قلت: يا رسول الله إن أفلح أخا أبي القعيس جاءني يستأذن علي، فكرهت أن آذن له حتى أستأذنك، قالت: فقال النبي ﷺ : ائذني له فإنه عمك (١) وقد تبين من هذا الحديث أنها كانت تبحث حتى عن المصالح العقلية في الأحكام.
وفيما يأتي نتناول تلك المسائل التي كشفت عائشة (ض) النقاب عن مصالحها وحكمها وأسرارها في الأحاديث، وبالرغم من أننا استوعبنا في ذكر هذه المسائل كل كتب الأحاديث وقمنا باستقصائها وتتبعها، لكن الكمال لله ، ولذا فالتقصير وارد، ويمكن أن تكون هناك مسائل فاتتنا، ولم نطلع عليها.
الترتيب في نزول القرآن الكريم:
ينقسم القرآن الكريم من حيث أماكن النزول إلى قسمين:
١ - المكي: وهو ما نزل قبل الهجرة.
٢ - والمدني: وهو ما نزل بعد الهجرة.
وكلا الصنفين يختلف بعضهما عن بعض في الخصائص المعنوية، وهذه الخصائص وإن لم تظهر لعامة الناس إلا أن الذين لهم براعة في معرفة اللغة العربية، واطلاع على مميزاتها ودقائق معانيها وأساليبها، فإنهم يقدرون على التمييز بين هذين الصنفين بمجرد سماع آيات السور، وأهم مميزات السور المكية، والمدنية كالتالي:
السور المكية ................................................................... السور المدنية
١ - تكون غنية بالمشاعر والعواطف ........................................... ١ - تكون في غاية من العمق والقوة والرسوخ.
٢ - تستخدم فيها كلمات فخمة في قمة البلاغة والفصاحة .................... ٢ - تتميز بكلمات أصولية وتعبيرات وأساليب تشريعية.
стр. 282
٣ - تحتوي على آيات المواعظ والنصائح والتوحيد وذكر القيامة وآيات الحشر والنشر، وذكر الأمم والعذاب، في معظم الأحيان .......... ٣ - تحتوي على آيات الحدود والفرائض والأحكام.
٤ - تراعى فيها الفواصل وتكون قصيرة على العموم ............................... ٤ - يقل فيها استخدام الفواصل والسجع، وإن كانت فالفواصل كبيرة وطويلة.
٥ - لا تتناول المناظرات والمباحثات مع اليهود والنصارى ......................... ٥ - تكثر فيها المناظرات مع اليهود والنصارى.
٦ - قلما يطالب فيها بالأعمال والعبادات، وإنما يكون التركيز فيها على مباحث العقائد ....................... ٦ - يطالب فيها بالأعمال والعبادات
٧ - لا تتناول موضوعات الجهاد، وتقتصر على موضوع الدعوة والتبلغ والإرشاد والتلاطف في الكلام .......... ٧ - يكون فيها أمر بالجهاد وبيان لأحكام الجهاد مع الأمر بالدعوة والتبليغ والإرشاد.
إن علماء ومحققي أوربة المستشرقين يفتخرون بهذا الاكتشاف العلمي ويعتزون به لكنهم يجهلون أن حرم النبي ﷺ وحاملة أسرار النبوة قد كشفت القناع عن هذا السر، وأفشته بين الناس قبل ألف وأربعمئة سنة، فقد ورد في صحيح البخاري من قولها (ض): ((إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام ثم نزل الحرام والحلال، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة وأنا جارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده)) (١).
والمقصود أن الإسلام جعل من أصوله أن لا يوسع نطاق أحكامه وتعاليمه جملة واحدة، بل يختار في ذلك منهج التدرج والتمهل، وذلك لأن الله قد بعث هذا الدين في قوم من الأميين، فبدأ بذكر الجنة والنار بطريقة خطابية، وأسلوب رشيق جذاب مؤثر، ولما تأثروا بذلك انتقل بهم بعد
стр. 283
هذه المرحلة إلى إنزال الأحكام والحدود والفرائض، فنزلت آيات الأحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو طولبوا بالامتناع عن الزنا والفواحش وشرب الخمر وغيرها من العادات السيئة من أول يوم لما كان لهذا النداء من ملب؟ ومعروف أن الفرق في اللغة، وطريقة الأداء والأسلوب ناجم عن الفرق في المعاني والمطالب، فلا يدعي أحد أن لغة وأسلوب كتاب المواعظ والإرشاد تكون نفس لغة وأسلوب كتاب قوانين التعزيرات.
وسورة البقرة، والنساء التي تقول عائشة (ض) إنهما نزلتا في المدينة تتناولان موضوع المناظرات مع اليهود والنصارى، لأنهم كانوا في المدينة، وبما أن الدعوة الإسلامية تكون قد اكتملت في المدينة المنورة، نزلت فيها الأحكام، وقلت فيهما الفواصل بسبب استخدام أسلوب الأحكام والقوانين فيهما، وتقول (ض): إن سورة القمر نزلت بمكة، وفيها ذكر موضوع القيامة، لأن تلك فترة بداية الإسلام، وفيها الإنكار على المشركين والرد عليهم، لأن المواجهة كانت معهم هناك. واستخدمت فيها الفواصل الصغيرة لأنها تؤدي إلى إيجاد تأثير عميق في الأسلوب والبيان.
وخلاصة القول: إن الفوارق الموجودة بين السور المكية، والمدنية هي بالنظر إلى الاختلاف في الأوضاع والظروف، واختلاف الأوضاع هو الذي أدى إلى الفرق في اختيار الأسلوب وطريقة الأداء واختيار اللغة.
سر نجاح الدعوة الإسلامية في المدينة المنورة:
قد يظن البعض أن هذا السؤال لم يكن متوقعا أن يطرحه أحد قبل القرن العشرين، والتاريخ لم يتطور إلى درجة أن يسعه إنشاء مثل هذه الأسئلة، واليوم إذا جلس كبار المؤلفين وأفاضل الكتاب لكي يحلوا هذه العقدة ويزيحوا الستار عنها فإنهم يحسبون أنهم يصنعون الأعاظم ويفعلون الأفاعيل، ولكن الواقع أن الشخص الذي حدثت أمامه هذه الوقائع وهو يشاهدها بأم عينيه، لم يكن جاهلا بهذا السر الخفي، ولم تخف عليه هذه الحكمة.
ومما لا شك فيه أن اتساع نطاق دعوة الإسلام ونموه وتطوره في جو
стр. 284
مكون من التيارات المضادة، والهجمات الشرسة والضربات المعادية إنما هو معجزة ربانية بحتة، ولكن ليس من اللازم ظهور المعجزات من دون الأسباب أو الدوافع المؤدية إلى ظهورها، بل إن إيجاد هذه الأسباب والدوافع وتهيئتها وجمعها في وقت مناسب وملائم بفضل من الله تعالى كذلك يعتبر نوعا من المعجزات التي لا تتيسر ولا يتهيأ لكل عمل يعمله الإنسان، وإلا لما فشلت حركة قط في هذه المعمورة، مع أننا نرى آلافا من الحركات التي تبوء بالفشل ولا تتكلل بالنجاح لعدم توفر الأسباب.
كانت قبائل المدينة قد شغلتها الحروب الأهلية فيما بينها قبل بزوع شمس الإسلام، وراح ضحيتها معظم زعماء هذه القبائل، الذين كانوا أكبر عائق وأخطر حاجز في سبيل الدعوة، وذلك خوفا منهم أن تتضرر بها مناصبهم وسيادتهم، وهذه الحروب قد أتعبت الأنصار وأرهقتهم إلى حد أنه لما طلع فجر الإسلام وجدوا فيه ضالتهم، وحصلوا على بغيتهم، وحسبوا أنه رحمة لهم، وبما أن طبقة الزعماء قد قضت عليها الحروب لم يعد أحد يتمكن من إحداث الحواجز في طريقها، وبهذا يكون قد مهد الله كل طرق لنمو شجرة الإسلام وتطوره من جميع الجوانب وسائر النواحي في المدينة المنورة.
