← Тараджим

Тараджим · id 13297

سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين

سليمان الندوي

Полный текст (367 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هو معروف فإن الطفل هو الطفل في فطرته وطبيعته، مهما بلغ أوج السعادة وقمة الشرف، فهو يحب اللعب نظرا لسن طفولته. وعائشة (ض) كذلك كانت تحب اللعب كثيرا، فكانت جواري الحي تجتمع عندها وتلعب معها، إلا أنها رغم هذه الطفولة وصغر السن لا يفوتها أن تراعي أدب النبي ﷺ في كل لحظة، وغالبا ما يحدث أن تكون ملهوفة على لعبها ومعها صواحبها إذ يأتيها النبي ﷺ فجأة، فتسرع في إخفاء اللعبة عنه، وتنقمع صواحبها، لكن الرسول الحبيب ﷺ الذي كان حنونا على الأطفال، محبا لهم، رؤوفا بهم، وشفيقا عليهم، يأمرهن أن يلعبن معها. تقول عائشة إنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ ، قالت: ((وكانت تأتيني صواحبي، فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ ، فكان رسول الله ﷺ يسربهن إلي يلعبن معي)) (١) وكان أحب اللعب إليها هو اللعب بالبنات والعرائس والأراجيح. وذات مرة كانت تلعب بالبنات إذ جاءها الرسول ﷺ ، ورأى بين البنات فرسا له جناحان من يمين وشمال، فسألها: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: فرس، فقال: وهل يكون للفرس جناحان؟ فردت عليه مرتجلة: أما كانت لخيل سليمان (س) - أجنحة؟ فضحك الرسول ﷺ (٢) على هذا الرد الارتجالي المقنع، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على قوتها الفائقة الطبيعية في الإسراع في

стр. 37

الجواب، والثقافة العالية التي كانت تتمتع بها، وسعة اطلاعها على الأمور الدينية، والذكاء المتوقد، وسرعة إدراك الأمور. إن طبيعة الأطفال في كل عصر تكون واحدة حيث إنهم لا يبالون بشيء، ولا يهمهم أمر، ولا تلفت نظرهم قضية حتى السن السابعة والثامنة، ويكونون بعيدين كل البعد عن الأمور الفكرية. إلا أن السيدة عائشة (ض) قد اختلفت طبيعتها عن الآخرين في هذا الشأن، فنرى أنها كانت تحفظ كل ما حدث أيام طفولتها، وتخزنه في ذاكرتها، وتفقه من أحاديثه ﷺ ما تيسر لها أن تفقه، ثم ترويه، وتستخرج منه الأحكام، وتستنبط منه الجزئيات الفقهية، كما أنها كانت تشرح الحكم والمصالح من واقعات الطفولة الجزئية، حتى لو قرعت أذنيها آية من كتاب الله أثناء لعبتها فإنها كانت تذكرها. تقول (ض): لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] (١). وعندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة لم تكن عائشة تجاوزت الثامنة من عمرها لكنها كانت تفهم وتعي وتحسن الحفظ لأسرار وقائع الهجرة النبوية والجزئيات المتعلقة بها، ولم يدانها أحد من الصحابة في حفظ هذه الوقائع بالترتيب المسلسل كما حفظته هي (٢). ...

стр. 38

الفصل الأول الزواج الميمون كانت السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين (ض) أولى زوجات النبي ﷺ وأحبهن إليه، وقد بنى بها الرسول ﷺ في نحو الخامسة والعشرين، وهي في نحو الأربعين، وقد سعدت بالبقاء معه ﷺ زهاء خمس وعشرين سنة إلى أن أوفت على الخامسة والستين فاستأثرت بها رحمة الله تعالى في شهر رمضان السنة العاشرة بعد البعثة، أي قبل الهجرة بثلاث سنوات، وكان سن رسول الله ﷺ يومئذ خمسين سنة. كانت أول من آمن به وأول إنسان أسلم على وجه الأرض، وكانت نعم القرين له في السراء والضراء، وقد أغدقت عليه من حنان الأمومة ما فاته في بواكير الطفولة، وأدركه عطفها وهو يعالج من نوازع الدعوة النبوية ثورة مقيمة مقعدة في سريرة النفس، لا تزال بين الجلاء والغموض وبين الإقدام والإحجام، ولا تزال في هذه الحالة على حاجته القصوى إلى التثبيت والكلاءة والتشجيع. ولما توفيت (ض)، لم يعرف عنه ﷺ أنه حزن على أحد قط أشد من حزنه عليها، ولا أطال الذكرى لأحد قط بعد وفاته كما أطال ذكراها، حتى إنه قد صعبت عليه الحياة من شدة ما أصابته من هموم الوحدة والتفرد، فشق ذلك على صحابته المخلصين (ض) وآلمهم ما لحظوه من حزن النبي ﷺ على زوجه العزيزة عليه، فجاءت السيدة خولة بنت حكيم - امرأة عثمان بن مظعون من أجلاء الصحابة توفي سنة ٢ هـ - إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا، قال: ((ومن البكر ومن الثيب؟)) قالت: أما الثيب فهي سودة بنت زمعة، وأما البكر فهي بنت أحب الخلق إليك، عائشة بنت أبي (١) بكر الصديق.

стр. 39

قال: ((فاذكريها لي)) فأتت بيت أبي بكر وذكرت ذلك له،- وكان الناس في الجاهلية لا يتزوجون بنات إخوانهم بالتآخي، ويظنون أن المؤاخاة تمنع قرابة المصاهرة مثل بنات الأشقاء - فقال لها أبو بكر: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه؟ فرجعت خولة إلى رسول الله ﷺ وذكرت له ذلك، فقال: ((ارجعي فقولي له: إنه أخي في الدين، وهي لي حلال)) (١) فلما علم ذلك أبو بكر قبل به. هذا وكانت عائشة مخطوبة قبل ذلك لجبير بن مطعم بن عدي، فتحرج أبو بكر من نقض خطبته قبل مراجعته فيما ينويه، فلقي أبا الفتى، فأقبل الأب على امرأته يسألها ما تقولين؟ - وكانت أسرة جبير لم تعتنق الإسلام ذاك الحين - فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصب صاحبنا - مدخله في دينك الذي أنت عليه - إن تزوج إليك؟! (٢).

стр. 40

وعائشة (ض) كانت صبية في سنها الباكر، وقد تصدر منها بعض الأعمال والحركات التي لا ترضى بها أمها، فتعاقبها عليها، ويرى ذلك النبي ﷺ فيحزنه، فيقول لأمها: ((يا أم رومان استوصي بعائشة خيرا واحفظيني فيها)) (١) وذات مرة دخل النبي ﷺ إلى بيت أبي بكر (ض)، فوجد عائشة متسترة بباب أبي بكر تبكي بكاء حزينا، فسألها، فشكت أمها، وذكرت أنها تولع، فدمعت عينا رسول الله ﷺ ، فدخل على أم رومان فقال: ((يا أم رومان ألم أوصك بعائشة أن تحفظيني فيها؟)) فقالت: يا رسول الله ﷺ إنها بلغت الصديق عنا، وأغضبته علينا، فقال النبي ﷺ : ((وإن فعلت)) (٢). وقد ثبت في الأحاديث أن النبي ﷺ رأى في المنام أن ملكا يقدم إليه شيئا في سرقة حرير، فسأله الرسول الله ﷺ : ما هذا؟ فقال: هذه امرأتك، فكشفها رسول الله ﷺ فإذا هي عائشة، روى البخاري في صحيحه عن عائشة (ض) قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أريتك قبل أن أتزوجك مرتين، رأيت الملك يحملك في سرقة من حرير، فقلت له: اكشف، فكشف فإذا هي أنت، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه، ثم رأيتك يحملك في سرقة من حرير فقلت: اكشف، فكشف، فإذا هي أنت، فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه)) (٣). ونكح ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين (٤)، وكان الهدف الأصلي من هذا الزواج المبكر هو إحكام العلاقة وتوطيد الصلة وتوثيقها بين الخلافة والنبوة، وإذا كان الجو الحار الذي يعيشه العرب في البلاد العربية يمهد الطريق إلى النمو غير العادي ويساعد في النشأة السريعة في النساء في جانب، فهناك

