التأنيث، يجري مجرَى ما فيه تاءُ التأنيث، لاتفاقهما في الزيادة، وإفادة معنى التأنيث، فكما يجمع ما فيه التاءُ إذا أردت أدنى العدد، نحوُ: "ضاربة" و"ضاربات"، كذلك يجمع ما فيه ألفُ التأنيث، من نحو: "ذِفْرَى"، و"ذِفْرَيات"، و"حُبْلَى"، و"حُبْلَيات"، و"الصغْرَى"، و"الصغْرَيات"، و"صَحْراءَ"، و"صَحْراوات"، ما خلا بابَ "حَمْراءَ"، و"صَفْراءَ" فإنه لا يجمع بالألف والتاء، وكذلك "فَعْلَى" مؤنّثُ "فَعْلانَ"، فإنّه لا يجمع بالألف والتاء، ولا مذكّرُه بالواو والنون، وقد تقدمت علةُ ذلك.
[جمع الاسم الذي علي خمسة أحرف وآخره ألف التأنيث]
قال صاحب الكتاب: وإذا كانت الألف خامسة، جُمع بالتاء كقولك: "حُباريَاتٌ"،
و"سُمانَيات".
* * *
قال الشارح: إذا كانت ألف التأنيث خامسة في اسم، لم يُكسروه، بل يقتصرون فيه على جمع السلامة، نحوِ قولك: "حُبارَى"، "حُبارَيات"، و"سُمانَى"، "سُمانَياتٌ"، وإن عنيتَ الكثير. وذلك أنّك لو كسّرتَه، وهو على خمسة أحرف لم يمكن ذلك، ولم يكن بد من حذف إحدى الألفَيْن. فإن حذفتَ ألف التأنيث، قلت: "حَبائِرُ"، و"سَمائِنُ"، وذلك أنك لما حذفت ألفَ التأنيث، بقي "حُبارٌ"، و"سُمانٌ"، ثمّ جئت بألف التكسير قبل ألف الإفراد، فوجب قبلها همزة؛ لأنها وقعت موقعَ ما لا يكون إلا مكسورًا؛ لأنّها وقعت موقعَ الفاء من "جَعافِرَ"، والدال من "جَخادِبَ". والألفُ لا يمكن تحريكُها، فقُلبت همزة, لأنّها قريبة من الألف، ويمكن تحريكُها، فصار "حَبائِرَ". وإن حذفت الألف الأُولى، بقي الاسم "حُبْرَى"، و"سُمْنَى". وإذا كسرته، قلت: "حَبارَى"، و"سَمانَى" كما قالوا: "حُبْلَى"، و"حَبالَى". وما كان على "فَعْلاء"، أو"فِعالةَ" وأخواتِها، فإنّه يُكسر على ذلك، فـ "فَعْلاء" نحو "صَحْراءَ"، و"صَحارَى"، و"عَذْراءَ"، و"عَذارَى"، و"فِعالةُ"، نحوُ "رِسالَة"، و"رَسائِلَ".
وأخواتُها "فُعالَةُ"، و"فَعالَةُ"، و"فَعِيلَةُ". فـ "فَعالةُ" "سَحابَة" و"سَحائِبُ"، و"فُعالَةُ" "ذُؤابَة"، و"ذَوائِبُ"، و"فَعِيلَةُ" "سَفِينَةٌ" و"سَفائِنُ"، فكرهوا تكسيرَ ذلك، لئلا يصيرِوا إلى هذه الأبنية، ففصلوا بينهما بأن عدلوا عن تكسيرها إلى جمع السلامة.
فإن قيل: فأنت تقول في "دَلَنْظى" (١) و"سَرَنْدى" (٢)، ونحوِهما "دَلانِظُ"، و"سَرانِدُ"، و"دَلافي "، و"سَراب "، ولا تُبالي الالتباسَ. قيل: الألف في "دَلَنْظى" و"سَرَنْدى" ليست للتأنيث، وإنما هي للإلحاق، وما كان للإلحاق فهو جارِ مجرى الأصل، فلذلك كُسر كما يُكسر "سَفَرْجَلٌ" ونحوُه بالحذف.
стр. 1192
فصل [جمع "أَفْعَل "]
قال صاحب الكتاب: ولـ "أفْعَلَ" إذا كلان اسمًا مثالٌ واحدٌ: "أفاعِلٌ" نحوُ "أجادِلَ"، وللصفة ثلاثةُ أمثلة: "فُعْلٌ "، "فُعْلَانُ", "أفاعِلُ"، نحوُ: "حُمْر"، و"حُمْرانٍ" و"الأصاغرِ"، وإنما يُجمَع بـ "أفاعِلَ" أفْعَلُ" الذي مؤنثُه "فُعْلَى"، ويُجمَع أيضًا بالواو والنون. قال الله تعالى: ﴿بِاَلأخسَرِين أعمالا﴾ (١). أما قوله [من الطويل]:
أتاني وَعِيدُ الحُوصِ من آلِ جَعْفَرٍ ... فَيَاعَبْدَ عَمْرو لو نَهَيْتَ الأحاوِصَا (٢)
فمنظورٌ فيه إلى جانِبَيِ الوَصْفِيّة والاسميّةِ.
* * *
قال الشارح: "أفْعَلُ" يكون اسمًا، ويكون صفة، فإذا كان اسمًا، فجمعُه على "أفاعِلَ"، نحوِ: "أفْكَل"، و"أفاكِلَ"، وهىِ الرعْدة، و"أيْدَع"، و"أيادِعَ" وهو ضربٌ من الصمغ أحمرُ، و"أرْنَب"، و"أرانِبَ"، و"أجْدَلٍ"، و"أجادِلَ" وهو الصقر. وإنما جُمع على ذلك؛ لأنّه في العدة كالأربعة، فجُمع جمعه، فـ "أفاكِلِ" كـ "جَعافِرَ" الهمزهُ فيه كالجيم، وإن كانت الهمزة زائدة في الوزن، والجيمُ أصلٌ، فصار كالملحق بالأربعة من نحو: "قَسوَرٍ" و"غَيْلَم"، وإن لم يكن ملحقًا على الحقيقة، لكنه على وزنه. فكل ما كان في أؤله همزةٌ زائدة من الأسماء الثلاثيّة، فإنّ تكسيره على "الأفاعِل"، وإن اختلفت حركاته، نحوَ: "إثْمِدٍ" (٣)، و"أثامِدَ"، و"أبْلُم" (٤)، و"أبالِمَ"، و"إصْبَعِ"، و"أصابع"، لا يختلف بناءُ جمعه، وإن اختلفت حركاتُ الواحد، كما كان الرباعي كذلك، نحوُ: "زَبارجَ"، و"جَعافِرَ"، و"بَراثِنَ"، و"دَراهِمَ"، و"قَماطِرَ"، و"جَخادِبَ".
وأما الصفة، فلها ثلاثةُ أبنية: "فُعْلٌ" نحو"أحْمَرَ"، و"حُمر"، و"أصْفَرَ"، و"صُفْرٍ". وكُل "أفْعَلَ" مؤنثُه "فَعْلاءُ"، فهذا جمعُه، ولا يجوز ضمّه إلَّا في الشعر. ويجمع على "فُعْلانَ"، نحوِ: "حُمْران"، و"بِيضان" و"سُودان"، قال الشاعر [من الهزج]:
٧٦٥ - ومِعْزَى هَدِبَا يَعْلُو ... قِرانَ الأرْضِ سُودَانَا
стр. 1193
ولا يجمع بالواو والنون إلا عن ضرورةِ، وقد تقدم شرحُ ذلك بما فيه كفاية.
وأما "أفاعِلُ"، فيكون جمعًا لـ "أَفْعَلَ" صفة أيضًا، وذلك أنّ "أفْعَلَ" قد يكون صفة، فيلزمها "مِنْ"، ويراد بها التفضيل، كقولك: "زيد أفضلُ من عمرو"، و"خالدٌ أكرمُ منك". فإذا أدخلتَ عليه الألف واللام، أسقطتَ منه "مِنْ"، كقولك: "مررت بالأفضل والأكرم". ولا يُستعمل مع حذفِ "مِنْ" إلَّا بالألف واللام أو بالإضافة، نحوِ: "الأفضل"، و"فُضْلَاهم"، وإذا كان معه "مِن"، فإنه يكون بلفظ واحد، لا يُؤنث، ولا يُثنى، ولا يجمع، فتقول: "زيد أفضلُ من عمرو"، و"هندٌ أفضل من عمرو"، و"الزيدان أفضل من العمرَين"، و"الزيدون أفضل من الخالدين". وذلك لأنه في معنى الفعل، إذ المراد: يزيد فضلُه عليه. والفعلُ لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث.
وإذا كان معه الألف واللام، جرى مجرى الاسم، فيؤنث، نحوَ: "الفُضْلَى"، و"الطولَى"، ويثنى، نحوَ: "الأكرمان"، و"الأفضلان"، ويجمع جمع السلامة، نحوَ قولك: "الأفضلون"، و"الأكرمون". ويكسر تكسيرَ الأسماء، نحوِ: "الأكابِر"، و"الأصاغِر". وقد تقدم الكلام عليه مشروحًا قبلُ، فإذا سُمي بصفةٍ رجلٌ نحوِ "أحْمَدَ"، و"أسْعَدَ"، صار اسمًا جامدًا، وجُمع جمع الأسماء، نحوَ: "أحامِدَ"، و"أساعِدَ". ويجمع أيضًا جمع السلامة، نحوَ قولك: "أحمدون"، و"أسعدون"، و"أحمدِينَ"، و"أسعدِينَ"؛ لأنّه بالتسمية زال معنى الوصف عنه، ولم يبق يُفيد من المعنى ما كان يفيده قبل التسمية. ألا ترى أنك تسمي بالاسم الشيءَ وضِدّه، وتسمي "حَسَنَا" ما ليس بالحسن. وإذا زال عنه معنى الوصف؛ جُمع جمع الأسماء الجامدة، نحو: "أرانِبَ"، و"أفاكِلَ"، فأمّا قول الشاعر [من الطويل]:
أتاني وعيد الحوص (١) ... إلخ
стр. 1194
فإنه لمح معنى الوصفية فيه، فجمعه على "حُوصٍ"، كـ "أحْمَرَ" و"حُمر"، كأنه جعله بمنزلةِ مَن به حَوَصٌ. والحَوَصُ: ضِيقُ إحدى العينين، وعلى ذلك أدخلوا الألف والسلام على "الحارث"، و"العَباس" لمكان معنى الوصفية، ثم قال: "الأحاوص" تغليبًا لجانب العَلَمية، كما يُغلب العلميةَ من يقول: "حارِثٌ"، و"عَباس"، فجمعه جمع الأسماء، نحوِ: "أفكَلٍ"، و"أفاكل"، و"أرْنَب"، و"أرانب". والبيت للأعشى، ويعني عبد عمرو بن شُرَيح بن الأحوص، وكان علَقمةُ بن عُلاثة بن عَوْف بن الأحوص نافَر عامرَ بن الطفَيْل، فهَجَا الاْعشى علقمةَ، ومدح عامرًا، فأوعده بالقتل، فقال: أتاني وعيد الحوص، فاعرفه.
فصل [جمع "فَعْلان" و"فُعْلان" و"فِعْلان "]
قال صاحب الكتاب: وقد جُمع "فَعْلانُ" اسمًا على "فَعالِينَ"، نحوِ "شَياطينَ"، وكذلك "فُعْلانُ"، و"فِعْلانُ"، نحوَ: "سَلاطِينَ"، و"سراحِينَ"، وقد جاء "سراح"، وصفة على "فِعالٍ"، و"فَعالَى"، نحوِ: "غضاب"، و"سَكارَى"، وتقول بعضُ العرب: "كُسالَى"، و"سُكارَى"، و"عُجالَى"، و"غُيارَى"، بالضم.
* * *
قال الشارح: اعلم أن ما كان من الأسماء على وزنِ "فَعْلانَ"، فإنه يكسّر على "فَعَالِينَ"، ولا فرق بين المفتوح الأول والمضمومه والمكسوره، وذلك نحو: "شَيْطان"، و"شَيَاطِينَ"، و"سُلطانِ"، و"سَلاطِينَ"، و"سِرْحانِ"، و"سَراحِينَ". وذلك لأنها أسماءٌ ثلاثيّة أُلحقت ببنات الأربعة، فوجب أن تجمع جمعَ ما أُلحقت به, لأنْ حكم الملحق حكمُ ما أُلحق به؛ لانه مثلُه في الحكم. ألا ترى أنك تقول في جمع "قَسْوَرِ" (١)، و"صَيرَفِ": "قَساوِرُ"، و"صَيارِفُ"، فتجمعه جمعَ "جَعْفَرِ"، و"جَعافِرَ"، و"سَلْهَبِ" (٢)، و"سَلاهِبَ"، إذ كان ملحقًا به، كذلك "شيطان" من الثلاثيّة أُلحق بالأربعة؛ لأنه من "شاطَ يَشِيطُ" إذا بطل وهلك. قال الأعشى [من البسيط]:
٧٦٦ - قد نَخْضِبُ العَيْرَ من مَكْنُونِ فائلِه ... وقد يَشِيطُ على أرْماحِنَا البَطَلُ
стр. 1195
ووقعت الألف فيه رابعة، وهو موضع يثبت فيه حرفُ المدّ، ولا يُحذف، وإن كانت خماسية، نحوَ "قِنْدِيل"، و"قَنادِيَل"، و"جُزمُوقٍ" (١)، و"جَرامِيقَ"، وَ"شِمْلَالٍ" (٢)، و"شَمالِيلَ"، إلَّا أنها تُقلَب ياء إذا لم تكنها لانكسارِ ما قبلها.
