← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وسُمّيت "النِّعْمَةُ" يَدًا؛ لأنّ الإعطاء إنّما يكون باليد، فسُمّيت بها كما سمّوا الحِلْفَ يَمِينًا، لأنّهم كانوا يتعاطون أَيْمانَهمِ عند الحَلْف، ولكَوْن اليَد "فَعْلًا" جُمعت في القلّة على "أَفْعُلَ"، نحو: "أَيْدٍ"، كما قالوا: "أدْلٍ"، و"أَجْرٍ". وقالوا: "يُدِيٌّ" من قوله [من الطويل]: ٧٩٠ - [فَلَنْ أَذكُرَ النعمانَ إلا بصالِحٍ] ... فإنّ لَه عندي يُدِيًّا وأَنْعُمَا وهذا الجمع أيضًا ممّا يدلّ على أنّ اليَد "فَعْلٌ"؛ لأنّ هذا الجمع إنّما يكون لِما هو على زنة "فَعْلٍ" ساكنَ العين نحو "عَبدٍ"، و"عَبِيدٍ"، و"كَلْبٍ"، و"كَلِيبٍ"، فاعرفه. فأمّا "دَمٌ" فأصله "دَمْىٌ"؛ لقوله [من الوافر]: جَرَى الدَّمَيانِ بالخَبَر اليَقِينِ (١) ومن قال: "الدَّمَوانِ" جعله من الواو، والأوّل أكثر. وذهب أبو الحسن، وأبو

стр. 1227

العباس المبرّد إلى أنّ أصله "دَمَيٌ" بالتحريك، فهو "فَعَلٌ" كـ"جَبَلٍ"، وأنّ جمعه جاء مخالِفًا لنظائره. قالا: والذي يدلّ على ذلك أن الشاعر لمّا اضطُرّ، عاد إلى الأصل، ألا ترى إلى قوله [من الطويل]: فلَسْنَا على الأَعْقاب تَدْمَى كُلُومُنا ... ولَكِنْ على أَقْدامِنا يَقْطُرُ الدَّمَا (١) وقال الآخر [من الرمل]: ٧٩١ - غَفَلَتْ ثُمَّ أَتَت تَطلُبُه ... فإِذَا هي بعِظامٍ ودَمَا قالا: ولا يُلزِم على هذا قوله [من الكامل]: يديان بيضاوان عند محلّمِ (٢) لاحتمالِ أن يكون على لغةِ من قصر، وقال: "هذه يَدَى"، و"رأيت يَدَى"، و"مررت بيَدَى" كـ"رَحى" و"قَفا". والوجهُ الأوّل، لما ذكرناه، ولأنّك تجمعه في الكثرة على "دِماءٍ"، و"دُمِيّ" على حد "ظَبْي"، و"ظِباءٍ" و"ظُبِىٍّ" و"دَلْوٍ" و"دِلاءٍ"، و"دُلِيٍّ". وأمّا قولهما: إنّ جمعه جاء مخالفًا، فالأصلُ عدمُ مُخالَفةِ القياس، وسُلوكُ مَحَجَّته، ومَهْمَا أَمْكَنَ العملُ به، فلا يُعدَل عنه، وأمّا قوله [من الطويل]: ولكن على أقدامنا يقطر الدَّما (٣) فعلى لغة من قصر، فاعرفه.

стр. 1228

فصل [جمع المذكَّر الذي لم يُكسَّر] قال صاحب الكتاب: والمذكر الذي لم يكسر يجمع بالألف والتاء نحو قولهم السرادقات وجمالات سبحلات وسبطرات. ولم يقولوا جوالقات حين قالوا: جواليق. وقد قالوا بوانات مع قولهم بون. * * * قال الشارح: اعلم أن هذه الأسماء، لمّا لم يدخلها التكسير، وكانت قد تصير إلى تأنيث الجمع، تَخيلوا فيها التأنيثَ، فجمعوها بالألف والتاء على حدِّ ما فيه تاء التأنيث، فقالوا: "سُرادِقاتٌ"، والواحد: "سُرادِقٌ"، وهو البيت من القُطن. وقالوا: "جِمالٌ سِبَحْلاتٌ"، والواحد: "سِبَحْلٌ" مثلُ "قِمَطْرٍ"، وهو البعير الضخم. وقالوا: "سِبَطْراتٌ"، والواحد: "سِبَطْرٌ"، أي: ممتدّ طويل، وقالوا: "جُوالِق"، ولم يقولوا: "جوالقات"، فيجمعوه بالألف والتاء حيث كسروه، وقالوا: "جَوالِيقُ"، و"الجوالق": وعاءٌ من صوف وغيره. وقالوا: "بُوَاناتٌ" مع قولهم: "بُونٌ"، والواحد: "بِوانٌ" بكسر الباء، وهو عمود من أعمدة الخَيْم، فجمعوه بالألف والتاء مع أنّهم قد كسّروه. وذلك قليل، وما كان من هذا الجمع، فسبيلُه أن يُحفَظ ولا يقاس عليه.

стр. 1229

ومن أصناف الاسم المعرفة والنكرة فصل [تعريف المعرفة وأضربها] قال صاحب الكتاب: فالمعرفة ما دل على شيء بعينه, وهو على خمسة أضرب: العلم الخاص، والمضمر، والمبهم وهو شيئان: أسماء الإشارة, والموصولات، والداخل عليه حرف التعريف، والمضاف إلى أحد هؤلاء إضافة حقيقة. * * * قال الشارح: اعلم أن المَعْرِفَة في الأصل مصدرُ "عَرَفْتُ مَعْرِفَةٍ وعِرْفانًا"، وهو من المصادر التي وقعت موقع الأسماء، فالمراد بالمعرفة الشيء المعروف، كالمراد بنَسْج اليَمَن أنَّه منسوجُ اليمن، وكقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (١)، أي: مَخْلُوقُه، وكذلك النكرةُ بمعنى المنكور، والمرادُ بالمعرفة ما خَصَّ واحدًا من الجنس، لا يتناول غيرَه، وذلك متعلّقٌ بمعرفة المخاطب دون المتكلّم، إذ قد يذكر المتكلّمُ ما هو معروف له، ولا يعرفه المخاطبُ، فيكون منكورًا، كقول القائل لمن يخاطبه: "في داري رجلٌ"، و"لِي بُسْتانٌ"، وهو يعرف الرجل والبستان، وقد لا يعرفه المتكلّمُ أيضًا، نحو قولك: "أنا في طَلَبِ غلامٍ أشتريه، ودارٍ أكتريها"، ولا يكون قصدُه إلى شيء بعينه. واعلم أنّ النكرة هي الأصل، والتعريف حادثٌ؛ لأنّ الاسم نكرة في أوّلِ أمره مبهمٌ في جنسه، ثمّ يدخل عليه ما يُفْرِد بالتعريف، حتى يكون اللفظ لواحدٍ دون سائر جنسه، كقولك: "رجلٌ"، فيكون هذا الاسم لكلّ واحد من الجنس، ثمّ يحدث عهدُ المخاطب لواحدٍ بعينه، فتقول: "الرجلُ"، فيكون مقصورًا على واحد بعينه، فالنكرةُ سابقةٌ، لأنّها اسم الجنس الذي لكلّ واحد منه مثلُ اسم سائرِ أُمَّتِه، وضعه الواضعُ للفصل بين الأجناس، فلا تجد معرفةً إلَّا وأصلُها النكرة؛ إلَّا اسمَ الله تعالى؛ لأنّه لا شريكَ له

стр. 1230

سبحانه وتعالى، فالتعريفُ ثانٍ أُتي به للحاجة إلى الحديث عن كلّ واحد من أشخاص ذلك الجنس، إذ لو حُدّث عن النكرة، لَمَا علم المخاطُب عمَّن الحديثُ، ويزيد ما ذكرناه عندك وُضوحًا أنّ الإنسان حين يُولَد، فيُطلَق عليه حينئذ اسمُ رجل، أو امرأةٍ، ثمّ يُميَّز باللَّقَب، والاسم. والمعارف خمسةٌ على ما ذكر، فمنها العَلَم الخاصّ، نحو: "زيد"، و"عبد الله"، فهو معرفةٌ؛ لأنّه موضوع بإزاء واحد بعينه لا يشركه فيه غيرُه، وقد تقدّم الكلام في الأعلام في أوّلِ الكتاب. وقوله: "الخاصّ" تحرُّرٌ من الأسماء العامّة، نحو "رجل"، و"فرس" ونحوهما من أسماء الأجناس، فإنّ الأسماء كلّها أعلامٌ على مسمَّياتها، إلَّا أنّ منها ما مسمّاه عامٌّ، وهو اسمُ الجنس، ومنها ما مسمّاه خاصٌّ، نحو: "زيد"، و"عبد الله"، ونحوهما. فاسمُ الجنس مسمّاه عامّ، والعَلَمُ مسمّاه خاصّ. ومنها المُضْمَر، وهو ضربٌ من الكناية فكلُّ مضمر كنايةٌ، وليس كل كناية مضمرًا. وإنّما صارت المضمرات مَعارِفَ؛ لأنّك لا تُضْمِر الاسم إلَّا وقد علم السامعُ على مَن يعود، فلا تقول: "ضربتُه"، ولا "مررت به" حتى يعرفه، ويدري مَن هو. ومن ذلك الأسماء المُبْهَمة، وهي ضربان: أسماء الإشارة، والموصولاتُ، فأمّا أسماء الإشارة، فنحو "ذَا"، و"ذِهْ"، و"ذَانِ"، و"تَانِ"، و"أولاء". ومعنى الإشارة الإيماء إلى حاضرٍ، فإن كان قريبًا، نبّهتَ عليه بها نحو "هذا"، و"هَاتَا"؛ وإن كان بعيدًا، ألحقته كافَ الخطاب في آخره، نحو: "ذَاك" للفرق بينهما. ومعنى التعريف فيه أن يختصّ واحدًا ليعرفه المخاطبُ بحاسّة البَصَر، وغيرُه من المعارف يختصّ واحدًا ليعرفه بالقلب. ومن الفرق بين المضمر والمبهم، أنّ المضمر في الغائب يبيَّن بما قبله، وهو المظهر الذي يعود عليه المضمرُ، نحو قولك: "زيدٌ مررتُ به"، والمبهمُ الذي هو اسم الإشارة يُفسَّر بما بعده، وهو اسمُ الجنس كقولك: "هذا الرجل والثوب" ونحوه. وقد مضى الكلام على أسماء الإشارة بما فيه مَقنعٌ. والمعنيُّ بالإبهام وقوعُها على كلّ شيء من حَيَوان وجَماد وغيرِهما، ولا تختص مسمّى دون مسمّى، هذا معنى الإبهام فيها، لا أن المراد به التنكير، ألا ترى أنّ هذه الأسماء معارفُ لِما ذكرناه فيها. والقسم الثاني من المبهمات - وهو الاسم الموصول كـ"الَّذِي"، و"الَّتِي"، و"مَنْ"، و"ما"، وتقدّم الكلام عليها. وكلُّها معارفُ بصلاتها، فبَيانُها بما بعدها أيضًا، إلَّا أنّ أسماء الإشارة تُبيَّن باسم الجنس، والموصولات تبين بالجمل بعدها. والذي يدلّ أنّها معارف أنّه يمتنع دخولُ علامة النكرة عليها، وهي "رُبَّ"، وتُوصَف بالمعارف، نحو