تقول عائشة (ض): ((كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله ﷺ فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملؤهم، وقتلت سراتهم وجرحوا، فقدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام)) (١).
الاغتسال يوم الجمعة:
الاغتسال يوم الجمعة واجب، وهذه أم المؤمنين عائشة (ض) توضح لنا سبب هذا الوجوب فتقول:
((كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في الغبار
стр. 285
يصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي فقال النبي ﷺ ((ولو تطهرتم ليومكم هذا)) (١).
تقصير الصلاة في السفر:
شرع في الإسلام تقصير الصلاة في السفر، فتصلى ذوات الأربع ركعتين، ويبدو ظاهرا أن سبب هذا التقصير وعلته هو التسهيل والتيسير، إلا أن عائشة (ض) تروي لنا سببا آخر تقول: ((فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الأولى)) (٢).
النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر:
روي في الأحاديث الصحيحة عن عمر (ض) أن النبي ﷺ ((نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب، (٣) وليس هناك سبب ظاهري لهذا المنع، لأن العبادة مأمور بها في كل الأوقات، وها هي عائشة (ض) تكشف الستار عن هذا الإشكال، وتوضح لنا سبب المنع فتقول: ((وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها)) (٤) يعني حتى لا يكون هناكاشتباه بعبادة الشمس أو لا يظن التشابه مع المجوس في وقت العبادة.
الصلاة جلوسا:
روي عن النبي ﷺ أنه كان يصلي النوافل جالسا في بعض الأحيان، فاستحب بعض الناس أن يصلوا النوافل جالسين ولو من دون عذر، علما بأن
стр. 286
ثواب الصلاة قاعدا نصف ثواب الصلاة قائما، وقد سئلت عائشة (ض): هل كان النبي ﷺ يصلي وهو قاعد؟ قالت: ((نعم بعد ما حطمه الناس)) (١).
وفي رواية أخرى: ((ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسا قط حتى دخل في السن .... الحديث)) (٢) وفي رواية: ((لما بدن رسول الله ﷺ وثقل كان أكثر صلاته جالسا)) (٣) (فدل أن النبي ﷺ قنع بنصف الأجر في حالة العذر، فالذين ينظرون إلى قلة الأجر وكثرته يفضلون الصلاة قائما، لكن الذين ينظرون بنظر الحب والعشق فيؤثرون حب الحبيب واتباعه في كل أمر على كثرة الأجر والثواب، وبهذا فإنهم وإن لم ينالوا الأجر الكثير في صلاتهم لكنهم يعوضون ما نقص لهم من الأجر بثواب اتباع الحبيب المصطفى ﷺ إن شاء الله تعالى.
سبب مشروعية صلاة المغرب ثلاث ركعات:
زيد في الصلاة بعد الهجرة وصارت الركعتان أربعا، فلماذا تصلى المغرب ثلاث ركعات؟ تجيب عائشة (ض) عن هذا السؤال فتقول: ((قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين، إلا المغرب، فإنها وتر النهار .. الحديث)) (٤).
سبب مشروعية صلاة الفجر ركعتين:
إن صلاة الفجر يكون فيها الاطمئنان أكثر، وتوقيتها أوسع فكان من المفترض أن يزاد في ركعاتها، لكن الشارع الحكيم اقتصر على مشروعيتها
стр. 287
بركعتين فقط، وهذه عائشة (ض) توضح لنا سبب الاقتصار على الركعتين فتقول: ((وصلاة الفجر لطول قراءتها)) (١) فاهتمت الشريعة بالخشوع والخضوع في صلاة الفجر بدرجة خاصة، وكثرة القيام والقعود قد تخل في هذا الخشوع فزيد في الكيفية بدل الكمية، وذلك في شكل طول القراءة.
سبب صوم عاشوراء:
تقول عائشة (ض): ((إن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله ﷺ بصيامه حتى فرض رمضان، وقال رسول الله ﷺ من شاء فليصمه ومن شاء أفطر)) (٢) كذا روي عن
стр. 288
ابن عمر (ض) (١)، إلا أنه لم يصرح بالسبب الذي من أجله كانوا يصومونه في الجاهلية، وعائشة (ض) هي التي بينت لنا سبب هذا الصوم في الجاهلية فقالت: ((كانوا يصومون يوم عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، كان يوم تستر فيه الكعبة)) (٢).
سبب عدم مواظبته ﷺ على صلاة التراويح في شهر رمضان:
يقول ابن عباس (ض): ((كانت عائشة (ض) أعلم أهل الأرض بصلاة الرسول ﷺ في الليل)) (٣) وتقول عائشة (ض): ((كانت صلاته ﷺ في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة بالليل منها ركعتا الفجر)) (٤) وذات مرة خرج رسول الله ﷺ في جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فاجتمع الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم الرسول ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر
стр. 289
أقبل على الناس ثم تشهد فقال: ((أما بعد فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها)) (١) ولما زال خوف الفرضية وذلك بعد انقطاع الوحي بعد وفاة النبي ﷺ أداها الصحابة بالمواظبة والمداومة، فالذين ينظرون إلى أصل الحديث يقولون إنها مستحبة، لكن الذين اتبعوا الصحابة قالوا: إنها سنة مؤكدة.
حقيقة مناسك الحج:
قد يستشكل بعض الجهلة أن مناسك الحج كلها - مثل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، ورمي الجمار - هذه الأعمال كلها ليس فيها فائدة ظاهرية، لكن عائشة (ض) تفحم هؤلاء الجهلة فتقول: ((إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ) (٢) يعني أن الهدف الحقيقي ليس هذه الأعمال فحسب، بل إنها مواضع لذكر الله تعالى، كما نص القرآن الكريم إشارة على أن هذه المناسك كانت طريقة مسلوكة لأداء العبادة أيام زمن إبراهيم، والحج الذي هو تذكار لسنة إبراهيم (س) فرض فيه الطريقة السابقة للعبادة، ويجب على كل مسلم مستطيع أن يقوم بأدائها مرة واحدة في عمره كله.
النزول في وادي المحصب:
المحصب اسم لواد عند مكة المكرمة، نزل به النبي ﷺ في أيام الحج، ثم تبعه الخلفاء الراشدون بعده فنزلوا به، ويرى ابن عمر (ض) أن النزول في وادي المحصب من سنن الحج (٣)، لكن عائشة (ض) كانت لا تعتبره سنة ولا
стр. 290
كانت تنزل هنا، وتقول: ((إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان منزلا أسمح لخروجها) (١) ووافقها في هذه المسألة ابن عباس (٢) ورافع (٣) (ض)، أجمعين.
النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق الثلاث:
كان النبي ﷺ قد نهى ذات مرة عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فروي عن علي، وابن عمر، وعبد الله بن واقد (ض) (٤) أن هذا المنع كان للأبد، لكن روي عن عائشة، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وسلمة بن الأكوع، وثوبان مولى رسول الله ﷺ وبريدة (ض) أجمعين أن المنع كان حكما مؤقتا (٥)، ثم بينت لنا عائشة (ض) علة هذا المنع المؤقت، عن عابس بن ربيعة قال: ((قلت لعائشة: هل كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الأضاحي، بعد ثلاث؟
قالت: لا، ولكن لم يكن يضحي منهم إلا قليل، ففعل ذلك ليطعم من ضحى من لم يضح، ولقد رأيتنا نخبىء الكراع من أضاحينا ثم نأكلها بعد عشر)) (٦). هذا وقد روى الإمام مسلم في صحيحه جزءا من رواية عائشة هذه ونصها:
قالت عمرة: ((سمعت عائشة تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقي، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك، فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: إنما نهيتكم من أجل
стр. 291
الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا)) (١).
وروي مثل هذا عن سلمة بن الأكوع ونصه: ((من ضحى منكم فلا يصحبن في بيته بعد ثالثة شيئا، فلما كان في العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام أول؟ فقال: لا، إن ذاك عام كان الناس فيه بجهد، فأردت أن يفشو بينهم)) (٢).