و"سُلْطَان" ثلاثىُّ؛ لأنه من السلاطَة، وهو القَهْر، ملحق بـ "قُرطاطٍ" (٣)، و"فُسطاطٍ" (٤). قال سيبويه (٥): وهو قليل. ولا نعلمه جاء وَضعًا، وهو"فُعْلانُ".
و"سِرْحان"، من الثلاثة أيضًا، كقولهم في تكسيره: "سِراحٌ"، أُلحق بالأربعة من نحو "عِثكالٍ" (٦)، و"شِمْراخ" (٧)، وهو كثير، نحوُ: "حِذْفار"، وهو واحدُ "الحَذافِير" من قوله ﷺ : "فكأنما خُيِّرت له الدُّنْيا بحذافيرها" (٨).
وأما الصفة، فإنّها تُجمع على "فِعَالٍ"، وذلك إذا كان مؤنثُه "فَعْلَ"، نحوَ: "عَجْلانَ"، و"عِجالٍ"، و"عَطْشانَ" و"عِطاشٍ"، و"غَرثَانَ" (٩)، و"غِراثٍ". وكذلك مؤنثُه، جمعوه على حذف الزائد من آخِره للفرق بينه وبين الاسم، فكأنه بعد حذف الزائد
стр. 1196
"عَجل"، و"عَطش"، فجُمع على "فِعالٍ" كما قالوا: "خَدْلٌ" (١) و"خِدالٌ"، و"صَعبٌ"، و"صِعابٌ". كما حذفوا ألفَ "أُنْثَى"، فقالوا: "إناث"، وألف "رُبى"، فقالوا: "رُبابٌ" للشاة القريبةِ العهد بالنتاج. قال سيبويه (٢): وافَقَ "فَعِيلًا"، و"فَعِيلَةَ"، و"فَعالةَ"، و"فَعالاً". يعني: كما قدّروا حذف الزائد في هذه الكلم، وجمعوها جمعَ ما لا زيادةَ فيه، نحوَ "كَرِيم"، و"كِرامٍ"، و"ظَرِيفَةِ"، و"ظِرافٍ"، و"جَوَاد"، و"جِياد"، كذلك فعلوا بـ "عَطْشانَ" وبابه.
وقد كسروه أيضًا على "فَعالَى". قالوا: "سَكرانُ"، و"سَكارَى"، و"حَيْرانُ"، و"حَيارَى"، و"خَزْيانُ"، و"خَزايَا". والأوّلُ أكثر، والمؤنّثُ كذلك. قالوا: "سَكْرَى"، و"سَكارَى"، و"خزيا"، و"خَزايَا". شبهوا الألف والنون بألفي التأنيث؛ لأنهما زائدان معًا. والأولُ منهما حرفُ مد، ويُؤنث كل واحد منهما على لفظِ مذكره، فكما قالوا: "صَحْراءُ"، و"صَحَارَى"، و"عَذْراءُ"، و"عَذارَى"، كذلك قالوا: "سَكْرانُ"، و"سَكَارَى"، و"عَطْشانُ"، و"عَطاشَى".
وقد ضم بعضُهم الأول من هذا الجمع، فقالوا: "سُكارَى"، و"عُجالَى"، و"غُيارَى" في جمع "غَيرانَ" كله مضموم. وهذا الضم في جمع "فَعْلانَ" خاصة، ليُعلمَ أنَّه جمعُ "فَعْلانَ"، وليس بجمع "فَعْلَاءَ".
فصل [جمع "فَيْعَلِ "]
قال صاحب الكتاب: و"فَيعِلٌ"، يكسر على "أفْعالٍ"، و"فِعالٍ"، و "أفْعِلاء"، نحوِ: "أمواتٍ"، و"جِيادٍ"، و"أبْيِناءَ"، ويُقال: "هَيِّنُونَ"، و"بَيِّعاتٌ".
* * *
قال الشارح: اعلم أن "فَيْعِلاً" من الأبنية المختصة بالمعتل، لا يكون مثلُه في الصحيح، كما قالوا: "غُزاةٌ"، و"رُماة" فجمعوا "فَاعِلاً" منه على "فُعَلَةَ"، ولا يكون مثله في الصحيح. وقد ذهب بعض الكوفيين إلى أن أصله "فَعِيلٌ"، ثم قُلبت إلى "فَيْعِلٍ". والقلبُ على خلاف الأصل، ولا دليلَ عليه. فإذا أُريد جمعُه، فالبابُ فيه والكثير أن يجمع جمعَ السلامة؛ لأنه صفةٌ تدخل مُؤنثه التاءُ للفرق، من نحو: "مَيتٍ"، و"مَيتةٍ"،
стр. 1197
و"بَيع"، و"بَيعَةٍ". وهو جار مجرى "فاعِلِ"؛ لأنّه على عدته. وموضعُ الزيادة فيهما واحد، فكما كان الباب في "فاعِل" جمعَ السلامة، من نحو قولك: "ضِارب"، و"ضارِبُونَ" " و"ضارِبَةٌ"، و"ضارِبات"، كذلك كان الأكثرُ في "فَيْعِل" جمعَ السلامة من نحو قولك: "مَيتٌ"، و"ميتون"، و"هَين"، و"هينون"، و"مَيتَة"، و"مَيتاتٌ"، و"هَينَةٌ"، و"هَيناتٌ"، وفي الحديث: "المؤمنون هينون لينون" (١).
فإذا أُريد تكسيره، حُمل على غيره مما هو على عدته، فمن ذلك قولهم: "مَيِّت"، و"أمْواتٌ"، شبهوه بـ "فاعِل"، فكما قالوا: "شاهِدٌ"، و"أشْهادٌ"، كذلك قالوا: "مَيِّتٌ"، و"أموات". جاؤوا به على حذف الزوائد، كأنه بقي "مَوْت"، فقالوا: "أمْوات" مثلَ "سَوْط"، و"أسْواط"، و"حَوْضٍ"، و"أحْواضٍ". والمؤنّثُ كالمذكر، لا فصلَ بينهما، قالوا: "مَيتَة"، و"أمْواتٌ"، كما قالوا في المذكر "مَيًت"، و"أموات"، وذلك أنّك في التكسير تحذف التاء، فيصير "مَيتا"، فتجمعُه على "أمْوات". ومثلَه قالوا "حَىٌّ"، و"أحْياءٌ"، و"حَيةٌ" و"أحْياءٌ"، و"نِضْوٌ"، و"أنْضاءٌ"، و"نِضْوة"، و"أَنْضاء"، وذلك كثيرٌ.
وقالوا للمَلِك: "قَيلٌ"، و"أقْوالٌ"، وربما قالوا: "أقْيال" بالياء. وذلك من قِبَل أن "القَيْل" أصله: "قَيل"، وهو"فَيْعِل" من القول، قيل له ذلك لنَفاذ قوله. فمن قال: "أقْوالٌ"، جمعه على الأصل كـ"مَيت"، و"أمْوات". ومن قال: "أقْيالٌ"، جمعه على لفظه. والوجهُ الأول، وقالوا: "كَيْسٌ"، و"أكْياسٌ"، والمراد: "كَيسٌ" على زنة "فَيْعِل". يدل على ذلك جمعُهم إياه بالواو والنون كثيرًا, ولو كان "فَعْلًا"، لكان الباب في جمعه التكسيرَ، نحوَ: "صَعْب"، و"صِعاب".
وقد كسروه أيضًا على "فِعَالٍ". قالوا: "جَيدٌ"، و"جِيادٌ". وشبهوه بـ"فَاعِل"، وقالوا: "مَيت"، و"أمْواتٌ"، و"جَيدٌ"، و"أجْوادٌ". كذلك قالوا: "أجْيادٌ" كما قالوا: "قائمٌ"، و"قِيامٌ"، و"نائمٌ"، و"نِيامٌ". وكذلك قالوا: "سَيدٌ"، و"سادَةٌ"، كما قالوا: "قائِدٌ"، و"قادَةٌ"، و"حائِكٌ"، و"حاكَةٌ".
وقد كسروه أيضًا على "أفْعِلاء"، فقالوا: "هَينٌ"، و"أهْوِناءُ". وحكى الجَرْمي: "جَيد"، و"أجْوِداءُ"، حملوه على "فَعِيل"، نحوِ "نَبِى" و"أنْبِياءَ"، و"صَفِى"، و"أصْفِياءَ". وقد احتجّ الفراءُ بهذا الجمع على أن أصله "فَعِيلٌ". قال: لأنّ "فَعِيلًا" يجمع على ذلك؛ ولا دليلَ في ذلك, لأنّهم قد يجمعون الشيء على غير بابه، ألا تراهم قالوا: "شاعِرٌ" و"شُعَراءٌ"، و"جاهِلٌ"، و"جُهَلاءُ". وإنما "فُعَلاءُ" بابه "فَعِيلٌ"، نحوُ: "كرَماءَ"، و"لُؤَماءَ"، فكذلك ها هنا فاعرفه.
стр. 1198
فصل [جمع "فَعّال" و"فُعّال" و"فِعِّيل" و"مفعول" و"مُفْعِل" و"مُفْعَل "]
قال صاحب الكتاب: و"فَعّالٌ", و"فُعّالٌ", و"فِعِّيلٌ" و"مَفْعُولٌ", و"مُفْعِلٌ" و"مُفْعَلٌ", يُستغنى فيها بالتصحيح عن التكسير, فيقال: "شرابون" و"حسانون" و"فسيقون" و"مضروبون" و"مُكرِمون" و"مُكرَمون".
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الصفات، لا تكاد تُكسر، كأنّه استُغني عن تكسيرها بجمع السلامة، فَـ"فَعال" للمبالغة، فأجروه مجرى "مُفَعلٍ"؛ لأنهما للمبالغة، و"مُفَعلٌ" يجري على "فَعَّلَ"، نحوِ "كَسَّرَ"، منه و"مُكَسرٌ"، و"قَطَعَ"، منه و"مُقَطعٌ". وتدخله تاءُ التأنيث نحوُ "مُكَسرَةٍ"، و"مُقَطعَة". و"فَعال" كذلك، تقول: "شَرابٌ"، و"شَرّابةٌ"، فلذلك تجمعه جمعَ السلامة كما تجمع "مُفَعلًا"، فتقول: "شَرّابون"، و"شَرّاباتٌ"، و"قَتّالون"، و"قَتالاتٌ"، كما تقول "مُقَتلٌ"، و"مُقَتلون"، و"مُقَتلة"، و"مقتلات". لم يُفعَل به ما فُعل بـ"فَعُولٍ" من التكسير، وإن كانا جميعًا للمبالغة، كأنهم أرادوا الفصل بينهما.
وأما "فُعال"، نحوُ: "حُسّانٍ"، و"كُرّامٍ"، و"قُراءٍ"، و"وُضاءٍ"، فحكمُه في الجمع حكمُ "فَعّالٍ"، يكون المذكّر بالواو والنون، والمؤنث بالألف والتاء، نحوُ: "حُسّانون"، و"كُرامون"، و"حُسّاناتٌ"، و"كُرّاماتٌ"؛ لأنّه مثله في المبالغة. وتدخل مؤنثَه التاءُ، قال الشماخ [من البسيط]:
٧٦٧ - دارَ الفَتاةِ التي كُنا نَقُولُ لها ... يا ظَبْيَةَ عُطُلاَ حُسّانَةَ الجِيدِ
стр. 1199
فكان في حكم الجاري على الفعل لذلك، كما كان "فَعّالٌ".
ومثل ذلك "فِعِّيلٌ"، نحوُ: "فِسيقٍ"، و"شِريبٍ"، و"سِكِّيرٍ"، فإنّه يجمع مذكرُه بالواو والنون، ومؤنّثُه بالألف والتاء؛ لأنه مثلُ "فَعّالٍ" في المبالغة. وتدخل مؤنثَه تاءُ التأنيث، فكان كالجاري على الفعل، فلذلك كان حكمه حكِمَ جمع السلامة.
وكذلك "مَفْعُولٌ" من نحو: "مضروب"، و"مقتول"، بمنزلة "فَعّالٍ"؛ لأنه في حكم الجاري على الفعل. وتدخله تاءُ التأنيث من نحو "مضروبة"، فلذلك كان الباب فيه جمع السلامة من نحو"مضروبون"، و"منصورون". قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٢).
وكذلك ما جرى على الفعل من نحو: "مُفَعِّلٍ"، و"مُفَعَّلٍ"، من نحو: "مُكَسِّرٍ"، و"مُكَسَّرٍ"، فـ "مُكَسِّرٌ" اسمُ فاعل جار على "يُكَسِّرُ" مما سُمي فاعلُه، و"مُكَسَّرٌ" اسمُ مفعول جار على "يُفَعَّلُ"، بناءِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وتدخل المؤنثَ منه تاءُ التأنيث، فلذلك كان جمعُ مذكره بالواو والنون، ومؤنثِه بالألف والتاء، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وقد قيل عواوير وملاعين ومشائيم وميامين ومياسير ومفاطير ومناكير ومطافل ومشادن.
