة ومننها على نساء العالمين
بهذا الفصل نكون قد قطعنا آخر شوط من هذا الكتاب ووصلنا إلى نهاية مطافه, ولذا رأينا من المناسب أن يكون مسك ختام هذا السفر المختصر وخاتمته تلك الخدمات الجليلة والمآثر العظيمة التي قامت بها أم المؤمنين عائشة (ض) لصالح أخواتها من بنات حواء.
وأكبر فضل وأعظم منة منت بها أم المؤمنين عائشة (ض) على سائر صنف الأنوثة هو أنها أثبتت للعالم أن المرأة المسلمة رغم كونها وراء الحجاب فإنها قادرة على القيام بكل المسؤوليات والواجبات، سواء كانت في مجال الدعوة والإرشاد أو الوعظ والنصيحة والتعليم والتربية أو ميدان السياسة والاجتماع، وبالجملة فإن حياة أم المؤمنين ميزان صادق لتلك المكانة والمرتبة التي أنعم بها الإسلام على المرأة، ونموذج حي للدرجة العالية التي تبوأتها المرأة في الشريعة الإسلامية، حيث رفعتها درجات فوق أرفع درجة بلغتها بين العرب أو بين الأمم الأخرى، وجاء الإسلام فبدأ من النهاية التي انتهت إليها آداب الحضارة والسعادة في معاملة المرأة، ووهبها منزلة من الرعاية لم تصل إليها أرفع النساء في أرفع البيوتات قبل الدعوة المحمدية، ولو كان هناك من الصحابة من يصدق عليهم خطاب ((مسيح الأمة المسلمة)) واستأهلوا أن يكونوا ((هارون)) العهد المحمدي، فالحمد لله على أنه يوجد في الصحابيات من كانت ((مريم)) الدين المحمدي.
كانت الصابيات يعرضن قضاياهن على النبي ﷺ بواسطة أم المؤمنين (ض) وهي تشفع لهن وتقف بجانبهن وتطالب بحقوقهن المشروعة الكاملة وتدافع عنهن، وإليها وحدها كانت تتطلع أبصار المستضعفات والمضطهدات، كما حدث مع زوجة عثمان بن مظعون (ض) حيث دخلت على
стр. 336
أم المؤمنين وهي باذة الهيئة، فسألتها: ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فدخل النبي ﷺ فذكرت عائشة ذلك له، فلقي رسول الله ﷺ عثمان فقال: ((يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا، أفما لك في أسوة؟ فوالله إني أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده)) (١) يعني أعطي كل ذي حق حقه، ومنه حق الزوجة.
وكانت حولاء (ض) من الصحابيات اللاتي لا تنام بالليل، فمرت بأم المؤمنين عائشة (ض) فقالت للرسول ﷺ : هذه الحولاء، وزعموا أنها لا تنام بالليل، فقال رسول الله ﷺ ((لا تنام بالليل؟ خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا)) (٢). وإن امرأة سرقت في غزوة الفتح فأتي بها رسول الله ﷺ ثم أمر فقطعت يدها، فحسنت توبتها فتزوجت، وكانت تزور عائشة (ض) فيما بعد فترفع عائشة حاجتها إلى رسول الله ﷺ (٣)، بينما قد لا ترضى غيرها أن تأتيها وتزورها. وجاءت صحابية إلى عائشة (ض) وقد ضربها زوجها وعليها خمار أخضر فشكت إليها وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول الله ﷺ - والنساء ينصر بعضهن بعضا - قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لجلدها أشد خضرة من ثوبها، فلما سمع زوجها أنها قد أتت رسول الله ﷺ جاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه، وأخذت هدبة من ثوبها، فقال:
стр. 337
((كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم ولكنها ناشز تريد رفاعة .. الحديث)) (١).
الدفاع عن حقوق المرأة:
وكانت أم المؤمنين (ض) زعيمة المدافعين عن المرأة وحقوقها، فكانت تنكر على كل من يتكلم بشيء ينال من كرامة المرأة أو يحط منزلتها، وعندما ذكر لها ما يقطع الصلاة من الكلب، والحمار، والمرأة قالت: ((إن المرأة إذا دابة سوء، بئس ما عدلتمونا بالحمار والكلب، ولقد رأيتني وأنا معترضة بين يدي رسول الله ﷺ اعتراض الجنازة وهو يصلي)) (٢) وفي رواية: ((فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتهما إلي ثم يسجد)) (٣)، وفي هذا رد صريح على أولئك الفقهاء الذين يقولون بانتقاض الوضوء بمس المرأة، وقد ثار غضب أم المؤمنين (ض) عندما سمعت حديث أبي هريرة (ض) يرويه عن النبي ﷺ ((إنما الطيرة في المرأة، والدابة، والدار)) فطارت شقة منها في السماء وشقة منها في الأرض وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن كان نبي الله ﷺ يقول: ((إنما كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك)) (٤).
