فصار لفظُها كلفظ "فَعِيلَةَ"؛ لأنّ ثالثها ياء ساكنةٌ قبلها كسرة، فنسبوا إليها كما ينسبون إلى "فَعِيلَةَ" بحذف الياء الثانية، فبقي "تحِيَةٌ" مثلَ "عَمِيَةٍ" في اللفظ، فنقلوه إلى "تحاةٍ" على ما وصفنا، ثمّ يُنسَب إليها "تَحَوِيٌّ"، كما يقال: "عَمَويّ"، شبّهوا الياء الزائدة بالأصل، والياء الأصليّة بالزائدة، فاعرفه.
[النسبة إلي المعتلّ اللام من "فَعول" و"فَعولة "]
قال صاحب الكتاب: وفي "فعُولٍ", "فَعُوليٌّ", كقولك في "عَدُوٍّ": "عدُوِّيٌّ". وفرق سيبويه (١) بينه وبين "فعولة", فقال في "عدُوَّةٍ": "عدويٌّ"، كما قالوا في "شنوءة": "شنئيّ". ولم يفرق المبرد, وقال فيهما: "فَعُوليّ".
* * *
قال الشارح: تقول في النسبة إلى "عَدُوٍّ": "عَدُوِّيٌّ"، فلا تُغيِّره؛ لأنّه لم يجتمع فيه الياءاتُ التي اجتمعت في "عَدِيّ". وإنّما يقع الحذفُ والتغييرُ لكثرة الياءات. ألا ترى أنّه لمّا اجتمع في "عَدِيٍّ" أربعُ ياءات، استثقلوا ذلك، فحذفوا إحدى الياءات، وقلبوا الثانية واوًا لتخفيف اللفظ بالاختلاف؛ لأنّ المستثقل عندهم اجتماعُ المتجانسات. ألا ترى أنّك تقول في النسب إلى "فَتًى" و"رحًى": "فَتَوِيٌّ"، و"رَحَويّ"، فقلبتَ الألف واوًا، وإن كان أصلها الياء فرارًا من اجتماع الياءات. فإذا قدروا على الواو، فقد حصل غرضُهم على المخالفة، فلم يغيّروا اللفظ.
فإن دخلت تاء التأنيث في ذلك، فنسبتَ إلى مثل "عَدُوِّةٍ"، قلت: "عَدَوِيٌّ"، فتغيّره لأجل تاء التأنيث، وكثرةِ التغيير فيه، والتغييرُ مُؤْنِسٌ بالتغيير، فتحذف الواو الزائدة، فتُبدِل من الضمّة فتحة. فسيبويه يجري في ذلك على أصله في "فَعُولَةَ"، ويَقيسة على قولهم في "شَنُوءَةَ": "شَنَئِيٌّ"، والمبرّدُ لا يرى ذلك، ويقول في "عَدُوِّةٍ": "عَدُوِّيٌّ" كالمذكّر، فاعرف ذلك إن شاء الله.
فصل [النسبة إلي الاسم المقصور الذي ألفه مُنقلبة]
قال صاحب الكتاب: والألف في الآخر لا يخلو من أن تقع ثالثة، أو رابعة منقلبة, أو زائدة، أو خامسة فصاعداً. فالثالثة والرابعة المنقلبة تقلبان واواً, كقولك: "عصوي", و"رحوي", و"ملهوي" و"مرموي", و"أعشوي".
* * *
стр. 1332
قال الشارح: اعلم أنّ الألف لا تكون أصلًا في الأسماء المتمكنة، ولا في الأفعال أيضًا، إنّما تكون بدلاً وزائدةً، فإذا وقعت آخِرًا؛ فلا تخلو من أنّ تكون ثالثةً أو رابعةً فصاعدًا، فما كان على ثلاثة أحرف، والثالثُ منها ألفٌ، فلا تكون إلا منقلبةٌ كالألف في "عَصًا"، و"رَحًى" و"مَنًا"، و"حَصًى"، فإنّ الألف في هذه الأسماء كلّها بدلٌ من لام الكلمة، فالألفُ في "عَصًا"، و"مَنًا" بدلٌ من الواو؛ لقولك: "عَصَوانِ"، و"مَنَوانِ"، وفي "رَحًى"، و"حَصًى" بدلٌ من ياء؛ لقولك: "رَحَيانِ"، و"حَصَيانِ"، و"حَصَياتٌ". فإذا نسبت إلى شيء من ذلك. كان كلّه بالواو سواءٌ كانت من الواو أو من الياء. تقول في "عصًا"، و"مَنًا": "عَصَويً"، و"مَنَوي"، وفي "رَحًى"، و"فَتًى": "رَحَوي"، و" فَتَوي"، وذلك لأنّك أدخلت ياءَ النسبة، ولا يكون ما قبلها إلا مكسورًا، والألفُ لا تكون إلا ساكنة، فاحتاجوا إلى حرف يُكسَر، فقلبوها واوًا، وكرهوا الياء في ذوات الياء؛ لأنّهم لو قلبوها ياءً؛ لقالوا: "رَحَيِيٌّ"، و"فَتَيِيٌّ"، فكانت تجتمع ثلاثُ ياءات وكسرةٌ في الياء الأُولى، وذلك ممّا يستثقل؛ لأنّه قرب من "أُمَيِّيٌّ" , ولم يحذفوا الألف؛ لأنّ المنسوب إليه أقلُّ الأسماء حروفًا.
فإن قيل: فالثقل في "أُمَيِّيّ" أبلغُ؛ لأنّك تجمع فيه بين أربع ياءات، و"فَتَى"، و"رَحًى" إنما يجتمع فيه ثلاثُ ياءات، وبعضُ العرب يستعمل "أُمَيِّيّ" ولا نعلم أحدًا يقول: "رَحَيِيٌّ"؟ فالجواب أنّ مثل "أميّ"، و"عَدِيّ" قد استُعمل قبل النسبة، وأمّا مثلُ "رَحَي" فغيرُ مستعمل إلا في النسبة, لأنّه يلزمه قلبُها ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فكرهَوا أنّ يتحمّلوا الثقل في لفظ غير مستعمل.
فإن قيل: فأنت إذا قلت: "حَويّ"، و"مَنَويّ"، فَـ "رحَوٌ"، و"مَنَوٌ" غير مستعمل إلا في النسب، قيل: الأمرُ، وإن كان على ما ذكرتَ، فإنّ الثقل فيه أقلُّ؛ لاختلاف الحرفَيْن، إذ الثقلُ في الواو ويائي النسب أقلُّ من الثقل في الياءات مع ياء النسب.
فإن كان المقصور على أربعة أحرف، والحرفُ الثاني ساكنٌ، فلا تخلو الألف في آخِره من أن تكون منقلبة، أو زائدة للتأنيث، نحوَ: "حُبْلَى"، و"سَكْرَى"، و"عَطْشى"، و"حُزْوَى". فالأجودُ في هذا حذفُ الألف، فيقال: "حبلِيٌّ"، و"سَكْريّ"، و"عَطْشيّ". وذلك أنّهم شبّهوا ألف التأنيث بتاء التأنيث في الحذف، فحذفوها كحذفها. ويجوز مَدُّها، فيقال: "حُبْلاوِيٌّ"، و"سَكْراويٌّ" تشبيهًا بالمؤنّث الممدود، نحوِ: "حَمراءَ"، و"صَفْراءَ". ويجوز قلبُ الألف واوًا، فيقال: "حُبْلَويّ"، و"سَكْرَويّ"، كما يُقال "كِسْرَويّ". شبّهوها بالمنقلبة في نحو: "مَلْهَويّ"، و"مَغْزَويّ". فهذه ثلاثةُ أوْجُه: أحدُها "حبْلي" بحذف الألف، وهو أجودُها، ثمّ "حُبْلاويّ"، ثمّ "حُبْلَويّ".
فإن كانت الألف لغير التأنيث، وهو على أربعة أحرف، والرابعُ ألف مقصورة،
стр. 1333
وثانيها ساكنٌ، ففي المنقلبة نحو: "مَلْهًى"، و"مَغْزًى"، و"مَحْيًا"، و"أعْشَى" ثلاثةُ أوجه:
أجودُها أنّ تُقلَب الألف واوًا؛ فيقُال في النسب إلى "مَلْهًى": "مَلْهَويّ"، وإلى "مَغْزًى": "مَغْزَويّ"، وإلى "مَحْيًا": "مَحْيَوي". وذلك لأنّها بدلٌ من اللام، فكان حكمُها حكمَ "عصًا"، و"رَحًى"، فكما تقول: "عَصَويّ"، و"فَتَويّ"، كذلك تقول: "مَلْهَويّ"، و"أعْشَويّ".
والثاني: أنّ تمُدّ ذلك، وهو ضعيف، فتقول: "مَلْهاويّ"، و"مَغْزاويّ"، تشبيهًا بالزائدة الممدودة للتأنيث.
والثالث: أنّ تحذف الألف، فتقول: "مَلْهِيٌّ"، و"مَغْزِيٌّ"، تشبيهًا بألف التأنيث المقصورة، نحوِ: "حُبْلَى"، و"سَكْرَى"، كما قالوا: "مِدْرًى"، و"مَدارَى"، فجمعوه جمعَ "حُبْلَى"، و"حَبالَى"، وإن لم يكن مثله؛ لأنّ ألف "مدرى" لامٌ، وألف "حُبْلى" زائدةٌ، فشبّهوا الأصل بالزائد. وكذلك ما كان مُلْحَقًا به من الزائد، نحوُ: "أرْطًى"، و"أرْطَوِيٌّ"، و"مِغزًى"، و"معْزَويّ" فيه الوجوهُ الثلاثة.
[النسبة إلي الاسم المقصور الذي ألفه زائدة]
قال صاحب الكتاب: وفي الزائدة ثلاثة أوجه: الحذف, وهو أحسنها كقولك: "حُبليّ", و"دنيي", والقلب, نحو: "حبلوي" و"دنيوي"، وأن يُفصل بين الواو والياء بألف, كقولك: "دنياوي". وليس فيما وراء ذلك إلا الحذف كقولك: "مُراميّ", و"حُباريّ" و"قبعثري", و"جمزي" في حكم "حُباريّ".
* * *
قال الشارح: فإن كانت الألف زائدة، نظرتَ، فإن كانت للتأنيث مثلَ "حُبْلَى"، و"سَكْرَى"، فالأجودُ حذفُها كما تحذف تاء التأنيث، لأنّها زائدة مثلُها، وفي معناها، فيقال: "حُبْليّ"، و"سَكْريّ". ويجوز من بَعْدِ ذلك وجهان آخران: أحدهما قلبُها واوًا تشبيهًا لها بالأصل، فيقال: "حُبْلَويّ"، و"سَكْرَويّ"، والآخر: "حُبْلاويّ"، و"سَكْراويّ"، وتُشبِّهها بالممدودة.
وإن كانت للإلحاق، مثلَ: "أرْطًى"، و"مِعْزًى"؛ كنت مخيَّرًا: إن شئت قلبتَ، وإِن شئت حذفتَ، إلا أنّ القلب هنا أحسن منه في "حُبْلَويّ"؛ لأنّها في حكم الأصل إذ كانت ملحِقة، فتقول: "أرْطًى"، و"أرطَويّ"، و"مِعْزًى"، و"مِعْزَويّ".
فأمّا إذا كانت الألف خامسة فصاعدًا، أو كانت على أربعة أحرف، والحروفُ الثلاثةُ التي قبل الألف متحرّكاتٌ، فلا يجوز إلا حذفُ الألف سواء كانت للتأنيث. أو لغير التأنيث، وذلك قولك إذا كانت للتأنيث: "شُكاعِيٌّ"، و"سُمانِيٌّ". و"الشُّكاعَى": نبتٌ يُتداوى به، و"السُّمانَى": طائرٌ. وفيما كان لغير التأنيث، وهو على ضربَيْن: أصليةٌ،
стр. 1334
وزائدةٌ، فالأصليّةُ، نحو: "مُرامًى"، و"مُسامى" تقول فيه: "مُراميّ"، و"مُساميّ".
وإنّما وجب الحذفُ؛ لأنّ الألف ساكنةٌ والياء الأولى من ياءَيِ النسبة ساكنةٌ أيضًا، وقد طال الاسمُ، وكثُرت حروفه، فوجب باجتماعِ ذلك الحذفُ، وإذا كانوا قد حذفوا فيما قلّت حروفُه، نحوِ: "حُبْلَى"، و"مَلْهًى"؛ ففيما كثُرت أوْلى.
وأمّا الزائدة لغير التأنيث، نحوُ: "حَبَنْطًى"، و"دَلَنْطًى"، و"قَبَعْثَرًى"، فإنّك تقول فيه: "حَبَنطيّ"، و"دَلَنْظيّ"، و"قَبَعْثَريّ"، و"الحبنطى": القصير البطين، و"الدلنظى": الصلْب الشديد، الألفُ فيهما للإلحاق بـ "سَفَرْجَلٍ"، و"القَبَعْثرى": العظيم الخلْق، والألفُ فيه لتكثير الكلمة، وليست للتأنيث، ولا للإلحاق؛ لأنّه ليس في الأصول ما هو على هذه العدّة، فيكونَ ملحقًا به. وتقول في "جَمَزَى" (١)، و"بَشَكَى" (٢) وما كان مثلهما: "جَمَزيّ"، و"بَشَكيّ"؛ لأنّ الألف في حكم الخامسة؛ لأنّ الحركة في الثاني بمنزلة الحرف، ألا ترى أنّ من يصرف "هِنْدًا"، و"دَعْدًا" لا يصرف "سَقَرَ"، و"قُدَمَ" عَلَمَيْن؛ لأنّ الحركة فيه صيّرتْه في حكم "زَيْنَبَ"، و"سُعادَ"، فلذلك قال: هو في حكم "حُبارَى"، يعني تصير الألفُ في آخِره في حكم الخامسة؛ لتحرُّك حرفِ ما هي فيه.
فصل [النسبة إلي الاسم المنقوص]
قال صاحب الكتاب: والياء المسكورة ما قبلها في الآخر لا تخلو من أن تكون ثالثة, أو رابعة, أو خامسة, فصاعداً. فالثالثة تقلب واواً, كقولك: "عموي", و"شجوي". وفي الرابعة وجهان: الحذف وهو أحسنهما، والقلب, كقولك: "قاضي", و"حاني", و"قاضوي" و"حانوي"، قال [من الطويل]:
٨٣٢ - وكيف لنا بالشرب إن لم يكن لنا ... دراهم عند الحانوي ولا نقد
стр. 1335
وليس فيما وراء ذلك إلا الحذف, كقولك: "مشتري", و"مُستسقيّ", وقالوا في "مُحَيٍّ": مُحَوِيٌّ" و"مُحيّيّ"، كقولهم: "أُمويّ", و"أُميّيّ".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ ما كان في آخره ياءٌ من الأسماء المنسوبة، فإن كانت الياء ثالثةً قبلها كسرةٌ، نحوَ: "عَمٍ"، "وشَجٍ"، فإنّك تُبْدِل من الكسرة فتحةً، كما فعلت في "نَمِرٍ"، و"شَقِرَةَ"؛ لثِقَل تَوالي الكسراتَ مع ياء الإضافة، ثمّ تقِلب الياءَ ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فيصير في حكم التقدير "عَمًا"، و"شَجًا"، ثمّ تقلب الألفَ واوًا، كقولك: "عَمَويّ"، و"شَجَوي"، كما فعلت في "عَصًا"، و"رَحًى"، فقلت: "عَصَويّ" و"رَحَويّ".