* * *
قال الشارح: قد شذّ من ذلك أشياءُ، فجاءت مكسّرة، وذلك يُحفَظ ولا يُقاس عليه، فمن ذلك قولهم: "عُوّارٌ"، و"عَواوِيرُ"، للجَبان، أجروه مجرى الأسماء؛ لأنهم لا يقولون للمرأة: "عُوارةٌ"؛ لأن الشَجاعة والجُبْن من أوصاف الرجال لحضورهم الحَرْبَ، وكثرِة لِقائهم الأعداءَ، قال الاْعشى [من الخفيف]:
٧٦٨ - غيرُ مِيل ولا عَواوِيرَ في الهَيجا ... ولا عُزَّلٍ ولا أكْفالِ
стр. 1200
فهذا شاذ في "فُعالٍ".
وقالوا: "مَلاعِينُ"، كسروا "مَلْعُونا"، كأنهم شبّهوه بالاسم مما هو على خمسة أحرف، ورابعُه حرفُ مدّ ولين، من نحو: "بُهْلُولِ"، و"بهالِيلَ"، و"مُغْرُودٍ"، و"مَغارِيدَ"، وهو ضرب من الكَمْأة، ومثله "مَشْؤُوم"، و"مَشائِيمُ". قال الشاعر [من الطويل]:
مَشائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَة ... ولا ناعِبٍ إلا بِبَيْن غُرابُها (١)
وقالوا: "مَيْمُونٌ"، و"مَيامِينُ"، ولا مَكْسُور"، و" مَكاسِيرُ"، و"مَسْلُوخَة"، و"مَسالِيخُ"، كله على التشبيه بالاسم. وهذا شاذ في "مَفْعول". وقالوا: "مُفْطِر"، و"مَفاطِيرُ"، و"مُنكِرٌ"، و"مَناكِيرُ"، و" مُوسِرٌ"، و"مَياسِيرُ"، و"مُطْفِلٌ"، و"مَطافِلُ"، و"مُشدِنٌ"، و"مَشادِنُ". فهذه الأسماءُ مكسرة، فما كان جاريًا على الفعل بمعنى الفاعل، فـ "مُفْطِر" من "أفْطَرَ" "يُفْطِرُ"، فهو "مُفْطِرٌ". وقالوا في الجمع: "مَفاطِيرُ"، و"مُنْكِرٌ" فاعلٌ من "أنْكَرَ" فهو منكر، والجمع مَناكِيرُ. و"مُوسِرٌ" من "اليُسْر"، والواوُ فيه منقلبة عن الياء لسكونها وانضمامِ ما قبلها, ولذلك عادت إلى الياء في الجمع، نحوِ "مَيَاسِير" لتحركها وزوالِ الضمة قبلها، والياءُ فيها مَطْلَةٌ على حدها في "خاتِم"، و"خَواتِيمَ".
وقالوا: "مُطفِلٌ"، و"مَطافِلُ"، و"مُشدِنٌ"، و"مَشادِنُ"، وربما قالوا: "مَطافِيلُ"، و"مَشادِينُ"، على غير القياس. والمُطْفِلُ: الأُمُ معها طِفلٌ، والمُشْدِنُ: الظبْية التي قد شدن خشفها, أي: قوي , واستغني عن أمه.
فصل [جمع الثلاثي المزيد بحرف للإلحاق بالرباعي أو لغير الإلحاق]
قال صاحب الكتاب: وكل ثلاثي فيه زيادة للإلحاق بالرباعي كجدول وكوكب وعثير (٢)، أو لغير الإلحاق وليست بمدة كأجدل وتنضب ومدعس؛ فجمعه على مثال جمع الرباعي تقول جداول وأجادل وتناضب ومداعس.
* * *
стр. 1201
قال الشارح: إذا أُلحق بناء ببناء، صار حكمُ الفرع الملحَق كحكم الأصل الملحَق به، فالثلاثي إذا زيد فيه ما يُلْحِقه بالأربعة، صار حكمه حكمَ الأربعة، فجمعُه كجمعه، فتفتح أولَه، وتزيد فيه ألفا ثالثة، وتكسر ما بعدها، كما تفعل بـ"جَعافِرَ"، و"زَبارجَ"، فتقول في "جَدْوَلٍ": "جداول" وفي "كَوْكَب": "كواكب"؛ لأن "جدولًا"، و"كوكبًا"، الواوُ فيهما زائدة؛ لأنّها لا تكون أصلاً مع ثلاثة أحرف أُصول، فهما ملحقان بـ "جَعْفَر". و"عِثْيَرٌ" ثلاثى، والياء فيه زائدة لِما ذكرناه، فهو ملحق بـ"دِرْهِم"، و"هِجْرَع"، فكما تقول: "جَعَافِرُ"، و"دَراهِمُ"، فكذلك تقول: "جَداوِلُ"، و"كواكب"، و"عَثايرُ"؛ لأنه قد صار في الحكم رباعيًا.
فإن كانت الزيادة فيه لغير الإلحاق، ولم تكن مدة كـ"أجْدَلٍ"، و"تَنْضُبٍ"، و"مِدْعَس". فـ"أجْدَلٌ" ثلاثي والهمزةُ في أوله زائدةٌ؛ لأن الهمزة لا تكون في أول بنات الثلاثة إلا زائدة، فالبناءُ وإن كان على زنة "جَعْفَر"، فليس المراد من الهمزة الإلحاقَ، إنما ذلك شيءٌ حصل بحكم الاتّفاق من غيرِ أن يكون مقصودًا إليه، إلَّا أن الزيادة لما لم تكن من حروف المدّ واللين، جرى مجرى الملحق؛ لأن الملحق تكثيرٌ كما أن هذه الحروف كذلك. وليست حروف المدّ كذلك؛ لأنها تجري مجرى الحركات المُشْبَعة عما قبلها، فلا تُعتد مُكثرة لغيرها، فلذلك تجمعها جمعَ الملحق، فتقول في "أجْدَلٍ" - وهو الصقر- "أجادِلُ"، فتفتح أولَه، وتزيده ألفًا ثالثة، وتكسر ما بعدها، كما تفعل في الرباعي والملحقِ به؛ لأنه قد صار على عدته.
وتقول: "تَنْضُبٌ"، و"تَناضِبُ"، والتنضب: شجرٌ يُتخذ منه السهامُ، وهو من الثلاثة، والتاءُ في أوله زائدةٌ؛ لأنه ليس في الأسماء مثلُ "جَعْفُر" بضم الفاء؛ ولأنه من الشيء الناضب، وهو البعيد، كأنه قيل له ذلك لعِظَمه، كما قيل لنَظِيره: "شَوْحَطٌ"، وهو من "شَحَطَ".
وقالوا: "مِدْعَس"، و"مَداعِسُ"، والمدعسُ: الرمْح الاسم، والميمُ فيه زائدة؛ لأنها لا تكون في أولِ بنات الثلاثة إلَّا زائدة، وكأنه من "الدعْس"، وهو الطعن, لأن الرمح آلةُ الطعن.
* * *
[جمع الاسم الرباعي الأعجمي أو المنسوب]
قال صاحب الكتاب: وتلحق بآخره التاء إذا كان أعجمياً أو منسوباً كجواربة وأشاعثة.
* * *
قال الشارح: إذا كان الاسم رباعيًا أعجميًا أو منسوبًا، فإنه يجمع على ما تقدّم من
стр. 1202
جمع الرباعي، إلا أنك تُلحِق جمعَه الهاءَ في الأكثر. قالوا: "مَوْزَج" (١)، و"مَوازِجَة"، و"جَورَبٌ"، و"جَوَارِبَة"، وكلاهما فارسي معربٌ، ودخلت الهاء لتأكيد تأنيث الجمع؛ لأنه مكسرٌ على حدّ دخولها في "حَجَر"، و"حِجارَة"، و"ذَكَر"، و"ذِكارَة"، وللإيذان بالعُجْمة فيها. ومثلُه "كَيلَجَة"، و"كَيَالِجَة"، لمِكيال، و"طَيْلَسانٌ"، و"طَيالِسَة". ونظيرُ ذلك من العربي "صَيْقَل"، و"صَيَاقِلَة"، و"صَيرَف"، و"صَيَارِفَة"، و"ملأَكٌ"، و"مَلائِكَة".
وربما حذفوا التاء تشبيها بالعربي، قالوا: "جَوَارِبُ"، وَ"كَيَالِجُ" كأنهم شبهوه بـ"صَوَامِعَ"، و"كَوَاكِبَ". وقالوا "المَناذِرةُ" و"المَسامِعَةُ"، و"السيَابِجَةُ"، و"المَهالِبَةُ"، و"الأحامِرَةُ"، و"الأزارِقَةُ"، فواحدُ "المَناذِرَةِ" "مُنْذِرِيّ" منسوب إلى المُنذِر بن ماء السماء، وواحدُ "المَسامِعَةِ" "مِسْمَعِيّ" منسوبٌ إلى "مِسْمَع"، وأمّا "السيابِجَةُ"، فجمع، والواحدُ "سَيْبَجِىٌّ" فارسى معرب، وهم قوم من السنْد بالبصرة، كانوا جَلاوزَة وحُراسَ السجن. ومثله "البَرابِرَةُ" الواحد "بَرْبَرِي"، و"المَهالبَةُ" منسوب إلى المُهَلب بن أبي صُفرَةَ، الواحدُ "مُهَلَّبِى"، و"الأحامِرَة"، و"الأزارِقَةُ" الواحد منهما "أحْمَرِيٌّ"، و"أزْرَقِىٌّ".
والهاء في هذا الجمع تحتمل أمرَين: أحدُهما أن تكون لتأكيد تأنيث الجمع؛ لأنه مكسرٌ، والآخرُ أن تكون بدلًا من ياءَيِ النسَب، كما أبدلوا الياءَ من المحذوف في "سَفاريجَ" (٢) ونحوِه. وذلك أنهم حذفوا ياءَيِ النسب، ثم جمعوا "مُنْذِرًا" على "مَناذِرَ"؛ لأنه رباعي، وأدخلوا الهاء عوضًا من المحذوف، وكذلك "مِسْمَع"، و"سَيْبَج"، فأما "مُهَلبٌ" فاللامُ فيه مضاعفة، فحذفوا إحدى اللامَيْن، فبقي "مُهَلَبٌ" رباعيًا، فجمعوه جمعَ الرباعي، وكذلك "أحمرُ"، و"أزرَقُ" جمعوهما جمعَ الأسماء لما لم يريدوا فيهما الصفة، فاعرفه.
[جمع الرباعي إذا لحقه حرف لين رابع، والثلاثي الملحق به، وما فيه زيادة غير مدّة فيصير بها أربعة]
قال صاحب الكتاب: والرباعي إذا لحقه حرفُ لِين رابعٌ، جُمع على "فَعالِيلَ" كـ"قَنادِيل"، و"سَرادِيحَ"، وكذلك ما كان من الثلاثى مُلْحَقًا به، كـ "قَراوِيحَ"، و"قَراطِيطَ"، وكذلك ما كانت فيه من ذلك زيادة غيرُ مَدة كـ"مَصابِيحَ"، و "أناعِيمَ"، و"يَرابِيعَ"، و"كَلالِيبَ".
* * *
قال الشارح: إذا وقع حرف المدّ رابعًا مع أربعة أحرف أُصولٍ، نحوَ: "سِرْداحٍ"- وهي الناقة الكثيرة اللحم- و"قِندِيلٍ"، و"جُرْمُوقٍ" -وهو ما يُلبَس فوق الخُف- فإنّ
стр. 1203
تكسيرها على "فَعَالِيلَ" نحوِ: "سَرادِيحَ"، و"قَنادِيلَ"، و"جَرامِيقَ". فلا تحذف حرف المد، بل تقلبه إلى الياء، إن لم يَكُنها؛ لسكونه وانكسارِ ما قبله، ولا تحذفه؛ لأنه موضعٌ يثبت فيه حرف المدّ. ألا ترى أنك تقول في تكسير "سَفَرجَل": "سَفارِيجُ"، وفي "فَرَزْدَقٍ": "فَرازِيدُ". وإذا كنت تزيد حرفَ المدّ هنا بعدَ أن لم يكن، ولا تقدح في بناء التكسير؛ فلأن تُقِره إذا كان معك أولى؛ إذ لا تحذف شيئًا، وأنت من تجد الحذف بُدًّا.
وأما ما ألحق من الثلاثي ببنات الأربعة، فإن جَمعه كذلك أيضًا، نحوَ: "قِرواح"، و"قَراوِيحَ"، و"قُرطاط"، و"قَراطِيطَ"، كما كان جمعُ "جَدوَلٍ"، و"عِثْيَر" كجمع "جَعفر"، و"دِرهَم". والقِرْواحُ: الناقة الطويلة القوائمِ، قيل لأعرابىّ: ما القِرواحُ؟ قال: التي كأَنها تمشي على أرماح. قالوا: الواو والألف فيه زائدتان، كأنه من "قَرَحَ الفرسُ". والقُرْطاط: البَرْذَعَةُ، وأصلُه قُرْطٌ، وإحدى الطاءَين زائدة للإلحاق ببنات الأربعة، ثم زيد فيها ألف رابعة، فصار بمنزلة أربعة أحرف أصلية، زيد فيها ألف رابعة، نحوِ "سِرْداح"، و"حِدْبارٍ" وهي الناقة المهزولة، فلذلك تجمعه كالأصل، فأمّا قول الشاعر [من الطويل]:
٧٦٩ - أدِينُ وما دَيْنِي عليك بمُغرَمٍ ... ولكِنْ على الشُم الجِلادِ القَراوِحِ
وإنما قال: "القَراوِح" على حد قول الآخر [من الرجز]:
٧٧٠ - وكَحلَ العَيْنَيْن بالعَواوِرِ
стр. 1204
كأنه حذف الياء تخفيفًا، وصحةُ الواو تدل على ذلك.