وهناك بعض الجوانب الفقهية والفروع والجزئيات التي اختلفت فيها آراء العلماء إلا أن عائشة (ض) اختارت فيها الجانب الذي يكون أكثر سهولة ويسرا للنساء، لأنها كانت أدرى بمثل هذه الحاجات من الرجال، ثم تخبرهن على ما تختاره من الكتاب والسنة.
وبالتالي رجح الفقهاء آراءها في معظم الأحوال، وهي المعول عليها والمفتى بها في أغلب البلدان الإسلامية، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - كان ابن عمرو (ض) يقول بوجوب نقض الضفائر للنساء عند
стр. 338
الاغتسال، فلما بلغ عائشة (ض) أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: ((يا عجبا لابن عمرو، هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات)) (١).
٢ - التحليق أو التقصير من واجبات الحج والعمرة، فما هو القدر الواجب في ذلك للنساء؟ كان ابن الزبير (ض) يفتي المرأة المحرمة أن تأخذ من شعرها قدر أربع أصابع، فلما سمعت عائشة (ض) بذلك قالت: ((ألا تعجبون من ابن الزبير، يفتي المرأة المحرمة أن تأخذ من شعرها أربع أصابع وإنما يكفيها من ذلك التطريف)) (٢).
٣ - يحرم على المحرم لبس الخفين إلا لمن لم يجد النعلين، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين (٣). فكان ابن عمر (ض) يفتي بقطع الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها أن رسول الله ﷺ قد كان رخص للنساء في الخفين، فترك ذلك (٤).
٤ - يحرم على المحرم استخدام الطيب في حالة الإحرام، فاستنتج منه بعض الصحابة منع التطيب عند الإحرام، فبلغ ذلك عائشة (ض) فقالت: ((كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ﷺ فلا ينهاها)) (٥).
٥ - روي عن ابن عمر (ض) أنه قال: ((لا تنتقب المحرمة)) (٦) (كانت
стр. 339
النساء والعرب ينتقبون اتقاء من الحر الشديد) لكن مواظبة النساء على ذالك كان أمرا صعبا، فقالت عائشة (ض): ((كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه)) (١) فكانت النساء في القرن الأول يعملن بقول عائشة (ض)، تقول فاطمة بنت المنذر: ((كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق (ض))) (٢).
٦ - عن عبد الله بن عمر (ض) أنه قال: قام رجل فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي ﷺ ((لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس، إلا أن يكون ليست له نعلان فليلبس الخفين، وليقطع أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران ولا الورس)) (٣). فاستدل بعض الصحابة بهذا الحديث على منع النساء من لبس الثياب المصبوغة بالزعفران، إلا أن ما يظهر بعد إمعان النظر في الحديث أن الخطاب يرجع إلى الرجال دون النساء، كما أن الحديث جواب لسؤال سأله رجل من النبي ﷺ ، ولذلك نرى أن عائشة (ض) لبست الثياب المعصفرة, وهي محرمة، بل إنها لا ترى بأسا بالحلي والثوب الأسود والمورد والخف للمرأة (٤).
٧ - اختلف العلماء في زكاة حلي الذهب والفضة، فذهب عبد الله بن مسعود (ض) وغير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى وجوب الزكاة، وهو اختيار الأحناف، بينما ذهب ابن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله (ض) إلى عدم وجوب الزكاة. وهو اختيار مالك، والشافعي، وأحمد، ومعروف أن الحلي من الأشياء التي لها صلة بالنساء في
стр. 340
الأغلب، فيكون رأي عائشة (ض) هو المعول عليه في هذا الموضوع، إلا أنه لم يرد عنها نص صريح أو عمل ظاهر بصدد هذا الموضوع، ففي جانب روى الإمام مالك في الموطأ عن القاسم ((أن عائشة (ض) كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة)) (١).
