← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

على الحقيقة، فكان حكمها في عدم التعدّي حكم أفعالها, لأنها فروعٌ في العمل عليها، فأقصى درجاتِها أن تُساوِيَها، وأمّا أن تفوقها فلا. وإنّما تعدّيها على التشبيه لا على الحقيقة، ألا ترى أنّك إذا قلت: "زيدٌ ضاربٌ عمرًا"، فالمعنى أن الضرب وقع بعمرو، وإذا قلت: "زيدٌ حسنُ الوجهِ"، فلست تُخْبِر أن "زيدًا" فَعَلَ بالوجه شيئًا، بل "الوجهُ" فاعلٌ في المعنى, لأنّه هو الذي حسُن، ولذلك قال سيبويه: ولا تعني أنّك أوقعتَ فعلًا، وإنّما أخبرت عن "زيد" بالحسن الذي للوجه، كما قد تصفه بذلك إذا قلت: "مررت برجل حسن الوجهِ"، وكان الأصل "مررت برجلٍ حسنٍ وجهُه"، وصفتَه بحسن وجهه، وقد يوصَف الشيء بفعلِ غيره إذا كانت بينهما وُصْلَة في اللفظ بضمير يرجع إلى الموصوف، نحوَ: "مررت برجلٍ قائمٍ أبوه" حلَّيتَه بقيام أبيه للعُلْقَة التي ذكرناها، كذلك ها هنا. واعلم أن الصفات على ثلاث مراتبَ: صفة بالجاري كاسم الفاعل واسم المفعول، وهي أقواها في العمل لقربها من الفعل، وصفةٌ مشبّهةٌ باسم الفاعل، فهي دونها في المنزلة؛ لأن المشبّه بالشيء أضعفُ منه في ذلك الباب الذي وقع فيه الشبَهُ، ثمّ المشبّهة بالمشبّهة، وهي المرتبة الثالثة، وستأتي بعدُ. فلمّا كانت الصفات المشبّهة في المرتبة الثانية، وهي فروع على أسماء الفاعلين إذ كانت محمولة عليها؛ انحطّت عنها، ونقص تصرّفُها عن تصرُّف أسماء الفاعلين، كما انحطت أسماء الفاعلين عن مرتبة الأفعال، فلا يجوز تقديم معمولها عليها كما جاز ذلك في اسم الفاعل، فلا تقول: "هذا الوجْهَ حسنٌ"، كما تقول: "هذا زيدًا ضاربٌ"، ولا تُضْمِره، فلا تقول: "هذا حسنُ الوجهِ والعينَ"، فتنصبَ "العين" على تقديرِ: و"حسن العينَ"، كما تقول: "هذا ضاربُ زيدٍ وعمرًا" على تقديرِ، و"ضاربٌ عمرًا". ولا يحسن أن تفصل بين "حسن" وما يعمل فيه، فلا تقول: "هو حسن في الدار الوجهَ، وكريمٌ فيها الأبَ"، كما تقول: "هذا ضاربٌ في الدار زيدًا"، فاسمُ الفاعل يتصرّف، ويجري مجرى الفعل لقوّة شَبَهه، وجَرَيانه عليه، وهذه الصفات مشبَّهة باسم الفاعل، والمشبّه بالشيء يكون دون ذلك الشيء في الحكم، فلذلك تعمل في شيئين لا غير؛ أحدهما: ضمير الموصوف، والثاني: ما كان من سبب الموصوف. ولا تعمل في الأجنبيّ، فتقول: "مررت برجل حسن"، فيكون في "حسن" ضميرٌ يعود إلى الموصوف، وهو في موضعِ مرفوع بـ "حسن". وتقول: "مررت برجلٍ حسنٍ وجهُه" فترفع "الوجه" بـ "حسن"، وهو من سبب "رجل". ولولا الهاء العائدة على "رجل" من "وجهه"، لم تجز المسألة. ولو قلت: "مررت برجلٍ حسنٍ عمرٌو"، لم يجز, لأن الحسن لـ "عمرو"، فلا

стр. 1472

يجوز أن يُجْعَل وصفًا لـ "رجل" إلَّا بعُلْقَةٍ، وهي الهاء التي وصفنا. وتقول: "مررت برجل كريم أبوه، وبرجل حسنةٍ جاريتُه"، وإنّما تُؤنث "حسنة"، وهي صفةٌ لمذكر, لأنّه فعلُ "الجارية"، وإنّما وُصف به "الرجل" للعلقة اللفظية التي بينهما، فإن أردت التثنية أو الجمع، لم تُثَن الصفة ولا تَجْمَع؛ لأنها بمنزلةِ فعل متقدّم، فتقول: "مررت برجل كريمٍ أبواه، وبرجالٍ كريمٍ آباءُهم"، فاعرفه. فصل [دلالتها وإضافتها إلي فاعلها] قال صاحب الكتاب: وهي تدل على معنى ثابت فإن قصد الحدوث قيل هو حاسن الآن أو غداً، وكارم وطائل. ومنه قوله : ﴿وضائق به صدرك﴾ (١) , وتضاف إلى فاعلها كقولك: كريم الحسب وحسن الوجه، وأسماء الفاعل والمفعول يجريان مجراها في ذلك فيقال ضامر البطن، وجائلة الوشاح، ومعمور الدار، ومؤدب الخُدّام. * * * قال الشارح: اعلم أن هذه الصفات وإن كانت مشبّهة باسم الفاعل، فبينهما تبايُنٌ وطريقُهما مختلف، وذلك أن "حَسَنًا" مأخوذ من فعل ماض، وأمرٌ مستقرّ، ومع ذلك فإذا أضفته إلى معموله، فلا يتعرّف، وإن كان ما أُضيف إليه معرفة، وتصف به النكرة، فتقول: "مررت برجل حسنِ الوجهِ"، وليس كذلك اسم الفاعل إذا كان في مذهبِ "حَسُنَ" من المُضيّ، بل يكون معرفة إذا أُضيف إلى معرفة. فإن قيل: فهذا زعمتم أن هذه الصفات ونحوها في معنى الماضي؛ فما بالكم تُعْمِلونها، واسم الفاعل الذي شُبّهت به إذا كان ماضيًا؛ لا يجوز أن يعمل، وهل هذا إلا إعطاء الفرع فوق مرتبة الأصل؟ قيل: هذه الصفات، وإن كانت من أفعال ماضية، إلَّا أن المعنى الذي دلّت عليه أمر مستقرٌّ ثابت متصل بحال الإخبار، ألا ترى أن "الحسن" و"الكرم" معنيان ثابتان، ومعنى الحال أن يكون موجودًا في زمن الإخبار، فلمّا كان في معنى الحال، أُعْمِل فيما بعده، ولم يخرج بذلك عن منهاج أسماء الفاعلين. فإن قُصد الحدوث في الحال، أو في ثاني الحال؛ جيء باسم الفاعل الجاري على المضارع الدال على الحال أو الاستقبال، وذلك قولك: "هذا حاسنٌ غدًا" أي: سَيَحْسُنُ، و"كارمٌ الساعةَ". ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ (٢)، أي: بَلغْ ما أُنْزِل إليك بصدرٍ فسيحٍ من غيرِ التفات إلى استكبارهم واستهزائهم. وعدل

стр. 1473

عن "ضَيق" إلى "ضائق"؛ ليدلّ على أنه ضيْقٌ عارضٌ في الحال غير ثابت. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ (١)، عدل عن "عَمِينَ" إلى "عامِينَ" لهذا المعنى، وعلى هذا تقول: "زيدٌ سيّدٌ جَوادٌ"، تريد أن السيادة والجُود ثابتان له. فإذا أردت الحدوث في الحال، أو في ثاني الحال؛ قلت: "سائدٌ"، و"جائدٌ". وقد يُعامِلون اسم الفاعل معامَلةَ الصفة المشبّهة إذا كان لازمًا له غير متعدٍّ، وذلك أن اسم الفاعل يجوز أن يرفع السببَ، فتقول: "هذا رجلٌ قائم أبوه، وقاعدٌ غلامُه"، فتصفه بفعلِ غيره للعُلْقة التي بينهما، فإذا كان غير متعدّ عاملًا في السبب، شابَهَ بابَ "الحسنُ الوجهِ"، فجاز أن تنقل الفعل إلى الموصوف، ثم تضيفه إلى من كان فاعلاً على سبيل البيان، فتقول: "هذا رجل قائمُ الأبِ" فيكون في "قائم" ضمير مرتفع به يعود إلى "الرجل"، كما كان كذلك في "الحسن الوجه". يدل على ذلك قولك: "هذه امرأة قائمةُ الأبِ"، فتأنيثُ "قائمة" دليل على ما قلناه. وقد قالوا: "هذه امرأةٌ ضامرُ البطن"، والمراد ضامرٌ بطنُها، إلَّا أنهم نقلوا الفعل إلى الموصوف على ما ذكرناه. فإن قيل: فكان ينبغي أن يقال: "ضامرةُ البطن"، فيؤنّث؛ لأنّ فيه ضميرًا مؤنّثًا يعود إلى المرأة؛ قيل: جاء ذلك على سبيل النسب، كقولهم: "تامِرٌ"، و"لابنٌ"، ومنه قولهم: "امرأة حائضٌ"، و"طاهرٌ". قال الشاعر [من السريع]: عَهْدِي بها في الحَيّ قد سُرْبِلَتْ ... هَيْفاءَ مِثْلَ المُهْرَةِ الضامر (٢) وقالوا: "امرأة جائلةُ الوِشاحِ"، والمراد: جائلٌ وشاحُها، أي: يضطرب لوفوره. والوشاح: كالقِلادة من أَدَم فيه جوهرٌ. وقالوا: "طاهرُ الذيْلِ" إذا وصفوه بالعِفّة، وقالوا في المفعول: "فلانٌ معمّورُ الدار"، والمراد: معمورة دارُه، و"مؤدَّبُ الخُدّامِ"، أي: مُؤدَّبٌ خدّامُه، أجروه مجرى "حسنُ الوجهِ". فصل [أوجه إعراب عبارة "حسن وجهه "] قال صاحب الكتاب: وفي مسألة حسن وجهه سبعة أوجه: حسن وجهه، وحسن الوجه، وحسنٌ وجهاً قال أبو زبيد [من البسيط]: ٩١١ - هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... مخطوطة جدلت شنباء أنيابا