وكذلك ما كان فيه زيادة غيرُ مدّة، فيصير بها أربعة، وإن لم تكن للإلحاق، نحوُ: "مِصباح"، و"أنْعام"، و"يَربُوع"، و"كَلوب"، فإنه يجمع على مثل جمع الملحق، نحوِ: "مَصابِيحَ"، و"اْناعِيمَ"، و"يَرابِيعَ"، و"كَلالِيبَ"؛ لأنه على عدّته، ولا اعتبارَ باختلاف حركاته، فـ "مِصباحٌ" "مِفْعالٌ" من "الصُّبح"، والميمُ زائدة في أوله، وليست من حروف المدَّ واللين، والألفُ زائدة، وهي من حروف المدّ واللين. و"أنعامٌ" جمعُ "نَعَم" جمعَ قلّة، وهذا البناءُ قد يجمع إذا أُريد الكثرةُ، نحوُ: "أنَاعِيمَ"، و"أقاوِيلَ". و"اليربُوع": دُوَيْنة تُشبِه الجُرَذَ مُكحل بَريٌّ، تأكله العربُ، والياءُ في أوله زائدة، والواوُ أيضًا زائدة، وهي رابعة. و"كَلوبٌ" "فَعُّولٌ" إحدى اللامين زائدة، كأنه من "الكَلْب"، وهو مِسْمارٌ مُعوَجٌّ يُعلِّق عليه المُسافِرُ أداتَه. والكَلوبُ الكُلّاب، فهو المِنْشال، فاعرفه.
فصل [اسم الجنس الجمعيّ]
قال صاحب الكتاب: ويقع الاسم المفرد على الجنس، ثم يميز منه واحده بالتاء. وذلك نحو تمر وتمرة، وحنظل وحنظلة، وبطيخ وبطيخة، وسفرجل وسفرجلة. وإنما يكثر هذا في الأشياء المخلوقة دون المصنوعة ونحو سفين وسفينة ولبن ولبنة وقلنس وقلنسوة ليس بقياس. وعكس تمر وتمرة كمأة وكمء وجبأة وجبء.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذا الضرب من الأسماء التي يُميز فيها الواحد بالتاء من نحو
стр. 1205
"شَعِيرَة"، و"شَعِيرٍ"، و"تَمْرَةٍ"، و"تَمْرٍ"، إنما هو عندنا اسمٌ مفرد واقع على الجنس كما يقع على الواحد، وليس بتكسير على الحقيقة، وإن استُفيد منه الكثرة؛ لأن استفادة الكثرة ليست من اللفظ، إنما هي من مدلوله، إذ كان دالا على الجنس، والجنسُ يفيد الكثرةَ. والكوفيون يزعمون أنه جمع كُسّر عليه الواحد. ويؤيد ما ذكرناه أمران:
أحدهما: أنه لو كان جمعًا، لكان بينه وبين واحده فرقٌ؛ إما بالحروف، وإما بالحركات، فلما أتى الواحدُ على صورته، لم يُفْرَق بينهما بحركة، ولا غيرِها، دل على ما ذكرناه؛ وأمّا التاء، فبمنزلةِ اسم ضُم إلى اسم، فلا يدل سقوطُها على التكسير.
الأمرُ الثاني: أنه يوصَف بالواحد المذكر من نحو قوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (١)، وأنت لا تقول: "مررت برِجالٍ قائم" فدل ذلك على ما قلناه.
فإن قيل: فقد قال: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (٢) فأنّث، وقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ (٣) والحالُ كالوصف، وقال سبحانه: ﴿السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ (٤)، فوصفه بالجمع، فهلّا دل ذلك على أنه جمع؛ لأنّ المفرد المذكر لا يوصَف بالجمع، قيل: إن ذلك جاء على المعنى؛ لأن معنى الجنس العمومُ والكثرةُ، والحمل على المعنى كثير، ويدل على ذلك إجماعُهم على تصغيره على لفظه نحوِ "تُمَيرٍ"، و"شُعَيرٍ"، ولو كان مكسرًا، لرُد في التصغير إلى الواحد، وجمع بالألف والتاء من نحو "تُمَيْراتٍ"، و"شُعَيراتٍ"، فلما لم يُرَد هنا إلى الواحد، دل على ما قلناه.
ولا يكون في الغالب إلا فيما كان مخلوقًا لله تعالى غيرَ مصنوع، نحوَ: "تَمْرَة"، و"تَمرٍ"، و"طَلْحَةٍ"، و"طَلح"، و"بُرةٍ" , و"بُر". وذلك لأنّه جنس يخلقه الله جُمْلَة، فالجملةُ فيه مقدمة على الواحد، ولَيس كالمصنوعات التي الواحدُ فيها مقدّم على الجملة، فإذا أُريد تمييزُ الواحد، مُيز حينئذ بالتاء، من نحو: "تَمْرَة"، و"طَلحَة". ونظيرُ ذلك المصدرُ، من نحو: "الضرْب"، و"الأكل"، فإنه جنس للأفعال دالٌّ على الكثرة، فإذا أدخلوا الهاءَ، وقالوا: "ضَرْبَة"، و"أكْلَة"، صار محدودًا، ودل على المرة الواحدة، كذلك ها هنا.
فأما قولهم: "سَفِينَة"، و"سَفِينٌ"، و"لَبِنَة"، و"لَبِنٌ"، و"قَلَنْسُوَةٌ"، و"قَلَنْسٍ"؟ فمشبة بما تقدم من المخلوقات.
والقياسُ فيما كان من ذلك التكسيرُ نحوُ "قَصْعَةٍ"، و"قِصاعٍ"، و"جَفْنَةٍ"، و"جِفانٍ"، وربما شبهوا المخلوقاتِ بالمصنوعات فكسّروها، وقالوا: "طلْحَةٌ"، و"طِلاحٌ"، و"سَخْلَةٌ"، و"سِخالٌ"، و"صَخْرَةٌ"، و"صُخْورٌ".
стр. 1206
فأما "الكَمأةُ"، و"الجَبْأةُ" - وهو ضرب من الكمأة أيضًا- فعَكسُ هذا الجمع، وهو نادِرُ الجمع؛ لأن الكثير أن يكون ما فيه التاءُ للواحد، نحوُ: "تمرة"، و"طلحة"، وما سقطت منه للجمع، نحوُ. "تمر"، و"طلح". وهذا إذا كان فيه التاءُ كان للجمع، وإذا كان عاريًا منها، فهو للواحد. ووجهُه أن التاء قد تلحَق الجمعَ لتأكيد تأنيث الجمع، من نحو: "حِجارة", و"ذُكورة"، فتَدرجوا في ذلك إلى أن جعلوها للجمع البتة. وربما كُسّر على القياس، فقالوا: "جِبَأة" على حد "فَقْع"، و"فِقَعَةٍ". وقالوا: "أكْمُؤٌ" كـ"كَلبٍ", و"أكْلُبٍ"، قال [من الكامل]:
٧٧١ - ولقد جَنَيتُك أكمُؤَا وعَساقِلَا ... [ولقد نَهَيْتُك عن بَنَات الأَوبرِ]
فكسر على "أكمُؤ" فاعرفه.
فصل [الجمع المبني على غير واحده المستعمل]
قال صاحب الكتاب: وقد يجيء الجمع مبنياً على غير واحدة المستعمل, وذلك نحو "أراهط" و"أباطيل" وأحاديث وأعاريض وأقاطيع وأهال وليال وحمير وأمكن.
* * *
стр. 1207
قال الشارح: اعلم أنهم قد كسروا شيئًا من الأسماء لا على الواحد المستعمَل، بل تَحملوا لفظًا آخرَ مُرادِفًا له، فكسروه على ما لم يُستعمل، فمن ذلك "رَهطٌ"، و"أراهِطُ"، قال الشاعر [من مجزوء الكامل]:
يا بُؤْسَ للحَرْب التي ... وَضَعَتْ أراهِطَ فاستَراحُوا (١)
وليس القياس في "رهط" أن يجْمع على "أراهط"؛ لأن هذا البناء من جموع الرباعىّ، وما كان على عدته، نحوِ: "جَعْفَرٍ"، و"جَعافِرَ"، و"جَدوَلٍ"، و"جَداوِلَ"، و"أرْنَبٍ"، و"أرانِبَ". و"رَهْطٌ" ثلاثى فلا يجمع عليه، فكأنهم حين قالوا: "أراهِطُ"، جمعواَ "أرهطا" في معنَى "وهي"، وإن لم يُستعمل. وليس "أرهُط" بجمع "رَهْطٍ"، إذ لو كان كذلك، لم يكن شاذًا. ويدل على ذلك أن الشاعر قد جاء به لما احتاج إليه. قال [من الرجز]:
٧٧٢ - وفاضِحِ مفَتَضِحٍ في أرْهُطِهْ ... من أرْفَعِ الوادي ولا من بغثطِة
ومن ذلك قالوا: "باطِل"، و"أباطِيلُ". وليس قياسُ جمع "فاعِل" على ذلك، وإنما قياسُ ذلك: "بَواطِلُ"، مثل: "كاهِلٍ"، و"كَواهِلَ"، و"جائزٍ"، و"جَوائِزَ"، فكأنهم جمعوا "أبْطِيلًا"، و"أبْطالًا" في معنى "باطِلٍ"، وإن لم يُستعمل.
ومن ذلك "أحَاديثُ"، و"أعارِيضُ"، في جمع "حَدِيثٍ"، و"عَروضٍ"؛ والحديثُ الخبرُ، وهو جنس يقع على القليل والكثير، وقد جمعوه على "أحادِيث". و"العَرُوضُ": ميزان الشعْر، وهي مؤنثة لا تجمع؛ لأنها كالجنس يقع على القليل والكثير. والعَرُوض
стр. 1208
أيضًا اسم لآخِرِ جُزْء في النصف الأوّل من البيت، ويجمع على "أعارِيضَ" على غير قياس، كأنهم جمعوا "إعْرِيضًا" في معنى "عَرُوضٍ"، ولم يُستعمل. والقياسُ "حَدائِثُ"، و"عَرائِضُ"، على حدّ "قَلُوصٍ"، و"قَلائِصَ"، و"سَفِينَة"، و"سَفائِنَ"، إلَّا انهم قالوا: "أحادِيثُ"، وكأنهم جمعوا "أحْدُوثَة" في معنى الحديث، وإن لم يستعمل. قال الفراء: وهو جمعُ، "أُحدوثة"، واستُعمل في الحديث. والفرقُ بين "الحديث" و"الأحُدوثة"، أن الحديث اللفظُ، والأُحدوثة المعنى المتحدثُ به، فكذلك أعارِيضُ مثلُه.
وقالوا: "قَطِيع" للطائفة من البقر والغنم، والجمعُ "أقاطِيعُ" على غير قياس، جاؤوا به على ما لم يُستعمل، وهو" إقْطيعٌ"، والقياس "قَطائِعُ"، لكنه لم يستعمل.
وقالوا "أهْلٌ"، و"أهالٍ"، على غير قياس، كأنّهم جمعوا "أهْلاة"، ولم يستعمل. ولو جُمع على القياس، لقيل: "إهالٌ" على زنة "فِعَالٍ"، كـ "كَعْبٍ"، و"كِعابٍ". وقد جاء في الشعر: "آهالٌ" مثلُ "فَرخٍ"، و"أفْراخٍ"، وأنشد الأخفش [من الرجز]:
٧٧٣ - وبَلدَة ما الإنْسُ من آهالِها
ومثله "لَيلَة"، و"لَيالٍ"، جاء على غير واحده, لأنّ "لَيْلَة" ثلاثيُّ، و"لَيالٍ"، جمعُ رباعي، كأنه جمعُ "لَيْلاةٍ". وربّما قالوه. قال الشاعر [من الرجز]:
٧٧٤ - في كلً ما يوم وكل لَيْلاهْ
стр. 1209
وقالوا في التصغير: "لُيَيْلِيَةٌ"، فصغّروه على "ليلاة"، كما جاء عليه في الجمع. وقد جمعوا ما كان على أربعة أحرف جمعَ الثلاثي، كما جمعوا الثلاثي جمعَ الرباعي، فقالوا: "حِمارٌ"، و"حَمِيرٌ"، كأنهم قدروا "حمارًا" على "حَمرٍ"، ثم جمعوه على "فَعِيل"، مثلِ: "كَلْبٍ"، و"كَلِيبٍ"، و"عَبْد"، و"عَبِيدٍ". ومثله قولهم في "صاحِب": "أصْحابٌ"، وفي "طائِرٍ": "أطيارٌ"، كأنهم قدروه "صَحْبًا"، و"طَيْرًا"، ثمّ كسّروه على "أفْعالٍ".
وقالوا: "مَكانٌ"، وهو"فَعالٌ"، يدلّ على ذلك قولُهم: "أمكِنَة"، وكسروه على "أمْكُن"، كأنه جمعُ "مَكْن" بحذف الألف؛ لأنا لا نعلم "فَعالًا" أو "فِعالاً"، أو"فُعالاً" يجمع على "أفْعُلَ" إلَّا إذا كان مؤنثًا، نحوَ: "عُقابٍ"، و"أعْقبٍ"، فاعرفه.