وفي جانب آخر روى الإمام أبو داود، والدارقطني عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: ((دخلنا على عائشة زوج النبي ﷺ فقالت: دخل علي رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار)) (٢) ومن المستحيل أنها لا تؤدي زكاتها
стр. 341
بعد سماع هذا الوعيد الشديد، ولذا أخرج الإمام الدارقطني في سننه عن عائشة (ض) قولها: ((لا بأس بلبس الحلي إذا أعطي زكاته)) (١) وهذا يدل على أنها كانت ترى وجوب الزكاة في الحلي، أما ما روي عنها أنها لم تكن تودي زكاة حلي بنات أخيها اللاتي كن في حجرها، فيمكن القول أنها لا ترى إيجاب الزكاة على الصغار كما هو مذهب كثير من الصحابة والتابعين.
لكن يرد عليه ما روي عنها في موطأ الإمام مالك أيضا أنها كانت تخرج الزكاة عن أموال اليتامى الذين كانوا في حجرها، فيجاب عن هذا أنها لا ترى وجوب الزكاة في أموال الصغار بل تقول باستحباب الزكاة، لأن حلي الصغار كانت موجودة بعينها ولم تحولها إلى العروض ولا أعطتها لمن يتجر فيها حتى تزداد قيمتها بالتجارة والبيع والشراء، كما أن البنات كن في حاجة إليها، فكانت عائشة ترى من المناسب أن لا تنقص قيمتها بأداء الزكاة، وأما أموال اليتامى الذين كانوا في حجرها، فإنها قد سلمتها إلى من يتجر فيها فترى من المناسب أن تؤدى زكاتها.
٨ - لو أراد القاتل دفع الدية لأولياء المقتول فعليه أن يسترضي جميع الأولياء، الأول فالأول، تقول عائشة (ض): على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة (٢). تعني أن المرأة إذا كانت أحد الأولياء فينبغي أن تكف أيضا عن القود، فليس هذا خاصا بالرجال فقط، وذلك لأن حق الوراثة ليس بخاص بالرجال.
٩ - أثبت الإسلام تقديره للمرأة ورعايته لحقوقها بإعطائها حق الميراث، خلافا لما كان عليه عرب الجاهلية وكثير من الشعوب القديمة الذين كانوا يحرمونها منه، أما في الإسلام فقد تولى القرآن الكريم بنفسه بيان معظم قضايا الميراث، بما فيها تفاصيل عن أسهم البنات، إلا أن هناك بعض القضايا
стр. 342
المسجدة في هذا الصدد قد دعت الحاجة إلى بذل مزيد من الجهود وإعمال الفكر لاستنباط الأحكام الشرعية مستمدة من الكتاب والسنة، فلعبت عائشة (ض) دورا رائدا وملموسا في هذا المجال، ولم تأل جهدا في إثبات حقوق المرأة المسلمة.
ومن صور تقسيم الميراث: ((إذا خلف الميت ابنتين وابنة ابن وابن ابن فكيف يقسم المال بينهم؟ كانت عائشة (ض) تشرك بين ابنتين وابنة ابن وابن ابن، فتعطي الابنتين الثلثين وما بقي فتشركهم، وكان عبد الله بن مسعود (ض) لا يشرك، يعطي الذكور دون الإناث)) (١).
١٠ - كان النساء يقدمن إلى رسول الله ﷺ للاستفسار عن المسائل بعضها يكون من القضايا الدقيقة قد يصعب شرحها على عامة النساء، وكان ﷺ يمنعه الحياء عن التفصيل في سائر الجزئيات، فكانت عائشة (ض) هي التي تعين أخواتها على فهم هذه المسائل، وتجذبها إليها ثم تعلمها (٢). وكان العرب يفتخرون بإطالة الذيول، وجر الثوب خيلاء، فنهى النبي ﷺ عن ذلك وقال: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) (٣) فقالت عائشة (ض): ((فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرا، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن؟ قال: فيرخيته ذراعا، لا يزدن عليه)) (٤).
стр. 343
١١ - أمر الإسلام بأن تستأذن البنات عند نكاحهن، فقال النبي ﷺ ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن)) إلا أن البكر يصعب عليها الإعراب عن رضاها ورغبتها بلسانها نظرا إلى حيائها الطبيعي والفطري، وقد أحست بذلك أم المؤمنين عائشة (ض) فقالت للرسول ﷺ : ((يا رسول الله إن البكر تستحي، قال: رضاها صمتها)) (١).