الحطيم وبناء الكعبة المشرفة:
يوجد مكان صغير في الجانب الشمالي من جدار الكعبة يلي الميزاب يسمى الحطيم، وهو من البيت، فلا بد أن يدخل في الطواف، ويطاف بالبيت من وراء الحطيم، فلو دخل فيها أحد في طوافه لم يجزئه، لأنه من البيت، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أنه ما دام هذا المكان ليس داخلا في الكعبة فلماذا يطاف من ورائه؟ ويمكن أن بعض الصحابة استشكلوا هذا الأمر، وعرضوه على النبي ﷺ ، إلا أن ذخائر الحديث الشريف المتوافرة لدينا خالية عن اسم الذي استفسر عن هذه المسألة رسول الله ﷺ غير عائشة (ض) تقول (ض): ((سألت رسول الله ﷺ عن الجدار أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فلم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ....)) (٣).
يقول ابن عمر (ض): لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم)) (٤).
стр. 292
لكن ثمة سؤال ينشأ وهو أن الرسول ﷺ إن كان يعرف أن الكعبة لم يتم بناؤها على قواعدها الأصلية، فكان واجبا عليه باعتبار كونه مجددا للشريعة الإبراهيمية أن يبنيها من جديد، كما قالت عائشة: ((يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله ﷺ : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت)) (١) يعني أن عامة العرب كانوا حديثي العهد بالإسلام، فإنهم إن رأوا نقض الكعبة وبناءها من جديد، قد يدفعهم ذلك إلى إثارة الفتن والشغب، وفي الحديث دليل على جواز التأخير في تنفيذ عمل شرعي إذا اقتضت المصلحة ذلك، ولا يلام صاحبه على التأخير، بشرط أن لا يطلب الشارع تتفيذه على الفور، ونظرا إلى رواية عائشة (ض) قام عبد الله بن الزبير (ابن أخت عائشة (ض)) أيام خلافته، ونقض الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم وستر عليها الستور، وقال: إني سمعت عائشة تقول: ((إن النبي ﷺ قال: لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوي على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع ولجعلت لها بابا يدخل الناس به وبابا يخرجون منه، قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق ولا أخاف الناس)) (٢).
فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أسس نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: ((إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه)) (٣).
ولكن لما أخبره الثقات من الناس أن هذا البناء كان حسب رواية أم المؤمنين عائشة (ض) فنكت ساعة بعصاه، ثم قال: ((وددت أني تركته، وما تحمل)) (٤) وفي
стр. 293
رواية قال: ((لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير)) (١).
سبب الطواف بالبيت راكبا:
لقد طاف النبي ﷺ بالبيت راكبا في حجة الوداع، ففهم منه بعض الناس أن الطواف بالبيت راكبا سنة، وهو مذهب بعض الأئمة من المجتهدين، وليس الأمر كما ظنوا، لأن طواف النبي ﷺ راكبا كان نظرا إلى مصلحة وحكمة وسبب، وقد صرح لنا ثلاثة من الصحابة بثلاثة وجوه وأسباب، فيقول ابن عباس (ض): ((إن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته، كلما أتى الركن استلم الركن بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين)) (٢) ويقول جابر ((طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه)) (٣) وتقول عائشة (ض): ((طاف النبي ﷺ في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن كراهية أن يضرب عنه الناس)) (٤) والسبب الذي ذكره ابن عباس (ض) قد يتردد في قبوله، لأنه ﷺ لو كان مريضا لعلمه الناس كلهم، ولم يختص هذا العلم بابن عباس (ض)، بل أعلن ذلك في عامة الناس، فدل أن كلا من هؤلاء الثلاثة عللوا الواقعة حسب فهمهم واجتهادهم.
الكشف عن حقيقة الهجرة:
تعني الهجرة في هذه الأيام أن يترك الواحد موطنه ويغادر إلى المدينة المنورة أو إلى مكة المشرفة، حتى ولو كان بلد إقامته آمنا يسوده الاستقرار والأمن والسلامة، وقد سأل عطاء بن أبي رباح (أحد الأئمة التابعين) عائشة (ض) عن حقيقة الهجرة فقالت: ((لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله
стр. 294
الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد ونية)) (١).
وبهذا اتضح معنى قول ابن عمر (ض): ((لا هجرة بعد الفتح)) (٢) لأن مكة صارت بعد الفتح بلدا آمنا، وسادها الأمان والاطمئنان، إلا إذا هاجر أحد بنية نيل جوار الرب أو جوار الرسول ﷺ ، فينال ثواب النية.
دفن النبي ﷺ في الحجرة الشريفة:
لما توفي النبي ﷺ اختلف الصحابة في مدفنه ﷺ ، وقد ورد في رواية أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: ((النبي يدفن حيث يموت)) (٣) ولذلك دفن ﷺ في حجرة عائشة (ض) حيث فاضت روحه إلى الملأ الأعلى، ويمكن عزو هذا القول إلى أبي بكر إلا أن هذا موضوع تاريخي لا بد من التثبت في ذلك، وأما السبب الحقيقي لدفنه ﷺ في الحجرة فتبينه لنا أم المؤمنين عائشة (ض) تقول: ((قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود، والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أو خشي أن يتخذ مسجدا)) (٤) كما ثبت من ذلك سبب رص بنيان قبره ﷺ والحفاظ عليه بين الجدران المحكمة والسقف الراسخة.
...
стр. 295
البحث السادس
معرفتها ب الطب والتاريخ والخطابة والشعر
يشهد تلاميذ أم المؤمنين عائشة (ض) أنها كانت بارعة ولديها اطلاع كبير واسع في فن التاريخ، وكانت على ملكة من الأدب، وحظيت بقوة فائقة في الخطابة والشعر، ولها باع في الطب كذلك.
يقول هشام بن عروة: ((ما رأيت أحدا من الناس أعلم بالقرآن ولا بفريضة ولا بحلال ولا حرام ولا شعر ولا بحديث العرب ولا النسب من عائشة (ض)، (١).
الطب:
يقول عروة: ((ما رأيت أحدا أعلم بالطب منها)) (٢) ومعروف أن فن الطب لم يكن رائجا عند العرب بكل أصوله وقواعده، وأكبر طبيب للعرب في ذلك الوقت كان الحارث بن كلدة، كما كان هناك أطباء صغار منتشرون في البلاد، وقد تعلمت عائشة (ض) فن الطب من هؤلاء الأطباء الذين كانوا يعالجون بالأعشاب وخواص الأشياء الطبيعية، وقد سألها عروة بن الزبير، وكان يتملكه العجب من إحاطة السيدة بكل هذه العلوم فيقول لها متعجبا: ((يا أمتاه لا أعجب من فهمك، أقول زوجة رسول الله ﷺ وبنت أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو؟ ومن أين هو؟ قال: فضربت على منكبه وقالت: أي عرية: إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر
стр. 296
عمره أو في آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات وكنت أعالجها له فمن ثم)) (١).
وأرى أن معرفة أم المؤمنين عائشة (ض) بالطب كانت مثل ما كانت تعالج النساء الكبيرات في السن الأطفال، وتحفظ بعض الأنعات والوصفات الطبية المجربة لبعض الأمراض والأسقام، لأن النساء كانت تشارك الرجال في صدر الإسلام في تحمل أعباء الجهاد في سبيل الله، وكان جهادهن يتناسب مع أنوثتهن، وكان في الأعم الأغلب مقتصرا على إعداد الطعام وسقي الماء وتمريض الجرحى وإخلاء القتلى، وأم المؤمنين عائشة (ض) نفسها شاركت في غزوة أحد فخرجت مع النساء تسقي الجرحى وتحمل قرب الماء على عاتقها لتفرغها في أفواه المجاهدين (٢). وفي هذا دليل على أن نساء ذلك العصر كن يلممن بهذا الفن قدر الحاجة.
