منه، ووقعت ياءُ التصغير ثالثة، بعدها الواوُ التي هي عين الكلمة متحرّكة، فقُلبت الواو ياءً، وادُّغمت فيها الياء الأوُلى، واجتمعت مع الياء الأخيرة التي هي لامٌ، فاجتمع ثلاثُ ياءات، فحُذفت الأخيرةُ على ما تقدّم. وقيل: "غُوَيَّةٌ" على منهاجِ "فُعَيْلَةَ"، ووزنُها في الحقيقة "فُوَيْعَةُ"، واللام محذوفةٌ.
وأمّا "مُعاوِيَةُ"، فإنّك إذا صغرتَه، حذفت ألفَه؛ لأنّه على خمسة أحرف، وفيها زيادتان: الميم والألف، وكانت الميم مزيدة لمعنًى، والألفُ لغيرِ معنى، فحُذفت الألف كما يُفْعَل في "مُغْتَلِمٍ"، و"مُنْطَلِقٍ" إذا صغّرتهما، فإنّك تحذف التاء والنون دون الميم، وإذا حذفت الألف، وقعت ياءُ التصغير ثالثةً، فتجتمع مع الواو التي هي عين الكلمة. ومن قال: "أُسيْوِدُ"، ولم يقلب، قال: "مُعَيْوِيَةُ" من غير قلب ولا حذفِ شيء؛ لأنّه لم تجتمع ثلاث ياءات، ومن قال "أُسَيِّدُ"، قال: "مُعَيَّةُ"؛ لأنّه لمّا قُلبت الواو ياءً لاجتماعها مع ياء التصغير، وكانت الياءُ التي هي لامٌ بعدها؛ اجتمع ثلاثُ ياءات، فحُذفت اللام، وبقي "مُعَيَّةُ" على زنة "مُفَيْعَةَ". قال الشاعر [من الوافر]:
٨٢٥ - وَفاءٌ يا مُعَيَّةُ من أبِيه ... لِمَنْ أوْفَى بعَهدٍ أو بعَقْدِ
ومن ذلك "أحْوَى"، وهو"أفْعَلُ" من "الحُوَّة"، وهي سُمْرَةُ الشَّفَة. يُقال: "رجلٌ أحْوَى"، و"امرأةٌ حَوّاءُ"، وهو من باب "الهُوَّة"، و"القُوَّة"، عينُه ولامه واوٌ. وإنّما وقعت الواو رابعة، فانقلبت ياءً على حدّ انقلابها في "أغْزَيْت"، و"أدعَيتُ"، ثمْ قُلبت الياء ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها. فإذا صغّرته، قلت: "أُحَيٌّ" غيرَ مصروف. هذا مذهب سيبويه (١)، وذلك أنّك زدت ياءَ التصغير ثالثةً، فاجتمعت مع الواو التي هي عينٌ، فانقلبت ياء على ما قدّمناه، وكان بعدها الياء المبدلة من لام الكلمة، فاجتمع ثلاثُ
стр. 1297
ياءات، فحُذفت الأخيرةُ، ولم يُعْتَدّ بالنقص؛ لأنّ ما حُذف للتخفيف كان في حكم المنطوق به. وقاسَه سيبويه (١) على "أصَمُّ"، فإنّه لا ينصرف، وإن كان نقص عن بنيةِ "أفْعَلُ". ألا ترى الأصل "أصمَمُ"، فلمّا أريد الاِدّغامُ؛ نقلوا حركة العين إلى الفاء، ففارَقَ بناءَ "أفْعَلُ". ومع ذلك فهو لا ينصرف.
وكان عيسى بن عمر يصرفه (٢)، ويقول: "أُحَيٌّ يا فَتَى"، كأنّه اعتبر نَقْصَه وخروجَه عن زنةِ "أفْعَلُ". وفرق أبو العبّاس المبرَّد بين المسألتَين، فقال: "أُحَيّ" قد ذهبت لامه، وتَغيَّرت بنيتُه، فصار إلى زنةِ "أفَيْعٌ"، و"أصَمٌّ" لم يذهب منه شيءٌ، وإنّما نُقلت حركةُ ميمه إلى الصاد، فهي موجودة في الكلمة غيرُ محذوفة منها. وهذا القولُ ضعيف بدليلِ أنّنا لو سمّينا بـ "يَعِدُ"، و"يَضَعُ" رجلاً، فإنّه يمتنع من الصرف، وإن كان محذوفًا منه؛ كذلك ههنا.
وكان أبو عمرو بن العَلاء يقول: "هو أُحَيٍّ" (٣)، كأنَّه يجعله منقوصًا، ورَدَّ سيبويه (٤) قولَه بقولنا: "عُطَيٌّ"، ولم نجعله منقوصًا، وإن كان في آخِره ياءٌ قبلها مكسورٌ، بل حذفنا الأخيرة لاجتماع الياءات.
فأمّا من قال: "أُسَيْوِدُ"، فإنّه يقول هنا "أُحَيْوٍ" لا غيرُ، يجعله منقوصًا, ولا يحذف الياءَ؛ لأنّه لم يجتمع في آخِره ثلاثُ ياءات.
فصل [تصغير ما خُتم بتاء التأنيث]
قال صاحب الكتاب: وتاء التأنيث لا تخلو من أن تكون ظاهرة أو مقدرة, فالظاهرة ثابتة أبداً, والمقدرة تثبت في كل ثلاثي, إلا ما شذ من نحو: "عُريسٍ", و"عُريب".
* * *
قال الشارح: علامة التأنيث علامتان: التاء والألف، فالتاءُ إذا كانت ظاهرةً في الاسم تثبت في تحقيره، قلّت حروفُه، أم كثُرت؛ لأنّها بمنزلةِ اسم ضُمّ إلى اسم، نحوِ: "حَضْرَمَوْتَ". ألا ترى أنّها تدخل على المذكّر، فلا تُغيِّر بناءَه، ويكون ما قبلها مفتوحًا؟ وإذا كان ذلك كذلك؛ فالبابُ فيها أن تُصغِّر الاسم من أيِّ باب كان، ثمّ تأتي بها كما تفعل بالمركّب، وذلك قولك في "تَمْرَةٍ": "تُمَيْرَةٌ"، وفي "حَمدَةٍ" "حُمَيْدَةٌ"، وفي "قُرْقَرَةٍ": "قَرَيْقِرَةٌ"، وفي "سَفَرْجَلَةٍ": "سُفَيْرِجَةٌ".
وأمّا التاء المقدّرة، فهي تظهر في تحقير كلّ اسم مؤنّث ثلاثيّ، وذلك قولك في: "قَدَمٍ": "قُدَيْمَةٌ"، وفي "يَدٍ": "يُدَيَّةٌ"، وفي "هِنْدٍ": "هُنَيْدَةُ". وإنّما لحقت التاءُ في تحقير
стр. 1298
المؤنّث إذا كان على ثلاثة أحرف؛ لأمرَيْن: أحدُهما أنّ أصل التأنيث أن يكون بعلامةٍ، والآخرُ خفّةُ الثلاثيّ. فلمّا اجتمع هذان الأمران، وكان التصغير قد يردّ الأشياءَ إلى أُصولها؛ فأظهروا العلامة المقدّرة لذلك.
وقد شذّت أسماءٌ، فجاءت مصغرةٌ على حدّ مجيئها مكبَّرة من غيرِ علامة، وذلك ستّةُ أسماء، منها ثلاثةُ أسماء قد ذكرها سيبويه، وهي "الناب" للمُسِنّة من الإبل، و"الحَرْبُ"، و"الفرَسُ" فإذا حقّرتها، قلت: "نُيَيْبٌ"، و"حُرَيْبٌ"، و"فُرَيْسٌ".
فأمّا "النابُ" من الإبل، فإنّما قالوا: "نُيَيْبٌ"؛ لأنّ الناب من الأسْنان مذكّرٌ، وإنّما قيل للمُسِنّة من الإبل: نابٌ، لطُول نابها، فكأنّهم جعلوها النابَ من الأسْنان.
وأمّا "الحَرْب"، فمصدرٌ وُصف به، كقولهم: "رجلٌ عَدْلٌ" وكأن الأصل "مُقاتَلةٌ حَرْبٌ"، أي: حاربةٌ للمال والنفسِ، ثمّ حُذف الموصوف، وقيل: "حربٌ"، كما قيل: "عدلٌ".
وأمّا "الفَرَسُ"، فاسمٌ مذكّرٌ يقع على المذكّر والأُنثى كالإنسان والبَشَر في وقوعه على الرجل والمرأة، فصُغّر على أصله، فلو أُريد الأنُثى، لم يُقَل إلا: "فُرَيْسَةٌ".
فأمّا الثلاثة الأخَرُ، فحكاها أبو عمر الجَرْميّ، وهي دِرْعُ الحديد، كأنّهم لحظوا فيها معنى التذكير، فصُغّرت من غير علامة تأنيث، فالدرعُ قَمِيصٌ، والقَوسُ عُودٌ، والعُرس تَعَرِيسٌ، وَوَقْتٌ، و"العَرَبُ" مؤنّثةٌ كأنّهم ذهبوا إلى البادِيَة؛ فلذلك قالوا: "العَرَبُ العارِبَةُ"، وصغّروه من غير إلحاقِ تاء، فقالوا: "عُرَيْبٌ". قال أبو الهِنديّ [من المتقارب]:
٨٢٦ - وَمَكنُ الضِّبَابِ طَعَامُ العُرَيْبِ ... ولا تَشتَهِيه نُفُوسُ العَجم
كأنّهم عنوا الجِيلَ من الناس.
* * *
стр. 1299
قال صاحب الكتاب: ولا تثبت في الرباعي إلا ما شذ من نحو: "قُدَيديمة" و"وُريئة".
* * *
قال الشارح: فأمّا الاسم الرباعيّ، فإنّ تاء التأنيث لا تظهر في مصغّره إذا لم تكن ظاهرةً في مكبَّره؛ لأنها أثقلُ، والحرفُ الرابع ينزل عندهم منزلةَ عَلَم التأنيث لطُول الاسم به. ألا ترى أنه صار عدةُ "عُنَيِّقٍ"، بغير هاء، كعدّة "قُدَيْمَةٍ" و"رُجَيْلَةٍ" بالهاء. وقد شذّ اسمان من الرباعيّ، قالوا: "قُدَيْدِيمَةٌ"، و"وُرَيئَةٌ" تصغيرُ "قُدّامَ"، وَ"وَراءٍ". قال الشاعر [من البسيط]:
٨٢٧ - [وَقَدْ عَلَوْتُ قُتُودَ الرَّحْلِ يَسفَعُني] ... يَوْمٌ قُدَيْدِيمَة الجَوزاءِ مَسْمُومُ
وقال الآخر [من الطويل]:
٨٢٨ - قُدَيْدِيمَةَ التَّجْرِيبِ والحِلْمِ إنَّنِي ... أرَى غَفَلاتِ العَيشِ قَبْلَ التَّجارِبِ
стр. 1300
وذلك لأنّ سائر الظروف مذكّرةٌ، والبابُ فيها على التذكير، فلو لم تظهر علامةُ التأنيث في التصغير، لم يكن على تأنيثٍ واحد منهما دليلٌ، فإن كان في الرباعيّ المؤنّث ما يوجب التصغيرَ بحذفِ حرف منه حتى يصيرَ على لفظ الثلاثيّ، وجب ردُّ التاء، كقولك في تصغيرِ "سَماءٍ": "سُمَيَّة"؛ لأنّ الأصل "سُمَيِّيٌ"، بثلاث ياءات، فحُذفت واحدة منها، كما قالوا في تصغير "عَطاء" "عُطَيٌّ"، بحذفِ ياء، فلمّا صار ثلاثيَّ الحروف؛ زادوا التاء، كما زادوها في "قُدَيمَةٍ"، ولذلك لو صغّرتَ "سُعادَ"، و"زينَبَ" تصغيرَ الترخيم؛ لقلت: "سُعَيْدَةُ"، و"زُنَيْبَةُ". فاعرفه.
[تصغير ما خُتم بالألف]
قال صاحب الكتاب: وأما الألف فهي إذا كانت مقصورة رابعة؛ تثبت نحو: "حُبيلى"، وسقطت خامسة فصاعداً, كقولك: "جحيجب", و"قريقرٌ", و"حويل", في "جحجبى", و"قرقرى", و"حولايا".
* * *
قال الشارح: إنّما تثبت ألف التأنيث في "حُبَيلَى"، و"بُشَيرَى"؛ لأنّ الكلمة بها على أربعة أحرف، وأنت لا تحذف في التصغير من الأربعة شيئًا؛ لأنّه لم تخرج بها عن بناء التصغير، وهو "فُعَيعِلٌ"، وصار كـ"جُخدَب"، و"جُخَيدِب"، إلا أنّهم فتحوا الحرف الذي بعد ياء التصغير، وكان القياسُ كسرَه على حد انكساره في "جُعَيفِرٍ"؛ لأنّ ألف التأنيث تَفتح ما قبلها، كما أنّ التاء كذلك، فـ"حبيلى" بمنزلة "حُبَيلَةٍ"، فلو كسروا ما قبل الألف، انقلبت ياءً. وألفُ التأنيث لا تكون منقلبةٌ؛ لأن انقلابها يُذهِب دلالتَها على التأنيث، إذ التأنيث مستفادٌ من لفظ الألف. فإن كانت الألف لغير التأنيث، انقلبت ياءً؛ لأنّك تكسر
стр. 1301
ما قبلها، كما تكسر في الرباعيّ، كقولك في "مَرْمَى": "مُرَيْم"، وفي "أرْطى": "أُرَيْطٍ". فالألفُ في "مَرْمى" لامُ الكلمة، وهي منقلبة عن ياءِ "رَمَيْتُ"، والألفُ في "أرْطًى" زائدةٌ للإلحاق، والذي يدلّ على زيادتها قولُهم: "أدِيمٌ مَأْرُوطٌ"، أي: قد دُبغ بالأرطى، وهو شجر معروف. ودليلُ كونها لغير التأنيث قولُهم: "أرْطى" بالتنوين، وألفُ التأنيث لا يدخلها تنوينٌ، وقولُهم في الواحد: "أرطاةٌ"، ولو كانت للتأنيث، لم تدخلها تاءُ التأنيث؛ لأنّ التأنيث لا يدخل على تأنيث. ومثله "مِعْزى"، و"مُعَيْزٍ" لتنوينه ودخولِ التاء في الواحدة، نحوِ "مِعْزاةٍ".
فأمّا "عَلْقى"، و"ذِفْرى"، و"تَتْرى" فمن نوّنها، فالألفُ عنده للإلحاق، لا للتأنيث؛ لأنّ ألف التأنيث لا تنوَّن، فلذلك تقول في تحقيره: "عُلَيْقٍ"، و"ذُفَيْرٍ"، و"تُتَيْرٍ". ومنهم من لا يُنوِّن ويجعلها للتأنيث، فهي ثابتة في التصغير كألف "حُبْلَى"، فتقول: "عُلَيْقَى"، و"ذُفَيْرَى"، و" تُتَيْرَى".
وقول الشيخ: "إذا كانت مقصورةً رابعةً"، فإنّ فيه زيادةَ قَيْدٍ لا حاجةَ به إليه, لأنّها إذا كانت رابعة لا تكون إلا مقصورةً؛ لأنّ ألف التأنيث في "حَمْراءَ" ونحوِها قبلها ألفٌ أُخرى للمدّ، ولذلك كانت ممدودة، فهي في الحقيقة خامسةٌ.
وأمّا إذا وقعت الألف المقصورة خامسةً، فإنّك تحذفها في التصغير، أبدًا سواء كانت للتأنيث، أو لغير تأنيث، وذلك إذا كان قبلها أربعةُ أحرف أُصول. مثالُ ما كان ألفُه للتأنيث قولُك: "قُرَيْقِرٌ"، و"جُحَيجِبٌ" في تصغير "قَرْقَرَى"، وهو اسمُ موضع، و"جَحْجَبَى" اسمِ رجل. والذي يدلّ أنّ الألف فيهما للتأنيث امتناعُهما من الصرف، وعدمُ دخول التنوين عليهما. ومثالُ ما كان لغير التأنيث قولهم: "حُبَيْرِكٌ"، و"صُلَيْخِدٌ" في تصغير "حَبْرَكى"، وهو ضربٌ من القُراد، وقد استُعير للقصير، وتصغيرِ"صَلَخدى"، وهو الجَمَل القويّ. فهذا الضرب ألفُه زائدة للإلحاق "بسَفَرْجَلٍ"، و"شَمَرْدَلٍ". يدلّ على ذلك قولُهم للواحدة: "حَبْرَكاةٌ", وللناقة: "صَلَخْداةٌ".
وأمّا "حَوْلايَا"، وهو اسم رجل، فتقول في تصغيره: "حُوَيْليٌّ"؛ لأنّك تحذف الألف الأخيرة إذا كانت ألفَ تأنيث مقصورةً، فيبقى "حَوْلايَ" على خمسة أحرف، والرابع منها ألفٌ، فلا تسقط، بل تُقلَب ياءً؛ لانكسار اللام بعد ياء التصغير، وتُدَّغم فيما بعدها، فيصير "حُوَيْلِىٌّ".