فأمّا إذا كانت رابعة؛ فإنّ الباب فيه عند سيبويه (١) حذفُ الياء لالتقاء الساكنين، تقول في "قاضٍ"، و"رامٍ"، ورجلٍ يسمّى "يَرْمِي": "قاضيٌّ"، و"راميٌّ"، و"يَرْميٌّ". وكان الأصل أنّ تقول: "قاضِيِيٌّ"، و"رامِيِيٌّ"، و"يَرْمِيِيٌّ"، كما تقول في النسب إلى حاكِم: "حاكميّ"، وإلى "يَضْرِبَ": "يَضْرِبيّ"، غيرَ أنّهم استثقلوا الكسرة على الياء؛ المكسورِ ما قبلها فحذفوها، ثمّ حذفوا الياء لسكونها وسكون الياء الأوُلى من يائي النسب.
فإن قيل: فإنّه يجوز الجمع بين ساكنَيْن إذا كان الأول حرفَ مدّ ولِين والثاني مدغَمًا، مثلَ: "دابَّةٍ"، و"شابَّةٍ" و"حيب بُّكرٌ"، قيل: الأمرُ كذلك، غيرَ أنّ الياء لا يمكن إسكانُها؛ لأنّ ياء النسبة لا يكون ما قبلها إلا مكسورًا، وكان في الجملة ثَمّ ساكنان، فحُذف لالتقاء الساكنين عند تعذُّر الإسكان.
وقالوا في النسب إلى "عَرْقُوَةٍ"، و"تَرْقُوَةٍ": "عَرْقِيٌّ"، و"تَرْقِيٌّ". وذلك أنّهم لمّا حذفوا التاء للنسبة على القاعدة، بقي "عَرْقُوٌ"، و"تَرْقُوٌ"، فوقعت الواو طرفًا، وقبلها ضمّةٌ، وليس ذلك في الأسماء، فقلبوها ياءً كما قالوا: "أدْلٍ"، و"أجْرٍ"، والأصل: "أدْلُوٌ"، و"أجْرُوٌ"، ثمّ نسبوا إليه بحذف الياء، فقالوا: "عَرْقِيٌّ"، و"تَرْقِيٌّ". ويجوز: "عَرْقَوِيٌّ" بإثبات الواو, لأنّ يائي النسب يجريان مجرى تاء التأنيث. وقد تقدّم ذكرُ المشابهة بينهما. فكما ثبتت مع تاء التأنيث، فكذلك مع يائي النسبة؛ لأنّها تصير حشوًا في الكلمة. وقد حُكي عنهم أنّهم يقولون في النسب إلى "قَرْنُوَةٍ": "قَرْنَوِيٌّ". وهذا نصٌّ على جوازه، ومن قال في "تَغْلِبَ"، و"يَثْرِبَ": "تَغْلَبيّ"، و"يَثْرَبيّ"، قال في "القاضي"،
стр. 1336
و"يَرمِي": "قاضَويّ"، و"يَرْمَويّ"، فيفتح المكسورَ، ويقلب الياءَ ألفًا، ثمّ ينسب إليه، ويقلب الألفَ واوًا, ولا يحذف منه شيئًا.
وحكى سيبويه (١): "حانَويّ" في النسب إلى "الحانَة"، و"حانِيٌّ"، وهو الموضِع يُباع فيه الخمر، وأصلُ "حانة": "حانِيَةٌ"؛ لأنّه من "الحُنُوّ"، كأنّها تحنو على من فيها لاجتماعهم فيها على اللذاذة. و"الحانوتُ" مقلوب منه وأصلُه "حَنَوُوتٌ"، فقُدّمت اللام إلى موضع العين، ثمّ قُلبت ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فهو على وِزانِ "رَحَمُوتٍ"، و"رَهَبُوتٍ"، فوزنُه الآنَ "فَعْلُوتٌ" مقلوبٌ من "فَعَلُوتٍ". وأنشد [من الطويل]:
وكيف لنا بالشرب ... إلخ
البيت لعمارةَ ويروى:
وكيف لنا بالشرب فيها وما لنا دَوانِيقُ ...
وبعده:
أنَعْتانُ أم نَدّانُ أم يَنبَرِي لنا ... أغَرُّ كنَصْلِ السَّيْفِ أبْرَزَهُ الغِمْدُ
والمراد أنّه يريد شُرب الخمر، لو كان له عند الخَمّار ما يصرِفه في ثَمَنها، وقولُه: "أنعتان"، أي: نشتري بنَسِيئَةٍ من قولهم: "اعْتانَ الرجل السِّلْعةَ"، أي: اشتراها بنسيئة، من العِينَة، وادّانَ: إذا أخذه بدَيْنٍ. وينبري لنا أغرُّ، أي: نطلُب كريمًا، ويتعرّض لمعروفه، كنصل السيف أي: ماضٍ في السَّخاء، يشتري لنا الخمر. والحانيّ أجودُ؛ لأنّ الحذف عنده أجودُ اللغتَين، وأنشد في الحذف [من البسيط]:
٨٣٣ - كَأسُ عَزِيزٍ من الأعنَاب عَتَّقَها ... لبَعْضِ أرْبابِها حانِيةٌ حُومُ
стр. 1337
وقيل: الموضع الذي يُبَاع فيه الخمر"حانِيَةٌ" مثل "ناحِيَةٍ". ونُسب إليه على حدّ النسب إلى "قاضٍ"، و"يَرمِي". والمشهورُ أنّ الموضع الذي يُباع فيه الخمر حانةٌ. قال الأخْطَلُ [من البسيط]:
٨٣٤ - وخَمرَة من جِبالِ الرُّومِ جاء بها ... ذو حانَةٍ تاجِرٌ أعْظِمْ بها حانَا
فجعل الموضعَ حانةً، والخمّارَ حانًا.
فأمّا "مُحَيٍّ"، فالنسبة إليه. "مُحَوِيٌّ"، الفاعل والمفعول فيه سواءٌ، وذلك أنّ "مُحَيِّيًا" اسم فاعل من "حَيَّى" "يُحَيِّي"، فهو مُحَيٍّ، والمفعول "محيى"، ففيه ثلاثُ ياءات، فيجب حذفُ الآخرة؛ لأنّها خامسة كألف "مُرامى". فإذا نسبت إليه، اجتمع فيه أربعُ ياءات، فيحذفون الياء الأُولى من "مُحَيٍّ"، فيبقى "مُحَيٌ"، فتقلب الياء ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فيصير "مُحًى" كـ "هُدًى"، فيقولون: "محَوِيٌّ" كـ "هُدَويّ". وأمّا من قال: "أُمَيِّيِّ"، فجمع بين أربع ياءات، فإنّه يقول: "مُحَيِّيٌّ" أيضًا، واسمُ المفعول في ذلك كالفاعل، وهو مُحَيًّى، تحذف الألف الخامسة على القاعدة، ثمّ تفعل ما ذكرناه في اسم الفاعل.
فصل [النسبة إلي الاسم الثلاثي المنتهي بياء أو واو قبلهما ساكن]
قال صاحب الكتاب: وتقول في "غزوٍ", و"ظبيٍ", "غزويٌّ", و"ظبييّ". واختلف
стр. 1338
فيما لحقته التاء من ذلك, فعند الخليل وسيبويه (١) لا فضل, وقال يونس (٢) في "ظبية", و"دمية", و"قنية": "ظبويٌّ", و"دُمويّ", و"قنويّ"، وكذلك بنات الواو كـ "غزوة", و"عروة" و"رشوة". وكان الخليل (٣) يعذره في بنات الياء دون بنات الواو.
* * *
قال الشارح: إذا كان الاسم على زَنة "فَعْلٍ" ساكنَ العين معتلَّ اللام بالياء، أو الواو، وليس في آخِره تاءٌ التأنيث، نحوَ: "غَزْوٍ"، و"نَحْوٍ"، و"ظَبْي"، و"رَمْيٍ"، فالنسبةُ إليه على لفظه من غيرِ تغيير، نحوَ: "غَزْويّ"، و"نَحْويّ"، و"ظَبْييّ"، و"رَمْييّ". لا خلافَ في ذلك؛ لأنّ ما قبلها ساكن، فهي لذلك في حكم الصحيح، تتصرّف بوجوه الإعراب قبل النسب، فلم تتغيّر كما لم يتغيّر الصحيحُ، وإذا جاز أن يُقال في "أُمَيَّةَ": "أُمَيِّيٌّ"، فيُجمَع بين أربع ياءات، كان ما نحن فيه أسهلَ؛ لأنّه لم يجتمع فيه إلا ثلاثُ ياءات.
فإن لحقت تاءُ التأنيث شيئًا من ذلك، نحوَ: "غَزْوَةٍ"، و"رَمْيَةٍ"، و"دُميَةٍ"، و"قِنْيَةٍ"، فالخليلُ وسيبويه يجريان في ذلك على قاعدةِ ما لا تاءَ فيه، فيقولان في "غَزْوَةٍ": "غَزْوي"، وفي "رَمْيَة": "رَمييّ"، وفي "دُمْيَةٍ": "دُمْييّ"، وفي "قِنْيَةٍ": " قِنييّ". وهو قياسٌ عندهما. وحكى يونس عن أبي عمرو مثلَ ذلك، وقالوا في بني جِرْوَةَ: "جِرْويّ"، وهو جِرْوةُ بن نَضلَةَ مكسورَ الجيم. وكان يونس يغيَّر ما فيه تاءُ التأنيث، فيفتح الحرف الساكن، وهو الثاني، فيقول في "ظَبْيَةٍ": "ظَبَويّ"، وفي "رَمْيَةٍ": "رَمَويّ"، وفي "قِنْيَةٍ": "قِنَويّ"، وقالوا في "عُرْوَةٍ": "عُرَويّ". لا فرقَ عنده بين ذوات الياء والواو.
وكان الزجاج يَميل إلى هذا القول، ويحتجّ بأنّ تاء التأنيث قوّةُ التغيير فيها. وأمّا يونس فلم يرد عنه احتجاجٌ لذلك. وكان الخليل يعذره في ذوات الياء، ويحتجّ له بأنه شبّه "فِعْلَةَ" بِـ"فَعْلَةَ" مكسورَ العين. قال (٤): لأن اللفظ "بِفَعلَةَ" و"فِعْلَةَ" إذا سكنت العين سواءٌ. والمراد بذلك أن "ظَبْيَةً"، كـ"ظَبِيَةٍ"، و"رَمْيَةً" كـ"رَمِيَةٍ"، و"قِنْيَةً" كـ"قِنِيَةٍ"، ثمّ أسكنوا للتخفيف، كما يُقال في "كَتِفٍ": "كَتْفٌ"، وفي "إبِلٍ": "إبْلٌ"، فصار لفظُ ما كان على "فَعِلَةَ" بكسر العين في الأصل بوزن "فَعْلَةَ" فَـ"عَمِيَة" على وزن لفظ "عَمْيَةٍ"، وَ"رَمِيَةٌ" على لفظ "رَمْيَةٍ" في الأصل بإسكان. فإذا نسبنا إلى ذلك، رددناه إلى الأصل؛ لأنّه بالحركة يُفِيدنا خفّةً. وذلك لأنّا إذا نسبنا إلى "عَمِيَةٍ"، و"قِنِيَةٍ"، وثوانيها مكسورةٌ، وجب فتحُها وقلبُ الياء واوًا بعد قلبها ألفًا على حد قولك في "عَمٍ": "عَمَويّ"، وفي "شَجٍ": "شَجَويّ". فيصير في اللفظ أخفَّ من "عَمَيِىِّ"، و"قِنَيِيِّ"، قال: وكذلك لو بنِتَ
стр. 1339
من ذوات الواو "فَعِلَةَ"، لصارت بهذه المنزلة تقول في "فَعِلَةَ" من "الغَزْو": "غَزِيَةٌ"، ومن "الرَّبْو": "رَبِيَةٌ"، فيصير كذوات الياء، فيصير المسكَّنُ منها عن الكسر بمنزلةِ ما أصلُه الإسكانُ. فلمّا رأوا آخرَ "فَعِلَةَ" المكسورِ يُشْبِه إذا يُخفَّف آخِرَ "فَعْلَةَ" المسكَّنِ العين في الأصل، جعلوا إضافتَها شيئًا واحدًا. هذا احتجاجُ الخليل ليُونُسَ.
* * *
قال صاحب الكتاب: وعلى مذهب يونس جاء قولهم: "قروي", و"زنوي", في "قريةٍ", و"بني زنية". وتقول في "طيٍّ", و"ليةٍ": "طوويٌّ", و"لوويّ", وفي "حيَّةٍ": "حيويٌّ"، وفي "دوٍّ", و"كوَّةٍ": "دوِّيٌّ", و"كوي".
* * *
قال الشارح: قد جاء عن العرب "قَرَوِيٌّ" في النسبة إلى "قَرْيَةٍ"، و"زِنَويٌّ" في النسبة إلى "بني زِنْيَةَ"، وهم حيٌّ من العرب، وهو شاذ عند سيبويه (١)، والقياس: "قَرْيِيّ"، و"زِنْيِيّ". وهو عند يونس (٢) قياسٌ. وتقول في "طَيٍّ": "طَوَوِيٌّ"، وفي "لَيَّةٍ": "لَوَوِيّ"، وفي "حَيَّةٍ": "حَيَويّ"؛ أمّا "طَيٌّ" فمصدرُ "طَوَى يَطْوِي"، و"لَيَّةٌ" مصدرُ "لَوَى يَلْوِي"، فالعينُ واوٌ، واللام ياءٌ. والأصل فيه "طَوْيٌ"، وَ"لَوْيَةٌ". فلمّا اجتمعت الواو والياء، والسابقُ منهما ساكنٌ، قلبوا الواو ياءً. وهذه قاعدةٌ في التصريف، فلمّا نسبوا إليه، استثقلوا اجتماعَ أربع ياءات، وأرادوا التخلّص منها، فبنوا الكلمة على "فَعَلٍ"، وقد كان "فَعْلًا" ساكنَ العين، فانفكّ الادّغامُ، وعادت العين إلى أصلها، وهو الواو، ثمّ انقلبت الياءُ التي هي لامٌ ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ثمّ نسبوا إليها، وقلبوها واوًا على القاعدة، فقالوا: "طَوَوِيٌّ"، و"لَوَويّ".
وأمّا "حَيَّةٌ"، فالعين واللام ياءٌ، ولمّا بنوه على "فَعَلٍ"، انقلبت اللام ألفًا؛ لأنّ اللام أقبلُ للتغيير، ثمّ قلبوا الألف واوًا على قاعدة النسب، وقالوا: "حَيَويٌّ"، ومن قال: "أُمَيِّيٌّ"، قال: "طيِّي"، و"حَيِّيٌّ"، ولم يُبال الثقلَ.
وأمّا النسب إلى "دَوٍّ"، و"كَوَّةٍ"، فإنّك لا تغيّره، بل تنسب إليه على لفظه، فتقول: "دَوِّيٌّ"، و"كَوِّيٌّ"؛ لأنّ التغيير إنّما كان لأجل اجتماع أربع ياءات، ففرّوا إلى الواو. فأمّا إذا وقع الاختلاف بحصول الواو. لم تكن حاجةٌ إلى التغيير، فأمّا قول ذي الرُّمّة [من البسيط]:
٨٣٥ - داوِيَّة ودُجَى لَيْلٍ كأنّهما ... يَمٌّ تَراطَنَ في حافاتِهِ الرُّومُ
стр. 1340
قال بعضهم: أراد "دَوِّيَّة"، وإنّما أبدل من الواو الأوُلى ألفًا؛ لانفتاح ما قبلها، وإن كانت ساكنة في نفسها، كأنّه استغنى بأحد الشرطَيْن كما قال ﵇: "ارْجِعْنَ مَأزُوراتٍ غير مَأجُوراتٍ" (١)، والأصل "مَوزورات". وقال سيبويه، في "آيَةٍ": إِنّه "فَعْلَةُ" كـ"شَرْبةٍ"، وإنّما أُبْدِل من الياء الأُولى ألفٌ، فيكون حينئذ "داوِيَّة" من الشاذّ. والمحقّقون يذهبون إلى أنَّه بني من "الدّوّ" اسمًا على زنة "فاعِلَةَ"، فصار في التقدير "داوِوَةً", فقُلبت الواو الثانية ياءً لانكسار ما قبلها، فصارت داوِيَةً، ثمّ نُسب إليها على حدّ نسبهم إلى "حانِيَةٍ": "حانِيٌّ". فاعرفه.
فصل [النسبة إلي "مرميّ "]
قال صاحب الكتاب: وتقول في "مرمى": "مرمِيٌّ" تشبيهًا بقولهم في "تميميّ" و"هجري" و"شافعي": "تميميٌّ", و"هجري", و"شافعي", ومنهم من قال: "مرمويّ", وفي "بخاتيَّ" اسم رجل: "بخاتيٌّ".
* * *
قال الشارح: هذا الفصل يشتمل على مسألة واحدة، وهي النسبة إلى "مَرْمِيٍّ"، والنسب إليه "مَرْمِيٌّ"، فيكون لفظه بعد النسب مثلَ لفظه قبل النسب، كأنّهم شبْهوا لفظَه بالمنسوب. وأنت إذا نسبت إلى منسوب، بقيّتَه على لفظه، نحوَ النسب إلى "تَمِيميّ"، و"هَجَريّ"، و"شافِعيّ"، فإنّك تقول فيه أيضًا: "تَمِيميّ"، و"هَجَريّ"، و"شافِعيّ"، فيكون
стр. 1341
اللفظ واحدًا، إلا أنّ التقدير مختلفٌ، وذلك أنك إذا حذفت الياء الأُولى التي للنسب، أحدثتَ ياءً أُخرى غيرها؛ لأنّه لا يُجمَع بين علامتَيِ النسب، كما لا يجمع بين علامتي التأنيث مع ما في ذلك من ثقل اجتماع أربع ياءات.
و"مَرْمِيٌّ" مشبَّهٌ بالمنسوب من حيث أن آخِره ياءٌ مشدّدةٌ قبلها مكسورٌ، ويجوز أن تقول فيه: "مَرْمَوِيٌّ"، وذلك أنّ أصله "مَرْمُويٌ" على زنة "مَفْعُولٍ" من "رَمَيْتِ". ولمّا اجتمعت الواو والياء، وقد سبق الأوُلى منهما بالسكون؛ قلبوا الواو ياءً، وادّغموا الياء الأولى في الثانية على القاعدة، ثمّ كسروا ما قبل الياء لتصحّ الياءُ. فلمّا نسبوا إليه، استثقلوا اجتماعَ أربع ياءات، فحذفوا الياء الأوُلى المبدلة من واوِ "مَفْعول" لكونها زائدةً، فصار اللفظ "مَرْمِيٌ" مثلَ "يَرْمِيُ"، فقياسُه في النسب قياسُ "يرمي"، و"تَغْلِبَ"، فتُبْدِل من الكسرة فتحة، ثم من الياء واوًا بعد أن قلبوها ألفًا، كما قالوا في "حانيٍّ": "حانَوِيٌّ"، فاعرفه.
فصل [النسبة إلي الممدود]
قال صاحب الكتاب: ومما في آخره ألف ممدودة. إن كان منصرفاً كـ "كساء", و"رداءٍ", و"عُلباء", و"حرباء", قيل: "كسائيٌّ", و"علبائي": والقلب جائزٌ، كقولك: "كساوي". وإن لم ينصرف, فالقلب, كـ"حمراوي", و"خنفساوي", و"معيوراوي", و"زكرياوي".
* * *
قال الشارح: اعلم أن الممدود كلُّ اسم في آخره همزةٌ قبلها ألفٌ زائدةٌ، وذلك على أربعة أضرب: ضربٌ همزتُه أصليّةٌ، نحوُ: "قرّاءٍ"، و"وُضّاءٍ"، وهو من "قرأت"، و"وَضُؤْت"، والوُضّاءُ: الجميل.
وضربٌ همزُته منقلبة عن حرف أصليّ، نحوِ: "كِساءٍ"، و"رِداءٍ"، وأصله "كِساوٌ"، و"رِدايٌ". والواوُ والياءُ إذا وقعتا طرفًا، وقبلهما ألفٌ زائدة، قُلبتا همزتَيْن، والواوُ والياءُ في "كساء"، و"رداء" لامُ الكلمة؛ لأنّه من الكُسْوة والرِّدْية، كقولهم: "فلانٌ حسنُ الرِّدْيةِ".
وضربٌ ثالثٌ همزتُه منقلبة عن ياء زائدة، نحوُ: "عِلْباءٍ"، و"حِرْباءٍ"، ويدلّ على أنّ الهمزة فيه من الياء قولهم: "دِرْحايةٌ" و"دِعْكايةٌ"، لمّا اتّصل بها تاءُ التأنيث، ظهرت الياء؛ لأنها إنّما كانت انقلبت همزةً لكونها طرفًا، فلمّا اتّصلت بها تاءُ التأنيث، وبُنيت على التأنيث؛ خرجت عن أن تكون طرفًا.
стр. 1342
والضرب الرابع ما كانت همزته منقلبة عن ألف التأنيث، نحوُ: "حَمْراء"، و"صَفْراء"، ولذلك لا ينصرف، وينصرف الضروب الثلاثة.
فإذا نسبت إلى ما كان منصرفًا من ذلك؛ فالباب فيه إقرارُ الهمزة، نحوُ: "وُضائيّ"، و"قُرّائيّ"، و"كِسائيّ"، و"رِدائيّ"، و"عِلْبائيّ"، و"حِرْبائيّ"، بإثبات الهمزة، والأصلُ من ذلك "قُرّاءٌ"، و"وُضّاءٌ"؛ لأنّ الهمزة فيهما أصلٌ بمنزلة الضاد من "حُمّاضٍ"، والقافِ من "سُمّاقٍ" فكما تقول: "حُمّاضيّ"، و"سُمّاقيّ"، فكذلك تقول: "وضّائيّ"، و"قُرّائيّ" و"كسائيّ" و"رِدائيّ" محمولٌ عليه؛ لأنّ الهمزة فيهما منقلبة عن أصلٍ، فهي لامٌ كما أنَّها لامٌ، و"عِلْبائي" محمول على "كسائيٍّ"؛ لأن الهمزة فيه ليست أصلاً إنّما هي منقلبة عن حرف ليس للتأنيث، كما أنّ "كساءً" كذلك، فعُومِل في النسب معاملتَه، فإذا الأصل في "قُرّاء"، و"وُضّاء" أقوى منه في "كساءِ"؛ لأنّ الهمزة فيه أصلٌ، وفي "كساءٍ" بدلٌ، وهي في "كسائيّ" أقوى منها في "عِلْبائيّ"؛ لأنّها في "كساء" لامٌ، وفي "علباء" زائدةٌ.
فإن نسبت إلى ما لا ينصرف، نحو: "حَمْراءَ"، و"صحْراءَ"، فالباب أن تقلب الهمزةَ واوًا فيه، فتقول: "حَمْراويّ"، و"صحْراويّ". وإنما قُلبت الهمزة فيه واوًا، ولم تُقَرّ بحالها؛ لئلّا تقع علامةُ التأنيث حَشْوًا، ولم تكن لِتُحذَف؛ لأنها لازمةٌ تتحرّك بحركات الإعراب، فهي حَميَّة بالحركة. ولمّا لم يجز حذفُها، وجب تغييرُها، فقُلبت واوًا، ثم قالوا في الإضافة إلى "عِلْباء"، و"حِرْباء": "عِلْباويّ"، و"حِرْباويّ"، فأبدلوا هذه الهمزة، وإن لم تكن للتأنيث، لكنّها شابهت "حَمْراءَ"، و"صَحْراءَ" بالزيادة، فحملوها عليها، وإن لم تكن همزةُ "حمراء" قُلبت في "حَمْراويّ"؛ لكونها زائدةً، ثمّ تجاوزوا ذلك إلى أن قالوا في "كساء": "كساويّ"، وفي "رداء": "رداويّ"، فأبدلوا الهمزة واوًا حملًا لها على همزة "عِلْباء" من حيث كانت همزةُ "كساء"، و"رداء" مبدلةً من حرفٍ ليس للتأنيث. ثمّ قالوا في همزة "قُرّاءٍ"، "قُرُّاوِيٌّ"، فشبّهوا همزتَه بهمزة "كساء" من حيث كانت أصلاً غير زائدة. فكلُّ واحد من هذه الأسماء محمولٌ في القلب على ما قبله، وإن لم يَشْرَكه في العلّة، لكن لشَبَهِ لفظيٍّ، فإذَا القلبُ في "حمراويّ" أقوى منه في "علباويّ"، وهو في "علباويّ" أقوى منه في "كساويّ"، وهو في "كساويّ" أقوى منه في "قُرّاويّ"؛ فلذلك قال: فالباب فيما كان منصرفًا إقرارُ الهمزة على حالها، نحوُ: "قُرّائيّ"، و"كسائيّ"، و"علبائيّ"، والقلبُ جائزٌ، وإن لم ينصرف؛ فالقلبُ نحوُ: "حمراويّ"، و"صحراويّ". وإنّما مثّل بهذه الأسماء، نحوِ: "خُنْفَساويّ"، و"مَعْيُوراويّ". والمَعْيُوراء: جماعةُ الحُمُر، و"زَكَرِيّاويٍّ"؛ ليُريك الفَصْل بين المقصور والممدود، وأنّ الطويل من الأسماء الممدودة والقصير منها
стр. 1343
حكمُهما واحد، وأن كثرة حروف "خنفساء"، و"معيوراء" وما أشبههما لا يوجِب إسقاطَ شيء منه، كما كان ذلك في المقصور؛ لسكون آخِره إذ الحرف يقوى بحركته، ويمتنع حذفُه في المكان الذي يسقط فيه الساكنُ. ألا ترى أنّ من قال: "ثَقَفيّ"، و"قُرَشيّ"، و"هُذَليّ"، فحذف الياء الساكنة؛ لم يقل في النسب إلى "عِثْيَرٍ" وهو التُّراب، و"حِئْيَلٍ" وهو نبتٌ: "عِثريّ"، و"حِثَليّ"، فيحذفَ الياءَ؛ لتحرُّكها، فاعرفه.
فصل [النسبة إلي المختوم بتاء التأنيث ولامُه واو أو ياء]
قال صاحب الكتاب: وتقول في "سقاية", و"عظاية": "سقائيٌّ", و"عظائيّ"، وفي "شقاوةٍ": "شقاويٌّ"، وفي "راية": "راييٌّ", "راييٌّ", و"راويّ". وكذلك في "آية", و"ثاية", ونحوهما.
* * *
قال الشارح: اعلم أن ما كان من نحو: "سِقايةٍ"، و"عَظايةٍ" ونحوهما ممّا في آخره تاءُ التأنيث، ولامُه واوٌ أو ياءٌ، وقبلها ألفٌ زائدةٌ، فإنّه قبل النسب تصح اللام، ولا تُقلب همزةً؛ لأن الاسم بُني على التأنيث، فلم تقع الياء والواو طرفًا، فلم يلزم قلبُهما همزةٌ. فإذا نسبت إلى شيء من ذلك، أسقطت التاء، ثمّ قلبت اللامَ همزةً، فصارت النسبةُ كأنّها إلى "سِقاءٍ"، و"عَظاءٍ" بمنزلة "كساء"، و"رداء"؛ فلذلك تقول في النسب: "سِقائيّ"، و"عَظائيّ"، أي كما تقول: "كسائيّ"، و"ردائيّ". ومن قال: "كساويّ"، و"رداويّ"، قال هاهنا: "سقاويّ"، و"عظاويّ"، وكذلك قيل في النسب إلى "شاءٍ": "شاوِيٌّ". قال الشاعر [من الرجز]:
٨٣٦ - لا ينفع الشاويَّ فيها شاتُهُ ... ولا حِماراةُ ولا عَلاتُهُ
стр. 1344
فإن كانت اللام واوًا، نحوَ: "شَقاوة"، و"غَباوة"، فإنّك لا تغيّرها في النسب، وتُقِرّها على حالها، فتقول فيه: "شَقاويٌّ"، و"غَباويّ"؛ لأنّا كنّا نَفِرّ إلى الواو فيما كان همزةً، وإذا ظفرنا بما قد لُفظ به واوًا، لم نعدِل عنها إلى لفظ آخر. قال جرير [من البسيط]:
٨٣٧ - إذا هبطنَ سَماوِيًّا مَوارِدُه ... من نَحْوِ دُومَة خَبْتٍ قَلَّ تَعْرِيسِي
نسبة إلى "سَمَاوَةَ". وأمّا نحو: "رَايةٍ"، و"آيَةٍ"، و"ثايَةٍ"، و"طايَةٍ"، فلك في النسب إليه ثلاثةُ أوجه:
أقيسُها تركُ الياء على حالها ولم تُغيِّرها؛ لأنّك لو أفردتَه بعد طرح الهاء؛ لأثبتَّ الياء، وقلت: "آيٌ"، و"رايٌ"، و"ثايٌ"، و"طايٌ"، ولا تلزم الهمزةُ؛ لأنّ الألف قبل الياء، والواو أصلٌ غيرُ زائدة، والواوُ والياءُ إنّما تُهمَزان إذا كان قبلهما ألفٌ زائدةٌ، نحوَ: "كِساء"، و"رِداء".
والثاني الهمز تشبيهًا بـ"كساء" و"رداء"؛ لوقوعها طرفًا بعد ألف ساكنة، والفرقُ بينها وبين الأصل الذي هو "كساءٌ" و"رداءٌ" أن باب كساء ورداء أن تقع الياء والواو بعد ألف زائدة، وما نحن فيه وقعتا بعد ألف غير زائدة.
الثالث إبدالها واوًا على حدّ "كِساويّ" و"رِداويّ".
стр. 1345
فصل [النسبة إلي ما كان علي حرفين]
قال صاحب الكتاب: وما كان على حرفين, فعلى ثلاثة أضرب: ما يُرَدّ ساقطه، وما لا يرد، وما يسوغ فيه الأمران. فالأول نحو: "أبوي", و"أخوي", و"ضعوي". ومنه "ستهيٌّ" في "است", والثاني نحو: "عِديّ", و"زني", وكذا الباب إلا ما اعتل لامه, نحو "شية", فإنك تقول فيه: "وشوي"، وقال أبو الحسن: "وشيي" على الأصل، وعن ناس من العرب: "عدوي", ومنه "سهيٌّ" في "سهٍ". والثالث نحو "غدي", و"غدوي" و"دمي", و"دموي" و"يدي" و"يدوي", و"حري", و"حرحي". وأبو الحسن يسكن ما أصله السكون، فيقول: "غدوي", و"يديي". ومنه "ابني", و"بنوي", و"اسمي", و"سموي" بتحريك الميم, وقياس قول الأخفش إسكانها.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ ما كان على حرفَيْن من الأسماء التي يلحقها التصغيرُ والجمعُ والإعرابُ، فإنّه على ثلاثة أضرب:
أحدها ما كان أصلُه على ثلاثة أحرف، وأُسْقِط منها واحد تخفيفًا، أو لعلّةٍ توجب ذلك، وذلك الحذفُ يكون من موضع اللام، وهو أكثره، ويكون من موضع الفاء، ويكون من العين، وهو أقلُّه. فإذا نسبت إلى شيء من ذلك، فهو على ثلاثة أضرب كما ذكر. أحدُها: أن تردّ الساقطَ. والثاني: أن لا تردّ. والثالث: يجوز فيه الأمران، فأمّا الأول، فهو ما كان الساقط منه من موضع اللام، ويرجع في التثنية والجمع بالألف والتاء، وذلك قولك في النسبة إلى "أبٍ": "أبَويّ"، وإلى "أخ": "أخَويّ"، وإلى "ضَعَةٍ": "ضَعَويّ"، وإلى "هَنْتٍ": "هَنَويّ"؛ لأنّك إذا ثنّيت "الأب" و"الأخ"، قلت: أبوان، وأخوان، وإذا جمعت "ضَعَة"، وهو ضربٌ من الشجر، قلت: ضَعَواتٌ، قال جرير [من الرجز]:
٨٣٨ - مُتَّخِذًا من ضَعَواتٍ تَوْلَجَا
стр. 1346
وتقول من "هَنٍ": هَنَواتٌ. ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
أرَى ابنَ نِزارٍ قد جَفاني ومَلَّني ... على هَنَواتٍ شأنُها مُتتابِعُ (١)
ومنهم من يقول: "هَنانِ" في التثنية، و"هَناتٌ" في الجمع. فمن قال: "هَنَواتٌ"، لزِمه أن يقول في النسب: "هَنَويّ". ومن قال: "هَنانِ" في التثنية، و"هَناتٌ" في الجمع، كان مخيَّرًا فيه: إن شاء ردّ، وإن شاء لم يردّ، وإنّما لزم ردُّ الذاهب هنا، لأنّا رأينا النسب قد يردّ الذاهبَ الذي لا يعود في تثنية، ولا جمعٍ، كقولك في "يَدٍ": "يَدَويّ"، وفي "دَمٍ": "دَمَويّ". وأنت تقول في التثنية "يَدانِ"، و"دَمانِ"، فلمّا قويت النسبةُ على ردِّ ما لم تردّه التثنيةُ، صار أقوى من التثنية في باب الردّ، فلمّا ردّت التثنيةُ الحرفَ الذاهبَ؛ كانت النسبةُ أولى بذلك.
وأما الضرب الثاني: وهو ما لا يُرَد الساقط فيه، فهو ما كان الساقط منه فاءً أو عينًا، وذلك نحو النسب إلى "عِدَةٍ"، وَ"زِنَةٍ"، ونحوهما كـ"صِلَةٍ"، و"ثِقَةٍ"، فإنّك إذا نسبت إلى شيء من ذلك، حذفتَ تاء التأنيث، ولا تُعِيد المحذوف إلا لضرورة. وذلك قولك: "عِديّ"، و"زِني". فالذاهب منه واوٌ هي فاءٌ، وأصلُه: "وِعْدَةٌ"، و"وِزنَةٌ".
وإنّما لم يردّوا الذاهب منه؛ لأنه في أوّل الكلمة، فهو بعيدٌ من ياء النسب، فلو ظهر؛ لم يكن يتغيّر بدخول ياء النسب، كما تتغيّر لامُ الكلمة بالكسر من أجل الياء. ويؤيّد ذلك أن العرب لم تردّ المحذوف إذا كان فاءً في شيء من كلامها، لا في تثنية، ولا جمع بالألف والتاء، كما ردّوا فيما ذهبت لامُه، فلم يقولوا في مثل "عِدَةٍ"، و"زِنَةٍ": "وِعْدَتان"، و"وِزْنَتان"، ولا: "وِعْداتٌ"، و"وِزْناتٌ"، كما قالوا في "سَنَةٍ": "سَنَواتٌ"، وفي تثنية "أخٍ"، و"أبٍ": "أخَوان"، و"أبَوان"، وفي جمع "أُخْتٍ": "أخَواتٌ". لا نعلم في ذلك خِلافًا.
وقولنا: "إلا لضرورة" تحرّزٌ ممّا إذا كانت اللام ياءً، نحوَ: "شِية"، و"دِيَةٍ"، فإنّك تعيد المحذوف، وإن كانت فاءً ضرورةَ أن يبقى الاسم على حرفَيْن، الثاني منهما حرفُ مدّ ولين، وذلك لا يكون في اسم متمكّن، فتقول، على مذهب سيبويه (٢) في "شِيَةٍ": "وِشَوِيٌّ"، وفي "دِيَةٍ": "وِدَوِيٌّ". وذلك أنّ أصله "وِشْيَةٌ"، و"وِدْيَةٌ"، فألقيت كسرة الواو على ما بعدها، وحذفت الواو لأن الفعل قد اعتلّ بحذفها في "يَشِي"، و"يَدِي"، فبقي "شِيَةٌ"، و"دِيَةٌ" كما ترى. فلمّا نسبت إليهما،
стр. 1347
حذفت منهما تاء التأنيث على القاعدة، فبقي الشين والياء، ولا عَهْدَ لنا باسمٍ على حرفَين الثاني منهما حرفُ مدّ ولين. ووجب زيادةُ حرف؛ ليصير إلى ما عليه الأسماءُ المتمكنةُ، فكان ردُّ المحذوف أولى من زيادة حرف غريب؛ فرُدّت الواو مكسورةً على أصلها، وبقيت العين مكسورةً أيضًا، ثمّ أبُدل من الكسرة فتحةٌ، ومن الياء ألفٌ، ثمّ قلبت الألف واوًا كما فعلت في "عَمٍ"، و"شَجٍ"، فقلت: "عَمَويّ"، و"شَجَويّ".
وإنّما أبقوا الكسرة في العين؛ لأنّ قاعدة مذهب سيبويه (١) أن الاسم إذا دخله حذفٌ، ولزم الحرفَ المُجاوِرَ الحركةُ، ثمّ رُدّ المحذوف لعلّة أو ضرورةٍ؛ فإنّه يُبْقِي الحركة فيه، ولا يُزيلها، فتقول في "غَدٍ": "غَدَويّ"، وفي "يَدٍ": "يَدَويّ"، فتفتح العين منهما، وإن كان أصلها السكون. والذي يدلّ أن الأصل في "غَدٍ" "غَدْوٌ"، بسكون العين، قول الشاعر، وهو لَبِيدٌ [من الطويل]:
٨٣٩ - وما الناس إلَّا كالدِيار وأهْلُها ... بها يَوْمَ حَلُّوها وغَدْوًا بَلاقِعُ
стр. 1348
لمّا اضطُرّ إلى ردّ اللام، أتى به ساكنَ العين. ويدلّ على أن الأصل في "يَدٍ": "يَدْيٌ" بالسكون تكسيرُهم إِيّاها على "أفْعُلَ"؛ نحوِ: "أيْدٍ"، و"أفْعُلُ" بابه "فَعْلٌ"، نحوُ: "كَلْبٍ"، و"أكْلُبٍ"، و"فَلْسٍ"، و"أفْلُسٍ".
وأمّا أبو الحسن الأخفش، فإنّه يردّ الكلمة إلى أصلها عند ردِّ ما سقط منها، فكأنّه ينسب إلى "وِشَيَةٍ"، فيقول: "وِشْييٌّ"، كما تقول في "ظَبْيَةٍ": "ظَبْييّ". وحجّتُه أنّ العين أصلُها السكون، وإنما تحرّكت عند حذف الفاء منها، فإذا أُعيد ما سقط منها، عادت إلى أصلها، وهو السكون.
والمذهب ما قاله سيبويه, لأن الشين متحرّكةٌ، والضرورةُ لا توجب أكثر من ردّ الحرف الذاهب، فلم تحتج إلى تغيير البناء. ومثلُ ذلك لو نسبت إلى "شاةٍ" بعد التسمية؛ لقلت: "شاهيّ"؛ لأنَّك تحذف تاء التأنيث، فبقي الاسم على حرفَيْن، الثاني منهما حرفُ مدّ ولين، وذلك لا نظيرَ له، فردّوا الساقط منه، وهو الهاء.
وقوله: وعن ناسٍ من العرب: "عِدَويٍّ"، يريد أن قومًا من العرب يردّون المحذوف، وإن كان فاءً، ويؤخرونه إلى موضع اللام، فكأنّه ينقلب ألفًا، فيصير "عِدًا"، و"زِنًا"، فإذا نسبت إليه، قلبت الألف واوًا على القاعدة، فتقول: "عِدَويّ"، و"زِنَويّ"، وهو رأي الفرّاء، حكى ذلك صاحبُ الصَّحاح (١).
وممّا لا يُرَدّ فيه الساقط: ما حُذفت عينه، نحوُ: "سَهٍ" في معنى الاسْتِ، وذلك أن فيه ثلاثَ لغات: "اِسْتٌ"، و"سَتٌ"، و"سَهٌ"، وأصلُها "سَتَةٌ"؛ وذلك لأنّك تقول في التصغير: "سُتَيْهَةٌ"، وفي التكسير: "أسْتاةٌ". فالذي قال: "اسْتٌ" و"سَتٌ"، حذف اللام، وهو الهاء، والذي قال: "سَهٌ"، حذف عين الفعل، وهو التاء. فإذا نسبت إليه على قولِ من قال. "اسْتٌ" أو"ستٌ"، فهو بمنزلة "ابْنٍ"، فإن شئت قلت: "اسْتيّ"، وإن شئت قلت: "سَتَهيّ"؛ لأنّ الساقط لا يظهر في التثنية، ولا في الجمع بالألف والتاء، ومن قال "سَهٌ"، لم يقل إلّا: "سَهِيٌّ"، كما لم يقل في "عِدَةٍ"، و"زِنَةِ" إِلّا: "عِديّ"، و"زِنيّ"، لبُعْد المحذوف من ياء النسبة.
وأمّا الضرب الثالث: وهو ما يسوغ فيه الأمران، فهو ما حُذف منه لامه، ولا يظهر ذلك في تثنية، ولا جمع بالألف والتاء، وذلك قولك في النسب إلى "يَدٍ": "يَديّ"، وإن شئت: "يَدَويّ"، وفي "دَمٍ": "دَمِيٌّ"، و"دَمَويّ"، وفي "غَدٍ": "غدِيّ"، وإن شئت "غَدَويّ"، فمَن نسب إلى الحرفَيْن فعلى اللفظ؛ لأن الأصل قد رُفض، فلم يظهر في تثنية ولا جمع، ومَن ردّ المحذوف؛ فلأنّ النسبة قويّةٌ في الردّ على ما تقدّم.
стр. 1349
فإن قيل: فقد ردّوا المحذوف من "دَمٍ" و"يَدٍ" في قوله [من الوافر]:
فَلَوْ أنَّا على حَجَرٍ ذُبِحْنا ... جرى الدَّمَيانِ بالخَبَر اليَقِينِ (١)
وقولِ الآخر [من الكامل]:
يَدَيانِ بَيْضاوانِ عند مُحَلِّمٍ ... قد تَمْنعانِكَ أن تُضامَ وتُضْهَدَا (٢)
فهلّا لزم لذلك ردُّ المحذوف في النسب إليهما؟ قيل: لا اعتدادَ بذلك, لأنّ ذلك من ضرورات الشعر، ومن ذلك النسب إلى "حِرٍ": "حِرِيٌّ"، وإن شئت "حِرْحيّ"؛ لأنّك تقول في التثنية: "حِرانِ"، ولا تُظْهِر المحذوف.
ومن ذلك ما كان في أولّه همزةُ الوصل، فتقول في النسب إلى "ابنٍ": "ابْنِيٌّ"، وإن شئت: "بَنَويّ"؛ لانّك تقول في التثنية: "ابْنان". وتقول في النسب إلى "اسْمٍ": "اسْمِيٌّ"، وإن شئت: "سِمَويّ" بكسر السين وفتح الميم. أمّا كسرُ السين، فلأنّ الأصل "سِمْوٌ"؛ لقولهم في تكسيره: "أسْماءٌ"، نحوَ: "عِدْلٍ"، و"أعْدالٍ"، وأمّا فتحُ الميم، فعلى قاعدة مذهب سيبويه، وأمّا قياسُ قول الأخفش؛ فأن يُقال: "سِمْويّ" بسكون الميم؛ لأنّه الأصل.
فصل [النسبة إلي "بنت" و"أخت" و"كلتا "]
قال صاحب الكتاب: وتقول في "بنت", و"أخت": "بنوي", و"أخوي" عند الخليل وسيبويه (٣)، وعند يونس (٤): "بنتي", و"أُختي". وتقول في "كلتا": "كلتي", و"كلتوي" على المذهبين.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ التاء في "بِنْتٍ" و"أُخْتٍ" بدل من اللام فيهما، والأصل: "أخَوَةٌ" و"بَنَوَةٌ"، فنقلوا "بَنَوةً" و"أَخَوَةً"، ووزنُهما "فَعَلٌ" إلي "فِعْلٍ" و"فُعْلٍ"، فألحقوهما بالتاء المبدلة من لامها بوزن "جِذْعٍ"، و"قُفْلٍ"، فقالوا: "بِنْتٌ"، و"أُخْتٌ". وليست التاء فيهما على الحقيقة للتأنيث لسكونِ ما قبلها. هذا مذهب سيبويه، وقد نصّ عليه في باب ما لا ينصرف، فقال: لو سمّيت بهما رجلاً لصرفتهما معرفة (٥)، وهذا نصٌّ منه، ولو كانت للتأنيث، لَما انصرفا، إلَّا أنّها، وإن لم تكن للتأنيث، فإنّها في مذهب علامة التأنيث إذ كانت لم تقع إلَّا على مؤنّثٍ. فإذا نسبت إلى واحد منهما، حذفت التاء؛ لانّها
стр. 1350
مُشبَّهةٌ بتاء التأنيث، وفي حكمها، فحذفوها كحذف التاء في "رَبَعيّ"، و"جُهَنيّ". ولمّا حذفوها، أعادوا اللام المحذوفة؛ لأنّ التاء كانت بدلاً منها. فلمّا زال البدلُ، عاد المُبْدَل منه، فلذلك تقول في "بِنْتٍ": "بَنَويّ" كالمذكّر، وفي "أُخْتٍ": "أخَويّ"، فقد صار في التاء مذهبان: مذهبُ الحروف الأصلية لِما ذكرناه من سكون ما قبلها، ومذهبُ تاء التأنيث لحذفها في النسب. ويونسُ يقول: "بنتيّ"، و"أُخْتيّ"، ويُجْرِي التاء فيهما مُجرى الأصل، فكان يلزمه أن يقول في النسب إلى "هَنْتٍ"، و"مَنْتْ": "هَنْتيّ"، و"مَنْتيّ"، ولم يقل ذلك أحدٌ.
وأمّا "كِلْتَا"، فالتاء فيها بدلٌ من لامها، والألفُ فيها للتأنيث على حدّ إبدالها في "بنت"، و"أُخت". وأصلُها "كِلْوَى" كـ"ذِكْرَى". والذي يدلّ على أن اللام معتَلّةٌ قولهم في مذكّرها: "كِلَا"، و"كِلَا" فِعَلٌ، ولامُه معتلّة بمنزلة لام "حِجًا"، و"رِضًا". وأن تكون اللام واوًا أمثلُ من أن تكون ياءً, لأنّ إبدال التاء من الواو أضعافُ إبدالها من الياء، والعملُ إنّما هو على الأكثر، فعلى هذا يُنسَب إليه كما ينسب إلى "بنت"، و"أُخت"، فتقول: "كِلَويّ". فمن حيث وجب ردُّ "بنت" في النسب إلى الأصل، وجب ردّ "كلتا" إلى الأصل، وحذفت التاء، ثمّ حذفت ألف التأنيث، فقيل: "كِلَويّ". واللامُ متحرّكة؛ لأنه قد صحّ تحريكُها في "كِلَا". وقياسُ مذهب يونس أن يقول: "كِلْتَويّ"؛ لأنّ التاء بدلٌ من اللام، فهي كتاء "بنت"، و"أُخت".
وقوله: "تقول كِلْتيّ وكِلْتَويّ على المذهبَيْن" يعني يونسَ وسيبويه، وليس بصحيح؛ لأنّ سيبويه يقول: "كِلَويّ"، وكان أبو عمر الجَرْمي يذهب إلى أنّها "فِعْتَلٌ" وأنّ التاء عَلَمُ تأنيثها، والنسبة إليها: "كِلَويّ"، كما يُقال في "مِلْهى": "مِلْهَويّ". ويشهَد بفَساد هذا القول أنّ التاء لا تكون علامةَ تأنيث الواحد إلَّا وقبلها فتحةٌ، نحوُ: "طَلْحَةَ"، و"قائمةٍ"، أو يكون قبلها ألفٌ، نحوُ: "سِعْلاةٍ"، و"عِزْهاةٍ". واللام في "كِلْتَا" ساكنة كما ترى. ووجهٌ ثانٍ: أن علامة التأنيث لا تكون أبدًا حَشْوًا، إنما تكون آخِرًا لا محالةَ، وَ"كِلْتَا" اسمٌ مفردٌ يُفيد معنى التثنية، بإجماع من البصريين، فلا يجوز أن تكون التاء فيه للتأنيث، وما قبلها ساكنٌ. ووجهٌ ثالثٌ: أنّ "فِعْتَلاً" مثالَ لا يُوجَد في الكلام أصلاً، فيُحْمَلَ هذا عليه، فعلى هذا، لو سمّيت رجلاً بـ"كلتا"؛ لم تصرفه على قول سيبويه معرفةً ولا نكرةً, لأن ألفها للتأنيث (١) بمنزلة ألف "ذِكْرَى"، وتصرفه نكرة في قول الجرميّ, لأن أقصى أحواله أن يكون كـ"قائمة" و"قاعدة"، فاعرفه.
стр. 1351
فصل [النسبة إلي المُركَّب]
قال صاحب الكتاب: وينسب إلى الصدر من المركبة, فتقول: "معدي", و"حضري", و"خمسي", في "خمسة عشر" اسمًا، وكذلك: "اثني" أو "ثنوي" في "اثني عشر" إسمًا، ولا ينسب إليه وهو عدد، ومنه "تأبط شرًا", و"برق نحره", تقول: "تأبطي", و"برقي".
* * *
قال الشارح: إذا كان الاسمان قد رُكّبا، وجُعلا اسمًا واحدًا عَلَمًا على المسمَّى، فالوجهُ والقياس حذفُ الثاني منهما، يجعله الخليلُ (١) بمنزلة تاء التأنيث، فـ"حَضْرَمَوْتُ" بمنزلة "طَلْحَةَ"، وتقع النسبةُ إلى الأوّل، فتقول في النسب إلى "مَعْدِي كَرِبَ": "مَعْدِيّ"، وفي "حَضْرَمَوْت": "حَضْريّ"، وفي "خَمْسَةَ عَشَرَ": "خَمْسيّ". وذلك لأن التركيب لم يجعلهما اسمًا واحدًا على الحقيقة، ألا ترى أن من جملة المركّبات نحوُ: "شَغَرَ بَغَرَ"، وليس في الأسماء ما يتوالى فيه ستةُ متحرّكات، فعُلم أنّ منزلة الثاني من الأوّل منزلةُ علامة التأنيث ضُمّت إلى الصدر، فحُذفت في النسب، ووقعت النسبةُ إلى الصدر، ولو كانا شيئًا واحدًا على التحقيق، لوقعت النسبةُ إليهما كما تقع في "عَيْضَمُوزٍ" (٢)، و"عَنْتَرِيسٍ" (٣)، ونحوهما ممّا جُعل على الزيادة اسمًا.
ومن ذلك "اثْنَا عَشَرَ" إذا نسبتَ إليه، وهو عَلَمٌ، قُلْتَ: "ثَنَويّ" في قولِ من قال في "ابْنٍ": "بَنَويّ"؛ لأنّ مجراهما واحد. وتقول: "اثْنيّ" في قول من قال "ابْنيّ". وذلك أنهم شبّهوا "عَشَرَ" من "اثنا عشر" بالنون في "اثنين"، كما شبّهوا "عشر" من "خمسة عشر" بتاء التأنيث؛ لأنها واقعةٌ موقعَ النون في "اثنان"، و"اثنين"، ولذلك لا تُجامِعهما. فكما تحذف النون إذا نسبت إليها، كذلك تحذف الثاني منهما، وهو"عشر"، فتقول: "اثْنِيّ"، و"ثَنَويّ". فأمّا إذا كان عددًا، فلا يُضاف إليهما؛ لأنّك لو نسبت إليهما، وجب أن تقول: "اثْنيّ"، أو "ثَنَويّ"، فكان يُلْبِس بالنسب إلى الاثنَيْن، وكذلك سائرُ الأعداد المركبة من نحو "خمسةَ عشرَ" لا يُنسَب إليها، وهي عددٌ.
فإن قيل: فالنسبة إلى العَلَم قد تُوقِع لبسًا أيضًا، فلا يُعلَم هل هو مسمَّى بـ"اثنين" أو بـ"اثني عشر"؛ قيل: اللبسُ في الأعلام لا يُعتَدّ به؛ لعِلْم المخاطب بالمنسوب إليه. وقد أجاز أبو حاتم السجِسْتانِيّ النسبَ في مثل هذا إليهما مفردَيْن
стр. 1352
فرارًا من اللبس، فيقول: "ثَوْبٌ إحْدَويّ عَشْريّ"، و"إحْدَويّ". ومن قال: "إحْدَى عَشِرَةَ" بكسر الشين، قال: "إحدويّ عَشَريّ"، بفتح الشين في النسب، كما تقول في النسب، إلي "النَّمِر": "نَمَرِيٌّ".
ومن ذلك: الجُمَل المحكيّة المسمّى بها من نحو "تَأبَّطَ شَرًّا"، و"بَرَقَ نَحْرُهُ"، فإنّك إذا نسبت إلى شيء من ذلك، نسبتَ إلى الأوّل، وحذفت الثاني، فتقول: "تَأبَّطيّ"، و"بَرَقيّ"، و"ذَرَّويّ" في "ذَرَّى حَبًّا". حذفت من "تأبّط شرًّا" المفعول، ونزعت الفاعلَ من الفعل، ليخرج من أن يكون جملةً، وما علمنا أحدًا نسب إلى شيء من ذلك إلَّا إلى "تأبّط شرًّا"، والباقي قياسٌ.
وإنّما وجب النسب إلى الأوّل؛ لأنّ الحكاية في معنى المركّب والمضاف من حيث كان أكثرَ من اسم واحد، بل هو في الحكاية أبلغُ, لأنه قد يكون أكثرَ من اسمَيْن، فكما تقول: "حَضْريّ" في "حضرموت"، و"عَبْديّ" في "عَبْدِ القَيْس"، كذلك تقول: "تأبّطيٌّ" في "تأبّط شرًّا" وبابه، وقد قالوا: "كَوْنيّ" في النسب إلى "كُنْتُ" إذا كان يُكَثِرُ من قولِ "كُنْتُ". وذلك أنّهم حذفوا التاءَ الفاعلةَ، ثمّ نسبوا إلى "كُنْ"، وأعادوا الواو التىِ هي عين الفعل؛ لتحرُّك النون بالكسر لاجتماعها مع ياء النسب. ومنهم من قال: "كُنْتِيّ"، فنسب إلى "كُنْتُ"، لمّا اختلط ضميرُ الفاعل بالفعل ولا يُوجَد فصلُه من الفعل؛ صارا كالكلمة الواحدة، فجازت النسبةُ إليهما لذلك. وهذا أحدُ ما يدلّ على شدّةِ امتزاج الفاعل واختلاطه به. قال الشاعر [من الطويل]:
فأصَبَحْتُ كُنْتِيًّا وأصبحتُ عاجِنًا ... وشَرُّ خِصالِ المَرْءِ كُنْتُ وعاجِنُ (١)
ومنهم من قال: "كُنْتَنيّ"، فزاد نونَ الوقاية مع ضمير الفاعل، كأنّه حافظ على لفظ "كُنْتُ" فأدخل نون الوقاية، ليسلَم لفظُ "كُنْتُ" من الكسر، قال الشاعر- أنشده ثَعْلَبٌ [من الطويل]:
٨٤٠ - ومَا أنتَ كُنْتِيٌّ وما أنَا عاجِنٌ ... وشَرُّ الرِّجال الكُنْتُنيُّ وعاجِنُ
стр. 1353
وقد عاب أبو العباس "كُنْتُنِيًّا"، وقال: "هو خطأٌ"، فاعرفه.
فصل [النسبة إلي المركَّب تركيبًا إضافيًّا]
قال صاحب الكتاب: والمضاف على ضربين: مضاف إلى اسم معروف يتناول مسمى على حياله, كـ "ابن الزبير", و"ابن كُراع", ومنه الكنى كأبي مسلم وأبي بكر، ومضاف إلى ما لا ينفصل في المعنى عن الاول كامرئ القيس وعبد القيس. فالنسب إلى الضرب الأول زبيري وكراعي ومسلمي وبكري, وإلى الثاني عبدي ومرئي قال ذو الرمة [من الوافر]:
٨٤١ - ويذهب بينها المرئي لغواً ... [كما ألغيت بالدية الحُوارا]
وقد يصاغ منهما اسم فينسب إليه كعبدري وعبقسي وعبشمي.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ القياس في الباب أن تقع النسبةُ إلى الاسم الأوَّل, لأنّ الاسم الثاني بمنزلة تمام الاسم، وواقعٌ موقعَ التنوين، فكانت الإضافةُ إلى الأوّل لذلك، فقالوا في "عَبْدِ القيس": "عَبْديّ" وفي "امْرِئ القيس": "امْرِئِيٍّ"، و"مَرْئِيٌّ". إن شئت هذا مقتضى القياس، إلَّا أن يعرض ما يوجب العدولَ إلى الثاني، وذلك إمّا للَبْسٍ يقع،
стр. 1354
أو لزيادةِ بيان يُتوقّع، وذلك إذا كان مضافًا إلى آخرَ من الكُنَى، وما جرى مجراها، كقولك في النسب إلى "أبي بكر": "بَكْريّ" وإلى "أبي مُسْلِم": "مُسْلِميّ". وقالوا في النسبة إلى رجل يُعرَف بابن كُراعَ: "كُراعيّ"، وإلى ابن دَعْلَج: "دَعْلَجيّ". وإنّما كان كذلك في "ابن فلانٍ"، و"أبي فلان"؛ لأنّ الكنى كلّها متشابِهةٌ في الاسم المضاف ومختلفةٌ في المضاف إليه، وباختلاف الأسماء المضاف إليها يتميز بعض من بعض، كقولك: "أبو زيد"، و"أبو جعفر"، فلو أضفنا إلى الأوّل، لصارت النسبةُ إليه كلِّه "أبَويّ"، فكان لا يتميّز بعض من بعض، وكذلك لو نسبنا إلى "الابن"، لوقع اللبس، ولم يتميز، فعدلوا إلى الثاني لذلك، والذي ذكره صاحب الكتاب مذهبُ المبرّد، فإنّه كان يقول: ما كان في المضاف يُعرَّف بالثاني، وكان الثاني معروفًا، فالقياسُ إضافته إلى الثاني، نحوُ: "ابن الزُّبَيْر"، و"ابن كُراعَ". وما كان الثاني منه غيرَ معروف؛ فالقياسُ الإضافة إلى الأوّل، مثلُ: "عبد القيس"، و"امرئ القيس"؛ لأنّ "القيس" ليس بشيء معروف أُضيف "عبدٌ" و"امرؤ" إليه. ويرُدّ عليه الكُنَى؛ لأنّ الثاني غيرُ معروف كـ"أبي مُسْلِم"، و"أبي بكر" ألا ترى أنّ "مسلمًا"، و"بكرًا" ليسا اسمَيْن معروفَيْن أُضيف الأوّل إليهما، فإنّه قد يُكْنَّى الصغير المولود، ولم يكن له ولدٌ، فبان أنّ القياس النسبة إلى الأوّل، وإنّما عُدل إلى الثاني للبس، فأمّا قول الشاعر [من الوافر]:
ويذهب بينها ... إلخ
البيت لذي الرُّمّة يهجو امرأ القيس، وليس الشاعرَ، بل آخرَ اسمُه ذلك، فرآه جَرِير بن الخَطَفَى، وهو يُنْشِئ، فقال: هل أُغنّيك ببَيْت أو بيتَيْن، وأنشأ [من الوافر]:
يَعُدُّ الناسِبُون إلى تَمِيم ... بُيُوتَ المَجْدِ أرْبَعَةً كِبارا
يَعُدّون الرِّبابَ وآلَ بَكْرٍ ... وَعَمْرًا ثُم حَنْظَلَةَ الخِيارا
ويذهب بينها المَرْئيُّ لَغْوًا ... كما ألْغَيْتَ بالدِّيَةِ الحُوارا
وقد يصوغون من حروف الاسمَيْن ما ينسبون إليه، فقالوا: "عَبْشَميّ" في "عبد شَمْس"، و"عَبْدَريّ" في "عبد الدار"، و"عَبْقَسيّ" في "عبد القيس"، كأنّهم أضافوا إلى "عَبْشَم"، و"عَبْدَر"، و"عَبْقَس" وذلك ليس بقياس، وإنما يُسمَع ما قالوه، ولا يُقاس عليه لقلّته.
فصل [النسبة إلي الجمع]
قال صاحب الكتاب: وإذا نسب إلى الجمع, رد إلى الواحد كقولك مسمعي ومهلبي وفرضي وصحفي, وأما الأنصاري والأنباري والأعرابي فلجريها مجرى القبائل كأنماري وضبابي وكلابي، ومنه المعافري والمدائني.
* * *
стр. 1355
قال الشارح: إذا نُسب الشيء إلى جمع، فهو على ضربَيْن: أحدهما أن يكون جمعًا صحيحًا مكسَّرًا عليه الواحدُ، والآخرُ أن يكون الجمع اسمًا لواحدٍ أو لجمع. فما كان من الأول ونسبتَ إليه من يلزَمه ويُمارِسه، فالبابُ أن تنسب إلى واحده، كرجلٍ يلزم المساجدَ، ويُكْثِر الاستعمال بالفرائض، والنظرَ في الصُّحُف، فإذا نسبت إلى شيء من ذلك؛ قيل فيه: "مَسْجِديّ"، و"فَرَضيّ"، و"صَحَفيّ". تردّها إلى "مَسْجِدٍ"، و"فَرِيضَةٍ"، و"صَحِيفَةٍ". وقالوا: "مِسْمَعيّ"، و"مُهَلَّبيّ" في النسبة إلى "المَسامِعة"، و"المَهالِبة"؛ لأنّه جمعٌ، والواحد مِسْمَعيّ ومُهَلَّبِيّ، فحذفتَ من الواحد ياء النسبة، ثمّ أحدثتَ ياءً للنسبة غيرَها على القاعدة. والمسامعةُ قومٌ نزلوا البصرةَ، فنُسبت إليهم المَحَلَّةُ، ومن المُحدِّثين المعروفين بها أبو يَعْلَى محمّد بن شَدّاد بن عيسى المسمعيّ، كان أحدَ المتكلّمين على مذهب العدل والتوحيد، والواحدُ من المسامعة "مِسْمَعيّ"، بكسر الميم الأولى، منسوبٌ إلى "مِسْمَعٍ"، ومنه قوله [من الطويل]:
٨٤٢ - [لَقَدْ عِلمَتْ أُولَى المُغِيرَةِ أنَّنِي] ... كَرَرْتُ ولم أنْكُلْ عن الضرب مِسْمَعَا
و"المَهالِبة" جمعُ "المُهَلَّبيّ"، و"المهلّبيّ" منسوب إلى المُهَلَّب بن أبي صُفْرَةَ أبي
стр. 1356
المَهالِبة، نُسب بنوه إليه، وقالوا في النسب إلى "العَبَلات"، وهم حيٌّ من قُرَيْش: "عَبْليّ"؛ لأنّ واحده "عَبْليّ"، كأنّهم نُسبوا إلى أُمّهم عَبْلَةَ. وإنّما اختاروا النسبَ إلى الواحد دون لفظ الجمع، كأنّهم فرقوا بين ما كان اسمًا لشيء واحد، وبينه إذا لم يُرَد به إلَّا الجمعُ، وساغ لهم ذلك؛ لأن المنسوب مُلابِسٌ لكلّ واحى من آحادِ ذلك، ولفظُ الواحد أخفُّ، فنسبوا إليه، لذلك قالوا: "بَنَويّ"، و"أبْناويّ"؛ فأمّا "بنويّ" فمنسوبٌ إلى "أبناء فارِسَ"، وهم الذين استصحبهم سَيْفُ بن ذي يَزَنَ إلى اليَمَن، وأمّا "الأبْناويّ" فمنسوبٌ إلى قبائل سَعْد بن زيد مَناة.
وأمّا الضرب الثاني، وهو ما كان اسمًا لواحدٍ أو لجمع؛ فإنّك تنسب إليه على لفظه من غير تغيير، فتقول في "أنْمارٍ": "أنْماريّ"؛ لأنه اسم لواحد. وقالوا في "كِلابٍ" "كِلابيّ"، وقالوا في "الضِّباب": "ضِبابيّ"؛ لأنّه اسمُ قبيلة. وقالوا "مَعافِريّ"، وهو اسم رجل يُقال له: مَعافِرُ بن مُرٍّ أخو تميم. وقالوا: "أنْصاريّ"؛ لأنّ "الأنصار" اسمٌ وقع لجماعتهم، ومن ذلك "مَدائنيّ"، و"أنباريّ". و"المَدائنُ"، و"الأنْبارُ" عَلَمان على بلدَيْن معروفَين بالعِراق. وتقول في النسب إلى "نَفَرٍ": "نَفَريّ"، وإلى "رَهْطٍ": "رَهْطيّ"؛ لأنّه اسمٌ للجمع، لا واحدَ له من لفظه. وتقول في النسب إلى نِسْوَةٍ: "نِسْويّ"؛ لأنّه اسم للجمع. فلو جمعتَ شيئًا من أسماء الجمع، نحوَ: "أراهِطَ"، و"أنْفارٍ"، و"نِساءٍ"؛ لقلت في النسب إليه: "رَهْطيّ"، و"نَفَريّ"، و"نِسْويّ"؛ لأنّ قولك: "نَفَرٌ"، و"رَهْطٌ" جمعٌ لا واحدَ له، وقولك: "أراهطُ"، و"أنفارٌ"، و"نساءٌ" لها واحد من لفظها، وهو "نفر"، و"رهط"، و"نسوة". وتقول في النسب إلى "مَحاسِنَ": "مَحاسِنيّ"؛ لأنه لا واحد له من لفظه؛ لأنّه لا يُقال "مَحْسَنٌ". وعلى هذا تقول في النسب إلى "مَشابِهَ"، و"مَذاكِيرَ": "مَشابِهي"، و"مَذاكِيريّ" لأنه لا يقال في واحدهما: "مَشْبَهٌ"، ولا "مِذْكارٌ". وتقول في "الأعْراب": "أعْرابيّ"؛ لأنّه لا واحد له من لفظه، وليس بتكسير "عَرَبٍ"، إذ ليس معنى العرب معنى الأعراب، فيكونَ تكسيرًا له؛ لأن العرب من كان من هذا الجِيل من سُكّان البُلدان والبادية، والأعرابُ من كان منهم من سكّان البادية، فاعرفه.
فصل [ما شذّ في النسبة عن القياس]
قال صاحب الكتاب: ومن المعدولة عن القياس قولهم بدوي وبصري وعلوي وطائي وسهلي ودهري وأموي وثقفي وبحراني وصنعاني وقرشي وهذلي قال [من الطويل]:
٨٤٣ - هذيلية تدعو إذا هي فاخرت ... أباً هذلياً من غطارفة نُجدِ
стр. 1357
وفقمي وملحي وزباني وعبدي وجذمي، في فقيم كنانة، ومليح خزاعة، وزبينة وبني عبيدة، وجذيمة, وخراسي وخرسي ونتاج خرفي وجلولي وحروري في جلولاء وحروراء. وبهراني وروحاني في بهاء, وروحاء, وخريبي في خريبة, وسليمي, وعميري, في سليمة من الأزد وفي عميرة كلب, وسيلقي لرجل يكون من أهل السليقة.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ العرب قد نسبت إلى أشياءَ، فغيروا لفظ المنسوب إليه، فاستُعمل ذلك كما استعملته العربُ، ولا يُقاس عليه غيرُه، فما جاء ممّا لا نعلم مذهبَ العرب فيه، فهو على غير (١) القياس، وهذا الشذوذ يجيء على ضروبٍ: منها العدول عن ثقيل إلى ما هو أخفُّ منه، ومنها الفرقُ بين شيئَيْن على لفظ واحد، ومنها التشبيه بشيء في معناه. فمن ذلك قولهم في النسبة إلى البادِيَة: "بَدَويّ"، والقياس: "باديّ" أو "بادَويّ" على حدّ "قاضٍ"، و"قاضِيَةٍ"، و"غازٍ"، و"غازيةٍ"، كأنهم بنوا من لفظه اسمًا على "فَعَلٍ" حملوه على ضدّه، وهو الحَضَرُ، فقالوا: "بَدَويّ" كما قالوا: "حَضَريّ".
وقالوا: "بِصْريٌّ" بكسر الباء، والقياس فتحُها، وذلك لأنّ البَصْرَة سُمّيت بهذا الاسم لحجارةٍ بيضٍ في المِرْبَد، يُتّخذ منها الجِصّ، يُقال لها بَصْرَةٌ وبَصْرٌ، فنسبوا إلى معناه.
وقالوا في النسب إلى العالِيَة: "عُلْويّ"، والعالية مواضعُ في بلاد العرب، وهي
стр. 1358
الحجاز، وما والاها، كأنّهم بنوه على "فُعْلٍ"، ونسبوا إليه حملًا على ضدّه، وهو السُّفْلُ.
وقالوا: "طائِيٌّ" وهو شاذ أيضًا، والقياس "طَيِّئيّ"، فحذفوا إحدى الياءَيْن على حدّ حذفها في "أُسَيِّدَ"، و"أُسَيْديّ"، ثمّ أبدلوا من الياء ألفًا، كما قالوا: "آيةٌ" وهو عند سيبويه "فَعْلَةُ".
وقالوا: "داويّ" في النسبة إلى "دَوٍّ"، فقَلبوا الياء والواو ألفًا لانفتاح ما قبلهما، وإن كانتا ساكنتَيْن.
وقالوا: "سُهْليّ"، و"دُهْريّ"، فالسُّهْليّ منسوب إلى السَّهْل الذي هو خلاف الحَزْن. وإذا نسبوا إلى رجل اسمه سَهْلٌ قالوا: "سَهْليّ" بالفتح، كأنّهم أرادوا الفرق بينهما، وأمّا الدَّهْرُ، فإذا نسبوا إليه رجلاً قد أتي عليه الدَّهْرُ، وطال عُمُرُه؛ قالوا: "دُهْريّ". وإذا كان رجلًا يقول بقِدَم الدهر، ولا يُؤْمِن بالمَعاد؛ قالوا: "دَهْرِيّ" بالفتح، فصلوا بينهما بذلك.
وقالوا في النسب إلى "أُمَيَّةَ": "أُمَويّ" بالضمّ، وهو القياس، ومن العرب من يقول: "أَمَويّ" بفتح الهمزة، كأنّه ردّه إلى المكبّر؛ لأنّ "أُمَيّةَ" تصغير "أمَةٍ"، وأصلُ "أمَةٍ" "أَمَوَةٌ" فحذفت اللام تخفيفًا. وستَقِفُ عليه في التصريف إن شاء الله تعالى.
وقالوا: "ثَقَفيّ" في النسبة إلى "ثقِيفٍ"، وهو أبو قبيلةٍ من هَوازِنَ، وهو شاذّ عند سيبويه (١)، والقياس: "ثَقِيفيّ"، وهو لغةُ قوم من العرب بتِهامةَ وما يقرب منها، وقد كثُر ذلك عنهم حتى كاد يكون قياسًا.
وقالوا: "هُذَليّ" في النسب إلى "هُذَيْلٍ"، وهو حيٌّ من مُضَرَ بن مُدْرِكَةَ بن إلياس، وقوله [من الطويل]:
هُذَيْليّة تدعو ... إلخ
الشاهد فيه قوله: "هُذَيْليّة" في النسبة إلى "هُذَيْل" أنشده شاهدًا على صحّة الاستعمال، والقياسُ عند سيبويه (٢): "هُذَيْليّ". ومنه قوله: "هذيليّة".
وقالوا: "قُرَشيّ"، والقياس: "قُرَيْشيّ" نحوُ قوله [من الطويل]:
٨٤٤ - بِكُلّ قُرَيْشيٍّ عليه مَهابَةٌ ... سَرِيعٍ إلى داعِي النَّدى والتكرُّمِ
стр. 1359
وقالوا: "فُقَميّ" في "فُقَيْمٍ"، وفقيم حيٌّ من كِنانةَ، وهم نَسَأةُ المشهور (١)، وفي "مُلَيْح خُزاعةَ": "مُلَحيّ". وقولنا: "فُقَيْمُ كِنانَةَ"؛ لأنّ في بني تميم فُقَيْمَ بن جَرِير بن دارِم، والنسبةُ إليه "فُقَيْميّ"، وقولُنا: "مُلَيْحُ خُزاعةَ"؛ لأنّ فيهم مُلَيْحَ بن الهُون، والنسبة إليه: "مُلَيْحيّ".
وقالوا في "سُلَيْمٍ": "سُلَميّ"، وفي "خُثَيْمٍ": "خُثَميّ"، والداعي إلى هذا الشذوذ طلبُ الخفّة؛ لاجتماع الياء مع الكسرة وياءَي النسب.
ومن الشاذّ قولهم: "بَحْرانيّ" في النسب إلى "البَحْرَيْن"، و"صَنْعانيّ" في النسب إلى "صَنْعاءَ"؛ فأمّا بَحْرانيّ فشاذ، والقياس: "بَحْريّ"، تحذف علامة التثنية في النسبة، كما تحذف تاء التأنيث، لكنّهم كرهوا اللَّبْس، ففرقوا بين النسب إلى "البَحْر", لأن النسبة إليه "بَحْريّ"، وبين ما يُنسَب إلى "البحرَيْن"، و"البَحْرَيْن": موضعٌ بعينه، والذي يقول: "بَحْرانيّ" نسبه إلى "فَعْلان"، كانّهم سمّوا به على مثال "سَعْدانٍ"، و"سَكْرانٍ"، فنسبوا إليه للفرق.
وأمّا "صنعانيّ" في النسب إلى "صنعاء"، فمثلُه "بَهْرانيّ" في النسب إلى "بَهْراءَ"، وهي قبيلة من قُضَاعةَ، فهو شاذٌ، والقياس: "صَنْعاويّ"، و"بَهْراويّ"، ومن العرب من يقوله، ووجهُه أنّهم أبدلوا من الهمزة النون, لأن الألف والنون يجريان مجرى ألفَيِ التأنيث، وقالوا أيضًا في النسب إلى "رَوْحاء"، وهو بلد: "رَوْحانيّ"، والقياس: "رَوْحاويّ"، وهو أكثرُ استعمالًا.
стр. 1360
وقالوا في النسبة إلى "زَبِينَةَ"، وهي قبيلة من باهِلَةَ: "زَبانيّ"، والقياس: "زَبينيّ"، وتحتمل هذه الألف أمرَيْن: أحدهما أئه لما كان القياس حذفَ الياء مع تاء التأنيث؛ توهموا سقوطَها، وفتحوا الباء، ثمّ قلبوا الياء ألفًا للفتحة قبلها على حدّ "طائيّ"، فصار "زَبانيًّا". والأمرُ الثاني أنّهم قالوا: "زَبَنيّ" على القياس، ثمّ أشبعوا فتحةَ الياء، فنشأتِ الألفُ بعدها على حدّ "بَيْنَا" من قولهم: "بَيْنَا زيدٌ قائمٌ أقبلَ عَمروٌ". ومنه بيتُ الكتاب [من الوافر]:
بَيْنَا نحنُ نَرْقُبُه أتانَا ... مُعَلِّقَ وفْضَةٍ وزِنادِ راعِ (١)
ومنه قولهم: "آمِينَ" في لغةِ من مَدَّ، إنّما هو "أمِينَ"، زيدت الألفُ إشباعًا للفتحة، وهو كثير.
ومن ذلك: "عُبَديّ"، و"جُذَميّ" في بني "عَبِيدَةَ"، و"جَذِيمَةَ". وبنو عبيدة حيٌّ من عَدِيّ، وجذيمةُ من عبد القَيْس، والقياسُ عنْدي: "عَبَديّ" و"جَذَميّ" بفتح العين والجيم، كما تقول في "حَنِيفَةَ": "حَنَفيّ"، لكنهم ضمّوا كأنّهم راموا الفرق بينه وبين غيره ممّن اسمُه عَبِيدَةُ، وجَذِيمَةُ. والذي يقول: "عُبَديّ"، و"جُذَميّ" بالضمّ قليلٌ، كأنهم صغّروه، والكثير الفتح.
وقالوا في النسب إلى خُراسانَ: "خُرَاسانيّ"، وهو القياس. وقالوا: "خُراسيّ"، و"خُرْسيّ"، وهو خارج عن القياس، فمن قال "خُراسيّ"، شبّه الألف والنون في آخره بزيادة التثنية، أو بتاء التأنيث فحذفهما، ومن قال: "خُرْسيّ"، فإنّه حذف الزوائد أجمعَ، وبناه على "فُعْلٍ"؛ لأنه أحدُ الأبنية، ولم يغيّر الضمّةَ من أوّله، والقائدُ الذي يُنسَب إليه "الخُرْسيّ" من هذا منسوبٌ إلى "خُراسانَ".
وقالوا: "نِتاجٌ خَرَفيّ" إذا نُتج زمنَ الخريف، والشذوذُ فيه كالشذوذ في "ثَقَفيّ"، و"هُذَليّ". وقد قالوا أيضًا: "خَرْفيّ" بسكون الراء، وهو أكثرُ في الكلام من "خرِيفيّ". و"خَرَفيّ". و"خريفيٌّ" هو القياس. ومن قال: "خَرْفيّ" بالسكون، فإنّه نسب إلى المصدر، وهو الخَرْفُ من قولك: "خرفتُ الرُّطَبَ" إذا اجتنيتَه في هذا الزمان، والمصادرُ تُستعمل بمعنى الفاعلين، كقولهم: "رجلٌ عَدْلٌ"، و"ماء غَوْرٌ"، والمراد: عادلٌ، وغائرٌ، كأنّه جعل نفسَ الزمان خارفًا، لأنّه يكون فيه، وكذلك كلُّ ما يُنسَب إلى الخريف، كقولنا: "مطرٌ خرفيّ"، و"فاكهةٌ خرفيّة".
وقالوا: "جَلُوليّ"، و"حَرُوريّ" في النسب إلى "جَلُولاء" قريةٍ بناحية فارِسَ، وَ"حَرُوراءَ" وهو الموضع الذي كان فيه القتال بين عليّ ﵇ والشُّراة، فنُسب
стр. 1361
الشراة إلى هذا الموضع الذي كان فيه القتالُ، فقيل لهم: "حروريّةٌ"، والواحد حروريّ، والقياس: "حَرْوراويّ"، و"جَلُولاويّ", لأنّ ما كان في آخره ألفٌ ممدودةٌ لا تُحذَف في النسب، كقولنا: "حَمْراويّ"، و"سَمْراويّ"، وما أشبه ذلك، غيرَ أنّهم أسقطوا أَلفَي التأنيث لطُول الاسم، فشبّهوهما بتاء التأنيث. وقالوا: "خُرَيْبيّ" في النسب إلى "خُرَيْبَةَ"، وهي قبيلةٌ، والقياس: "خُرَبيّ"، وقالوا: "سَلِيميّ"، و"عَمِيريّ" في "سَلِيمَةَ" من الأزْد، و"عَمِيرَةِ كَلْبٍ"، و"سَلِيقيّ" للذي يتكلّم بطَبْعه مُعْرِبًا، وقد جاء أيضًا: "رِماحٌ رُدَيْنيّة"، وهي منسوبة إلى "رُدَيْنَةَ"، وهي زوجةُ سَمْهَرٍ، كانا يُقوِّمان الرماحَ، وهذا الشذوذ خلافُ "ثَقَفيّ"، و"هُذَليّ"؛ لأنّ هناك حُذفت الياء، والدليلُ يقتضي إثباتها، وههنا أُثبت الياء، والدليل يقتضي حذفها. ووجهُه أنّه حُمل كلّ واحد منهما على الآخر تشبيهًا.
وقد جاء عنهم من الشاذ أكثرُ ممّا ذكر. قالوا في النسب إلى "الأُفق": "أَفَقيّ" بالفتح, لأنّ "فُعْلًا"، و"فَعَلاً" يجتمعان كثيرًا كـ"عُجْمٍ"، و"عَجَمٍ"، وَ"عُرْبٍ"، و"عَرَبٍ". وقد قالوا: "أُفْقيّ" بالضمّ في الهمزة وسكون الفاءَ، وهو قياسٌ؛ لأنّ "فُعُلًا" يجوز أن يسكن ثانيه قياسًا مطّرِدًا.
وقال بعضهم: "إبلٌ حَمَضيّةٌ" بفتح الميم، وذلك إذا أكلت الحَمْضَ، و"حَمْضِيّة" أجود. قال المبرّد: يُقال: حَمْضٌ وحَمَضٌ، فإن صحّ ما قال؛ فيكون "حَمَضيّة" قياسًا. وقالوا في "بني الحُبْلَى" وهم حيٌّ من الأنصار: "حُبَليّ" كأنّهم فتحوا الباء للفرق بينهم وبين غيرهم، وإنّما سُموا بني الحُبْلى لكِبرَ بطنه.
وقالوا في النسب إلى "الشِّتاء": "شَتْويّ"، كأنّهم نسبوا إلى "شَتْوَةٍ"، وقيل: إنّ "شتاءً" جمعُ "شَتْوَةٍ" كـ"قَصْعَةِ"، و"قِصاعٍ"، و"صَحْفَةٍ"، و"صِحافٍ"، وأنت إذا نسبت إلى جمعِ؛ رددته إلى واحده، فعلى هذا يكون قياسًا.
وقالوا في الطويل الجُمّةِ، وهو الشَّعْر: "جُمّانيّ"، وفي الطويل اللِّحْية: "لِحْياني". ولو كانت "لِحْيَة" اسمَ بلد أو رجلٍ؛ لم يُقَل فيه إلَّا: "لِحْييّ" عند سيبويه، وعند يونس: "لِحَويّ"، وقالوا في الغَلِيظ الرقبةِ: "رَقَبانيّ"، زادوا الألف والنون للمبالغة دلالةً على هذا المعنى، وهو خارج عن قياس النسبة، ولذلك لا يُستعمل إلَّا فيما استعملته العربُ، ولو نسبت إلى نفس الرَّقَبَة، لم تقل فيه إلَّا "رَقَبيّ".
واعلم أنّ هذه الأسماء التي ذكرنا شذوذَها، إذا نسبتَ إليها في غير هذا الموضع الذي شذّت فيه، أجريتها على القياس، ولم تستعمل فيه الشذوذَ، كرجل سمّيتَه بـ"زَبِيْنَةَ"، فإنّك تقول فيه: "زَبَنيّ"، ولم يجز فيه "زَبانيّ"؛ لأنّهم تكلّموا بالشذوذ في اسم القبيلة التي يُقال لها: "زَبِينَةُ"، وكذلك إذا كان اسمه دَهْرًا؛ لم يجز في النسب إليه إلَّا
стр. 1362
"دَهْريّ"، بفتح الدال, لأنّ "دُهْريًا"، بضمّ الدهر، إنّما تكلّموا به في الرجل الذي يطول عُمْرُه، وتمضي عليه الدهورُ، وكذلك سائرها.
فصل [بناء علي "فَعّال" و"فاعِل" ما فيه معني النسب من غير إلحاق اليائين]
قال صاحب الكتاب: وقد يبنى على "فَعّالٍ", و"فاعِلٍ" ما فيه معنى النسب من غير إلحاق الياءين, كقولهم "بتات" و"عواج" و"ثواب" و"جمال" و"لابن" و"تامر" و"دارع" و"نابل". والفرق بينهما أن فعالاً لذي صنعة يزاولها ويديمها، وعليه أسماء المحترفين, وفاعل لمن يلابس الشيء في الجملة. وقال الخليل (١) إنما قالوا عيشة راضية أي ذات رضى، و"رجل طاعم كاس" على ذا.
* * *
قال الشارح: اعلم أنهم قد نسبوا على غير المنهاج المذكور، وذلك لأن لم يأتوا بياء النسبة، لكنّهم يبنون بناءً يدل على نحوِ ما دلّ عليه ياءُ النسبة، وهو قولهم لصاحب البتوت وهي الأكْسِيَة، واحدُها بتُّ: "بَتّاتٌ"، ولصاحب الثياب: "ثَوّابٌ"، و"لصاحب" البَزّ: "بَزّارٌ"، ولصاحب العاج: "عَوّاجٌ"، ولصاحب الجِمال التي يُنقَل عليها: "جَمّالٌ"، ولصاحب الحَمِير التي ينقل عليها: "حَمّارٌ"، وللصَّيْرفيّ: "صَرّافٌ"، وهو أكثرُ من أن يُحصَى، كـ"العَطَّار"، و"النَّقّاش". وهذا النحو إنما يُعْمِلونه فيما كان صَنْعَةً ومُعالَجةً، لتكثير الفعل، إذ صاحب الصنعة مُداوِمٌ لصنعته، فجُعل له البناء الدالٌّ على التكثير، وهو "فَعَالٌ"، بتضعيف العين؛ لأنّ التضعيف للتكثير.
وما كان من هذا ذا شيءٍ، وليس بصنعة يُعالِجها، أتوا بها على "فاعِلٍ"، وذلك لأنّ "فاعلًا" هو الأصل، وإنّما يُعدَل عنه إلى "فَعْالٍ" للمبالغة؛ فإذا لم تُرَد المبالغة؛ جيء به على الأصل, لأنّه ليس فيه تكثيرٌ. قالوا لذي الدِّرْع: "دارعٌ"، ولذي النَّبْل: "نابلٌ"، ولذي النُّشّاب: "ناشبٌ"، ولذي اللَّبَن والتَّمْر: "لابنٌ"، و"تامرٌ". قال الحُطَيْئة [من مجزوء الكامل]
٨٤٥ - وغررتَني وزعمتَ أنـ ... ـنَكَ لابِنٌ بالصَّيف تامِرْ
стр. 1363
أي: ذو لبن، وذو تمر. وقالوا لذي السِّلاح: "سالحٌ"، ولصاحب الفرس، "فارسٌ". و"فاعِلٌ" هاهنا ليس بجارٍ على الفعل، إنّما هو اسم صِيغَ لذي الشيء، ألا ترى أنّك لا تقول: "درع يدرع"، ولا "لبن يلبن".
وقالوا لصاحب النَّعْل: "ناعلٌ" ولصاحب الحِذاء: "حاذٍ"، ولصاحب اللَّحْم: "لاحمٌ"، ولصاحب الشَّحْم: "شاحمٌ". وإن كان شيءٌ من هذه الأشياء صنعةً ومَعاشًا يُداوِمها صاحبُها؛ نُسب على "فَعّالٍ"، فيقال لمن يبيع اللبن والتمر: "لَبَّانٌ"، و"تَمّارٌ"، ولمن يرمي بالنَّبْل: "نَبّالٌ". قال امرؤ القيس [من الطويل]:
٨٤٦ - وليس بذي رُمْحٍ فيَطْعَنَني به ... وليس بذي سَيْفٍ وليس بنَبّالِ
وربّما جمعوا اللفظَيْن في شيء واحد، قالوا: "رجلٌ سائفٌ، وسَيّافٌ"، وقالوا: "رجلٌ
стр. 1364
تارسٌ، وتَرّاسٌ"، أي: معه تُرْسٌ. وقالوا: هو ملازمٌ، فأجروه مجرى الصنعة والعِلاج.
وقالوا: "هَمُّ ناصبٌ"، أي: ذو نَصَب، وليس على الفعل، فهو كالدارع، والناشب، وقالوا: "رجل كاسٍ"؛ أي: ذو كُسْوة، و"طاعمٌ"، أي: ذو طَعْم، أي: آكلٌ، وهو ممّا يُذَمّ به، أي ليس له فضلٌ، غيرَ أنَّه يأكل ويشرب. قال الحُطَيئة [من البسيط]:
٨٤٧ - دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لبُغيَتِها ... واقْعُدْ فإنّك أنْتَ الطاعِمُ الكَاسِي
ومن ذلك قولهم: "حائضٌ"، و"طالق"، و"طامثٌ"، أي: ذات حَيْضٍ وطَلاقٍ وطَمْث في أصح الأقوال.
فأمّا قوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (١) فقد قال الخليل: إنّه من قبيل النسب، إلَّا أنّه يُشْكِل عليه دخولُ التاء، لأنّهم قالوا: إنما سقطت التاء من "حائضٍ"، و"طالقٍ"؛ لأنه ليس بجارٍ على الفعل، وقد ذكروا أن "عيشةً راضية" لم تجر على الفعل لأن العيشة مَرْضِية، وفعلُها "رَضِيتُ"، فحملوها على أنّها ذات رِضّى من أهلها بها، ثمّ أُثبتت الهاء فيها، فيجوز أن تكون الهاء للمبالغة على حدّها في "عَلامةٍ"، و"نَسَّابةٍ".
وهذا القبيل، وإن كان كثيرًا واسعًا، فليس بقياسٍ، بل يُتْبَع فيه ما قالوه، ولا يتجاوز، فلا يُقال لبائع البُرّ: "بَرّارٌ"، ولا لصاحب الفاكِهة: "فَكّاهٌ"، ولا لصاحب الشعِير: "شَعّار"، ولا لبائع الدَّقِيق: "دَقّاقٌ"، وإنّما يُقال: "دَقِيقيّ"، وقد قيل: "دَقّاقٌ". ومثل ذلك "الكِسائيُّ" نسبٌ على قياس النسب، والفَرّاء على قياس "البَزّاز" و"العَطّار".
стр. 1365
شَرحُ المفَصَّل للزمَخشَريّ
تأليف
موفّق الدّين أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش الموصلي المتوفيّ سنة ٦٤٣هـ
قدم له ووضع هوامشه وفهارسه الدكتور إميل بَديع يعقوب
الجزء الرابع
منشورات
محمد علي بيضون
لنشر كتب السنة والجماعة
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
стр. 1366
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت -لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله علي أشرطة كاسيت أو إدخاله علي الكمبيوتر أو برمجته علي اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا.
الطبعة الأولي
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف. شارع البحتري, بناية ملكارت
هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
стр. 1367
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ومن أصناف الاسم
أسماء العدد
فصل
قال صاحب الكتاب: هذه الأسماء أصولها اثنتا عشرة كلمة, وهي الواحد إلى العشرة، والمائة إلى الألف، وما عداها من أسامي العدد فمتشعب منها, وعامتها تشفع بأسماء المعدودات؛ لتدل على الأجناس ومقاديرها كقولك ثلاثة أبواب، وعشرة دراهم، وأحد عشر ديناراً، وعشرون رجلاً، ومائة درهم، وألف ثوب، ما خلا الواحد والاثنين؛ فإنك لا تقول فيهما واحد رجال ولا اثنا دراهم بل تلفظ باسم الجنس مفرداً وبه مثنى كقولك رجل ورجلان، فتحصل لك الدلالتان معاً بلفظة واحدة. وقد عمل على القياس المرفوض من قال [من الرجز]:
ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل (١)
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ العَدَد مصدرُ عددتُ الشيء أعُدُّه عَدًّا إذا أحصيتَه، والعددُ الاسمُ، وأسماؤه اثنا عشرَ اسمًا كما ذكَر: الواحدُ فما فَوْقَه إلى التسعة، والعشرةُ، والمائةُ، والألفُ؛ لأنّ كلّ مَرْتبة فيها تسعةُ عقود، فالآحادُ تسعةُ عقود، والعشراتُ تسعة عقود، والمئات تسعة عقود، والألُوفُ متشعّبةٌ منها، أي: مأخوذة من المراتب الثلاثة، فهي آحادُ أُلوفٍ، وعشراتُ أُلوف، ومئاتُ أُلوف، وأُلوف ألوف إلى ما لا نهايةَ له.
فأمّا قوله: "الواحد"، فاسمٌ واقع في الكلام على ضربَيْن: أحدهما أن يكون اسمًا عَلَما على هذا المقدار، كما أنّ سائر أسماء العدد كذلك، ولا يجرى وصفًا على ما قبله جَرْيَ الصفة المشتقة، وإنما حكمُه إذا قلت: "مررت برجالٍ ثلاثةٍ أو أربعةٍ" ونحوهما من أسماء العدد، حكمُ أسماء الأجناس من نحوِ: "مررت بقاعٍ عَرْفَج كلُّه"، أي: خَشِنِ، وكذلك "مررت برجالٍ ثلاثةِ"، أي: معدودةٍ، و"بثَوْبٍ خَمْسِين ذِراعًا"، أي: طويل.
وأمّا الثاني، وهو ما كان وصفًا؛ فهو أن يكون مأخوذًا من الوَحْدَة، ويجري وصفًا
стр. 1368
صريحًا، نحوَ: "مررت برجل واحد". قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١) وإذا جرى على مؤنّثٍ، أُنّث، نحوَ: "مررت بامرأة واحدة". قال الله تعالى: ﴿إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٢). وقد استعملوا "أحدًا" بمعنَى "واحد" الذي هو اسمٌ. قالوا: "أحدٌ وعشرون"، و"أحَدَ عَشَرَ" بمعنَى "واحد وعشرين"، و"واحد وعشرة". وألِفُ "أحد" هنا بدلٌ من واو، لأنّه من الوحدة، والأصلُ: "وَحَدٌ". يُقال: "واحدٌ"، و"أحَدٌ"، و"وَحَدٌ" بمعنى واحدٍ. ومنه قول النابغة [من البسيط]:
٨٤٨ - كأنّ رَحْلِي وقد زالَ النَّهارُ بنا ... بذِي الجَلِيلِ على مُسْتَأنِسٍ وَحَدِ
وقد انّثوا "أحدًا" على غير بنائه، قالوا: "إحْدَى"، ولا يستعملونه إلَّا مضمومًا إلى غيره، قال أبو عمرو: ولا تقول: "جاءني إحدى"، ولا "رأيت إحدى". وليست "أحدٌ" هذه التي في النفي من نحو "ما جاءني أحدٌ"؛ لأن معنى تلك العمومُ والكثرةُ بمعنى عَرِيبٍ ودَيّارِ، ولذلك لا تُستعمل في الواجب، وهمزتُها أصلٌ، ولا تُثنَّى، ولا تُجمع، لأن معناها يدلّ على الكثرة، فاستُغني به عن التثنية والجمع بخلاف "أحد" التي في العدد، فإنّها تجمع على "آحادٍ".
وأمّا "حاديَ" من قولهم: "حادِيَ عَشَرَ"، و"حادِي عشرين"، فكأنّه مقلوب من "واحد"، أخّروا الفاء إلى موضع اللام، وجعلوا الزيادة بعد العين, لأن الألف لا يمكن الابتداء بها، فصار وزنُ "حادي": "عالِف"، والقلبُ كثير في كلامهم من نحو: "شاكِي السِّلاحِ"، وأصله "شائِكٌ"؛ لأنه من الشَّوْكة شُبّه الحديد بالشَّوْك لخُشونته.
стр. 1369
وأمّا "اثنان"، فمحذوفُ اللام كـ"ابنين" ولامه ياء؛ لأنّه من "ثَنَيْتُ" الشيء إذا عطفتَه، وصارت الهمزة في أوّله كالعوض من المحذوف، والمؤنّثُ "اثنتان"، ألحقوا التاء للتأنيث، كما قالوا: "ابنتان"، وإن شئت قلت: "ثِنْتَيْنِ"، كـ"بِنْتَيْنِ".
فإذا عددت نوعًا من الأنواع، فلا بدّ أن تضمّ إلى اسم العدد ما يدل على نوع المعدود ليُفيد المقدار والنوعَ، لكنّهم قالوا في الواحد: "رجلٌ"، و"فرسٌ" ونحوهما فاجتمع فيه معرفةُ النوع والعدد. وكذلك إذا ثنّيت، قلت: "رجلان"، و"فرسان"، فقد اجتمع فيه العدد والنوع؛ لأن التثنية لا تكون إلَّا مع سلامة اللفظ بالواحد، فاستغنوا بدلالته على المراد عن أن يشْفعوه بغيره من أسماء الأجناس. فأمّا إذا قلت: "ثلاثةُ أفراس"؛ لم يجتمع في "ثلاثة" العددُ والنوعُ، فافتقر الحال إلى أن يُضَمّ إليه ما يدلّ على نوع المعدود، ويكون تفسيرًا له. وذلك على ضربَيْن: منه ما يُفسَّر بالنكرة المنصوبة، نحو: "أحدَ عَشَرَ درهمًا، وعشْرون دينارًا"، وقد تقدّم شرحُه في باب التمييز. ومنه ما يُفسَّر بالإضافة، وهو ما كان فيه تنوينٌ, لأنّ التنوين، لمّا كان ضعيفًا لسكونه، جاز أن يُعاقِبه المضافُ إليه، وذلك من الثلاثة إلى العشرة، نحو: "ثلاثة أثْوابٍ"، و"أربعةُ غِلْمانٍ"، و"خمسةُ أرْغِفَةٍ"، ومن ذلك "مائةُ درهمٍ"، و"ألفُ دينارٍ". وكان قياسُ الواحد والاثنين أن يضاف كلّ واحد منهما إلى ما بعده من الأنواع المعدودة، فيقال: "واحدُ رجالٍ"، و"اثنا رجالٍ"، لكن لمّا أمكن أن يُذكَر النوع باسمه، فيجتمع فيه الأمران، وكان التثنية كالواحد، إذ كانت لضرب واحد؛ أمكن فيها ذلك أيضًا فقيل فيها: "رجلان" و"غُلامان"، ولم يَسُغ ذلك في الجمع, لأنّه غيرُ محصور، ولا موقوف على عدّة معينة، فلو أراد مُريدٌ في التثنية ما يريده في الجمع، لجاز ذلك في الشعر, لأنه كان الأصل, لأنّ التثنية جمعٌ من حيث هو ضمُّ شيء إلى شيء مثله. قال الشاعر [من الرجز]:
كأنّ خُصْيَيْه من التَّدَلْدُل ... ظَرْفُ عَجُوزٍ فيه ثِنْتَا حَنْظَلِ (١)
فجاء به على أصل القياس ضرورةَ، وكان قياسُ ما عليه الاستعمالُ: "حَنْظَلَتانِ"، فاعرفه.
فصل [حكم العدد من الواحد إلي العشرة في التذكير والتأنيث]
قال صاحب الكتاب: وقد سُلك سبيل قياس التذكير والتأنيث في الواحد والاثنين, فقيل: واحدة, واثنتان, وخولف عنه في الثلاثة إلى العشرة, فأُلحقت التاء بالمذكّر, وطُرحت عن المؤنث، فقيل ثمانية رجال وثماني نسوة وعشرة رجال وعشر نسوة.
* * *
стр. 1370
قال الشارح: اعلم أن عدد المؤنّث من ثلاثة إلى عشرة بغير هاء، كقولك: "ثلاثُ نِسْوةٍ"، و"أربعُ جوارٍ"، و"عشرُ لَيالٍ"، وعددَ المذكّر بالهاء، نحو: "خمسة أبياتٍ"، و"سبعة دراهم"، و"عشرة دنانيرَ". وهذا عكس القاعدة؛ لأنّ القاعدة إثباتُ العلامة مع المؤنّث، وحذفُها مع المذكّر. وإنما كان الأمر في العدد على ما ذكر للفرق بين المذكّر والمؤنّث. وإنّما اختصّ المذكّرُ بالتاء؛ لأنّ أصل العدد قبل تعليقه على معدوده أن يكون مؤنّثًا بالتاء من نحو "ثلاثة"، و"أربعة"، ونحوهما من أسماء العدد، فإذا أردت تعليقَه على معدود هو أصلٌ وفرعٌ؛ جُعل الأصل للأصل، فأُثبتت العلامة؛ والفرعُ للفرع، فأُسقطت العلامة. فمن أجلِ هذا قلت: "ثلاثة رجالٍ"، وأربع نسوةٍ. قال الله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (١)، وقال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ (٢)، وقال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (٤).
والاعتبار في التذكير والتأنيث بالواحد، فإذا أضيف إلى ما واحده مذكّر، ألحق فيه الهاء، نحو: "ثمانية أيّام"؛ لأنّ الواحد "يَوْمٌ"، وهو مذكّرٌ، وإن أضيف إلى ما واحده مؤنّث، أسقط منه الهاء، نحو: "ثماني حِجَجٍ" لأن الواحد "حِجَّةٌ"، وهو مؤنّث، وقيل: لمّا أريد الفرق بين المذكّر والمؤنّث، وكان المذكّر أخفّ من المؤنّث، أسقطوا الهاء من المؤنّث لِيعتدِلا.
وإنّما كان أصل العدد التأنيث للمبالغة بالإشعار بقوّة التضعيف، وذلك لأنّه لا شيء فيه من قوّة التضعيف ما في العدد فيما يظهر للعقل، فأُشعر بالعلامة أنّ له المنزلة هذه، وجرت علامةُ التأنيث في العدد مجراها في مثل "علّامةٍ"، و"نسّابةٍ"، للإشعار بقوّة المبالغة في الصفة، وتضاعُفِها في المعنى. وقيل: إنّما كان أصل العدد التأنيث من قِبَل أن كلّ اسم لا يخلو مسمّاه من أن يكون عاقلًا أو غير عاقل، ومسمَّى قولنا: "ثلاثة"، و"أربعة" ونحوهما من الأعداد إنّما هو شيءٌ في الذِّهْن مجهولٌ، فصار بمنزلةِ ما لا يعقل، والإخبارُ عن جماعةِ ما لا يعقل كالإخبار عن المؤنّث المفرد، فلذلك أُنّث.
وأمّا "واحد" و"اثنان"، فقد اعتُمد فيهما قاعدةُ القياس، فأُلحقتا علامة التأنيث إذا وقعتا على مؤنّث، وأُسقطت مع المذكّر، فتقول: "واحد" في المذكّر، و"واحدة" في المؤنّث، و"اثنان" في المذكر، و"اثنتان" في المؤنّث، وإن شئت: "ثِنْتان". فمن قال: "اثنتان"، كانت التاء فيه للتأنيث بمنزلة "ابْنتان". ومن قال: "ثِنْتان"، كانت التاء فيه للإلحاق، كأنّه تثنيةُ "ثِنْت"، ملحقٌ بـ"جِذْعٍ"، فهو كـ"بنتين". وإنّما كان كذلك؛ لأنّه