стр. 1231

قولك: "جاءني الذي عندك العاقلُ". وتقع أيضًا وصفًا للمعارف، نحو: "جاءني الرجل الذي عندك". وكلُّها مبهمة؛ لأنّها لا تخصّ مسمّى دون مسمّى، كما كانت أسماء الإشارة كذلك. وأمّا الداخل عليه الألف واللام، فنحو: "الرجل"، و"الغلام"، إذا أردتَ واحدًا بعينه معهودًا بينك وبين المخاطب، كقول القائل: "لقيتُ رجلًا"، فيقول المخاطب: "وما فعل الرجلُ؟ " أي: المعهود بيني وبينك في الذِّكْر، أو تكون معه في حديثِ رجل، ثمّ يأتي ذلك الرجلُ، فتقول: "وَافَى الرجلُ"، أي: الذي كنّا في حديثه وذِكْرِه وافى. فلا بدّ في تعريف العَهْد من ثلاثةٍ: المذكور، والمتكلّمِ، والمخاطبِ. وتكون اللام لتعريف الجنس، كقولك: "الدينارُ خيرٌ من الدرهم"، و"الرجلُ خيرٌ من المرأة" ولا تعني بقولك: "الدينار"، و"الرجل" شخصًا مخصوصًا تُفضِّله، وإنّما تريد الجنس أجمعَ، ويكشِف عن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١)، فالإنسان هنا عامٌّ يراد به جميعُ الآدمّين، بدليل استثناء الجمع منه؛ لأنّه إنّما يُستثنى الأقلُّ من الأكثر، ومحالٌ استثناء الأكثر من الأقلّ. وللألف واللام أقسامٌ تُذكَر في موضعها من الكتاب، إن شاء الله تعالى. ومن الفرق بين تعريف العهد، وتعريف الجنس أنّ العهد لا بدّ فيه من تقديمِ مذكورٍ، ولذلك يحسن أن يقع موقعَه المضمرُ فتقول: "جاءني رجلٌ"، و"فعل الرجلُ" وإن شئتَ قلت: "وفعل" على إضماره لتقدُّم ذكره، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٢)، لو كان كلامًا، لجاز أن يقال: "مَعَهُ" وليس كذلك الجنس، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وأعرفها المضمر، ثم العلم، ثم المبهم، ثم الداخل عليه حرف التعريف, وأما المضاف فيعتبر أمره بما يضاف إليه. واعرف أنواع المضمر ضمير المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب. * * * قال الشارح: اعلم أنّ المعارف، وإن اشتركت في أصل التعريف، فهي تَتفاوَت في ذلك، فبعضُها أعرفُ. فكلَّما كان الاسم أخصَّ، كان أعرفَ. وقد انقسموا في القول بأعرف المعارف بحسب انقسام المعارف، فقال قومٌ: أعرفُ المعارف المضمر، ثمّ الاسم العَلَم، ثمّ المبهم، ثم ما فيه الألف واللام. واحتجّوا بأنّ المضمر لا اشتراكَ فيه لتعيُّنه بما

стр. 1232

يعود إليه، ولذلك لا يوصَف، ولا يوصَف به، وليس كذلك العَلَمُ، فإنّه يقع فيه الاشتراكُ، ويُميَّز بالصفة. وذهب آخرون إلى أنّ الاسم العلم أعرفُ المعارف، ثمّ المضمر، ثمّ المبهم، ثمّ ما عُرّف بالألف واللام، وهو مذهب الكوفيين (١)، وإليه ذهب أبو سَعِيد السِّيرافيّ. واحتجّوا بأنّ العلم لا اشتراك فيه في أصل الوَضْع، وإنّما تقع الشِّرْكة عارضةً، فلا أَثَرَ لها. قالوا: والمضمر يصلح لكل مذكور، فلا يخصّ شيئًا بعينه، وقد يكون المذكور قبله نكرةً، فيكون نكرةً أيضًا على حسبِ ما يرجع إليه، ولذلك تدخل عليه "رُبَّ" من قولهم: "رُبَّهُ رجلاً". وذهب قوم إلى أنّ المبهم أعرف المعارف، ثمّ المضمر، ثمّ العلم، ثمّ ما فيه الألف واللام، وهو رأيُ أبي بكر بن السَّرّاج، واحتجّ بأنّ اسم الإشارة يتعرّف بشيئين: بالعين، والقلب، وغيرُه يتعرّف بالقلب لا غيرُ. وهو ضعيف؛ لأنّ التعريف أمرٌ راجِعٌ إلى المخاطب دون المتكلّم، وما ذكره يرجع إلى معرفة المتكلّم، وأمّا المخاطبُ، فلا عِلْمَ له بما في نفس المتكلّم. والمذهب الأوّل، وعليه الأكثرُ، وهو مذهب سيبويه لِما ذكرناه؛ وأمّا قولهم: إنّه قد يعود إلى نكرةً، فيكون نكرةٍ، فنقول: لا نُسلِّم أنّه يكون نكرةً؛ لأنّا نعلم قَطعًا مَن عُني بالضمير؛ وأمّا دخولُ "رُبَّ" عليه في "رُبَّهُ"، فهو شاذّ مع أنّه يُفسَّر بما بعده، فصار بمنزلة النكرة المتقدّمة، والأسماء الأعلام أعرفُ من أسماء الإشارة؛ لأنّ الأعلام تُوصف، ولا يُوصَف بها، وذلك دليلٌ على ضُعْف التعريف فيها، ولذلك قلنا بانحطاط تعريفها عن المضمرات. وأسماء الإشارة توصَف، ويوصَف بها، والصفةُ لا تكون أخصّ من الموصوف. وجوازُ الوصف بالاسم، ووَصُفه مُؤْذِن بوَهْن تعريفه وضُعْفه، ألا ترى أنّك إذا قلت: "زيدٌ الطويلُ"، فـ "الطويل" أعمُّ من "زيد" وحدَه؛ لأنّ الطويل كثيرٌ، وزيدٌ أخصُّ من "الطويل". وأسماء الإشارة أعرفُ ممّا فيه الألف واللام لِما ذكرناه، فالألف واللام أبهمُ المعارف وأقربُها من النكرات، ولذلك قد نُعِتَتْ بالنكرة كقولك: "إنّي لأمرُّ بالرجل غيرِك، فيَنْفَعُني، وبالرجل مِثْلِك، فيُعْطِيني"؛ لأنّك لا تقصد رجلاً بعينه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)، جعل "غَيْرًا" نعتًا لـ"الَّذِينَ"، وهي في مذهب الألف واللام التي لم يُقصَد بها شيء بعينه. ويدلّ على ذلك أن من المعرَّف بالألف واللام ما يستوي في معناه ما فيه الألف واللام، وما لا

стр. 1233

لامَ فيه، نحو: "شربت ماءً والماء"، و"أكلتُ خُبْزًا والخبزَ"؛ ولذلك امتنع أن يُنعَت ما فيه الألفُ واللام بالمبهم. وأمّا المضاف، فيُعتبر أمره بما يضاف إليه، فحكمُ المضاف حكمُ المضاف إليه، فإذًا ما أضيف إلى المضمر أعرفُ ممّا أضيف إلى العلم، وما أضيف إلى العلم أعرف ممّا أضيف إلى المبهم، وما أضيف إلى المبهم أعرف ممّا أضيف إلى ما فيه الألفُ واللام. فعلى هذا لا تصف العلم بما أضيف إلى المضمر، فلا تقول: "مررت بزيدٍ أخيك" على الوصف، ويجوز على البدل، ولا تصف المبهم بما أضيف إلى مضمرٍ أو عَلَمٍ، فلا تقول: "مررتُ بهذا أخيك، أو صاحبِ عمرو" على النعت، ولا تصف ما فيه الألف واللام بما أضيف إلى غيره ممّا لا لامَ فيه. واعلم أنّ المضمرات، وإن كانت أعرفَ المعارف، إلّا أنّها تَتفاوَت أيضًا في التعريف، فبعضُها أعرفُ من بعض، فأعرفُها وأخصُّها ضميرُ المتكلّم، نحو: "أنَا"، والتاء في "فعلتُ"، والياء في "غلامِي"، و"ضَرَبَنِي"؛ لأنّه لا يُشارِك المتكلّمَ أحدٌ، فيدخلَ معه، فيكونَ ثَمّ لَبسٌ. ثمّ المخاطب، وإنّما قلنا: إِنّ المخاطب منحطّ في التعريف عن المتكلّم؛ لأنّه قد يكون بحَضْرته اثنان أو أكثرُ، فلا يُعلَم أيَّهم يخاطِب. ثم الغائب، وإنّما انحطّ ضميرُ الغائب عنهما؛ لأنّه قد يكون كناية عن معرفة وعن نكرة، حتى قال بعضُ النحويين: إِنّ كناية النكرة نكرةٌ، ولذلك أجازوا "رُبَّ رجلٍ وأَخيه". فهذا ترتيبُها في التعريف، فاعرفه. * * * [تعريف النكرة] قال صاحب الكتاب: والنكرة ما شاع في أمته كقولك: جاءني رجل وركبت فرساً. * * * قال الشارح: قد تقدّم أن النكرة أصلٌ للمعرفة ومتقدّمةٌ عليها، وهي كلُّ اسم يتناول مسمّيَيْن فصاعدًا على سبيل البدل، فهو نكرةٌ، وذلك نحو: "رَجُلٍ"، و"فَرَسٍ". ألا ترى أنّ "رجلاً" يصلح لكلّ ذَكَر من بني آدم، و"فرسٌ" يصلح لكلّ ذي أربعٍ صَهالٍ. وعلامتُها أن تحسن فيها "رُبَّ" واللامُ، نحو: "رُبَّ رجلٍ والرجلُ". وبعض النكرات أنكرُ من بعض، فما كان أكثرَ عُمومًا، كان أوغَلَ في التنكير، فعلى هذا "شَيْءٌ" أنكرُ من "جِسم"؛ لأنّ كلّ جسم شيءٌ؛ وليس كل شيء جسمًا، و"جِسمٌ" أنكرُ من "حَيَوانٍ"؛ لأنّ كلّ حيوان جسمٌ، ولَيس كلُّ جسم حيوانًا، و"حيوان" أنكرُ من إنسان، و"إنسانٌ" أنكر من "رجل" و"امرأة"، فاعرفْ ذلك.

стр. 1234

ومن أصناف الاسم المذكَّر والمؤنَّث فصل [تعريف المذكر والمؤنث] قال صاحب الكتاب: المذكر ما خلا عن العلامات الثلاث التاء والألف والياء، في نحو: غرفة وأرض (١) , وحبلى وحمراء وهذى, والمؤنث ما وجدت فيه إحداهن. * * * قال الشارح: التذكير والتأنيث معنيان من المعاني، فلم يكن بدٌّ من دليل عليهما، ولمّا كان المذكّر أصلًا، والمؤنّث فرعًا عليه؛ لم يحتج المذكّرُ إلى علامة؛ لأنّه يُفهَم عند الإطلاق، إذ كان الأصلَ، ولمّا كان التأنيث ثانيًا، لم يكن بدّ من علامة تدلّ عليه، والدليلُ على أنّ المذكّر أصلٌ أمران: أحدُهما مَجيئُهم باسم مذكّر يعُمّ المذكّرَ والمؤنّثَ، وهو شَيْءٌ. الثاني أنّ المؤنّث يفتقر إلى علامة. ولو كان أصلًا، لم يفتقر إلى علامة، كالنكرة لمّا كانت أصلاً، لم تفتقر إلى علامة. والمعرفةُ لمّا كانت فرعًا، افتقرت إلى العلامة، ولذلك إذا انضمّ إلى التأنيث العَلَميّةُ، لم ينصرف، نحو: "زَيْنَبَ"، و"طَلْحَةَ"، وإذا انضمّ إلى النكرة، انصرف، نحو: "جَفْنَةٍ"، و"قَصْعَةٍ". فإذا قد صار المذكّرُ عبارةٌ عن ما خلا من علامات التأنيث، والمؤنّثُ ما كانت فيه علامةٌ من العلامات المذكورة. وعلامات التأنيث ثلاثةٌ: التاء، والألف، والياء. والكلامُ: أسماءٌ وأفعالٌ وحروفٌ، والذي يؤنَّث منها الأسماء دون الأفعال والحروفِ؛ وذلك من قبل أنّ الأسماء تدلّ على مسمّياتٍ تكون مذكّرةً ومؤنّثةً، فتدخل عليها علامةُ التأنيث أمارةً على ذلك، ولا يكون ذلك في الأفعال، ولا الحروف. أمّا الأفعال؛ فلأنّها موضوعةٌ للدلالة على نِسْبَةِ الحَدَث إلى فاعلها، أو مفعولها من نحو: "ضَرَبَ زيدٌ"، و"ضُرِبَ عمرو"، فدلالتُها على الحدث ليست من جهة اللفظ، وإنّما هي التزامٌ، فلمّا لم تكن في الحقيقة بإزاء مسمّيات؛ لم يدخلها