التاريخ:
كان أبو بكر الصديق (ض) من أعلم الناس بأيام العرب وأنسابهم والطقوس والتقاليد التي كانت في الجاهلية، وأم المؤمنين عائشة (ض) كانت ابنته، فبالطبع ورثت هذه الفنون والعلوم من أبيها الكريم، وقد سبق قول هشام بن عروة: ((ما رأيت أحدا من الناس أعلم ... بحديث العرب ولا النسب من عائشة)) وكل ما وصلنا من المعلومات والاطلاع على أحوال الجاهلية ومعرفة طقوسهم وعاداتهم، وأخبارهم الاجتماعية، في كتب الحديث كلها مروية عن طريق عائشة (ض).
مثلا: الطرق المتبعة في النكاح والزواج عند العرب (٣)، وكيفية الطلاق
стр. 297
عندهم (١)، وكيفية الغناء واللهو في حفلات زواجهم (٢)، متى كان يوم صيامهم (٣)؟ أين كانت تنزل قريش في الحج (٤)؟ ماذا كانوا يقولون عند رؤيتهم
стр. 298
الميت (١)، كما أننا لم نسمع أخبار معارك ((بعاث)) (٢) التي دارت فيما بين الأنصار إلا من فم عائشة (ض)، كذلك بعض تقاليد الأنصار في عباداتهم، وعاداتهم فيها مثل عبادتهم لأصنام (٣) المشلل وغير ذلك مما لم نطلع عليه إلا عن طريق عائشة (ض).
وهكذا أهم الوقائع التاريخية مثل بدء الوحي، وأحوال النبوة في مستهل أيامها، والأخبار التفصيلية عن أحداث الهجرة، وحديث الإفك بسائر تفاصيله كأننا نراه ونشاهده أمام أعيننا، كل ذلك لم يتلقه المسلمون إلا من فم عائشة (ض)، ومما يجدر بالذكر أن الأحاديث الموجودة في كتب الصحاح مختصرة لا تتجاوز سطرين أو ثلاثة، لكن مرويات عائشة (ض) التي تتضمن سرد هذه الوقائعع والأحداث احتوت على صفحتين أو ثلاث صفحات، وكذلك كيفية نزول القرآن الكريم وترتيبه، وطرق أداء الصلاة في الإسلام، وكيفية مرض موت النبي ﷺ من البداية إلى النهاية، وعدد أكفان الرسول ﷺ ونوعيتها، كل ذلك لم نطلع عليه إلا عن طريق عائشة (ض).
فما سبق ذكره في هذا الإطار كان متعلقا بالشؤون المنزلية والأمور الداخلية، ولم يقتصر علمها (ض) على هذا فقط، بل إنها صورت لنا غزوات النبي ﷺ تصويرا دقيقا، فحكت لنا قصة غزوة بدر الكبرى وغزوة أحد وغزوة الخندق، وشيئا عن غزوة بني قريظة، وكذلك كيفية صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وبيعة النساء في فتح مكة، وأهم وقائع حجة الوداع، والمعلومات الدقيقة والمهمة المفصلة عن سيرة الحبيب المصطفى ﷺ ، من
стр. 299
ذكر عبادته وقيامه في الليل، واشتغاله بمهنة أهله، والتصوير الدقيق الكامل لأخلاقه الحسنة النبيلة الطيبة، كانت عائشة (ض) هي المصدر الأول والأساس لسائر هذه المعلومات، كما أنها هي التي بينت لنا أشد ما لقيه النبي ﷺ في حياته المباركة.
وكذلك قصة خلافة أبي بكر الصديق (ض)، ودعوى فاطمة والأزواج المطهرات بطلب توزيع ميراث النبي ﷺ ، وحزن علي (ض)، وتفاصيل البيعة، كل ذلك تلقيناه عن طريقها (ض).
كانت معرفتها بتاريخ الإسلام مبنية على ما شاهدته من الوقائع بأم عينيها، لكن ما هي مصادرها في معرفة أحوال الجاهلية؟ يظهر من رواية عروة أنها اكتسبت هذا الفضل العلمي من أبيها المبجل، ((ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول ابنة أبي بكر)).
الأدب:
المراد بالأدب جمال الألفاظ وحسن التعبير في الأحاديث العامة، واختيار أسلوب رشيق جذاب في مخاطبة الناس، فما من أحد سمع أم المؤمنين عائشة (ض) أو قرأ كلامها إلا وبهرته فصاحتها وسحرته بلاغتها وأدهشته عارضتها.
يقول أحد تلاميذها، موسى بن طلحة: ((ما رأيت أحدا أفصح من عائشة)) (١). ويقول التابعي الأحنف بن قيس: ((ما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن من في عائشة (ض) (٢).
ورغم أن عدد مرويات عائشة (ض) وصل إلى الآلاف، إلا أن المحدثين مجمعون على أن الأحاديث المحفوظة بألفاظها الأصلية قليلة جدا، وعلى كل
стр. 300
فإننا لو لمسنا في أي رواية جملة واحدة صادرة من في عائشة (ض) لوجدنا أنها تنفخ روحا جديدة في الحديث، ونلاحظ ذلك جليا مثلا في حديث بدء الوحي، حينما تذكر الرؤيا الصادقة، تقول: ((فما رأى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) (١) وتعبر عن المشقة التي تصيب النبي ﷺ عند نزول الوحي، قائلة: ((حتى أنزل عليه الوحي فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات)) (٢)، كما تعبر عن اضطرابها وغياب النوم عن عينيها عندما افترى عليها المفترون حديث الإفك، فتقول: ((وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم)) (٣). والحديث الذي رواه البخاري حول أم زرع كل فقرة من فقراته نموذج رائع ومثالي للتشبيهات العربية، والاستعارات، والبديع والمعاني، وقد اعتنى أهل اللغة والأدب بعدة شروح لصفحة واحدة من هذا الحدث فقط وعلقوا عليه تعليقات وسودوا فيه صفحات (٤).
وسوف نذكر لاحقا في مبحث التعليم أنها كانت توصي تلاميذها بالعناية بالتلاوة الصحيحة للقرآن وحسن تجويده وصحة أدائه، والإقبال عليه دراسة وحفظا.
الخطابة:
إن الخطابة وقوة البيان من الجواهر الفطرية والطبائع الحرة للعرب، فكانت هذه الملكة والموهبة متوافرة في الرجال والنساء على السواء، ولذلك نجد في تاريخ القرون الأولى من شروق فجر الإسلام، عندما كانت روح العربية حية في قلوب الناس وضمائرهم، كانت هناك خطيبات وأديبات رفيعات المستوى من ذوات المكانة السامية، بلغن القمة في الفصاحة والبيان،
стр. 301
وقد حفلت كتب الأدب والنقد بكثير من الصور والنماذج الأدبية الرفيعة لعدد ليس بالقليل من أولئك النساء في شتى العصور، وها هو أحمد بن أبي طاهر (ت ٢٠٤هـ) قد ألف كتابا جمع فيه نماذج عديدة من بلاغات النساء في صدر الإسلام، وصدر كتابه بخطب عائشة أم المؤمنين (ض)، كما أن الإمام الطبري ذكر خطبها التي ألقتها أمام جموع وحشود من الناس في ساحات القتال عند معركة الجمل، كما نقل ابن عبد ربه خطبة لها في كتابه: ((العقد الفريد)). وهذا الأحنف بن قيس التابعي الجليل البصري (ويعتقد أنه سمع خطبتها في البصرة) يقول: ((سمعت خطبة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب والخلفاء كلهم هلم طرا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة (ض))) (١).
وأرى أن كلام الأحنف لا يخلو من المبالغة، كما أن التأثيرات الخارجية كذلك لها دخل في هذه الخطبة، لأن هذه خطبة امرأة، وفي ساحة القتال، فلا بد لها من التأثير العميق، وعلى كل فمما لا شك فيه أنها كانت خطيبة مصقعة بلغت الغاية من الفصاحة والبلاغة والبيان.
يقول معاوية (ض): ((والله ما سمعت قط أبلغ من عائشة (ض))) (٢).