والذي وقع في نُسَخ الكتاب "حُوَيْلٍ"، كأنّه حذف الألف وما قبلها، فبقي "حَوْلا"، ثم قُلبت الألف ياءً لانكسار ما قبلها، فقال: "حُوَيلٍ" منقوصًا. والصوابُ ما ذكرناه متقدمًا، وإنّما حذفوا الألف إذ وقعت خامسةً فصاعدًا في هذا الباب؛ لأنّ بناء التصغير قد انتهى دونها، والألفُ زائدةٌ، فلم تكن لِتكون بأقوى من الحرف الأصليّ، نحوِ لام
стр. 1302
"سَفَرْجَلٍ" وما أشبهها من الأُصول، وإذا وجب حذفُ الأصل الأقوى فيما ذكرنا، كان حدفُ الزائد أوْلى لضُعْفه.
فإن قيل: فهلاّ حذفتم الألف الممدودة في مثل "خُنْفَساءَ"؛ لانتهاء بناء التصغير دونها، وإلاَّ فما الفرقُ بينهما؟ قيل: الألف الممدودة مشبَّهةٌ بتاء التأنيث، فصارت لها مَزِيّةٌ، وصارت مع الأوّل كاسم ضُمّ إلى اسم، ولذلك تسقطان في التكسير، فيقال: "خُنفساء"، "وخَنافسُ"، كأنّك قلت: "خُنْفُسَةٌ"، و"خنافسُ". ومثلُها ياءُ النسبة والألف والنون الزائدتان، كقولنا: "زُعَيْفِرانٌ" في "زَعْفَرانٍ"، و"سَلْهَبِيٌّ"، و" سُلَيْهِبِيٌّ". والمقصورةُ ليست كذلك, لأنّها حرفٌ ميْتٌ للسكون الذي يلزمها، فحُذفت؛ لأنّها لا تُشْبِه الاسمَ الذي يُضَمّ إلى الاسم، بل هي متّصلةٌ بما قبلها، فتَنزَّلت منزلةَ الجزء منه، بدليل ثبوتها في التكسير، نحوِ قولك "حُبْلَى"، و"حَبالَى"، و"سَكْرَى"، و"سَكارَى".
فصل [تصغير ما كان علي خمسة أحرف رابعة حرف مدّ زائد]
قال صاحب الكتاب: وكل زائدة كانت مدة في موضع ياء "فعيعيلٍ", وجب تقريرها وإبدالها ياء إن لم تكنها، وذلك نحو: "مصيبيحٍ", و"كريديسٍ", و"قنيديلٍ", في "مصباحٍ", و"كردوسٍ" و"قنديلٍ".
* * *
قال الشارح: إذا كان الاسم على خمسة أحرف، وفيه زيادةُ حرف من حروف المَدّ واللّين، وكانت الزائدةُ رابعةً، فإنّ تلك الزيادة تثبت في التصغير على حدّ ثبوتها في التكسير، لا تحذف من الاسم شيئًا، بل إن كانت الزيادة ياءً، أقررتَها على حالها، وإن كانت ألفًا، أو واوًا، قلبتها إلى الياء؛ لانكسار ما قبلها وسكونِها في نفسها، وذلك في "قِنْدِيلٍ" "قُنَيْدِيلٌ" وفي "مِصْباح": "مُصَيْبِيحٌ"، وفي "كُرْدُوسٍ": "كُرَيْديسٌ". و"الكردوس" القِطعة من الخيل. وهذا معنى قوله: و"إبدالُها ياء إن لم تكنها"، أي: إن لم تكن المدّة ياءً، فإنّك تقلبها ياءً. وإنّما ثبتت المدّةُ الزائدةُ إذا وقعت رابعةً؛ لأنّه موضعٌ يكثر فيه زيادةُ الياء عوضًا، نحو قولك في "سَفَرْجَلٍ": "سُفَيْرِيجٌ"، وفي "فَرَزْدَقٍ": "فُرَيْزِيدٌ". وإذا كنتَ تزيدها بعد إن لم تكن، فإذا وجدتَها، كانت أحق بالثبات.
[تصغير الاسم الثلاثي المزيد بحرفين وليست إحدي الزيادتين مدّة]
قال صاحب الكتاب: وإن كانت في اسم ثلاثي زائدتان, وليست إحداهما إيّاها, أبقيت أذهبهما في الفائدة, وحذفت أختها، فتقول في "مُنطلقٍ", و"مُغتلمٍ" و"مُضاربٍ",
стр. 1303
و"مقدم", و"محمر", و"مهوم": "مطيلقٌ", و"مغيلمٌ" و"مضيربٌ", و"مقيدمٌ" و"مهيم" و"محيمر". وإن تساوتا, كنت مخيرًا، فتقول في "قلنسوة" و"حبنطي": "قلينسة", أو "قليسية" و"حبينطٌ" أو"حبيط".
* * *
قال الشارح: قوله: "إذا اجتمع في اسم ثلاثيّ زيادتان وليست إحداهما إيّاها"، يريد: ولم يكن إحدى الزيادتَيْن المدّةَ التي تقع رابعةً، فإن تلك لا تُحذَف. فإن كانت إحدى الزيادتَيْن ألزمَ للاسم وأذهبَ في الفائدة، أبقيتَها، وحذفتَ الأخرى. وذلك قولك في "مُنْطَلِقٍ": "مُطَيْلِقٍ"، وفي "مُغْتَلِمٍ": "مُغَيْلِمٌ"، فالميم والنون في "منطلق" زائدتان؛ لأنّه من "أطلقتُه"، وكذلك الميم والتاء في "مغتلم"؛ لأنّه من "الغُلْمَة"، فلمّا صغّرتَهما، أبقيتَ الميم فيهما، وحذفتَ الزائدة الأخرى، وهي النون أو التاء.
وإنّما كان إقرارُ الميم أَوْلى لأمَرْين:
أحدهما أنّ الميم ألزمُ في الزيادة. ألا ترى أنّ النون والتاء لا تُزادان في الاسم إلا مع الميم، وقد تزاد الميم وحدَها في نحو "مُكْرِمٍ"، و"مُحْسِنٍ"، فكانت ألزمَ من هذه الجهة.
الأمر الثاني أنّ الميم زيدت لمعنًى مُحصَّلٍ، والنونُ والتاء ليستا كذلك، فكأنّ حذف الميم يُذْهب دلالتَها. ألا ترى أنّ الميم زيدت في الاسم للدلالة على اسم الفاعل، والنون في "منطلق" والتاء في "مغتلم" إنّما جيء بهما بحُكْم جَرَيانِهما على الفعل؟ ألا ترى أنّ النون والتاء كانتا موجودتَيْن في "انطلق"، و"اغتلم"، ولم تكن الميم موجودة في الفعل، فلمّا اضطُررنا إلى حذف إحدى الزائدتَيْن؛ لئلاّ يخرج عن بِنْية التصغير، كان حذفُ ما له قَدَمٌ راسخةٌ في الزيادة وأَقَلّهما فائدةٌ أَوْلى بالحذف. وكذلك ما كان نحوهما من ذوات الثلاثة، وفيه زيادتان، وذلك نحو: "مُضارِبٍ"، و"مُقَدِّمٍ"، و"مُهَوِّمٍ"، و"مُحْمرِّ"، حُذفت من "مُضاربٍ" الألف حتى رجع إلى الأربعة، ثمّ صُغّر تصغيرَ الأربعة، و"مُقَدِّمٌ" المحذوف منه إحدى الدالين.
وأمّا "مُهَوِّمٌ" فإحدى الواوَيْن زائدةٌ، فحُذفت، ثمّ زيد عليها ياء التصغير، فصارت "مُهَيومٌ"، فقُلبت الواو ياء لاجتماعها مع ياء التصغير، وادّغمت فيها ياء التصغير.
وأمّا "مُحْمَرٌّ"، فالميم الأولى وإحدى الراءين زائدةٌ؛ لأنّه من "الحُمْرة"، فحُذفت الراء الزائدة، فبقي "مُحْمَرٌ" على أربعة أحرف، مثل: "جُخْدَبٍ"؛ فقيل فيه: "مُحَيْمِرٌ"، كما تقول: "جُخَيْدِبٌ". هذا إذا تَرجَّحت إحدى الزيادتَيْن على الأخرى.
فأمّا إذا تَساوتا في اللزوم والفائدة، كنت مُخَيِّرًا، أيَّهما شئتَ حذفتَ، فتقول في تحقير "قَلَنْسُوَةٍ": "قُلَيْسِيَةٌ" بحذف النون، وإن شئت "قُلَيْنِسَةٌ" بإثبات النون، وحذف
стр. 1304
الواو. وذلك أنّ الواو والنون زائدتان فيه، أمّا الواو؛ فلأنها لا تكون أصلاً في الثلاثة فصاعدًا. وأمّا النون فزائدةٌ أيضًا؛ لأنّها لا تكون ثالثة ساكنة إلا زائدةٌ، كنون "شَرَنبَث" (١)، و"عَصَنصَرٍ" (٢)، ومجراهما في الزيادة واحدٌ، فلذلك كنتَ مخيَّرًا في حذفِ أيّهما شئتَ، وتقول في تحقير "حَبَنْطى"، وهو القصير: "حُبَيطٍ"، وإن شئت: "حُبَينِطٌ"؛ وذلك أنّ النون والألف زائدتان للإلحاق بـ "سَفَرْجَلٍ"، فهما سِيّانِ، لا مَزِيَّةَ لإحداهما على الأخرى. والذي يدلّ على زيادتهما أنّ النون قد اطّردت زيادتُها إذا وقعت ثالثةً ساكنةً، نحو: "شرنبث"، و"عصنصر"، و"سَجَنْجَلٍ" (٣)؛ وأمّا الألف؛ فلأنّها لا تكون مع ثلاثة أحرف أصولٍ فصاعدًا إلا زائدةً، وسُمع فيها التنوين، فلا تكون للتأنيث، وكان الإلحاق معنًى مقصودًا، فحُملت عليه. فإذا صغّرتَه، فإن شئت حذفتَ النون وأبقيت الألف، إلا أنّك تقلب الألف ياءً؛ لانكسار الطاء قبلها، فقلت: "هذا حُبَيْطٍ"، و"مررت بحُبَيْطٍ"، و"رأيت حُبَيْطِيًا"، وإن شئت حذفت الألف، فقلت: "حُبَيْنِطٌ يا هذا". وحذفُ الألف أحبُّ إليّ لتطرُّفها.
[تصغير الثلاثي المزيد بثلاثة أحرف والرباعي المزيد]
قال صاحب الكتاب: وإن كن ثلاثاً, والفضل لإحداهن حذفت أختاها, فتقول في مقعنسس: "مُقيعسٌ"؛ وأما الرباعي, فتحذف منه كل زائدة, ما خلا المدة الموصوفة. تقول في "عنكبوتٍ": "عُنيكبٌ" وفي "مقشعرٌّ": "قُشيعرٌ", وفي "احرنجامٍ": "حُريجيمٌ".
* * *
قال الشارح: قوله: "وإن كنّ ثلاثًا" أي: إن كان في الاسم الثلاثيّ ثلاثُ زيادات، ولإحداهنّ فضلٌ ومَزيةٌ على أُخْتَيْها؛ أَبقيتَ ذاتَ المزيّة، وحذفتَ أختيها، نحو: "مُقعَنسِس"، إذا صغّرته، قلت "مُقَيْعِسٌ"، حذفتَ النون، وإحدى السينَيْن، وأبقيت الميم؛ لأنّها تدلّ على الفاعل، كما أبقيتَها في "مُغَيْلِم"، و"مُطَيْلِقٍ"، تصغير "مُغْتَلِم"، و"مُنْطَلِقٍ". هذا مذهب سيبويه (٤). وكان أبو العبّاس المبرّد يقول: "قُعَيْسِسٌ"؛ لأنّ "مقعنسسًا" ملحقٌ بـ "مُحْرَنْجِم"، وأنت تقول في "محرنجم": "حُرَيُجِمٌ"، فكذلك في "مُقْعَنْسِسٍ" لأنّ حكم الزائد فيه حكمُ الأصل. والمذهبُ الأول هو المختار؛ لأنّ
стр. 1305
المحذوف في "مقيعس" مع النون السينُ، وهي زائدة، والمحذوف في "محرنجم" الميم الأولى وحدَها؛ لأنّ الثانية أصلٌ، فلم تُحذَف.
وأمّا الرباعيّ، فإذا كان فيه زائدٌ، حذفتَه في التحقير، وتُبْقِي الأصول، فيقع التحقيرُ عليها، فتقول في "سُرادِقٍ": "سُرَيْدِقٌ"، بحذف الألف؛ لأنّها زائدة. وتقول في "جَحَنْفَلٍ": "جُحَيْفِلٍ"، بحذف النون؛ لأنّها زائدة، وتقول في "مُدَحْرِجٍ": "دُحَيْرِجٌ"، بحذف الميم؛ لأنّه ليس هناك زائدةٌ سِواه.
وكذلك تقول في "عَنْكَبُوتٍ": "عُنَيْكِبٌ" بحذف الواو والتاء؛ لأنّهما زائدان، كقولك في معناه: "عَنْكَبٌ"، وتقول في "مُقْشَعِرٌ": "قُشَيْعِرٌ"؛ لأنّ الميم وإحدى الراءين زائدة. أمّا الميم فلأنّها ليست موجودة في "اقْشَعَرَّ"، وإحدى الراءين؛ لأنّ الفعل لا يكون على أكثر من أربعة أحرف.
وكذلك تقول في تحقير "مُحْرَنْجِمٍ": "حُرَيْجِمٌ" لأنّ الميم زائدة، وكذلك تقول في تصغير: "احْرِنْجامٍ": "حُرَيْجِيمٌ"، فتصير حاله في حذف الزوائد كحال تصغير الترخيم، وتُخْلِد في الفرق إلى القرائن.
وقوله: "ما خلا المدّةَ الموصوفةَ"، يريد أنّ المدّة إذا وقعت زائدة رابعة فإنّها تثبت، ولا تُحذَف على ما تقدّم، ألا تراك تقول في "سِرْداحٍ": "سُرَيْدِيحٌ"، وفي "جُرْمُوقٍ" (١): "جُرَيْمِيقٌ"، وفي "قِنْدِيلٍ": "قُنَيْدِيلٌ"؛ لأنّه لا يخرج بهذه الزيادة عن بناء "فُعَيعِيلٍ"، فاعرفه.
فصل [جواز التعويض وتركُه فيما يحذف من الزوائد عند التصغير]
قال صاحب الكتاب: ويجوز التعويض وتركه فيما يحذف منه هذه الزوائد, والتعويض أن يكون على مثال "فعيعلٍ"، فيُصار بزيادة الياء إلى "فعيعيلٍ". وذلك قولك في "مغيلم": "مغيليمٌ", وفي "مقيدمٌ": "مُقَيديمٌ", وفي "عنيكبٍ": "عنيكيبٌ", وكذلك البواقي. فإن كان المثال في نفسه على "فعيعيلٍ" لم يكن التعويض.
* * *
قال الشارح: أنت مخيَّرٌ في التعويض وتركه فيما حُذف منه شيءٌ، سواء كان المحذوف أصلًا أو زائدًا، نحو قولك في "سَفَرجَلٍ": "سُفَيْرِجٌ"، وإن شئت: "سُفَيْرِيجٌ"، وفي "مُغْتَلِمٍ": "مُغَيْلِمٌ"، وإن شئت: "مُغَيْلِيمٌ"، وفي "مْقَدمٍ": "مُقَيْدِمٌ"، وإن شئت: "مُقَيْدِيمٌ"، وفي "عَنْكَبٍ": "عُنَيْكِبٌ"، وإن شئت: "عُنَيْكِيبٌ". فالتعويضُ خيرٌ لما لحقه
стр. 1306
من الإيهان بالحذف مع الوَفاء ببناء المصغّر وعدم الخروج عنه، وتركُ التعويض جائزٌ؛ لأنّ الحذف إنّما كان لضرب من التخفيف، وفي التعويض نقصٌ لهذا الغرض. هذا إذا لم يكن المثالُ على "فُعَيعِيلٍ" فأنت تُعوِّض من المحذوف، فيصير على مثاله.
فأمّا إذا كان المثال بعد الحذف على مثال "فُعَيْعِيلٍ"، فلا سبيلَ إلى التعويض؛ لأنّه يُخْرِجه عن أبنية التصغير، وذلك قولك في تحقير "عَيْطَمُوسٍ"، وهي من النساء التامّة الخَلق، وكذلك من الإبل: "عُطَيمِيسٌ"، وفي "عَيْسَجُورٍ"- وهي من النوق الصلْبة - "عُسَيجِيرٌ"؛ وذلك لأنّ الواو والياء فيهما زائدان، والاسمُ بهما على ستّة أحرف، فلو حذفت الواو، لزمك حذفُ الياء أيضًا؛ لأنّه يبقى على خمسة أحرف، وليس الرابع حرفَ مدّ، فحُذف الأوّل، وهو الياء، إذ لا يلزم حذفُ الواو؛ لأنّه يصير كـ"جُرمُوقٍ"، و"جُرَيْمِيقٍ"، وإذا صار بعد الحذف على مثال "فُعَيْعِيلٍ"، لم يكن إلى التعويض سبيلٌ؛ لأنّه يخرج به عن أبنية التصغير، فاعرفه.
فصل [تصغير جمع القلة]
قال صاحب الكتاب: وجمع القلة يحقر على بنائه, كقولك في "أكلب", و"أجربة", و"أجمال", و"ولدة": "أُكيلبٌ", و"أُجيربةٌ" و"أُجيمالٌ", و"وليدةٌ".