стр. 1474

وحسن الوجه قال النابغة [من الوافر]: ٩١٢ - ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام وحسن وجه قال حميد [من الرجز]: ٩١٣ - لاحق بطن بقراً سمين

стр. 1475

وحسن وجهه قال الشماخ [من الطويل]: ٩١٤ - أقامت على ربعيهما حارتا صفاً ... كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما وحسن وجهه قال [من الرجز]: ٩١٥ - [أنعتها إني من نعاتها] ... كوم الذري وادقة سراتها * * *

стр. 1476

قال الشارح: اعلم أن هذه المسألة يجوز فيها عدّةُ أوجه: فأولّها "هذا رجلٌ حسنٌ وجهُه، وكثيرٌ مالُه"، فهذا هو الأصل, لأن الحُسْن إنّما هو للوجه، والكثرة إنّما هي للمال، ولذلك ارتفعا بفعلهما, وليس فيه نقل، ولا تغييرٌ. والهاء في "وجهه"، و"ماله" هو العائد إلى الموصوف الذي هو رجلٌ. الثاني: "مررت برجل حسن الوجهِ" بالإضافة وإدخال الألف واللام في المضاف إليه، وهو المختار بعد الأول. وإنّما كان المختار من قِبَل أنّك لمّا نقلت الفعل عن "الوجه"، وأسندته إلى ضمير الموصوف الذي كان متصلًا بالوجه للمبالغة، ووجهُ المبالغة أنك جعلتَه حسن العامّة بعد أن كان الحسن مقصورًا على الوجه؛ كان المختار الإضافة وإدخال الألف واللام في المضاف إليه. أمّا اختيار الإضافة؛ فلأنّ هذه الصفات المشبّهة بأسماء الفاعلين غيرُ مُعْتَدّ بفعلها، لأنّ أفعالها غير مؤثِّرة كـ "ضارِب" و"قاتِلٍ"، وإنّما حدث لها هذا المعنى والشَّبَهُ بأسماء الفاعلين بعد أن صارت أسماءً، وَكانت غير مستغنِية عن الاسم الذي بعدها، فأضيفت إلى ما بعدها كسائر الأسماء إذا اتّصلت بأسماء، نحو: "غلامُ زيدٍ"، و"دارُ عمرٍو"، فلذلك اختير فيها الإضافة؛ وأمّا اختيار الألف واللام في "الوجه"؛ فلأنّه إنّما كان معرفة بإضافته إلى الهاء التي هي ضمير الأوّل، فلمّا نزعوا ذلك الضمير، وجعلوه فاعلًا مستكنًّا، عوّضوا عنه الألف واللام، لئلّا يخرج عن منهاج الأصل في التعريف. وأما الثالث: وهو "هذا رجلٌ حسن وجهًا"، فيحتمل نصبُ "وجه" أمرَيْن: أحدهما: أنه منصوب بِـ "حسن" على حدّ المفعول، كما يعمل "ضاربٌ" في "زيد"

стр. 1477

إذا قلت: "هذا ضاربٌ زيدًا" على التشبيه به، كما رُفع "الوجه" في قولك: "حسنٌ وجهُه" على التشبيه به. والثاني: أن يكون منصوبًا على التمييز، كما تقول: "هذا أحسنُ منك وجهًا"، و"ما في السماء موضعُ راحةٍ سَحابًا"؛ لأنّك بيّنت بِـ "الوجه" موضع الحسن، كما بين "السحابُ" نوع المقدار، وهو نكرةٌ كما أنّه نكرة. فأمّا قوله [من البسيط]: هيفاء مُقْبِلة ... إلخ البيت لأبي زُبَيْد الطائي، والشاهد فيه نصب "أنيابًا" بـ "شنباء" لِما فيه من نيّة التنوين، إلَّا أنّه لا ينصرف، فامتناعُ التنوين منه لعدم الصرف، لا للإضافة، فهو كقولك: "هؤلاء حواجُّ بيتَ الله". وصف امرأة، قال: إذا أقبلت رأيتَ لها خَصْرًا أَهْيَف- والهَيَفُ: ضُمْرُ البطن والخصر- وإذا أدبرت رأيت لها عجيزة مُشْرِفة. والمحطوطةُ: المَلْساء الظَّهْر، يريد أنّها غير متغضنةِ الجِلْد من كِبَرٍ، وجُدلت: أُحكم خَلْقُها من الجَدِيل، وهو زِمامٌ من أَدَمٍ. الرابع: قولهم: "هذا حسنُ وجه". ومنه قولهم: "هو حديثُ عَهْدٍ بالنِّعمة". وهو مثل "حسنُ الوجهِ"، إلَّا أنّهم حذفوا الألف واللام تخفيفًا، ولأنه موضعٌ أُمِنَ فيه اللبسُ لعلم السامع أنّه لا يعني من الوجوه إلَّا وجهه، ولأنّ الوجه لا يُعرَّف حَسَنًا لأنّه في نيّة الانفصال. ويدل على تنكيره مع إضافته إلى المعرفة جوازُ دخول الألف واللام عليه في قولهم: "مررت بالرجل الحسن الوجه". فأمّا قوله [من الرجز]: لاحِق بَطْنٍ بقَرًا سَمِينِ البيت لحُمَيْدٍ الأَرْقَطِ، والشاهد فيه إضافة "لاحق" إلى "البطن" مع حذف الألف واللام، فهو بمنزلة "حسنُ وجهٍ". واعلم أن قوله "لاحق بطن" وإن كان أصله اسم فاعل كـ "ضارب" و"خارج"، فإنّما ذُكر في هذا الباب لانّه أُجْرِي مجرى الصفة المشبّهة، فقُدّر بـ "لاحقٍ بطنُه"، كما قدّر "حسنُ وجه" بـ "حسنٍ وجهُه" فـ "البطنُ" فاعلٌ في المعنى كما أن "الوجه" فاعل في المعنى، واسمُ الفاعل لا يضاف إلى الفاعل. لا تقول: "هذا ضاربُ زيدٍ"، و"زيدٌ" فاعل؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، وليس كذلك الصفة, لأنها نُقلت النقلَ الذي لا يكون في اسم الفاعل. وصف فرسًا بضُمْر البطن. واللاحقُ: الضامر، وحقيقتُه أن يلحق بطنُه ظهرَه ضُمْرًا، ثم نفى أن يكون ضُمْرُه من هُزالٍ، فقال: "بقَرًا سمينٍ". والقرا: الظَّهْر. الخامس: قولهم: "هو حسنٌ الوجهَ"، وذلك على رأي من يقول: "هو حسنٌ وجهًا"، فانتصاب "الوجه" هنا على التشبيه بالمفعول، وذلك لأنّه لما أضمر الفاعلَ في الصفة؛ جعل الثاني كالمفعول، فصار بمنزلة قولك: "هذا الضارب الرجلَ"، و"القائل

стр. 1478

الحقَّ". حملوا هنا الصفة على اسم الفاعل، فنصبوا بها، وإن كانت غير متعدّية، كما حملوا اسم الفاعل على الصفة المشبهة، حيث قالوا: "مررت بالضارب الرجلِ". وإنّما قلنا ذلك لأنّه معرفة لا يحسن نصبه على التمييز. وقد أجاز أبو علي، ومن وافقه، أن يكون منصوبًا على التمييز، وإن كان فيه الألف واللام، وذلك أنّه قال: لا فرقَ بين دخول الألف واللام وعدمها، لو قال: "هو حسنٌ وجهًا"، وإذا قد جاء "الجَمّاء الغفير"، و"فَاهُ إلى فِيَّ"، و"أرسلها العِراكَ"، فلم يمتنع من كون مثل هذا منصوبًا على الحال؛ لأنّ فائدته فائدةُ النكرة، فلم يمتنع أن يكون هذا منه، وهو وجةٌ حسنٌ لولا شناعةٌ في اللفظ. فاقا قوله [من الوافر]: ونأخذ بعده ... إلخ فإن الشاهد فيه نصب "الظهر" مع الألف واللام بـ "أجَبَّ", لأنّه في نيّة التنوين، ولو كان في غير نيّة التنوين لانجرّ ما بعده بالإضافة. وصف النغمان بن المُنْذر، وأنّه إن هلك صار الناس بعده في أَسْوَأ حالٍ، وأضيَقِ عيشٍ، وتَمسَّكوا بمثل ذنبِ بَعِيرٍ أجبَّ، وهو الذي لا سَنَام له من الهُزال، والذِّناب والذُّنابَى: هو الذَّنَبُ. السادس: وهو قولك: "مررت برجل حسنِ وَجْهِه"، بإضافة "حسن" إلى "وجهه"، كما تقول: "حسنِ الوجهِ" أجازه سيبويه (١)، قال: شبهوه بـ "حَسَنِ الوجهِ"، يعني جعلوا الإضافة مُعاقبة للألف واللام. قال: وهو رديء، يعني أنه قد جاء عن العرب مع رداءته، وذلك أن الأصل "كان زيدٌ حسن وجهُه"، فالهاء تعود إلى "زيد"، فنُقلت الهاء إلى الصفة، وصارت الصفة مُسْنَدة إلى عامّة بعد أن كانت مسندة إلى خاصّة، واستكنّ الضمير في الصفة، وصار مرفوعَ الموضع بفعله، بعد أن كان مجرور الموضع بالإضافة، فلا يحسن إعادتُها مع إسناد الصفة إليها؛ لأن أحدهما كاف، فلذلك كان رديئًا. ووجهُ جوازه جعلُ الضمير مكان الألف واللام, لأنهما يتعاقبان، وبقي الضمير الأول على حاله، فعاد إلى الأوّل ضميران: أحدهما مرفوع، والآخر مجرور بمنزلة قولك: "زيد ضاربُ غلامِه"، ففي "ضارب" ضميرٌ يعود إلى "زيد" مرفوعٌ، وفي "الغلام" ضميرٌ يعود إليه مجرورٌ. وأنشد [من الطويل]: أَمِنْ دمْنَتَيْنِ عَرَّجَ الرَّكْبُ فيهما ... بحَقْلِ الرُّخامَى قد عَفَا طَلَلاهما أقامت على رَبْعَيهما جارَتا صَفًا ... كُمَيْتَا الأعَالِي جَوْنَتا مُصْطَلاهما البيتان للشمّاخ، والشاهد في البيت الثاني في قوله: "جونتا مصطلاهما" فـ "جونتا" مثنّى بمنزلة "حسنا"، وقد أضيف إلى "مصطلاهما"، فـ "مصطلاهما" بمنزلة "وجوههما"