وعن موسى بن طلحة قال: ((ما رأيت أحدا أفصح من عائشة (ض))) (٣).
والخطيبة كما أنها تحتاج إلى لسان فصيح ذرب، وبيان أدهى من السحر وأمر من الصبر، كذلك هي في أمس الحاجة إلى صوت قوي يكون موضع التجلة والاحترام وإلى لهجة فخمة تسترعي انتباه السامعين، كانت عائشة (ض) تتمتع بهذه الصفات كلها على أكمل وجه.
روى الإمام الطبري في تاريخه: ((فتكلمت عائشة، وكانت جهورية
стр. 302
الصوت، يعلو صوتها كثيرا، كأنه صوت امرأة جليلة)) (١) وخطبها التي ذكرناها عند ذكر وقعة الجمل تدلنا على قوتها في البيان ووفور عاطفتها ورصانة أسلوبها ورسوخ كلماتها.
الشعر:
كان الشعر هو رأس مال العرب كله في مجال العلم قبل بزوغ شمس الإسلام، وكان له دور بارز ملموس في المجتمع العربي، يقوم الشاعر العربي وينفخ روحا جديدة في الأقوام الميتة روحيا وفكريا، ببلاغته وفصاحته وقوة حجته، كما أنه كان يستخدم هذا الجوهر الثمين فيرفع به أقواما ويضع به آخرين، ولما كانت النساء شقائق الرجال فقد شاركنهم في هذا الصنف الأدبي العظيم، وشعرهن يباري شعر الرجال في جودته وسعة أغراضه وجزالته، وما دام المسلمون محتفظين بجوهر اللغة العربية قبل الإسلام وبعده بقرن كانت هناك مئات من الشاعرات والأديبات التي كان أدبهن الشعري زينة للشعر العربي.
ولدت عائشة (ض) في هذا العصر، وكانت بنت الصديق أعلم رجالات قريش بأيام العرب وأنسابها وأخبارها، وقد مر معنا تنويه عروة وإشادته بهذه الحقيقة عندما قال لعائشة (ض): ((وأجدك عالمة بأيام العرب وأنسابها وأشعارها، فقلت: وما يمنعها وهي ابنة علامة قريش)) (٢).
وروى الإمام البخاري في الأدب المفرد عن عروة عن عائشة (ض) أنها كانت تقول: ((الشعر منه حسن ومنه قبيح، خذ بالحسن ودع القبيح، ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارا منها، القصيدة فيها أربعون بيتا، ودون ذلك)) (٣).
وسألها شريح: أكان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: ((كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة: ((ويأتيك بالأخبار من لم تزود))) (٤).
стр. 303
ومدح الشاعر الجاهلي أبو كبير الهذلي ابنه تأبط شرا بقصيدة فيها البيتان التاليان:
ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
فإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل))
فمدحت عائشة (ض) رسول الله ﷺ بهذين البيتين وقالت: ((لو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره، قالت: فقام النبي ﷺ وقبل بين عيني وقال: جزاك الله يا عائشة خيرا ما سررت مني كسروري منك)) (١).
وقد حفلت كتب الأحاديث بكثير من الأشعار التي كانت السيدة عائشة (ض) تستشهد بها.
ولما توفي عبد الرحمن بن أبي بكر حمل إلى مكة فدفن فيها، فلما قدمت عائشة مكة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا (٢)
تقول عائشة (ض): ((لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر، وبلال، وعامر بن فهيرة، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
стр. 304
كل امرىء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شاك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل (١)
وسألت عامرا فقال:
إني وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه (٢)
وقد رثى الشاعر القرشي كفار قريش وصناديدها الذين قتلوا في غزوة
بدر.
فحفظت لنا السيدة عائشة (ض) بعض أبيات تلك القصيدة:
((وماذا بألقليب قليب بدر ... من الشيزى تزين بالسنام
وماذا بالقليب قليب بدر ... من القنيات والشرب الكرام
تحيينا السلامة أم بكر ... وهل لي بعد قومي من سلام
يحدثنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام (٣)
تقول عائشة (ض): ((أسلمت امرأة سوداء لبعض العرب، وكان لها حفش في المسجد، قالت: فكانت تأتينا فتحدث عندنا، فإذ فرغت من حديثها قالت:
((ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني (٤)
وخرجت عائشة (ض) يوم الخندق تقفو أثر الناس إذ مر سعد بن معاذ وهو يرتجز:
стр. 305
((البث قليلا يدرك الهيجا جمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل)) (١)
وكانت نساء الأنصار يغنين في أعراسهن:
((وأهدى لها أكبشا ... تبجج في المربد
وزوجك في النادي ... ويعلم ما في غد)) (٢)
ولما هجا المشركون المسلمين رد عليهم المسلمون ردا عنيفا، وهذه عائشة (ض) تروي لنا هذا الرد، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: ((اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق بالنبل، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم،
فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال رسول الله ﷺ : لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي فأتاه حسان ثم رجع فقال: يا رسول الله قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين)).
وقال:
((وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنب مخزوم ووالدك العبد))
تقول عائشة (ض): ((سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله ﷺ وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسان فشفى واشتفى، قال حسان:
((هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمدا برا حنيفا ... رسول الله شيمته الوفاء
стр. 306
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
ثكلت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء
يبارين الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء
فإذ أعرضتمو عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لضراب يوم ... يعز الله فيه من يشائ
وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ليس به خفاء
وقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء (١)
ولما اطلعت عائشة (ض)؛ على الأحوال السيئة والظروف الحرجة التي كانت تمر بها المدينة المنورة بعد استشهاد عثمان (ض) تمثلت بقول الشاعر:
((ولو أن قومي طاوعتني سراتهم ... لأنقذتهم من الحبال أو الخبل (٢)
ولما وصلت البصرة تمثلت بقول الشاعر:
((دعي بلاد جموع الظلم إذ صلحت ... فيها المياه وسيري سير مذعور))
تخيري النبث فارعي ثم ظاهرة ... وبطن واد من الضماد مطمور)) (٣)
كما أنها كانت تحفظ الأبيات التي ارتجز بها الأبطال في معركة الجمل، ومرة تذكرت ذلك المنظر وبكت بكاء شديدا:
يا أمنا يا خير أم نعلم ... أما ترين كم شجاع يكلم
وتختلى هامته ... والمعصم (٤)
стр. 307
ونظرا إلى هذا الذوق العالي الرفيع للشعر لدى عائشة (ض) كان الشعراء يعرضون عليها قصائدهم، وهذا حسان بن ثابت (ض) الذي كان معلم الشعراء في الأنصار دون منازع، رغم سخط عائشة (ض) عليه لكونه خاض في الإفك، كان يدخل عليها وينشدها شعرا (١)، وكانت تكره أن يسب عندها، بل كانت تمدحه، وتذكره بالخير. يقول عروة: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: ((لا تسبه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ )) (٢)، كما أنها كانت تذكر شعراء النبي ﷺ الآخرين مثل كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة (ض) أجمعين.
روى أبو هريرة (ض) عن النبي ﷺ ((لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتليء شعرا)) (٣) وبما أن هذا الحديث فيه ذم للشعر فقال بعض الرواة: إن عائشة (ض) لما سمعت بحديث أبي هريرة (ض) قالت: يرحم الله أبا هريرة لم يحفظ الحديث، إنما قال رسول الله ﷺ لأن يمتليء جوف أحدكم قيحا ودما خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به)) (٤) وهي رواية الكلبي، وهو
стр. 308
كذاب معروف، فلما عرف أن عائشة (ض) استدركت على الصحابة، وكان لديه ذوق رفيع للشعر فانتهز هذه الفرصة، ونسب الحديث إلى عائشة (ض)، وقد صرح المحدثون بأن هذا الحديث موضوع مختلق (١).