стр. 41

جانب آخر وهو أن الشخصيات البارزة ذات الأهمية والمكانة العالية كما توجد لديهم مواهب خاصة واستعدادات غير عادية لتطوير وتنمية القوى الذهنية والفكرية، كذلك يتوافر فيهن استعداد كامل للنشأة والنضج المبكر من حيث الجسم، وذلك ما يعبر عنه في الإنجليزية ب << Precocious>> (يعني النشوء المبكر أو النضج المبكر) وعلى كل فإن موافقته ﷺ على زواجه منها في هذه السن المبكرة فيها دليل صريح وقاطع على ما كانت تتمتع به عائشة منذ صباها من غاية الذكاء المتوقد وجودة القريحة وقوة التفكير العالية والبديهة الواعية، وبراعة في الاستنتاج والاستنباط. وها هي الصحابية أم عطية (ض) تحكي لنا قصة زواجها من الرسول ﷺ بكل بساطة وتواضع، تقول: ((خطب رسول الله ﷺ عائشة بنت أبي بكر، وهي صبية، فأتتها حاضنتها وهي تلعب، فأخذت بيدها، فانطلقت بها إلى البيت، فأصلحتها، وأخذت معها حجابا فزوجها أبو بكر (١) إياه)) هكذا تم حفل زفاف سيدة نساء العالمين بكل تواضع وبأقصى درجات البساطة، ومما لا شك فيه أن فيه أسوة حسنة وقدوة طيبة لسائر البنات المسلمات، وفيه عبرة وعظة لأولئك الذين جعلوا الزواج في عصرنا الراهن من المشكلات، وأصبح رمزا للإسراف والتبذير، والإنفاق في اتباع الهوى وإرضاء الرغبات والشهوات، ومعلما للطقوس والتقاليد والعادات التي تعارض مبادئ الإسلام وديننا الحنيف. أفلم يكن زواج الرسول ﷺ ؛ تكذيبا عمليا لما اختلقه الناس وابتدعوه في حفلات زواجهم؟ واسمعوا إلى قول أم المؤمنين عاشة (ض): ((فما دريت أن رسول الله ﷺ تزوجني، حتى أخذتني أمي فحبستني في البيت عن الخروج، فوقع في نفسي أني تزوجت، فما سألتها حتى كانت أمي هي التي أخبرتني)) (٢). مهر عائشة (ض): ويتبين من روايتي الإمام ابن سعد أن رسول الله ﷺ قد دفع إلى عائشة (ض)

стр. 42

من المهر بيتا قيمته خمسون أو نحو خمسين (١)، وهو يعدل عشر روبيات (٢). وهذا لا يصح دراية، لأن مبلغ عشر روبيات لا يمكن أن يشترى به حتى بيت صغير، وجاء في رواية ابن إسحاق أن المهر كان أربعمئة درهم (٣). وهناك رواية أخرى عند ابن سعد نفسه عن عائشة تقول: ((كان صداق رسول الله ﷺ اثنتي عشرة أوقية ونشا، فذلك خمسمئة درهم قالت عائشة: ((الأوقية أربعون، والنش عشرون)) (٤). وفي صحيح مسلم عن عائشة (ض) قالت: ((كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدري ما النش؟ قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمئة درهم، فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه)) (٥) كذا ثبت في مسند الإمام أحمد بن حنبل (٦). هذا ولو قورن صداق عائشة بالمغالاة التي عمت في المهور في مجتمعنا اليوم لتبين لنا الفرق الشاسع بينهما، والأخطر من ذلك أن التقليل في المهور أصبح الآن رمزا لإذلال وإهانة الأسر وتحقيرها، والحط من مكانتها الاجتماعية، ومن ثم فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو هل توجد اليوم أسرة تفوق أسرة الصديق بل تدانيها في الفضل والشرف والسعادة والمكانة؟ وهل شهد العالم الإنساني اليوم بنتا هي أرفع مكانة وأعلى شرفا وأسمى منزلة من بنت الصديق؟ سيكون الجواب بالتأكيد النفي. التاريخ الذي تزوجت فيه عائشة (ض): اختلفت الأقوال في تعيين التاريخ الذي نكح فيه رسول الله ﷺ عائشة، فقال

стр. 43

العلامة بدر الدين العيني: ((تزوجها رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وقيل: بسنة ونصف أو نحوها في شوال، وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع، وبنى بها في شوال أيضا بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة ...)) (١). بينما تقول بعض الروايات: إن رسول الله ﷺ تزوجها بعد وفاة خديجة (ض) بثلاث سنوات، ويقول أهل السير والتراجم: إنها تزوجت في نفس العام الذي توفيت فيه خديجة (ض). وكان بإمكاننا أن نحدد تاريخ زواجها بتاريخ وفاة أم المؤمنين خديجة (ض)، لكن تاريخ وفاتها أيضا مختلف فيه بين العلماء، فمن قائل: إنها توفيت قبل الهجرة بخمس سنوات، ومن قائل: قبل الهجرة بأربع سنوات، ومن قائل: قبل الهجرة بثلاث سنوات، حتى عائشة (ض) نفسها روت لنا روايتين مختلفتين في هذ الصدد كما في صحيح الإمام البخاري ومسند الإمام أحمد بن حنبل، فرواية تقول: ((ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها))، قالت: ((وتزوجني بعدها بثلاث سنين)) (٢)، وأخرى تقول: ((إنه تزوجها في نفس السنة)) (٣). وهو ما اختاره جمهور المحققين، ويؤيده معظم الروايات الصحيحة، وذلك أن خديجة (ض) توفيت في رمضان السنة العاشرة من البعثة، قبل الهجرة بثلاث سنوات تقريبا، وبعدها بشهر في شوال تزوجها النبي ﷺ . وكانت عائشة بنت ست سنين، وعلى هذا يكون تاريخ زواجها شهر شوال السنة الثالثة قبل الهجرة، الموافق مايو (أيار) ٦٢٠ م. وقد وثق الإمام ابن عبد البر (٤) هذا القول في كتابه