١٢ - يزوج بعض أولياء الأمور بناتهن من دون رضاهن، وقد حدث ذلك في عصر النبي ﷺ ، تقول عائشة (ض): ((إن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي النبي ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء)) (٢).
١٣ - من طلق زوجته طلقة أو طلقتين، تجب عليه نفقتها وسكناها إلى أن تنقضي عدتها، وهذا بإجماع العلماء، لكن إذا طلقها ثلاثا اختلف العلماء في وجوب النفقة والسكنى على الزوج؟ فقال بعض العلماء بعدم وجوب النفقة والسكنى عليه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] في سياق قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] أي أن الحكمة من الأمر بعدم إخراج المطلقة المعتدة من بيت زوجها إلى بيت آخر هي أمل حصول الصلح بينهما بعد إزالة البغضاء والشحناء، لكن لما
стр. 344
طلقها ثلاثا لم يبق أي أمل في رجوعها، ولذا انعدمت علة السكنى في بيت الزوج، فعلم أن الحكم متعلق بالطلاق الرجعي لا البائن، لكن في هذا الاستدلال نظر، لأن الإقامة في بيت الزوح إلى انقضاء العدة بأمل إيجاد الصلح بينهما وترك الفرصة الكافية لإعادة الصفاء بين الزوجين بعد أن تهدأ أعصاب كل منهما، ويريان نتيجة الانفصال وآثاره السيئة على حياتهما فلعلهما يعودان عن الخصام والنزاع ويعود الهدوء والحب إلى جو الأسرة، ليس هذا هو السبب الكلي فقط، وإنما هناك حكم ومصالح أخرى غير ذلك، ومنها أن المرأة تنتظر لتبرئة الرحم من الحمل، ولا يمكنها أن تتزوح إلا بعد انقضاء عدتها لكي يتحقق أن رحمها خال من أي حمل، ولا شك أن هذا الانتظار كان من أجل الزوح، وبالتالي فهو الذي يتحمل نفقتها وسكناها، وهذا هو الأمر الذي دفع عائشة (ض) إلى مخالفتها لاستدلال فاطمة بنت قيس بقصتها على جواز الانتقال من بيت الزوج، فقالت: ((ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث)) (١) وفي رواية البخاري: ((أما أنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث)) وقالت: ((إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي ﷺ (٢)، ولما حدثت نفس الواقعة في عهد مروان أرسلت عائشة إلى مروان بن الحكم وهو أمير المدينة: اتق الله وارددها إلى بيتها (٣).
كما ورد في بعض الروايات أن فاطمة بنت قيس كانت امرأة فتنت الناس، إنها كانت لسنة، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى)) (٤).
١٤ - إن المتوفى عنها زوجها تمكث مدة أربعة أشهر وعشرا، ولا تخرج من بيتها، فاستنبط منه بعض العلماء أنها لو كانت مع زوجها تعتد حيث مات
стр. 345
زوجها، فإن لم تكن معه فتعتد حيث يأتيها نعي زوجها، ويحرم عليها السفر في هذه الحالة، واحتجوا بما وردت الأحاديث في المنع من خروج المتوفى عنها زوجها من بيتها، وبلدها، ومن تلك الأحاديث: حديث فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت: خرج زوجي في طلب أعبد له فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه، فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: ((إنه أتاني نعي زوجي وأنا في دار شاسعة من دور أهلي لم يدع لي نفقة ولا مالا، وليس المسكن لي، ولو تحولت إلى إخوتي وأهلي كان أرفق بي في بعض شأني، فقال: تحولي، فلما خرجت إلى المسجد أو الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت له، فقال: امكثى في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرا)) (١) فاستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على منع الخروج من البيت، والمفروض أن يثبتوا عدم جواز الانتقال إلى البيت إذا كانت خارجة وكذلك عدم العودة إلى البلد إذا كانت خارجها.
ولذلك نرى أم المؤمنين عائشة (ض) لم تسلم لهم بهذا الاستدلال، وأخرجت أختها أم كلثوم في عدتها حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله، فأخرجتها إلى مكة (٢)، ولما حدث بهذا أيوب فقال: إنها نقلتها إلى بلادها (٣). والواقع أن هذا كان جوابا صحيحا، لأننا لو تأملنا في ضوء الوقائع التاريخية لوجدنا أن أم المؤمنين عائشة (ض) لو لم توضح هذه المسألة لوقعت النساء في مشكلة وواجهت صعوبات كثيرة.