стр. 1479

إذا قلت: "جاءني رجلان حسنًا وجوهِهما"، فالضمير الذي في "مصطلاهما" يعود إلى قوله "جارتا صفا". أعاده بعد وإسناد الصفة إليه، فلذلك كان رديئًا. يصف الأثافي، والصَّفَا: الجَبَلُ؛ لأن الأُثفِيّتَيْن تُبْنَى في أصل الجبل في موضعَيْن، والجبل الثالث. وقوله: "كميتا الأعالي" يعني أن أعالي الأثفيّتَيْن لم تسود لبُعْدها عن مباشرَة النار، فهي على لون الخَيْل. وقوله: "جونتا مصطلاهما" يعني مُسْوَدَّتَا المصطلى، وهو موضع الوقود منهما. وقد أنكر بعض النحويين هذا الاستدلالَ، وزعم أن الضمير من "مصطلاهما" غير عائد إلى "الجارتين"، إنّما يعود إلى "الأعالي"، كأنّه قال: "كميتا الأعالي جونتا مصطلَى الأعالي"، فهو بمنزلة: "زيدٌ حسن وجهِ الأخِ جميلُ وجهِ الأخ". وذلك جيد بلا خلاف. ويجوز أن تكني عن "الأخ"، فتقول: "زيد حسنُ وجهِ الاخ جميلُ وجهِه"، والهاء تعود إلى "الأخ" لا إلى "زيد"، فإن أعدته إلى "زيد"، لم يجز، وإن أعدته إلى "الأخ"؛ جاز. كذلك قوله: "كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما" إن أعدته إلى "الأعالي" جاز، وإن أعدته إلى "الجارتَيْن"، لم يجز. فإن قلت: كيف يجوز أن يعود الضمير إلى "الأعالي" وهو جمعٌ، والمضمر مثنّى، والضمير إنّما يكون على حسبِ ما يرجع إليه؟ قيل: "الأعالي" هنا في موضع "الأعْلَيَيْن"، وذلك أن الجمع في هذا النحَو معناه التثنية، كقوله تعالى: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١) والحقيقة قلبان, لأنّه لا يكون لكلّ واحد إلاّ قلبٌ واحدٌ، فجاز أن يعود إليه الضمير مثنّى على الأصل، ونحوه قول الشاعر [من الوافر]: متى ما تَلْقَني فَرْدَيْن تَرْجُفْ ... رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُستَطارا (٢) فرد الضمير في "تستطارا" إلى "الرانفتَيْن" على الأصل. والأول: مذهب سيبويه، واستدلاله صوابٌ؛ لأنّه الظاهر، وما ذكرناه تأويلٌ على خلاف الظاهر، والأخذُ بالظاهر هو الوجه. السابع: قولهم: "مررت برجل حسنٍ وجهَهُ"، بنصب "الوجه" مع إضافته إلى ضمير الموصوف وانتصابه على التشبيه بالمفعول به، ومن نصب الوجه في قولهم: "مررت برجلٍ حسنٍ الوجهَ" على التمييز نصب هذا على التمييز، فلم يعتد بتعريفه, لأنّه قد عُلم أنّهم لا يعنون من الوجوه إلَّا وجهَ المذكور، وأنشد قولهم [من الرجز]: أَنْعَتُها إنِّيَ من نُغاتِها ... كُومَ الذُرَى وادِقةً سُرّاتِها (٣)

стр. 1480

هكذا أنشده أبو عمر الزاهد بكسر التاء من "سرّاتها"، جعله منصوبًا بـ "وادقة"، فهو مثلُ "زيدٌ حسنٌ وجهَه". ويجوز إدخال الألف واللام على الصفة، ويجوز فيها بعدُ أكثرُ الوجوه المتقدّمة، فتقول: "مررت بالرجل الحسنِ وجهُه" برفع "الوجه" هنا كما كنت ترفعه قبلُ، و"مررت بالرجل الحسنِ الوجهِ". قال سيبويه (١): وليس في العربيّة مضافٌ تدخل عليه الألف واللام غير المضاف إلى المعرفة في هذا الباب، والعلّةُ في جواز ذلك أن الإضافة لا تكسوها تعريفًا ولا تخصيصًا إذ كانت في تقدير الانفصال، وإن لم تكسها الإضافةُ تعريفًا؛ لم تمنعها من دخول الألف واللام عليها إذا احتيج إلى التعريف. وتقول: "مررت بالرجل الحسن وجهًا"، فتنصب "وجهًا" على التمييز، أو التشبيه بالمفعول به، كما كان يُنْصَب قبل دخول الألف واللام مع التنوين. ولا يجوز أن تقول: "مررت بالرجل الحسنِ وجهٍ"، كما جاز "حسنِ وجهٍ"، كرهوا أن تضاف المعرفة في اللفظ إلى نكرة، إذ كان في ذلك تناقضٌ في الظاهر مع أنّه مخالِفٌ لسائر أبواب العربيّة. وتقول: "مررت بالرجل الحسنِ الوجهَ" بنصب الوجه. قال سيبويه (٢): وهي عربية جيّدة، تنصبه مع الألف واللام كما كنت تنصبه مع التنوين إذا قلت: "حسنٌ الوجهَ"؛ لأن الألف واللام بدلٌ من التنوين. قال الشاعر [من الوافر]: ٩١٦ - فما قَوْمي بثَعْلَبَةَ بن سَعْدٍ ... ولا بفَزارَةَ الشعْرِ الرّقابَا

стр. 1481

يروى: "الشُعْرَى" بألف، وهو مؤنّث "الأشعَر" كـ "الكُبْرَى". ويروى: "الشعْرِ" بغير ألف، وهو جمع "أشعر"، كـ "أحمر وحُمْرٍ". فمن أنّث أراد القبيلة، ومن جمع أراد كلّ واحد منهم هذه صفتُه. وكانت العرب تمدح الجَلَى وخفّةَ الشَّعْر؛ كأنّه يهجوهم بكثرة شعر القَفا والوجهِ. وينشد: "الشُّعْرَى رِقابَا" من غير ألف ولام، و"الرقابا" بالألف واللام. فمن قال: "الرقابا" بالألف واللام، كان كـ "الحسن الوجهَ"، ومن قال: "رقابَا" كان كـ "الحسن وجهًا". وتقول: "مررت بالرجل الحسنِ الوجهُ" برفع "الوجه"، وفيه نظر لخُلُوّه من العائد، وهذه الصفاتُ إنّما عملُها في ضمير الموصوف، أو فيما كان من سببه، وجوازُه عند الكوفيين على تنزيل الألف واللام منزلةَ الضمير، فيكون قولهم: "الحسن الوجهُ" بمنزلِة "الحسن وجهُه". ويتأوّلون قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (١) على أن المراد: مأواه، والذي عليه الأكثرُ أنَّه على حذف العائد للعلم بموضعه. والمراد: "مررت بالرجل الحسن الوجهُ منه"، وكذلك الآيةُ، أي: "المأوى له"، والعائدُ قد يحذف تخفيفًا للعلم به، وموضعُ حذفه الصلة للطول، نحوُ: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٢) وقد يحذف من الصفة من نحو ما حكاه سيبويه من قولهم (٣): "الناس رجلان؛ رجلٌ أكرمتُ، ورجلٌ أهنتُ"، والمراد: أكرمتُه، وأهنتُه، وأنشد [من الوافر]: ٩١٧ - فما أدري أغيَّرَهم تناءٍ ... وطولُ العهدِ أم مال أصابوا