стр. 44

((الاستيعاب، (١)، أما الروايتان اللتان ترويهما عائشة (ض)، فيمكن أن الراوي أخطأ في إحداهما، حيث إنه قد تم الزواج في نفس السنة التي ماتت فيها خديجة، وبنى بها النبي ﷺ بعد ثلاث سنوات، وكانت في التاسعة من عمرها. هجرة النبي ﷺ إلى المدينة: مكثت عائشة (ض) في بيت أمها بعد نكاحها حوالي ثلاث سنين، سنتان وثلاثة أشهر في مكة، وسبعة أشهر في المدينة المنورة بعد الهجرة. ومعلوم تاريخيا أن المسلمين هاجروا من مكة مرتين، الهجرة الأولى كانت إلى بلاد الحبشة، والهجرة الثانية كانت إلى المدينة، وإن عائشة (ض) تابعت موضع الهجرة وقصتها بكل دقة وبراعة، وها هي تحكي لنا قصة هجرة أبي بكر وما أصابه من الأذى في سبيل دينه، حتى خرج من مكة مهاجرا قبل الحبشة؛ تقول (ض): ((حتى إذا بلغ برك العماد لقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار فارجع .... فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج ... الحديث)) (٢) ويحتمل أن تكون عائشة وأهلها كلهم كانوا مع أبي بكر في هذه الرحلة. وأما الهجرة الثانية: فإنه لما اشتد الظلم على المسلمين في مكة، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وظلت المصائب والمشاق تزداد عليهم يوما بعد يوم من قبل المشركين، وتعرضوا لأقسى أنواع الأذى والاضطهاد نوى الرسول ﷺ الهجرة إلى المدينة.

стр. 45

ولنسمع قصة هذه الهجرة من فم عائشة (ض) تقول: لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر ... فقال النبي ﷺ : أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج، قالت عائشة: فجهزناهما (الراحلتين) أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به فم الجراب ...)) (١). وهكذا هاجر النبي ﷺ ومعه أبو بكر (ض) إلى المدينة، وتركوا أهاليهم بين هؤلاء الأعداء، وعندما حل الركاب النبوي المبارك بالمدينة كان الثاني عشر من شهر ربيع الأول من العام الرابع عشر من البعثة. ولما استقر ﷺ بالمدينة أرسل كلا من زيد بن حارثة وأبي رافع إلى مكة لكي يأتيا بأهله، وبعث أبو بكر معهما عبد الله بن أريقط الليثي، وكتب إلى ابنه عبد الله يأمره أن يحمل أهله أم رومان وعائشة وأسماء، فخرج بهم عبد الله، وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وأم كلثوم وسودة وأم أيمن وأسامة، فاصطحبوا جميعا، حتى إذا كانوا في طريقهم إلى المدينة نفر بعير عائشة (ض)، فجعلت أمها تقول: وابنتاه، واعروساه، حتى أدرك البعير وقد هبط، فقدموا المدينة، فنزلت عائشة مع عيال أبي بكر، ونزل آل رسول الله ﷺ وهو يومئذ يبني المسجد وأبياتا حول المسجد فأنزل فيها أهله)) (٢).

стр. 46

بناؤه ﷺ بعائشة: نزلت عائشة (ض) مع أهلها في حي بني الحارث بن الخزرج (١)، وأقامت هناك مع أمها ما يقارب سبعة أو ثمانية أشهر، وكانت المدينة المنورة أرضا وبئة، فتأثر المهاجرون بمناخها هذا لما سكنوا فيها، فمرض بعضهم، وأصابتهم الحمى والسقم حتى أجهدهم ذلك، وكذلك أبو بكر (ض) أصابته الحمى الشديدة فكانت عائشة تعوده وتستخبر حاله، تقول (ض): ((لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما، فقلت: يا أبي كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: ((كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله)) قالت: فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: ((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد، اللهم وصححها، وبارك لنا في مدها وصاعها، انقل حماها، فاجعلها بالجحفة)) (٢). ثم تأثرت عائشة (ض) نفسها بهذا المناخ الذي لم تألفه من قبل فمرضت، فكان أبو بكر (ض) يأتيها ويقبلها ويقول: كيف أنت يا بنية؟ وكان المرض شديدا حتى تمرق شعرها، تقول (ض) وهي تحكي لنا هذه القصة: ((فقدمنا المدينة فوعكت شهرا فوفى شعري جميمة)) (٣). ولما شفيث أخذت أمها تهيئها للزواج وتعالجها، ثم قال أبو بكر:

стр. 47

يا رسول الله ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ فقال رسول الله ﷺ : الصداق، فأعطاه أبو بكر اثنتي عشرة أوقية ونشا، فبعث بها رسول الله ﷺ إلى عائشة، (١). وفي هذا عبرة وعظة للذين يتساهلون في أداء المهور، هع أنه حق ثابت للمرأة، وألزم الله الزوج أن يقدمه لزوجته تعبيرا عن تقديره لها. كانت علاقة أم المؤمتين عائشة (ض) بالمدينة المنورة علاقة المصاهرة، وها هي تصف لنا بنفسها قصة زفافها وبناء الرسول ﷺ بها، فتقول: ((تزوجني رسول الله ﷺ لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين، قالت: فقدمنا المدينة ...... فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة، ومعي صواحبي، فصرخت بي فأتيتها، وما أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي، فأوقفتني على الباب، فقلت: هه، هه، حتى ذهب نفسي، فأدخلتني بيتا، فإذا نسوة من الأنصار، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فغسلن رأسي، وأصلحنني، فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى، فأسلمتني إليه)) (٢). وهذه أسماء بنت يزيد إحدى صديقات عائشة ﷺ تحكي لنا عما قدم إلى رسول الله ﷺ من أنواع القرى عند حفل الزفاف، تقول: كنت صاحبة عائشة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله ﷺ ، قالت: فوالله ما وجدنا عنده قرى إلا قدحا من لبن، قالت: فشرب منه، ثم ناوله عائشة، فاستحيت الجارية، فقلنا: لا تردي يد رسول الله ﷺ ، خذي منه، فأخذته على حياء، فشربت منه، ثم قال: ناولي صواحبك، فقلنا: لا نشتهيه، فقال: لا تجمعن جوعا وكذبا، قالت: فقلت: يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه: لا أشتهيه، يعد ذلك

стр. 48

كذبا؟ قال: إن الكذب يكتب كذبا، حتى تكتب الكذيبة كذيبة)) (١). هذا وقد كان بناؤه ﷺ بها نهارا في شوال السنة الأولى من الهجرة على أصح الأقوال، بينما قال العلامة بدر الدين العيني في عمدة القاري: ((وبنى بها في شوال أيضا بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة ....)) (٢). وهذا لا يصح، لأنه يقتضي أن يكون عمرها عند بنائه ﷺ بها عشر سنين، مع أن كتب الأحاديث والتاريخ والسير مجمعة على أنها كانت بنت تسع سنين عند البناء. أهم مميزات نكاحه ﷺ بعائشة وبنائه بها: هكذا اتضحت لنا صورة واقعية لحفل زفاف عائشة (ض)، وكيفية أداء صداقها وبنائه ﷺ بها، كيف تم ذلك كله في غاية من السذاجة والتواضع دون أي تكلف او تنعم ولا إسراف ولا تبذير. ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. ومن أهم المميزات التي تميز بها زواجها أنه قضى على كثير من الطقوس والتقاليد غير الإسلامية والعادات غير الشرعية، التي قد رسخت جذورها في المجتمع العربي، كما أنه استأصل تلك الجذور وأبدل بها خير طريقة وأحسن منهاج يتمتع بالسهولة والسماحة والسير. ١ - إن العرب ما كانوا يستبيحون الزواج مع ابنة الصديق الأخ، ويظنون أن الصحبة والمؤاخاة تبلغ مبلغ القرابة التي تمنع المصاهرة، وتلك خولة بنت حكيم لما أخبرت أبا بكر (ض) عن رغبة النبي ﷺ في زواجه من ابنته سألها