والأصل في هذا الباب أن إنشاد الشعر في واقع الأمر ليس بشر ولا بخير، وإنما هو صنف من الكلام، وحسن الكلام وقبحه لا يرجع إلى القوافي والأوزان الشعرية، وإنما يبتني على المعاني والمطالب التي يحتويها الكلام، فإن كان مضمون الكلام مشتملا على الذكر والزهد وتقوى الله تعالى وسائر المواعظ دون إفراط فيها ولا مبالغة، فلا يكون الشعر قبيحا، وإن كان عكس ذلك فهو إذن وصمة عار على جبين الأخلاق الحسنة والسلوك الطيب، وفساد اللسان، وهذا الأمر لا يقتصر على الشعر، وإنما ينطبق على النثر كذلك. وهذا ما رواه البخاري عن عائشة (ض) في وصفها للشعر تقول (ض): ((الشعر منه حسن ومنه قبيح، خذ بالحسن ودع القبيح)) (٢) ويروي عبد الله بن عمر (ض) عن النبي ﷺ نفس هذا المعنى بشيء من التفصيل: ((قال رسول الله ﷺ : ((الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبحه كقبح الكلام)) (٣) وتقول عائشة (ض): إن أعظم الناس جرما إنسان شاعر يهجو القبيلة من أسرها ورجل تنفى من أبيها)) (٤).
...
стр. 309
الفصل الرابع
دور عائشة في التعليم والإفتاء والإرشاد
إن الخدمة الحقيقية للعلم هي تبليغه إلى الآخرين واستخدامه في مجال تزكية النفوس وإصلاح الأمة، وإرشادها إلى الصراط المتقيم، ولذلك جاء أمر النبي ﷺ بكل صراحة ووضوح (افليبي الشاهد الغائب)) فهل قامت عائشة (ض) بأداء هذه الفريضة؟ وأدت مؤولية التعليم الملقاة على كاهلها؟ سوف نتناول الرد على هذا الزاد في المباحث التالية: التعلبم، والإفتاء، والإرشاد.
ومن هنا ندعو أولئك الذين يزعمون أن القيام بفريضة التعليم، وتبليغه ونشره اختص به صنف الرجال دون النساء أن يصحبونا لكي يتكشف عنهم الغبار ويتضح لديهم الوابع ويتجلى أمام أعينهم الدور البارز الملموس لهذا الصتف الرقيق الذي شبهه النيي. بالقوارير.
١ - التعليم:
من الحقائق التاريخية الثابتة أن صحابة رسول الله ﷺ قد انتشروا في مختلف أرجاء العالم وشتى البلدان بعد النبي ﷺ للقيام بواجب التعليم والدعوة والإرشاد، وكان بلد الله الحرام والطائف، والبحرين، واليمن، والشام، ومصر، والكوفة، والبصرة وغيرها من المدن الكبار مقزأ لهؤلاء الطائفة المباركة من الصحابة.
وانتقلت دار الخلافة الإسلامية بعد مضي سبع وعشرين سنة من المدينة المنؤرة إلى الكوفة، ثم إلى دمشق، إلا أن هذه الحوادث وانتقال دار الخلافة من مكان إلى مكان لم يزلزل تلك الهيبة العلمية، والمعنوية، واروحية التي قد ترسخت في قلوب الناس تجاه المدينة المنؤرة، وكانت المدينة المنؤرة حينذاك محتضنة عدة مدارس علمية ودينية يشرف عليها كل من أبي هريرة،
стр. 310
وابن عباس، وزيد بن ثابت وغيرهم إلا أن أعظم مدرسة شهدتها المدينة المنورة في ذاك الوقت هي زاوية المسجد النبوي التي كانت قريبة من الحجرة النبوية وملاصقة لمسكن زوج النبي ﷺ ، كانت هذه المدرسة مثابة للناس يقصدونها متعلمين ومستفتين، وأصبحت كعبة المحبين ومقصد المشتاقين وروح أرواح المؤمنين، ويمم طلاب العلم وشداة المعرفة وجوههم قبل هذه المدرسة، حتى غدت أول مدارس الإسلام، وأعظمها أثرا في تاريخ الفكر الإسلامي. ومعلمة هذه المدرسة كانت أم المؤمنين عائشة (ض)، فالذين كانوا من محارمها وأقربائها من الرجال والنساء ضمتهم إليها وربتهم في حجرها وعلمتهم، أما الآخرون فيدخلون وعليها الحجاب، ويجلسون بين يديها من وراء الحجاب في المسجد النبوي (١).
كان الناس يستفتونها ويسألونها عن مختلف القضايا وهي تجيبهم (٢)، فينالون بركة تلقي السنة النبوية الشريقة غضة ندية من فم أم المؤمنين السيدة التي كانت ألصق الناس بحياة النبي ﷺ وأقربهم منه، وربما كانت هي التي تثير سؤالا ثم تبدأ في الإجابة عليه، ويستمع لها الناس بآذان صاغية وقلوب واعية، كما أنها كانت تولي عناية فائقة واهتماما بالغا بتصحيح لغة تلاميذها وتعويدهم على النطق الصحيح مع مراعاة القواعد اللغوية.
قال ابن أبي عتيق: تحدثت أنا والقاسم عند عائشة (ض) حديثا. وكان القاسم رجلا لحانة وكان لأم ولد، فقالت له عائشة: ((ما لك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا؟ أما إني قد علمت من أين أتيت؟ هذا أدبته أمه وأنت آدبتك أمك)) (٣) وكانت أم القاسم أمة.
كما أنها كانت تقوم بتربية وحضانة عدد من اليتامى والمساكين غير هؤلاء التلامذة، وما كانت تضن على أحد منهم بشيء من العلم، أما غير
стр. 311
المحارم فكانت تحتجب عنهم وربما طلبت من أخواتها أو بنات أخواتها أن ترضعهم فتكون لهم جدة، ثم تأذن لهم بالدخول عليها، لأنها كانت ترى أن حرمة المصاهرة في الإرضاع تثبت مهما كان سن الرضيع، وتستدل على رأيها بحديث سالم مولى أبي حذيفة.
والذين لم تسنح لهم فرص الدخول على أم المؤمنين لكونهم من غير المحارم كانوا يتأسفون ويحزنون على عدم تمكنهم من الاستفادة الخاصة، يقول قبيصة: ((كان عروة يغلبنا بدخوله على عائشة)) (١) وقد دخل الإمام إبراهيم النخعي (إمام أهل العراق بالإجماع) على عائشة (ض) في صباه، فكان أقرانه يحسدونه على ذلك، عن أبي معشر عن إبراهيم النخعي: ((أنه كان يدخل على عائشة، قال: قلت: وكيف كان يدخل عليها؟ قال: كان يخرج مع خاله الأسود، قال: وكان بينه وبين عائشة إخاء وود)) (٢).
كان من عادتها (ض) أنها كانت تحج كل عام، حيث تكون نقطة تجمع للمسلمين في مكان واحد وفي يوم واحد، فتضرب لها الخيام بين جبل حراء وثبير (٣)، ويقصدها طلاب العلم وعطاش المعرفة من مشارق الأرض ومغاربها لينالوا بركة تلقي السنة النبوية غضة ندية من فم أم المؤمنين (ض) (٤)، ولم تكن ﵂ تتحرج من إجابة المستفتين عن أي مسألة من مسائل الدين، ولو كانت تتعلق بالشؤون الخاصة، بل كانت تشجع المستفتين الذين يأخذهم الحياء أحيانا من السؤال عن مثل هذه الشؤون، وعندما قال لها الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري (ض): إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: ((سل ولا تستحي فإنما أنا أمك)) (٥).
стр. 312
وفي رواية: استأذنت على عائشة فأذن لي، فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أسحييك، فقالت: ((لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك فإنما أنا أمك)) (١) والواقع أنها كانت تربي تلامذتها مثل الأم، وتتجلى لنا هذه الصفة في تعليم وتربية عروة، والقاسم، وأبي سلمة، ومسروق، وعمرة، وصفية (ض)، وكانت تتكفلهم وتنفق عليهم من مالها الخاص.