فصل [جمع الجمع]
قال صاحب الكتاب: ويجمع الجمع، فيقال في كل "أفْعُلَ", و"أفْعِلَةَ", "أفاعِلُ"، وفي كل "أفْعالٍ" أفاعيل، نحو أكالب وأساور وأناعيم. وقالوا جمائل وجمالات ورجالات وكلابات وبيوتات وحمرات وجزرات وطرقات ومعنات وعوذات ودورات ومصارين وحشاشين.
* * *
قال الشارح: اعلم أن جمع الجمع ليس بقياس، فلا يجمع كل جمع، وإنما يوقَف عند ما جمعوه من ذلك، ولا يُتجاوز إلى غيره، وذلك لأن الغرض من الجمع الدلالةُ على الكثرة، وذلك يحصل بلفظ الجمع، فلم يكن بنا حاجةٌ إلى جمع ثان. قال سيبويه (١): اعلم أنه ليس كل جمع يُجمع، كما أنه ليس كل مصدر يُجمع كـ "الأشْغال"، و"الحُلوم". وقال أبو عمر الجَرْمي: لو قلنا في "أفْلُسٍ": "أفالِسُ"، وفي "أكْلُبٍ": "أكالِبُ" وفي "أدْلٍ": "أدالٍ"، لم يجز، فإذا جمعُ الجمع شاذ.
وأما قول صاحب الكتاب: "فيقال في كل "أفْعُلَ"، و"أفْعِلَةَ": "أفاعِلُ"، وفي كل "أفْعالٍ": "أفاعيل""، فتسمحٌ في العبارة. والصوابُ ما ذكرناه.
وإنما يجمعون الجمع، إذا أرادوا المبالغة في التكثير، والإيذانَ بالضروب المختلفة من ذلك النوع على تشبيه لفظ الجمع بالواحد. وقد جاء ذلك في جمع القلة، وفي جمع الكثرة، وهو في جمع القلّة أسهلُ لدلالته على القلة، فإذا أُريد الكثيرُ، جمعوه ثانيًا. فأما مَجِيئُه في جمع القلة "أفْعُلَ"، و"أفْعِلَةَ"، و"أفْعالٍ"، فمن ذلك قولهم: "أيْدٍ"، و"أيادٍ"،
стр. 1210
و"أوطُبٌ"، و"أواطِبُ"، فـ "اليَدُ" التي هي الجارحة تجمع على "أيدٍ". قال الله تعالى: ﴿فَاَقطَعُوَا أَيديَهُمَا﴾ (١)، وقال: ﴿لهم أَيْدِ يَبطِشُونَ بهآَ﴾ (٢)، وقال ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (٣) جمعوا "يدًا" على " أفعُلَ"، وهو من أمثلةِ أقل العدد لما كان واحده "فَعلًا"، والدالُ التي هي عينُ الفعل، وإن كانت مكسورة، فأصلُها الضم، كما أنها في "كَلبٍ"، و"أكْلُبٍ"، و"كَعب"، و"أكعُبٍ" كذلك. وإنما عدلوا إلى الكسر، لتصح الياءُ، إذ لو بقيت الضمةُ قبل الياء، لانقلبت واوًا، وكنت تصير إلى بناء ليس مثله في الأسماء، ويجمع "الأيْدِي" على "أيادٍ". قال الراجز:
٧٧٥ - [كأنهُ بالصحصَحان الأَنجلِ] ... قُطنٌ سُخامٌ بأيَادِي غُزَّلِ (٤)
قال الجرمي: سمعتُ أبا عُبَيدَةَ يقول: سمعتُ أبا عمرو يقول: إذا أرادوا المعروف، قالوا: "له عندي أيادٍ"، وإذا أرادوا جمع "اليَدِ"، قالوا: "أيْدٍ"، فذكرتُ ذلك لأبي الخَطاب، قال: ألم يسمع أبو عمرو قولَ عَدِي [من الخفيف]:
٧٧٦ - ساءَها ما تَأملَت في أيادِينا ... وأسْيافُنا إلى الأعْناقِ
стр. 1211
وأنشد أبو زيد [من الوافر]:
٧٧٧ - فأما واحدٌ فكَفاكَ مِثلِي ... فَمَن لِيَدٍ تُطاوِحُها الأيادِي
قال أبو زيد: جُمع "اليَد" على "الأيَادِي". وقالوا: "أوْطُبٌ" في جمع "وَطبٍ"، وهو سِقاءُ اللبن خاصة، وقالوا: "أواطِبُ"، فجمعوا الجمعَ، قال الراجز:
٧٧٨ - تُحْلَبُ منها سِتةُ الأواطِبِ
فأمّا تمثيلُه بـ "أكالِبَ"، فكأنه قاسَه، وما أظُنه ورد. ولذلك قال الجرمي: لو قلت: "أكالِبُ"، لم يجز، على أن الجَوهري (١) قد حكى "أكالب" في جمع "أكْلُبٍ".
стр. 1212
فأمّا "أفعِلَةُ"، فنحوُ قولهم: "سِقاءٌ"، و"أسْقِيَةٌ"، و"أساقِ". والسقاءُ: القِرْبَةُ. إلَّا أن القربة للماء، والسقاء للبن وللماء، والنحْي للسمن، والوَطْب للبن. فهذه الأسماءُ من أبنية القلة، فلمّا أرادوا التكثير، جمعوه، وشبهوا "أفْعُلَ" بـ"أفْعَلَ"، نحوِ: "أرْنَبٍ"، فجمعوه جمعَه؛ لأنه على أربعة أحرف مثلُه. واختلافُ الحركات لا أثرَ لها في جمع الرباعي. ألا ترى أنك تقول في "جعْفَرٍ": "جَعافِرُ"، وفي "زِبْرِج": "زبارج"، وفي "بُرْثُن": "بَراثِنُ"، فتجمع الرباعي كله على منهاج واحد، وإن اختلفت أبنيتُه. كذلك ها هنا قالوا: "أواطِبُ"، و"أياد"، كما قالوا: "أرانِبُ"، و"أفاكِلُ"؛ وإن اختلفا في الحركة.
وقد قالوا: "سِوارٌ" للواحد من "أسْوِرَة" المرأة، و"أسِورةٌ" لأدنى العدد، وقد جمعوا"أسورة"، فقالوا: "أساوِرُ". وفي الكتاب العزيز: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (١) وقد يُدْخلون عليه التاء لتأنيث الجمع، فيقولون: "أساوِرَةٌ" على حد قولهم: "حِجارَة"، و"ذُكُورَة". قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (٢). شبهوا "أفْعِلَةَ" بـ "أفْعَلَةَ"، نحو" أرْمَلَةٍ"، فجمعوه جمعه، فقالوا: "أساوِرُ"، كما قالوا: "أرامِلُ". وقال أبو عمرو بن العَلاء: قد يكون "أساوِرُ" جمعَ: "أُسْوارٍ"، فعلى هذا لا يكون من جمع الجمع، ويكون أصله "أساوِيرَ"، وحُذفت الياء تخفيفًا على حد حذفها في "العَواوِر".
فأما "أفْعالٌ"، فنحو قولهم: "أنْعامٌ" في جمع "نَعَم"، والنعَمُ: المال الراعية، واستعمالُه في الإبل أكثرُ، وهو لفظُ مفرد دل على الجمع، لا واحدَ له من لفظه، ويجمع في القلة على "أنْعام". فإذا جمعوا هذا الجمع للتكثير، قالوا: "أناعِيمُ"، فـ "أناعيمُ"، على هذا جمعُ الجمع، فلو قال له: "عندي أناعيمُ" فأقل ما يلزم به سبعةٌ وعشرون من ذلك النوع؛ لأنّ النعم جمع من جهة المعنى، وأقل ما ينطلق عليه اسم الجمع ثلاثة، فإذا جمعتَ، وقلت: "أنْعام"، فإن أقل تضعيفها ثلاثُ مرّات، فتصير تسعة، فإذا جمعت "أنعامًا"، وكان المراد باقلها تسعة، كان أقل تضعيفها ثلاث مرَّات، فتصير سبعة وعشرين، وعلى هذا لو قلت: سمعت أقاوِيلَ، لكان أقل ذلك سبعة وعشرين قولًا. و"أفْعال" ها هنا محمول في الجمع على "إفعالٍ"، نحو: "إكْرام "، و"إحْسانٍ"، كما كان "أفْعُلُ" محمولًا على "أفْعَلَ"، نحوِ: "أرْنَبٍ"، و"أفعِلَةُ"، محمولاً على "أفْعَلَةَ"، نحوِ "أرمَلَة".
وقالوا: "أعْطِياتٌ"، و"أسْقِياتٌ"، فجمعوها جمعَ السلامة حِيث كسروها، وشبهوها بـ "أنْمُلَةٍ"، و"أنْمُلاتٍ".
وأم بناء الكثرة؛ فقد قالوا فيه: "جِمالٌ"، و"جَمائِلُ"، حملوه على "شِمالٍ" و"شَمائِلَ"؛ لأنه مثله في الزنة، كأنهم أرادوا اختلاف ضروبها, ولم يقصدوا
стр. 1213
بذلك التكثير؛ لأن بناء الأصل يفيد الكثرة، قال ذو الرمة [من الطويل]:
٧٧٩ - وقَرَّبْنَ بالزُّرقِ الجَمائلَ بَعْدَما ... تَقَوبَ عن غِرْبانِ أوْراكِها الخَطْرُ
وقالوا: "جِمالاتٌ"، قال الله تعالى. ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ (١). وقد كثُر جمعُ السلامة في التكسير، قالوا: "رِجالات"، و"كِلاباتٌ"، و"بُيُوتات"؛ لأنها جموع مكسرة مؤنْثة، فجمعوها بالألف والتاء كما يجمع المؤنث، وقالوا: "حُمُراتٌ" و"جُزُراتٌ"، و"طُرُقاتٌ" جمعوها "حِمارًا"، و"جَزُورًا"، على "حُمُرٍ"، و"جُزُرٍ"، و"طَرِيقًا"، على "طُرُقٍ"، ثم جمعوها بالألف والتاء لِما ذكرناه من تأنيث التكسير.
وأما "مُعُناتٌ"، فمثلُ "طُرُقاتٍ", الواحدُ "مَعِينٌ" وهو الماء الجاري، وجمعُه "مُعُن"، مثلُ: "طَرِيق" و"طُرُق"، ثم جمعوا الجمع بالألف والتاء؛ لأنه مؤنث مكسر، فقالوا. "مُعُنات".
وقالوا: "عُوذاتٌ"، والواحد "عائذٌ" للناقة القريبة العهد بالنتاج، قال الراعِي [من الطويل]:
٧٨٠ - لها بحَقِيلٍ فالنمَيرَةِ مَنزل ... ترى الوَحْشَ عُوذاتٍ به ومَتالِيَا
стр. 1214
والجمع "عُوذ"، وأصله "عُوُذ" بالضم، وإنما اتفقوا على لغةِ من أسكن لثقل الضمة على الواو، ثم جمعوا "عُوذًا" على "عُوذاتٍ".
وكذلك "دارٌ" جمعوها على "دُور" على حد "أسَدٍ"، و"أُسْدِ"، ثمّ جمعوا الجمع بالألف والتاء، فقالوا: "دُورات".
فأما "مَصارِينُ"، فهو جمعُ الجمع أيضًا، والواحد "مَصِيرٌ" وجمعُه الكثير "مُصْرانٌ"، مثل "كَثِيبٍ"، و"كُثْبان"، وجمعوا "مُصْرانًا" على "مَصارِينَ"، كما قالوا: "قُرْطانٌ"، و"قَراطِينُ".
فأمّا "حَشاشِينُ"، فالواحد "حَش"، وهو البُسْتان، والجمع "حِشان"، مثلُ "ضَيْف"، و"ضِيفان"، ثم جمعوا الجمع على الزيادة، فقالوا: "حَشاشِينُ"، كما قالوا: "مُصْران"، و"مَصارِينُ".
فصل [الجمع الذي لم يُكسَّر عليه الواحد]
قال صاحب الكتاب: ويقع الاسم على الجميع لم يكسر عليه واحده، وذلك نحو ركب وسفر وأدم وعمد وحلق وخدم وجامل وباقر وسراة وفرهة وضأن وغزي وتُؤام ورخال.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ هذا الضرب من الأسماء، وإن دل على الكثرة، فليس بجمع كُسر عليه الواحد على حد "رَجُل"، و"رِجالٍ"، وإنما هو اسم مفرد واقع على الجمع بمنزلة "قَوْم"، و"نَفَرٍ"، إلا أن "قومًا"، و"نفرًا" من غير لفظ الواحد؛ لأنّ الواحد منهما
стр. 1215
"رَجُلٌ"، وليس من لفظِ "قوم" و"نفر" في شيء، فأمّا "راكِبٌ"، و"رَكْبٌ"، و"مُسافِرٌ"، و"سَفْرٌ". وجميعُ هذا الباب من لفظ المفرد ومن تركيبه، إلَّا أنّه لم يُكسر عليه الواحد، بل هو اسمٌ موضوع بإزاء الجمع. وذهب أبو الحسن إلى أنه تكسيرٌ، فإذا صُغر على مذهبه، رُد إلى الواحد، وصُغر عليه، ثم تلحقه الواو والنون إن كان مذكرًا، والألفُ والتاء إن كان مؤنّثًا، فتقول في تصغير: "رَكْبٍ": "رُوَيْكِبُونَ"، وفي "سَفْر": "مُسَيْفِرُونَ"، و"رُوَيْكِبات" و"مُسَيْفِراتٌ" إذا كان مؤنثًا. والمذهب الأول؛ لأمورٍ منها:
أن المسموع في تصغير "رَكْب"؛ "رُكَيْبٌ". قال الشاعر أنشده أبو زيد [من الطويل]:
٧٨١ - وأَيْنَ رُكَيْب واضِعُون رِحالَهم ... إلى أَهْلِ نار من أناسٍ بأَلسْوَدَا
وأنشد أبو عثمان عن الأصمعي لأحيْحَةَ بن الجُلاح [من الرجز]:
٧٨٢ - بَنَيْتُه بِعُصْبَة مِن مالِيَا ... أَخْشى رُكَيْبًا أو رُجَيْلًا عادِيَا
стр. 1216
وهذا نَصٌّ في محلّ النِّزاع، إذ لو كان جمعًا مكسّرًا، لرُدّ إلى الواحد. فأمّا قول أبي الحسن: "رُوَيْكِبُونَ"، فهو شيء يقوله على مقتضى قياسِ مذهبه، والمسموع غيره.