стр. 1482

أراد أصابوه، فحذف الهاء وهو يريدها. وقد يحذف من الخبر أيضًا، وهو قليل. قال الشاعر [من الرجز]: قد أصبحث أُمُّ الخِيار تَدَّعِي ... على ذَنبًا كُلُّهُ لم أَصْنَعِ (١) أراد: أصْنَعْهُ، والكثير حذفُه من الصلة للطول، ثمّ حذفُه من الصفة في الحُسْن بعد الأول، تُشبَّه الصفة بالصلة من حيث كانت الصفة والموصوف كالشيء الواحد، وهو في الخبر قليل. فأمّا قوله تعالى. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ (٢)، فقال بعضهم: إن الألف واللام أغنت عن المضمر العائد، إذ كانت مُعاقِبة للإضافة، والمراد: أبوابها. وهو ضعيف، إذ لو جاز مثل هذا، لجاز "جاءني الذي قام الغلامُ" على إرادةِ "غلامُه". وذلك لا يجوز بلا خلاف. وقال قوم -وهو رأي أكثر البصريين- إن العائد محذوف، والمراد: مفتّحةً لهم الأبواب منها. واختيارُ أبي عليّ أن تكون الصفة مسندة إلى ضمير الموصوف، فيكون على هذا في "مفتّحة" ضميرُ "الجنّات", لأنّه يقال: "فُتحت الجنّات"، إذا فُتحت أبوابُها. وفي التنزيل: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ (٣)، وتكون "الأبواب" مرتفعة على البدل من الضمير في "مفتّحة" بدلِ البعض من الكلّ، بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤). وقد أنشدوا بيت امرئ القيس [من الطويل]: ٩١٨ - كبِكْرِ المُقَانَاة البَياضِ بصُفْرَةٍ ... غَذاها نَمِيرُ الماء غيرَ مُحلَّلِ

стр. 1483

على ثلاثة أوجه: الجرّ، والنصب، والرفع، فالجرّ كقولك: "الحسن الوجهِ"، والنصب كقولك: "الحسن الوجهَ " على التشبيه باَلمفعول به، والرفع كقولك: "الحسن الوجهُ" على ما ذكرناه من إرادة العائد. فاعرفه.

стр. 1484

أفعل التفضيل فصل [صياغته] قال صاحب الكتاب: قياسه أن يصاغ من ثلاثي غير مزيد فيه ليس مما ليس بلون ولا عيب, لا يقال في "أجاب", و"انطلق", ولا في "سَمُرَ" و"عور": هو أجوب منه وأطلق ولا أسمر منه وأعور، ولكن يتوصل إلى التفضيل في نحو هذه الأفعال بأن يصاغ أفعل مما يصاغ منه ثم يميز بمصادرها كقولك: هو أجود منه جواباً، وأسرع انطلاقاً، وأشد سمرة وأقبح عوراً. * * * قال الشارح: اعلم أن هذا البناء لاِ يكون إلّا من فعل ثلاثيّ دون ما زاد عليه، وكذلك بناء "أفْعَل" التعجّبِ، نحو: "ما أفْعَلَهُ! " و"أفْعِلْ به! " فكل ما لا يجوز فيه، "ما أفعله" لا يجوز فيه: "هذا أَفْعَلُ من هذا". وإنّما جرى "هذا أفعل من هذا" مجرى التعجّب؛ لاتّفاقهما في اللفظ وتقارُبهما في المعنى. أمّا اللفظ فبناؤهما على "أَفْعَل"، فكما لا يكون "أفعل" في التعجّب ممّا زاد على الثلاثة، فكذلك لا يكون هذا في باب "أفعل من هذا"؛ لاستحالة أن يكون هذا البناء مما زاد على الثلاثة؛ لأن ذلك إنّما يكون بهمزة زائدة أولًا وثلاثةِ أحرف أصولٍ بعدها، فلو رُمْتَ بناء مثلَ ذلك ممّا زاد على الثلاثة، لزمك أن تحذف منه شيئًا، فيكون حينئذ هَدْمًا لا بناءً؛ وأما المعنى فلأنه تفضيل كما أنّه تفضيل، ألا ترى أنّك إذا قلت: "ما أعْلَمَ زيدًا! " كنت مُخْبِرًا بأنه فاق أشكالَه، وإذا قلت: "زيدٌ أعلمُ من عمرٌو"؛ فقد قضيتَ له بالسَّبْق والسُّمُوَّ عليه. فأمّا الألوان والعُيوب، فإن الخليل (١) اعتل للمنع منه بأنّ الألوان والعيوب تجري مجرى الخَلْق، نحو: "اليَد" و"الرِّجْل"، فكما لا تقول: "ما أيْداه! " ولا "ما أَرْجَلَه! " لبُعْده عن الفعل، فكذلك لا تقول: "ما أَسْوَدَه! "، ولا "ما أَعْوَرَه! "؛ لأنهما معانٍ لازمةٌ تجري مجرى الخلق، وكما لا يجوز: "ما أسوده! " ولا "ما أعوره! " لا يجوز "هذا أسود من هذا" ولا "هذا أعور". وبعضهم احتجّ بأنّ أصلها يرجع إلى ما زاد على الثلاثة، نحو:

стр. 1485

"اسْوَادَّ"، و"اسْوَدَّ"، و"اعوارّ"، و"اعورّ"، وأما "حَوِلَ"، و"عَوِرَ"، و"صَيِدَ البعيرُ" فمنقوصاتٌ من "احوالَّ"، و"اعوارّ"، فهي في الحكم زائدة على الثلاثة يدلّ على ذلك صحة الواو والياء فيها. ولولا ملاحَظةُ الأصل، لقلت: "عار"، و"حال"، و"صاد". ألا ترى أن في هذه الأفعال ما في "خاف"، و"هاب"، ونحوهما من مُوجِب القلب والإعلال. فعلى هذا لا تقول مِن "أجابَ"، و"انطلق": "هذا أَجْوَبُ من هذا"، ولا "أطلقُ منه"؛ لأن فعلَيْهما زائدان على الثلاثة، ألا ترى أن الهمزة في أوّلِ "أجاب" زائدة، والهمزة والنون من "انطلق" زائدتان. فإذا أردت التفضيل من ذلك أو التعجّب، جئت بفعل ثلاثي يفيد شدّة ذلك الأمر وثباتَه، وتنصب مصادِر تلك الأفعال المقصودة بالتفضيل أو التعجّبِ بوقوع تلك الأفعال عليها، وذلك نحو: "هذا أسرعُ انطلاقًا من غيره، وأجودُ جوابًا"، وهذا معنى قوله: "يُتوصّل إلى التفضيل بأن يصاغ أفعل ممّا يصاغ منه"، أي من الأفعال الثلاثية، "ثمّ تُميِّز بمصادرها"، أي: تُبيِّن المعنى المراد تفضيله، فتقول من الإكرام: "هو أشد إكرامًا"، ومن الكَرَم: "هو أكرمُ ". وكذلك تقول: "هو أشد سُمْرَةَ منه"، ولا تقول: "هو أسمرُ من فلان"، إلا إذا أردت معنى المُسامرة، "وهو أقبح عَوَرًا"، ولا تقول: "هو أعورُ من هذا"، وكذلك الألوان، لا تقول: "هو أحمر من هذا"، وأنت تريد الحمرة، فإن أردت معنى البَلادة، جاز، ولا تقول "هو أبيضُ من البياض"، فإن وصفتَ طائرًا بكثرة البَيْض، جاز، وعلى ذلك فقِسْ. فصل [ما شذّ منه] قال صاحب الكتاب: ومما شذ من ذلك: "هو أعطاهم للدينار والدرهم، وأولاهم للمعروف"، و"أنت أكرم لي من زيد", أي أشد إكراماً، و"هذا المكان أقفر من غيره" أي: أشد إقفاراً، و"هذا الكلام أخصر", وفي أمثالهم "أفلس من ابن المذلَّق" (١) , و"أحمق من هبنَّقة" (٢). * * *

стр. 1486

قال الشارح: اعلم أن سيبويه يجيز بناء "أَفْعَل" من كل فعل ثلاثي قياسًا، نحو: "ما أكرم زيدًا! " من "كرُم" و"ما أضربَ محمّدًا! " من "ضرب"، و"ما أعلم جعفرًا! " من "علم". وبعضهم يجيزه أيضًا ممّا كان من "أفْعَلَ"، وهو مذهب سيبويه، وذلك قولهم: "هو أعطاهم للدينار والدرهم، وأولاهم للمعروف"، و"أنت أكرمُ لي من زيد"، أي: أشدّ إكرامًا، و"المكانُ أقفرُ من غيره"، إنّما هو من "أَقْفَرَ". ومن ذلك المَثَل السائر: "هو أفلس من ابن المُذَلَّق"، وهو رجل من بني عبد شَمس فقيرٌ مُدْقِعٌ ما كان يحصل على بيت ليلةً، وآباؤه وأجداده كذلك، قال الشاعر [من الطويل]: ٩١٩ - فإنّك إذ تَرْجو تَمِيمًا ونَصْرَها ... كراجِي النَّدَى والعُرْفِ عند المُذَلَّقِ ومنه المثل الآخر: "أحمق من هَبَنَّقَةَ". وهبنّقةُ: لقب ذي الوَدَعات، واسمه يزيد بن ثَرْوانَ بن قَيْس بن ثَعْلَبَةَ، وكان يُضرَب به المثل في الحُمْق. قال الشاعر [من الخفيف]: ٩٢٠ - عِشْ بجَدٍّ وكُنْ هَبَنَّقَةَ القَيْـ ... ـسيَّ أو مثلَ شَيْبَةَ بن الوَلِيدِ