وكان بعض أقاربها يحسد بعض تلامذتها لما يرون من معاملتها الخاصة معهم، وهذا عبد الله بن الزبير الذي كان من أحب الناس إلى عائشة (ض) وابن أختها كان يقول للأسود بن يزيد: ((أخبرني بما كانت تفضي إليك أم المؤمنين)) (٢) وكان تلاميذها أيضا يرقرونها ويجلونها، وهذه عمرة - تلميذتها الخاصة - كانت أنصارية لكنها تنادي أم المؤمنين بالخالة، وقد تبنت عائشة (ض) مسروق (٣) بن الأجدع التابعي الجليل، فكان إذا حدث عنها يقول: ((حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة)) (٤).
هذا وقد تخرج من مدرسة أم المؤمنين عائشة (ض) عدد كبير من سادة العلماء ومشاهير التابعين، ومسند الإمام أحمد بن حنبل يضم في طياته أكبر عدد من مروياتها (ض)، وحسب الإحصائية التي قمت بها أنها بلغت مئتي رواية، سواء رواها عنها الصحابي أو التابعي، الحر أو العبد، القريب أو البعيد، قد أفرد الإمام أبو داود الطيالسي (ح) (ت ٢٠٤هـ) مرويات تلامذتها على حدة في مسنده، ولكنه مختصر جدا، فلم يحتو على عدد كبير من
стр. 313
الأحاديث، وعن الإمام ابن سعد في الطبقات الكبرى تلامذتها وذكر أخبارهم، كما أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قام بإحصاء الرواة عنها من أقاربها ومواليها والصحابة والتابعين، في كتابه تهذيب التهذيب.
أما الصحابة الذين رووا عنها فمنهم: أبو موسى الأشعري، أبو هريرة، عبد الله بن عمر، عبد الله بن عباس، عمرو بن العاص، زيد بن خالد الجهني، ربيعة بن عمرو الخرشي، سائب بن يزيد، الحارث بن عبد الله، وغيرهم (ض) أجمعين.
وأما من الموالي فهم: أبو يونس، ذكوان، أبو عمرو، ابن فروخ، هؤلاء الذين ذكرهم ابن حجر في تهذيب التهذيب (١). وأبو مدلة مولى عائشة، ذكره الإمام الترمذي (٢)، وأبو لبابة مروان ذكره ابن سعد في الطبقات (٣)، وأبو يحيى وأبو يوسف ذكرهما الإمام أحمد في المسند (٤)، وأشهر هؤلاء ذكوان، وأبو يونس.
كما ذكر في المسند عبد الله بن يزيد (٥) رضيع عائشة (ض) هكذا ذكر في كتب أسماء الرجال، دون التطرق إلى تفاصيل أخبارهم.
أما من الأقارب: أختها أم كلثوم بنت أبي بكر، أخوها من الرضاعة عوف بن حارث، ابنا أخيها قاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد، وابنتا أخيها حفصة بنت عبد الرحمن، وأسماء بنت عبد الرحمن، وابن حفيد أخيها عبد الله بن عتيق بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنا أختها عبد الله بن الزبير، والقاسم بن الزبير، وبنت أختها عائشة بنت طلحة، وحفيد ابن أختها عباد بن حبيب، وعباد بن حمزة، وكثير غيرهم من أولاد أقاربها الذين تربوا
стр. 314
في ظلها، واستفادوا منها في مجال العلم والدعوة، ويوجد في الطبقات الكبرى لابن سعد تفاصيل عن هؤلاء كلهم.
أما من التابعين: فقد تخرج من مدرستها سادة علماء التابعين، وكل من اشتغل بالحديث في عصرها فإنه قد تشرف بالتلقي عنها، وقد انتقينا حوالي مئة وخمسين اسما لأولئك التابعين من كتب المسانيد، ولو أردنا سرد جميع هذه الأسماء فإنه يحتاج إلى عدة صفحات، ولذلك نقتصر على ذكر أسماء النساء منهم فقط اللاتي تخرجن عالمات جليلات ساهمن في حفظ السنة وروايتها ونقلها إلى الأجيال اللاحقة.
(أ)
١ - أسماء بنت عبد الرحمن.
(ب)
٢ - بريرة مولاة عائشة (ض).
٣ - بنانة مولاة عبد الرحمن.
٤ - بهية مولاة الصديق.
(ت)
٥ - تبالة بنت يزيد العبشمية.
(ج)
٦ - جسرة بنت دجاجة.
(ح)
٧ - حفصة بنت عبد الرحمن.
(خ)
٨ - خيرة أم الإمام الحسن البصري.
(ذ)
٩ - ذفرة بنت غالب.
(ر)
١٠ - رميثة.
(ز)
١١ - زينب بنت أبي سلمة.
١٢ - زينب بنت محمد.
١٣ - زينب بنت نصر.
(س)
١٤ - سائبة.
١٥ - سلمى البكرية.
١٦ - سمية البصرية.
(ش)
١٧ - شميسة العتكية.
(ص)
١٨ - صفية بنت الحارث.
١٩ - صفية بنت شيبة.
٢٠ - صفية بنت أبي عبيد.
٢١ - صفية بنت عطية.
(ع)
٢٢ - عائشة بنت طلحة.
٢٣ - عمرة بنت عبد الرحمن.
٢٤ - عمرة بنت قيس العدوية.
стр. 315
(ف)
٢٥ - فاطمة بنت أبي حبيش.
(ق)
٢٦ - قمير بنت عمرو الكوفية.
(ك)
٢٧ - كريمة بنت همام.
٢٨ - كلثم بنت عمرو صاحبة عائشة.
(م)
٢٩ - معاذة.
٣٠ - ميمونة بنت عبد الرحمن.
(د)
٣١ - هند. ٣٢ - هنيدة.
(الكنى)
٣٣ - أم بكر.
٣٤ - أم جحدر.
٣٥ - أم حميدة.
٣٦ - أم الدرداء.
٣٧ - أم ذرة مولاة عائشة.
٣٨ - أم سالم.
٣٩ - أم سعيدة.
٤٠ - أم عاصم.
٤١ - أم علقمة.
٤٢ - أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق.
٤٣ - أم كلثوم بنت ثمامة.
٤٤ - أم كلثوم الليثية.
٤٥ - أم محمد.
٤٦ - أم عبد الله.
٤٧ - أم هلال.
ومن هؤلاء المستفيدين والمسترشدين من ضمتهم السيدة أم المؤمنين (ض) إليها وربتهم في حجرها، وعلمتهم وشرفتهم بالتلقي منها، فصنع الله منهم على يدها حفظة الإسلام ونقلة السنة النبوية إلى الأجيال اللاحقة بعد جيل الصحابة والتابعين، وكان هؤلاء أقرب إلى السيدة من الآخرين، فيعتبرون من حملة علومها ومعارفها بكل معنى الكلمة، وهم:
١ - عروة بن الزبير: أبو عبد الله القرشي (ض)، أمه أسماء بنت أبي بكر، كان ابن أخت عائشة (ض) ومن أحب الناس إليها، تربى في حضنها، من كبار علماء المدينة، ولد في آخر خلافة عمر (ض) سنة ٢٣هـ، تفقه على أم المؤمنين عائشة (ض)، وحمل علمها وكثيرا من شمائلها، لا يدانيه فيها أحد من أقرانه، حتى كان يقول: لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج أو خمس حجج وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد
стр. 316
وعيته (١)، توفي (ض) سنة أربع وتسعين ودفن يوم الجمعة.
٢ - القاسم بن محمد بن أبي بكر: ابن أخي أم المؤمنين عائشة (ض)، تربى في حجر عمته وتفقه عليها حتى أصبح الإمام القدوة في المدينة، أحد الفقهاء السبعة، ورث (ح) عن أم المؤمنين رواية السنة، والحرص على الرواية بألفاظها، فكان يحدث الحديث بحروفه. كان عفيفا كريما، ورعا، فقيها، ذا الحسب العتيق، وكان لغوامض الأحكام فائقا، وإلى محاسن الأخلاق سابقا، توفي سنة ثمان ومئة وقيل: سنة سبع ومئة وقيل: سنة ست ومئة.