الثاني: أنّ الجمع المكسّر مؤنّثٌ، وهذه الأسماء مذكرةٌ، تقول: "هو الرَّكْبُ"، و"هذا السَّفْرُ"، و"هو الجاملُ، والباقِرُ، والأَدَمُ، والعَمَدُ"، ونحو ذلك، ولو كان مكسّرًا، لقلت: هِيَ، وهذِهِ.
الثالث: أن "فَعْلًا" لا يكون جمعًا مكسّرًا لـ"فاعل"، ونحوه؛ لأنّ الجمع المكسّر حقُّه أن يزيد على لفظ الواحد، وهذا أخفُّ من بناء الواحد؛ فلا يكون جمعًا مكسّرًا.
فإن قلت: فأنتم تقولون: "إزارٌ"، و"أُزُرٌ"، و"جِدارٌ"، و"جُدُرٌ"، وهو عندكم تكسيرٌ، وهو أنقصُ من لفظ الواحد، قيل: "فُعُلٌ" هنا منتقصٌ من "فُعُولٍ"، والأصلُ "أُزُورٌ" و"جُدُورٌ"، وإنّما خُفّف بحذف الواو منه.
الرابع: أن هذه الأبنية لو كانت جمعًا صِناعيًّا، لا طرد ذلك فيما كان مثله، وأنت لا تقول في "جالِسٍ": "جَلْسٌ"، ولا في "كاتِبٍ": "كَتْبٌ"، فثبت بما ذكرناه أنّه اسم مفرد دالّ على الجمع، وليس بجمع على الحقيقة. فمن ذلك قولهم: "راكبٌ"، و"رَكْبٌ"، فالراكبُ يقال لراكب البعير خاصّة، فإذا كان على ذي حافرٍ: فرسٍ أو حمارٍ، قيل: "فارسٌ"، وقيل: لا يقال لراكب الحمار: فارسٌ، وإنّما يقال له حَمّارٌ. والرَّكْبُ: أصحابُ الإبل في السفر خاصّة من العشرة فما فوقها، وأمّا السَّفْر فالجماعة المسافرون، والواحدُ "سافِرٌ"، مثلُ "صاحِبِ" و"صَحْب"، يقال: سَفَرْتُ أسْفِرُ سُفُورًا إذا خرجتَ إلى السفر، فأنا سافِرٌ، وقد كثُرت اَلسافِرَةُ، أيَ: المُسافِرون.
ومنه "أَدِيمٌ"، و"أَدَمٌ"، و"عَمُودٌ"، و"عَمَدٌ"، فأمّا الأديمُ (١) فالجِلْدُ المدبوغ، والعَمُود: عمودُ البيت. فالأَدَمُ بالفتح والعَمَدُ اسما جنس، وليس بتكسير؛ يدلّ على ذلك ما تقدّم من تصغيره على لفظه، وتذكيره، وعدمِ اطّراده، فتقول: "هو الأدم والعمد"، و"أُدَيْمٌ"، و"عُمَيْدٌ"، ولم يقولوا: "أُدَيِّمٌ"، ولا "عُمَيِّدٌ".
ومن ذلك قولهم: "حَلَقٌ"، و"خَدَمٌ"، وهما جنسٌ، وليس بتكسير لِما ذكرناه، فالحَلَقُ جنسٌ، والواحد "حَلَقَةٌ" بالتحريك، وهي حلقةُ الباب والأذُنِ. وقد أنكر بعضُهم
стр. 1217
التحريك، وقال: إنّما يقال: "حَلْقَةٌ" بالإسكان لا غيرُ. حكى يونس (١) عن أبي عمرو بن العَلاء: "حَلقَةٌ" بالتحريك، والجمعُ "حَلَقٌ" قال ثَعْلَبٌ كلُّهم يجيزه على ضُعْفه. وحكى ابن السِّكِّيت عن أبي عمرو الشَّيْباني، قال: ليس في الكلام "حَلَقَةٌ" بالتحريك إلَّا في قولهم: "هؤلاء قومٌ حَلَقةٌ"، للذين يحلِقون الشَّعْر، فمن قال: "حَلَقَةٌ"، و"حَلَقٌ"، كان مثلَ "ثَمَرَةٍ"، و"ثَمَرٍ"، فهو جنس.
وكذلك "خَدَمَةٌ"، و"خَدَمٌ"، للخَلْخَال، وأصله السَّيْر يُشَد في رُسْغ البعير ليُعلَّق فيه سَرِيحَةُ النَّعْل.
ومن ذلك "الجامِلُ"، و"الباقِرُ"، فالجامل: القطيعُ من الإبل مع رُعاتها وأربابِها، قال الشاعر [من الطويل]:
٧٨٣ - [وإنْ تَكُ ذا شاءِ كَثيرٍ فإِنَّهُمْ] ... لَنَا جامِلٌ ما يَهْدَأُ اللَّيْلَ سامِرُهْ
والباقِر: جماعةُ البقر، وقد قُرىء: ﴿إِنَّ الْبَاقِرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (٢)، الواحدُ منهما جَمَلٌ، وبَقَرَةٌ.
стр. 1218
وأمّا "السَّراة"؛ فواحده "سَرِيٌّ"، و"السَّرْوُ"، و"السَّخاء" في المُرُوءَة، وأصلُه "سَرَوَةٌ"، مثل "فَسَقَةٍ"، و"كَفَرَةٍ"، وليس بتكسير "سَرِيٍّ"؛ لأن "فَعِيلًا" لا يكسّر على "فَعَلَةَ"؛ ولأنّك تقول: "سَرَواتٌ"، فتجمعه بالتاء، ولم تقل: "فَسَقاتٌ". فدلّ أنّه ليس مثله. ولو كان جمعًا مكسّرًا، لقيل: "سُراةٌ" بالضمّ؛ لأنّ باب جمع ما كان معتلًا "فُعَلَةُ"، نحو: "غُزاة"، و"رُماة"، وبابُ ما كان صحيحًا "فَعَلَةُ"، نحو: "فَسَقَةٍ"،، و"كَفَرَةٍ".
ومثله "فاره"، و"فُرْهَةٌ"، يقالُ: "حِمارٌ فارِهٌ" إذا كان حادًّا في المَشْي، حاذقًا فيه، و"حَمِيرٌ فُرْهَةٌ"، مثل: "صاحِبٍ"، و"صُحْبَةٍ"، وهو اسم مفرد واقع على الجمع لعدم اطراده وجوازِ تصغيره على لفظه.
وكذلك "الضَّأْنُ"، يقال للواحد: "ضائِنٌ"، و"ضَأَنٌ" بالفتح، كـ"ماعِزٍ"، و"مَعَزٍ"، وقد يسكن الثاني، فيقال: "ضَأنٌ"، و"مَغزٌ"، فيكون على هذا "ضائن"، و"ضَأْنٌ"، كـ"راكِبٍ"، و"رَكْبٍ".
وقالوا: "غَزِيٌّ" والواحد "غازٍ". قال امرؤ القيس [من الطويل]:
٧٨٤ - سَرَيتُ بهم حتى تَكِلّ غُزاتُهم ... وحتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بأَرْسانِ
стр. 1219
ومثله "عازِبٌ"، و"عَزِيبٌ"، و"قاطِنٌ"، و"قَطِينٌ". وحكمه حكمُ "تاجِرٍ"، و"تَجْرٍ"، و"صاحبٍ"، و"صَحْبٍ"، في عدم اطّراده وتذكيره، نحو: "هو الغَزِيُّ"، وتصغيرِه على لفظه، فالَعازبُ الذي لا يروح على (١) الحَيّ من الإبل، والجمعُ "عَزِيبٌ"، مثل: "غازٍ"، و"غزِيّ". وعكسُه في المعنى "قاطنٌ"، و"قَطِينٌ"، يقال: "قَطَنَ بالمكان" إذا تَوطَّنه، فهو "قاطِن"، وجمعُه "قَطِينٌ"، مثل: "عازِبٍ"، و"عَزيبٍ"، و"غازٍ"، و"غَزِيٍّ".
وقالوا: "تُؤَامٌ" في جمع "تَوْأَمٍ" على زنة "فَوْعَلٍ"، مثلِ "جَوْهَرٍ"، والقياس "تَوَائِمُ" مثلُ "قَشْعَمٍ" و"قَشاعِمَ"، وقد جاء أيضًا على القياس. ونحوه قالوا: "رُخالٌ"، و"رِخالٌ"، بضمّ الراء وكسرها في جمع "رَخْلٍ"، وهي الأنُثى من ولد الضأن، والقياس "أَرْخالٌ"، كـ "كَبدٍ"، و"أَكْبادٍ".
فصل [ما يأتي مفردًا وجمعًا بلفظ واحد]
قال صاحب الكتاب: ويقع الاسم الذي فيه علامة التأنيث على الواحد والجميع بلفظ واحد, نحو: حنوة وبهمى وطرفاء وحلفاء.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الأسماء أسماء نباتٍ، فهي أجناسٌ يخلقها الله دفعةً واحدةٌ كالشجر والنَّخْل، فكان مقتضى الدليل أن يُميَّز الواحد من الجنس، بزيادة التاء، كما فُعل في نحو: "شَجَرَةٍ"، و"شَجَرٍ"، و"نَخْلَةٍ"، و"نَخْلٍ"، فلم يسغ ذلك في هذه الأسماء؛ لأنّ في آخرها علامة التأنيث، فتركوها على حالها، وفصلوا الواحد بالصفة، فقالوا إذا أرادوا الكثير: "حَنْوَةٌ". وإذا أرادوا الواحد، قالوا: "حنوةٌ واحدةٌ".
وكذلك "بُهْمَى"، و"طَرْفاء"، و"حَلْفاء"، تقول: "عندي بهمى كثيرةٌ"، و"بهمى واحدةٌ"، و"عندي طرفاء كثيرة"، و"طرفاء واحدة"، و"حلفاء كثيرة"، و"حلفاء واحدة". ولم يجز أن تقول في الواحدة: "بُهْماةٌ"، ولا "طَرْفاة"، كما قلت ذلك في "شَجَرَةٍ"، و"نَخْلَةٍ"؛ من قبل أنّك لا تجمع بين علامتَي تأنيثٍ في كلمة واحدة. يدلّ على ذلك أنّ ألف "أرْطى"، و"عَلْقى" لمّا كانت للإلحاق، ولم تكن للتأنيث، جاز أن تقول في الواحد: "علقاةٌ"، و"أرطاةٌ" كما قلت في "شجرة"، و"نخلة". فـ"الحَنْوَة" بالفتح: نبتٌ طيبُ الرائحة، قال الشاعر [من الكامل]:
٧٨٥ - وكأنّ أَنْماطَ المَدِينَةِ حَوْلها ... من نَورِ حَنْوَتِها ومن جَرْجارِها
стр. 1220
و"البُهْمَى": نبتٌ يُشبِه رأسُه سُنْبُلَ الزَّرْع، وليس إيّاه. و"الطرفاء": شجرٌ مُرٌّ. و"الحلفاء": نبتٌ في الماء، لا واحد لـ"طرفاء"، و"حلفاء". قال سيبويه (١): "الطرفاء" واحدٌ وجمعٌ. يريد أن هذا اللفظ يُستعمل للواحد والجمع، فإذا أريد به الواحد، مُيّز بالصفة على ما ذكرنا. وقد ذكر بعضهم أنّ واحد "طرفاء": "طَرَفَةٌ" بفتح الراء، وكذلك واحدُ "القَصْباء": "قَصَبَةٌ"، وأمّا "الحلفاء"؛ فقال الأصمعيّ: الواحد "حَلِفَةٌ" بالكسر، وقال أبو زيد والفرّاء: "حَلَفَةٌ" بالفتح، كـ"طَرَفةٍ"، و"قَصَبةٍ".
فصل [حمل الشيء علي غيره في الجمع]
قال صاحب الكتاب: ويحمل الشيء على غيره في المعنى, فيُجمع جمعه, نحو قولهم: "مرضى" و"هلكى" و"موتى" و"جربى" و"حمقى"، حملت على "قتلى" و"جرحى" و"عقرى" و"لدغى" ونحوها مما هو "فعيل" بمعنى "مفعول"، وكذلك "أيامي" و"يتامى" محمولان على "وجاعي" و"حباطي".