стр. 346
١٥ - كما هو معلوم إن الطلاق أبغض المباحات إلى الله تعالى، وآخر وسيلة يرجع إليها الإنسان في الحياة الزوجية، فكان ينبغي تقليل نسبة وقوعه، وتضييق نطاقه إلى أقصى حد ممكن، ولو خير الزوج زوجته بين البقاء والمفارقة فاختارت زوجها فماذا يكون الحكم؟ يرى بعض أهل العلم من الصحابة وقوع طلاق واحد، ولما بلغ ذلك عائشة (ض) أنكرت هذه الفتوى بشدة وقالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه أفكان طلاقا (١)؟.
كما أن القول بوقوع الطلاق لا يأتي من الأخلاق في شيء، ففيه جرح لشعور الحب والإخلاص والوفاء الذي دفع الزوجة لاختيار زوجها، وكسر لخواطر صنف القوارير، ورد الجميل بالسيء، ووصمة عار في المجتمع، ولذلك نرى أن جمهور الفقهاء والمحدثين اختاروا قول عائشة (ض) وأفتوا به.
١٦ - لو أكره أحد على تطليق زوجته وهدد بالقتل أو التعذيب لا يقع عليها الطلاق عند عائشة (ض)، تقول (ض): ((لا طلاق في إغلاق)) (٢) وفي رواية: ((لا طلاق في غلاق)) (٣) وقد سلم بهذا الأصل سائر الفقهاء والمحدثين، سوى الإمام أبي حنيفة (ح)، وفعلا لو لم يكن هذا الأصل من أحكام ديننا الإسلامي الحنيف لصعب على المحصنات الغافلات ذوات الشرف والعزة التخلص من أيدي الجبابرة والمتكبرين من السلاطين والأمراء.
١٧ - كان من ضمن أغلال الطقوس وسلاسل التقاليد والعادات التي أثقلت أعناق النساء في الجاهلية عدم تحديد عدد الطلاق، وكذلك عدم تحديد مدة الرجعة بعد الطلاق، فكان الرجل يطلق أهله ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مئة مرة أو أكثر، حتى قال رجل
стр. 347
لامرأته: والله لا أطلقك فتبينين مني ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة (ض) فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته، فسكت النبي ﷺ حتى نزل القرآن: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قالت عائشة: ((فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق ومن لم يكن طلق)) (١).
١٨ - إن موسم الحج يدخل في بداية الشهر، وهذه الفترة بالذات تكون فترة انشغال معظم النساء بالعذر الشرعي، فإن منعن من أداء مناسك الحج إلى أن يطهرن ستتحول ساحات الحج، والعمرة إلى ساحة القيامة، وتضطر الآلاف من النساء لانتظار انقطاع الدم وحصول الطهارة أو أداء المناسك ناقصة، وكذلك أقاربهن وأولياء أمورهن سوف يضطرون للبقاء معهن، وكلتا الصورتين فيهما من المعاناة والمشكلات للنساء ما لا يمكنهن تحمله. لكن عائشة (ض) قد حلت هذه العقدة وكشفت هذه الغمة بنفسها حيث إنها سألت النبي ﷺ عن هذا الموضوع، فقال لها النبي ﷺ : ((يا عائشة: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري (٢)، وإن حدث هذا العذر قريبا من يوم النحر فيسقط عنها طواف الوداع، ولذلك نرى أن أم المؤمنين عائشة (ض) إذا حجت ومعها نساء تخاف أن يحضن قدمتهن يوم النحر فأفضن، فإن حضن بعد ذلك لم تنتظرهن فتنفر بهن وهن حيض إذا كن قد أفضن)) (٣) وقد خالفها في هذه المسألة من الصحابة زيد، وابن عمر، وعمر (ض)، وقد
стр. 348
ثبت رجع زيد، وابن عمر (ض) إلى رأيها، أما عمر (ض) فثبت على رأيه ولم يرجع عنه، حتى إنه قد حبس امرأة قد حاضت في مكة إلى أن طهرت (١).