* * *
قال الشارح: المراد بتحقير الجمع تقليلُ عدده. والجمعُ جمعان: جمعُ تصحيح، وجمعُ تكسير. فما كان من الجمع صحيحًا بالواو والنون، نحوَ: "الزيدين"، و"العمرين"، أو بالألف والتاء، نحو: "الهندات"، و"المسلمات"، فإنّ تحقيرَ هذا وما كان نحوه على لفظه، تقول: "هؤلاء الزُّيَيْدون"، و"رأيت الزُّيَيْدِينَ"، و"هؤلاء المُسَيلِماتُ"، و"رأيت المُسَيلِماتِ"؛ وذلك لأنّا لو صغّرنا جمعًا من جموع الكثرة، لرددناه إلى الواحدة، ثم نجمعه جمعَ السلامة، فلأن يبقى ما كان مجموعًا جمعَ السلامة على لفظه في التحقير أَوْلى وأَخرَى.
وأمّا ما كان جمعًا مكسّرًا، فهو على ضربَيْن: جمعُ قلّة، وجمعُ كثرة. وأبنيةُ القلّة أربعةٌ: "أَفعُلُ"، و"أَفعِلَةُ"، و"أَفعالٌ"، و"فِعلَةُ". فإذا صغرتَ شيئًا من ذلك، صغّرته على لفظه، فتقول في "أَكلُبٍ"، و"أَكعُبٍ": "أكَيلِبٌ"، و"أُكَيعِبٌ"، وفي "أَجربةٍ"، و"أَقفِزَةٍ" "أُجَيرِبَةٌ"، و"أُقَيْفِزَةٌ"، وفي "أَجْمالٍ"، و"أَعدالٍ": "أُجَيْمالٌ"، و"أُعَيْدالٌ"، وفي "وِلْدَةٍ"، و"غِلْمَةٍ": "وُلَيْدَةٌ"، و"غُلَيْمَةٌ".
[تصغير جمع الكثرة]
قال صاحب الكتاب: وأما جمع الكثرة, فله مذهبان: أحدهما أن يرد إلى واحده,
стр. 1307
فيصغر عليه, ثم يجمع على ما يستوجبه من الواو والنون, أو الألف والتاء، أو إلى بناء جمع قلة إن وجد له. وذلك قولك في "فتيان": "فتيون", أو "فتيةٌ"، وفي "أذلاء": "ذليلون" أو "أذيلة"، وفي "غلمان": "غُليمون" أو "غليمة" وفي "دُورٍ": "دويرات", أو "أُديرٌ". وتقول في "شعراء": "شويعرون"، وفي "شسوعٍ": "شسيعات".
* * *
قال الشارح: أمّا ما كان من أبنية جمع الكثرة، وهو ما عدا ما ذكر، فلك في تحقيره مذهبان، أنت مخيَّرٌ فيهما:
أحدُهما أن تردّه إلى واحده، ثمّ تصغّره، وتجمعه بالواو والنون إن كان مذكّرًا يعقل، وبالألف والتاء إن كان مؤنّثًا أو غير عاقل. وذلك قولك في تحقير "رِجالٍ": "رُجَيْلُونَ"، وفي "شُعَراءَ": "شُوَيْعِرُونَ". تردّهما إلى "رَجُلٍ"، و"شاعرٍ"، ثمّ تصغّره على "رُجَيْلٍ"، و"شُوَيْعِرٍ"، ثمّ تُلْحِقه الواوَ والنونَ؛ لأنّه مذكّرٌ ممّن يعقل.
ولو صغّرت نحوَ "جِفانٍ"، و"قِصاعٍ"، و"دَراهِمٍ"، و"دَنانِيرَ"، لقلت: "جُفَيْناتٌ"، و"قُصَيْعاتٌ"، و"دُرَيهِماتٌ"، و"دُنَيْنِيراتٌ"؛ لأنّك رددتَها إلى الواحد، وواحدُ "جِفانٍ"، و"قِصاعٍ": "جَفْنَةٌ"، و"قَصْعَةٌ"، مؤنّثتان، وجمعُ المؤنّث بالألف والتاء. وواحدُ "الدراهمَ"، و"الدنانير": "دِرْهمٌ"، و"دِينارٌ"، فصغّرتهما على "دُرَيهِمٍ"، و"دُنَيْنِيرٍ"، ثمّ تُلْحِقهما الألف والتاء؛ لأنّهما لا يعقلان، وغيرُ العاقل في حكم المؤنّث.
والثاني: أن تنظر، فإن كان له في التكسير بناءٌ قلّة، رددتَه إليه، فتقول في تصغيرِ "فتْيانٍ": "فُتَيَّةٌ"، رددته إلى "فِتْيَةٍ"، ثمّ صغّرته؛ لأنّه بناءٌ قلّة، وإن شئت قلت: "فُتَيُّونَ"، فتردّه إلى الواحد، وتصغّره، ثمّ تجمعه بالواو والنون.
وتقول في "أذِلاّءَ": "أُذَيْلَّةٌ"، رددته إلى "أَذِلَّةٍ", لأنّه بناء قلّة من قوله تعالى: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). وإن شئت: "ذُلَيِّلُونَ" تردّه إلى الواحد، وهو"ذَلِيلٌ"، وتصغّره، ثم تجمعه بالواو والنون؛ لأنّه مذكّرٌ يعقل.
ومثله لو صغّرت نحو: "كِلابٍ"، و"فُلُوسٍ"، لجاز أن تقول: "كُلَيْباتٌ"، و"أكُيْلِبٌ"، و"فُلَيْساتٌ"، و"أُفَيْلِسٌ"؛ لأنّه له بناء كثرة وبناء قلّة. فإن شئت، أتيت ببناء القلّة، وإن شئت، رددته إلى الواحد، وتصغّره عليه، ثم تجمعه بالألف والتاء؛ لأنّه لا يعقل.
ولو صغّرت نحو: "جَرْحَى"، و"حَمْقَى"، و"هَلْكَى"، لقلت: "جُرَيْحُونَ"، و"أُحَيْمِقُونَ"، و"هُوَيْلِكون"، إن أردت المذكّر، و"جُرَيحاتٌ"، و"حُمَيْقاواتٌ"،
стр. 1308
و"هُوَيْلِكاتٌ"، إن أردت المؤنّث؛ لأنّ هذا الجمع يصلح للمذكّر والمؤنّث. وإنّما لم يُصغَّر جمعُ الكثرة على لفظه؛ لأنّه بناءٌ يدلّ على الكثرة، والتصغيرُ إنّما هو تقليل العدد، فلم يجز الجمعُ بينهما لتَضادِّ مدلولهما، وتناقُض الحال فيهما، إذ كنت مُقلِّلاَ بلفظ التصغير، مُكثِّرًا بلفظ الجمع.
[تصغير اسم الجمع]
قال صاحب الكتاب: وحكم أسماء الجموع حكم الآحاد، تقول: "قويمٌ", و"رهيطٌ", و"نفيرٌ", و"أُبيلةٌ", و"غُنيمةٌ".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إنّ هذه الأسماء أسماءُ الجمع، وليست بجموع كُسّر عليها الواحد، فيجري حكمُها على حكم الآحاد؛ فلذلك تُصغَّر على لفظها، فتقول في "قَوم": "قُوَيْمٍ"، وفي "رَهْطٍ": "رُهَيْطٌ"، كما تقول في "فَلْسٍ": "فُلَيْسٌ"، وتقول في "نَفَرٍ": "نُفَيْرٌ"، كما تقول في "جَمَلٍ": "جُمَيْلٌ"، وتقول في "إبِلٍ": "أُبَيْلَةٌ"، وفي "غَنَمٍ": "غُنَيْمَةٌ". تُلْحِقها تاء التأنيث؛ لأنّها مؤنّثة، كما تقول في "قَدَمٍ": "قُدَيْمَةٌ". ولو جمعتَ "قَوْمًا"، و"رَهْطًا"، فقلت: "أَقْوامٌ"، و"أراهِطُ"، لقلت في التحقير: "أُقَيّامٌ"، فتصغّره على لفظه؛ لأنّه بناء قلّة، وتقديرُه: "أُقَيْوامٌ"، فتقلب الواو ياء لوقوع ياء التصغير قبلها، فيصير: "أُقَيّامٌ" بياء مشدّدة. وتقول في "أَراهِطَ": "رُهَيْطُونَ"، تردّه إلى واحده، ثمّ تجمعه بالواو والنون. وحكى ابن السّرّاج فيه: "أَرْهُطًا"، فعلى هذا يجوز تصغيرُه عليه، فتقول "أُرَيْهِطٌ"، فاعرفه.
فصل [ما جاء في التصغير علي غير بناء المُكَبَّر]
قال صاحب الكتاب: ومن المصغرات ما جاء على غير واحدة كـ "أنيسيان", و"رويجلٍ"، و"آتيك مغيربان الشمس وعشيانًا وعشيشية". ومنه قولهم: "أغيلمةٌ", و"أصيبيةٌ", في "غلمةٍ" و"صبيةٍ".
* * *
قال الشارح: هذه ألفاظٌ قد شذّت عن القياس، وجاءت على غير بناء المكّبر، فهي في التصغير كـ"المَلامِح"، و"المَذاكير" في التكسير. فمن ذلك "أُنَيْسِيَانٌ" تصغيرُ "إنسانٍ"، زادوا في المصغر ياءً لم تكن في مكبّره، كأنّهم صغّروا "إنْسِيَانًا"، و"إنسيانٌ" غير معروف. ومن ذلك قولهم: "رُوَيْجِلٌ" في تصغير "رَجُلٍ"، وقياسُه "رُجَيْلٌ"، كأنّهم صغّروا "راجِلًا" في معنى "رَجُلٍ"، وإن لم يظهر به استعمالٌ، كما قالوا: "رَجُلٌ" في معنى "راجِلٍ". قال الشاعر [من البسيط]:
стр. 1309
٨٢٩ - أَمَا أُقاتِلُ عن دِينِي على فَرَسِي ... أو هَكَذا رَجُلًا إلا بأَصْحابِي
فكأنّهم صغروا لفظًا، ويريدون آخر، والمعنى فيهما واحد. وقالوا: "آتِيك مُغَيْرِبانًا، وعُشَيّانًا، وعُشَيْشِيَةً"، فأرادوا بـ "مُغَيْرِبانٍ" تصغيرَ "المَغْرِب". وليس ذلك بقياس، والقياسُ: "مُغَيْرِب". وإنّما جاؤوا به كأنّهم أرادوا "مَغْرِبانٌ".
وأمّا "عُشَيانٌ"، و"عُشَيْشِيَةٌ"، فهو تصغير "عَشِيَّةٍ" على غير قياس، فـ "عُشَيانٌ" كأنّه تصغيرُ "عَشْيانٍ" مثلِ "سَعْدانٍ"، فزيدت ياء التصغير ثالثةً، وبعدها الياء التي هي لامٌ، فادّغمت فيها، فصارت ياءً مشدّدةً.
وأمّا "عُشَيْشِيَةٌ"، فكأنه تصغير "عشّاةٍ"، فلمّا صُغّر، وقعت ياءٌ التصغير بين "الشينَيْن"، ثمً قُلبت الألف ياءً؛ لانكسار ما قبلها، فصار "عُشَيْشِيَةً".
وقالوا: "أُغَيْلِمَةٌ"، و"أُصَيْبِيَةٌ" في تصغير "غِلْمَةٍ"، و"صِبْيَةٍ"، كأنّهم صغّروا "أَغْلِمَةً"، و"أَصْبِيَةً". وذلك أن "غُلامًا" "فُعالٌ" مثلُ "غُرابٍ"، و"صَبِيٌّ" "فَعِيلٌ" مثل "قَفِيزٍ". وبابُ "فُعالٍ" و"فَعِيلٍ" أن يُجمع في القلّة على "أفعِلَة" مثلِ "أَغْرِبَةٍ"، و"أَقْفِزَةٍ". فكأنّهم لمّا أرادوا التصغير، صغّروه على أصل الباب، إذ التصغيرُ ممّا يردّ الأشياء إلى أصولها. قال الشاعر [من الكامل]:
ارْحَمْ أُصَيْبِيَتِي الذين كأنّهم ... حِجْلَى تَدَرَّجُ في الشَّرَبَّةِ وُقَّعُ (١)
فصل [تصغير الشيء لدنوّه من الشيء]
قال صاحب الكتاب: وقد يحقر الشيء لدنوه من الشيء, وليس مثله, كقولك:
стр. 1310
"هو أُصيغر منك". إنما أردت أن تقلل الذي بينهما, و"هو دوين ذلك"، و"فويق هذا"، ومنه "أُسيِّدُ", أي: لم يبلغ السواد. وتقول العرب: "أخذت منه مثيل هاتيًا, ومثيل هاذيًا".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إِنّ التصغير تقليلٌ وتحقيرٌ، وقوله: "لدُنُوّه من الشيء"، أي: لقُرْبه ممّا أضيف إليه. وإنّما أخبرتَ أنّهما يفترقان بشيء يسير أي مُنْحَطّ عنه.
وجملةُ الأمر أنّ المصغر على ثلاثة أضرب: تصغيرٌ مُبْهَمٌ، كقولك: "زُيَيْدٌ"، و"عُمَيْرٌ"، ونحوهُما من الأعلام، أخبرتَ بحَقارة المسمّى من غير إفادة ما أوجب الحقارة له.
وتصغيرٌ موضِحٌ، وذلك في الصفات، كقولك: "عُوَيْلِمٌ"، و"زُوَيْهِدٌ"، تريد أنّ عِلْمه وزُهْده قليل، ومثلُه: "عُطَيْطِيرٌ"، و"بُزَيْزِيزٌ"، في تصغير "عَطارٍ"، و"بَزّازٍ"، تريد ضُعفَ صَنْعتهما في "العِطْر"، و"البَزّ". وكذلك ما كان نحوهما من الصفات، مثلُ: "أُحَيمِرُ"، و"أُسَيْوِدُ"، تريد أنَّه قد قارَبَ الحُمْرَةَ، والسوادَ، وليس بالكامل التامِّ فيه.
الثالث: هو ما اشتمل عليه هذا الفصلُ، وهو تصغير الشيء لدُنُوّه من الشيء، وقُرْبه ممّا أضيف إليه على ما ذكرنا، وذلك نحو قولك: "هو أُصَيْغِرُ منك". وذلك أنّك لو قلت: "هو أصغرُ منك"، احتمل أن يكون التفاوُت بينهما يسيرًا، وأن يكون كثيرًا، فأوضحتَ بالتصغير أنّه قليل، وأنّه يكاد يكون مثله في الصغَر. وكذلك الأمكنةُ، نحو الجهات الست، كقولك: "هو فوقَ زيد، وتحتَ خالد، ودونَ بكر"، فيحتمل أن يكون بكثير، وأن يكون بقليل، فإذا قلت: "فُوَيْقَ زيد، وتُحَيْتَهُ، ودُوَيْنَهُ"، فلا يجوز أن يكون إلا بقليل. وكذلك لو قال: "آتيك قبل طلوع الشمس"، فجاءه في الليل؛ لم يكن مُخْلِفا، ولو قال: "قُبَيْلَ طلوع الشمس"، لزم أن يكون بعد طلوع الفَجْرِ ونحوه ممّا قارَبَ طلوعَ الشمس، فاعرفه.
فصل [تصغير الفعل]
قال صاحب الكتاب: وتصغير الفعل ليس بقياس, وقولهم: "ما أميلحه! " قال الخليل (١): إنما يعنون تصفه بالملح، كأنك قلت: "زيدٌ مليحٌ" شبهوه بالشي الذي تلفظ به, وأنت تعني به شيئاً آخر، نحو قولك: "بنو فلان يطؤهم الطريق", و"صيد عليه يومان".
* * *
стр. 1311
قال الشارح: إنّما كان القياس يأبى تصغيرَ الفعل؛ لأنّ الغرض من التصغير وصفُ الاسم بالصِّغَر، والمرادُ المسمّى. والأسماء علاماتٌ على المسمّيات، فصُغّرت ألفاظها، لتكون دليلاً على صِغَر المسمّيات. والأفعالُ ليست كذلك، إنّما هي إخباراتٌ، وليست بسِماتٍ كالأسماء، فلم يكن للتصغير فيها معنًى كما لم يكن لوصفها معنًى. والذي يؤيّد عندك بُعدَ الفعل من التصغير أنّ اسم الفاعل إذا كان للحال أو الاستقبال، نحو قولك: "هذا ضاربٌ زيدًا"، فإذا صغّرته، بطل عملُه، فلا ت قوله: "هذا ضوَيْرِبٌ زيدًا"؛ لبُعْده بالتصغير عن الأفعال، وغَلَبَةِ الاسميّة عليه. وإذا كان كذلك، فتصغيرُ فعل التعجّب من قوله [من البسيط]:
يا ما أُمَيْلِحَ غِزْلانًا شَدَنَّ لنا ... من هؤُلَيائِكُنَّ الضَّالِ والسَّمُرِ (١)
شاذّ خارجٌ عن القياس؛ وذلك أنّهم أرادوا تصغيرَ فاعلِ فِعْل التعجّب، وهو ضمير يرجع إلى "ما"، فلم يجز تصغيرُ الضمير؛ لأنّه مستترٌ لا صورة له، مع أنّ المضمرات كلّها لا تُصغّر، كما لا توصَف لشَبَهها بالحروف. ولم يُمْكِنهم تصغيرُ ما يرجع إليه الضميرُ، وهو"ما"؛ لكونه مبنيًّا على حرفَيْن، ولم يُسمَع العدول عنه إلى ما هو في معناه؛ لئلاّ يبطل معنى التعجّب.