* * *
قال الشارح: اعلم أن الشيء يُحمَل على الشيء لمناسبةٍ بينهما، إما من جهة اللفظ، وإما من جهة المعنى. وقد تقدّم من ذلك كثيرٌ في التكسير. وهذه الأسماء حُملت على غيرها لتقارُبهما في المعنى؛ وذلك أن هذا البناء من الجمع إنّما يجمع عليه "فَعِيلٌ" إذا كان في معنى "مَفْعول"، وذلك بأنّ فعْله ممّا لم يُسمّ فاعله من نحو: "قَتِيل"، و"جَرِيحٍ". ألا ترى أنّ تقديره: قُتِلَ فهو قتيلٌ، وجُرِحَ فهو جَرِيحٌ.
стр. 1221
ولا يجمع من ذلك على "فَعْلَى"، إلا ما كان من الآفات والمكاره التي يُصاب بها الحَيُّ، وهو غير مُرِيد لها، نحو: "لَدِيغ"، و"عَقِير"، فتقول في تكسيره: "قَتْلَى"، و"جَرْحَى"، و"لَدْغَى"، و"عَقْرَى". ولا يقاَل في "حَمِيدٍ": "حَمْدَى" لأنّه ليس بآفةٍ، فأمّا "مَرْضَى"، و"هَلْكَى"، و"مَوْتَى"، و"جَرْبَى"، و"زمْنَى"، فليس الباب فيها أن تجمع على "فَعْلَى" لأنّ أفعالها لِما سُمّي فاعله، نحو: "مَرِضَ"، و"هَلَكَ"، و"مَاتَ"، و"جرِبَ"، و"زَمِنَ"، ولا تُبنَى لما لم يُسمّ فاعله، فلا يقال: "مُرض"، ولا "هُلك"؛ لأنّها غير متعدّية، فبابُها أن تجمع جمعَ السلامة، نحو: "مريضون"، و"جَرِبون"، و"زَمِنون"؛ لأنّها جاريةٌ على أفعالها، وتدخلها تاء التأنيث للفرق، فيقال: "مَرِضَتْ هنْدٌ فهي مَرِيضَةٌ"، و"زَمِنَتْ فهي زَمِنَةٌ"، فالقياس: "مريضون"، تجمعه بالواو والنون؛ لأن مؤنّثه يجمع بالألف والتاء، نحو: "مريضاتٍ"، و"زَمِناتٍ".
فأمّا جمعُهم إيّاه على "فَعْلَى"، فليس بالأصل، وإنّما هو بالحمل على "جريح"، و"جَرْحَى"، و"قتيل"، و"قَتْلَى"، لمشاركتها "فَعِيلًا"، في معنى "مَفْعول" في المكروه. قال الخليل (١): إنّما قالوا: "مَرْضَى"، و"هَلْكَى" ونحوهما؛ لأنّ هذه الأشياء أمور أُدْخلوا فيها، وهم لها كارهون، فصار بمنزلة المفعول به، نحو: "جريح"، و"جرحى" و"عقير"، و"عقرى". فهي فاعلة في اللفظ، ومفعولة في المعنى. وحُمل "فاعل" ها هنا على "المفعول"، إذ كان في معناه، كما حملوا مفعولًا على "فاعلٍ" إذا كان في معناه، نحو: قوله: "امرأةٌ حَمِيدَةٌ"، فأدخلوا فيها التاء، وإن كانت بمعنى "مفعول"؛ لأنّ الحمد شيءٌ يُطلَب، ويُرغَب فيه، فصارت بمنزلة الفاعل.
والذي يدلّ أن باب "مَرْضَى"، و"هَلْكَى" ونحوهما محمولٌ على "جرحى"، و"عقرى" قولك: "زَمِنون"، و"جَرِبون"، ولو كان أصلًا كـ"جَرْحَى"، لم يجمع جمعَ السلامة، كما أنّ "جريحًا" وبابه لا يجمع جمع السلامة؛ لأنّه يستوي فيه لفظُ المذكر والمؤنّث، فيقال: "رجل جريح"، و"امرأة جريح"، فلا يقال: "جَرِيحون" كما لا يقال: "جَرِيحاتٌ". والحملُ على المعنى هو الكثير، وقد جاء شيء من ذلك محمولًا على اللفظ، قالوا: "مِراضٌ"، كما قالوا: "ظَرِيفٌ"، و"ظِرافٌ"؛ لأنّه "فاعِلٌ" مثلُه، قال جرير [من البسيط]:
٧٨٦ - [قَتَلْنَنَا بِعُيُونٍ زَانَها مَرَضٌ] ... وفي المِراضِ لنا شَجْوٌ وتَعْذِيبُ
стр. 1222
وقالوا: "هالِكٌ"، و"هُلاكٌ"، و"هالكون"، كما قالوا: "شاهِدٌ"، و"شُهّادٌ"، و"شاهدون". وقالوا: "جَرِبٌ"، و"جِرابٌ"، جعلوه بمنزله "حَسَنٍ"، و"حِسانٍ"؛ لأنّ "فَعِلًا" و"فَعَلًا" يتقاربان، ألا تراهم قالوا: "بَطَلٌ"، و"أَبْطالٌ"، كما قالوا: "نَكِدٌ"، و"أَنْكادٌ". وقالوا أيضًا: "جُرْبٌ" على القياس من قوله [من الكامل]:
٧٨٧ - ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ به ... كاليومِ هانىءَ أَيْنُقٍ جُرْبِ
ومثلُ "مَرْضَى"، و"هَلْكَى" قولهم: "أَحْمَقُ"، و"حَمْقَى"، و"أَنْوَكُ"، و"نَوْكَى"، و"الأَنْوَك" الأحمق، جعلوا ما أُصيبوا به في عقلهم بمنزلةِ ما أُصيبوا به في أَبْدانهم.
ولا يجيء ذلك في كلِّ ما كان مثله، ألا ترى أنّك لا تقول في "بَخِيلٍ": "بَخْلَى"، ولا في "سَقِيمٍ": "سَقْمَى"؟ وقالوا: "يَتامَى"، و"أَيامَى" شبّهوهما بـ"وَجاعَى"،
стр. 1223
و"حَباطَى"؛ لأنّهما مصائبُ ابتُلوا بها كالأوْجاع لعدم القُيَّم بأمورهما. وإنّما قالوا: إِنّ "وجاعى"، و"حباطى" هما الأصل، و"يتامى"، و"أيامى" محمولان عليهما؛ لأنّ بابَ "فَعالَى" أن يكون جمعًا لـ"فَعْلانَ"، ويكون الألف والنون بمنزلة ألفَيِ التأنيث. فواحدُ "وجاعى": "وَجِعٌ"، وواحدُ "حباطى": "حَبِطٌ". و"فَعِلٌ"، و"فَعْلانُ" يشتركان كثيرًا، كقولهم: "عَطِشٌ"، و"عَطْشانُ"، و"عَجِلٌ"، و"عَجْلانُ". وليس الواحد من "يَتامَى"، و"أَيامَى": "يَتِمٌ"، "وأَيِمٌ"، فيكونَ مثله، فلذلك حمله عليه، ولم يجعله أصلًا. وقال بعضهم: الأصلُ في "أَيامَى": "أَيايِمُ"، فقلبوا الياء إلى موضع اللام، ثمّ فعلوا به ما فعلوا بـ"مَدَارى". والأوّل أقيسُ، فاعرفه.
فصل [ردّ المحذوف عند الجمع]
قال صاحب الكتاب: والمحذوف يرد عند التكسير وذلك قولهم في جمع: "شفة", و"است" و"شاة" و"يد": "شِفاهٌ" و"أستاهٌ" و"أيدٍ" و"يدي".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ ما حُذف منه حرفٌ، وبقي على حرفَيْن، على ضربَيْن: أحدهما ما تلحقه تاء التأنيث، فتكون كالعوض من المحذوف، وذلك نحو "سَنَةٍ"، و"قُلَةٍ"، و"شَفَةٍ"، و"شاةٍ". والثاني ما لا تاء فيه كـ"دَمٍ"، و"يَدٍ".
فما كان من الأوّل، فالبابُ فيه أن يجمع بالألف والتاء، نحو: "سَنَواتٍ"، و"قُلاتٍ"؛ لمكان التاء في آخِره. وقد يجمع بالواو والنون، نحو: "سِنُونَ"، و"قُلُونَ". وقد تقدّم ذلك وشرحُه في الجمع الصحيح. وربّما كسّروا منها شيئًا، فحينئذ يُرَدّ فيه المحذوف كما يردّ في التصغير، فمن ذلك "شَفَةٌ"، و"شِفاهٌ"، و"شاهٌ"، و"شِياهٌ". ولم يجمعوا ذلك بالواو والنون حيث كسّروه، وردوا ما حُذف منه، ولم يجمعوه أيضًا بالألف والتاء إذا أرادوا أدنى العدد، كأنّهم استغنوا بـ"شِفاهٍ" و"شِياهٍ" عن أدنى العدد، وإن كانت من أبنية الكثرة، كما استغنوا بـ"جُرُوحٍ" عن "أَجْراحٍ"، وقد تقدّم مثلُ ذلك.
ووزنُ "شفة"، و"شاة" في الأصل "فَعْلَةُ" كـ"جَفْنَةٍ"، و"قَصْعَةٍ"؛ ولذلك جُمعت على "شِفاهٍ"، و"شِياهٍ" كما قالوا: "جِفانٌ"، و"قِصاعٌ"، والأصل: "شَفْهَةٌ" اللامُ هاء، والهاء مشبَّهةٌ بحرف العلّة لخَفائها وضَعْفها بتطرُّفها. وهم كثيرًا ما يحذفون حروف العلّة إذا وقعت طرفًا، وبعدها تاء التأنيث، نحو: "ثُبَةٍ"، و"بُرَةٍ"، و"قُلَةٍ"، كأنّ تاء التأنيث قامت مقامَ المحذوف، فحُذفت الهاء هنا، كحذفها في "أَخ"، و"يَدٍ". يدلّ على ذلك ظهورُها في التصغير من نحو: "شُفَيْهَة"، وفي التكسير، نحو: "شِفاهٍ". وقالوا في الفعل: "شافَهْتُ مُشافَهةً"، ويقال للرجل العظيم الشَّفَتَيْن: "شُفاهِيٌّ". وذهب السِّيرافيّ إلى أنّها
стр. 1224
"شَفَهَةٌ"، و"شَوَهَةٌ"، بتحريك العين، وتكسيرُهما على "فِعالٍ"، نحو: "شِفاهٍ"، و"شِياهٍ" على حد "رَقَبَةٍ"، و"رِقابٍ".
والوجهُ ما ذكرناه لأنّ باب "قَصْعَةٍ"، و"جَفْنَةٍ" أكثرُ من باب "قَصَبَةٍ"، وَ"طَرَقَةٍ"، والعملُ إنّما هو على الأكثر لا على الأقلّ، مع أنّ الأصل عدمُ الحركة، فلا يُحكَم بها إلا بثَبَتٍ.
وزعم قومٌ أنّه من الواو، وأصلُه "شَفْوَةٌ" كـ"سَلْوَةٍ"، و"شَقْوَةٍ"؛ لأنّه يقال في الجمع: "شَفَواتٌ"، و"رجلٌ أَشْفَى" إذا كان لا تنضمّ شفتاه كالأَورق. والصحيحُ الأوّل، وما روَوه من "شفواتٍ" إن صحّ، فهو من معنى الشفة لا من لفظها، أو يكون كـ"عِضَةٍ" و"سَنَةٍ" في أنّه يكون له أصلان: الهاء والواو.
وأمّا "شاةٌ" فالأصلُ فيها "شَوْهَةٌ" أيضًا بسكون العين، ولامُها هاء بدليل قولهم في التصغير: "شُوَيْهَةٌ"، وفي الجمع: "شِياهٌ"، فظهورُ الهاء دليلٌ على ما قلناه، فحُذفت اللام على حدّ حذفها في "شفة". ولمّا انحذفت الهاء، بقي الاسم "شَوَةٌ"، فانفتحت الواو لمجاوَرة تاء التأنيث؛ لأنّ تاء التأنيث تفتح ما قبلها، نحو: "جاء طَلْحَةُ"، و"رَأَى حَمْزَةُ" فقُلبت الواو ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فصارت "شاةً". فإذا أريد تكسيرُها على أصل بنائها قبل الحذف، وذلك على تقدير التمام، فما وجب له في حال التمام من الجمع، عومِل به.
ومن ذلك "اسْتٌ"، و"أَسْتاهٌ"، و"يَدٌ"، و"أَيْدٍ"، و"يُدِيٌّ"، و"دَمٌ"، و"دِماءٌ". فأمّا "اسْتٌ"، فأصله: "سَتَةٌ" بالتحريك، ولامُه هاء، فحُذفت اللام، وأُسْكِنت الفاء لتدخل الهمزةُ عوضًا من المحذوف، فصار "اسْتًا". والذي يدلّ أن اللام هاء قولهم: "رجلٌ أَسْتَهُ بَيِّنُ السَّتَهِ" إذا كان كبير العَجُزِ، و"السُّتْهُمُ" و"السُّتاهِيُّ" مثله. وظهورُ الهاء فيما ذكرنا دليلٌ على أنّ اللام هاء. وربّما حذفوا العين، وأبقوا اللام التي هي هاء، فقالوا: "رجلٌ سَهٌ" قال الشاعر [من الطويل]:
٧٨٨ - شَأَتْكَ قُعَيْنٌ غَثُّها وسَمِينُها ... وأَنْتَ السَّهُ السُّفْلَى إذا دُعِيَتْ نَصْرُ
стр. 1225
وفي الحديث "العَينُ وكاء السَّهِ" (١). والأوّلُ أكثر؛ لأنّ الحذف في اللامات أكثرُ منه فيما هو عينٌ. ويدل على أنّ الأصل "سَتَهٌ" بفتح العين قولُهم في جمعه لأدنى العدد: "أَسْتاهٌ"، ولو كان "فَعْلًا" كـ"فَلْسٍ"، و"كَعْبٍ"، لقيل في جمعه: "أَسْتُهٌ"، كما قالوا: "أَفْلُسٌ"، و"أَكعُبٌ". ولا تكون الفاء مضمومَة أو مكسورة؛ لأنّ الفتحة قد ظهرت في "سَتَهٍ". وهذا نَصٌّ.