стр. 1487

وكان أبو الحسن الأخفش يجيز بناء "أفعل من كذا" من كلّ فعل ثلاثيّ لحقته زوائد قلت أو كثُرت، كـ "اسْتَفْعَل"، و"افْتَعَلَ"، و"انْفَعَلَ"؛ لأن أصلها ثلاثة أحرف. قال: وإنّما قالوا: "ما أعطاه للمال، وأولاه للخير"؛ لأنّه ثلاثي الأصل، وهذا المعنى موجود في "انطلق"، ونحوه ممّا فيه زيادة، وتابَعَه أبو العبّاس المبرّد. وهو فاسد، وذلك من قبل أن ما في أوّله همزة يجوز استعمالُه بغير همزة، ثمّ تدخل الهمزة للنقل وغيره، نحوَ قول امرئ القيس [من الطويل]: ٩٢١ - وتَعْطُو برَخصٍ غيرِ شَثْنٍ كأنّه ... أسارِيعُ ظَبْيٍ أو مَساوِيكُ إسْحِل وإذا كان أصله أن يستعمل بغير همزة، وإنّما الهمزة داخلة عليه، فجاز أن يُعتقد عدمُ دخولها، وتُقدّر الهمزة محذوفة غيرَ موجودة، وليس كذلك "استخرج"، و"انطلق"، فإن الكلمة منهما صيغت على هذا البناء، فافترق أمرُهما، فلم يجز أن يقاس على

стр. 1488

"أعطى" و"أولى"، وبابه. فعلى هذا يكون قولهم: "هو أعطاهم للدينار، والدرهم، وأولاهم للخير" شاذًّا من جهة الاستعمال لا القياس. فأمّا قول الشاعر [من الرجز]: ٩٢٢ - جاريةٌ في دِرْعها الفَضفاضِ ... أَبْيَضُ من أُختِ بني إِباضِ وقول الآخر [من البسيط]: ٩٢٣ - إذا الرجالُ شَتَوْا واشتَدَّ أَكلُهُم ... فأنت أَبْيَضُهم سرْبالَ طبّاخِ

стр. 1489

فمن اعتلّ بأنّ المانع من التعجّب من الألوان أنّها معانٍ لازمةٌ كالخَلْق الثابت، نحو: "اليَد"، و"الرِّجْل"، فهذان البيتان شاذان قياسًا واستعمالًا عنده، ومن علّل بأنّ المانع من التعجّب كونُ أفعالها زائدة على الثلاثة، فهما شاذّان عند سيبويه (١) وأصحابه من جهة القياس والاستعمال؛ أمَّا القياس فإن أفعالها ليست ثلاثية على "فعل"، ولا على "أفعل"، إنّما هو "افعلّ"، و"افعالّ"، وأما الاستعمال فأمرُه ظاهر. وأمّا عند أبي الحسن الأخفش والمبرّد، فإنّهما ونحوهما شاذّان من جهة الاستعمال صحيحان من جهة القياس؛ لأن أفعالها ثلاثية بزيادةٍ، فجاز تقديرُ حذف الزوائد. فصل [اسم التفضيل ممّا لا فعل له] قال صاحب الكتاب: وقد جاء "أفعلُ" ولا فِعْلَ له، قالوا: أحنك الشاتين, وأحنك البعيرين، وفي أمثالهم آبل من حنيف الحناتم (٢). * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إن "أَفْعَلُ من كذا" لا يصاغ إلَّا ممّا يصاغ منه فعلا التعجّب، وقد قالوا: "أحنك الشاتَيْن"، و"أَحنك البعيرَيْن" مشتق من "الحَنَك"، وهو ما تحت الذَّقَن، والقياسُ يأبى ذلك، والذي سوّغه أن المراد بقولهم: "أحنك الشاتين" أكثرهما أَكْلًا، فكأنهم قالوا: "آكَلُ الشاتين" لأن الآكِل يُحرِّك حنكَه، فلمّا كان المراد به حركتَه عند الأكل لا عَظْمَهما؛ استعملوه استعمالَ ما هو في معناه. وأمّا قولهم: "آبَلُ من حُنَيْفِ الحَناتِمِ"، فـ "حُنَيْفٌ" هذا رجلٌ من بني تَيْم اللات بن ثَعْلَبَةَ، فالمراد به الحِذْق في رَعْي الإبل، والعلمُ بذلك. ومن كلامه الدالّ على أبالته قوله: "من قاظ الشَّرَفَ، وتَربع الحَزْنَ، وتَشتّى الصَّمّانَ، فقد أصاب المَرْعَى". والشرف: في بلاد بني عامر، والحزن: من زُبالَةَ مُصْعِدًا في بلاد نَجْدٍ، والصمّانُ: في

стр. 1490

بلاد بني تميم. قال الجوهريّ (١): الصمّان موضع إلى جنب رمل عالج. وبناء "أَفْعَلُ" من هذا أسهلُ أمرًا ممّا قبله, لأنّه مأخوذ من قولهم: "أبِلَ الرجلُ" بالكسر "يَأْبَلُ" "أَبالَة" مثلِ "شَكِسَ شَكاسَةً"، فهو آبِلٌ، أي: حاذقٌ بمَصْلَحَة الإبل، فهو مأخوذ من فعل ثلاثي، كأنّهم اشتقّوا من لفظ الإبِل فعلًا، وتَصرّفوا فيه كسائر الأفعال، وأصلُ هذا المَثَلُ. فصل [قياسه وشذوذه] قال صاحب الكتاب: والقياس أن يفضل على الفاعل دون المفعول وقد شذ نحو قولهم أشغل من ذات النحيين (٢)، وأزهى من ديك (٣)، وهو أعذر منه وألوم وأشهر وأعرف وأنكر وأرجى وأخوف وأهيب وأحمد، وأنا أسر بهذا منك". قال سيبويه وهم ببيانه أعنى. * * * قال الشارح: قد تقدَّم القول: إنّه لا يبنى "أفعلُ من كذا" إلَّا ممّا يقال فيه: "ما أَفعَلَهُ"، و"أَفعِل به"، فلمّا لا يُتعجّب من فعل ما بُني للمفعول من الأفعال، نحو: "ضُرب"، و"شُتم"، فلا يقال: "ما أَضْرَبَهُ! " ولا "أَضْرِبْ به! " وقد وقع به الضربُ، فكذلك لا يقال: "هو أضرب من فلان"، ويكون مضروبًا؛ لأنهم لو فعلوا ذلك، لوقع لبسٌ بين التعجّب من الفاعل، وبيّن التعجّب من المفعول، ولأن التعجّب إنّما يكون مما يكثر حتى صار كالغَريزة له، والضربُ ونحوه إذا وقع بالمحلّ؛ فليس من فعل المفعول، إنّما هو للفاعل، فلا يصير فعلُ غيره غريزةً له, لأنّ الغريزة ما كان خِلْقة في المحلّ كالسواد والبياض، فإذا تكرّر الفعلُ من الفاعل، جُعل كالغريزة. والموجودُ من المضروب إنّما هو الاحتمال والتمرّن لا نفس الضرب. فإن تعجّبتَ من الاحتمال والتمرّن، جاز

стр. 1491

لأنهما من فعله، وإن تعجّبتَ من الضرب؛ لم يجز لأنّه ليس له، ولذلك لا يبنى منه "أفعل من كذا". وقد جاء من ذلك ألفاط يسيرة تُحْفَظ حِفْظًا، ولا يقاس عليها، ولذلك قال: "القياس أن يفضَّل على الفاعل دون المفعول"، وقد شذّت ألفاطٌ يسيرة متأوَّلة؛ من ذلك قولهم في المثل: "أشغلُ من ذات النِّحْيَيْن"، وهي قِصّة خَوّات بن جُبَيْر الأنصاري مع امرأة من العرب، أتت سُوقَ عُكاظٍ، ومعها نِحْيا سمن، فاعترضها خوّاتٌ، وفتح فم أحد النحيين، وذاقَه، ودفعه إليها، فأمسكته بيَدها الواحدة، ثمّ فتح فم الآخر، ودفعه إليها، فأمسكته بيدها الأخرى، فاشتغلت يداها بتمسُّك فمَي النحيين، ثم واقَعَها، فضُرب المثل بها في الاشتغال. والذي سهّل ذلك أنّها وإن كانت مشغولة، فهي ذات شُغْل، ويجوز أن يكون المراد: أشغل من ذات النحيين ليَدَيْها، فلا يكون حينئذ شاذًا، وكذلك سائرُ ما ذكر من قوله: "أزهَى من دِيكٍ"، و"هو أعذر منه"، و"ألوَمُ"، و"أشهر"، ألا ترى أنّه ذو زَهْو، وذو عُذْر، وذو لَوْم، وذو اشتهار؟ وكذلك البقية، فاعرفه. فصل [تعريفه بـ "أل" وتجرّده منها] قال صاحب الكتاب: وتعتوره حالتان متضادتان: لزوم التنكير عند مصاحبة "من"، ولزوم التعريف عند مفارقتها, فلا يقال: "زيدٌ الأفضل من عمرو", ولا "زيدٌ أفضل", وكذلك مؤنثه وتثنيتهما وجمعهما، لا يقال فضلى ولا أفضلان ولا فُضليان ولا أفاضل ولا فضليات ولا فُضَلُ، بل الواجب تعريف ذلك باللام أو بالإضافة، كقولك الأفضل والفضلى وأفضل الرجال وفضلى النساء. * * * قال الشارح: هذا الضرب من الصفات موضوع للتفضيل، وأصله أن يكون موصولًا بـ "مِنْ"، و"مِنْ" فيه لابتداء الغاية، فإذا قلت: "زيد أفضل من عمرو"، فالمراد أن فضله ابتدأ راقيًا من فضل عمرو، وكل من كان مقدارُ فضله كفضل عمرو، فكأنّك قلت: "علا فضلُه على هذا المقدار"، فعلم المخاطب أنّه علا عن هذا الابتداء، ولم يعلم موضع الانتهاء، فصار كقولك: "سار زيدٌ من بغدادَ"، فعُلم الموضع الذي ابتدأ سيرُه منه، وتجاوزه، ولم يعلم أين انتهى، فلمّا كان معنى الباب الدلالةَ على ابتداء التفضيل؛ لم يكن بد مِن "مِنْ" ظاهرة، أو مضمرة، لإفادة المعنى المذكور، ولا يجوز تعريفه - والحالةُ هذه- لا بالألف واللام، ولا بالإضافة, لأنّه بمنزلة الفعل، والفعل لا يكون إلَّا نكرة، لأنّه موضوع للخبر، والمراد من الخبر الفائدة، فلو عُرّف لم يبق مُفيدًا.