فلما بلغ ذلك عائشة (ض) قالت: ((إن كان ذلك لا ينفعهن، ولو كان الذي يقولون لأصبح بمنى أكثر من ستة آلاف امرأة حائض كلهن قد أفاضت)) (٢) ولا شك أن الرأي الذي يميل إليه كل واحد هو رأي عائشة (ض) وهو أحق وأجدر بالقبول, ولو لم دكن عائشة بمثابة المرجع والمصدر في مثل هذه المسائل فمن يكون؟
مكانة عائشة وفضلها في عالم النساء:
ها نحن الآن على وشك إكمال دراسة سيرة العبقرية الفذة أم المؤمنين عائشة الصديقة (ض)، وقد بدت لنا من خلال هذه الصفحات معالم حياتها المقدسة ووقائعها جملة وتفصيلا: ولا شك أن كلنا عنده إلمام بأحوال وأخبار مئات نساء العالم العظيمات ذوات الشأن الرفيع والدرجات العالية، كما أن كتب التاريخ والسير سجلت لنا تراجم نساء العالم اللاتي اشتهرن على السدة العالمية بخصائصهن، وذاع صيتهن في الأوساط العلمية والثقافية، ولكن هل قارنا بين هذه وتلك؟
إن لدينا من قائمة النساء المعروفات غير المسلمات معظمهن من أولئك اللاتي قمن عن طريق المصادفة بعمل يفوق مستوى طبيعتهن، وأصبح ذلك العمل هو السبب الرئيس والأصيل لكسبهن شهرة عظيمة، ونيلهن صيتا ذائعا، فنجد مثلا امرأة نهضت فخطبت خطبة بليغة سحرت بها قلوب الناس، وحركت أوتار خاطرهم، ونفخت فيهم روحا جديدة من الثورة والمقاومة، أو أفشلت مؤامرة عدو بتدابير خاصة، أو نالت الفوز، ورافقها النجاح في ضرب
стр. 349
العدو ونكايته، فهذه هي الأسباب المباشرة التي جعلتها تشتهر بين الناس، وينال اسمها بقاء سرمديا وتاريخيا.
فهل من المعقول أن نقارن بين هذه الأعمال التي حصلت بطريقة المصادفة ولفترة مؤقتة، تلك الأعمال والمآثر التي كانت حصلت على وجه الدوام والاستمرار؟
إن لدينا نماذج من النساء الجميلات اللاتي كن ملكات الحسن والجمال وغاية في الروعة والبهاء، متوجات بالتاج الملكي، متمكنات من العرش، لكن كيف كانت نهاية هؤلاء؟ لو تأملنا وأمعنا النظر في تراثنا التاريخي لوجدنا أن نهاية مطافهن كانت الفشل والتحسر، لا غير، وتاريخ بلاد مصر، وإيران، والروم خير دليل على ما قلناه.
ألا تكون المقارنة بين حياة هذه وتلك التي كانت حياتها حياة نموذجية ناجحة مقدسة سوء أدب؟ بلى.
...
وبصرف النظر عن هذه الجوانب العامة إذا تأملنا في حياة هذه العبقرية أم المؤمنين عائشة (ض) من ناحية الدين والشرع والخلق والتبجيل والقدسية فيتجلى لنا أنه لا يدانيها ولا يعدلها أي شهيرة من شهيرات عالم النساء في هذه الخصائص، بل لا نحسب أن امرأة بلغت شأوها من معاصريها أو بعدها في هذه الميزات، إن سجلات التاريخ البشري عاجزة عن تقديم أي مثال للمرأة غير أم المؤمنين عائشة (ض) التي قامت بأداء كل الواجبات العلمية، ونهضت بأمانة التبليغ والتعليم أحسن نهوض وأوفاه، ولعبت دورا بارزا ملموسا في الأمور السياسية والاجتماعية بالإضافة إلى المواظبة على الفراص الدينية، والشرعية والحفاظ على الأخلاق النبيلة والسلوك الحسن القويم.
هذه هي شخصية أم المؤمنين (ض) التي اتصفت بهذه الصفات العالية وقدمت أمام أكثر من مئة مليون امرأة أسوة حسنة لحياة مثالية كاملة، ورسمت
стр. 350
لكل من أتى بعدها أمثل الطرق وأنفعها، وذلك بمآثرها الخالدة، وعبادتها وخضوعها أمام الباري تعالى، والمثل الحية والأساليب العملية للأخلاق الرفيعة الفاضلة وتعليمات التزكية والزهد، وشرح الأحكام الدينية والأمور الشرعية شرحا تفصيليا، فلها المن والفضل من جميع النواحي الدينية والعلمية والاجتماعية على هذا العدد الهائل من صنف النساء.