وأمّا "يَدٌ"، فقد تقدّم الكلام عليها، وأنّها "يَدْيٌ" بسكون العين من غير خلاف. وإنّما قلنا ذلك؛ لأنّ الحركة زيادةٌ، ولا سبيلَ إلى الحكم بالزيادة حتى تقوم الدلالةُ عليها، وليس في قوله [من الكامل]:
يَدَيانِ بَيضاوانِ عند مُحَلِّمٍ ... قد تَمْنعانك أن تُضامَ وتُضْهَدَا (٢)
في دليلٌ على حركة العين؛ لأنّ اللام لمّا حُذفت، وصارت العين حرفَ الإعراب، وتَعاقَبت عليها حركاتُ الإعراب، ثمّ رُدّت اللام، لم تسكن العينُ التي كانت متحرّكة، إذ لو سكنتْ، لصار الردُّ كَلَا رَدٍّ. وهذا الاسمُ من باب "سَلِسَ"، و"قَلِقَ"، فاؤُه ولامه ياء، وهو نادر، ليس في الأسماء مثله. والذي يدلّ أنّ لامه ياء قولهم: "يَدَيتُ إليه يَدًا" إذا أَوْليتَه معروفًا. قال الشاعر [من الوافر]:
٧٨٩ - يَدَيْتُ على ابن حَسْحاسِ بن وَهْبٍ ... بأَسْفَلِ ذِي الجِذاةِ يَدَ الكريمِ
стр. 1226
وسُمّيت "النِّعْمَةُ" يَدًا؛ لأنّ الإعطاء إنّما يكون باليد، فسُمّيت بها كما سمّوا الحِلْفَ يَمِينًا، لأنّهم كانوا يتعاطون أَيْمانَهمِ عند الحَلْف، ولكَوْن اليَد "فَعْلًا" جُمعت في القلّة على "أَفْعُلَ"، نحو: "أَيْدٍ"، كما قالوا: "أدْلٍ"، و"أَجْرٍ". وقالوا: "يُدِيٌّ" من قوله [من الطويل]:
٧٩٠ - [فَلَنْ أَذكُرَ النعمانَ إلا بصالِحٍ] ... فإنّ لَه عندي يُدِيًّا وأَنْعُمَا
وهذا الجمع أيضًا ممّا يدلّ على أنّ اليَد "فَعْلٌ"؛ لأنّ هذا الجمع إنّما يكون لِما هو على زنة "فَعْلٍ" ساكنَ العين نحو "عَبدٍ"، و"عَبِيدٍ"، و"كَلْبٍ"، و"كَلِيبٍ"، فاعرفه.
فأمّا "دَمٌ" فأصله "دَمْىٌ"؛ لقوله [من الوافر]:
جَرَى الدَّمَيانِ بالخَبَر اليَقِينِ (١)
ومن قال: "الدَّمَوانِ" جعله من الواو، والأوّل أكثر. وذهب أبو الحسن، وأبو
стр. 1227
العباس المبرّد إلى أنّ أصله "دَمَيٌ" بالتحريك، فهو "فَعَلٌ" كـ"جَبَلٍ"، وأنّ جمعه جاء مخالِفًا لنظائره. قالا: والذي يدلّ على ذلك أن الشاعر لمّا اضطُرّ، عاد إلى الأصل، ألا ترى إلى قوله [من الطويل]:
فلَسْنَا على الأَعْقاب تَدْمَى كُلُومُنا ... ولَكِنْ على أَقْدامِنا يَقْطُرُ الدَّمَا (١)
وقال الآخر [من الرمل]:
٧٩١ - غَفَلَتْ ثُمَّ أَتَت تَطلُبُه ... فإِذَا هي بعِظامٍ ودَمَا
قالا: ولا يُلزِم على هذا قوله [من الكامل]:
يديان بيضاوان عند محلّمِ (٢)
لاحتمالِ أن يكون على لغةِ من قصر، وقال: "هذه يَدَى"، و"رأيت يَدَى"، و"مررت بيَدَى" كـ"رَحى" و"قَفا". والوجهُ الأوّل، لما ذكرناه، ولأنّك تجمعه في الكثرة على "دِماءٍ"، و"دُمِيّ" على حد "ظَبْي"، و"ظِباءٍ" و"ظُبِىٍّ" و"دَلْوٍ" و"دِلاءٍ"، و"دُلِيٍّ". وأمّا قولهما: إنّ جمعه جاء مخالفًا، فالأصلُ عدمُ مُخالَفةِ القياس، وسُلوكُ مَحَجَّته، ومَهْمَا أَمْكَنَ العملُ به، فلا يُعدَل عنه، وأمّا قوله [من الطويل]:
ولكن على أقدامنا يقطر الدَّما (٣)
فعلى لغة من قصر، فاعرفه.
стр. 1228
فصل [جمع المذكَّر الذي لم يُكسَّر]
قال صاحب الكتاب: والمذكر الذي لم يكسر يجمع بالألف والتاء نحو قولهم السرادقات وجمالات سبحلات وسبطرات. ولم يقولوا جوالقات حين قالوا: جواليق. وقد قالوا بوانات مع قولهم بون.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الأسماء، لمّا لم يدخلها التكسير، وكانت قد تصير إلى تأنيث الجمع، تَخيلوا فيها التأنيثَ، فجمعوها بالألف والتاء على حدِّ ما فيه تاء التأنيث، فقالوا: "سُرادِقاتٌ"، والواحد: "سُرادِقٌ"، وهو البيت من القُطن. وقالوا: "جِمالٌ سِبَحْلاتٌ"، والواحد: "سِبَحْلٌ" مثلُ "قِمَطْرٍ"، وهو البعير الضخم. وقالوا: "سِبَطْراتٌ"، والواحد: "سِبَطْرٌ"، أي: ممتدّ طويل، وقالوا: "جُوالِق"، ولم يقولوا: "جوالقات"، فيجمعوه بالألف والتاء حيث كسروه، وقالوا: "جَوالِيقُ"، و"الجوالق": وعاءٌ من صوف وغيره. وقالوا: "بُوَاناتٌ" مع قولهم: "بُونٌ"، والواحد: "بِوانٌ" بكسر الباء، وهو عمود من أعمدة الخَيْم، فجمعوه بالألف والتاء مع أنّهم قد كسّروه. وذلك قليل، وما كان من هذا الجمع، فسبيلُه أن يُحفَظ ولا يقاس عليه.
стр. 1229
ومن أصناف الاسم
المعرفة والنكرة
فصل [تعريف المعرفة وأضربها]
قال صاحب الكتاب: فالمعرفة ما دل على شيء بعينه, وهو على خمسة أضرب: العلم الخاص، والمضمر، والمبهم وهو شيئان: أسماء الإشارة, والموصولات، والداخل عليه حرف التعريف، والمضاف إلى أحد هؤلاء إضافة حقيقة.
* * *
قال الشارح: اعلم أن المَعْرِفَة في الأصل مصدرُ "عَرَفْتُ مَعْرِفَةٍ وعِرْفانًا"، وهو من المصادر التي وقعت موقع الأسماء، فالمراد بالمعرفة الشيء المعروف، كالمراد بنَسْج اليَمَن أنَّه منسوجُ اليمن، وكقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (١)، أي: مَخْلُوقُه، وكذلك النكرةُ بمعنى المنكور، والمرادُ بالمعرفة ما خَصَّ واحدًا من الجنس، لا يتناول غيرَه، وذلك متعلّقٌ بمعرفة المخاطب دون المتكلّم، إذ قد يذكر المتكلّمُ ما هو معروف له، ولا يعرفه المخاطبُ، فيكون منكورًا، كقول القائل لمن يخاطبه: "في داري رجلٌ"، و"لِي بُسْتانٌ"، وهو يعرف الرجل والبستان، وقد لا يعرفه المتكلّمُ أيضًا، نحو قولك: "أنا في طَلَبِ غلامٍ أشتريه، ودارٍ أكتريها"، ولا يكون قصدُه إلى شيء بعينه.
واعلم أنّ النكرة هي الأصل، والتعريف حادثٌ؛ لأنّ الاسم نكرة في أوّلِ أمره مبهمٌ في جنسه، ثمّ يدخل عليه ما يُفْرِد بالتعريف، حتى يكون اللفظ لواحدٍ دون سائر جنسه، كقولك: "رجلٌ"، فيكون هذا الاسم لكلّ واحد من الجنس، ثمّ يحدث عهدُ المخاطب لواحدٍ بعينه، فتقول: "الرجلُ"، فيكون مقصورًا على واحد بعينه، فالنكرةُ سابقةٌ، لأنّها اسم الجنس الذي لكلّ واحد منه مثلُ اسم سائرِ أُمَّتِه، وضعه الواضعُ للفصل بين الأجناس، فلا تجد معرفةً إلَّا وأصلُها النكرة؛ إلَّا اسمَ الله تعالى؛ لأنّه لا شريكَ له
стр. 1230
سبحانه وتعالى، فالتعريفُ ثانٍ أُتي به للحاجة إلى الحديث عن كلّ واحد من أشخاص ذلك الجنس، إذ لو حُدّث عن النكرة، لَمَا علم المخاطُب عمَّن الحديثُ، ويزيد ما ذكرناه عندك وُضوحًا أنّ الإنسان حين يُولَد، فيُطلَق عليه حينئذ اسمُ رجل، أو امرأةٍ، ثمّ يُميَّز باللَّقَب، والاسم.
والمعارف خمسةٌ على ما ذكر، فمنها العَلَم الخاصّ، نحو: "زيد"، و"عبد الله"، فهو معرفةٌ؛ لأنّه موضوع بإزاء واحد بعينه لا يشركه فيه غيرُه، وقد تقدّم الكلام في الأعلام في أوّلِ الكتاب.
وقوله: "الخاصّ" تحرُّرٌ من الأسماء العامّة، نحو "رجل"، و"فرس" ونحوهما من أسماء الأجناس، فإنّ الأسماء كلّها أعلامٌ على مسمَّياتها، إلَّا أنّ منها ما مسمّاه عامٌّ، وهو اسمُ الجنس، ومنها ما مسمّاه خاصٌّ، نحو: "زيد"، و"عبد الله"، ونحوهما. فاسمُ الجنس مسمّاه عامّ، والعَلَمُ مسمّاه خاصّ.
ومنها المُضْمَر، وهو ضربٌ من الكناية فكلُّ مضمر كنايةٌ، وليس كل كناية مضمرًا. وإنّما صارت المضمرات مَعارِفَ؛ لأنّك لا تُضْمِر الاسم إلَّا وقد علم السامعُ على مَن يعود، فلا تقول: "ضربتُه"، ولا "مررت به" حتى يعرفه، ويدري مَن هو.
ومن ذلك الأسماء المُبْهَمة، وهي ضربان: أسماء الإشارة، والموصولاتُ، فأمّا أسماء الإشارة، فنحو "ذَا"، و"ذِهْ"، و"ذَانِ"، و"تَانِ"، و"أولاء". ومعنى الإشارة الإيماء إلى حاضرٍ، فإن كان قريبًا، نبّهتَ عليه بها نحو "هذا"، و"هَاتَا"؛ وإن كان بعيدًا، ألحقته كافَ الخطاب في آخره، نحو: "ذَاك" للفرق بينهما. ومعنى التعريف فيه أن يختصّ واحدًا ليعرفه المخاطبُ بحاسّة البَصَر، وغيرُه من المعارف يختصّ واحدًا ليعرفه بالقلب. ومن الفرق بين المضمر والمبهم، أنّ المضمر في الغائب يبيَّن بما قبله، وهو المظهر الذي يعود عليه المضمرُ، نحو قولك: "زيدٌ مررتُ به"، والمبهمُ الذي هو اسم الإشارة يُفسَّر بما بعده، وهو اسمُ الجنس كقولك: "هذا الرجل والثوب" ونحوه. وقد مضى الكلام على أسماء الإشارة بما فيه مَقنعٌ.
والمعنيُّ بالإبهام وقوعُها على كلّ شيء من حَيَوان وجَماد وغيرِهما، ولا تختص مسمّى دون مسمّى، هذا معنى الإبهام فيها، لا أن المراد به التنكير، ألا ترى أنّ هذه الأسماء معارفُ لِما ذكرناه فيها.
والقسم الثاني من المبهمات - وهو الاسم الموصول كـ"الَّذِي"، و"الَّتِي"، و"مَنْ"، و"ما"، وتقدّم الكلام عليها. وكلُّها معارفُ بصلاتها، فبَيانُها بما بعدها أيضًا، إلَّا أنّ أسماء الإشارة تُبيَّن باسم الجنس، والموصولات تبين بالجمل بعدها. والذي يدلّ أنّها معارف أنّه يمتنع دخولُ علامة النكرة عليها، وهي "رُبَّ"، وتُوصَف بالمعارف، نحو