ولم يُصغِّروا مفعول الفعل؛ لأنّ الفعل له في الحقيقة. ألا ترى أنّك إذا قلت: "ما أَمْلَحَ زيدًا! " كأنّك قلت: "مَلُحَ زيدٌ جدًّا"؛ لأنّك لو صغّرته، ربّما تُوهِّم أنّ صِغّره لم يكن من جهة الملاحة، إنّما هو من جهة أخرى، فعند ذلك صغّروا لفظ الفعل، والمراد الفاعل. فقولُك: "ما أُمَيْلِحَ زيدًا! " كأنّك قلت: "زيدٌ مُلَيِّحٌ". وشَبَّهَه الخليلُ وسيبويه (٢) بقولهم: "بنو فلانِ يَطَؤُهم الطريقُ"، و"صِيدَ عليه يومان"، والمراد: يطؤهم أهلُ الطريق الذين يمرّون عليه، فحذف "أهلًا" وأقام "الطريق" مُقامه. ومعنى "يطؤهم الطريق"، أي: بُيُوتُهم على الطريق، فمن جاز فيه رآهم، وثقُل عليهم. وقوله: "صِيدَ عليه يومان" معناه: صِيدَ عليه الصَّيْدُ يومَين، فحُذف "الصيد"، وأُقيم "اليومان" مقامه، وإنّما يفعلون ذلك فيما لا يُلبس، فاعرفه.
فصل [ما كان من الأسماء علي بناء التصغير]
قال صاحب الكتاب: من الأسماء ما جرى في الكلام مصغراً, وترك تكبيره؛ لأنه عندهم مستصغرٌ، وذلك نحو: "جميلٍ", و"كُعيتٍ", و"كُميتٍ"، وقالوا:
стр. 1312
"جملان", و"كِعتانٌ" و"كُمتٌ"، فجاؤا بالجمع على المكبر, كأنها جمع "جُملٍ", و"كُعْتٍ", و"أكْمَتَ".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ هذه الأسماء أسماءٌ نطقوا بها مصغّرة؛ لأنّها عندهم مستصغَرةٌ، فاكتفوا بلفظ المصغّر عن المكبّر. فمن ذلك قولهم: "جُمَيْلٌ"، وهو طائر صغير شبيهٌ بالعُصْفُور، و"كُعَيْتٌ"، وهو البُلْبُل، وقيل: شبيهٌ بالبلبل، وليس إيّاه. وقد كسّروهما على لفظ المكبّر، فقالوا: "جِمْلانٌ"، و"كِعْتانٌ"، كأنّهم قدّروا المكبّر على "فُعَلٍ"، نحو: "جُمَلٍ"، و"كُعتٍ"، كـ"صُرَدٍ"، و"نُغَرٍ"، ثمّ قالوا: "جِمْلانٌ"، و"كِعْتانٌ"، كـ"صِردانٍ"، و"نِغْرانٍ". وذلك أنّ المصغّر لا يُكسَّر علي بناء الكثرة، كما أنّ ما كُسّر علي بناء الكثرة لا يُصغَّر لما ذكرناه من أنّ بناء التكسير يدلّ على الكثرة، وتصغيرُه يدلّ على القلّة، فبينهما تَنافٍ. وإذا كُسّر، إنّما يكون التكسير للمكبّر، وإن لم يُلفَظ به.
وأمّا "كُمَيْتٌ"، فهو لفظ يقع على المذكّر والمؤئث. وقد ورد مصغّرًا لا يكاد يُنطَق بمكبّره، وهو تصغيرُ الترخيم بحذف الزوائد، كما قالوا في "أَشْقَرَ": "شُقَيْرٌ"، وفي "أَسْوَدَ": "سُوَيْدٌ". والكُمْتَةُ لَوْنٌ يقصُر عن سواد الأدهم، ويزيد على حُمْرة الأشقر، وهو بين الحمرة والسواد. قال سيبويه (١): سألتُ الخليل عن "كُمَيتٍ"، فقال: إنّما صُغّر؛ لأنّه بين السواد والحمرة، كأنّه لم يخلُص له واحدٌ منهما، فهو قريب من كلّ واحد منهما، فصُغّر ليدلّ على ذلك المعنى، فهو كـ"دُوَينَ زيدٍ". وقد جمعوه على "كُمتٍ" في المذكّر والمؤنّث، كما قالوا: "شُقْرٌ" و"سُودٌ" في المذكّر والمؤنّث جاؤوا بالتكسير على المكبّر، كأنّهم جمعوا "أَكْمَتَ"، و"كَمْتاء"، كما قالوا: "جِمْلانٌ"، و"كِعْتانٌ"، فجاؤوا به على المكبّر، وقالوا لِما يجيء في آخِر الخيل: "سُكَّيْتٌ"، و"سُكَيْتٌ" فأمّا "سُكَّيْتٌ"، فهو "فُعَّيْلٌ" كـ"جُمَّيْزٍ"، و"عُلَّيقٍ"، وأمّا "سُكَيْتٌ"، فهو تصغيرٌ على الترخيم. فاعرفه.
فصل [تصغير الأسماء المُرَكَّبة]
قال صاحب الكتاب: والأسماء المركبة يُحقَّر الصدر منها, فيقال: "بُعَيْلَبَك", و"حُضَيرَمَوتُ", و"خميسة عشر".
* * *
قال الشارح: إذا صغّرتَ اسمًا مركبًا من اسمَيْن جُعلا اسمًا واحدًا، فالطريقُ فيه أن تصغّر الصدر، ثمّ تُتْبِعه الثاني، كما تفعل قبل التصغير من التركيب؛ وذلك لأنّ المعامَلة
стр. 1313
مع الأول، والثاني كالتَّتِمّة له، فمحلُّ الثاني من الأوّل محلُّ المضاف إليه من المضاف، فكما أنّك إذا حقّرت مضافًا من نحو "عَبْدِ زيد"، و"طَلْحَةِ عمرو"، إنّما تُحقِّر الأوّل دون الثاني من نحو: "عُبَيْدِ زيد" و"طُلَيْحَةِ عمرو"، كذلك تقول: "هذا بُعَيْلَبَكُّ، وحُضَيْرَمَوْتُ، ومُعَيْدِيكرِبُ", لأنّ المضاف والمضاف إليه والمركّبَيْن بمنزلة اسم واحد طويلٍ، كـ"عَنْتَرِيسٍ" (١)، فكما تقول: "عُنَيْتِرِيسٍ"، كذلك تقول: "حُضَيْرَمَوْتُ"، فيحُلّ "موت" من "حضر" محلَّ "ريس" من "عنتريس" من حيث كان تمامًا له.
ومثله "خمسةَ عشرَ"؛ لأنّه مركّبٌ مثلُه فتقول: "هذا خُمَيْسَةَ عَشَرَ" فتُصغِّر الأوّل، وتُتْبِعه الثاني، سواءٌ في ذلك أردتَ العدد أو سمّيتَ به، وقالوا في "اثْنَا عَشَرَ"، و"اثْنَتَا عَشْرَةَ": "ثُنَيَّا عشر"، و"ثُنَيَّتَا عشرة" لأنّ محلّ "عشر" من "اثني عشر" محلُّ النون من "اثنَيْن"، وقد مضى بيانُ ذلك.
فصل [تصغير الاسم المُرخَّم]
قال صاحب الكتاب: وتحقير الترخيم أن تحذف كل شيء زيد في بنات الثلاثة والأربعة, حتى يصير الاسم على حروفه الأصول, ثم تُصغِّره, كقولك في "حارث": "حريثٌ" وفي "أسود": "سويد", وفي "خفيددٍ": "خفيدٌ", وفي "مُقعنسٍ": "قُعيسٌ", وفي "قرطاسٍ": "قُريطسٌ".
* * *
قال الشارح: معنى تصغير الترخيم أن تحذف زوائدَ الاسم في التحقير، بحيث لا يبقى إلا الأصولُ، ثلاثيًّا كان الاسمُ أو رباعيًّا، كأنّهم آثروا تخفيف الاسم بحذف زوائده؛ لما يحدث في، الاسم من الثقل بزيادة أداة التحقير، نتقول في تحقير "محمد": "حُمَيْدٌ"؟ لأنّ الميم الأولى زائدةٌ، وإحدى الميمَيْن الثانيتَيْن، فتحذفهما، فتقول في تحقير "أَحْمَدَ": "حُمَيْدٌ" أيضًا بحذف الهمزة لا غيرُ؛ لأنّها الزائدة.
وتقول في تحقير "مَحْمُودٍ": "حُمَيْدٌ"، بحذف الميم والواو؛ لأنّهما زائدتان. ولا تُبالي الإلباسَ ثِقةٍ بالقرائن، فعلى هذا تقول في "حارثٍ": "حُرَيْثٌ"، حذفتَ الألف؛ لأنّها زائدة، وبقيتَ الأحرف الأصولَ التي هي الحاء والراء والثاء، فصُغّر عليها.
وتقول في "أَسْوَدَ": "سُوَيْدٌ"، بحذف الهمزة؛ لأنّها هي الزائدة. ولا فرق بين أن تكون الزيادة للإلحاق أو لغير الإلحاق.
стр. 1314
وقالوا في "خَفَيْدَدٍ": "خُفَيْدٌ"، حذفوا الياء وإحدى الدالَيْن؛ لأنّهما زائدتان للإلحاق بـ "سَفَرْجَلٍ" والخُفيددُ: الخفيف من الظِّلْمان.
وقالوا في "مُقعَنسِسٍ": "قُعَيْسٌ"، بحذف الميم والنون، وإحدى السينَين؛ لأنّها زوائدُ للإلحاق بـ "مُحْرَنْجِم". وبنات الأربعة في ذلك بمنزلة الثلاثة، تحذف الزوائدَ حتى تصير على مثال "فُعَيْعِلٍ"، فتقول في "مُدَحْرِجٍ": "دُحَيْرِجٌ"، وفي "مُحْرَنْجِمٍ": "حُرَيْجِمٌ"، وفي "جُمْهُورٍ": "جُمَيْهِرٌ". ولا فرقَ في بنات الأربعة بين تصغير الترخيم وغيره، إلا أنّ ياء العوض لا تدخل تصغيرَ الترخيم، وتدخل غيرَه، فتقول: "دُحَيْرِيجٌ"، و"حُرَيجِيمٌ"، و"جُمَيْهِيرٌ"، ولا تقوله إذا كان مرخّمًا. وقال الفرّاء في هذا التصغير: إنّ العرب إنّما تفعل ذلك في الأسماء الأعلام، كما كان الترخيم في النداء كذلك، فعلى هذا لو صغّرنا "حارثًا"، أو"أسوَدَ" عَلَمَيْن، لقلنا: "حُرَيْثٌ"، و"سُوَيْدٌ" في الترخيم، ولو صغّرناهما قبل النقل والتسمية، لم نقل: إلا "حُوَيْرِثٌ"، و"أُسَيِّدُ". ولم يفرق أصحابُنا بين هذَيْن. وذكر في بعض الأمثال؛ "عَرَفَ حُمَيْقٌ جَمَلَهُ" (١)، يريد تصغير "أحمَقَ"، فاعرفه.
فصل [ما لا يُصَغَّر]
قال صاحب الكتاب: ومن الأسماء ما لا يصغر كالضمائر, و"أين", و"متى", و"حيث", و"عند", و"مع", و"غير", و"حسب", و"من", و"ما", و"أمس", و"غدٍ", و"أول من أمس", و"البارحة", و"أيام الأسبوع", والاسم الذي بمنزلة الفعل, لا تقول: "هو ضويربٌ زيدًا".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ من الأسماء ما لا يجوز تصغيرُه، كما لا يجوز وصفُه، فمن ذلك المضمرات، نحو: "أنا"، و"أَنْتَ"، و"هُوَ". فلا تقول في "أَنَا": "أُنَيّ"، وفي "نَحْنُ": "نُحَيْن"؛ وذلك لأمورٍ:
أحدُها أنّ المضمرات تجري مجرى الحروف في عدم قيامها بأنفسها وافتقارِها إلى غيرها، فلا تحقّر الحروف.
стр. 1315
والثاني: أنّ أكثر الضمائر على حرفٍ أو حرفَين، وذلك ممّا لا يُحقَّر لنَقْصه عن أبنية التحقير.
الثالث: أنّ المضمرات ليست أسماء لشيء ثابت تخُصّه ولا تقع على غيره، والشيء إنّما يكون حقيرًا صغيرًا بالإضافة إلى ما له ذلك الاسمُ، وهو أكبرُ منه.
فإن قيل: فقد حقّروا المبهمات، وهي مبنيات تجري مجرى الحروف، وفيها ما هو على حرفَيْن. قيل: المبهم يُشبِه الظاهرَ من حيث إنّه يوصَف، ويوصَف به، ويُبتدأ به الكلامُ، كقولك: "هذا زيدٌ"، وليس فيه شيءٌ يَتّصل بالفعل، ولا يجوز فصُله كالكاف في "ضربتُك"، والتاء في "قمتُ"، فالمبهمُ كالظاهر؛ لقيامه بنفسه، ولِما ذكرناه.
ولا يُحقَّر "أَيْنَ"، ولا "مَتّى"؛ لبُعْدهما من التمكّن وتنزلُّهما منزلةَ الحروف من جهة تضمُّنهما معنى الاستفهام، ولا تُصغَّر "حَيْثُ" لعدم تمكُّنها، وافتقارها إلى مُوضِح، ومثلُها في الأزمنة "إذ"، و"إذَا".
فإن قيل: فإنّ "الَّذِي"، و"الَّتِي"، يفتقران إلى مُوضِح افتقارَ "حَيْثُ"، ومع ذلك فإنّهما يُصغَّران، نحو: "اللَّذَيَّا"، و"اللَّتَيَّا"، قيل: "الّذي"، و"الّتي": أقربُ إلى التمكّن، ألا ترى أنّهما يكونان فاعلَيْن ومفعولَيْن، ويُبتدأ بهما ويوصَفان، ويوصَف بهما، فافترق الحالُ بينهما؟ ومن ذلك "عِنْدَ"، فإنّها لا تُصغَّر لعدم تمكُّنها, ولأنّ الغرض من تصغير الظرف التقريبُ كـ"تُحَيْتَ"، و"فُوَيْقَ"، وعِنْدَ في غاية القرب، فلمّا دلّ لفظُها على ما تدلّ عليه الظروفُ مصغّرة لم يُحْتَج إلى التصغير فيها.
وأمّا "مَعَ"، فلا تُصغَّر أيضًا لبُعْدها من التمكّن، وكونِها على حرفَيْن، وقد اعتقد فيها الحرفيّةَ من أسكنها في قوله [من الوافر]:
فَرِيشِي مِنْكُمُ وهَوايَ مَعْكُمْ (١)
ومن ذلك "غَيْرٌ"، و"سِوى"، لا يُصغَّران بخلاف "مِثلٍ"، فإنّك تصغّره، فتقول: "هذا مُثَيْلُ هذا"، ولا تقول: "غُيَيْرُهُ". وذلك من قِبَل أن المماثَلة قد تختلف بأن تقلّ وتكثُر، ألا ترى أنّك تقول: "هذا أكثرُ مماثَلة"، و"هذا أقلُّ مماثَلة من هذا". وليست المغايَرةُ كذلك؛ لأنّ "غَيْرًا" اسمٌ لكلِّ مَن لم يكن المضافَ إليه، وليس في كونه غيرَه معنى يكون أنقصَ من معنى، فيُصغرَ الناقص كما كان في المماثَلة كذلك. وأمّا "سَوى" فالعلّةُ واحدة.
ومن ذلك "حَسْبُ" لا يصغّر؛ لأنّه في معنى الفعل، فإذا قلت: "حَسْبُك درهمان"، فمعناه: "ليَكْفِك درهمان"، فكما لا يصغّر الفعل، كذلك لا يصغّر ما هو في معناه.
стр. 1316
وأمّا "مَا"، و"مَنْ"، فلا يُصغَّران؛ لأنّهما غيرُ متمكّنَيْن، وعلى حرفَيْن، وهما بمنزلة الحرف في الاستفهام والجزاء والخبرِ.
وأمّا "أَمْسِ"، و"غَدٌ"، فلا يُحقَّران؛ لأنّهما لمّا كانا يتعلّقان باليوم الذي أنت فيه، صارا بمنزلة المضمرات؛ لاحتياجهما إلى حضور اليوم، كما أنّ الضمير يحتاج إلى ظاهرٍ يتقدّمه، وكذلك "أوَّلَ من أَمْسِ" حكمُه حكمُ "أَمْسِ"، ومثله "البارِحَةَ".
وأمّا أيّام الأسْبُوع، نحو: "الثلاثاء"، و"الأربِعاء"، لا يحقّر شيء منها، وكذلك أسماء الشهور، نحو: "المُحَرَّم"، و"صَفَرٍ"؛ لأنّها أعلامٌ على هذه الأيّام، فلم تتمكّن تمكُّنَ "زيد"، و"عمرو"، ونحوهما من الأعلام؛ لأنّ العَلَم إنّما وُضع على شيء لا شريكَ له، وهذه الأسماء وُضعت على الشهور والأسبوع، ليُعْلَم أنّه الشهر الأوّل من السنة واليوم الأوّل، أو الثاني من الأسبوع، وذلك لا يختلف فيصغَّرَ بعضُها عن بعض. وذهب الكوفيون، وأبو عثمان المازنيّ، وأبو عمر الجرميّ إلى جواز تصغير ذلك.
وأمّا "ضاربٌ" إذا كان للحال والاستقبال، وهو في نيّة التنوين، فإنّه لا يحقّر أيضًا؛ لأنّا إذا نوّنّاه ونصبنا ما بعده، فهو في مذهب الفعل، وليس التصغيرُ ممّا يلحق الأفعالَ إلا في التعجّب، فلذلك لا يجوز: "هذا ضُوَيرِبٌ زيدًا غَدًا". فأمّا إذا كان لما مضى، نحو: "هذا ضاربُ زيدٍ أَمْسٍ"، فليس في مذهب الفعل، ومجراه مجرَى "غلامُ زيدٍ"، فكما تقول: "هذا غُلَيِّمُ زيدٍ"، فكذلك يجوز: "هذا ضُوَيْرِبُ زيدٍ أمسِ".