стр. 49

أبو بكر مستغربا: وهل تصلح له؟ لأنها بنت أخيه، فقضى النبي ﷺ على هذه النظرية، وقال: ((هي حلال لي، وأنت أخ في الإسلام)). ٢ - إن العرب ما كانوا يتزوجون في شهر شوال، ويكرهون أن يدخلوا بالنساء في شوال، لاعتقادهم أن طاعونا وقع في شوال في الزمن الأول، فقصد النبي ﷺ رفع هذا الوهم والتوهم عند الناس في كراهية الدخول بالنساء في شوال (١). ولذلك كانت عائشة (ض) تحب أن تدخل النساء من أهلها وأحبتها في شوال، وتقول: ((تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله ﷺ كانت أحظى عنده مني)) وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساؤها في شوال)) (٢). ٣ - ومن العادات الشائعة في العرب إشعال النار أمام العروس، وأن الزوج لا يدخل على امرأته لأول مرة إلا في المحمل أو المحفة، وقد صرح البخاري والقسطلاني بأنه قد تم القضاء على هذه العادة كذلك.

стр. 50

الفصل الثاني عائشة في مدرسة النبوة الدراسة وطلب العلم: كانت البيئة العربية خالية من التعلم والدراسة، ولم يكن هناك أي رواج لطلب العلم في صنف الرجال، فما بالك بالنساء؟ ولما جاء الإسلام كان في قريش بضعة عشر شخصا يعرفون القراءة والكتابة، من بينهم امرأة واحدة، وهي الشفاء بنت عبد الله العدوية (١). إن تطوير فن القراءة والكتابة وترويجهما وإشاعتهما، وإيلاءهما اهتماما كبيرا مع نشر دعوة الإسلام إنما يعتبر من أهم البركات الدنيوية التي أفاض بها الإسلام على الناس جميعا، وهو الجميل العظيم والمن الكبير الذي أسداه الإسلام إلى البشرية جمعاء. وخير دليل على ذلك ما حدث يوم بدر، حيث أمر الرسول ﷺ للأسرى الذين لم يجدوا ما يفتدون به أنفسهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة (٢)، كما أن أصحاب الصفة الذين بلغ عددهم حوالي مئة شخص كانوا يركزون على جانب القراءة والكتابة ويتعلمونها، وكانوا يتعلمون الدين والأحكام الشرعية. أما بالنسبة لأزواج النبي ﷺ فكانت حفصة وأم سلمة هما اللتان تعرفان

стр. 51

القراءة والكتابة، وكانت حفصة قد تعلمت ذلك من الشفاء العدوية (١). وهناك بعض الصحابيات (٢) الأخر اللواتي كن تعلمن القراءة والكتابة. من حكم تعدد أزواج النبي ﷺ -: وقد اقتضت إرادة الله تعالى، والمصالح الدينية والدعوية أن تتعدد زوجاته ﷺ وتتعدد صلات المصاهرات بينه وبين مختلف القبائل في الجزيرة العربية، ولعل أكبر مصلحة دينية ودعوية في تعدد أزواجه ﷺ ، وزواجه من عائشة في السن المبكر هو أن مئات من الرجال قد سنحت لهم الفرصة لنيل شرف صحبة الرسول ﷺ ، فاقتبسوا من أنوار فيوضه، وارتووا من منهله العذب الفياض، واستضاؤوا من أنواره، وبلغوا قمة العز والسعادة والشرف. أما النساء فلم يتيسر لهن ذلك، ولم تتوافر لديهن هذه الفرصة، نظرا إلى الفرق في الفطرة والجبلة، وبالتالي فكان حظهن أقل بكثير من حظ الرجال ونصيبهم، إلا الزوجات المطهرات، فقد متعهن الله تعالى بهذه النعمة الكبيرة، وأكرمهن بهذه العادة العظيمة، وكان بإمكانهن أن يشاركن الرجال في هذه السعادة، ثم يقمن ببث هذه السعادة ونشرها وإبلاغها إلى صنف النساء، ويكن سفراءه ﷺ إلى سائر نساء العالم، ويقمن بإعادة سيرته المطهرة، ينشرن تفاصيلها للناس، كأن الوحي لم ينقطع، وكأنهن من أنواره في شمس لا يلم بها أفول. هذا وقد كانت الأزواج المطهرات اللاتي تزوجهن الرسول ﷺ

стр. 52

وأكرمهن الله تعالى به ثيبات تجاوزن سن الصبا إلا عائشة (ض)، فكانت هي الوحيدة في الاستفادة الخالصة من فيوض النبوة، ولما دخلت في سن طلب العلم والدراسة غشيتها أنوار السعادة، وأخذت بها إلى دار مباركة، ألا وهي دار النبوة والرسالة، ولم يكن كل ذلك إلا لكي تبرز شخصيتها، وتصبح منارة نور وهداية، ومنبع خير وبركة تستقي منها النساء، ويرجعن إليها في كل ما تراجع فيه السنن النبوية من شؤون عامة وخاصة. وكان أبوها أبو بكر الصديق (ض) أعلم قريش بأنسابها والشعر (١)، بل كل ما كان ينشده شعراء الإسلام من القصائد القيمة البالغة أعلى قمة من الأدب والبلاغة للرد على شعراء قريش الذين ينالون من الإسلام، لم يكن ليتم ذلك إلا باستشارة أبي بكر (٢)، فترعرعت عائشة في حضن هذا الوالد العظيم، وكانت بنت أبيها في أكثر من خصلة، ولكنها كانت أشبه ما تكون به في صفة الذكاء المتوقد، والبديهة الواعية، ولم تقصر فيها عن شأوه، بل لا نحسبها قصرت عن شأو واحد من معاصريها من الرجال والنساء على السواء في سرعة الفهم، وقدرة التحصيل، والإحاطة بكل ما يقع في متناول ذهنها، فكانت تقتدي بأبيها في حفظ الأخبار والأنساب، وكانت تواقة إلى معرفة تواريخ الأمم. وغزارة العلم بينة في لغة السيدة عائشة، فقد كان لها أسلوب في اللغة لا يتهيأ بغير محصول كبير من أخبار العربية التي تستقى من أعرق مصادرها، وذلك لأنها كانت قد قبست من ميراث طباع وملكات أبيها الأدبية والشعرية (٣)، وذوقه الرفيع وجودة القريحة.

стр. 53

حزم أبي بكر في تربية أولاده: كان أبو بكر حازما في تربية أولاده، ومن حزمه في التربية أنه كان يغضب على أولاده من أجل أمور عادية وبسيطة (١). وعائشة (ض) كانت تخاف أباها من أخطائها حتى بعد الزواج (٢)، وقد عاتبها أبو بكر (ض) في عدة مواضع (٣)، وقد حدث ذلك مرة أمام النبي ﷺ ، فأنقذها ﷺ (٤).