٣ - أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (ض): توقي أبوه وهو صغير، كان من أقران عروة بن الزبير، جمع بين الفقه والسنة، من كبار محدثي المدينة، روى عنه كبار المحدثين، أمثال عروة، والزهري، والشعبي، كان ثقة ففيها كثير الحديث توفي سنة أربع وتسعين من الهجرة.
٤ - مسروق بن الأجدع بن مالك الكوفي: العابد أبو عائشة، كان (ح) كوفيا، لكنه لم يشارك في الحروب الأهلية والمعارك الداخلية، ذكر الإمام الذهبي أن أم المؤمنين عائشة (ض) تبنته (٢)، وذكر الإمام ابن سعد عن مسروق بن الأجدع قال: ((أتينا أم المؤمنين عائشة فقالت: خوضوا لابني عسلا، ثم قالت: ذوقوه، فإن رابكم شيء فزيدوا فيه عسلا ...)) (٣).
ولما توفيت أم المؤمنين عائشة (ض) قال مسروق: ((لولا بعض الأمر لأقمت على أم المؤمنين مناحة)) (٤). وقد أخرج البخاري في صحيحه والإمام أحمد في مسنده معظم مروياته عن عائشة (ض).
كان (ح) يعد من فقهاء العراق، وكان على مكانة عالية من الزهد،
стр. 317
يصلي فتتورم قدماه، كان قاضي الكوفة، لكنه لا يأخذ على القضاء رزقا ولا جزاء، قال الشعبي: كان مسروق أعلم بالفتوى من شريح، وكان شريح يستشير مسروقا، مات سنة ثلاث وستين للهجرة.
أما من النساء فأول من ينبغي أن نستهل بذكرها هي:
١ - السيدة عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية المدنية، كانت مثالا رائعا لتعليم وتربية أم المؤمنين (ض)، فقد نشأت وترعرعت في حجرها، وذكرها ابن المديني ففخم أمرها وقال: ((عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة الأثبات فيها)) (١).
وقال ابن حبان: ((كانت من أعلم الناس بحديث عائشة)) (٢) وقال سفيان:
((أثبت حديث عائشة حديث عمرة، والقاسم، وعروة)) (٣) كانت أم المؤمنين تحبها كثيرا، ونظرا إلى حب أم المؤمنين لها كان الناس كذلك يدارونها ويحترمونها، فكانت هي التي يتأخاها الناس وتستلم هدايا الناس لعائشة (ض)، فكانت تثيب الناس وترد عليهم (٤)، وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ابن أخيها فكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنة ماضية أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتبه (٥).
كما أنها كانت تقوم بإصلاح الأخطاء الاجتهادية لابن أخيها (٦)، يقول الزهري: قال لي القاسم بن محمد: ((أراك تحرص على العلم أفلا أدلك على وعائه؟ قلت: بلى، قال: عليك بعمرة بنت عبد الرحمن، فإنها كانت في حجر عائشة، فأتيتها فوجدتها بحرا لا ينزف)) (٧).
стр. 318
٢ - صفية بنت شيبة رحمها الله: كانت من التابعيات المشهورات، وابنة صاحب مفتاح الكعبة، روى عنها المحدثون، ومروياتها موجودة في سائر كتب الأحاديث، وتذكر في كتب الأحاديث بـ ((صفية بنت شيبة صاحبة عائشة)) (١) ورثت عن عائشة (ض) رواية السنة، فكان الناس يسألونها، ويقصدونها طلبا لأحاديث عائشة (ض)، وفي سنن أبي داود (ض): ((خرجت مع عدي بن عدي الكندي حتى قدمنا مكة، فبعثني إلى صفية بنت شيبة وكانت قد حفظت من عائشة)) (٢).
٣ - كلثم بنت عمرو القرشية: هي كذلك تلقب في كتب الرجال بصاحبة عائشة، وقد روت بعض الأحاديث.
٤ - عائشة بنت طلحة: أم عمران التيمية المدنية، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، تربت في حضن خالتها عائشة (ض)، قال ابن معين: ((ثقة حجة، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وقال أبو زرعة الدمشقي: حدث عنها الناس لفضلها وأدبها)) (٣).
٥ - معاذة بنت عبد الله العدوية: أم الصهباء البصرية، تتلمذت على أم المؤمنين عائشة (ض)، وروت معظم أحاديثها، وورثت عنها حبها لكثرة العبادة، كانت من العابدات، يقال: إنها لم تتوسد فراشا بعد وفاة زوجها (أبي الصهباء) حتى ماتت.
روي عن شيخ من أهل البصرة قال: أتيث معاذة فقالت: إني اشتكيت بطني فوصف لي نبيذ الجر، فأتيتها منه بقدح، فوضعته، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أن عائشة حدثتني أن النبي ﷺ نهى عن نبيذ الجر فاكفنيه بما شئت، قال: فانكفأ القدح وأهريق ما فيه، وأذهب الله تعالى ما كان بها (٤).
стр. 319
٢ - الإفتاء:
ما سبق من الأدلة على فضل عائشة (ض) وكمالها في مختلف المباحث وتحت عديد من العناوين يصور لنا بكل وضوح حياة عائشة (ض) بعد وفاة النبي ﷺ ، وبإمكاننا أن ندرك كيف أنها قضت بقية عمرها كمرجع أساسي للسائلين والمستفتين ومثابة للزوار والطالبين، وقدوة يقتدى بها في سائر المجالات والشؤون، لكن من حسن حظنا أن خزانة تراثنا الإسلامي غنية بتلك الشهادات المسجلة القاطعة والحاسمة التي تؤكد لنا وتجعلنا نقطع بالقول إن عائشة (ض) كانت مرجع الصحابة في كل شيء، وما أشكل عليهم شيء من الحديث أو الفقه إلا وجدوا عندها منه علما، وكان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ومشيختهم يسألونها ويستفتونها.
تقسيم ابن قيم علماء الصحابة المفتين:
هذا وقد صنف المحدثون علماء الصحابة إلى ثلاث طبقات، وذلك نظرا إلى قلة أو كثرة فتاواهم: قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط)):
المكثرون من الفتيا: والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ مئة ونيف وثلاثون نفسا ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس (ض). قال أبو محمد ابن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم، قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب ابن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عباس (ض) في عشرين كتابا، وأبو بكر محمد المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث.
المتوسطون في الفتيا: قال أبو محمد: والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير (ض) ... الخ.
стр. 320
المقلون في الفتيا: والباقون منهم مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك .... وهم أبو الدرداء، وأبو اليسر، وأبو سلمة المخزومي، وأبو عبيدة بن الجراح، والحسن، والحسين ابنا علي، والنعمان بن بشير، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو طلحة، وأبو ذر، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة ﵃ أجمعين ....)) (١). عائشة تفتي في عهد الخلفاء الراشدين:
كانت أم المؤمنين عائشة (ض) قد استقلت بالفتوى وحازت على هذا المنصب الجليل المبارك منذ وفاة النبي ﷺ ، وأصبحت مرجع السائلين ومأوى المسترشدين وبقيت على هذا المنصب في زمن الخلفاء كلهم إلى أن وافاها الأجل.
يقول القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة في المدينة المنورة:
((كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت يرحمها الله)).
وحتى عمر الفاروق ﵁ الذي كان مجتهد الإسلام والدين لم يستغن عن هذه المشكاة التبوية: ((كانت عائشة تفتي في عهد عمر، وعثمان إلى أن ماتت يرحمها الله، وكان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ : عمر، وعثمان بعده، يرسلان إليها فيسألانها عن السنن)) (٢).
وكما هو معروف أن كل صحابي لم يكن مسموحا له بالإفتاء في عهد عمر ﵁، بل كان ذلك الأمر إلى البعض من خاصة أصحاب الرسول ﷺ ، وهم الذين كانوا يفتون، وهذا يدلنا على مدى اعتماد عمر (ض)