فصل [تصغير الأسماء المبهمة]
قال صاحب الكتاب: والأسماء المبهمة خولف بتحقيرها تحقير ما سواها, بأن تُركت أوائلها غير مضمومة، وألحقت بأواخرها ألفاتٌ, فقالوا في "ذا", و"تا": "ذيَّا", و"تيا" وفي "أولا", و"أُولاء": "أُليَّا", و"أُلياء"، وفي "الذي", و"التي": "اللذيَّا", و"اللتيا", وفي "الذين", و"اللاتي": "اللذيون", و"اللتيات".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ القياس في الأسماء المبهمة أن لا تُصغَّر، من حيث كانت مبنيّة على حرفَيْن كـ"مَنْ"، و"مَا"، إلا أنها لمّا كان لها شَبَهٌ بالظاهر من حيث كانت تُثنَّى، وتُجمَع، وتوصَف ويوصف بها، والتصغيرُ وصفٌ في المعنى، فدخلها التصغيرُ كما دخلها الوصفُ. ولمّا كانت مُخالِفة للأسماء المتمكّنة؛ خالفوا بين تصغيرها وتصغير المتمكّنة، بأن غيّروها على غير منهاج تغيير تصغير الأسماء المتمكّنة، وصار ذلك دلالة على حقارة المشار إليه، كما كان تغييرُ الأسماء المتمكّنة، بضمّ أوائلها وبنائها على "فُعَيْلٍ"، و"فُعَيْعِلٍ" دلالة على صِغَر المسمّى. فإذا أردتَ تصغير المبهم، تركتَ أوّلَه على
стр. 1317
حاله، وزدتَ فيه ياء التصغير على حدّ زيادتها في المتمكّنة؛ لأنّها علامةٌ، فلا يَعْرَى المصغّرُ منها، إذ لو عري منها، فلا يكون على تصغيره دليلٌ، وألحقت في آخِره ألفًا كالعوض من ضمّ أوّله تدلّ على ما كانت تدلّ عليه الضمّة؛ فتقول، في "ذَا": "ذَيَّا"، وفي "تَا": "تَيَّا".
فإن قيل: فما بالُ ياء التصغير زيدت هنا ثانية، وسبيلُها أن تزاد ثالثة؟ قيل: إنّما أُلحقت ثالثةً، ولكنّك حذفت ياء لاجتماع الياءات. وذلك أن الأصل "ذَا"، و"تَا" على حرفَيْن كما ترى، فلمّا صغّروهما، احتاجوا إلى حرف ثالث، فأتوا بياء أخرى لتمام بناء التصغير، ثمّ أدخلوا ياء التصغير ثالثةً، فانقلبت الألفُ ياء لتحرُّكها بوقوع ياء التصغير بعدها، وزادوا الألفَ آخِرًا عوضًا من ضمّة الفاء، فصار: "ذَيَيَّا"، فاجتمع ثلاثُ ياءات، وذلك مستثقَلٌ، فحذفوا إحدى الياءات، فلم يكن سبيلٌ إلى حذف ياء التصغير؛ لأنّها علامةٌ، ولا إلى حذف الياء التي بعد ياء التصغير؛ لأنّه بعدها ألفٌ، ولا يكون ما قبل الألف إلا مفتوحًا، فلو حذفوها، حرّكوا ياء التصغير، وهي لا تكون متحرّكة، فحذفوا الياء الأولى، فبقي "ذَيَّا"، و"تَيَّا"، وحصلت ياء التصغير ثانيةً.
وأمّا "تَيَّا"، فهو تحقيرُ "تَا". ومن قال: "ذِي"، و"ذِهِ"، قال في تحقيره: "تَيَّا"، وهو على لغةِ من قال: "هذهِ"، و"هذِي"، و"تَا"، و"تِي" أيضًا يرجع كلُّه في التصغير إلى لغةِ من يقول: "تَا"؛ لئلاّ يُلْبِس المؤنّثُ بالمذكر. وإذا قلت: "هذيَّا"، و"هاتَيَّا"، فإنّما هو "ذيَّا"، و"تَيَّا"، دخلت عليهما هاء التنبيه، وكذلك إذا قلت: "ذَيّاكَ"، و"تَيّاكَ"، فتُلحِقه علامةَ الخطاب، كما تلحق المكبَّرَ في قولك: "ذاكَ"، و"تاكَ".
فأمّا "أُولا" مقصورًا وممدودًا، وهو جمعُ "ذَا" و"تَا"، فإنّه يقع على المذكّر والمؤنّث، فإذا صغرت "أُولًا" مقصورًا، فلا إشكال فيه, لأنّك تُلحِق ياء التصغير ثالثةً، وتقلب ألفَه ياء؛ لوقوعها موقع مكسور بعد ياء التصغير، ثم تزيد الألفَ أخيرًا عوضًا من ضمّة التصغير، فصار اللفظ "أولَيًّا". فإن قلت: إذا كنت إنّما تُلحِق الألف، آخِرًا عوضًا من ضمّة أوائل الأسماء المصغّرة، ونحن إذا صغّرنا "أُولًا" فنضمّ أوّلها، ونقول: "ألُيّا"، فتكون الضمّة موجودة، وإذا كانت الضمّة موجودة؛ فما وجهُ التعويض عن شيء موجود في اللفظ؟ فالجواب أنّ ضمّة أوّل "أُلَيَّا" ليست مجتلبة للتحقير بمنزلة ضمّة أوّلِ "كُلَيْبٍ"، و"جميلٍ"، وإنّما هي الضمّة التي كانت موجودة في حال التكبير في قولك: "أُولًا". والذي يدلّ على ذلك تركُهم ما هو مثله من أسماء الإشارة، واستحقاقُ البناء بحاله غير مضموم، وذلك قولك: "ذَيًّا"، و"تَيًّا". ألا ترى أن الذال والتاء مفتوحتان، كما كانتا قبل التحقير في "ذَا"، و"تَا"، فكذلك ضمّةُ همزة "أُلَيًّا"هي الضمّة في "أُلا"، فلمّا كانت الضمّة في "أُلَيَّا" هي الضمّة التي كانت موجودة في "أُلا" وليست مجتلبة للتحقير، بقيت بحالها، وعُوّض الألف في آخِرِه عن ضمّة التحقير.
стр. 1318
وأمّا "أُولاء" ممدودةً، ففيه نظرٌ، والقولُ فيه أن "أُلاء" وزنُه "فُعَالٌ" كـ"غُرابٍ"، وقياسُ تصغيره لو صغّر على حدّ تصغير الأسماء المتمكّنة أن تقول: "هذا أُولي"، كما تقول: "عُطَيٌّ"، إلا أنّهم لمّا لم يغيّروا أوّلَه عن حاله؛ أرادوا أن يزيدوا في آخره الألف كالعوض من ضمّة التحقير في أوّله، فلم تسغ زيادتُها بعد الهمزة؛ لئلاّ يتحوّل الممدودُ عن لفظه، وقد بنوه على المدّ، فزادوا ألف العوض قبل الهمزة، فصار "أُليّاء" على لفظ "أُليّاع". هذا رأى سيبويه (١)، وهو مذهب المبرّد. وأمّا أبو إسحاق فإنّه كان يقدّر الهمزة في "ألاء" ألفًا في الأصل، فإذا صغّر، دخلت ياء التصغير ثالثةً بعد اللام، فتنقلب الألفُ الأولى ياء لوقوع ياء التصغير قبلها على حدّ قلبها في "غُلامٍ"، و"عَناقٍ"، فتقول: "غُلَيِّمٌ"، و"عُنَيِّقٌ"، ثمّ أدخلوا الألف المزيدة للتصغير آخِرًا، فاجتمع ألفان في التقدير، فقُلبت الثانية همزة؛ لاجتماع الألفَيْن، على حدّ قلبها في "حَمْراءَ"، و"صَحْراءَ". وهذا أقربُ إلى القياس؛ لاعتقاد زيادة ألف التصغير آخِرًا على منهاج سائر المبهمات، إلا أنّه يضعف من جهة تقدير الهمزة بالألف، فاعرفه.
وأمّا "الَّذِي" و"الَّتِي"، فيُحقَّران على منهاج تحقير أسماء الإشارة؛ لأنّ مجراهما في الإبهام واحدٌ بوُقوعهما على كلّ شيء من حَيَوانٍ وجَمادٍ، كما كانت أسماء الإشارة كذلك، فتترك أوّلَهما على حاله من الفتح، وتزيد ياء التصغير ثالثةً، وتَدّغمها في الياء التي هي لامُ الكلمة، وتزيد الألفَ المزيدة للتصغير آخِرًا، فتقول "اللَّذَيَّا"، و"اللَّتَيا". قال الشاعر، أنشده أبو العباس [من الرجز]:
٨٣٠ - بَعْدَ اللَّتَيَّا واللَّتَيَّا والَّتِي ... إذا عَلَتْها أَنْفُسٌ تَرَدَّتِ
стр. 1319
وقد حُكي "اللُّذَيَّا"، و"اللُّتَيَّا" بضمّ الأوّل منهما. والأولُ أقيس؛ لأنّ هؤلاء يجمعون بين العوض والمعوَّض.
فإذا ثنّيتَ أو جمعتَ شيئًا من هذه الأسماء، لم تُلحِقه ألفًا في آخِره من أجل الزيادة التي لحقته، وذلك قولك في التثنية: "جاءني اللَّذَيّان قاما"، وفي الجرّ والنصب: "مررت باللّذَيَّيْنِ قاما"، و"رأيت اللّذَيَّيْنِ قاما". وتقول في الجمع: "جاءني اللّذَيِّينَ"، و"رأيت اللَّذَيِّينَ"، و"مررت باللِّذَيّينَ". ومن قال: "اللّذُونَ" في الرفع، قال: "جاءني اللّذَيُّونَ"، فيضمّ الياء المشدّدة قبل الواو، ويكسرها في الجرّ والنصب، كما يفعل في الصحيح.
وكان أبو الحسن يذهب إلى أنّ الألف المزيدة للتصغير مقدّرةٌ، وإنّما حُذفت لالتقاء الساكنَيْن، وبقي ما قبلها مفتوحًا، ليدلّ على الألف المحذوفة على حدّ "المُصْطَفَيْنَ" و"الأَعْلَيْنَ"، فيقول: "جاءني اللّذَيَّوْنَ" بفتح الياء، و"رأيت اللّذَيَّيْنَ"، و"مررت باللّذَيَّيْنَ"، فيكون لفظُ الجمع فيه كلفظ التثنية، غيرَ أنّ نون التثنية مكسورةٌ، ونون الجمع مفتوحةٌ.
وتقول في المؤنّث: "اللّتَيَّا"، وفي التثنية: "اللُّتَيَّانِ" في الرفع، وفي النصب والجرّ: "اللَّتَيَّيْنِ"، وفي الجمع: "اللّتَيَّاتُ" على المذهبَيْن جميعًا.
وأمّا "اللاّتي"، فلا يُحقَّر على لفظه؛ لأنّه جمع كثرة، فردّوه إلى الواحد، وصغّروه، ثمّ جمعوه بالألف والتاء؛ لأنّه مؤنثٌ كما يُفعَل بالجمع من غيرِ المبهم، نحو قولهم في "جِفانٍ"، و"قِصاعٍ": "جُفَيْناتٌ"، و"قُصَيْعاتٌ". قال سيبويه (١) استغنوا بجمع الواحد المحقَّر السالم إذا قلت: "اللَّتَيِّاتُ"، كما استغنوا عن تحقير "القَصْر"، وهو "العَشِيُّ"، و"المَساء" بقولهم: "أتانا مُسَيَّانًا وعُشَيَّانًا" وكذلك "اللاّتي"، تقول فيها: "اللَّتَيَّاتُ". وكان الأخفش يحقّر اللاّتي على لفظه، فيقول: "اللَّوَيَّا"، كأنّه يحذف التاء من آخره؛ لئلاّ يصير الاسم المصغّر بزيادة الألف التي للتصغير على خمسة أحرف، فيخرج عن بناء التصغير، ويحتجّ بأنّه ليس بجمع "اللَّتِي" على لفظها، وإنّما هو اسمٌ للجمع، كقولك: "نَفَرٌ"، و"قَوْمٌ"، وهو القياس. وكان المازنيّ يقول: إذا آل الأمرُ إلى حذفِ حرف من أجل الألف الداخلة، فتحذف الألف التي هي بعد اللام، وهو أولى. قال: لأنّه زائد إذ كان في تقدير فاعلٍ.
стр. 1320
ومن أصناف الاسم المنسوب
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: هو الاسم الملحق بآخره ياء مشددة مكسور ما قبلها, علامة للنسبة إليه، كما أُلحقت التاء علامة للتأنيث، وذلك نحو قولك: "هاشمي", و"بصري".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ النَّسْبة التي يقصِدها النحويّون، ويسمّيها سيبويه (١) الإضافةَ، هو ما يُنْسَب إلى قبيلة أو بَلْدة أو صَنْعة أو غيرِ ذلك. يقال: "نسبتُه إلى بني فلانٍ"، إذا عَزَوْتَه إليهم، فهي إضافةٌ من جهة المعنى، وإن كانت مخالِفة لها من جهة اللفظ؛ وذلك أنّك في الإضافة تذكر الاسمَيْن، وتُضيف أحدهما إلى الآخر، نحوَ: "غلامُ زيدٍ"، و"صاحبُ عمروٍ"، وفي النَّسَب إنّما تذكر المنسوب إليه وحدَه، ثمّ تَزيد عليه زيادة تدلّ على النسب، وتكتفي بتقدُّم الموصوف عن ذكر المنسوب، وذلك أنّ يزاد في آخر المنسوب إليه ياء مشدّدةٌ، ويُكسَر ما قبل الياء فيما قلّت حروفُه أو كثُرت؛ وذلك نحو قولك في النسب إلى "هاشمٍ": "هاشِمِيٌّ"، وإلى قَيْسٍ: "قَيْسِيٌّ"، وإلى بَغْدادَ: "بغدادِيٌّ"، وإلى واسطَ: و"اسِطي"، وإلى من يَبيع الدقِيقَ: "دقيقِيٌّ"، وإلى من يبيع الثيابَ المُلْحَمَةَ: "مُلْحَمِيٌّ". والغرضُ بالنسب أنّ تجعل المنسوبَ من آل المنسوب إليه، أو من أهل تلك المدينة، أو الصنعة، وفائدتُها فائدةُ الصفة.
فإن قيل: ولِمَ كانت الياء هي المَزيدةَ دون غيرها؟ فالجواب أنّ القياس كان يقتضي أنّ تكون أحد حروف المدّ واللِين لِما تقدّم من خفّتها؛ ولأنّها مألوفٌ زيادتُها، إلا أنّهم لم يزيدوا الألف؛ لئلّا يصير الاسم مقصورًا، فيمتنع من الإعراب، وكانت الياء أخفّ من الواو، فزيدت.
стр. 1321
فهذه الياء اللاحقة شبيهةٌ بالتاء اللاحقة بالمؤنّث، وذلك من قِبَل أنّ الياء علامةٌ لمعنى النسب، كما أنّ التاء علامةٌ لمعنى التأنيث. وكلُّ واحد منهما يمتزج بما يدخل عليه، حتى يصير كجُزْء منه، وينتقل الإعرابُ إليه، فتقول: "هذا رجلٌ بَصْرِيٌّ"، و"رأيت رجلًا بصريًّا"، و"مررت برجلٍ بصريٍّ"، كما تقول: "هذه امرأة قائمة"، و"رأيت امرأة قائمة"، و"مررت بامرأة قائمة". فكلُّ واحدة من الزيادتين - أعني الياء في النسب والتاء في المؤنّث - حرفُ إعراب لِما دخل فيه. وإنّما صارا بمنزلة الجزء ممّا دخلا فيه من قِبَل أنّ العلامة أحدثت في كلّ واحد من المنسوب والمؤنّث معنًى لم يكن، فصار الاسمُ بالعلامة مركبًا، والعلامةُ فيه من مُقَوّماته، فتنزّلت العلامةُ في كلّ واحدٍ منهما منزلة أداة التعريف في "الرجل" و"الغلام"، فكما أنّ الألف واللام جزءٌ ممّا دخلتا فيه، فكذلك ياء النسب وتاء التأنيث. والذي يدلّ على أنّ الألف واللام جزءٌ ممّا دخلتا فيه أنّ العامل يتخطّاهما إلى ما بعدهما من الاسم المعرَّف، فيعمل فيه.
وإنما كانت ياء النسب مشدّدة لأمرَيْن: أحدُهما أنّ لا تلتبِس بياء المتكلّم، والثاني أنّها لو لحقت خفيفةً، وما قبلها مكسورٌ؛ لثقُل عليها الضمّةُ والكسرةُ، كما ثقُلتا على القاضِي والداعِي، وكانت مُعرَّضة للحذف إذا دخل عليها التنوينُ، فحصّنوها بالتضعيف، ووقع الإعرابُ على الثانية، فلم تثقل عليها ضمّةٌ ولا كسرةٌ؛ لسكون الياء الأولى. وإنّما كان ما قبلها مكسورًا لأمرَيْن: أحدُهما أنّها مدّةٌ ساكنةٌ، وإنّما ضُوعِفت خوفَ اللَّبْس، وحرفُ المدّ لا تكون حركةُ ما قبله إلا من جنسه. الأمر الثاني: أنّه لما وجب تحريكُ ما قبلها لسكونها, لم يُفتَح لئلا يلتبس بالمثنّى، فكانت الكسرة أخفَّ من الضمّة، فعدلوا إليها.
فإن قيل: فهل هذه الياء حرفٌ، أو اسمٌ؟ فالجواب أنّها حرف كتاء التأنيث، لا موضعَ لها من الإعراب. وذهب الكوفيون إلى أنّها اسم في موضع مجرور بإضافة الأوّل إليه، واحتجّوا بما يُحكَى عن العرب: "رأيتُ التَّيْمِيَّ تَيْمِ عَدِيِّ" بجَرِّ "تَيْم" الثاني، جعلوه بدلًا من الياء في "التيميّ". وإذا كان بدلاً منه، كان اسمًا؛ لأنّ حكم البدل حكمُ المُبْدَل منه. وهو فاسدٌ من قِبَل أنّ الياء حرفُ معنى دالٌّ على معنى النسب، كما أنّ تاء التأنيث حرف دالّ على معنى التأنيث، وليست كنايةً عن مسمًّى؛ فيكونَ لها موضعٌ من الإعراب، مع أنّ الاسم الذي له موضعٌ من الإعراب هو الذي يَتعذّر ظهورُ الإعراب في لفظه، فيُحكَم على محلّه. وأمّا ما حكوه من قولهم: "رأيتُ التيميَّ تَيْمِ عَدِيّ"، فإن صحّت الروايةُ، فهو محمولٌ على حذف المضاف، كأنّه لمّا ذكر "التيميّ"، دلّ ذكرُه إيّاه على "صاحبٍ"، فأضمره للدلالة عليه، فكأنّه قال: "صاحب تَيْمِ عَدِيٍّ" أو"ذَا تَيْمِ عديّ"، ثم حذف المضاف، وأبقى المضاف إليه على
стр. 1322
حاله من الإعراب، وجعله، وإن لم يُذكَر، بمنزلة الثابت الملفوظ به، ونظيرُه قوله [من المتقارب]:
أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسِبِينَ امْرَأً ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نارًا (١)
فإنه خفض "نارًا" على تقديرِ: وكلَّ نارٍ، ومثلُه قولهم: "ما كلُّ سَوْداءَ تَمْرَةً، ولا بَيضاءَ شَحْمَةً" (٢)، وقد تقدّم نحو ذلك.
[النَّسَب الحقيقي والنَّسَب غير الحقيقي]
قال صاحب الكتاب: وكما انقسم التأنيث إلى حقيقي وغير حقيقي فكذلك النَّسَبُ, فالحقيقي ما كان مؤثراً في المعنى, وغير الحقيقي ما تعلق باللفظ فحسب، نحو: "كرسي", و"بردي". وكما جاءت التاء فارقة بين الجنس وواحده، فكذلك الياء, نحو: "رومي", و"روم", و"مجوسي", و"مجوس".
* * *
قال الشارح: قد أيَّدَ صاحب الكتاب بما ذكره قوّةَ المشابهة بين النسب والتأنيث، وذلك أنّ التأنيث كما يكون حقيقيًّا وغير حقيقي. فالحقيقيُّ ما كان مسمّاه مؤنّثًا، فدخلت العلامةُ في اسمه للإيذان بذلك. وغيرُ الحقيقيّ ما تَعلّق التأنيث باللفظ دون مدلوله، نحو: "قَريَةٍ"، و"غُرفَةٍ". فكذلك النسبُ قد يكون حقيقيًّا وغير حقيقيّ، فالحقيقيّ ما كان مُوْثرًا، أي: دالا على نسبه إلى جهة من الجهات المذكورة كالأب والبلدة والصناعة، نحو: "هاشِميّ"، و"بَصْريّ"، و"مُلحَميّ". وغيرُ الحقيقيّ ما لا يدلّ على نسبه إلى شيء ممّا ذُكر، بل يكون اللفظ كلفظ المنسوب بأن يكون في آخره زيادةُ النسب، كقولنا: "كُرسِيٌّ"، و"بَرْديٌّ"، و"قُمْريّ"، و"بُختيّ". ألا ترى أنّ "كُرْسًا" من "كُرْسيٍّ" ليس بأبٍ، ولا بلدةٍ، ولا شيء ممّا يُنسَب إليه، وإنّما هو شيءٌ تَعلّق باللفظ. ويؤيد ذلك عندكَ أنّ "كرسيًّا"، و"برديًّا" اسمان كما ترى، ولو كانا منسوبَين حقيقةً؛ لخرجا إلى حيّز الصفة، كما خرج "هاشِمٌ" و"قَيْسٌ" إلى حيّز الصفة في قولك: "رجلٌ هاشميّ وقيسيّ". قال: ويؤيّد عندك قوّةَ الشَّبَه بينهما أنّه كما يُفصَل بتاء التأنيث بين الواحد وجنسه في نحو: "تَمرَةٍ"، و"تَمرٍ"، و"شَعِيرةٍ"، و"شعيرٍ"، كذلك فُصل بينهما بياءي النسبة، فقالوا في الواحد: "رُومِيٌّ"، وفي الجمع: "رُومٌ"، وقالوا: "زَنْجيٌّ"، وفي الجمع: "زَنْجٌ"، و"مَجُوسيٌّ"، و"مَجُوسٌ".
стр. 1323
وإنّما قال: "بين الواحد وجنسه"، ولم يقل: "بين الواحد وجمعه" لأنّ نحو: "تَمر"، و"شعير" في الحقيقة جنسٌ دالٌ على الكثرة، وليس بتكسيرٍ، وقد تقدّم الكلام على ذلك، فاعرفه.
[التغييرات التي تحدثها النسبة في الاسم]
قال صاحب الكتاب: والنسبة مما طرق على الاسم لتغييرات شتى؛ لانتقاله بها عن معنى إلى معنى, وحال إلى حال. والتغييرات على ضربين: جارية على القياس المطرد في كلامهم، ومعدولة عن ذلك.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ النسب يُحْدِث في الاسم المنسوب تغييراتٍ، منها زيادةُ ياءي النسب في آخره، وكسرُ ما قبلها، وجعلُ الياءين منتَهَى الاسم وحرفَ الإعراب. فهذا أوّلُ تغييرٍ تَطرّق إلى اللفظ بسبب النسب. وإنّما تَطرّق التغييرُ إلى اللفظ لتغيير المعنى. ألا ترى أنّك إذا نسبت إلى عَلَمٍ، استحال نكرةً بحيث تدخله أداةُ التعريف كالتثنيةُ والجمع، وصار صفةً بمنزلة المشتقّ بعد الجُمود، ويرفع فاعلاً بعده، إمّا مظهرًا، وإمّا مضمَرًا، تقول: "مررت برجل تَمِيمِيٍّ أبُوه، وآخَرَ هاشِميّ أخوه". فهذا قد جَمَعَ التغييراتِ الثلاث: التنكيرَ بكونه قد صار صفة للنكرة، والصفةَ؛ بجَرَيانِه على ما قبله جَرْيَ الصفة، ورَفْعَه الظاهرَ بعده، فهو كـ"الحَسَن الوَجهُ" في أحكامه.
وقوله: "لانتقاله من معنى إلى معنى" إشارةٌ إلى ما ذكرناه من تنكيره وخروجه إلى الوصفيّة. وقوله: "من حال إلى حال" إشارةٌ إلى تغيير اللفظ.
وجملةُ الأمر أنّ تغيير النسب على ضربَيْن: أحدهما قياسٌ مطرِدٌ لكثرته عنهم، فيجري لذلك مجرى رفع الفاعل ونصب المفعول. والآخرُ ما لا يطّرِد فيه القياس، بل يُسمَع ما قالوه، ولا يتجاوز. وستَقِفُ علىَ ذلك مفضَّلًا مشروحًا إن شاء الله.
فصل [حذف التاء ونوني التثنية والجمع في النسبة]
قال صاحب الكتاب: فمن الجارية على قياس كلامهم: حذفهم التاء ونوني التثنية والجمع، كقولهم: "بصري", و"هندي", و"زيدي", في "البصرة", و"هندان", و"زيدون" اسمين. ومن ذلك: "قنسري", و"نصيبي", و"يبري", فيمن جعل الإعراب قبل النون. ومن جعله معتقب الإعراب قال: "قنسريني". وقد جاء مثل ذلك في التثنية. قالوا "خليلاني", و"جاءني خليلان" اسم رجل. وعلى هذا قوله [من الطويل]:
стр. 1324
٨٣١ - ألا يا ديار الحي بالسُّبعانِ ... [أمل عليها بالبلي الملوان]
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ حذف تاء التأنيث قد كثُر عنهم واطّرد، حتى صار قياسًا، يُسمَع ما قالوه، ويُحمَل عليه نظائرُه، فإذا نسبت إلى اسم في آخره تاء التأنيث، حذفتَها, لا يجوز غيرُ ذلك، فتقول في النسب إلى "البَصْرَة": "بَصْرِيٌّ"، وإلى "مَكَّةَ": "مَكيٌّ"، وإلى "الكُوفَة": "كُوفِيٌّ" وإلى "فاطِمَةَ" "فاطِمِيٌّ". وإنّما أُسقطت التاء من النسب؛ لأنّا لو بقّيناها في الاسم على ما كانت عليه قبل النسب، لوجب أنّ نقول: "بَصْرَتِيٌّ"، و"كُوفَتِيٌّ"، و"مَكَّتِيٌّ" في الرجل يُنسَب إلى البصرة والكوفة ومكّةَ، ولَزِمَنا أنّ نقول إذا نسبنا امرأةً إلى ما فيه تاء التأنيث: "بصرتِيَّةٌ"، و"كوفتيةٌ"، و"مكتيةٌ"، و"فاطمتيةٌ"، فكان يُجمَع في الاسم الواحد تاءان للتأنيث، وذلك لا يجوز. وأيضًا فإنّ ياءي النسب، لمّا كانت مُشابِهة لتاء التأنيث من الجهات المتقدّمة، لم يُجمع بينهما، كما لم يُجمَع بين علامتَيْ نسبةٍ.
وأمّا نونا التثنية والجمع، فلا تثبتان أيضًا مع ياءي النسبة، وذلك إذا سمّينا رجلًا بمثنًّى، أو مجموع جمعَ السلامة، قلنا فيه مذهبان:
стр. 1325
أحدهما، وهو الأجودُ، أنّ تحكي الإعراب قبل التسمية، فتقول: "هذا زيدان"، و"رأيت زيدَيْن قائمًا"، و"مررت بزيدَيْن جالسًا"، فتُعْرِبه بالحروف، كما كان إعرابُه قبل التسمية بها. فعلى هذا إذا نسبت إلى شيء من ذلك، حذفت علامتَي التثنية والجمع، فتقول: "هذا زَيْدِيٌّ"، و"رأيت زيديًّا"، و"مررت بزيديّ" و"هذا مُسْلِميٌّ"، و"رأيت مسلميًّا"، و"مررت بمسلميّ". وذلك أنّك لو أبقيتَهما، وقلت: "مسلمونيٌّ"، و"مسلمانيٌّ"، لجمعتَ في الاسم الواحد بين إعرابَيْن: أحدُهما بالحروف، والآخر بالحركات الكائنة على علامة النسب. وذلك لا يجوز، معِ أنّه كان يجوز أنّ تثنّيه، وتجمعه بالواو والنون، فتقول: "مسلمانِيّانِ"، و"مسلمونِيُّون"، فيُجمَع أيضًا في الاسم الواحد إعرابان بالحروف، وكلاهما فاسد.
والثاني أنّ لا تحكي الإعراب بعد التسمية، وتُجْرِي الإعراب في التثنية على النون، وتجعل قبل النون ألفًا لازمة، وتجعله من قبيل "عُثْمانَ"، و"مَرْوانَ"، فتقول: "هذا مسلمانُ"، و"رأيت مسلمانَ"، و"مررت بمسلمانَ". وتقول في الجمع: "هذا مسلمِينٌ"، و"رأيت مسلمينًا"، و"مررت بمسلمِينٍ"، وقد تقدّم ذلك. فعلى هذا، تكون النسبةُ إليه بإثبات علامة التثنية والجمع من غيرِ حذف شيء منهما، فتقول: "هذا زيدانيٌّ"، و"رأيت زيدانيّا"، و"مررت بزيدانيّ"، وتصرفه عند اتّصال ياءي النسبة به، كما تصرف نحو: "مساجِدَ" إذا اتّصل به تاء التأنيث، نحو: "صَياقِلَةٍ"، و"صَيارِفَةٍ". وقد جاء "خَلِيلانُ" اسمًا، ونسبوا إليه "خَلِيلانيٌّ". وقد جاء في أسماء الأمكنة ما هو على طريق التثنية، كما جاء فيها ما هو على طريقة الجمع، قالوا: "سَبُعان"، وهو اسمُ مكان كأنّه تثنيةُ "سَبُعٍ"، ولا يكون: "فَعُلانُ"؛ لأنّه لا نظيرَ له، وأمّا قوله [من الطويل]:
ألَا يا دِيارَ الحَي بالسَّبُعانِ ... أَمَلَّ عليه بالبِلَى المَلَوانِ
فإنّ الشعر لابن مُقْبِلٍ، الشاهدُ فيه أنّه أعربه بالحركات، وألزمَه الألفَ، فعلى هذا النسبةُ إليه سَبُعانِيٌّ؛ لأنّ الألف فيه ليست للدلالة على الإعراب؛ إنّما هي بمنزلة الألف في "زَغفَرانٍ"، والمعنى أنّه يتأسّف على ديار قومه بهذا المكان، ويُخْبِر أنّ المَلَوَيْن، وهما الليل والنهار أبلياها ودرساها.
وأمّا نحو: "قِنَّسْرِينَ"، و"نَصِيبِينَ"، و"يَبْرِينَ" ونحوِهنّ من أسماء المواضع كـ"فِلَسْطِينَ"، و"سَيْلَحِينَ"، و"ماكِسِينَ"، فأمّا "قِنَّسْرين"، فمدينةٌ داثرةٌ بالشأم؛ وأمّا "نصيبين" فمدينة بالجَزيرة؛ وأمّا "يَبْرِين" فموضعٌ بالشام أيضًا، و"سَيْلَحون" قريةٌ بفارسَ، و"ماكسون"موضعٌ بالخابُور، فهذه الأسماءُ كلها من قبيل ما سُمّي بجمع، كأنّهم جعلوا كلَّ جهة "قنّسرًا"، و"نصيبًا"، و"يَبْرًا"، ثمّ جمعوه بالواو والنون، وسمّوا به. وفيهٍ المذهبان: منهم من يجعل الإعراب في النون، ويُلْزِمه الياء، فيقول: "هذا قنّسرينُ"، و"رأيت قنّسرينَ"، و"مررت بقنّسرينَ". فعلى هذه اللغة لا تحذف شيئًا منه إذا نسبت
стр. 1326
إليه، وتقول: "هذا قنّسرِينِي"، و"رأيت قنسرِينِيًّا"، و"مررت بقنّسرِينِيٍّ"، فاعرفه.
فصل [النسبة إلي الاسم الثلاثي المكسور العين]
قال صاحب الكتاب: وتقول في "نمر", و"شقرة", و"الدئل", ونحوها مما كسرت عينه: "نمريٌّ", و"شقري", و"دُؤلي" بالفتح قياس متلئبٌّ، ومنهم من يقول: "يثربي", و"تغلبي" فيفتح, والشائع الكسر.
* * *
قال الشارح: وممّا يلزم التغييرُ فيه ويطّرِد وذلك بأن يكون الاسم المنسوب إليه على ثلاثة أحرف ثانيه مكسورٌ، فإذا نسبتَ إليه. فتحتَ ثانِيَه. تقول في النسب إلى "نَمِرٍ": "نَمَرِيٌّ"، وإلى "شَقِرَةَ": "شَقَرِيٌّ"، وإلي "الدُّئِل": "دُؤَلِيٌّ". ولو سمّيت رجلًا بـ "ضُرِبَ"، ثمّ نسبت إليه، لقلت: "ضُرَبِيٌّ". ولو نسبت إلى "إبلٍ"، لقلت: "إبَلِيٌّ" بالفتح. وإنّما فتحوا العين استثقالًا لتوالي الكسرتَيْن والياءين في اسم ليس فيه حرفٌ غيرُ مكسور إلا واحدٌ. وقوله: "مُتْلَئِبٌّ"، أي: مستقيم. يقال: "طريق متلئبّ"، أي: ممتَدّ مستقيم.
فأمّا مثلُ "تَغْلِبَ"، و"يَثْرِبَ" ممّا هو على أربعة أحرف، فالبابُ أنّ تأتي به على لفظه من غير تغيير، فتقول: "تَغْلِبِيٌّ"، و"يَثْرِبِيٌّ"، و"مَغْرِبِيٌّ"؛ لأنّ فيه حرفَيْن غير مكسورين: التاء من "تغلب" مفتوحة، والغينُ ساكنة. ومنهم من يفتح ويقول: "تَغْلَبيّ"، و"يَثْرَبيّ"، و"مَغْرَبيّ". ويُشبِّهون المكسور منه بالمكسور في "شَقِرَةَ"، و"نَمِرٍ"، ولم يحفِلوا بالساكن، كأنّهم نسبوا إلى "تَلِب" من "تَغْلِب"، وأهملوا الغين لسكونها، وكذلك ما كان مثله. وليس ذلك بقياس عند سيبويه والخليل (١)، وهو عند أبي العبّاس المبرّد قياسٌ مطردٌ، فأمّا نحو: "عُلَبِط" (٢)، و"هُدَبِدٍ" (٣)، فلا مقالَ في بقائه على لفظه من غير تغيير؛ لتحرُّك الحرف الثاني منه، فاعرفه.