وعلى هذا لا يوجد أحد في تاريخ النساء المسلمات من يستأهل أن يذكر بإزائها في المرتبة والشرف والمكانة العالية، سوى الأزواج المطهرات وبنات النبي ﷺ الطاهرات رضوان الله عليهن أجمعين.
وقد أجمع العلماء على أن أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، والسيدة فاطمة الزهراء، وأم المؤمنين عائشة ﵅ أجمعين هن خير نساء العالم وأفضلهن إطلاقا، أما جمهور العلماء فيرون أن السيدة فاطمة الزهراء (ض) هي في المرتبة الأولى، ثم تليها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد (ض) ثم تليها أم المؤمنين عائشة (ض)، إلا أن هذا الترتيب لا يستند إلى نص صريح أو حديث صحيح ثابت، بل مرجعه اجتهاد العلماء ووجهات نظرهم الخاصة، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة مناقب وفضائل هؤلاء العبقريات الثلاث. ولذلك اختار بعض العلماء التوقف في مسألة التفضيل بينهن، بينما خالف العلامة ابن حزم (ح) في هذه المسألة كل العلماء وزعم أن أم المؤمنين عائشة (ض) أفضل الناس بعد النبي ﷺ ليس في النساء فحسب بل في الرجال كذلك. وبرهن على دعواه بأدلة وحجج أوردها في كتابه ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) مبحث فضائل الصحابة.
وأنا أميل في هذه المسألة إلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اللذين يقولان: إن جهات الفضل بينهما متفاوتة كما قاله ابن تيمية، قال في الفتح: وكأنه رأى التوقف، وقال ابن القيم: إن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله فذلك أمر لا يطلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، أو شرف الأصل ففاطمة لا
стр. 351
محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيه غير أخواتها، أو شرف السيادة فقد ثبت النص لفاطمة وحدها)) (١).
وبالرغم من أننا نعرف مكانة السيدة ((مريم ﵍) وقدسيتها عن طريق الإسلام، لكن روايات الإنجيل عاجزة عن أن تميزها بعمل ما، وكذلك زوجة فرعون ((آسية)) قد استحقت الفضيلة والشرف في الشريعة الإسلامية، إلا أن التوراة ساكتة عن إظهار شرفها وفضلها ومكانتها، ولذا فإننا نؤمن بشرفهما وفضلهما إجمالا، لكن لسان التاريخ والوقائع ساكت عن التعبير عن أي مناقب لها، وعلى كل فمن أصدق قولا وأعدل حكما من لسان الوحي المعصوم الصادق المصدوق ﷺ : عن أبي موسى الأشعري (ض) قال: قال رسول الله ﷺ : ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) (٢).
اللهم صل على محمد وعلى آله الأطهار وأصحابه الكرام وأزواجه المطهرات)).
...
стр. 352
المصادر والمراجع
стр. 353
_________
١٢ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: للإمام يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي، ت: علي محمد البجاوي، ط: دار الجيل، بيروت ١٤١٢هـ.
١٣ - البداية والنهاية: للإمام أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، ط: مكتبة المعارف، بيروت.
١٤ - بلاغات النساء: لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور الخراساني، ت: د. عبد الحميد الهنداوي، ط: دار الفضيلة، القاهرة.
١٥ - تاريخ الخلفاء: للإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ت: محمد محي الدين عبد الحميد، ط: المكتبة التجارية الكبرى، مصر.
١٦ - التاريخ الصغير: للإمام البخاري، ت: محمود إبراهيم زايد، ط: مكتبة التراث، القاهرة ١٣٧٩هـ.
١٧ - تاريخ الطبري: للإمام محمد بن جرير أبي جعفر الطبري، ط: دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٧هـ.
١٨ - التاريخ الكبير: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ت: السيد هاشم الندوي، ط: دار الفكر.
١٩ - تاريخ بغداد: لأحمد بن علي أبي بكر الخطيب البغدادي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.
٢٠ - تذكرة الحفاظ: للإمام أبي عبد الله شمس الدين الذهبي، ط: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد، الدكن - الهند ١٣٧٥هـ.
٢١ - الترغيب والترهيب: للإمام عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ت: إبراهيم شمس الدين، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٧هـ.