стр. 1235

التانيثُ. وأمرٌ آخرُ أنّ مدلولها الحَدَثُ، وهي مشتّقةٌ منه، والحدثُ جنسٌ مذكّرٌ، ولذلك قال سيبويه: لو سُمّيت امرأةٌ بـ "نِعْمَ"، و"بِئْسَ"، لانْصَرَفَا؛ لأنّ الأفعال مذكّرةٌ. فأمّا لَحاق العلامة بها من نحو: "قامت هندٌ"، و"قعدتْ سُعادُ"، فلتأنيث الفاعل لا لتأنيثها في نفسها، وهذا أحدُ ما يدلّ أنّ الفاعل كجُزء من الفعل، وذلك أنّ الأصل، إذا أريد تأنيثُ كلمة، أن يلحق عَلَمُ التأنيث تلك الكلمةَ، فأمّا لحاقُ العلامة بكلمة والمرادُ غيرها، فلا، فدلّ ذلك على أنّ الفعل والفاعل كجزء واحد. وأمّا الحروف؛ فلأنّها لا تدلّ على معنى تحتها، وإنّما تجيء لمعنى في الاسم والفعل؛ فهي لذلك في تقدير الجزء من الاسم والفعل، وجزء الشيء لا يؤنّث. وقد جاء منها ثلاثةُ أحرف، وهي "لا"، و"ثُمَّ"، و"رُبَّ"، على التشبيه بالفعل، إذ كانت تكون عاملةً. وعلامات التأنيث ثلاثةٌ على ما ذكر: التاء، والألف، والياء، وقد أضاف غيرُه الكسرة، في نحو: "فَعَلْتِ يا امرأةُ"، فصارت العلامات أربعةً. فأمّا التاء، فتكون علامةً للتأنيث تلحَق الفعلَ، والمراد تأنيثُ الفاعل على ما ذكرنا في نحو: "قامت هندٌ"، و"قعدت جُمْلُ". وهذه التاء إذا لحقتِ الأفعالَ، كانت ثابتةً لا تنقلب في الوقف، نحو: "قامتْ هندٌ"، و"هندٌ قامتْ". وإذا لحقت الاسمَ، نحو: "قائمة"، و"قاعدة"، أُبْدل منها الهاء في الوقف، فتقول: "هذه قائمة، وقاعدهْ". وفي هذه التاء مذهبان: أحدُهما: وهو مذهبُ البصريين- أنّ التاء الأصلُ، والهاء بدلٌ منها، والثاني -وهو مذهب الكوفيين- أنّ الهاء هي الأصل. والحقُّ الأوّل، والدليلُ على ذلك أنّ الوصل ممّا تجري فيه الأشياء على أصولها، والوقف من مواضع التغيير. ألا ترى أنّ من قال في الوقف: "هذا بَكُرْ"، و"مررت ببَكِرْ"، فنقل الضمّة والكسرةَ إلى الكاف، فإنّه إذا وصل، عاد إلى الأصل من إسكان الكاف، وكذلك من قال في الوقف: "هذا خالِدٌ" فضاعف، فإنّه إذا وصل لا يفعل ذلك، بل يخفّف الدال، على أنّ من العرب من يُجْرِي الوقف مجرى الوصل، فيقول: "هذا طَلْحَتْ"، و"عليكم السلام والرحمتْ" وقال [من الرجز]: بل جَوْزِ تَيْهاءَ كَظَفرِ الحَجَفَتْ (١) وأنشد قُطْرُبٌ [من الرجز]: ٧٩٢ - الله نَجّاكَ بكَفَّي مُسْلِمَتْ ... من بَعْدِما وبَعْدِما وبَعْدِمَتْ صارت نُفوسُ القَوْمِ عندَ الغَلْصَمَتْ ... وكادتِ الحُرَّةُ أنّ تُدْعَى أَمَتْ

стр. 1236

وقد أجروها في الوصل على حدّ مجراها في الوقف. من ذلك ما حكاه سيبويه (١) من قولهم في العدد: "ثَلَاثهْ أَرْبَعَه"، وعلى هذا قالوا في الوصل: "سَبْسَبَّا" (٢)، وكَلْكَلاَّ" (٣). وهو قليل من قبيل الضرورة. فلمّا كان الوصل ممّا يجري فيه الأشياء على أصولها، وكان الوقفُ ممّا يتغيّر فيه الأشياء عن أصولها في غالب الأمر، ورأينا عَلَم التأنيث في الوصل تاء، وفي الوقف هاء، نحو: "ضاربه"، و"قائمه"؛ علمنا أنّ الهاء في الوقف بدلٌ من التاء في الوصل، وأنّ التاء هي الأصل. وأمّا الألف، فقد تكون للتأنيث، وذلك نحو الألف في "حُبْلَى"، و"سَكْرَى"،

стр. 1237

و"غَضْبَى"، و"جُمادَى"، و"حُبارَى"، فهذه كلّها وما يجري مجراها للتأنيث، يدلّ على ذلك أنّك لا تُنوِّنها في النكرة، قال الفرزدق [من الطويل]: ٧٩٣ - وأشلاءُ لَحْمٍ مِن حُبارَى يَصِيدُها ... لنا قانِصٌ من بَعْضِ ما يَتَخَطَّفُ والفرق بين تأنيث التاء في "قائمة"، و"قاعدة"، والتأنيث بالألف فيما ذكرنا أنّ التاء تدخل في غالب الأمر كالمنفصلة ممّا دخلت عليه؛ لأنّها تدخل على اسم تامّ الفائدة لإحداث معنى آخر، وهو التأنيث، فكانت كاسم ضُمّ إلى اسم آخر، نحو: "حَضْرَمَوْتَ"، و"بَعْلَبَكّ". ويدلّ على ذلك أمورٌ: منها: أنّك تفتح ما قبل التاء كما تفتح ما قبل الاسم الثاني من الاسمَيْن، فتقول: "قائمَةٌ"، و"طلحَةُ"، كما تقول: "حَضْرَمَوْتُ"، فتفتح ما قبل الآخر. ومنها أنّك إذا صغّرتَ ما في آخِره تاء التأنيث، فإِنّك تُصغِّر الصدر، ثم تأتي بالتاء، نحو: "طَلْحَةَ"، و"طُلَيْحَةَ"، و"تَمْرَةٍ"، و"تُمَيْرَةٍ"، كما تصغّر الصدر من الاسمين المركّبين، ثمّ تأتي بالآخر، نحو: "حُضَيْرَ مَوْتَ". وممّا يدل على انفصالها وأنّ الكلمة لم تُبْنَ عليها، أنّك تحذفها في التكسير، فتقول في تكسير "جَفْنَةٍ": "جِفانٌ"، وفي "قَصْعَةٍ": "قِصاعٌ". وليست الألف كذلك، بل تثبت في التكسير، فتقول في "حُبْلَى": "حَبالَى"، وفي "سَكْرَى": "سَكارَى"؛ لأن الكلمة بُنيت عليها بناء سائر حروفها، كما تقول في "جَعْفَرٍ": "جَعافِرُ"، وفي "زِبْرِجٍ": "زَبارجُ". فإن قيل: فما بالُكم تقولون في تكسير "قَرْقَرَى" (١)، و"جَحْجَبَى" (٢): "قَراقِرُ"، و"جَحاجِبُ"، بحذف الألف؟ قيل: لم يحذفوا الألف هنا على حدّ حذف التاء في

стр. 1238

"جِفانٍ"، و"قِصاعٍ"، وإنّما حذفوها لوقوعها خامسةً، كما يحذفون الخامسَ الأصلىَّ في "سَفَرْجَلٍ"، و"سَفارِجَ"، و"فَرَزْدَقٍ"، و"فَرازِدَ". فإن قيل الهمزة أيضًا في "حَمراءَ"، و"خَضْراءَ"، و"صَحْراءَ"، و"عَذْراءَ"، تفيد التأنيث، فما بالُكم لم تذكروها مع علامات التأنيث؟ قيل: الهمزة في الحقيقة ليست عَلَمًا للتأنيث، وإنّما هي بدلٌ من الألف في مثل "حُبْلَى"، و"سَكْرَى". وإنّما وقعت بعد ألفٍ قبلها زائدةٍ للمدّ، فالتقى ألفان زائدتان، الأَولى المزيدةُ للمدّ، والثانيةُ للتأنيث، فلم يكن بدّ من حذف إحداهما أو تحريكها. فلم يجز الحذفُ في واحدة منهما، أمّا الأولى؛ فلو حُذفت، لذهب المدُّ، وقد بُنيت الكلمة ممدودةً، وأمّا الثانية، فلو حُذفت، لزال علمُ التأنيث، وهو أفحشُ من الأوّل. فلمّا امتنع حذفُ إحداهما، ولم يجز اجتماعُهما لسكونهما، تَعيَّن تحريكُ إحداهما، فلم يكن تحريكُ الأولى؛ لأنّها لو حُرّكت، لفارقت المدَّ، والكلمةُ مبنيّةٌ على المدّ، فوجب تحريكُ الثانية. ولمّا حُرّكت، انقلبت همزةً؛ فقيل: "صَحْراء"، و"حَمْراء". فثبت بما ذكرنا أن الهمزة بدلٌ من ألف التأنيث. فإن قيل: ولِمَ قلت: إنّ الهمزة بدلٌ من ألف التأنيث؟ وهلّا قلت: إنّها أصلٌ في التأنيث كالتاء والألف. قيل عنه جوابان: أحدهما أنّا لم نَرَهم أنّثوا بالهمزة في غير هذا الموضع، وإنّما يؤنّثون بالتاء والألف في نحو: "حَمْزَةَ"، و"حُبْلَى"، فكان حملُ الهمزة في "صحراء" وبابه على أنّها بدلٌ من ألف التأنيث أوْلى، وقد تقدّم نحو من ذلك. الثاني أنّا قد رأيناهم لمّا جمعوا شيئًا ممّا في آخره همزةُ التأنيث، أبدلوها في الجمع ياءً، ولم يُحقِّقوها، وذلك قولهم في جمع "صَحْراءَ"، و"خَبْراءَ": "صَحارِيُّ"، و"خَبارِيُّ". ولو كانت أصلًا غيرَ منقلبة، لجاءت ظاهرةً، نحو قولهم في "قُرّاءٍ": "قَرارِىءُ" وفي "كوكب دُرِّيءٍ": "درارِيءُ"، فظهرت الهمزةُ ها هنا حيث كانت أصلًا؛ لأنّه من "قَرَأْتُ"، و"دَرَأْتُ". فأمّا قول بعض النحويين: أَلِفَي التأنيث، فتقريبٌ وتجوّزٌ. والحقُّ ما ذكرناه، وذلك أنّهما لمّا اصطحبتا، وبُنيت الكلمة عليهما، أطلقوا على ألف المدّ ألفَ التأنيث، فقالوا: ألفَا التأنيث. وأمّا الياء، فقد تكون علامةً للتأنيث في نحو: "اضْرِبِي"، و"تَضْرِبِينَ"، ونحوهما، فإنّ الياء فيهما عند سيبويه ضميرُ الفاعل، وتفيد التأنيث، كما أن الواو في "اضْرِبُوا"، و"يَضْرِبُونَ" ضميرُ الفاعل، وتفيد التذكيرَ. وهي عند الأخفش وكثيرٍ من النحويين حرفٌ دالّ على التأنيث بمنزلة التاء في "قامَتْ"، والفاعل ضميرٌ مستكنّ، كما كان كذلك مع المذكّر في "اضْرِبْ"؛ فأمّا الياء في "هَذِي"، فليست علامةً للتأنيث كما ظنّ، وإنّما هي عينُ الكلمة، والتأنيث مستفاد من نفس الصيغة. وعلى قياس مذهب الكوفيين تكون الياء للتأنيث؛ لأنّ الاسم عندهم الذال وحدها، والألفُ من "ذَا" مزيدةٌ، وكذلك الياء مزيدة للتأنيث، فالمؤنّث ما وُجد فيه إحدى هذه العلامات.

стр. 1239

[المؤنث الحقيقي والمؤنث المجازي] قال صاحب الكتاب: والتأنيث على ضربين: حقيقي كتأنيث المرأة أوالناقة, ونحوهما مما بازائه ذكر في الحيوان، وغير حقيقي كتأنيث الظلمة والنعل ونحوهما مما يتعلق بالوضع والاصطلاح. والحقيقي أقوى، ولذلك امتنع في حال السعة (١) "جاء هندٌ"، وجاز "طلع الشمس"، وإن كان المختار "طلعت". فإن وقع فصل استجيز نحو قولهم: "حضر القاضي امرأة", قال جرير [من الوافر]: ٧٩٤ - لقد ولد الأخيطل أم سوء ... [علي باب استها صلب وشام] وليس بالوسع, وقد رده المبرد، واستحسن نحو قوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة﴾ (٢) , ﴿ولو كان بهم خصاصة﴾ (٣). * * * قال الشارح: اعلم أنّ المؤنّث على ضربَيْن كما ذكر: حقيقيٌّ. وغيرُ حقيقىّ، فالمؤنّث الحقيقيُّ التأنيثِ، والمذكّرُ الحقيقيُّ التذكيرِ معلومان؛ لأنّهما محسوسان، وذلك ما كان للمذكر منه فَرْجٌ خلافُ فَرْجِ الأُنثى، كالرَّجُل والمرأة، وإن شئت أن تقول: ما كان بإزائه ذَكَرٌ في الحَيَوان، نحو: "امرأة"، و"رجل"، و"ناقة"، و"جَمَل"، و"أتان"، و"عَيْر"، و"رِخْل"، و"حَمَل" وذلك يكون خِلْقة الله تعالى. وغيرُ الحقيقي أمرٌ راجعٌ إلى اللفظ بأن تُقْرَن به علامةُ التأنيث من غير أن يكون تحته معنى، نحو: "البُشْرَى"،

стр. 1240

و"الذِّكرَى" و"صَحْراءَ"، و"عَذراءَ"، و"غُرْفَةٍ"، و"ظُلْمَةٍ". وذلك يكون بالاصطلاح ووَضْع الواضع، فـ "البشرى"، و"الذكرى"، مؤنّثان بأن دخل عليهما ألفُ التأنيث المقصورةُ. و"صحراء"، و"عذراء"، ونحوهما مؤنثان بالألف الممدودة، و"غرفة"، و"ظلمة"، مؤنّثان بالتاء، و"نَعْلٌ"، و"قِدْرٌ ونحوهما من مثل "شَمسٍ" و"فَرَسٍ"، و"هِنْدٍ"، و"جُمْل"، علامةُ التأنيث فيها مقدّرةٌ، يدل على ذلك ظهورُها في التّصغير، نحو: "نُعَيْلَةٍ"، و"قُدَيْرَةٍ". واعلم أنّ التأنيث الحقيقىّ أقوى من التأنيث اللفظيّ؛ لأنّ المؤنّث الحقيقيّ يكون تأنيثُه من جهة اللفظ والمعنى من حيث كان مدلولُه مؤنّثًا. وغيرُ الحقيقيّ شيء يختصّ باللفظ من غيرِ أن يدلّ على معنى مؤنّث تحته، فكان التأنيث المعنويّ أقوى لِما ذكرناه. ويلزم فعلَه علامةُ التأنيث في نحو: "قامت المرأة"، و"ذهبت الجاريةُ"، فتلحَق التاء الفعلَ للإيذان بأنّ فاعله مؤنّثٌ، كما تلحَقه علامةُ التثنية والجمع في نحو: "قاما أخواك"، و"قاموا إخوَتُك" للإيذان بعَدَد الفاعلين. فإن قيل: الاختيار "قام أخواك"، و"قام إخْوَتُك"، فما بالُك توجب إلحاقَ العلامة في المؤنّث، نحو: "قامت هندٌ"؟ فالجواب: أنّ الفرق بينهما أنّ التأنيث معنى لازمٌ لا يصحّ انتقالُه عنه إلى غيره، وليس كذلك التثنية والجمع، فإنّهما غيرُ لازمَيْن، إذ الاثنان قد يُفارِق أحدُهما الآخرَ، فيصير واحدًا، ويزيدان، فيصيران جمعًا. وكذلك الجمع، قد ينقص فيصير تثنيةً، وليس التأنيث كذلك، فللزومِ معنى التأنيث؛ لزمت علامتُه، ولعدم لزوم معنى التثنية والجمع؛ لم تلزم علامتُهما. فإن فصل بينهما فاصلٌ من مفعول أو ظرف أو جارّ ومجرور، جارّ سقوطُ علم التأنيث، نحو قولهم: "حَضَرَ القاضِيَ اليومَ امرأةٌ"، لمّا فصل بالظرف والمفعول؛ حسن تركُ العلامة؛ لأن الفاصل سَدَّ مَسَدَّ علم التأنيث مع الاعتماد على دلالة الفاعل على التأنيث، فأمّا قول جَرِير [من الوافر]: لقد وَلَدَ الأُخَيْطِلَ أُمُّ سَوْءٍ ... على بابِ اسْتِها صُلْبٌ وشَامُ الشاهد فيه إسقاط علم التأنيث من الفعل مع كون تأنيث الفاعل حقيقيًا لوجود الفصل بالمفعول. يهجوه بذلك؛ و"الصُّلْبُ" جمع "صَلِيبٍ"، وأصله: "صُلُبٌ"، مثل: "كَثِيبٍ"، و"كُثُبٍ". وإنّما الإسكانُ لضرب من التخفيف. و"الشامُ" جمعُ "شَامَةٍ" يُعلِمه أنّه عارفٌ بذلك المكان منها، ومثلُه قول الآخر [من البسيط]: ٧٩٥ - إن امْرَأً غَرَّهُ مِنْكُنَّ واحدةٌ ... بَعْدي وبَعْدكِ في الدنيا لَمغْرُورُ

стр. 1241

لم يقل: "غَرَّتْهُ"؛ لمكان الفصل، ولو قاله، لكان أحسن. وفي الكَتاب العزيز: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (١). وقد ردّ أبو العبّاس إسقاطَ العلامة مع المؤنّث الحقيقيّ، ومنع منه، وإن كان بينهما فصلٌ، واحتجّ بأنّه قد يشترك الرجالُ والنساء في الأسماء. قال الشاعر [من الطويل]: ٧٩٦ - تَجاوَزْتُ هِنْدًا رَغْبَةً عن قِتالِهِ ... إلى مالِكٍ أَعْشو إلى ضَوْءِ نارِه فـ "هندٌ" هنا اسمُ رجل. وقال الآخر [من الرجز]: ٧٩٧ - يا جَعفَرٌ يا جَعْفَرٌ يا جَعفَرُ ... إنْ أَكُ دَحْداحًا فَأَنْتِ أَقْصَرُ

стр. 1242

و"جعفرٌ" هنا اسم امرأة، والسماعُ بخلافِ ما ذهب إليه، فهو تعليلٌ في مُقابَلةِ النصّ، فأمّا إذا سُمّي بمذكّرٍ كامرأةٍ تسمّى بـ "زَيدٍ"، أو "قاسِمٍ"، لزم إلحاقُ العلامة سواءٌ في ذلك الفصلُ وعدمُه، نحو: "قالت زيدٌ"، و"أقبلتِ اليومَ قاسمٌ". ولا يجوز حذفُ التاء منه؛ لئلاّ يُلْبِس بالمذكّر؛ لأنّ الفاعل لا دلالةَ فيه على التأنيث، إذ لا علامةَ فيه للتأنيث، ولا هو غالبٌ في المؤنّث، نحو: "زَينَبَ"، و"سُعادَ". فإن كان المؤنّث غيرَ حقيقي بأن يكون من غير حَيَوان، نحو: "النَّعْل"، و"القِدْر"، و"الدار"، و"السُّوق"، ونحو ذلك، فإنّك إذا أسندتَ الفعل إلى شيء من ذلك، كنت مخيَّرًا في إلحاق العلامة وتَرْكِها، وإن لَاصَقَ، نحو: "انقطع النعلُ"، و"انقطعت النعل"، و"انكسرت القِدْرُ"، و"انكسر القدر"، و"عَمِرَت الدار"، و"عمر الدار"؛ لأنّ التأنيث لمّا لم يكن حقيقيًّا، ضعُف، ولم يُعيَّن بالدلالة عليه مع أنّ المذكّر هو الأصل، فجاز الرجوعُ إليه. وإثبات العلامة فيه أحسنُ من سقوطها مع الحقيقيّ. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١) ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢) ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ (٣) وإثباتُ التاء أحسنُ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤). [وجوب تأنيث الفعل إذا أسند إلي ضمير المؤنث] قال صاحب الكتاب: هذا إذا كان الفعل مسنداً إلى ظاهر الاسم، فإذا اسند إلى ضميره فإلحاق العلامة. وقوله [من المتقارب]: ٧٩٨ - [فلا مزنةٌ ودقت ودقها] ... ولا أرض أبقل إبقالها متأول. * * *

стр. 1243

قال الشارح: هذا حكم الفعل إذا أُسند إلى ظاهرِ مؤنّث، فإن أُسند إلى مضمر مؤنّث، نحو: "الدارُ انهدمتْ"، و"مَوْعِظةٌ جاءت"، لم يكن بدّ من إلحاق التاء، وذلك لأن الراجع ينبغي أن يكون على حسب ما يرجع إليه؛ لئلّا يُتوهّم أن الفعل مسندٌ إلى شيء من سببه، فيُنتظرَ ذلك الفاعلُ؛ فَلذلك لزم إلحاقُ العلامة لقَطْعِ هذا التوهُّم، كما اضطُرّوا إلى علامة الفاعل إذا أُسند إلى ضمير تثنية أو جمع، نحو: "الزيدان قاما"، و"الزيدون قاموا"، للإيذان بأنّ الفعل للاسم المتقدّم لا لغيره، فيُنتظرَ. وسواءٌ في ذلك الحقيقيّ وغيرُ الحقيقيّ، فأمّا قوله [من المتقارب]: فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها ... ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقالَها فإنّ البيت لعامر بن جُوَين الطائيّ، والشاهد فيه حذف علامة التأنيث مع إسناد الفعل إلى ضمير المؤنّث. وذلك قليل قبيح، ومُجازُه على تأويلِ أنّ الأرض مكانٌ، فكأنّه قال: "ولا مكان أبقل إبقالها"، والمكانُ مذكّر، والمُزْنَة: القِطْعة من السحاب. والوَدْقُ: المطر. والإبقالُ: إنباتُ البَقْل، يقال: أبقل المكان، فهو باقلٌ، والقياس: مُبْقِلٌ، وكلُّ نابت اخضرّت به الأرضُ، فهو بقلٌ، ونحو ذلك قول الأعشى [من المتقارب]: ٧٩٩ - فإمّا تَرَيْنِي وَلِي لِمَّة ... فإن الحَوادِثَ أَوْدَى بها

стр. 1244

ولم يقل: "أَوْدَتْ"؛ لأنّ "الحوادث" بمعنى "الحدثان"، و"الحَدَثانُ" مذكر. والذي سوّغ ذلك أمران: كونُ تأنيثه غير حقيقيّ، والآخرُ أنّ فيه رَدًّا إلى الأصل، وهو التذكير، ولو قال: "إن زَيْنَبَ قَامَ"، لم يجز؛ لأنّ تأنيثَ هذا حقيقىٌّ، وأقبحُ من ذلك قول رُوَيْشِدٍ [من البسيط]: ٨٠٠ - يا أَيُّها الراكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ ... سائِل بني أَسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ

стр. 1245

فإنّه أنّث "الصوت"، وهو مذكّر، لأنّه مصدر كـ "الضرب" و"القتل"، كأنّه أراد الصَّيْحة والاستغاثة، وهذا من أقبح الضرورة، أعني تأنيث المذكّر؛ لأن المذكّر هو الأصل، ونظيرُه [من الوافر]: ٨٠١ - إذا بعضُ السِّنِينَ تَعَرَّقَتْنا ... كَفَى الأيْتامَ فَقْدَ أَبي اليَتِيمِ لأنّه أنّث "البعض"، وهو مذكّر، وهو أسهلُ ممّا قبله، لأنّ بعض السنين سنةٌ، وليس كذلك "الصوتُ"، فاعرفه. فصل [ثبوت تاء التأنيث وتقديرها] قال صاحب الكتاب: والتاء تثبت في اللفظ وتقدر, ولا تخلو من أن تقدر في اسم ثلاثي, كـ"عين", و"أذنٍ"، أو في رباعي كـ "عناقٍ" و"عقربٍ". ففي الثلاثي

стр. 1246

يظهر أمرها بشيئين: بالإسناد وبالتصغير، وفي الرباعي بالإسناد. * * * قال الشارح: اعلم أن المؤنّث على ضربين: مؤنّثٌ بعلامة، ومؤنّثٌ بغير علامة. والأصلُ في كلّ مؤنّث أن تلحقه علامةُ التأنيث للفرق بين المذكّر والمؤنّث، نحو: "قائم"، و"قائمة"، و"امْرىءٍ"، و"امرأةٍ"، وذلك لإزالة الاشتراك بين المؤنّث والمذكّر. وأمّا ما لا علامة فيه للتأنيث، فنحو: "هِنْدٍ"، و"عَناقٍ"، و"قِدْرٍ"، و"شَمسٍ"، ونحو ذلك، فإنّ التاء فيه مقدّرةٌ مرادةٌ. وإنّما حُذفت من اللفظ؛ للاستغناء عن العلامة باختصاص الاسم بالمؤنّث. والمؤنّث على ضربين: ثلاثيّ ورباعيّ. فالثلاثيُّ يُعلَم تقدير التاء فيه بشيئَيْن: بالتصغير وبالإسناد. وأمّا التصغير، فنحو قولك في "قِدْرٍ": "قُدَيْرَةٌ"، وفي "شَمْسٍ": "شُمَيْسَةْ"، وفي "هِنْدٍ": "هُنَيْدَةُ"، فيُرَدٌ إلى الأصل في التصغير، فتلحقه العلامة، لتَبْنِيَ تصريفَه على أصله، كما تقول في "بابٍ": "بُوَيْبٌ"، وفي "نابٍ": "نُيَيْبٌ". وأمّا الإسناد، فكقولك: "طلعت الشمسُ"، و"انكسرت القِدْرُ"، وحاصلُ هذا السَّماعُ. فأمّا إذا كان الاسم رباعيًّا، نحو: "عَقْرَب"، و"عَناقٍ"، و"سُعادَ"، و"زَيْنَبَ"، فإنّ التاء لا تظهر في مصغَّره، نحو قولك: "عُقَيْرِبٌ"، و"عُنَيِّقٌ"، و"سُعَيِّدُ"، و"زُيَيْنِبُ". وإنّما فعلوا ذلك، ولم يُلْحقوها الهاء كما ألحقوها الثلاثيَّ، وذلك أنّهم شبّهوا باء "عَقْرَبٍ"، وقاف "عَناقٍ"، ودال "سُعادَ"، وإن كنّ لاماتٍ أصولًا، بهاء التأنيث في "طلحة"، و"حمزة"، إذ كانت هذه الأسماءُ مؤنّثة، وكانت الباء والقاف والدال متجاوزةً للثلاثة التي هي أوّلُ الأصول، كتجاوُز الهاء في "طلحة" و"حمزة" الثلاثةَ. فكما أنّ هاء التأنيث لا تدخل عليها هاءٌ أخرى، كذلك منعوا الباء من "عقرب" ونحوِها أن يقولوا: "عُقَيْرِبَةٌ"، كما امتنعوا أن يقولوا في "حمزة": "حُمَيْزَتَةُ"، فيُدْخِلوا تأنيثًا على تأنيث. وإذا لم تظهر التاء في مصغّره لِما ذكرناه، عُلم تأنيثُه بالإسناد، نحو: "لسعتِ العقربُ"، و"رَضِعَتِ العَناقُ"، و"أقبلت سُعادُ". وقد يُعْلَم التأنيث بالصفة من نحو: "هذه عقربٌ مُؤذيَة"، و"عناقٌ رَضِيعَةٌ"، و"سعادُ الحسنةُ"، وقد يعلم أيضًا بتأنيث الخبر، من نحوِ: "العقربُ مؤذية" و"العناقُ رضيعةٌ"، و"سعادُ حسنةٌ"، فاعرفه. فصل [وجوه دخول تاء التأنيث علي الكلمة] قال صاحب الكتاب: ودخولها على وجوه: للفرق بين المذكر والمؤنث في الصفة كضاربة ومضروبة وجميلة، وهو الكثير الشائع, وللفرق بينهما في الاسم كامرأة وشيخة وإنسانة وغلامة ورجلة وحمارة وأسدة وبرذونة,

стр. 1247

وهو قليل, وللفرق بين اسم الجنس والواحد منه، كتمرة وشعيرة وضربة وقتلة. وللمبالغة في الوصف, كعلامة ونسابة وراوية وفروقة وملولة. ولتأكيد التأنيث كناقة ونعجة. ولتأكيد معنى الجمع, كحجارة وذكارة وصقورة وخؤولة وصياقلة وقشاعمة. وللدلالة على النسب كالمهالبة والأشاعثة، وللدلالة على التعريب, كموازجة وجواربة. وللتعويض كفرازنة وجحاجحة. ويجمع هذه الأوجه إنها تدخل للتأنيث وشبه التأنيث. * * * قال الشارح: هذا الفصل يشتمل على أقسام تاء التأنيث وذِكْرِ مَظانّها، وهي تأتي في الكلام على عشرة أنواع: الأوّلُ: وهو أعمُّها أن تكون فرقًا بين المذكّر والمؤنّث في الصفات، نحو: "ضارِبٍ"، و"ضاربةٍ"، و"مضروب"، و"مضروبة"، و"مُفْطِر"، و"مفطرة". فجميعُ ما ذكرناه صفةٌ، وهو مأخوذ من الفعل، وما لم نذكره من الصفات فهذا حكمُه. الثاني: للفرق بين المذكّر والمؤنّث في الجنس، نحو: "امْرِىءٍ" و"امرأةٍ"، و"مَرْءٍ"، و"مَرْأَةٍ"، قال الله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (١)، وقال: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ (٢)، وقالوا: "شَيْخٌ"، و"شَيْخَةٌ". قال الشاعر [من الطويل]: ٨٠٢ - وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ... كَأَنْ لم تَرَي قبلي أَسِيرًا يَمانِيَا

стр. 1248

وقالوا: "غُلامٌ"، و"غلامةٌ". قال أَوْسٌ الهُجَيْميّ يصف فَرَسًا [من الوافر]: ٨٠٣ - بسَلْهَبَةٍ صَرِيحِيٍّ أَبُوها ... تُهانُ بها الغُلامةُ والغُلامُ وقالوا "رَجُلٌ"، و"رَجُلَةٌ". قال الشاعر [من المديد]: ٨٠٤ - مَزَّقُوا جَيْبَ فَتاتِهِمِ ... لم يُبالُوا حُرْمَةَ الرَّجُلَهْ وكانت عائشَةُ، ﵂، "رَجُلَةَ الرَّأْيِ"، حكاه أبو زيد. وقالوا: "حِمارٌ"، و"الأتَانُ": حِمارَةٌ، واشتقاقه من الحُمْرَة؛ لأنْ الَغالب على حُمُر الوحش الحُمْرَةُ،

стр. 1249

وقالوا: "أَسَدٌ"، و"اللَّبُؤَةُ": أَسَدَةٌ، حكاه أبو زيد. وقالوا: "بِرْذَوْنٌ" للدابّة، قال الكِسائيّ: الأُنثى بِرذَوْنَةٌ، وأنشد [من الطويل]: ٨٠٥ - أَرَيتَ إذا جالَتْ بك الخَيْلُ جَوْلَة ... وأَنْتَ على بِرْذَوْنَةٍ غيرِ طائِلِ وذلك قليل؛ لأنّ الأنثى لها اسمٌ تنفرد به، ومن ذلك دخولُها في العدد من نحو: "ثلاثة"، و"أربعة"، للفرق بين المذكّر والمؤنّث في الجنس، إلّا أنّه على نقيض تلك الطريقة؛ لِما ذكرناه في باب العدد. الثالث: أن تأتي للفرق بين الجنس والواحد، نحو: "تَمْرَةٍ" و"تَمْرٍ"، و"شَعِيرَةٍ"، و"شعير". وقد تقدّم القول إنّ بابه يكون في المخلوقات دون المصنوعات. ومن ذلك "ضَرْبَةٌ"، و"ضَرْبٌ"، و"قَتْلَةٌ"، و"قَتلٌ"؛ لأنّ الضرب جنسٌ يعُمّ القليلَ والكثيرَ، و"ضَرْبَةٌ" للمرّة الواحدة. ومن ذلك "بَطَّةٌ"، و"بَطٌّ"، و"حَمامةٌ"، و"حَمامٌ". وذكر أبو بكر بن السَّرّاج هذا القسمَ مُفرَدًا؛ لأنّه يقع في الحيوان للفرق بين الواحد والجمع. وهو داخلٌ في هذا الباب من هذه الجهة، وينفصل منه؛ لأنّه في الحيوان لا يراد له الفرقُ بين المذكّر والمؤنّث فى الجنس، كـ "مَرْءٍ"، و"مَرْأَةٍ". الرابعِ: أن تدخل للمبالغة في الصفة؛ مثلِ: "عَلّامَةٍ"، و"نَسّابَةٍ" للكثيرِ العِلْم والعالمِ بالأَنْساب، وقالوا: "راوِيَةٌ" للكثيرِ الرواية، يقال: "رجل راويةُ الشعْر"، ومن ذلك "بعيرٌ راويةٌ"، و"بَغْلٌ راويةٌ"، أي: يُكثَرُ الاستقاء عليه. ومنه "فَرُوقَةٌ"، يقال: "رجلٌ فَرُوقَةٌ" للكثير الفَرَق، وهو الخَوْف، وفي المَثَل "رُبَّ عَجَلَةٍ تَهَبُ رَيْثًا، ورُبَّ

стр. 1250

فَرُوقَةٍ يُدْعَى لَيثًا" (١). وقالوا: "مَلُولَةٌ" في معنى "المَلُول"، وهو الكثيرُ المَلَل. الخامس: أن تاتي لتأكيد التأنيث، وهو قليل، نحو: "ناقةٍ"، و"نَعْجَةٍ"، وذلك أنّ الناقة مؤنّثةً من جهة المعنى، لأنّها في مقابَلةِ "جَمَلٍ"، وكذلك "نعجةٌ" في مقابلة "كَبْشٍ"، فهو بمنزلة "عَناقٍ" و"أَتانٍ"، فلم يكن محتاجًا إلى عَلَم التأنيث، وصار دخولُ العَلَم على سبيل التأكيد؛ لأنّه كان حاصلاً قبل دخوله. السادس: أن تكون لتأكيد تأنيث الجمع؛ لأنّ التكسيرِ يُحْدِث في الاسم تأنيثًا، ولذلك يُؤنَّث فِعْلُه، نحو: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ (٢)، فدخلت لتأكيده، نحو: "حجارَةٍ"، و"ذِكارَةٍ"، و"صُقُورَةٍ"، و"خُؤُولَةٍ"، و"عُمُومَةٍ"، و"صَياقِلَةٍ"، و"قَشاعِمَةٍ". السابع: أن تدخل في معنى النَّسَب، مثلِ: "المَهالِبة"، و"الأشاعِثة"، و"المَسامِعة"، الأصلُ: "مُهَلَّبِيّ"، و"أَشْعَثِيّ"، و"مِسْمَعِيّ"، فلمّا لم يأتوا بياء النسب؛ أتوا بالتاء عوضًا منها، فأفادت النسبَ، كما كانت تُفيده الياء في "مهلَّبيّ"، ونحوه. الثامن: أن تدخل الأعجميّة للدلالة على التعريب، نحوَ: "جَوارِبَةٍ"، و"مَوازِجَةٍ"، لأن "الجَوْرَب" أعجميٌ، و"الموازجةُ" جمع "مَوْزَجٍ"، وهو كـ"الجورب"، وهو معرَّب، وأصلُه بالفارسيّة "مُوزَه". التاسع: إلحاقها للعوض في الجمع الذي على زنةِ "مَفاعِيلَ"، نحو: "فَرازِنَةٍ"، و"جَحاجِحَةٍ" في جمع "فِرْزانٍ" (٣)، و"جَحْجاحٍ" (٤)، وقياسُه: "فَرازِينُ" و"جَحاجِيحُ"، فلمّا حذفوا الياء، وليست ممّا يُحذف؛ عوّضوا التاء منها. العاشر: إلحاقها في مثل "طلحةَ"، و"حمزة"، وهو في الحقيقة من باب "تمرةٍ"، و"تمرٍ". الطَّلْحُ: شجرٌ، وحمزةٌ: بَقْلَةٌ، ثمّ سُمّي بها. قال أنَسٌ: "كَناني رسولُ الله ﷺ ببقلةٍ كنتُ أجتنيها" (٥)، وكان يُكْنَى أبا حَمْزَةَ، فإذا أتى من هذا شيءٌ، نُظر إلى أصله قبل النقل والتسمية، ليُعْلَم من أيّ الأقسام هو. قال: "ويجمع هذه الأنواعَ أنّها تدخل للتأنيث وشَبَهِ التأنيث"، يريد أنّ الأصل في إلحاق التاء للفرق بين المذكّر والمؤنّث الحقيقيّ، وإلحاقُها فيما عدا ذلك على جهة الشبه

стр. 1251

والتفريع على هذا الأصل. فمن ذلك إلحاقُها للفرق بين الواحد والجمع؛ فلأنّ الجمع لمّا كان اسمًا للجنس، كان أصلاً من هذا الوجه، ثمّ احتيج إلى إفراد الواحد من الجنس، فكان فَرْعًا على ذلك الأصل، فلحقَتْه العلامةُ بهذه العلّة. فجميعُ ما لحقته التاء، فهو تفريعٌ على أصلِ تأنيث، كتفريع المؤنّث على المذكّر، فاعرفه. فصل [مجيء تاء التأنيث منفصلة وغير منفصلة] قال صاحب الكتاب: والكثير فيها أن تجيء منفصلة, وقل أن يُبنى عليها الكلمة ومن ذلك عباية وعظاية وعلاوة وشقاوة. * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إنّ تاء التأنيث في حكم المنفصلة؛ لأنّها تدخل على اسم تامٌ، فتُحْدِث فيه التأنيثَ، نحوَ: "قائم"، و"قائمة"، و"امرىء"، و"امرأة"، فهي لذلك بمنزلةِ اسم ضُمّ إلى اسم. هذا هو الكثيرُ فيها، والغالبُ عليها، وقد دللنا على ذلك فيما تقدّم. وقد تأتي لازمةً كالألف، كأنّ الكلمة بُنيت على التأنيث، ولم يكن لها حظٌّ في التذكير، فهي كحرف من حروف الاسم صِيغَ عليه. فأمّا "عَبايَةٌ"، و"عَظايَةٌ"، و"صَلايَةٌ"، فإنّه قد ورد فيها الأمران: تصحيحُ الياء وقلبُها همزة. فأمّا التصحيح فيها، فإنّه لمّا بُنيت الكلمة على التأنيث، وتنزلت التاءُ فيها منزلةَ ما هو من نفس الكلمة، قويت الياء لبُعْدها عن الطرف ووقوعِها حَشوًا، فصحّت، ولم تُهْمَز، ومثلُ ذلك "قمَحْدُوَةٌ"، و"تَرْقُوَةٌ"، و"عَرْقُوَةٌ". فلولا بناء الكلمة على التأنيث، لوجب قلبُ الواو فيها ياءً، لوقوعها طرفًا في الحكم وانضمامِ ما قبلها. وأمّا من أَعَلَّ الياء وهَمَزَ؛ فإنّه بنى الواحدَ على الجمع. فلمّا كانوا يقولون في الجمع: "عَظاءٌ"، و"عَباءٌ"، و"صَلاءٌ"، فيلزمهم إعلالُ الياء لوقوعها طرفًا، فإذا أرادوا إفرادَ الواحد من الجنس، أدخلوا عليه تاء التأنيث، كما فعلوا في "تَمْر"، و"تَمْرة"، وقدّروها منفصلةً، فثبتت الهمزةُ لذلك بعد دخول التاء، كما كانت ثابتةً قبل دخولها. وأمّا "نِهايَةٌ"، و"غَباوةٌ"، و"شقاوةٌ" و"سقاية"؛ فاقتصروا فيها على التصحيح، لأنّها كِلَمٌ بُنيت على التأنيث، ولم يقدِّروها منفصلة، ألا ترى أنّهم لم يقولوا في الجمع: "نهاءٌ"، ولا "غباءٌ"، ولا "شقاءٌ"، فيلزمَ الإعلالُ كما لزم في "عباء"، و"عظاء"، وصار نظيرَ قولهم: "عقلتُه بثِنايَين" في أنّ الكلمة مبنيّةٌ على التثنية، ولذلك لم يهمزوا كما همزوا في "كِساءٍ"، و"رِداءٍ".

стр. 1252

فصل [مجيء تاء التأنيث للجمع] قال صاحب الكتاب: وقولهم: "جمالة" في جمع "جمال" بمعنى جماعة جمالة، وكذلك بغالة وحمارة وشاربة وواردة وسابلة, ومن ذلك البصرية والكوفية والمروانية والزبيرية، ومنه الحلوبة والقتوبة والركوبة. قال الله تعالى: ﴿فمنها ركوبهم﴾ (١) وقرئ: "ركوبتهم" (٢)؛ وأما "حلوبة" للواحد, و"حلوبٌ" للجمع, فكـ "تمرة" و"تمر". * * * قال الشارح: اعلم أنّ هذه الصفات فيها ضربٌ من النَّسَب، وإن لم يكن فيها ياء النسب، فقالوا لصاحب الجِمال: "جَمَّالٌ"، ولصاحب البِغال: "بَغّالٌ"، ولصاحب الحُمُر: "حَمّارٌ"، وهو الذي يعمل عليها ويُباشِرها، وإن لم يكن مالِكَها. وذلك كثيرٌ فيما كان صنعة تكثُر مُعالَجتُها، نحوَ: "صَرّافٍ"، و"عَوّاجٍ"، للذي يُكْثِر الصَّرْف وبَيْعَ العاج، لأن "فَعالاً" للتكثير، وصاحبُ الصنعة مُلازِمٌ لصنعتة مُداوِمٌ عليها؛ فجُعل له البناءُ الدالُّ على التكثير كـ "البَزّاز"، و"العَطّار"، فإذا أرادوا الجمع، ألحقوها التاء، فقالوا: "جَمّالة"، و"بغّالة"، و"حمّارة"، فأنّثوا لفظه على إرادة الجماعة؛ لأنّ الجماعة مؤنّثة، فكأنّهم قالوا: "جماعة جمّالة وبغّالة وحمّارة"، ومثلُه "شارِبة"، و"وارِدة"، و"سابِلة"، فالشارِبةُ: الجماعة على ضَفَّة النهر، ولهم ماؤُه، والواردةُ والسابلةُ: أبناء السبيل، والتأنيثُ على إرادة: الجماعة الشاربة والواردة والسابلة. وكذلك المنسوب قد يؤنَّث على إرادة الجماعة، كـ "البصريّة"، و"المَرْوانيّة"، في المنسوب إلى مَرْوانَ بن الحَكَم، و"الزُّبَيْريّة" في المنسوب إلى الزُّبَيْر، ومثلُه "الحَلُوبة"، و"القَتُوبة"، و"الركُوبة"، فإنّ الباب فيما كان على "فَعُولٍ" أن لا يُؤتَى فيه بعلامةِ تأنيث؛ لأنّه ليس بجارٍ على الفعل. ويستوي فيه الذّكَرُ والأُنثى، فيقال: "رجل صَبُورٌ"، و"امرأةٌ صبورٌ"، و"رجلٌ غدورٌ"، و"امرأةٌ غدور"، إلّا أنّهم قالوا: "رجل مَلُولَةٌ"، وهو الكثيرُ المَلَل، وهو السآمَة، و"امرأةٌ ملولةٌ"، وقالوا: "رجل فَرُوقَةٌ وامرأة فروقة" على معنى المبالغة، كما قالوا: "نَسّابة"، و"عَلّامة"، وقالوا: "حَمُولةٌ"، و"قتوبةٌ"، و"ركوبةٌ"، يريدون أنّها ممّا يُحْمَل عليها، وتُقْتَب، وتُرْكَب، فهي متّخَذةٌ لذلك، وإن لم يقع بها

стр. 1253

الفعلُ، فهي كـ "الذَّبِيحَة"، و"الضَّحِيَّة"، في أنّها مُعَدَّةٌ لذلك. وقال أبو الحسن: إنّما قالوا: "حمولةٌ" حيث أرادوا التكثير، كما قالوا: "نَسّابةٌ"، وَ"راوِيةٌ"، ودخلها معنى الجمع على إرادة الجماعة، فاعرفه. فصل [مذهب البصريين والكوفيين في نحو "حائض "] قال صاحب الكتاب: وللبصريين (١) في نحو: "حائض" و"طامث" وطالق مذهبان, فعند الخليل (٢) أنه على معنى النسب كـ "لابن" و"تامر"، كأنه قيل: "ذات حيض وذات طمث"، وعند سيبويه (٣) أنه متأول بإنسان أو شيء حائض كقولهم: "غلام ربعة ويفعة" على تأويل نفس وسلعة؛ وإنما يكون ذلك في الصفة الثابتة، فأما الحادثة فلا بد لها من علامة التأنيث، تقول: "حائضةٌ وطالقة الآن أو غدًا" ومذهب الكوفيين (٤) يبطله جري "الضامر" على الناقة والجمل، والعاشق على المرأة والرجل. * * * قال الشارح: اعلم أنّهم قالوا: "امرأة طالِقٌ، وحائِضٌ وطامِثٌ وقاعِدٌ" للآيسَة من الحَيْض، و"عاصفٌ"، في وصف الرِيح من قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ (٥)، فلم يأتوا فيه بالتاء وإن كان وصفًا للمؤنّث؛ وذلك لأنّه لم يجر على الفعل. وإنّما يلزم الفرقُ ما كان جاريًا على الفعل؛ لأنّ الفعل لا بدّ من تأنيثه إذا كان فيه ضميرُ مؤنّث حقيقيًّا كان أو غيرَ حقيقيّ، نحوَ: "هندٌ ذهبتْ"، و"مَوْعِظةٌ جاءتْ". فإذا جرى الاسم على الفعل، لزمه الفرقُ بين المذكّرِ والمؤنّث، كما كان كذلك في الفعل. وإذا لم يكن جاريًا على الفعل، كان بمنزلة المنسوب، فـ "حائضٌ" بمعنى: حائِضِىّ، أي: ذات حَيْضٍ، على حدّ قولهم: "رجلٌ دارعٌ"، أي: دِرْعِيٌّ بمعنى "صاحبِ دِرْع". ألا ترى أنّك لا تقول: "دَرعَ"، فتُجْريَه على "فَعِلَ". إنّما قولُك: "دارعٌ": أي: ذو دُرُوعٍ، و"طالقٌ"، أي: ذات طَلاقٍ، أي: أنّ الطلاق ثابتٌ فيها. ومثله قولهم: "مُرْضِعٌ"، أي: ذات رِضَاعٍ. ومنه قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (٦)، أي: ذات انفطارٍ.

стр. 1254

وليس ذلك على معنى "حَاضَتْ"، و"انْفَطَرَتْ"، إذ لو أريد ذلك، لأتوا بالتاء، وقالوا: "حائضةٌ غَدًا وطالِقَةٌ غدًا"؛ لأنّه شيءٌ لم يثبت، وإنّما هو إخبارٌ على طريق الفعل، كأنّك قلت: "تحيض غدًا، وتَطْلُق غدًا" ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ (٢) وقول الشاعر [من الطويل]: ٨٠٦ - رأيتُ ختونَ (٣) العامِ والعامُ قبلَهُ ... كحائِضَةٍ يَزْنِي بها غيرُ طاهِرِ وذلك كلّه يجري على الفعل على تقديرِ "حاضَتْ"، و"طلُقتْ"، هذا مذهب الخليل. وسيبويه يتأوّل على أنّه صفةُ شَيءٍ أو إنْسَانٍ، والشَّيْء مذكّرٌ، فكأنّهم قالوا: "شيءٌ حائضٌ"؛ لأنّ الشيء عامٌّ يقع على المذكّر والمؤنّث. واحتجّ الخليلُ بأنّه قد جاء فيما لا يختصّ بالمؤنّث، نحو: "جَمَلٍ بازلٍ"، و"ناقةٍ بازلٍ" ووجدناهم قد وصفوا بأشياء لا فِعْلَ لها، نحو: "دارعٍ"، و"نابلٍ"، ولا وجهَ له إلّا النسبُ، فحملوا عليه "حائضًا"، و"طالِقًا"، ونحوَهما، وكأنّ المعنى ساعَدَ عليه. وأمّا سيبويه، فاحتجّ بأنّه لمّا ورد ذلك فيما يشترِك فيه المذكّرُ والمؤنّث؛ كان الحمل على المعنى مَهْيَعًا مُعبَّدًا، نحو قوله [من السريع]: ٨٠٧ - قامَتْ تُبَكِّيهِ على قَبْرِهِ ... مَنْ لِيَ مِنْ بَعْدِكَ يا عامِرُ تَرَكْتَنِي في الدار ذَا غُرْبَةٍ ... قد ذَلَّ مَن ليس له ناصِرُ

стр. 1255

ولم يقل: "ذات غربة"، كأنّه حمله على "إنسانٍ ذي غربة"؛ لأنّ المرأة إنسانٌ، فكذلك قالوا: "حائضٌ" على معنى: شَيْءٍ حائضٍ، لأنّ المرأة شيءٌ وإنسانٌ. واعلم أن "حائضًا"، و"طاهِرًا"، ونحوهما إذا سقط منها التاء على التأويل المذكور، فإنّه مذكرٌ، وليس ذلك من قبيل المؤنث المعنويّ من نحو: "نَعْلٍ"، و"سُوقٍ"، و"دارٍ"، اللاتى التاء مرادةٌ فيها، والذي يدلّ على ذلك أنّا لو سمّينا رجلاً بـ "حائض" أو "طاهر"، لصرفنا. ولو كان مؤنّثًا، لم ينصرف كما لو سمّينا بـ "سُعاد"، و"زَيْنَب"، وذلك نصٌّ من سيبويه (١). ويدلّ على تذكيره أيضًا أنّ التاء قد تدخله على الحدّ الذي وصفناه، وإنّما وُصف المؤنّث بالمذكّر على التأويل على حدّ وصف المذكّر بالمؤنّث، كقولهم: "رجلٌ رَبْعَةٌ، ونُكْحَةٌ، ولُعْنَةٌ، وهُزْأَةٌ". وذهب الكوفيون إلى أنّ سقوط التاء من هذه الأشياء؛ لأنّها معانٍ مخصوصٌ بها المؤنّث، فاستغني عن علامة التأنيث، إذ العلامةُ إنّما يُؤتَى بها عند الاشتراك في المعنى للفصل؛ فأمّا إذا لم يكن هناك اشتراك، فلا حاجةَ إلى علامة. ورأيتُ ابن السكِّيت قد عَلَّلَ بذلك في إصلاحه. وهو يَفْسُد من وجوهٍ:

стр. 1256

أحدُها: أنّ ذلك لم يطّرِد فيما كان مختصًّا بالمؤنّث، بل قد جاء أيضًا فيما يشترِك فيه الذكَرُ والأنثى، قالوا: "جملٌ بازلٌ"، و"ناقة بازل"، و"جمل ضامر"، و"ناقة ضامر". قال الأعشى [من السريع]: ٨٠٨ - عَهْدِي بها في الحَيّ قد سُرْبِلَت ... هَيْفَاءَ مِثلَ المُهْرَةِ الضامرِ فإسقاط العلامة ممّا يشترك فيه القبيلان دليلٌ على فَسادِ ما ذهبوا إليه، وإن كان أكثرُ الحذف إنّما وقع فيما يختصّ بالمؤنّث. الثاني: أنّه ينتقض ما ذهبوا إليه بقولهم: "مُرْضعَةٌ"، بإثبات التاء فيما يختصّ بالمؤنّث. الثالث: أنّ التاء مُلْحَقٌ مع فعل المؤنّث، نحو: "حاضت المرأةُ"، و"طلُقت الجاريةُ"، ولو كان اختصاصُه بالمؤنّث يكفي فارقًا، لم يفترق الحالُ بين الصفة والفعل، فاعرفه. فصل [ما يستوي فيه المذكر والمؤنث] قال صاحب الكتاب: ويستوي المذكر والمؤنث في فعول ومفعال ومفعيل وفعيل بمعنى مفعول ما جرى على الاسم. تقول: "هذه المرأة قتيل بني فلان", و"مررت بقتيلهم". وقد يشبه به ما هو بمعنى فاعل، قال الله تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ (١). وقالوا: "ملحفةٌ جديد". * * * قال الشارح: اعلم أنّ هذه الأمثلة من الصفات يستوي في سقوط التاء منها المذكّر

стр. 1257

والمؤنّث، فيقال: "رجلٌ صَبُورٌ وشَكُورٌ" و"امرأةٌ صبورٌ وشكورٌ". وكذلك قالوا: "امرأةٌ مِعْطارٌ" للّتي تُكْثِر من استعمال الطيب، و"مِذْكارٌ" للّتي عادتُها أن تلد الذكورَ، و"مِئْناثٌ"، للّتي عادتُها أن تلد الإناثَ. وقالوا: "مِنْطِيقٌ" للبليغ، و"مِعْطِيرٌ"، بمعنى العَطّار. وقالوا: "امرأةٌ جَرِيحٌ"، و"قَتِيلٌ". فهذه الأسماءُ إذا جرت على موصوفها، لم يأتوا فيها بالهاء، وإذا لم يذكروا الموصوف، أثبتوا الهاء خَوْفَ اللبس، نحو: "رأيتُ صبورةً، ومعطارةً، وقتيلةَ بني فلانٍ"، فهذا معنى قوله: "ما جرى على اسم"، أي: ما تقدَّمها موصوفٌ. فأمّا "فَعُولٌ"، و"مِفْعالٌ"، و"مِفْعِيلٌ"، فأمثلةٌ معدولٌ بها عن اسم الفاعل للمبالغة، ولم تَجْرِ على الفعل، فجرت مجرى المنسوب، نحو: "دارع"، و"نابلٍ"، فلم يُدْخِلوا فيها الهاء لذلك. وقد شذّ نحو: "مِعْزابَةِ" إذا كان يعزُب بإبله في المَرْعَى، فيُبْعِدها عن الناس لعِزّته وقُدْرته. ومثلُه "مِطْرابَةٌ" للكثير الطرَبِ، و"مِجْذامَةٌ" للسريع في قطع المَوَدّة. وأمّا "فَعِيلٌ" بمعنى "مَفْعولٍ"، فنحو: "كَفٍّ خَضِيبٍ"، و"عَيْنٍ كَحِيلٍ"، فإنّه أيضًا يستوي في حذف التاء منه المذكّرُ والمؤنَّثُ؛ وذلك لأنّه معدولٌ عن جهته، إذ المعنى كَفٌّ مخضوبةٌ بالحِنّاء، وعينٌ مكحولةٌ بالكُحْل، فلمّا عدلوا عن "مَفْعول" إلى "فَعيل"؛ لم يُثْبِتوا التاء ليفرقوا بينه وبين ما لم يكن بمعنى "مَفْعول"، من نحو: "كَرِيمَة"، و"جميلة". وقد شبّهوا "فعيلاً" التي بمعنى "فاعل" بالّتي بمعنى "مفعول"، فأسقطوا منها التاء. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، وهو بمعنى: مُقْتَرِبٍ، شبّهوه بـ "قَتِيلٍ" ونحوه. وقيل: إنّما أُسقطت منه التاء؛ لأنّ الرَّحْمَة والرُّحْم واحدٌ، فحملوا الخبر على المعنى، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ (٢). فأمّا قولهم: "مِلْحَفَةٌ جديدٌ"، فقال الكوفيون: هي "فَعيلٌ" بمعنى "مَفْعول"، أي: مجدودة، وهي المقطوعة عن المِنْوال عند الفَراغ من نَسْجها. وقال البصريون: هي بمعنى "فاعِلة"، أي: جَدَّتْ. يقال: "جَدَّ الشيء يجِدّ إذا صار جديدًا"، وهو ضدُّ الخَلَق، فسقوطُ الهاء عندهم شاذّ مشبَّهٌ بالمفعول. ومن ذلك "رِيحٌ خَرِيقٌ"، أي: شديدةُ الهُبوب، كأنّها تخرِق الأرض. قال الشاعر [من الوافر]: كأنّ هُبُوبَها خَفَقانُ رِيحٍ ... خَرِيقٍ بين أعْلامٍ طِوالِ (٣) ومنه "شاةٌ سَدِيسٌ"، أي: بلغت السنةَ السادسةَ. فصل [حكم الفعل المسند إلي الجمع في التذكير والتأنيث] قال صاحب الكتاب: وتأنيث الجمع ليس بحقيقي؛ ولذلك اتسع فيما أُسند إليه

стр. 1258

إلحاق العلامة وتركها, تقول: "فعل الرجال, والمسلماتُ والأيامُ" وفعلت. * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إنّ الجمع يُكْسِب الاسمَ تأنيثًا؛ لأنّه يصير في معنى الجماعة، وذلك التأنيثُ ليس بحقيقيّ؛ لأنّه تأنيثُ الاسم لا تأنيثُ المعنى، فهو بمنزلة "الدار" و"النعْل" ونحوهما، فلذلك إذا أُسْند إليه فعلٌ، جاز في فعله التذكيرُ والتأنيثُ. فالتأنيث لِما ذكرناه من إرادة الجماعة، والتذكيرُ على إرادة الجمع، ولا اعتبارَ بتأنيث واحده أو تذكيرِه. ألا تراك تقول: "قامت الرجالُ"، و"قام النساء"، فتُؤنِّث فعلَ "الرجال" مع أنّ الواحد منه مذكّرٌ، وهو "رجلٌ"، وتُذكّر فعلَ "النساء" مع أنّ الواحد "امرأةٌ". قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ (١) ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ (٢). ولا فرق بين العُقلاء وغيرهم، فـ "الرجالُ" و"الأيّام" في ذلك سواءٌ؛ لأنّ التأنيث للاسم لا للمسمّى. والكوفيون يزعمون أنّ التذكير للكثرة، والتأنيث للقلّة. ويؤيّد عندك أنّ تأنيث الجمع ليس بحقيقي أنّك لو سمّيت رجلاً "كِلابًا"، أو "كِعابًا"، أو "فُلُوسًا"، أو "عُنُوقًا"، لصرفتَه. ولو كان تأنيثُه حقيقيًا، لكان حكمُه حكم "عقربٍ" إذا سُمّي به، و"سُعادَ" في الصرف. والجمع على ضربَيْن: مكسّرٌ وصحيحٌ. واعلم أنّ الجموع تختلف في ذلك، فما كان من الجمع مكسّرًا، فأنتَ مخيَّرٌ في تذكير فعله وتأنيثه، نحو: "قام الرجال"، و"قامت الرجال" من غيرِ ترجيح؛ لأنّ لفظ الواحد قد زال بالتكسير، وصارت المعاملةُ مع لفظ الجمع، فإن قدّرتَه بالجمع، ذكّرته، وإن قدّرتَه بالجماعة، أنّثته. قال الشاعر [من الكامل]: ٨٠٩ - أَخَذَ العَذارَى عِقْدَها فنَظَمْنَهُ ... [مِن لُؤلُؤٍ مُتَتابِعٍ مُتَسَرِّدِ]

стр. 1259

وقال الراجز: ٨١٠ - إذا الرِّجال وَلَدَتْ أَولادُها ... واضطَرَبَتْ مِن كِبَرِ أَعْضادُها وَجَعَلَت أَوْصابُها تَعْتادُها ... فَهْيَ زُرُوعٌ قد دَنَا حَصَادُها وما كان منه مجموعًا جمعَ السلامة، فما كان منه لمؤنّثٍ، نحو: "المسلمات" و"الهندات"، كان الوجه تأنيثَ الفعل، وإن كان الجمع للمذكّرين بالواو والنون؛ فالوجهُ تذكير الفعل فيه، نحو: "قام الزيدون". وإنّما كان الوجه فيما كان مؤنّثًا تأنيثَ الفعل، لرجَحان التأنيث فيه على التذكير. وذلك أنّ التأنيث فيه من وجهَيْن: من جهةِ أنّ الواحد مؤنّثٌ، وهو باقٍ على صيغته، وهو مع ذلك مقدّرٌ بالجماعة، والتذكيرُ من جهة واحدة، وهو تقديره بالجمع. وجمعُ المذكّر بالعكس، التذكيرُ فيه من جهتَين: من جهةِ أنّ الواحد

стр. 1260

باقٍ وهو مذكّر، والثاني أنّه مقدّرٌ بالجمع، وهو مذكّر، والتأنيثُ من جهة واحدة، وهو تقديره بالجماعة، فرجَحَ على التأنيث. وقد ذكّر بعضهم الأوّل وهو قليل قرأ حمزةُ والكسائيّ وابن عامرٍ ﴿قَبْلَ أَنْ يَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (١) بالياء. وقال الشاعر [من الطويل]: ٨١١ - وقام إلَيَّ العاذِلاتُ يَلُمْنَنِي ... يَقُلْنَ: أَلَا تَنْفَك تَرْحَلُ مَرْحَلا وقد أنّث بعضهم الثاني، وهو من قبيل الضرورة. قال الشاعر [من البسيط]: قالت بنو عامرٍ خالوا بني أَسَدٍ ... يا بُؤْسَ للحَرْب ضَرّارًا لأقوامِ (٢) فاعرفه. [حكم الفعل المسند إلي ضمير الجمع في التذكير والتأنيث] قال صاحب الكتاب: وأما ضميره فتقول في الاسناد إليه: "الرجال فعلت, وفعلوا"، و"المسلمات فعلت, وفعلن" وكذلك "الأيام" قال [من الكامل]: ٨١٢ - وإذا العذارى بالدخان تقنّعت ... واستعجلت نصب القدور فملَّتِ * * *

стр. 1261

قال الشارح: قوله: و"أمّا ضميره" يريد ضمير الجمع، فإذا أُسند فعلٌ إلى ضمير الجمع؛ فلا يخلو الجمعُ من أن يكون مكسّرًا، أو غيرَ مكسّر. فإن كان مكسّرًا وكان المذكّرُ ممّن يعقل، نحو: "الرجال" و"الغِلْمان"؛ كان لك فيه وجهان: أحدهما أن تُلْحِقه تاء التأنيث، نحو: "الرجالُ قامت"، فتُؤنِّثه، وتُفْرِده؛ لأنّه يرجع إلى تقدير الجماعة، وهي حقيقة واحدةٌ مؤنّثة. ويجوز أن يرجع إلى اللفظ، وهو جمعُ مذكّرٍ عاقلٍ، فتظهر علامة ضميره بالواو، نحو: "الرجالُ قاموا"؛ لأنّ الواو للمذكّرين ممّن يعقل؛ فأمّا قوله [من الطويل]: ٨١٣ - شَرِبْتُ بها والدِّيكُ يَدْعُو صَباحَه ... إذا ما بَنُوا نَعْشٍ دَنَوْا فتَصَوَّبُوا

стр. 1262

فإنّه كان ينبغي أن يقول: "دَنَتْ" على تقدير علامة الجماعة، أو: "دَنَوْنَ"؛ لأنّه جمعٌ لِما لا يعقل، إلّا أنّه أجراها مجرَى من يعقل إذ كان دَوْرُها يجري على تقديرٍ لا يختلف، وصار كقصد العاقل لشيءٍ يعلمُه، فلذلك جمعها بالواو والنون، فقال: "بنو نعش"، ولم يقل: "بنات نعش"؛ فإذًا عاد الضميرُ بالواو على حدّ جَمْعه إيّاه. ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ (١)، لمّا أخبر عنهنّ بالخطاب الذي يختصّ بمن يعقل؛ جمعها بالواو المختصّة بمن يعقل. وإن كان المكسّر لغير أولى العقل؛ نحو: "الأيّام"، و"الحُمُر"، فلك فيه وجهان: أحدهما: أن تُلْحِق الفعلَ التاء، فتقول: "الأيّامُ فعلتْ"، على تقدير جماعة الأيّام، وإن شئت، قلت: "فَعَلْنَ"؛ لأنّ الأيّام ممّا لا يعقل. فجمعُه وضميرُ جمعه كالمؤنّث، وإن كان مذكّرًا، نحو: "ثِيابُك مُزِقنَ"، و"جِمالُك أَقْبَلْنَ". قال الشاعر [من الطويل]: ٨١٤ - وإن تكنِ الأيّامُ فَرَّقْنَ بَيْنَنَا ... فَقَدْ بَانَ مَحْمُودًا (٢) أَخِي يَوْمَ وَدَّعَا

стр. 1263

والذي يؤيد عندك أنّ ما لا يعقل يجري عندهم مجرى المؤنّث أنّك إذا صغّرتَ نحو: "جمالٍ"، و"دراهم"؛ فإنّك تردّه إلى الواحد، ثمّ تجمعه بالألف والتاء كالمؤنّث، فتقول في تصغير "جمال"، و"دراهم": "جُمَيلاتٌ"، و"دُرَيْهِماتٌ". والمؤنّث السالم نحو: "الهندات"، تقول: "الهنداتُ قامت" على معنى الجماعة، و"قُمْنَ"، على اللفظ، وكذلك مكسّرُه، نحو: "الهُنُودُ قامت"، و"قمن" إن شئت. فأمّا قولُ الشاعر [من الكامل]: وإذا العذارى ... إلخ البيت لسُلْمَى بن رَبِيعَةَ الضَّبّيّ، والشاهد فيه قوله: "تقنّعت، ومَلَّتْ" حيث كان عائدًا إلى "العذارى"، و"العَذارَى" جمعُ "عَذْراءَ"، وهي البِكْر. يصف إكرامَ أهله الضُّيُوفَ، وأنّه لفرط إكرامهم تُباشِر الصَّبِيّاتُ الأبكارُ ما يباشره الإماءُ (١)، وأمّا الجمع المذكّر السالم، فمضمرُه بالواو، نحو: "الزيدون قاموا" لا غيرُ. * * * قال صاحب الكتاب: وعن أبي عثمان: العرب تقول: "الأجذاع انكسرن" لأدنى العدد, و"الجذوع انكسرت". ويقال: "لخمس خلون", و"لخمس عشرة خلت"، وما ذاك بضربة لازب. * * * قال الشارح: اعلم أنّ هذا الشيء قد استعملْته العربُ استحسانًا للفرق بين القليل والكثير، فيقولون: "الأجْذاع انكسرن"، و"الجذوع انكسرت"، فيؤنّثون الكثير بالتاء والقليل بالنون، ومنه قولهم في التأريخ: "لخمس خَلَوْنَ"، و"أربعٍ بَقِينَ"، و"لخمسَ عشرةَ خلتْ"، و"لثلاثَ عشرةَ بقيتْ". وقد قيل في تعليلِ ذلك أقوالٌ: أقربُها ما ذهب إليه الجُرْجانيّ، وهو أنّ التأنيث فيها لمعنى الجماعة، والكثرةُ أذهبُ في معنى الجمعيّة من القلّة، والتاء حرفٌ مختصٌّ

стр. 1264

بالتأنيث، فجُعلت علامة فيما كان أذهبَ في معنى الجمعيّة، والنونُ فيما هو أقلُّ حَظًّا في الجمعيّة؛ لأنّ النون لا ترد للتأنيث خصوصًا، وإنّما ترد على ذواتٍ صفتُها التأنيث. والذي عندي في ذلك أنّ بناء القلّة قد جرى عليه كثيرٌ من أحكام الواحد. من ذلك جوازُ تصغيرها على ألفاظها من نحو: "أُجَيْمالٍ"، و"أُثَيّابٍ". ومنها جوازُ وصف المفرد به من نحو: "بُرْمَةٍ أكْسارٍ"، و"ثَوْبٍ أَسْمالٍ". ومنها عود الضمير إليه مفردًا من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ (١). فلمّا غلبت على القلّة أحكامُ المفرد؛ عبّروا عنها في التأنيث بالنون المختصّة بالجمع، لئلّا يُتوهّم فيها الإفرادُ. وقوله: "وما ذاك بضَرْبةِ لازِبٍ" يريد: بأَمْرٍ ثابتٍ يلزمك أن تأتي به، بل أنتَ مخيَّرٌ إن أتيتَ به، فحَسَنٌ؛ وإن لم تأت به، فعربيٌّ جيّدٌ، وهو من قولهم: "لَزَبَ الشيء يَلْزُبُ لُزُوبًا" إذا ثبت، و"لازِبٌ" أفصحُ من "لازِمٍ". فصل [حكم صفة اسم الجمع في التذكير والتأنيث] قال صاحب الكتاب: ونحو "النخل" و"التمر" مما بينه وبين واحده التاء يذكر ويؤنث قال الله تعالى: ﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ (٢) وقال: ﴿منقعر﴾ (٣). ومؤنث هذا الباب لا يكون له مذكر من لفظه لالتباس الواحد بالجمع. وقال يونس: فإذا أرادوا ذلك؛ قالوا: "هذه شاةٌ ذكرٌ", و"حمامةٌ ذكرٌ". * * * قال الشارح: قد تقدّم أنّ هذا الضرب من الجمع ممّا يكون واحدُه على بنائه من لفظه، وتلحقه تاء التأنيث ليُبيَّن الواحد من الجمع، فإنّه يقع الاسمُ فيه للجنس كما يقع للواحد، فإذا وصفتَه، جاز في الصفة التذكيرُ على اللفظ؛ لأنّه جنسٌ مع الإفراد، والتأنيثُ على تأويل معنى الجماعة. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (٤) و ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ (٥). ويجوز جمع الصفة مكسَّرًا ومصحَّحًا، نحو قوله تعالى: ﴿السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ (٧). ويقع على الحيوان كما يقع على غيره من نحو: "حَمامةٍ"، و"حَمامٍ"، و"بَطَّةٍ"، و"بَطٍّ"، و"شاةٍ"، و"شاءٍ". ولا يُفْصَل بين مذكّره ومؤنّثه بالتاء؛ لأنّك لو قلت للمؤنّث: "حمامةٌ"، وللمذكّر: "حمامٌ"؛ لالتبس بالجمع، فتَجنَّبوه لذلك، واكتفوا بالصفة. فإذا

стр. 1265

أرادوا الذكر، قالوا: "حمامةٌ ذَكرٌ"، و"شاةٌ ذكرٌ"، وكذلك إذا أرادوا الأنثى؛ قالوا: "حمامةٌ أُنْثَى"، و"شاةٌ أنثى". حكى ذلك يونسُ، فاعرفه. فصل [الأبنية التي تلحقها ألف التأنيث المقصورة] قال صاحب الكتاب: والأبنية التي تلحقها ألف التأنيث المقصورة على ضربين: مختصةٌ بها, ومشتركةٌ. فمن المختصة "فُعلى", وهي تجيء على ضربين: إسماً وصفة. فالاسم على ضربين: غير مصدر كـ "البهمى", و"الحمى", و"الرؤيا", و"حزوى"، ومصدرٌ كـ "البشرى", و"الرجعى". والصفة نحو: "حُبلى", و"خُنثى", و"رُبى". * * * قال الشارح: لمّا فرغ من الكلام على المؤنّث بالتاء، انتقل إلى الكلام على المؤنّث بالألف. وألفُ التأنيث على ضربَيْن مقصورة وممدودة. ومعنى قولنا: "مقصورة" أن تكون مفردة ليس معها ألفٌ أخرى، فتُمَدَّ، إنّما هي ألف واحدة ساكنة في الوصل والوقف، فلا يدخلها شيء من الإعراب لا رفعٌ ولا نصبٌ ولا جرٌّ، كأنّها قُصرَتْ عن الإعراب كلّه؛ من القَصْر؛ وهو الحَبْس. والألفُ تُزاد آخِرًا على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون للتأنيث، والثاني: أن تكون مُلْحِقةً، والثالث: أن تكون لغير تأنيث، ولا إلحاقٍ، بل لتكثير (١) الكلمة وتَوْفِير لفظها. والفرقُ بين ألف التأنيث وغيرها أنّ ألف التأنيث لا تُنوَّن نكرةً، نحو: "حُبلَى"، و"دُنْيَا"، ويمتنع إدخال علم التأنيث عليها، فلا يقال: "حُبْلاةٌ"، ولا "دُنْياةٌ"؛ لئلّا يُجْمَع بين علامتَي تأنيث. والضربان الآخَران يدخلهما التنوينُ، ولا يمتنعان من علم التأنيث من نحو: "أَرْطى"، و"مِعْزى"، فـ "أَرْطى" ملحقٌ بـ "جَعْفَرٍ"، و"سَلْهَبٍ"، و"مِعْزى"، ملحق بـ "دِرْهَمٍ" و"هِجْرَعٍ". والذي يدلّ على ذلك أنّك تنوّنه، فتقول: "أرطَى" و"معزًى"، وتُدْخِلهَما تاء التأنيث للفرق بين الواحد والجمع من نحو: "أَرْطاةٍ". وأمّا الثالث فهو إلحاقُها لغير تأنيثٍ ولا إلحاقٍ، نحو: "قَبَعْثَرى"، و"كُمَّثْرى"، فهذه الألف ليست للتأنيث لأنّها منوّنة، ولا للإلحاق؛ لأنّه ليس لنا أصل "سُداسىٌّ"، فيُلْحَقَ "قبعثرى" به، فكان زائدًا لتكثير الكلمة. وأمّا الألف التي للتأنيث، فهي على ضربَيْن: ألف مفردة، وألف تُلحَق قبلها ألفٌ للمدّ، فتنقلب الآخرةُ منهما همزةً؛ لوقوعها طرفًا بعد ألف زائدة. فأمّا الألف المفردة، فإذا لحقت الاسم، لم تخل من أن تلحق بناءً مختصًّا بالتأنيث، أو بناءً مشتركًا للتأنيث
следующие страницы →