فصل [النسبة إلي "فعيلة" و"فَعولة" و"فُعيلة "]
قال صاحب الكتاب: وتحذف الياء والواو من كل "فَعيلةٍ", و"فَعُولَةٍ"، فيقال
стр. 1327
فيهما: "فعليٌّ" (١) , نحو قولك: "حنفي", و"شنئيّ"، إلا ما كان مضاعفاً أو معتل العين, نحو: "شديدة", و"طويلة"، فإنك تقول فيهما: "شديدي", و"طويلي". ومن كل "فُعيلةٍ", فيقال فيها: "فُعليّ", نحو: "جُهنيّ", و"غُفَليّ".
* * *
قال الشارح: ومن التغيير اللازم حذفُ الياء والواو من "فَعِيلَةَ"، و"فُعَيْلَةَ"، و"فَعُولَةَ" وذلك إذا نسبت إلى مثل "حَنِيفَةَ"، و"رَبِيعَةَ"، و"جُهَيْنَةَ"، فتقول: "حَنَفِيٌّ"، و"رَبَعِيٌّ"، و"جُهَنِيٌّ" وتعمل ثلاثة أشياء: تحذف تاء التأنيث، ثمّ ياء "فعيلة"، وتنقُله من "فَعِلٍ" مكسورَ العين إلى "فَعَلٍ" مفتوحَ العين. أمّا حذفُ تاء التأنيث، فعلى الجادَّة، وأمّا حذفُ الياء فلأنّها في نفسها مستثقلةٌ مع كونها زائدةً، وقد حصل في الكلمة أسبابٌ أوجبت ثِقَلَها، وهو أنّه اجتمع فيها ياء "فَعِيلَةَ" أو"فُعَيْلَةَ"، مع كسرِ ما قبل عَلَم النسبة، ويائي النسبة. وكلُّ ذلك من جنس واحد، فاستُثقل اجتماعها. والنسبُ بابُ تغيير، فحذفوا الياء تخفيفًا. وذلك لأنّهم قد حذفوها من "فَعِيلٍ"، و"فُعَيْلٍ"، نحو: "ثَقَفِيٍّ"، و"سُلَميّ"، وليس في الاسم إلا تغييرٌ واحدٌ، وهو تغييرُ حركةِ آخره بالكسر للحاق يائي النسبة، وإن لم يكن ذلك بالقياس عند سيبويه (٢).
وإذا كان حذفُها فيما لا هاء فيه جائزًا، كان فيما فيه الهاء لازمًا؛ لأنّ فيه تغييرَيْن: تغييرَ حركة، وحذفَ حرف. والكلمةُ كلّما ازداد التغييرُ فيها، كان الحذف فيها ألزمَ. ولمّا حذفت الياء، بقيت الحروفُ التي كانت قبل الياء مكسورات، وهن ثَوانٍ، فبقي بعد حذف الياء والتاء "حَنِفًا"، و"رَبِعًا" مثل "نَمِرٍ"، فُفتح في النسب، قيل: "حَنَفِيٌّ"، و"رَبِعيٌّ"، كما تقول في "نَمِرٍ": "نَمَريّ"، إلا أنّ يكون مضاعفًا أو معتلَّ العين، فإنّك لا تحذف الياء منهما، نحو النسب إلى "شَدِيدَةٍ", و"طَوِيلَةٍ"، و"جَلِيلَةٍ"، فتقول: "شَدِيدِيٌّ"، و"طَوِيلِيٌّ"، و"جَلِيلِيٌّ"؛ لأنّك لو حذفت الياء، لوجب أنّ يقال: "شَدَدِيٌّ"، فيجتمع حرفان من جنس واحد، وهو ممّا يستثقلونه.
وكذلك لو نسبت إلى بني طويلةَ، وبني حُوَيْزَةَ، وهم في التَّيْم، قلت: "طويلِيٌّ"، و"حُوَيْزِيٌّ". والتصريفُ يُوجب أنّ الواو إذا تحرّكت وانفتح ما قبلها، قُلبت ألفًا، كقولهم: "دارٌ"، و"مالٌ". وحذفُ التاء إنّما هو لضرب من التخفيف، فلمّا آل الحالُ إلى ما هو أبلغُ منه في الثقل، أو إلى إعلال الحرف، احتُمل ثقلُه، وأُقرّ على حاله. وقد جاء فيما فيه التاء أسماءٌ قليلةٌ بإثبات الياء، ولا يقاس عليها. فممّا جاء منه بإثبات الياء فما
стр. 1328
حكاه سيبويه (١)، قالوا في "سَلِيمَةَ": "سَلِيمِيٌّ" وفي "عَمِيرَةِ" كَلْبٍ: "عَمِيرِيٌّ". قال يونس: وهذا قليل (٢)، وقالوا في "خُرَيْبَةَ": "خُرَيْبيّ" وقالوا في النسب إلى "سَلِيقَةٍ": "سَلِيقيٌّ"، والسليقةُ: الطَّبِيعَة. وقالوا: "رماحٌ رُدَينِية"، وهي منسوبة إلى "رُدَيْنَةَ".
وأمّا "فَعُولَةُ" فحكمُها في النسب عند سيبويه (٣) حكمُ "فَعِيلَةَ"، فتسقط الواو كما سقطت الياء، ويَفتَح عين الفعل المضمومة كما فتح المكسورة، وحجّتُه في ذلك أنّه قد وُجد في "فَعُولَةَ" من الثقل ما وُجد في "فَعِيلَةَ"، فكانت مثلَها، مع أنّ العرب قد قالت في النسب إلى "شَنُوءَةَ": "شَنَئِيٌّ".
وأمّا أبو العبّاس المبرّد فإنّه كان يخالِفه في هذا الأصل، ويجعل "شَنَئِيًّا" من الشاذّ، فلا يُجيز القياسَ عليه، وفرق بين الواو والياء بأشياء، منها: أنّه قال لا خلافَ بينهم أنّه يُنسَب إلى "عَدِيٌّ": "عَدَوِيٌّ"، وإلى "عَدُوٍّ": "عَدُوِّيٌّ"، ففصلوا بين الواو والياء، فأقرّوا الواو على حالها، وغيروا الياء. ومن ذلك أنّهم يقولون في النسبة إلى "سَمرَةَ": "سُمُرِيٌّ"، وإلى "نَمِرٍ": "نَمَرِيٌّ"، فغيّروا في "نمر" من أجل الكسرة، ولم يغيّروا في "سَمُرِيّ"؛ لأنّ المستثقل اجتماعُ الياءات والكسرات. فلمّا خالفت الضمّةُ الكسرةَ في "نمر"، و"سمرة"، والواو الياء في "عَدِيٍّ"، و"عَدُوٍّ"، وجب أن تخالف الياء في "فَعِيلة" الواو في "فَعُولة". وقولُ أبي العبّاس مَتِينٌ من جهة القياس. وقولُ سيبويه أشدُّ من جهة السماع، وهو قولهم: "شَنَئِيٌّ"، وهذا نَصٌّ في محلّ النزاع.
فصل [النسبة إلي الاسم الذي قبل آخره ياء مُشَدَّدة]
قال صاحب الكتاب: وتحذف الياء المتحركة من كل مثال, قبل آخره ياءان مدغمةٌ إحداهما في الأخرى, نحو قولك في "أُسيِّد", و"حميرٍ", و"سيِّدٍ", و"ميِّتٍ": "أُسيديٌّ", و"حُمَيريّ", و"سيديّ", و"ميتي".
* * *
قال الشارح: الباب في كلّ اسم قبل آخِره ياءٌ مشدّدة أنّ تفُكّ الادّغامَ، وتحذف الياء المتحرّكة، فتقول في "أُسَيِّدَ"، و"حُمَيِّرٍ"، تصغيرِ "أَسْوَدَ"، و"حِمارٍ": "أُسَيْدِيٌّ"، و"حُمَيْريّ". ومثله في النسب إلى "سَيِّدٍ"، و"هَينٍ": "سَيْدِيٌّ"، و"هَيْنيّ". وإنّما حذفوا الياء؛ لثِقَل الاسم باجتماع ياءين وكسرتَيْن بعدهما ياء الإضافة، فثقُل عليهم اجتماعُ هذه المتجانسات، فحذفوا الياء تخفيفًا، وخصّوا المتحرّكة بالحذف؛ لأنّه أبلغُ في التخفيف،
стр. 1329
لأنّ الاسم يُنقَص ياء فيخِفّ. ولو حذفوا الياء الساكنة، لبقيت الياء المكسورةُ، فتتوالى الكسرتان، ولأنّهم يقولون قبل النسبة: "مَيتٌ"، و"مَيْتٌ"، و"هَينٌ"، و"هَيْنٌ"، فيخفِّفون بحذف الياء المتحرّكة استثقالًا، فإذا نسبوا وجاؤوا بياء النسبة، لزموا التخفيف على ذلك المنهاج، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: قال سيبويه (١): "ولا أظنهم قالوا: "طائي", إلا فراراً من "طيئى"، وكان القياس "طيئيٌّ", ولكنهم جعلوا الألف مكان الياء؛ وأما "مهيم" تصغير "مُهَوِّم" فلا يقال فيه إلا "مهيِّيميٌّ" على التعويض، والقياس في "مُهيِّمٍ" من "هيَّمه": "مُهَيّميٌّ" بالحذف.
* * *
قال الشارح: القياس في النسبة إلى "طَيِّىءٍ" بوزن "طَيِّعٍ": "طَيِّئِيٌّ"، لكنّهم جعلوا مكانَ الياء ألفًا تخفيفًا؛ لأنّه أخفُّ. وله نظائر، وإن كان الجميع شاذًّا غيرَ مقيس عليه. فمن ذلك قولهم في النسب إلى "زبِينَةَ": "زَبانِيٌّ". وقالوا في "يَوْجَلُ": "يا جَلُ" كأنّهم اجتزؤوا بأحد الشرطَيْن في قلب الياء ألفًا، وهو انفتاحُ ما قبلها. وقولُ سيبويه: "لا أظنُّهم قالوا طائِيّ إلا فرارًا من طَيِّئِيٍّ"، يريد: فرارًا من اجتماع الأمثال والأشباه، وهو الياء والكسرة، وياءا النسب.
وأمّا "مُهَيِّمْ" فهو على ضربَيْن: يكون تصغيرَ "مُهَوِّمٍ" من قولهم: "هَوَّمَ"، "يُهَوِّمُ" إذا نام، وذلك لأنّك لما صغّرته، حذفت إحدى الواويْن؛ لأنّها زائدةٌ يخرج بها الاسمُ عن بناء التصغير، كما تحذف إحدى الدالَيْن من "مُقَدِّمٍ"، فيصير "مُهَيومٌ"، فتقلب الواو ياءً لاجتماعها مع ياء التصغير قبلها، كما قلبتها في "أُسَيِّدَ"، ثمّ لك وجهان: إن شئت أنّ تُعوِّض، وإن شئت لا. فإذا نسبت إليه، لزم التعويضُ لتفصِل الياء الساكنة بين الياءين الثقيلتَيْن، ولم يحذفوا الياء الخفيفة؛ لئلاّ يصير إلى مثال "حُمَيْرِيّ"، فيلزمَ فيه حذفُ يائين، فتقول: "مُهَيْميّ" خفيفة. والذي فيه عندي أنّك لمّا صغرت "مُهَوِّمًا"، لم تحذف منه شيئًا, لأنّ الواو الثانية وقعت رابعةً موضعَ العوض، ولم تُحذَف، وقلت: "مُهَيِّيمٌ"، كما تقول في "كِدْيَوْنٍ": "كُدَيِّينٌ" فإذا نسبت إليه؛ قلت: "كُدَيِّينِيٌّ" فكذلك تقول: "مُهَيِّيمِيٌّ".
وأمّا "مُهَيِّمٌ" من "هَيَّمَهُ الحُبُّ"، فهو اسم فاعل عى زنة "مُفَعِّلٍ"، وليس بمصغّر، فتحتاجَ فيه إلى تعويض، فإذا نسبت إليه؛ قلت: "مُهَيْمِيٌّ"، فتعمل فيه ما عملت بـ "حُمَيريّ"، فاعرفه.
стр. 1330
فصل [النسبة إلي المعتلّ اللام من "فَعيل" و"فعيلة" و"فُعَيل" و"فُعَيلة "]
قال صاحب الكتاب: وتقول في "فَعيلٍ" و"فَعيلَةَ" و"فُعيل" و"فُعيلة" من المعتلّ اللام: "فَعليٌّ", و"فُعَليّ", كقولك: "غَنَويٌّ", و"ضَرَويّ", وقُصَويّ", و"أُمويّ". وقال بعضهم: "أُميّيٌّ", وقالوا في "تحيَّةٍ": "تحويٌّ"
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ ما كان من هذا النوع فإنّه يستوي في النسب إليه ما كان فيه تاء التأنيث، وما ليست فيه، فتقول في النسب إلى "غَنِيٍّ": "غَنَوِيٌّ". و"غنيٌّ" حَيٌّ من غَطَفانَ، وإلى "ضَرِيَّةَ": "ضَرَوِيٌّ". و"ضريّة": قريةٌ لبني كِلابٍ على طريق البَصرة بالقرب من مكّة، وإلى "عَدِيٍّ": "عَدَوِيٌّ". وقالوا في النسب إلى "قُصَيٍّ": "قُصَويّ"، وإلى "أُمَيَّةَ": "أُمَويّ"، لا فرقَ بين ما فيه التاء وغيره. وذلك أنّ "غَنِيًّا" آخِرُه ياء مشدّدة، وهما ياءان في الحكم. والياء الأولى زائدة، وهي ياء "فَعِيلٍ"، والثانيةُ لام الكلمة، فإذا نسبت إليه، ألحقته ياء النسبة، وهي مشدّدة بيائين، فيتوالى في آخر الكلمة أربعُ ياءات، فتثقُل، فعمدوا إلى الياء الزائدة، فحذفوها، فبقي بعد الحذف "غَنِيٌ" مكسورَ النون بمنزلة "نَمِرٍ"، ففتحوا النون كما فتحوا الميم في "نَمَرِيّ". ولمّا انفتحت، انقلبت الياء ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها, فصارت في التقدير "غنًى" مثلَ "رَحى"، ثمّ قُلبت الألف واوًا، كما تقلَب في النسب إلى "رَحى"، و"فَتًى"، فتقول: "غَنَوِيٌّ"، كما تقول: "رَحَويّ"، و"فَتَويّ".
وكذلك إذا كان فيه تاء التأنيث؛ لأنّ التاء تُحذَف في النسب، فيصير بمنزلةِ ما لا تاء فيه. وحكم "فُعَيلٍ" و"فُعَيْلَةَ" من ذلك نحو: "قُصَيٍّ"، و"أمَيَّةَ"، كذلك تحذف ياء التصغير، والعينُ مفتوحةٌ، فتنقلب اللام ألفًا سواء كانت من ذوات الياء، أو من ذوات الواو، فتقول في النسب إلى "قُصَيّ": "قُصَويّ"، كان "فُعَلًا"، بحذف الياء للنسب كراهيةَ اجتماع أربع ياءات على ما تقدّم، ثمّ قلبت اللام ألفًا، فصار "قُصًى" مقصورًا" كـ "هُدًى"، و"رُشًا"، فقُلبت ألفه واوًا في النسب، فقالوا: "قُصَويّ"، كما قالوا: "هُدَويّ"، و"رُشويّ".
وما كان فيه تاء التأنيث فكذلك؛ لأنّ التاء تحذف في النسب، فيقولون في "أُمَيَّةَ": "أُمَويّ". ومن العرب من يحتمل الثِّقَل، ويقول: "أميِّيٌّ"، و"قصَيِّيٌّ". ووجه ذلك أنّه لمّا كان يدخل الياء المشدّدة الإعرابُ، فيقال: "هذا صَبِيٌّ وعَدِيٌّ"، و"رأيت صبيًّا وعديًّا"، و"مررت بصبيٍّ وعديٍّ"، شبّهوه بالصحيح، فنسبوا إليه كما يُنسَب إلى الصحيح.
وقالوا في النسب إلى تَحِيَّةٍ: "تَحويّ"، وأصله "تَحْيِيَةٌ" على "تَفعِلَةً"؛ لأنّه مصدرُ "حَيّى يُحَيِّي"، على زنةِ "فَعَّلَ"، "يُفَعِّلُ"، ومصدره يأتي على "تَفْعِلة" كـ" التَّحلِيَة"، و"التَّروِيَة"، فنقلت كسرة الياء إلى الحاء قبلها، فسكنت الياء، وأدغمت فيما بعدها،
стр. 1331
فصار لفظُها كلفظ "فَعِيلَةَ"؛ لأنّ ثالثها ياء ساكنةٌ قبلها كسرة، فنسبوا إليها كما ينسبون إلى "فَعِيلَةَ" بحذف الياء الثانية، فبقي "تحِيَةٌ" مثلَ "عَمِيَةٍ" في اللفظ، فنقلوه إلى "تحاةٍ" على ما وصفنا، ثمّ يُنسَب إليها "تَحَوِيٌّ"، كما يقال: "عَمَويّ"، شبّهوا الياء الزائدة بالأصل، والياء الأصليّة بالزائدة، فاعرفه.
[النسبة إلي المعتلّ اللام من "فَعول" و"فَعولة "]
قال صاحب الكتاب: وفي "فعُولٍ", "فَعُوليٌّ", كقولك في "عَدُوٍّ": "عدُوِّيٌّ". وفرق سيبويه (١) بينه وبين "فعولة", فقال في "عدُوَّةٍ": "عدويٌّ"، كما قالوا في "شنوءة": "شنئيّ". ولم يفرق المبرد, وقال فيهما: "فَعُوليّ".
* * *
قال الشارح: تقول في النسبة إلى "عَدُوٍّ": "عَدُوِّيٌّ"، فلا تُغيِّره؛ لأنّه لم يجتمع فيه الياءاتُ التي اجتمعت في "عَدِيّ". وإنّما يقع الحذفُ والتغييرُ لكثرة الياءات. ألا ترى أنّه لمّا اجتمع في "عَدِيٍّ" أربعُ ياءات، استثقلوا ذلك، فحذفوا إحدى الياءات، وقلبوا الثانية واوًا لتخفيف اللفظ بالاختلاف؛ لأنّ المستثقل عندهم اجتماعُ المتجانسات. ألا ترى أنّك تقول في النسب إلى "فَتًى" و"رحًى": "فَتَوِيٌّ"، و"رَحَويّ"، فقلبتَ الألف واوًا، وإن كان أصلها الياء فرارًا من اجتماع الياءات. فإذا قدروا على الواو، فقد حصل غرضُهم على المخالفة، فلم يغيّروا اللفظ.
فإن دخلت تاء التأنيث في ذلك، فنسبتَ إلى مثل "عَدُوِّةٍ"، قلت: "عَدَوِيٌّ"، فتغيّره لأجل تاء التأنيث، وكثرةِ التغيير فيه، والتغييرُ مُؤْنِسٌ بالتغيير، فتحذف الواو الزائدة، فتُبدِل من الضمّة فتحة. فسيبويه يجري في ذلك على أصله في "فَعُولَةَ"، ويَقيسة على قولهم في "شَنُوءَةَ": "شَنَئِيٌّ"، والمبرّدُ لا يرى ذلك، ويقول في "عَدُوِّةٍ": "عَدُوِّيٌّ" كالمذكّر، فاعرف ذلك إن شاء الله.
فصل [النسبة إلي الاسم المقصور الذي ألفه مُنقلبة]
قال صاحب الكتاب: والألف في الآخر لا يخلو من أن تقع ثالثة، أو رابعة منقلبة, أو زائدة، أو خامسة فصاعداً. فالثالثة والرابعة المنقلبة تقلبان واواً, كقولك: "عصوي", و"رحوي", و"ملهوي" و"مرموي", و"أعشوي".
* * *
стр. 1332
قال الشارح: اعلم أنّ الألف لا تكون أصلًا في الأسماء المتمكنة، ولا في الأفعال أيضًا، إنّما تكون بدلاً وزائدةً، فإذا وقعت آخِرًا؛ فلا تخلو من أنّ تكون ثالثةً أو رابعةً فصاعدًا، فما كان على ثلاثة أحرف، والثالثُ منها ألفٌ، فلا تكون إلا منقلبةٌ كالألف في "عَصًا"، و"رَحًى" و"مَنًا"، و"حَصًى"، فإنّ الألف في هذه الأسماء كلّها بدلٌ من لام الكلمة، فالألفُ في "عَصًا"، و"مَنًا" بدلٌ من الواو؛ لقولك: "عَصَوانِ"، و"مَنَوانِ"، وفي "رَحًى"، و"حَصًى" بدلٌ من ياء؛ لقولك: "رَحَيانِ"، و"حَصَيانِ"، و"حَصَياتٌ". فإذا نسبت إلى شيء من ذلك. كان كلّه بالواو سواءٌ كانت من الواو أو من الياء. تقول في "عصًا"، و"مَنًا": "عَصَويً"، و"مَنَوي"، وفي "رَحًى"، و"فَتًى": "رَحَوي"، و" فَتَوي"، وذلك لأنّك أدخلت ياءَ النسبة، ولا يكون ما قبلها إلا مكسورًا، والألفُ لا تكون إلا ساكنة، فاحتاجوا إلى حرف يُكسَر، فقلبوها واوًا، وكرهوا الياء في ذوات الياء؛ لأنّهم لو قلبوها ياءً؛ لقالوا: "رَحَيِيٌّ"، و"فَتَيِيٌّ"، فكانت تجتمع ثلاثُ ياءات وكسرةٌ في الياء الأُولى، وذلك ممّا يستثقل؛ لأنّه قرب من "أُمَيِّيٌّ" , ولم يحذفوا الألف؛ لأنّ المنسوب إليه أقلُّ الأسماء حروفًا.
فإن قيل: فالثقل في "أُمَيِّيّ" أبلغُ؛ لأنّك تجمع فيه بين أربع ياءات، و"فَتَى"، و"رَحًى" إنما يجتمع فيه ثلاثُ ياءات، وبعضُ العرب يستعمل "أُمَيِّيّ" ولا نعلم أحدًا يقول: "رَحَيِيٌّ"؟ فالجواب أنّ مثل "أميّ"، و"عَدِيّ" قد استُعمل قبل النسبة، وأمّا مثلُ "رَحَي" فغيرُ مستعمل إلا في النسبة, لأنّه يلزمه قلبُها ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فكرهَوا أنّ يتحمّلوا الثقل في لفظ غير مستعمل.
فإن قيل: فأنت إذا قلت: "حَويّ"، و"مَنَويّ"، فَـ "رحَوٌ"، و"مَنَوٌ" غير مستعمل إلا في النسب، قيل: الأمرُ، وإن كان على ما ذكرتَ، فإنّ الثقل فيه أقلُّ؛ لاختلاف الحرفَيْن، إذ الثقلُ في الواو ويائي النسب أقلُّ من الثقل في الياءات مع ياء النسب.
فإن كان المقصور على أربعة أحرف، والحرفُ الثاني ساكنٌ، فلا تخلو الألف في آخِره من أن تكون منقلبة، أو زائدة للتأنيث، نحوَ: "حُبْلَى"، و"سَكْرَى"، و"عَطْشى"، و"حُزْوَى". فالأجودُ في هذا حذفُ الألف، فيقال: "حبلِيٌّ"، و"سَكْريّ"، و"عَطْشيّ". وذلك أنّهم شبّهوا ألف التأنيث بتاء التأنيث في الحذف، فحذفوها كحذفها. ويجوز مَدُّها، فيقال: "حُبْلاوِيٌّ"، و"سَكْراويٌّ" تشبيهًا بالمؤنّث الممدود، نحوِ: "حَمراءَ"، و"صَفْراءَ". ويجوز قلبُ الألف واوًا، فيقال: "حُبْلَويّ"، و"سَكْرَويّ"، كما يُقال "كِسْرَويّ". شبّهوها بالمنقلبة في نحو: "مَلْهَويّ"، و"مَغْزَويّ". فهذه ثلاثةُ أوْجُه: أحدُها "حبْلي" بحذف الألف، وهو أجودُها، ثمّ "حُبْلاويّ"، ثمّ "حُبْلَويّ".
فإن كانت الألف لغير التأنيث، وهو على أربعة أحرف، والرابعُ ألف مقصورة،
стр. 1333
وثانيها ساكنٌ، ففي المنقلبة نحو: "مَلْهًى"، و"مَغْزًى"، و"مَحْيًا"، و"أعْشَى" ثلاثةُ أوجه:
أجودُها أنّ تُقلَب الألف واوًا؛ فيقُال في النسب إلى "مَلْهًى": "مَلْهَويّ"، وإلى "مَغْزًى": "مَغْزَويّ"، وإلى "مَحْيًا": "مَحْيَوي". وذلك لأنّها بدلٌ من اللام، فكان حكمُها حكمَ "عصًا"، و"رَحًى"، فكما تقول: "عَصَويّ"، و"فَتَويّ"، كذلك تقول: "مَلْهَويّ"، و"أعْشَويّ".
والثاني: أنّ تمُدّ ذلك، وهو ضعيف، فتقول: "مَلْهاويّ"، و"مَغْزاويّ"، تشبيهًا بالزائدة الممدودة للتأنيث.
والثالث: أنّ تحذف الألف، فتقول: "مَلْهِيٌّ"، و"مَغْزِيٌّ"، تشبيهًا بألف التأنيث المقصورة، نحوِ: "حُبْلَى"، و"سَكْرَى"، كما قالوا: "مِدْرًى"، و"مَدارَى"، فجمعوه جمعَ "حُبْلَى"، و"حَبالَى"، وإن لم يكن مثله؛ لأنّ ألف "مدرى" لامٌ، وألف "حُبْلى" زائدةٌ، فشبّهوا الأصل بالزائد. وكذلك ما كان مُلْحَقًا به من الزائد، نحوُ: "أرْطًى"، و"أرْطَوِيٌّ"، و"مِغزًى"، و"معْزَويّ" فيه الوجوهُ الثلاثة.
[النسبة إلي الاسم المقصور الذي ألفه زائدة]
قال صاحب الكتاب: وفي الزائدة ثلاثة أوجه: الحذف, وهو أحسنها كقولك: "حُبليّ", و"دنيي", والقلب, نحو: "حبلوي" و"دنيوي"، وأن يُفصل بين الواو والياء بألف, كقولك: "دنياوي". وليس فيما وراء ذلك إلا الحذف كقولك: "مُراميّ", و"حُباريّ" و"قبعثري", و"جمزي" في حكم "حُباريّ".
* * *
قال الشارح: فإن كانت الألف زائدة، نظرتَ، فإن كانت للتأنيث مثلَ "حُبْلَى"، و"سَكْرَى"، فالأجودُ حذفُها كما تحذف تاء التأنيث، لأنّها زائدة مثلُها، وفي معناها، فيقال: "حُبْليّ"، و"سَكْريّ". ويجوز من بَعْدِ ذلك وجهان آخران: أحدهما قلبُها واوًا تشبيهًا لها بالأصل، فيقال: "حُبْلَويّ"، و"سَكْرَويّ"، والآخر: "حُبْلاويّ"، و"سَكْراويّ"، وتُشبِّهها بالممدودة.
وإن كانت للإلحاق، مثلَ: "أرْطًى"، و"مِعْزًى"؛ كنت مخيَّرًا: إن شئت قلبتَ، وإِن شئت حذفتَ، إلا أنّ القلب هنا أحسن منه في "حُبْلَويّ"؛ لأنّها في حكم الأصل إذ كانت ملحِقة، فتقول: "أرْطًى"، و"أرطَويّ"، و"مِعْزًى"، و"مِعْزَويّ".
فأمّا إذا كانت الألف خامسة فصاعدًا، أو كانت على أربعة أحرف، والحروفُ الثلاثةُ التي قبل الألف متحرّكاتٌ، فلا يجوز إلا حذفُ الألف سواء كانت للتأنيث. أو لغير التأنيث، وذلك قولك إذا كانت للتأنيث: "شُكاعِيٌّ"، و"سُمانِيٌّ". و"الشُّكاعَى": نبتٌ يُتداوى به، و"السُّمانَى": طائرٌ. وفيما كان لغير التأنيث، وهو على ضربَيْن: أصليةٌ،
стр. 1334
وزائدةٌ، فالأصليّةُ، نحو: "مُرامًى"، و"مُسامى" تقول فيه: "مُراميّ"، و"مُساميّ".
وإنّما وجب الحذفُ؛ لأنّ الألف ساكنةٌ والياء الأولى من ياءَيِ النسبة ساكنةٌ أيضًا، وقد طال الاسمُ، وكثُرت حروفه، فوجب باجتماعِ ذلك الحذفُ، وإذا كانوا قد حذفوا فيما قلّت حروفُه، نحوِ: "حُبْلَى"، و"مَلْهًى"؛ ففيما كثُرت أوْلى.
وأمّا الزائدة لغير التأنيث، نحوُ: "حَبَنْطًى"، و"دَلَنْطًى"، و"قَبَعْثَرًى"، فإنّك تقول فيه: "حَبَنطيّ"، و"دَلَنْظيّ"، و"قَبَعْثَريّ"، و"الحبنطى": القصير البطين، و"الدلنظى": الصلْب الشديد، الألفُ فيهما للإلحاق بـ "سَفَرْجَلٍ"، و"القَبَعْثرى": العظيم الخلْق، والألفُ فيه لتكثير الكلمة، وليست للتأنيث، ولا للإلحاق؛ لأنّه ليس في الأصول ما هو على هذه العدّة، فيكونَ ملحقًا به. وتقول في "جَمَزَى" (١)، و"بَشَكَى" (٢) وما كان مثلهما: "جَمَزيّ"، و"بَشَكيّ"؛ لأنّ الألف في حكم الخامسة؛ لأنّ الحركة في الثاني بمنزلة الحرف، ألا ترى أنّ من يصرف "هِنْدًا"، و"دَعْدًا" لا يصرف "سَقَرَ"، و"قُدَمَ" عَلَمَيْن؛ لأنّ الحركة فيه صيّرتْه في حكم "زَيْنَبَ"، و"سُعادَ"، فلذلك قال: هو في حكم "حُبارَى"، يعني تصير الألفُ في آخِره في حكم الخامسة؛ لتحرُّك حرفِ ما هي فيه.
فصل [النسبة إلي الاسم المنقوص]
قال صاحب الكتاب: والياء المسكورة ما قبلها في الآخر لا تخلو من أن تكون ثالثة, أو رابعة, أو خامسة, فصاعداً. فالثالثة تقلب واواً, كقولك: "عموي", و"شجوي". وفي الرابعة وجهان: الحذف وهو أحسنهما، والقلب, كقولك: "قاضي", و"حاني", و"قاضوي" و"حانوي"، قال [من الطويل]:
٨٣٢ - وكيف لنا بالشرب إن لم يكن لنا ... دراهم عند الحانوي ولا نقد
стр. 1335
وليس فيما وراء ذلك إلا الحذف, كقولك: "مشتري", و"مُستسقيّ", وقالوا في "مُحَيٍّ": مُحَوِيٌّ" و"مُحيّيّ"، كقولهم: "أُمويّ", و"أُميّيّ".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ ما كان في آخره ياءٌ من الأسماء المنسوبة، فإن كانت الياء ثالثةً قبلها كسرةٌ، نحوَ: "عَمٍ"، "وشَجٍ"، فإنّك تُبْدِل من الكسرة فتحةً، كما فعلت في "نَمِرٍ"، و"شَقِرَةَ"؛ لثِقَل تَوالي الكسراتَ مع ياء الإضافة، ثمّ تقِلب الياءَ ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فيصير في حكم التقدير "عَمًا"، و"شَجًا"، ثمّ تقلب الألفَ واوًا، كقولك: "عَمَويّ"، و"شَجَوي"، كما فعلت في "عَصًا"، و"رَحًى"، فقلت: "عَصَويّ" و"رَحَويّ".
فأمّا إذا كانت رابعة؛ فإنّ الباب فيه عند سيبويه (١) حذفُ الياء لالتقاء الساكنين، تقول في "قاضٍ"، و"رامٍ"، ورجلٍ يسمّى "يَرْمِي": "قاضيٌّ"، و"راميٌّ"، و"يَرْميٌّ". وكان الأصل أنّ تقول: "قاضِيِيٌّ"، و"رامِيِيٌّ"، و"يَرْمِيِيٌّ"، كما تقول في النسب إلى حاكِم: "حاكميّ"، وإلى "يَضْرِبَ": "يَضْرِبيّ"، غيرَ أنّهم استثقلوا الكسرة على الياء؛ المكسورِ ما قبلها فحذفوها، ثمّ حذفوا الياء لسكونها وسكون الياء الأوُلى من يائي النسب.
فإن قيل: فإنّه يجوز الجمع بين ساكنَيْن إذا كان الأول حرفَ مدّ ولِين والثاني مدغَمًا، مثلَ: "دابَّةٍ"، و"شابَّةٍ" و"حيب بُّكرٌ"، قيل: الأمرُ كذلك، غيرَ أنّ الياء لا يمكن إسكانُها؛ لأنّ ياء النسبة لا يكون ما قبلها إلا مكسورًا، وكان في الجملة ثَمّ ساكنان، فحُذف لالتقاء الساكنين عند تعذُّر الإسكان.
وقالوا في النسب إلى "عَرْقُوَةٍ"، و"تَرْقُوَةٍ": "عَرْقِيٌّ"، و"تَرْقِيٌّ". وذلك أنّهم لمّا حذفوا التاء للنسبة على القاعدة، بقي "عَرْقُوٌ"، و"تَرْقُوٌ"، فوقعت الواو طرفًا، وقبلها ضمّةٌ، وليس ذلك في الأسماء، فقلبوها ياءً كما قالوا: "أدْلٍ"، و"أجْرٍ"، والأصل: "أدْلُوٌ"، و"أجْرُوٌ"، ثمّ نسبوا إليه بحذف الياء، فقالوا: "عَرْقِيٌّ"، و"تَرْقِيٌّ". ويجوز: "عَرْقَوِيٌّ" بإثبات الواو, لأنّ يائي النسب يجريان مجرى تاء التأنيث. وقد تقدّم ذكرُ المشابهة بينهما. فكما ثبتت مع تاء التأنيث، فكذلك مع يائي النسبة؛ لأنّها تصير حشوًا في الكلمة. وقد حُكي عنهم أنّهم يقولون في النسب إلى "قَرْنُوَةٍ": "قَرْنَوِيٌّ". وهذا نصٌّ على جوازه، ومن قال في "تَغْلِبَ"، و"يَثْرِبَ": "تَغْلَبيّ"، و"يَثْرَبيّ"، قال في "القاضي"،