стр. 54

هذا وتبدأ الفترة الحقيقية لتعلم عائشة (ض) ونشأتها التربوية بعد بناء الرسول ﷺ بها، حيث إنها تعلمت في هذه الفترة القراءة والكتابة، وكانت تقرأ القرآن الكريم بالنظر (١)، وفي رواية أنها لم تكن تعرف الكتابة (٢)، وورد في الأحاديث أن مولاها ذكوان هو الذي كان يكتب لها المصحف (٣)، وهذا يدل على عدم معرفتها بالكتابة، لكن ورد في بعض الروايات أنها كانت ترد على بعض الرسائل التي ترد إليها (٤)، ويمكن أن الرواة عبروا بالكتابة والمقصود: أنها أمرت غيرها بالكتابة، كما هو المعتاد في مثل هذه المناسبات. وعلى كل فإن القراءة والكتابة من قبيل التعليم الظاهري، ولا شك أن مكانة التعليم الحقيقي ودرجته أعلى وأرفع منه بكثير، وكمال الإنسانية، وتزكية الأخلاق، والاطلاع على مبادئ الدين، ومعرفة أسرار الشريعة والتعمق في حكمها ومصالحها، وعلم كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، كل هذا من التعليم الحقيقي الذي يطلب من الإنسان أن يبرع فيه ويبذل قصارى جهوده في نيله وابتغائه.

стр. 55

وعائشة (ض) قد نالت من هذا العلم الحقيقي حظا وافرا ونصيبا كاملا، ولم يقتصر مجال تعلمها ونطاق دراستها على حصول العلوم الدينية فحسب، بل كانت بارعة حتى في علوم التاريخ والطب (١) والأدب، وقد ورثته من (٢) أبيها. أما الطب فقد تعلمته من وفود العرب التي كانت تفد على الرسول ﷺ وتنعت له الأنعات، ولما سألها عروة فقال: أعجب من علمك بالطب كيف هو؟ ومن أين هو؟ فقالت: أي عرية إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره أو في آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له فمن ثم)) (٣). مراجعة عائشة النبي ﷺ في كل ما يشكل عليها: هذا ولم يكن هناك ساعات محددة أو حصص خاصة لتحصيل العلم، لأن معلم الشريعة ﷺ كان بنفسه موجودا في البيت، وكانت (ض) تنال شرف صحبته ليل نهار، [.......] * تقام في المسجد النبوي يوميا، وحجرتها (ض) كانت ملاصقة للمسجد، ولذا فإنه كانت تتوافر لها فرص الاستفادة من تلك الدروس التي يلقيها الرسول الكريم ﷺ أمام الجماهير خارج البيت، وحين يشكل عليها أمر من الأمور ولا تفهمه أو لا تسمعه جيدا فإنها كانت تستفسر النبي ﷺ عنه عندما يأتي البيت (٤)، وأحيانا تقترب من المسجد حتى تسمع من قريب، كما أنه ﷺ كان قد خصص يوما في الأسبوع لتعليم النساء ووعظهن (٥)، فكانت (ض) تعي من سنن

стр. 56

النبي ﷺ في مختلف القضايا وشتى العلوم والمعارف، في اليوم والليلة. وكان من عادتها أنها كانت طلعة، كثيرة السؤال، لا يهدأ لها بال حتى ترضي طمأنينتها، وتجلو لنفسها كل خفي حتى تحيط به، فكانت ذات مرة قد سمعت قول الرسول ﷺ : ((من حوسب عذب)) فقالت له: إن الله تعالى يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فقال لها الرسول ﷺ : ((إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب هلك)) (١). وذات مرة تلت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]- وفي رواية - قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وسألت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال ﷺ : ((على الصراط)) (٢). ولما سمعت الرسول ﷺ يقول: ((يحشر الناس يوم القيامة عراة))،

стр. 57

سألت: هل ينظر الرجال والنساء بعضهم إلى بعض؟ فقال الرسول ﷺ : ((الأمر أشد من أن يهمهم ذاك)) (١) وفي رواية مسلم: ((يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض)). وسألت مرة رسول الله ﷺ فقالت: هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ فقال: ((يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أويخف، وأما عند تطاير الكتب فإما أن يعطى بيمينه أو يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم، ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة ....)) (٢). وسألته يوما عن الكفار والمشركين إذا عملوا عملا صالحا في الدنيا فهل يثابون عليه أم لا؟ وذكرت عبد الله بن جدعان من مشركي مكة، الذي كان رجلا صالحا رفيقا بالناس، وقد أنشأ مجلسا للتصالح، (حلف الفضول) جمع فيه كل رؤساء قريش لإيقاف الحرب الناشبة والمستمرة فيما بين قريش وكنانة، قبل مجيء الإسلام، حيث كان الرسول ﷺ أحد أعضاء هذا المجلس، فسألت الرسول يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، ويحسن الجوار، ويقري الضيف، فهل ذاك نافعه؟ قال: ((لا يا عائشة! إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)) (٣). وكما هو معلوم فإن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وركيزة أساسية من

стр. 58

ركائز ديننا الإسلامي الحنيف وأهم فرائضه، فكانت عائشة ترى أن الجهاد فرض على النساء مثل الرجال، لعدم التفريق بين الصنفين في الفرائض الأخرى، فاستفسرت قائلة: هل عليهن جهاد؟ فقال ﷺ : ((جهادهن الحج)) (١). كما سألت الرسول ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها هل تستأمر أم لا؟ فقال لها الرسول ﷺ : ((نعم تستأمر))، قالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحيي، فقال ﷺ : ((فذلك إذنها إذا هي سكتت)) (٢). إن الإسلام قد أولى حقوق الجيران اهتماما بالغا وعناية كبيرة، والنساء أحظى الناس في أداء هذه الحقوق، وتتاح لهن الفرص لأداء هذه الحقوق أكثر من الرجال، فأشكلت على عائشة قضية الترجيح بين الجارين فسألته ﷺ قائلة: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما منك بابا)) (٣). وذات مرة جاءها عمها من الرضاعة يستأذن عليها، فأبت أن تأذن له، فجاء الرسول ﷺ فسألته عن ذلك، فقال: إنه عمك فأذني له، قالت: فقلت: يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قالت: فقال الرسول ﷺ ((إنه عمك فليلج عليك)) (٤).

стр. 59

وأشكل عليها مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فسألت رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله؟ قال: ((لا، يا بنت أبي بكر يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله (١). ولما سمعت قول الرسول ﷺ : ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) قالت: فقلت: يا رسول الله كلنا نكره الموت، قال: ((ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذ بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه)) (٢). وهكذا لدينا عدد كبير من أمثال هذه الاستفسارات والإشكالات التي نجدها في ذخائر السنن النبوية وخزائن الأحاديث الشريفة، التي عرضتها عائشة (ض) على الحبيب المصطفى ﷺ للكشف عن حقائقها، وإزاحة الستار عن واقعيتها، وإنها في واقع الأمر عدد من الدروس التي تلقتها عائشة (ض) من لسان الرسول ﷺ في تعليمها اليومي حتى إنها (ض) لم يفتها أن توجه السؤال إلى الرسول الكريم ﷺ في بعض المناسبات التي يخاف فيها أن يجد الرسول ﷺ عليها، لكن من رحمته ﷺ بها وحبه لها وشفقته عليها أنه لم يكن يتضايق من مناقشاتها وتوجيهها الأسئلة إليه، بل كان يسر بذلك. أقسم النبي ﷺ مرة أن لا يدخل على نسائه شهرا، وأقام في مشربة له تسعة وعشرين يوما، وهجرهن خلال هذه الفترة، فشق ذلك عليهن كثيرا، ولما مضت تسع وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها، ومما لا شك فيه أنها كانت