стр. 1492

وإنّما قلنا إنه في معنى الفعل لأمرَيْن: أحدهما: أنّك إذا قلت: "زيدٌ أفضل منك" فإنّما المراد أن فضله يزيد على فضلك، فهو عبارة عن الفعل. والأمر الثاني: أنّه متضمِّنٌ المصدر وزيادةً، فكان كالفعل الدال على الحدث والزمان، فلمّا كان الفعل لا يضاف، ولا تدخله لامُ التعريف؛ لم تدخل على ما هو في معناه، فلذلك لا تقول: "زيد الأفضل من عمرو"، ولا "الأحسن من خالد" لِما ذكرناه، ولأنّ "مِنْ" تَكْسِب ما تتّصل به من "أَفْعَلَ" هذه تخصيصًا ما. ألا ترى أن فيه إخبارًا بابتداء التفضيل وزيادة الفضل من المفضول؟ وهذا اختصاصُ الموصوف بهذه الصفة، و"من" ها هنا وقع بعد الفضل من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ﴾ (١). فلمّا كانت "مِنْ" للتخصيص، واللامُ إذا دخلت عليه استوعبت من التعريف أكثرَ ممّا تفيده "مِنْ" من التخصيص، كرهوا الجمع بينهما، فيكون نقضًا لغرضهم وتراجعًا عما حكموا به من قوّة التعريف إلى ما هو دونه، فلمّا لم يجز الجمع بين اللام و"مِنْ" لِما ذكرناه، عاقبوا بينهما؛ فإذا وُجد أحدهما، سقط الآخر، ولم يجز أن يسقطا معًا، لئلا يذهب ذلك القدر من التخصيص المفاد من "مِنْ" والتعريفِ المفاد من الألف واللام، لا يقال: "زيد الأفضل من عمرو"، ولا "الأحسن من خالد"، ولا يقال: "زيدٌ أفضلُ". وكذلك مؤنّثه وتثنيتهما وجمعهما، لا يقال: "فُضْلَى"، ولا "أفضلان"، ولا "فُضْلَيان"، ولا "أفاضِلُ"، ولا "فُضْلَياتٌ"، ولا "فُضَل". لا بد من "مِنْ" أو التعريف بالألف واللام، أو الإضافة، لِما ذكرناه. فصل [أحكامه مع "مِنْ" وبدونها] قال صاحب الكتاب: وما دام مصحوباً بـ "مِنْ" استوى فيه الذكر والأنثى والاثنان والجمع, فإذا عرف باللام, أُنّث وثني وجمع، وإذا أضيف ساغ فيه الأمران, قال الله تعالى: ﴿أكابر مجرميها﴾ (٢) , وقال: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ (٣) , وقال ذو الرمة [من الوافر]: ٩٢٤ - ومية أحسن الثقلين جيداً ... وسالفة وأحسنه قذالا * * *

стр. 1493

قال الشارح: قد تقدّم القول: إنّ "أفعل منك" موضوع للتفضيل، وهو بمنزلة الفعل، إذ كان عبارة عنه ودالًّا على المصدر والزيادة، كدلالة الفعل على المصدر والزمان، فمنع التعريف كما لا يكون الفعل معرَّفًا، ومنع التثنية والجمع كما لا يكون الفعل مثنّى ولا مجموعًا، وكذلك لا يجوز تأنيثه، إنّما تقول: "هندٌ أفضل منك" من غير تأنيث، وذلك لأن التقدير: "هندٌ يزيد فضلُها على فضلك"، فكأن "أفعل" ينتظم معنى الفعل والمصدر، وكل واحد من الفعل والمصدر مذكّرٌ، لا طريقَ إلى تأنيثه. فإن قيل: فأنت تقول: "قامت المرأة"، و"انطلقت الجارية"، فتُلْحِق الفعلَ علمَ التأنيث، فما بالُك لا تفعل ذلك فيما كان في معناه؟ فالجواب أن الفعل نفسه لا يؤنّث، فإذا قلت: "قامت هندٌ"، فالعلامةُ إنّما لحقته لتأنيث الفاعل، بدليلِ أنّها لا تلحقه إلَّا إذا كان الفاعل مؤنّثًا للإيذان بأنّ الفعل مسندٌ إلى مؤنّث، ولو كان ذلك التأنيث للفعل نفسه، لجاز تأنيثُه مع الفاعل المذكّر، نحو: "قامت زيدٌ"، وذلك لا يقوله أحدٌ، وهذا أحدُ ما يدلّ على اتّحاد الفاعل والفعل، وأنّهما كالشيء الواحد. فأمّا إذا أدخلت الألف واللام، نحو: "زيدٌ الأفضل"، خرج عن أن يكون بمعنى الفعل، وصار بمعنى الفاعل، واستغنى عن "مِنْ" والإضافةِ، وعُلم أنّه قد بأنّ بالفضل، فحينئذ يؤئث إذا أريد المؤنّث، ويثنّى، ويجمع، فتقول: "زيد الأفضل"، و"الزيدان الأفضلان"، و"الزيدون الأفضلون، والأفاضلُ"، و"هندٌ الفُضْلَى"، و"الهندان الفُضْلَيان"، و"الهندات الفُضْلَيات"، و"الفُضَلُ" إن شئت تثني، وتجمع، وتؤنّث، كما تفعل بالفاعل، لأنه في معناه. فأمّا إذا أضيف، ساغ فيه الأمران: الإفراد في كلّ حال، تقول: "زيدٌ أفضلكم"، و"الزيدان أفضلُكم"، و"الزيدون أفضلُكم"، وتقول في المؤنّث: "هند أفضلكم"،

стр. 1494

و"الهندان أفضلكم"، و"الهندات أفضلكم"، والتثنيةُ والجمع إذا وقع على مثنّى أو مجموع، نحو قوله تعالى: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ (١)، والمعنى بقولنا: "زيد أفضل منكم"، و"زيد أفضلُكم" واحدٌ، إلَّا إنّك إذا أتيت بـ "مِنْ"؛ فـ "زيدٌ" منفصل ممن فضلتَه عليه، وإذا أضفته، كان واحدًا منهم. وإنّما جاز الأمران فيما أضيف, لأن الإضافة تُعاقِب الألف واللام، وتجري مجراها، فكما أنّك تؤنّث وتثنّي وتجمع مع الألف واللام، كذلك تفعل مع الإضافة التي هي بمنزلةِ ما فيه الألف واللام. وأمّا علّة الإفراد، فلأنّك إذا أضفته، كان بعضَ ما تضيفه إليه، تقول: "حمارُك خير الحَمِير"؛ لأن الحمار بعض الحمير، ولو قلت: "حمارك أفضل الناس"، لم يجز؛ لأنّه ليس منهم, لأن الغرض تفضيل الشيء على جنسه، وإذا كان كذلك، فهو مضارع للبَعْض الذي يقع للمذكر والمؤنّث والتثنية والجمع بلفظ واحد، فلم يُثَنَّ، ولم يجمع، ولم يؤنّث كما أن البعض كذلك، فأمّا قوله [من الوافر]: وميّة أحسن ... إلخ فالشاهد فيه تذكير "أفعل" وإن كان جاريًا على مؤنّث، ألا ترى أنَّه قال: "أحسن الثقلين"، وهو خبرٌ عن "ميّة"؛ فأمّا الإفراد الراجع في قوله: "أحسنه قذالا"، وإن كان ما تقدّم تثنيةً في معنى جمع؛ فذلك من قبل أنّه موضعٌ يكثر فيه استعمالُ الواحد، كقولهم: "هو أحسنُ فَتى في الناس"، وإن كان الأصل الجمع، والواحدُ واقعٌ موقعه، فتُرك الأصل، فوجب الوضعُ على الإفراد، لأنّه ممّا يُؤْلَف، وعلى ذلك يقولون: "هو أحسن الرجال، وأجملُه". واعلم أنّه متى أضيف "أفعل" على معنى "مِنْ"؛ فهو نكرة عند بعضهم، وعليه الكوفيون، وإذا أضيف على معنى اللام؛ فهو معرفة. وفي قول البصريين المتقدّمين إنّه معرفة على كل حال، إلَّا إذا أضيف إلى نكرة، والمتأخرون يجعلونه نكرة؛ لأن المضاف إليه مرفوع في المعنى، والأوّل القياس. مَيَّةُ: اسم امرأة يُشبّب بها. والثَّقَلان: الجِنّ والإنْس، والجِيد: العُنُق، والجَيَد: بالتحريك طول العنق وحُسْنُه، والسالفة: مُقدم العنق من لدن معلق القُرْط إلى الترْقُوَة، والقَذال: مُؤخر الرأس، وهو مَعْقِد العِذار من الفرس، يصف المرأة بحسن التفصيل، فاعرفه. فصل [ما حُذفتْ منه "مِنْ" وهي مقدَّرة] قال صاحب الكتاب: ومما حذفت منه "مِنْ", وهي مقدرة قوله : ﴿يعلم

стр. 1495

السر وأخفى﴾ (١) , أي: وأخفي من السرّ, وقول الشاعر [من الرجز]: يا ليتها كانت لأهلي إبلا ... أو هزلت في جدب عام أولا (٢) أي: أول من هذا العام, و"أول" من "أفعل" الذي لا فعل له كـ "آبل", ومما يدل على أنه "أفعلُ": الأولى والأول. ومما حذفت منه "مِنْ" قولك: الله أكبر وقول الفرزدق [من الكامل]: ٩٢٥ - إن الذي سمك السماء بني لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول * * * قال الشارح: اعلم أنهم قد يحذفون "مِنْ" من "أفعل" إذا أريد به التفضيل، ومعنى الفعل، وهم يريدونها، فتكون كالمنطوق بها، نحو: "زيد أكرم وأفضل"، فلم تأت بألف ولام، كما لم تأت بها مِع "مِنْ"؛ لأن الموجود حكمًا كالموجود لفظًا، ومنه قوله : ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (٣) أي: أخفى منه، أي: من السرّ، وهو حديث النفس.

стр. 1496

والذي يدل على إرادةِ "مِنْ" أن "أخفى" لا ينصرف، كما لا ينصرف "آخَرُ" من قولك: "مررت برجلٍ آخرَ"، إذا أردت "مِنْ" معه، وإن لم تذكره، وهذا الحذف يكثر في الخبر، ويقل في الصفة، وذلك من قبل أن الغرض من الخبر إنّما هو الفائدة، وقد يُكتفى في حصولها بقرينةٍ. فأمّا الصفة فإنّها في الكلام على ضربَيْن: إمّا التخليص والتخصيص، وإمّا المدح والثناء، وكلاهما من مَقامات الإسهاب والإطناب، لا من مَظان الإيجاز والاختصار، وإذا كان كذلك لم يَلِق الحذفُ بها. ومن ذلك "أَوَّلُ" من قولك: "ما رأيتُه مذ عام أوّلُ"، أي: "أوّلُ من هذا العام"، فـ "أوّلُ" وصفٌ على زنة "أَفْعَلَ" فاؤه وعينه واوٌ، ولم يستعملوا منه فعلاً. والذي يدل على ما قلناه قولهم في المؤنث: "أُولَى"، والأصل: "وُولى" بواوَيْن، فقُلبت الأولى التي هي فاء همزة؛ لاجتماع الواوَين على حد "وُقِيَّةٍ"، و"أَواقٍ"، وجمعُ المؤنث "أُوَلُ" على حد "الأَصْغَر"، و"الصُّغْرَى"، و"الصُّغَر"، و"الأكبر"، و"الكبرى"، و"الكبر"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (١) فـ "أَوَّلُ" "أَفْعَلُ"، و"أُولَى" "فُعْلَى"، و"أُوَلٌ" "فُعَلٌ"، وهو وإن كان صفة، فإنّهم قد اتسعوا فيه، واستعملوه استعمالَ الأسماء، فقالوا: "مررت بأوّل منه"، ولم يقولوا: "رجلٌ أوّل". ولم يُخْرجه هذا الاتّساعُ عن كونه وصفًا، ألا ترى أن "الأبطح"، و"الأجرع"، وإن كانا قد استُعملا استعمالَ الأسماء حتى يسري إليهما تكسيرُها، فقالوا: "الأباطح"، و"الأجارع"؛ لم يُخْرِجهما ذلك عن الوصفيّة، فلذلك لا ينصرفان كما لم ينصرف نحو "أبيض" و"أصفر"؟ فأمّا رفضهم استعمالَ الفعل منه؛ فلأنّ الفعل يتصرّف بالماضي والمستقبل، والأمر والنهي، فلو استعملوا منه فعلاً، لكان يتكرّر فيه حرف العلّة. وإذا كانوا قد تركوا تصريفَ ما لا يتكرّر فيه هذه الحروف كاستعمال ماضي "يَدَعُ"، ومضارع "عَسَى"، وقالوا: "رجلٌ آبَلُ الناس"، ولم يلفظوا منه بفعل، فإذا جاء هذا النحو من الصحيح غيرَ متصرّف؛ فأن لا يصرّفوا نحو: "أوّل" كان أَوْلى. وإذا ثبت أنه "أَفْعَلُ" صفةً؛ فالوجهُ أن يكون متصلًا بـ "مِنْ"، كما أنّ سائر ما كان مثله كذلك. فإذا حذفت "مِنْ" وأنت تريده، لم تصرف الاسم؛ لأنّه يكون في حكم الموجود، وإن حذفته -وأنت لا تريده- صرفته، وكان كسائر الأسماء، نحو: "أَفْكَلِ" لأنّه إنّما يكون صفة إذا كان معه "مِنْ". وعلى هذا لو سمّيت رجلًا بـ "أفضل"، كان كـ "أَحْمَر"، فلو نكّرته، لانصرف بلا خلاف، ولا يكون كـ "أحمر" إذا سُمّي به, لأنّه إنّما يكون صفة إذا كان معه "مِنْ" وقد استُعمل "أوّل" الذي هو صفة ظرفًا. قال سيبويه (٢):

стр. 1497

سألتُه، يعني الخليل، عن قولهم: "مذ عام أوّل"، فقال: جعلوه ظرفًا في هذا المكان، فكأنه: "مذ عام قبلَ عامِك". وقد استُعملت أشياء من الصفات ظروفًا، نحو استعمالهم "أَسْفَلَ" ظرفًا من قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ (١)، وكاستعمالهم "قَرِيبًا" في قولهم: "إن قريبًا منك زيدًا"، و"مَلِيًّا" من "النهار". فيحصل من ذلك أن "أوّل" على ثلاثة أضرب: تكون صفة على تقدير "مِنْ"، وتكون ظرفًا، وتكون اسمًا، وذلك إذا حذفت منها "مِنْ" وأنت لا تريدها، فعلى هذا يجوز أن تكون "أوّل" من قوله [من الرجز]: يا ليتها كانت ... إلخ مخفوضًا على الصفة لـ "عام" إلَّا أنّه لا ينصرف، ويجوز أن يكون منصوبًا على الظرف، وهذا المستعملُ ظرفًا هو المبني على الغاية من قولهم: "اِبْدَأ به أوّلُ"، وقوله [من الطويل]: لَعَمْرُكَ ما أَدْرِي وإنّي لأَوْجَلُ ... على أَيِّنَا تَغْدُو المَنِيةُ أَوَّلُ (٢) إذا قدّرت فيه حذف الإضافة، ألا ترى أن مُعْظَم هذا القبيل الذي هو غاية إنّما هو ظروفٌ، وأن ما ليس بظرف ممّا قد حُذف منه المضاف إليه، لم يُبْنَ، وذلك قولهم: "جاءني كلٌّ قائمًا". وقال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٣). وذهب أبو الحسن الأخفش في قولهم: "ليس غيرُ" على أنه على حذف المضاف إليه، وكذلك قال في قول العجّاج [من الرجز] ٩٢٦ - خالَطَ من سَلْمَى خَياشِيمَ وفَا

стр. 1498

وزعم أن منهم من ينوّن، فيقول: "ليس غيرٌ"، وإذا كانت هذه المبنيّة ظرفًا، وجب أن تكون "أوّل" المبنية ظرفًا أيضًا، ولا تكون ظرفًا حتى تكون صفةً، ولا تكون صفة حتى تكون "مِنْ" معها مرادة، أو مضافةً إلى ما يُعاقِب الإضافةَ؛ وأمّا الاسم، فهو ما حذف منه "مِنْ" وليست مرادة، نحو قولهم: "ما تركتُ له أوّلًا، ولا آخِرًا"، أي: قديمًا ولا حديثًا؛ فأمّا قوله: يا ليتها كانت .... إلخ فالشاهد فيه حذف "مِنْ" من الصفة، وهو يريدها، ولذلك لم يصرف "أوّل"، وهو مخفوض على الصفة لـ "عام"، ويجوز أن يكون منصوبًا على الظرف، أي: في جدب عامٍ قبلَ هذا العام، يتحسّر على ذهاب إبله في أخصبِ سنة، ويتمنّى لو أنها غَنِمَها أهلُه، أو هلكت في عام الجدب. وقالوا: "الله أكبرُ"، والمراد أكبر من كلّ شيء، يدل على ذلك أنّه لو لم تكن "مِنْ" مرادة؛ لوجب صرف الاسم كما وجب صرفُ "أفكَل" ونحوه ممّا هو على "أفعل"، ولا معنى للوصف فيه، وإذا لم ينصرف، دلّ على أن "مِنْ" مرادة، وأنّها كانت محذوفة من اللفظ، فهي في حُكم المُثْبَت. ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١)، ويجوز أن يكون "أهون" ها هنا بمعنَى "هَيّن"؛ لأنّه سبحانه ليس عليه شيء أهونَ من شيء. فأمّا قول الفردزق: إن الذي سمك السماء ... إلخ فالشاهد فيه حذفُ "مِنْ" أيضًا، أي أعزّ من غيره، وأطول من غيره، "وأطول" ها هنا من "الطَّوْل" الذي هو الفضل، لا من "الطُّول" الذي هو ضدّ القِصَر، ودلّ على إرادة "مِنْ" امتناعه من الصرف. يصف قومه وبيته، وأنّ دعائم بيته أعزُّ دعامة وأكرمُها، فاعرفه. فصل [حكم "آخر "] قال صاحب الكتاب: ولآخر شأن ليس لأخواته, وهو أنه التزم فيه حذف "مِنْ" في حال التنكير، تقول: "جاءني زيدٌ آخر"، و"مررت به وبآخر", ولم يستو فيه ما استوى في أخواته حيث قالوا: "مررت بآخرَين, وآخرِين, وأُخرى, وأخريين, وأُخر وأخريات". * * * قال الشارح: "آخَرُ": "أفعلُ" صفةً، و"مِنْ" محذوفة منه مرادة في التقدير، ولذلك