٢٢ - تفسير القرطبي: للإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر أبي عبد الله القرطبي، ت: أحمد عبد العليم البردوني، ط: دار الشعب، القاهرة ١٣٧٢هـ.
٢٣ - التمهيد: للإمام يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري أبي عمر، ت: العلوي والبكري، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب ١٣٨٧هـ.
٢٤ - تهذيب التهذيب: للإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ط: دار الفكر، بيروت ١٤٠٤هـ.
٢٥ - الجامع الصغير: للإمام جلال الدين السيوطي، ط: جدة المملكة العربية السعودية.
стр. 354
_________
٢٦ - جامع معمر بن راشد الأزدي، ت: الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ط: المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٣هـ (منشور كملحق لكتاب المصنف للصنعاني ج ١٠).
٢٧ - الجرح والتعديل: لعبد الرحمن بن أبي حاتم أبي محمد الرازي التميمي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٩٥٢م، الطبعة الأولى.
٢٨ - جزء خلق أفعال العباد: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ت: د. عبد الرحمن عميرة، ط: دار المعارف السعودية، الرياض ١٣٩٨هـ.
٢٩ - حجة الله البالغة: للإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بالشاه ولي الله الدهلوي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١٥هـ.
٣٠ - حلية الأولياء: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ط: دار الكتاب العربي، بيروت.
٣١ - روضة المحبين ونزهة المشتاقين: للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية، ط: دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١٢هـ.
٣٢ - زاد المعاد في هدي خير العباد: للإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدشقي أبي عبد الله ابن قيم الجوزية، ت: شعيب الأرناؤوط، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٠٧هـ.
٣٣ - الزهد: للإمام الهناد بن السري الكوفي، ت: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، ط: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت ١٤٠٦هـ.
٣٤ - سنن الإمام سعيد بن منصور، ت: د. سعد بن عبد الله آل حميد، ط: دار العصيمي، الرياض ١٤١٤هـ.
٣٥ - سنن الدارقطني، تحقيق عبد الله هاشم المدني، ط: دار المعرفة، بيروت.
٣٦ - سنن الدارمي لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي، ترقيم: فواز أحمد زمرلي، ط: دار الكتاب العربي، بيروت.
٣٧ - السنن الكبرى: للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ت: عبد القادر عطا، ط: مكتبة دار الباز، مكة المكرمة ١٤١٤هـ.
٣٨ - السنن الكبرى: للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١١هـ.
стр. 355
_________
٣٩ - سنن النسائي: لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب، تحقيق وترقيم: الشيخ عبد الفتاح أبي غدة (ح)، ط: مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب ١٤٠٦هـ.
٤٠ - سير أعلام النبلاء: لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت.
٤١ - السيرة الحلبية في سيرة الأمين والمأمون لعلي بن برهان الدين الحلبي، ط: دار المعرفة، بيروت ١٤٠٠هـ.
٤٢ - السيرة النبوية: للإمام عبد الملك بن هشام أبي محمد المعروف بابن هشام، ت: طه عبد الرؤوف سعد، ط: دار الجيل، بيروت ١٤١١هـ.
٤٣ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب: لعبد الحي ابن العماد الحنبلي، ط: القدسي بالقاهرة ١٣٥٠هـ.
٤٤ - شرح الإمام النووي لصحيح الإمام مسلم، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٣٩٢هـ.
٤٥ - شرح الزرقاني على الموطأ: لمحمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني، ط: دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١١هـ.
٤٦ - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية: للإمام القسطلاني، ط: المطبعة الأزهرية المصرية ١٣٢٧هـ.
٤٧ - شرح معاني الآثار: للإمام أحمد بن محمد بن سلامة أبي جعفر الطحاوي، تحقيق: زهري النجار، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.
٤٨ - شعب الإيمان: للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت: محمد زغلول، ط: دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١٠هـ.
٤٩ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى: للعلامة القاضي عياض اليحصبي الأندلسي (ح) ت: جماعة من العلماء، ط: مكتبة الفارابي، مؤسسة علوم القرآن، دمشق.
٥٠ - الشمائل المحمدية والخصائص المصطفوية: للإمام أبي عيسى الترمذي، ط: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ١٤١٢هـ.
٥١ - صحيح الإمام ابن خزيمة: تحقيق: الدكتور مصطفى الأعظمي، ط: المكتب الإسلامي، بيروت - لبنان.
٥٢ - صحيح الإمام محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت.