← Тараджим

Тараджим · id 13297

سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين

سليمان الندوي

Полный текст (367 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2

سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها

стр. 3

طبعة دار القلم الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م حقوق الطبع محفوظة

стр. 4

تقديم بقلم الأستاذ سعيد الأعظمي الندوي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وإمام المرسلين: محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإنني لا أكاد أنسى ذلك اليوم السعيد، الذي يرجع تاريخه إلى عام ١٩٨٦ م، يوم حظيت بزيارة الأخ المفضال سعادة الأستاذ محمد علي دولة في مقره العلمي في جدة، بعد عودتي من أداء فريضة الحج من مكة المكرمة، وكانت معي زوجتي العزيزة (حفظها الله تعالى)، فرحب بنا الأستاذ الكريم، وأكرمنا بضيافة كريمة لم تكن تخلو من مبرة علمية، وهي أنه خلال هذا اللقاء وتبادل الآراء حول إحياء بعض المآثر العلمية التاريخية في الهند التي ألفت باللغة الأردية، وترجمتها إلى اللغة العربية، سألني عن كتاب ((سيرة السيدة عائشة"ض")) للعلامة السيد سليمان الندوي (ح)، وترجمته إلى اللغة العربية. وقد كان وعد مني بالقيام بهذا العمل، وفعلا بدأت ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية، ولكنني واجهت مشكلة تخريج الأحاديث التي تتضمنها هذه السيرة الطيبة من مصادرها الأصلية، ذلك أنني لم أر من المناسب أن أترجم هذه الأحاديث التي شملت الكتاب بمفاهيمها الأردية دون إشارة إلى نصوصها العربية، فأسندت هذا العمل إلى أخي العزيز الأستاذ محمد رحمة الله الندوي، الذي كان طالبا في جامعة ندوة العلماء يوم ذاك، وطلبت منه تخريج الأحاديث من مصادرها، وقد وفق إلى ذلك بشكل جزئي لم يسعفني في تقديم عملية الترجمة، حتى توقفت عن الترجمة لبرهة من الوقت ريثما يتيسر لي عمل التخريج في فرصة مواتية.

стр. 5

ولكن شغلني أداء المسؤوليات العديدة والأعمال الرتيبة التي كنت مسؤولا عنها بحكم وظيفتي في جامعة ندوة العلماء ومجلة البعث الإسلامي. وسافر الأخ العزيز محمد رحمة الله الندوي إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لتلقي المزيد من العلم وتقوية اللغة العربية التي كان قد تعلمها في ندوة العلماء، وكان مبرزا فيها بين زملائه، وهنالك بدا لي أن يتولى الأخ العزيز ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية، نظرا إلى أشغالي وأعمالي، وما حصل فيها من التأخير، ونحمد الله على ما وفقه لهذا العمل، واستكمال ترجمة الكتاب، وإعداده للطباعة ولو بشيء من التأخير، فقلت في نفسي: إن لم أتمكن من القيام بهذا العمل العلمي العظيم فقد وفق إليه أخ عزيز علي أثق فيه وأعتبره جديرا بأن يتحمل هذا العبء الثقيل، الذي لم أستطع أن أتحمله، فجزاه الله تعالى أحسن ما يجزي به عباده العاملين المخلصين، ويتقبل عمله، ويعم نفعه في الأوساط العلمية والدينية. ... أما الكتاب - وهو من تأليف العلامة السيد سليمان الندوي (ح) أحد كبار علماء ندوة العلماء وأستاذ سماحة العلامة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي (ح) - فإنه يتميز بالتحقيق العلمي والدراسة التاريخية لحياة أم المؤمنين السيدة عائشة (ض)، التي كانت مدرسة علمية عظيمة لكبار الصحابة (ض) الذين كانوا يستفيدون منها في جميع المسائل العلمية والقضايا الدينية، وكانوا يراجعونها في كثير من الأحكام الفقهية الدينية لأنها كانت ذات رسوخ وتفقه فيها. ومن هنا كانت شخصية أم المؤمنين مصدرا كبيرا للعلم والدين وعلوم الكتاب والسنة، وكانت تتميز بالورع في بيان الآراء الذاتية، فكانت أمينة سر النبي ﷺ في جميع جوانب الحياة، وحافظة لأحاديثه ﷺ التي سمعتها وروتها. لقد تحدث المؤلف الكريم (ح) عن حياة أم المؤمنين ومكانتها العلمية

стр. 6

والحديثية والفقهية، وبصيرتها الدينية، وتوجيهاتها في المسائل والقضايا الحيوية، ولم يترك شيئا من تميزاتها وخصائصها، وما كانت تتمتع به من الرؤى الصالحة والنظرة العميقة في الشريعة الإسلامية، فضلا عما أودع الله فيها من البراعة العلمية والذكاء الخارق، والحب العميق الخالص لسنة رسول الله ﷺ ، والحرص الشديد على اتباعها، وعلى تطبيق الشريعة الإسلامية على حياة المسلمين فردية وجماعية، في جميع المجالات والمناحي. وهناك مؤلفات عديدة حول حياة أم المؤمنين لا تنقصها الموضوعية والأصالة الدراسية، إلا أن لكل مؤلف منهجا خاصا في عرض الصور الحية، وأسلوبا متميزا للبيان الواضح، ولعل هذا الكتاب يفوق في بعض جوانبه كثيرا من الكتب التي صدرت وتصدر في المستقبل في هذا الموضوع. وإنني إذ أهنئ المترجم العزيز والناشر الكريم على طبع هذا الكتاب الجليل في ثوب قشيب وأنيق؛ أرجو أن يتقبل الله من الجميع مجهوداتهم في إعداد هذا الكتاب وإصداره، ويجعله من الذخائر العلمية والدينية التي لها قيمة كبيرة في الدنيا والآخرة، والتي تعتبر زيادة قيمة في المكتبة الإسلامية. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه وبارك وسلم. لكنو ١٢/ ٤ / ١٤٢٣ هـ ٢٤/ ٦ / ٢٠٠٦ م كتبه بيمينه رئيس تحرير مجلة البعث الإسلامي ومدير جامعة ندوة العلماء بلكنو الهند

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المعرب الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبمنه وكرمه تكمل الأهداف والغايات، والصلاة والسلام على المبعوث بالهدى ودين الحق من فوق سبع سماوات، وعلى الأنبياء والمرسلين كافة، وعلى الأصحاب الغر المحجلين، وآل نبينا وأزواجه المطهرات. وبعد: فإن أخص ما يبهر طالب العلم في سيرة أم المؤمنين عائشة (ض) هو علم زاخر كالبحر بعد غور، وتلاطم أمواج، وسعة آفاق، واختلاف ألوان، فما شاء امرؤ من تمكن في فقه أو حديث أو تفسير، أو علم بشريعة، أو آداب، أو شعر، أو أخبار، أو أنساب، أو مفاخر، أو طب، أو تاريخ، إلا هو واجد منه ما يدهشه عند هذه العبقرية الفذة، ولن يقضي عجبا من اضطلاعها بكل ذلك وهي لم تتجاوز بعد الثامنة عشرة من عمرها. ومن هنا نوقن أن حياة أم المؤمنين بنت مجدا باذخا لتاريخ المرأة العلمي في الإسلام، بل إن عبقريتها وحدها كفيلة بملء تاريخ كامل، فلا نجد في عبقريات الرجال والنساء في تواريخ الأمم ما يداني مكانة أم المؤمنين (ض). فمن هذا شأنها وهذه مكانتها وتلك درجتها وعظمتها كانت أحق وأجدر بأن تدرس حياتها، ويهتم بإبراز أهم خصائص شخصيتها، وذكر مناقبها وفضلها على الأمة الإسلامية جمعاء، بل هو دين في عنق الأمة يجب أن تقوم بأدائه.

стр. 8

وفي اعتقادي إن كتاب كبير علماء الهند في عصره وشيخ الندويين العلامة السيد سليمان الندوي (ح) أولى المحاولات من نوعها لأداء هذا الدين، وكشف الستار عن مكانة هذه العبقرية الفذة والشخصية العظيمة التي صنعت العظائم، كيف لا! وقد ظفرت بالرعاية التي هي خلاصة الكرامة التي هيأتها لبناتها حمية البداوة، وصقلتها مع الزمن شمائل الحضر ومآثر الشرف والسيادة. وقد تبع الشيخ الندوي (ح) علماء (١) كتبوا عن سيرة وشخصية أم المؤمنين (ض) إلا أن كتاباتهم تأتي في إطار خاص، وتتناول جوانب معينة، ومعظمها لا يتجاوز سرد الوقائع والأحداث الواقعة في حياتها. أما كتاب الشيخ الندوي فهو في رأيي بمثابة موسوعة علمية وحضارية وثقافية لعصر أم المؤمنين وحياتها، يبرز كل جانب من جوانب حياتها من العلم والفقه والاجتهاد والتوجيه والإرشاد، والاجتماع والسياسة، بالإضافة إلى تقديم نموذج مثالي للعشرة الزوجية المتكاملة، التي من حقها أن توصف بأنها حياة زوجية سعيدة، لأننا لا نعرف بين أزواج الهداة والعظماء من ظفرت بأسعد منها، أو كانت أرضى من أم المؤمنين عن حياتها. ولما طلع هذا السفر العظيم (كتاب سيرة عائشة) على منصة العلم والأدب، الذي فاض به القلم السيال من صاحب القدم الراسخ والعقل الثاقب والفكر الناقد نسيج وحده الشيخ الندوي، كان ذلك منا منه على سائر الأوساط العلمية، وإضافة جديدة لذخائر المكتبة الأردية، وفضلا عظيما على

стр. 9

كل النساء المؤمنات اللاتي كن يتطلعن إلى سيرة عظيمة ترشدهن إلى الأسوة الفاضلة والقدوة المثالية. وهل تجد المرأة المسلمة قدوة أعلى وأمثل وأفضل من قدوة أم المؤمنين عائشة الصديقة (ض) عبر التاريخ الإسلامي بأسره؟؟. ظهر هذا الكتاب لكي ينفخ روحا جديدة في النساء المسلمات، فيجدن بغيتهن في سائر مجالات الحياة، ويقوم بإحياء تلك السنن الشريفة التي تناساها الناس على مر الأيام والعصور، ويذكر شقائق الرجال بتلك الدروس والعبر والسير التي ينبغي للمرأة المسلمة الاحتفاظ بها والعض عليها بالنواجذ. وفعلا كان هذا محاولة ناجحة، وخير اختيار من مؤلف قدير، كتب فأدى حق الكتابة، وأجاد وأفاد. إلا أن هذه الدرة النادرة الثمينة والخدمة العلمية القيمة ظلت حبيسة اللغة الأردية، واقتصر نفعها على الناطقين بالأردية فحسب، وكانت الحاجة ماسة إلى نقل هذا التراث العلمي والكنز الثمين إلى لغات العالم كلها، وعلى رأسها اللغة العربية، لغة الكتاب والسنة، وذلك لكي يعم نفعه، ويشيع خيره في الجميع. وبحمد الله وعونه وفضله علينا أننا اليوم نتشرف بنقل هذا السفر المبارك إلى اللغة العربية وخدمته الخدمة العلمية اللائقة، وبالتالي تقديمه إلى إخواننا العرب، علما أن فن الترجمة والتعريب من الفنون الصعبة التي قلما يتكلل فيه المترجم بالنجاح، إلا إذا كان عنده إلمام بروح الكتاب الذي يترجمه وبمقاصده، وإدراك بما له وما عليه، ودراية كاملة بالموضوع الذي يعالجه الكتاب. وعلى هذا فهذه محاولة متواضعة وجهد علمي من طالب علم لا يملك الشيء الكثير من المران والممارسة في هذا الفن، إلا أنه قام به وشمر عن ساعد الجد متوكلا على الله الموفق والمعين، ومستجيبا لدعوة من لا ترد دعوته. هذا وقد كان منهجي في ترجمة الكتاب وتحقيقه وتخريج أحاديثه حسب الخطة الآتية:

стр. 10

١ - الترجمة الحرفية لكل ما تناوله المؤلف (ح) دون زيادة أو نقصان، إلا إذا مست الحاجة إلى شيء من ذلك. ٢ - عزو الآيات القرآنية إلى السور وأرقام الآيات. ٣ - نقل نصوص الحديث الشريف حرفيا من المصادر الأصلية. ٤ - تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب تخريجا علميا دقيقا بمراجعة الكتب الأصول في الحديث، والتزمت بذكر المصدر والكتاب الذي ورد فيه الحديث ورقم الحديث، وذلك إذا كان الحديث في الكتب التسعة أو أحدها، أما إذا كان الحديث في كتب السنن الأخرى والمسانيد والمعاجم والمجامع والمستدركات وغيرها فأعزوه إلى جزء الكتاب وصفحته وكذلك رقم الحديث، والباب الذي ورد فيه الحديث. ٥ - الحكم على الحديث بالصحة أو الضعف في بعض الأماكن حيث تبين لي ذلك من خلال أقوال المحدثين وفي ضوء آراء علماء الفن. ٦ - عدم الاقتصار على المصدر الذي أحال إليه المؤلف في الهامش أو استفاد منه، وإنما حاولت أن أراجع أغلب مظان الحديث، والمراجع المتوفرة. ٧ - هناك مراجع أحال إليها المؤلف بصدد رواية أو حديث، لكن تلك الرواية ضعيفة بسند ذلك المرجع، فأشرت إلى من رواه بسند صحيح وذكرته إن اقتضت الحاجة، ثم أتبعته بما ذكره المؤلف. ٨ - نقل الروايات التاريخية بنصوصها من مصادرها الأصلية، دون الاقتصار على مرجع واحد، إن وجد غيره. ٩ - ذكر نصوص الأحاديث التي لم يتناولها المؤلف في صلب الكتاب وإنما أشار إليها فقط للاستدلال على شيء معين أو إثبات حكم خاص. ١٠ - التعليق على بعض المواضع من الكتاب مما دعت الحاجة إليه لتوضيح رأي أو إبداء وجهة خاصة. ١١ - ذكر لمحة موجزة عن حياة المؤلف وآثاره العلمية ومآثره الخالدة، وكلمة عن كتاب ((سيرة عائشة)).

стр. 11

١٢ - عمل فهرس لموضرعات الكتاب. ١٣ - عمل فهرس للمصادر والمراجع التي استقيت منها في ترجمة وتحقيق هذا الكتاب. وأخيرا أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتقبل مني هذا الجهد العلمي المتواضع، ويجعله خالصا لوجهه الكريم وينفع به، وأصلي وأسلم على رسولنا وحبيبنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى صحابته أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الدوحة ٢٦/ ١ /١٤٢٣ هـ كتبه العبد الفقير إلى الله محمد رحمة الله الندوي

стр. 12

لمحة موجزة عن حياة العلامة سليمان الندوي ﵀ اسمه ونسبه: هو العلامة الكبير، المفسر الشهير، الفقيه المحدث، المتكلم المؤرخ، الكاتب القدير، والنابغة في الإنشاء والأدب، سليمان بن أبي الحسن بن محمد شير المعروف بالحكيم محمدي بن عظمت علي بن وجيه الدين المعروف بالأميرجكن ..... ، ويصل نسبه إلى سيدنا علي بن أبي طالب (ض) (١). وأمه هي السيدة قطب النساء بنت السيد حيدر حسين بن كاظم حسين بن خادم حسين .... ، ويصل نسبها كذلك إلى الإمام علي بن أبي طالب (ض) (٢). أسرته: يتحدر السيد الندوي من أسرة حسينية النسب، مشهورة بالتقوى والعلم، وينتهي إلى بيت كريم من بيوت الأشراف كثير المآثر والمفاخر، معروف بالعلم والأدب والفضل والإحسان. مولده: ولد العلامة الندوي في قرية ديسنة من ولاية بيهار في الهند يوم الجمعة لسبع بقين من شهر صفر سنة اثنتين وثلاثمئة وألف من الهجرة، الموافق الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني نوفمبر سنة أربع وثمانين وثمانمئة وألف.

стр. 13

نشأته: نشأ (ح) في بيئة علمية وأدبية، وجو من الصلاح والتقوى، كان أخوه أبو حبيب أحد كبار العاملين في مجال إصلاح المجتمع والدعوة إلى التوحيد والسنة، فكان العلامة الندوي يقرأ كتاب ((تقوية الإيمان)) على أخيه، وهو يشرحه، فنشأ السيد الندوي على عقيدة صافية لا تشوبها بدع أو خرافات، يقول (ح): ((كان هذا أول كتاب علمني طريق الحق تعليما ثبتت جذوره في قلبي)) (١). طلبه للعلم: بدأ دراسته الابتدائية على علماء قريته، وقرأ على شقيقه الأكبر السيد أبي حبيب النقشبندي المتوفى عام ١٩٢٧ م اللغة الفارسية وآدابها واللغة العربية وقواعد النحو والصرف، كما قرأ أشياء على والده، ثم سافر في عام ١٨٩٨ م إلى قرية فلواري شريف بولاية بيهار، ومكث بها عاما، قرأ هناك على الشيخ محيي الدين المحبي الفلواروي، حيث نشأ فيه التذوق للأدب والشعر، وأخذ دروس المنطق من العلامة سليمان الفلواروي. ثم رحل إلى المدرسة الإمدادية في دربنجه بولاية بيهار، قرأ هناك كتاب ((الهداية)) للمرغيناني في الفقه الحنفي على الشيخ مرتضى حسين الديوبندي، و ((شرح التهذيب)) في المنطق على الشيخ فدا حسين الآروي. التحاقه بدار العلوم لندوة العلماء لكنو الهند: رحل العلامة الندوي إلى لكنو، والتحق بدار العلوم لندوة العلماء في عام ١٩٠١ م وبقي هناك خمس سنوات، حتى نال الشهادة سنة ١٩٠٧ م، وكان من أهم مشايخه في ندوة العلماء: ١ - المفتي الكبير العلامة الشهير الشيخ الفاضل عبد اللطيف بن إسحاق الحنفي السنبهلي، المتوفى عام ١٣٧٩ هـ، وقد قرأ عليه الشيخ الندوي كتب الفقه.

стр. 14

٢ - الشيخ العالم الكبير المحدث حفيظ الله البندري، المتوفى عام ١٣٦٢ هـ، وقد أخد السيد الندوي عنه الحديث الشريف، وشيئا في علم الهيئة. ٣ - الشيخ العلامة محمد فاروق بن علي أكبر العباسي الجرياكوتي المتوفى عام ١٣٢٧ هـ وقد أخذ عنه السيد الندوي المنطق والفلسفة والأدب العربي. ٤ - العالم الصالح الشيخ الفاضل شبلي بن محمد علي الجيراجفوري، المتوفى سنة ١٣٦٤ هـ. ٥ - العلامة الكبير مؤرخ الهند الشهير المحدث الطبيب السيد عبد الحي بن فخر الدين الحسني المتوفى عام ١٣٤١ هـ، وقد قرأ عليه الشيخ الندوي مقامات الحريري. ٦ - العلامة الجليل المؤرخ العظيم شبلي النعماني المتوفى سنة ١٣٣٢ هـ، وأخذ عنه السيد الندوي الأدب العربي، وقرأ عليه دلائل الإعجاز، كما أخذ عنه علم الكلام، وتدرب عليه في الكتابة والتأليف والإنشاء والعناية بالسيرة النبوية. أهم العلماء الذين أثروا في تكوينه العلمي والفكري: يدين السيد الندوي (ح) في تكوينه العلمي والفكري ودراساته الواسعة المتعمقة لعديد من الأئمة الأعلام الذين عرفوا بفكرهم الإسلامي الأصيل، ومذهبهم الفقهي الوسط وتبحرهم في علوم الكتاب والسنة والرجوع إليهما الرجوع المباشر، وكان من أبرزهم تأثيرا في عقل السيد الندوي وفكره ومنهجه في البحث والتحقيق ومذهبه في العقيدة والفقه: ١ - الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الإمام الحافظ فقيه الأمة أبو عبد الله الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة (٩٣ - ١٧٩ هـ)، وقد كانت للسيد الندوي محبة خاصة بإمام دار الهجرة، وكان يفضل موطأه على الصحيحين، وقد حصلت له رواية الموطأ عن طريق يحيى بن يحيى الليثي مسلسلا بالمالكية.

стр. 15

٢ - الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني شيخ الإسلام، العلامة المحدث الفقيه المجتهد نادرة عصره (٦٦١ - ٧٢٨). ٣ - الإمام المحقق الأصولي الحافظ الفقيه صاحب الذهن الوقاد والقلم السيال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المشهور بابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ). وقد نشأ السيد الندوي على الإعجاب بهذين العبقريين، واضطلع بدراسة كتبهما، وأخذ منهما كثيرا من آرائهما في كتابه ((سيرة النبي ﷺ )) وغيره من المؤلفات. ٤ - الإمام المحدث الفقيه الرحالة كوكب الديار الهندية شيخ الإسلام العالم المجتهد أحمد بن عبد الرحيم المعروف بولي الله الدهلوي (١١١٤ - ١١٧٦ هـ). ٥ - العلامة شبلي النعماني المتوفى ١٣٣٢ هـ. مكانته العلمية: أولا - القرآن الكريم: كان العلامة الندوي دائم التدبر لكتاب الله تعالى إيمانا منه بأن ثمرة التلاوة التدبر والتذكر، وكان له اهتمام كبير باستنباط المسائل العقدية والفقهية والخلقية والسياسية، من آي القرآن الكريم، وشرح لطائفه الأدبية، وتحقيق مباحثه التاريخية، ويشهد على ذوقه هذا كتاب ((أرض القرآن))، والمجلدات الضخمة لكتاب ((سيرة النبي ﷺ )) وخاصة المجلد الرابع والخامس منه، اللذين يعالجان منصب النبوة والعقائد والعبادات والأخلاق، من زاوية جديدة، ودراسة مقارنة، وسبب ذلك أن دراسته للغة العربية وآدابها، والبلاغة والمعاني وإعجاز القرآن كانت واسعة عميقة. وإن الآيات القرآنية الشريفة التي استشهد بها في بحوثه ودراساته

стр. 16

الإسلامية إنما جاء بها مراعيا لموافقة مضمونها المناسة والمحل، طبق الأصل لما استعمله العرب قديما، وموافقة معاني كلماتها لما يستعمله العرب، وكان قد بذل جهدا لا يستهان به في معرفة مواضع استعمال الكلمات الواردة في القرآن الكريم، في العهد الذي نزل فيه، وفهمها وفق هذه الموضوعات المحددة. هذا وقد كانت له دروس منتظمة في التفسير في دار المصنفين، كما كانت لديه خطة لتدوين المسائل القرآنية، وترتيبها وفق الأسلوب العصري، وكان يرغب في دراسة الآيات القرآنية والنظر فيها مع تطبيق المبادئ والتدين وسلامة العقل والفكر، وأن تفرد الآيات القرآنية المتعلقة بالقضايا والشؤون العقائدية والفقهية والاقتصادية. ثانيا - الحديث الشريف: كان كثير الاشتغال بكتب الحديث والسنن والآثار، ومن حبه لها أنه كان دائم الحرص على اقتنائها في دار المصنفين، حتى أصبحت خزانة دار المصنفين حافلة بكتب الحديث ورجاله. وقد ظهر امتياز العلامة الندوي في شرح أحاديث الرسول ﷺ كذلك، فقد كان معنيا بأن يكون فهم الحديث الشريف في إطار العمل النبوي الشريف المشتمل على إدراك الجو الذي جاء فيه، ليكون تطبيقه على الحياة أوفق وأجدر. وقد تصدى العلامة الندوي لمنكري السنة وفند شبهاتهم في مقالات، ومنها رسالته المشهورة ((تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها)). كان (ح) متبعا لمذهب السلف في أن المصدر الأساسي للشريعة الإسلامية هو الكتاب والسنة، وأن رأي الناس يرد عليهم إذا عارض نصا من القرآن) أو الحديث، فلم يسلك مسلك التأويل للنصوص، بل كان منهجه هو اتباع الدليل أنى وجد، وحيثما صار.

стр. 17

ثالثا - الفقه: كانت للسيد الندوي بصيرة فقهية تامة، وقد توفرت له وسائل تحقيق المذاهب والاجتهاد، لما آتاه الله من الملكة في معرفة اللغة العربية وآدابها، والعلم الواسع الدقيق بالقرآن الكريم وعلومه، والحديث النبوي الشريف، والناسخ والمنسوخ، والإلمام القوي الكامل بمصادر الفقه وأصوله وقواعده، ومذاهب الأئمة وآراء الفقهاء، ولذلك نرى أنه نشأ على مذهب أبي حنيفة (ح)، ولكن ظل ملازما لما اختط لنفسه من التحرر الفكري في الفقه من ربقة التمذب والتقليد والتعصب لقول عالم بعينه. إنه (ح) لم ينطلق في فقهه من رأي محض أو هوى متبع أو تقليد أعمى وإنما انطلق من حجج وبراهين يعتمد عليها، وأصول يستند إليها، وأهمها الاعتصام بالكتاب والسنة، كما أنه (ح) يرى أن باب الاجتهاد مفتوح إلى قيام الساعة لمن تأهل له، يقول في مقدمة كتاب ((تراجم علماء أهل الحديث)): ((إني ملتزم للسنة ومتبع للتوحيد الخالص، أرى السنة دليلي، وباب الاجتهاد مفتوحا دائما للعلماء، ولا أرى الحق منحصرا في أحد من أئمة السلف)). ويقول في إحدى خطبه: ((من مفاسد هذا العصر الجمود المشين على آراء الفقهاء المتآخرين وفتاواهم، كأنهم معصومون عن الخطأ والمزلات، وعدم الرجوع إلى المرجعين الأصيلين القرآن والسنة، واجتهادات أئمة السلف في البحث عن الحلول للمشاكل المدنية والقضايا الدينية، والقول بإغلاق باب الاجتهاد للأبد)). وكان (ح) يرى أن الحاجة ماسة إلى تدوين جديد للفقه الإسلامي، نظرا إلى تطور الأوضاع وتجدد القضايا والمستجدات. رابعا - التاريخ: يقول الشيخ أبو الحسن علي الندوي (ح): ((إن السيد سليمان الندوي يستحق بدون مراء أن يعد أكبر مؤرخ وباحث في عصره، وإن كتبه ((خيام)) و ((الصلات بن الهند والعرب)) و ((الملاحة عند العرب)) و ((حياة الإمام مالك)) و (سيرة عائشة)) خير نموذج للكتابة في التاريخ، والبحث العلمي، وكتابه

стр. 18

((أرض القرآن)) لا يزال كتابا فريدا لم ينسج على منواله في موضوعه، وهو ثروة, غية في المواد العلمية)) (١). كان (ح) مرجعا لأساتذة التاريخ والمهتمين به في الهند، يزورونه ويراسلونه ويرجعون إلى آرائه وتحقيقاته، وكان يولي عناية تامة للصدق والأمانة التاريخية، فقلما تراه يتبع الأسلوب الشعري في مؤلفاته، وكان يحذر من إثارة مشاعر القارئ واللعب بعواطفه، مثلما كان يبذل من الجهد في البحث والتحقيق والنقد. كما كان له اهتمام كبير بإخراج مصادر كتب التاريخ والتراجم إلى الناس، والواقع أن كل كتابة من كتابات السيد الندوي تحمل بحوثا وتحقيقات تاريخية نادرة وقيمة، اعترف بها العلماء والمتخضصون في علم التاريخ، وسلموا بإمامته وتقدمه في هذا الشأن. خامسا - الفلسفة وعلم الكلام: كان (ح) ضليعا بالفلسفة وعلم الكلام، وخير دليل على ذلك كتاب ((سيرة النبي))، يقول العلامة أبو الحسن علي الندوي: ((وكان من منجزاته أيضا أنه حقق بالسيرة والتاريخ أهدافا لا تحقق إلا بعلم الكلام، فأسس علم كلام جديد يفوق علم الكلام القديم في التأثير على الذهن الجديد وإقناعه، وفي توثيق الثقة بالشخصية النبوية والشريعة الإسلامية، وهو أكثر سدادا للحياة العلمية المعاصرة)) (٢). سادسا - اللغة والأدب: كان (ح) متضلعا باللغات الأردية والعربية والفارسية، وتعلم اللغة الإنكليزية لكي يتسنى له الاستفادة من المصادر الأجنبية، وكذلك تعلم اللغة العبرية وشيئا من اللغة التركية والفرنسية.

стр. 19

يقول الأستاذ عبد الماجد الدريابادي: ((يعتقد الناس أن السيد الندوي عالم فريد، وبحاثة منقطع النظير، ويخضع العالم لإمامته في التاريخ، وتفرده في كتابة السيرة، ولكن قلما عرف الناس مكانته في الأدب والشعر والنقد، قلما علمه الناس كأديب منشئ وشاعر قدير)) (١) وها هو العلامة الندوي يحكي لنا قصة نشوء صلته باللغة العربية بقوله: ((تعلمت الأدب العربي على العلامة فاروق الجرياكوتي، والعلامة السيد عبد الحي الحسني، وكانا متبعين لأساليب المتأخرين، وكان من فضل العلامة شبلي أن قرأت عليه ((دلائل الإعجاز)) للجرجاني، فاطلعت على الكتابات الأدبية للمتقدمين، وقرأته بكل رغبة وشوق، وقلدته، واتجهت إلى الكتابة والخطابة بالعربية، وألهب كتابا ((ديوان الحماسة)) و ((نقد الشعر)) هذا الذوق عندي، وبدأت أقرض الشعر)) (٢). كان السيد الندوي مقدسا لدور اللغة العربية في توحيد المسلمين، يقول بمناسبة افتتاح مجلة الضياء: ((وبعد فللإسلام مزايا تفوت الإحصاء دررها، وتستغني عن الإنباء غررها، إحداها أنه دين وحدة الشعوب والأمم، ودين مواخاة البشر، والنصيحة لعامة المسلمين، ومن الوسائل التي اتخذها لتحقيق بغيته هذه، أن جعل للمؤمنين بقرآنه والخاضعين لسلطانه، على اختلاف ألسنتهم وبلدانهم، وجنسياتهم وألوانهم لغة خاصة، وهي لغة كتابه المنزال من السماء، يتفاهمون بها معاني القلوب، ويتعارفون هواجس الأفكار، ويخطب بعضهم بها مودة بعض، فهي على تقلب من الأحوال لغة عصبة الأمم الإسلامية، منذ قرون وأجيال)) (٣). هذا وللسيد الندوي (ح) شعر رائع في اللغة العربية، وقد نظم الشعر في موضوعات مختلفة، ويدل هذا الشعر على إرهاف حسه وحسن خياله، وحبه للفضائل والحكمة، وقد تجلت في شعره القوة والإجادة والتعبير الطبيعي

стр. 20

الجميل، مع أن نظم الشعر العربي بأسلوب يتصف بالتعبير الطبيعي الجميل قلما يتأتى لرجل لم ينشأ في جو عربي، ولم يطل أو يتكرر اختلاطه برجال اللغة الأقحاح)) (١). ومن شعره الرقيق الرائع وهو يصف الشمس عند غروبها: كأنما الشفق الممتد في الأفق ... خمر معتقة شجت لمغتبق خمر يعتقها في أعلى همالية ... شجت بماء غمام هامر غدق كف الطبيعة تسقي الناس أكؤسها ... ويل لمن هذه الصهباء لم يذق (٢) أهم مؤلفاته: لقد أنتج قلم العلامة الندوي السيال كتابات ومؤلفات قيمة نافعة تتسم بأقصى درجة من البحث والتحقيق والنظر والتدقيق، وتنوء بالعصبة من العلماء والباحثين، وكما قال الشيخ أبو الحسن علي الندوي: ((وبالنظر إلى هذه المؤلفات القيمة يمكن أن يصدر الحكم بأن شخصا واحدا في بعض الظروف ينجز من أعمال علمية هائلة ما لا تستطيع الأكاديميات الكبيرة إنجازها)) (٣) وفيما يأتي نسرد بعض أهم مؤلفات العلامة الندوي: ١ - ((أرض القرآن)) هذا الكتاب بمثابة مقدمة لكتاب ((سيرة النبي)) وهو في جزئين، وقد طبع في دار المصنفين، وهو كتاب فريد من نوعه، من أهم مزاياه دراسته لأوضاع العرب السياسية والتاريخية والحضارية في ضوء القرآن الكريم، مع الاستفادة من المصادر العبرية والإنكليزية، والمراجع الإسلامية والرومية واليونانية والاكتشافات الأثرية)) (٤). ٢ - حواشيه على المصحف الشريف: ((وهذه الحواشي تتعلق بذكر أعمدة السور وموضوعاتها الأساسية وربط الآيات بعضها ببعض)). ويشتغل

стр. 21

نجل العلامة الندوي في ترتيب هذه الحواشي وطباعتها وإخراجها في كتاب خاص. جزاه الله خيرا. ٣ - ((سيرة النبي)): وهو في سبع مجلدات كبار، والمجلدان الأولان منها لشيخه العلامة شبلي النعماني، ثم أكمله العلامة الندوي بخمس مجلدات كبار، ومن مزايا هذا الكتاب العظيم أن العلامة الندوي ومع نطاق السيرة من سرد الأحداث وبيان الشمائل ووصف العادات إلى الرسالة المحمدية، والتعليمات النبوية والشريعة الإسلامية، وبحث شعبها المختلفة، وفعلا هو دائرة معارف الإسلام، وأكبر ميزة له أنه يعتمد على كنوز الكتاب والسنة، والكتاب شهادة على ما آتاه الله من فهم دقيق لمعاني كتاب الله، كأن آيات القرآن الكريم ودواوين السنة منشورة أمام عينيه)) (١). ٤ - ((محاضرات مدراس)): مجموعة من محاضرات ألقاها العلامة الندوي في مدراس عام ١٩٢٥ م، وتتناول دراسة تلك الجوانب من السيرة النبوية التي لم تلق عناية كبيرة، وهي مكانة النبي ﷺ التاريخية، وشموله وكماله، وقد ترجمت إلى العربية ونشرت بعنوان: (الرسالة المحمدية). ٥ - ((سيرة عائشة (ض))) وسنتحدث عنه بالتفصيل في مبحث خاص. ٦ - ((حياة الإمام مالك (ح))) وهو عرض لحياة إمام دار الهجرة مالك بن أنس (ح) وصفاته وأخلاقه، ومكانته العالية في الفقه والحديث، ودراسة لكتابه الموطأ. ٧ - ((رسالة الكون والتكليف)) في الفلسفة. ٨ - ((حياة العلامة شبلي)) وهو عرض علمي شامل ودقيق لحياة شيخه العلامة شبلي النعماني، ومآثره وخدماته العلمية والدعوية. ٩ - ((الصلات بين الهند والعرب)): مجموعة محاضرات ألقاها العلامة الندوي بدعوة من الأكاديمية الهندية بمدينة إله آباد، قام فيها بتذكير المسلمين

стр. 22

والهندوس بالعهود الذهبية التي كانت تربطهم فيها أواصر مختلفة وعلاقات متنوعة. ١٠ - ((الملاحة عند العرب)): مجموعة محاضرات عالج فيها موضع الملاحة عند العرب في الجاهلية والإسلام، ومعرفة العرب لبحار العالم ومؤلفاتهم فيها واكتشافاتهم البحرية. ١١ - ((رسالة أهل السنة والجماعة))، مجموعة مقالات في تحقيق معنى أهل السنة والجماعة. وفاته: بعد عمر حافل بأعمال علمية ودعوية ودينية، ومآثر خالدة وخدمات جليلة وافاه الأجل بباكستان في غرة ربيع الآخر عام ١٣٧٣ هـ الموافق ٢٢ من تشرين الثاني نوفمبر ١٩٥٣ م، وحضر جنازته كبار العلماء وأعيان البلاد وسفراء الحكومات الإسلامية والعربية ودفن بجوار الشيخ شبير أحمد العثماني، رحمهما الله تعالى، وأمطر عليهما شآبيب رحمته (١). ...

стр. 23

كلمة عن كتاب سيرة أم المؤمنين عائشة ﵂ لقد بدأ العلامة الندوي في تأليف هذا الكتاب وكان طالبا في دار العلوم لندوة العلماء لكنو، ومديرا لتحرير صحيفة ((الندوة))، وقصة تأليفه ترجع إلى عام ١٩٠٦ م حيث كتب العلامة الندوي إلى شيخه العلامة شبلي النعماني يطلعه على ما حدثته به نفسه، وخطر في باله من فكرة تأليف كتاب في سيرة عائشة (ض)، فشجعه الشيخ الجليل والمربي العظيم على التقدم في هذه الخطوة المباركة، وزوده ببعض المراجع والمصادر المتوفرة التي يمكن الاستفادة منها في تحقيق هذا الغرض العلمي الشريف، ثم فتح الله تعالى عليه، ونور له الطريق إلى البدء في هذا المشروع المبارك إلى أن نشر قطعة من هذا الكتاب في عام ١٩٠٨ م في صحيفة ((الندوة))، ثم تأجل هذا المشروع لفترة غير يسيرة، ثم استهل تأليفه من جديد في عام ١٩١٤ م، حتى بزغ إلى نهاية مطافه في عام ١٩١٧ م. كما أن أميرة بوفال (سلطان جهان بيكم) عنيت بهذا الكتاب عناية كبيرة، وألحت على العلامة الندوي أن يسرع في إتمامه، فلبى العلامة الندوي نداءها، وأخرج هذا التراث العلمي الثمين، والكنز الحضاري القديم بأسلوب رشيق جذاب وبمنهج علمي رصين ومتين. أهمية هذا الكتاب: كانت ذخائر المكتبات الأردية حافلة وغنية بالكتب التي تتحدث عن عباقرة الرجال، والشخصيات العظام، الذين لعبوا دورا بارزا وملموسا في التاريخ الإسلامي وسجلتهم كتب التاريخ والسير بأحرف من الذهب، وكانوا من عداد الأحياء حتى بعد وفاتهم، وذلك نظرا إلى مآثرهم الخالدة،

стр. 24

وخدماتهم الجليلة والعظيمة التي قاموا بها لصالح الإسلام والمسلمين، إلا أن هذه الخزائن ودور الكتب كان ينقصها كتاب يتحدث عن عبقرية فذة وشخصية رائدة من عبقريات الإسلام، تدين لها الأمة الإسلامية جمعاء، ولها من كبير وفضل عظيم على الصنفين معا صنف الرجال وصنف النساء، وصنف النساء بالذات، فإنهن كن يتطلعن بغاية من اللهفة وشدة الشوق إلى من تكون قدوة وأسوة للبنات والزوجات والأمهات والجدات في جميع مجالات الحياة، والتي يكون لها تأثير عظيم ودور مجيد في إرشادهن وتوجيههن والقضاء على الطقوس والتقاليد والعادات غير الإسلامية التي تطرقت إلى مجتمعاتهن، فلما قام العلامة الندوي بتأليف هذا الكتاب في سيرة سيدة عظيمة وعبقرية فذة من التاريخ الإسلامي ألا وهي ((أم المؤمنين عائشة الصديقة (ض)))، من هذا الكتاب ذلك الفراغ الذي كان بحاجة إلى من يسده، وظهرت هذه السيرة المباركة للعبقرية المباركة كالمرآة الحقيقية التي يمكن لكل امرأة مسلمة أن ترى صورتها الواقعية أمامها، ثم تطلع على أحوالها وبالتالي تفكر في إصلاحها وصبغ حياتها بالصبغة الإسلامية المتمثلة في حياة أم المؤمنين (ض). مصادر الكتاب: يقول العلامة الندوي في مقدمة كتابه: ((إن عامة كتب التاريخ يمكن الاستفادة منها في كتابة تراجم عامة الناس، وتاريخهم، لكن الفترة التي نريد الكتابة عنها وعن وقائعها لا يتوفر تاريخها إلا في كتب الأحاديث، وكل ما تذخر به مكتباتنا الإسلامية من ذخائر كتب الحديث الشريف، إنها تاريخ عملي لحياة نبينا محمد ﷺ ولأمهات المؤمنين والصحابة الكرام (ض) أجمعين، وعلى هذا فجميع المصادر التي نستقي منها، وسائر المراجع التي نستند إليها في كتابة ((سيرة أم المؤمتين (ض)))، هي كتب الأحاديث لا غير، وقد استفدنا من كتب الجوامع والمسانيد والسنن عموما، وأحيانا احتجنا إلى كتب أسماء الرجال والطبقات، مثل (الطبقات الكبرى) لابن سعد، و (تذكرة الحفاظ) للذهبي، و (تهذيب التهذيب) للحافظ ابن حجر العسقلاني، وكذلك بعض كتب شروح الحديث مثل (فتح الباري)، و (إرشاد الساري) للقسطلاني على

стр. 25

البخاري، وشرح النووي لصحيح مسلم، ولم أعتمد على شيء من عامة كتب التواريخ إلا فيما يتعلق بحادثة الجمل، فقد اعتمدت فيها على تاريخ الطبري، وذلك لتعذر وجود تفاصيل الحادث في كتب الأحاديث. وأكثر الكتب الحديثية فائدة في إنجاز هذا العمل هو (صحيح البخاري) و (صحيح مسلم) و (سنن أبي داود) و (مسند الإمام أحمد بن حنبل)، ولقد درست هذه الكتب كلها حرفا حرفا واسقرأتها استقراء، ومعظم المعلومات القيمة عن أم المؤمنين (ض) استفدته من (مسند الإمام أحمد بن حنبل). ومن نوادر مصادر هذا الكتاب كتاب الحاكم ((المستدرك على الصحيحين)) (١) وكتاب السيوطي ((عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة)) (٢). ...

стр. 26

كلمة شكر وتقدير امتثالا لقول الله : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وتصديقا لقول الصادق المصدوق الحبيب المصطفى ﷺ ((من لا يشكر الناس لا يشكر الله)) (١) أرى من الواجب علي أن أتقدم بخالص شكري وتقديري إلى كل من ساعدني في النهوض بهذا العمل، وإنجازه وإبلاغه إلى نهاية المطاف، وعلى رأسهم سعادة الأستاذ محمد علي دولة صاحب دار القلم حفظه الله تعالى ورعاه، الذي تقدم مشكورا ومأجورا بتبني مشروع ترجمة كتاب ((سيرة عائشة)) فجزاه الله أحسن الجزاء وشكر مساعيه وتقبل منه خدماته، وجعلها في ميزان حسناته، فقد وجدته خلال اتصالاتي به أستاذا كريما، ومربيا جليلا محبا للعلم وطلابه، مهتما بأمورهم. كما لا يفوتني بهذه المناسبة أن أشكر الأستاذين الكريمين المشفقين سعادة الدكتور سعيد الأعظمي مدير دار العلوم لندوة العلماء لكنو الهند، وسعادة الشيخ محمد قاسم المظفر فوري رئيس قسم الحديث بالمدرسة الرحمانية سوفول دربنجه بيهار الهند اللذين شرفاني دائما بتوجيهاتهما القيمة وإرشاداتهما الغالية التي نورت أمامي طريق التقدم والازدهار، فجزاهما الله تعالى أحسن الجزاء، وأحسن مثوبتهما في الدنيا والآخرة. ثم أتقدم بالشكر والتقدير إلى كل من وجهني وقدم لي عونا أيا كان من الأساتذة والأصدقاء والزملاء، وأخص بالذكر منهم الأخ الفاضل محمد

стр. 27

عبد الحي الندوي ونسيم أحمد عبد الوهاب المدني فجزاهما الله تعالى على حسن تعاونهما وشكر مساعيهما. وأخيرا أختم هذه الكلمات بتقديم أسمى معاني الشكر والثناء وأخلص الحب والوفاء إلى أبوي الكريمين المحبين، وإلى زوجتي أم عائشة الذين حظيت من حبهم وعنايتهم دائما، وكان لهم فضل كبير في إنجاز هذا العمل، فجزاهم الله تعالى أحسن الجزاء، وبارك في أعمارهم، وأسبغ عليهم نعمة الصحة والعافية. إنه تعالى هو القريب المجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وآله وصحبه وأهل بيته أجمعين. الدوحة ٢٦/ ١ / ١٤٢٣ هـ ١٥/ ٣ / ٢٠٠٢ م كتبه العبد الفقير إلى الله محمد رحمة الله الندوي

стр. 28

سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ تأليف العلامة السيد سليمان الندوي عربه وحققه وخرج أحاديثه محمد رحمة الله حافظ الندوي

стр. 29

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وأزواجه وأصحابه أجمعين (١). ...

стр. 30

الباب الأول سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين * تمهيد. * الفصل الأول: الزواج الميمون. * الفصل الثاني: عائشة في مدرسة النبوة. * الفصل الثالث: معاملتها للضرائر والأقارب. * الفصل الرابع: حديث الإفك، ومشروعية التيمم. * الفصل الخامس: وقائع التحريم والإيلاء والتخيير. * الفصل السادس: وداع الحبيب ﷺ في السنة الحادية عشرة للهجرة. * الفصل السابع: عائشة (ض) بعد رحيل الحبيب ﷺ . * الفصل الثامن: نشوء الفتن ومعركة الجمل. * الفصل التاسع: أم المؤمنين (ض) في عهد معاوية (ض). * الفصل العاشر: وفاتها (ض).

стр. 31

تمهيد الاسم والكنية والنسب: كان اسمها الذي عرفت به عائشة، ولقبها الصديقة، كانت تخاطب بأم المؤمنين وتكنى بأم عبد الله، وأحيانا كانت تلقب بالحميراء (١)، وكثيرا ما ناداها النبي ﷺ بـ ((بنت الصديق)) (٢).

стр. 32

وكما هو معروف فإن العرب يعنون التكني من علامات الشرف، ورمزا للفضل والافتخار، وعائشة (ض) لم تحمل قط فلم تكن لها ذرية، ولذلك لم تكتن بكنية، وقد ظهر ألمها هذا حين قالت للنبي ﷺ وهي حزينة كاسفة: يا رسول الله كل صواحبي لهن كنى، فقال لها الرسول ﷺ : ((فاكتني بابنك عبد الله، يعني ابن أختها)) (١). كان اسم والدها عبد الله، وكنيته أبو بكر، وقد اشتهر بلقب الصديق، وأمها أم رومان. وهي قرشية تيمية من أبيها، وكنانية من أمها. نسبها من أبيها: عائشة بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن فهر بن مالك. نسبها من أمها: عائشة بنت أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن وهبان بن حارث بن غنم بن مالك بن كنانة. ويلتقي نسبها مع نسب رسول الله ﷺ في الجد السابع، ومن قبل الأم في الجد الحادي عشر أو الثاني عشر. وقد توقي أبوها أبو بكر الصديق في سنة ١٣ هـ، واختلفوا في سنة وفاة أم رومان فقيل: إنها توفيت في السنة الخامسة أو السادسة من الهجرة (٢)، في حياة النبي ﷺ .

стр. 33

وهذا لا يصح، وأثبتت الروايات الصحيحة أنها كانت على قيد الحياة في خلافة أبي بكر (ض)، حيث قد ذكر اسمها في جملة الأحاديث الواردة في قصة الإفك؛ كما صح أنها كانت حية ترزق في السنة التاسعة من الهجرة، العام الذي وقع فيه حادث التخيير (١). وأورد الإمام البخاري في صحيحه رواية مسروق عنها بإسناد متصل (٢)، كما ذكرها في التاريخ الصغير ممن توفوا في خلافة أبي بكر الصديق (ض)، واعترض على القول (٣) الأول، وأيده الحافظ ابن حجر العسقلاني (ح) وأثبت ذلك بدلائل مقنعة ودراسة وافية تحقيقيه في كتابه ((تهذيب التهذيب)) (٤) وقال بأن الصواب هو ما قاله البخاري.

стр. 34

الولادة: كانت أم رومان قبل بناء الصديق (ض) بها زوجا لصاحبه في الجاهلية عبد الله بن الحارث الأزدي، فلما توفي عبد الله تزوجها أبو بكر الصديق (ض)، وولدت له اثنين: عبد الرحمن وعائشة (ض). هذا ولم ترو لنا كتب السير والتراجم تاريخ ولادة عائشة (ض) بالضبط، إلا أن بعض مؤلفي السير والتاريخ نقلوا عن ابن سعد قوله في الطبقات: إن ولادتها كانت في بداية السنة الرابعة من النبوة، وتزوجها رسول الله ﷺ في السنة العاشرة من النبوة وهي بنت ست سنين، وهذا لا يصح. لأنه لو قدر مولدها في بداية السنة الرابعة من النبوة للزم أن يكون عمرها في السنة العاشرة سبع سنوات وليس ست سنوات. والواقع أن هناك عدة أمور ثابتة في موضوع سنها (ض)، وهي: ١ - أنها تزوجت قبل الهجرة بثلاث سنوات، وهي بنت ست سنين. ٢ - أعرس بها رسول الله ﷺ في شوال، السنة الأولى من الهجرة وهي بنت تسع سنين. ٣ - توفي عنها الرسول ﷺ في ربيع الأول، السنة الحادية عشرة، وهي بنت ثماني عشرة سنة. وعلى هذا وفي ضوء هذه الحقائق فيكون أصح تاريخ لولادتها هو شهر شوال السنة التاسعة قبل الهجرة، الموافق يوليو (تموز) عام ٦١٤ م، وهو نهاية السنة الخامسة من البعثة. ملاحظة: ينبغي لنا قبل أن ندخل في الوقائع التاريخية القادمة أن نعلم أن النبي ﷺ قد قضى في مكة ثلاثة عشر عاما، وفي المدينة المنورة عشرة أعوام من حياته النبوية، ولما ولدت عائشة (ض) تكون قد مضت على البعثة أربعة أعوام، ودخلت في السنة الخامسة. هذا ولم تبلغ أسرة من الأسر المسلمة ما بلغته أسرة أبي بكر الصديق في جهادها وتضحيتها في سبيل نشر دعوة الإسلام.

стр. 35

فكان منزله هو ذلك المكان المبارك الذي يحمل في طياته أسمى معاني الشرف والسعادة والعزة والوقار، حيث طلعت من هناك أولى أشعة الشمس البارقة، وبالتالي فعائشة (ض) من أولئك الناس الخيرين سعيدي الحظ، الذين لم يقع آذانهم صوت من الشرك أو الكفر. تقول (ض): ((لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين)) (١). وقد أرضعتها زوجة وائل أبي القعيس، فكان أخو وائل أفلح - عمها من الرضاعة - يأتي أحيانا لزيارتها فتأذن له عائشة بإذن من الرسول ﷺ ، تقول (ض): ((إن أفلحأخا أبى القعيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة، بعد أن أنزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعث، فأمرني أن آذن له)) (٢) كما أن أخاها من الرضاعة أيضا كان يزورها في بعض الأحيان (٣). الطفولة: إن العباقرة تبدو معالم عبقريتهم منذ نعومة أظفارهم في كل ما يصدر منهم من الأقوال والأفعال، وتتلمع آثار رفعتهم وعلامات سعادتهم على نواصيهم، تنبئ عن المستقبل الباهر والرائع لهم، وتوحي بأنهم يصنعون العظائم. وأم المؤمنين عائشة (ض) كانت من هؤلاء العباقرة، فسيما الرفعة وعلو الدرجة والسعادة كان يلوح منذ صباها في سائر أعمالها وحركاتها، لكن كما

стр. 36

هو معروف فإن الطفل هو الطفل في فطرته وطبيعته، مهما بلغ أوج السعادة وقمة الشرف، فهو يحب اللعب نظرا لسن طفولته. وعائشة (ض) كذلك كانت تحب اللعب كثيرا، فكانت جواري الحي تجتمع عندها وتلعب معها، إلا أنها رغم هذه الطفولة وصغر السن لا يفوتها أن تراعي أدب النبي ﷺ في كل لحظة، وغالبا ما يحدث أن تكون ملهوفة على لعبها ومعها صواحبها إذ يأتيها النبي ﷺ فجأة، فتسرع في إخفاء اللعبة عنه، وتنقمع صواحبها، لكن الرسول الحبيب ﷺ الذي كان حنونا على الأطفال، محبا لهم، رؤوفا بهم، وشفيقا عليهم، يأمرهن أن يلعبن معها. تقول عائشة إنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ ، قالت: ((وكانت تأتيني صواحبي، فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ ، فكان رسول الله ﷺ يسربهن إلي يلعبن معي)) (١) وكان أحب اللعب إليها هو اللعب بالبنات والعرائس والأراجيح. وذات مرة كانت تلعب بالبنات إذ جاءها الرسول ﷺ ، ورأى بين البنات فرسا له جناحان من يمين وشمال، فسألها: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: فرس، فقال: وهل يكون للفرس جناحان؟ فردت عليه مرتجلة: أما كانت لخيل سليمان (س) - أجنحة؟ فضحك الرسول ﷺ (٢) على هذا الرد الارتجالي المقنع، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على قوتها الفائقة الطبيعية في الإسراع في

стр. 37

الجواب، والثقافة العالية التي كانت تتمتع بها، وسعة اطلاعها على الأمور الدينية، والذكاء المتوقد، وسرعة إدراك الأمور. إن طبيعة الأطفال في كل عصر تكون واحدة حيث إنهم لا يبالون بشيء، ولا يهمهم أمر، ولا تلفت نظرهم قضية حتى السن السابعة والثامنة، ويكونون بعيدين كل البعد عن الأمور الفكرية. إلا أن السيدة عائشة (ض) قد اختلفت طبيعتها عن الآخرين في هذا الشأن، فنرى أنها كانت تحفظ كل ما حدث أيام طفولتها، وتخزنه في ذاكرتها، وتفقه من أحاديثه ﷺ ما تيسر لها أن تفقه، ثم ترويه، وتستخرج منه الأحكام، وتستنبط منه الجزئيات الفقهية، كما أنها كانت تشرح الحكم والمصالح من واقعات الطفولة الجزئية، حتى لو قرعت أذنيها آية من كتاب الله أثناء لعبتها فإنها كانت تذكرها. تقول (ض): لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] (١). وعندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة لم تكن عائشة تجاوزت الثامنة من عمرها لكنها كانت تفهم وتعي وتحسن الحفظ لأسرار وقائع الهجرة النبوية والجزئيات المتعلقة بها، ولم يدانها أحد من الصحابة في حفظ هذه الوقائع بالترتيب المسلسل كما حفظته هي (٢). ...

стр. 38

الفصل الأول الزواج الميمون كانت السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين (ض) أولى زوجات النبي ﷺ وأحبهن إليه، وقد بنى بها الرسول ﷺ في نحو الخامسة والعشرين، وهي في نحو الأربعين، وقد سعدت بالبقاء معه ﷺ زهاء خمس وعشرين سنة إلى أن أوفت على الخامسة والستين فاستأثرت بها رحمة الله تعالى في شهر رمضان السنة العاشرة بعد البعثة، أي قبل الهجرة بثلاث سنوات، وكان سن رسول الله ﷺ يومئذ خمسين سنة. كانت أول من آمن به وأول إنسان أسلم على وجه الأرض، وكانت نعم القرين له في السراء والضراء، وقد أغدقت عليه من حنان الأمومة ما فاته في بواكير الطفولة، وأدركه عطفها وهو يعالج من نوازع الدعوة النبوية ثورة مقيمة مقعدة في سريرة النفس، لا تزال بين الجلاء والغموض وبين الإقدام والإحجام، ولا تزال في هذه الحالة على حاجته القصوى إلى التثبيت والكلاءة والتشجيع. ولما توفيت (ض)، لم يعرف عنه ﷺ أنه حزن على أحد قط أشد من حزنه عليها، ولا أطال الذكرى لأحد قط بعد وفاته كما أطال ذكراها، حتى إنه قد صعبت عليه الحياة من شدة ما أصابته من هموم الوحدة والتفرد، فشق ذلك على صحابته المخلصين (ض) وآلمهم ما لحظوه من حزن النبي ﷺ على زوجه العزيزة عليه، فجاءت السيدة خولة بنت حكيم - امرأة عثمان بن مظعون من أجلاء الصحابة توفي سنة ٢ هـ - إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا، قال: ((ومن البكر ومن الثيب؟)) قالت: أما الثيب فهي سودة بنت زمعة، وأما البكر فهي بنت أحب الخلق إليك، عائشة بنت أبي (١) بكر الصديق.

стр. 39

قال: ((فاذكريها لي)) فأتت بيت أبي بكر وذكرت ذلك له،- وكان الناس في الجاهلية لا يتزوجون بنات إخوانهم بالتآخي، ويظنون أن المؤاخاة تمنع قرابة المصاهرة مثل بنات الأشقاء - فقال لها أبو بكر: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه؟ فرجعت خولة إلى رسول الله ﷺ وذكرت له ذلك، فقال: ((ارجعي فقولي له: إنه أخي في الدين، وهي لي حلال)) (١) فلما علم ذلك أبو بكر قبل به. هذا وكانت عائشة مخطوبة قبل ذلك لجبير بن مطعم بن عدي، فتحرج أبو بكر من نقض خطبته قبل مراجعته فيما ينويه، فلقي أبا الفتى، فأقبل الأب على امرأته يسألها ما تقولين؟ - وكانت أسرة جبير لم تعتنق الإسلام ذاك الحين - فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصب صاحبنا - مدخله في دينك الذي أنت عليه - إن تزوج إليك؟! (٢).

стр. 40

وعائشة (ض) كانت صبية في سنها الباكر، وقد تصدر منها بعض الأعمال والحركات التي لا ترضى بها أمها، فتعاقبها عليها، ويرى ذلك النبي ﷺ فيحزنه، فيقول لأمها: ((يا أم رومان استوصي بعائشة خيرا واحفظيني فيها)) (١) وذات مرة دخل النبي ﷺ إلى بيت أبي بكر (ض)، فوجد عائشة متسترة بباب أبي بكر تبكي بكاء حزينا، فسألها، فشكت أمها، وذكرت أنها تولع، فدمعت عينا رسول الله ﷺ ، فدخل على أم رومان فقال: ((يا أم رومان ألم أوصك بعائشة أن تحفظيني فيها؟)) فقالت: يا رسول الله ﷺ إنها بلغت الصديق عنا، وأغضبته علينا، فقال النبي ﷺ : ((وإن فعلت)) (٢). وقد ثبت في الأحاديث أن النبي ﷺ رأى في المنام أن ملكا يقدم إليه شيئا في سرقة حرير، فسأله الرسول الله ﷺ : ما هذا؟ فقال: هذه امرأتك، فكشفها رسول الله ﷺ فإذا هي عائشة، روى البخاري في صحيحه عن عائشة (ض) قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أريتك قبل أن أتزوجك مرتين، رأيت الملك يحملك في سرقة من حرير، فقلت له: اكشف، فكشف فإذا هي أنت، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه، ثم رأيتك يحملك في سرقة من حرير فقلت: اكشف، فكشف، فإذا هي أنت، فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه)) (٣). ونكح ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين (٤)، وكان الهدف الأصلي من هذا الزواج المبكر هو إحكام العلاقة وتوطيد الصلة وتوثيقها بين الخلافة والنبوة، وإذا كان الجو الحار الذي يعيشه العرب في البلاد العربية يمهد الطريق إلى النمو غير العادي ويساعد في النشأة السريعة في النساء في جانب، فهناك
следующие страницы →