стр. 60

مناسبة مباركة تبعث على الفرح والسرور بالنسبة لعائشة (ض)، وكان المفروض أن تسر بها عائشة وتنسى كل ما مضى، ولا تتفوه بكلمة تكاد تغضب النبي ﷺ ، ولكنها آثرت فهم الشريعة وحل عقدتها على هذه الفرحة، فماذا سمع منها الرسول ﷺ أول ما سمع؟ قالت: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدها عدا؟ فقال النبي ﷺ : ((الشهر تسع وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ...)) (١). استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، فتعجبت عائشة من ذلك، فلما نهض قالت: يا رسول الله! قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟ فقال ﷺ ((أي عائشة! إن شر الناس من تركه الناس، أو ودعه الناس اتقاء فحشه)) (٢). كان النبي ﷺ لا يقبل هدايا الأعراب وأصحاب البادية، لما كان يعلم أنهم لا يتحرون في أطعمتهم وأشربتهم، ولا يحتاطون فيها، كما أنهم ليس لديهم علم كاف بشرائع الإسلام ومبادئ الدين، وذات يوم جاءت أم سنبلة، وأهدت إلى رسول الله ﷺ لبنا، فلم تجده، فقالت لها عائشة: إن رسول الله ﷺ قد نهى أن يؤكل طعام الأعراب، فدخل رسول الله ﷺ وأبو بكر فقال: ما معك يا أم سنبلة؟ قالت: لبنا أهديت لك يا رسول لله، قال: اسكبي أم سنبلة، فسكبت، فقال: ناولي أبا بكر، ففعلت، فقال: اسكبي أم سنبلة، فسكبت، فناولت رسول الله ﷺ فشرب، قالت عائشة: يا رسول الله كنت حدثت أنك قد نهيت عن طعام الأعراب؟ فقال: ((يا عائشة! إنهم ليسوا

стр. 61

بالأعراب، هم أهل باديتنا ونحن أهل حاضرتهم، وإذا دعوا أجابوا، فليسوا الأعراب)) (١) قصد النبي ﷺ بذلك أنهم يعرفون أحكام الشريعة، وإذا دعوناهم إلى نصرة الدين فإنهم يجيبون ولا يترددون، إذن هم ليسوا من الأعراب. ولما سمعت قول الرسول ﷺ ((سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يدخل أحدا الجنة عمله)) فاستغربت من قوله: ((فإنه لا يدخل أحدا الجنة عمله)) لظنها أن المعصومين يستثنون من هذه القاعدة العامة، فسألت: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)) (٢). ورأت مرة رسول الله ﷺ يريد أن ينام قبل أن يوتر، فقالت: يا رسول لله أتنام قبل أن توتر؟ قال: ((يا عائشة إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي)) (٣). قد تبدو هذه الأسئلة من قبيل سوء الأدب لأولئك الذين لا يدركون حقيقة الأمور، ولا يتعمقون في التفكير، لكن الواقع الذي لا ينازع فيه اثنان أنه لو لم تكن هذه الجرأة النسائية لتوجيه الأسئلة إلى النبي ﷺ والاستفسارات عن الإشكالات، لما أمكن اليوم لأبناء الأمة المحمدية أن يطلعوا على حقيقة النبوة، وبغض النظر عن هذه الأسئلة والمناقشات العلمية والمباحث الدراسية فهناك جانب آخر مهم ألا وهو مراقبة النبي ﷺ لكل أعمال وحركات عائشة (ض) وإيلاؤه إياها اهتماما بالغا، فكان ﷺ ينبهها على زلاتها، ويربيها ويعلمها بعناية فائقة، ولم يفتأ رويدا رويدا يشركها في العبء الذي ينبغي أن تنهض به زوجة النبي وأم المؤمنين وسفيرته الأولى إلى عالم النساء.

стр. 62

دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك - بدل السلام عليك - فقال ﷺ : ((وعليكم))، وكانت عائشة (ض) تسمع ذلك فقالت: وعليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ : ((مهلا يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله)) (١). سرق لعائشة (ض) شيء، فجعلت تدعو على من سرقه - كما هي عادة النساء - فقال لها النبي ﷺ ((لا تسبخي عنه)) (٢). ذات مرة كانت عائشة مع النبي ﷺ في سفر فلعنت بعيرا لها - كعادة النساء في هذه المناسبات - فأمر به النبي ﷺ أن يرد، وقال: ((لا يصحبني شيء ملعون)) (٣). فكان ذلك تعليما لها عدم توجبه اللعن إلى البهائم. من الواقع الملموس أن الناس عامة وبخاصة النساء لا يبالون بمحقرات الذنوب، ويتساهلون في هذا الجانب تساهلا كبيرا، وقد أحس بذلك النبي ﷺ وأدرك هذه الخطورة، فقال مخاطبا عائشة (ض): ((يا عائشة! إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا)) (٤).

стр. 63

وذات مرة كانت تحكي للنبي ﷺ عن امرأة فوصفتها بالقصيرة فقال لها النبي ﷺ : ((اغتبتها)) (١). كانت أم المؤمنين صفية (ض) قصيرة القامة، فذكرتها عائشة (ض) ذات يوم وقالت بيدها هكذا، كأنها تعني قصيرة، فقال النبي ﷺ : ((لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لعكرت صفو الماء كله)) فقالت: يا رسول الله إني حكيت لك رجلا، فقال ﷺ : ((ما يسرني أني حكيت رجلا وأن لي كذا وكذا)) (٢). جاء مسكين إلى عائشة فتصدقت عليه بشيء، فأمرت بريرة أن تأتيها فتنظر إليه، فقال لها النبي ﷺ : ((لا تحصي فيحصى عليك)) (٣). وقال لها في مناسبة أخرى: ((يا عائشة استتري من النار ولو شق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان)) (٤). سمعت النبي ﷺ يدعو ((اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة)) فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: ((إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، يا عائشة! لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة! أحبي المساكين وقربيهم، فإن الله يقربك يوم القيامة)) (٥).

стр. 64

فكان النبي ﷺ يعلمها الأحكام الدينية والمسائل الشرعية المنوطة بمختلف المجالات من الصلاة والذكر والدعاء، والحياة الاجتماعية، وهي تتعلمها بكل شوق ورغبة، وتستمع إليها بآذان صاغية وقلوب واعية، وتعمل بها بكل مواظبة ومداومة (١). الشؤون المنزلية: والبيت الذي بنى فيه النبي ﷺ بعائشة (ض) لم يكن قصرا عاليا رفيعا مفخما، وإنما كان عبارة عن حجر وغرف صغيرة في حي بني النجار، مبنية حول المسجد النبوي الشريف، بناها النبي ﷺ لتكون مساكن له ولأهله، وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء، ومن بينها كانت حجرة عائشة (ض) بناها النبي ﷺ شرقي المسجد (٢)، وكان بابه من هذه الحجرة واقعا داخل المسجد النبوي على جهة الغرب، وكأن المسجد النبوي صار فناء لها. وكان النبي ﷺ يصغي إلى عائشة رأسه وهو معتكف في المسجد، فترجله (٣)، وأحيانا يطلب شيئا فيمد يده من المسجد إليها فتناوله إياه، وكان

стр. 65

عرض الحجرة ست أو سبع أذرع، جدارها من الطين، وسقفها من جريد النخل، قصير حيث يناله كل من يقف، مغشاة من خارج بمسوح الشعر، لكي تكون وقاية من المطر، ولم يكن للباب مصراعان وإنما مصراع واحد من عرعر أو ساج (١)، إلا أنه لم يغلق على أحد ليوم واحد طوال الحياة. وكان في جنب الحجرة مشربة أقام فيها الرسول ﷺ شهرا كاملا زمن الإيلاء (٢)، وكان جهاز بيت النبى ﷺ وأثاث حجرته محتويا على سرير وحصير، ووسادة من أدم حشوها ليف، وأهب معلقة، وقربة، وإداوة للماء والتمر، وقصعة لشرب الماء (٣). ومما لا شك فيه أن مسكن النبي ﷺ كان منبعا للأنوار الربانية، ومنهلا للفيوض النبوية إلا أنه كان خاليا من المصابيح الدنيوية، فلم يكن هناك سراج ولا مصباح يضيئ البيت وينوره بالنور والضياء الظاهري (٤)، تقول عائشة (ض): ((كان يأتي علينا على عهد رسول الله ﷺ أربعون ليلة ما يوقذ في بيت رسول الله ﷺ مصباح ولا غيره)) (٥). هذا ولم يكن في البيت أحد غير رسول الله ﷺ وعائشة (ض)، وبعد فترة جاءت جارية (بريرة (ض)) اشترتها عائشة (ض) واشترطت أن يكون ولاؤها

стр. 66

لها (١). وفي بداية الأمر حينما لم تكن من أزواج النبي ﷺ إلا سودة وعائشة، كان ﷺ يبيت عند عائشة ليلة بعد ليلة، ولما تشرفت الأزواج المطهرات الأخريات بهذا الشرف، وأكرمهن الله تعالى به، وكبرت سودة (ض) جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين من تسعة أيام، يومها ويوم سودة (٢). ولم يكن هناك اهتمام كبير بأمور البيت، ولم تعد لديهم حاجة إلى ذلك، وقلما يوقد في بيت رسول الله ﷺ نار، تحكي لنا عائشة (ض) حياتها اليومية ومعيشتها فتقول: ((ما شبع آل محمد ﷺ من خبز بر مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله ) (٣)، وكانت تقول: ((ليأتي على آل محمد ﷺ الشهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا))، وفي رواية: ((لقد كان يأتي على آل محمد ﷺ الشهر، ما يرى في بيت من بيوته الدخان)) (٤)، ((كانوا يعيشون على التمر والماء)) (٥).

стр. 67

فرض النبي ﷺ العطية لأزواجه بعد فتح خيبر: هذا وقد كان فرض النبي ﷺ لنسائه بعد فتح خيبر عطية لتغطية المصاريف السنوية، كان مقدارها ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير (١)، إلا أن هذه العطية سرعان ما تنتهي لكثرة بذلهن وإنفاقهن، وما منحن من الله تعالى من طبيعة فياضة، وما جبلن عليه من السخاء والكرم والإحسان إلى مستحقيه، فلا تكفيهن هذه العطية للسنة الكاملة. وكان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يبعثون بالهدايا والتحف إلى الرسول ﷺ ، وكانوا يتحرون بهداياهم - خاصة - يوم عائشة (ض) لما كانوا يعرفون من حبه ﷺ إياها (٢). وأحيانا يدخل عليها النبي ﷺ وهو يأتي من الخارج فيسألها: ((هل أصبح عندكم شيء تطعمونيه))؟ فتقول: ((لا، ما أصبح عندنا شيء))، فيقول: ((إني صائم)) (٣)، وفي بعض الأحيان: ((كان لهم جيران من الأنصار وكانت لهم ربائب فكانوا يبعثون إليه من ألبانها)) (٤).

стр. 68

وبالرغم من هذه المكانة العالية والدرجة السامية التي كانت تحتلها عائشة (ض) في كل مجال من العلم والثقافة والفهم والإدراك وقدرة التحصيل والإحاطة والبديهة الواعية والذكاء المتوقد، رغم ذلك كله فإنها لم تكن مبرأة معصومة عن الأخطاء التي تعتري البشر، لا سيما في صغر السن، فكانت جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله (١). وذات مرة طحنت شيئا من شعير فجعلت له قرصا، فأقبلت شاة لجارها داجنة، فدخلت ثم عمدت إلى القرص، فأخذته ثم أدبرت به (٢). كما أنها لم تكن معروفة بجودة الطهي، ولا تحسن الطبخ مثل غيرها من الأزواج المطهرات (٣). وكان بلال (ض) هو الذي يتولى مسؤولية الأمور المنزلية ونفقات أهل النبي ﷺ ، فهو الذي كان يوزع الغلة عليهن، ويستقرض إذا دعت الحاجة إلى الاستقراض لتغطية المصاريف (٤). عمر (ض) زاد في أعطيات أزواج النبي ﷺ في عهده: ولما توفي النبي ﷺ اتسعت رقعة الدولة المسلمة، وكانت الفتوحات،

стр. 69

وبدأت ترد الأموال الهائلة من مشارق الأرض ومغاربها إلى بيت مال المسلمين، وتدفقت الخيرات والثروات على خزانة الدولة بالألوف التي يحار فيها الإحصاء، إلا أن بيت عائشة (ض) لم يكن فيه طعام يوم قبض الرسول ﷺ (١). وما زالت أمهات المؤمنين يصرف لهن ما فرض لهن من حصاد خيبر إلى زمن أبي بكر الصديق (ض)، ثم فرض عمر (ض) في عهده لكل واحدة منهن عشرة آلاف، وزاد عائشة (ض) ألفين (٢)، وفي رواية: خير عمر (ض) أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضي لهن، فمنهن من اختار الأرض، ومنهن من اختار الوسق، واختارت عائشة (ض) الأرض (٣)، إلا أن معظم ما كانت تستلمه أم المؤمنين من العطاء كان وقفا لصالح الفقراء والمساكين. وجرى الأمر على هذا المنوال حتى زمن الخليفتين عثمان وعلي (ض)، وكذلك في زمن معاوية (ض). فلما تولى عبد الله بن الزبير - ابن أخت عائشة (ض) - خلافة الحجاز بعد معاوية (ض)، كان هو المسؤول عن مصاريف خالته، فكانت لا تمسك شيئا مما جاءها من رزق الله إلا تصدقت به (٤).

стр. 70

العشرة الزوجية ونظر الإسلام إلى المرأة مقارنة بنظر الشرق والغرب: يتباين تفكير الغرب والشرق تجاه المرأة تباينا واضحا، فأهل الشرق يعتقدون أن حبها وصمة عار على جبين القداسة، ووظيفتها هي التقيد بحدود البيت وعدم التجاوز عنه. بينما يرى الغرب أنها الإله أو مثل الإله، ويعتبرون رضا المرأة رضا الله تعالى، ويقولون: إن أي مذهب أو دين إذا أعطى للمرأة كامل حقوقها ومكانتها الحقيقية فذلك أكبر دليل وأسطع برهان على كونه معقولا ملائما للعقل البشري السليم. وتختلف وجهة نظر الإسلام تجاه المرأة عن النظرتين السابقتين حيث يسلك فيها طريقا وسطا عدلا لا إفراط فيه ولا تفريط، فكما أنه لا ينزلها منزلة الإله، فهو لا يعتبرها من سقط المتاع، أو حاجزا وعائقا في طريق الحياة، وقد أحسن الإسلام إذ عرفها ((أنها وسيلة للسكون، وذريعة لاطمئنان الإنسان في هذا العالم)). يقول الله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. ولسنا في هذه العجالة بصدد الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام وحقوقها، وإنما الذي نقصد إليه هو إبراز جوانب العلاقات الزوجية، والعشرة الزوجية العملية في حياة عائشة. ويقول الحبيب المصطفى ﷺ : ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)) (١) وخير تصديق عملي لهذا الحديث الشريف هو أن عائشة (ض) دامت حياتها الزوجية النادرة زهاء تسع سنين، ومن الحق أن توصف بأنها حياة زوجية سعيدة، ولا نعرف بين أزواج الهداة والعظماء من ظفرت بأسعد منها أو

стр. 71

كانت أرضى من عائشة (ض) عن حياتها، فنرى أنه في طوال هذه السنين لم تمتزج هذه الحياة قط بكدر أو مساءة، ولم يعكر صفاء علاقتها بالنبي ﷺ طيلة حياتها في كنفه سوى واقعة الإيلاء، فكانت الحياة يسودها أسمى معاني الحب، وجو المودة واللطف والمؤانسة والوفاء العالي، ولا سيما إذا تصورنا ما كانت عليه الأسرة النبوية من عسر وشدة وشظف في العيش، والصبر على ضروراته، والقناعة، ومغالبة الهوى، والبعد عن الترف ونعمة العيش، فتزداد قيمة هذا الإخلاص والمودة وتسمو مكانة الحب والوفاء. الزوجة الحبيبة: كانت عائشة (ض) من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ ، وكان الصحابة (ض) أجمعين قد علموا حبه إياها وأقروا لها بذلك، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ كانوا يتحرون يوم عائشة (ض) (١)، وقد أثار ذلك غيرة أمهات المؤمنين، ووقعت الغيرة التي لا محيص منها بين الزوجات، فدعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأرسلنها إلى رسول الله ﷺ فقالت له: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر، فكلمته، فقال: ((يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه فأبت أن ترجع)) (٢). ثم توسلن بأم سلمة (ض) أن تكلم النبي ﷺ ، فلما دار عليها كلمته، فقال: ((لا تؤذيني في عائشة، فإنه لم ينزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن إلا في لحاف عائشة)) (٣). أهديت للنبي ﷺ ذات مرة هدية فيها قلادة من جزع، فقال: ((لأدفعنها

стр. 72

إلى أحب أهلي إلي))، فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، لكن حب النبي ﷺ الزكي الطاهر الخالص لم يظهر قط في لمعان الزينة الظاهرية وروعة المجوهرات الغالية، فدعا أمامة بنت زينب فعلقها في عنقها (١). وهذا عمرو بن العاص (ض) قد بعثه النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل، فلما أتى سأل: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقال: من الرجال؟ فقال: أبوها (٢). دخل مرة عمر (ض) على حفصة فقال: ((يا بنية لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ إياها، يريد عائشة)) (٣). ومرة شرد بها الجمل أثناء الطريق، فقلق النبي ﷺ وهو يقول: ((واعروساه)) (٤). ودخل النبي ﷺ في بيتها فقالت: وارأساه! فقال رسول الله ﷺ : ((بل أنا وارأساه))، ومنذ ذلك الحين بدأ مرض النبي ﷺ الذي توفي فيه (٥). وكان ﷺ يتفقد في مرض موته - وفي رواية ((ليتعذر)) - أين أنا اليوم، أين أنا غدا، استبطاء ليوم عائشة (ض) (٦)، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان

стр. 73

في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت عائشة: ((فمات في اليوم الذي كان يدور علي أي بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري)) (١). كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: ((اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)) (٢) (يعني به حب عائشة). سبب حبه ﷺ لعائشة: ويظن عامة الناس أن لحب النبي ﷺ لعائشة (ض) كان لحسنها وجمالها وهذا مرفوض إطلاقا، لأن غيرها من الأزواج المطهرات أمثال زينب وجويرية وصفية ﵅، أيضا كن ذوات حسن وجمال، وكتب الأحاديث والآثار والسير والتاريخ غنية بذكر محاسنهن وجمالهن، ولكن لا يوجد فيها شيء عن حسن عائشة (ض) وجمالها، إلا ما ذكر في موضع أو موضعين، ويستثنى من ذلك ما قاله عمر (ض) لحفصة (ض): ((لا يغرنك هذاه التي أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ إياها)) (٣) فلما سمع النبي ﷺ ذلك تبسم، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن عائشة (ض) قد احتلت في قلب النبي ﷺ منزلة في المحبة لم يصل إليها غيرها من أمهات المؤمنين. غير أن الأصل في هذا الباب هو ما روته عائشة (ض) نفسها (٤)، ورواه أبو هريرة (ض) كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود أن الرسول ﷺ قال:

стр. 74

((تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) (١). وبالتالي فأحب نساء النبي ﷺ هي: من تكون أنفع لخدمة الدين ونشر الإسلام من غيرها. والشيء الذي يميز أم المؤمنين عائشة (ض) على غيرها من أمهات المؤمنين هو بلوغ علمها ذروة الإحاطة والنضج في كل ما اتصل بالدين من قرآن وتفسير وحديث وفقه، والنضج في الاجتهاد، والنظر في دقائق المسائل، واستنباط الأحكام للوقائع الجديدة، والاضطلاع فيه، فكان من الطبيعي أن تكون هي أحب إلى رسول الله ﷺ من غيرها. وقد فصل القول في هذا الموضوع العلامة ابن حزم (ح) في كتابه ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) (٢) وأثبت ذلك بالدلائل القاطعة. روى أصحاب الكتب الستة عن أبي موسى الأشعري (ض) أن رسول الله. قال: ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد

стр. 75

على سائر الطعام)) (١). وهذا الحديث خير دليل على الباعث الحقيقي والسبب الواقعي الذي من أجله كان النبي ﷺ يحب عائشة (ض) ويكرمها، ويرفع من مكانتها، هل كان ذلك من أجل الحسن والجمال الظاهري، أو بسبب الفضل والكمال الباطني، والتي تلي عائشة (ض) في الكمالات الداخلية والفضائل والمناقب هي أم سلمة (ض)، ولهذا فإنها كانت محبوبة لدى الرسول ﷺ رغم كبر سنها، وها هي خديجة (ض) قد توفيت وهي بنت ستين سنة، لكنها شغلت قلب النبي ﷺ بعد وفاتها، فلم يزل يذكرها، وهو شديد الكلف بها والتطلع إليها، حتى أثار ذلك غيرة عائشة (ض) (٢)، وكان رسول الله ﷺ - على حلمه -ربما يغضب أحيانا من ثورتها على ذكرى خديجة (٣). الزوج الحبيب ﷺ -: لم تكن عائشة (ض) ممن تحب النبي ﷺ فحسب، وإنما كانت تعشقه وتعجب به إلى أقصى درجة، لقد كانت تحبه حب المسلمة لنبيها وحب الزوجة لزوجها، والمرأة لرجلها، معجبة بجماله، كما كانت معجبة بأدبه وعظمة قدره، بحيث لو ادعى أحد غيرها مثل حبها له كانت تأسى عليه.
следующие страницы →