стр. 1499

لا ينصرف، وقضيّةُ الدليل أن يستوي فيه المذكر والمؤنّث والتثنية والجمع، كما لو كانت "مِنْ" ملفوظًا بها، إلاّ أنّهم لمّا كثرُ حذف "مِنْ" معها، وكثُر استعمالها مفْرَدةً من الموصوف، نحو: "مررت برجل كذا وبآخَرَ كذا"، أجروها مجرى الأسماء، فثنّوها، وجمعوها، وأنّثوها، فقالوا: "مررت بآخرَيْنِ، وبآخِرينَ". قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (١). وفي المؤنّث: "أخرى"، وفي التثنية "أُخرَيانِ"، وفي الجمع "أُخَرُ". قال الله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٢). وقالوا: "أُخْرَيات" أيضًا، قال [من البسيط]: ٩٢٧ - [حتى إذا ما جلا عن وَجْهه فَلَقٌ ... هاديهِ] في أُخْرَياتِ الليلِ مُنْتَصِبُ فصار لها حكمان: حكم الصفة في منع الصرف، وحكم الأسماء في التأنيث والتثنية والجمع، وهذا معنى قوله: "ولآخَرَ شأنٌ ليس لأخواته"، أي: إنّ أخواته إذا حذفت منها "مِنْ" وهي مرادة؛ استوى فيها المذكّر والمؤنّث والمثنّى والمجموع، وإذا حذفت منها "مِنْ" ولم يريدوها؛ أجروها مجرى الأسماء في التثنية والجمع، و"آخَرُ" قد أخذ حَظًّا من الطرَفَيْن، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى. فصل [استخدام "دُنيا" و"جُلّي" بغير "ألْ "] قال صاحب الكتاب: وقد استعملت "دُنيا" بغير ألف ولام, قال العجاج [من الرجز]: ٩٢٨ - في سعي دُنيا طالما قد مُدت

стр. 1500

لأنها غلبت, فاختلطت بالأسماء, ونحوها جلى في قوله [من البسيط]: ٩٢٩ - وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... [يومًا سراة كرام الناس فادعينا وأما "حسنى" فيمن قرأ ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ (١) , و"سُوءى" فيمن أنشد [من الوافر]: ٩٣٠ - ولا يجزون من حسن بسوءى ... [ولا يجزون من غلط بلين]

стр. 1501

فليستا بتأنيثي أحسن وأسوأ بل هما مصدران كالرجعى والبشرى. وقد خطيء ابن هانيء في قوله [من البسيط]: ٩٣١ - كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... [حصباء در علي أرض من الذهب] وقول الأعشى [من السريع]: ولست بالأكثر منهم حصى ... [وإنما العزة للكاثر] (١) ليست "مِنْ" فيه بالتي نحن بصددها, هي نحو "مِنْ" في قولك: "أنت منهم الفارس الشجاع" أي: من بينهم. * * *

стр. 1502

قال الشارح: القياس في "دُنْيَا" أن يكون بالألف واللام, لأنّه صفة في الأصل على زنةِ "فُعلَى" ومذكّره "الأدنَى"، مثلُ "الأكبر" و"الكبرى"، وهو من "دَنَوْتُ"، فقلبت الواو في "الأدنى" ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وذلك بعد قلبها ياء لوقوعها رابعة. وقد تقدَّم أن الألف واللام تلزم هذه الصفة، إلّا أنّهم استعملوا "دنيا" استعمالَ الأسماء، فلا يكادون يذكرون معه الموصوف، ولذلك قلبوا اللام منه ياء لضرب من التعادل والعوض، كأنّهم أرادوا بذلك الفرق بين الاسم والصفة، فلمّا غلب عليها حكمُ الأسماء؛ أجروها مجرى الأسماء، وكانت الألف واللام لا تلزم الاسم، فاستعملوها بغير ألف ولام كسائر الأسماء. فأمّا قول العجّاج [من الرجز]: يومَ ترى النفوسُ ما أَعَدَّتِ ... في سَعْيِ دُنْيَا طالَمَا قد مُدَّتِ فالشاهد استعمالها نكرة من غير ألف ولام، إجراء لها مجرى الأسماء؛ لكثرة استعمالها من غير تقدّم موصوف. يصف أمر الآخرة، ويُرغب في السعي لها، والسعي يسُتعمل في الخير، والسِّعاية في الشرّ؛ فأمّا "جُلَّى" من قوله [من البسيط]: وإن دَعَوْتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ ... يومًا سَراةَ كِرامِ الناسِ فادْعِينا البيت من شعر الحماسة لبعض بني قَيْس بن ثَعْلَبَةَ، وقيل: إنّه لَبشامَةَ بن حَزْن النَّهْشَلي. والشاهد فيه قوله: "جُلَّى" من غير ألف ولام، ولا إضافه، فالجيد أن يكون مصدرًا، كـ "الرُّجعَى" بمعنى الرجوع، و"البُشْرَى" بمعنى البِشارة، وليس بتأنيث "الأجلّ" على حد "الأكبر"، و"الكبرى"؛ لأنّه إذا كان مصدرًا، جاز تعريفه وتنكيره، فتقول: "بشرته بُشرَى والبشرى"، و"رجعتُه رُجعَى والرُّجعَى"، فلذلك حملناه على المصدر، ولم نحمله على الصفة. يقول إن أشدتِ بذكر خيار الناس لجليلةٍ نابت، أو مكرمةٍ عرضتْ؛ فأشيدي بذكرنا. وظاهرُ هذا الكلام استعطافٌ لها. وسَراةُ القوم: سادتُهم، والجمع السَّرَوات، ورجلٌ سَرِيّ: بين السَّرْوِ، والكِرام هنا: الذين يحمون، ويدفعون الضَّيْم، ومثله ما حكى أن بعضهم قرأ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (١) فإن حُمل على الصفة؛ كان شاذًّا، والجيد أن يحمل على المصدر لما ذكرناه من أن المصدر يكون معرفة ونكرة، وكذلك "سُوءَى" من قول أبي الغُول الطهويّ [من الوافر]: ولا يَجْزُون من حَسَنٍ بسُوءَى ... ولا يجزون من غِلظٍ بلِينِ الشاهد فيه قوله: "بسوءى"، ويروى على ثلاثة أوجه: بسَوْءٍ، وبسَيْءٍ، وبُسوءَى، فمن رواه: "بسَوء" فهو مصدرُ "ساءَه يَسُوؤُه سَوءًا، وسُوءًا"، وهو نقيضُ "سَرَّه يَسُرَّه سُرُورًا" ومن قال: "بسَيءٍ" جعله صفة، وأصله "سَيِّىءٌ" بالتشديد على حدّ "جيّد"، و"سيّد" وإنّما خفّفه

стр. 1503

بحذف إحدى الياءين كما يقولون: "هَيْنٌ"، و"لَيْنٌ" ومن قال: "سُوءَي" ففيه نَظَرٌ: إن جعلته صفة، كان شاذًّا، وصحّةُ مَحَله أن تجعله مصدرًا على ما تقدَّم. والمعنى أنهم يجزون كُلًّا بفعله، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌّ، وهو خلاف قول العَنْبريّ [من البسيط]: ٩٣٢ - يجزون من ظُلْمِ أهلِ الظُّلْم مَغْفِرَة ... ومن إساءة أهل السوْء إحسانَا فأمّا قول ابن هانِيء [من البسيط]: كان صُغْرَى وكُبْرَى من فَواقِعها ... حَصْباءُ دُرٍّ على أرضٍ من الذَّهَبِ فقد عابه بعضهم؛ لكونه استعملها نكرة، وهذا الضرب من الصفات لا يُستعمل إلّا معرّفًا. والاعتذار عنه أنّه استعمله استعمالَ الأسماء؛ لكثرة ما يجيء منه بغير تقدّم موصوف، نحو: "صغيرة"، و"كبيرة"، فصار كـ "الصاحب"، و"الأجرع"، و"الأبطح"، فاستعمله لذلك نكرةً. ويجوز أن يكون لم يُرِد فيه التفضيل، بل معنى الفاعل، كأنّه قال: "كأنّ صغيرة وكبيرة من فواقعها" على حد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١) في أحد القولَيْن. يقال: "فاقِعَةٌ وفُقاعَةٌ"، وجمع "الفُقّاعة": "الفَقاقِيعُ" وهي النفّاخات التي تكون على وجه الماء. يصف خَمْرًا، وما عليه من الحَبَب، شبّه الحبب بالدرّ، وهو اللؤئؤ، والخمرَ تحته بأرض من ذهب، ولقد أحسن. وأما قول الأعشى [من السريع]: ولستَ بالأكثرِ منهم حَصّى ... وإنّما العِزةُ للكاثرِ (٢) فقد تَعلّق بظاهره الجاحظُ، وزعم أنّ في ذلك نقضًا لِما أصّله النحويون من امتناع الجمع بين الألف واللام و"مِنْ" في هذا الضرب من الصفات. والوجه في ذلك أن يكون "منهم" في موضع الحال من تاء "لستَ"، كقولك: "لست منهم بالكثير مالًا"، و"ما أنت

стр. 1504

منهم بالحسن وَجْها"، أي: لست من بينهم، وفي جملتهم بهذه الصفة، وليست "من" التي تصحب "أفعل" هذه لتخصيص, لأن لام المعرفة تُغْنِي عنها، ألا ترى أن "مِنْ" إنّما تُخصص ما يُخصص باللام، فتقول: "زيدٌ أفضل من عمرو"، فإذا قلت: "الأفضل"، دخل فيه "عمرو" وغيرُه؟ فـ "مِنْ" تقتضي تفضيلَه على المجرور بها لا غيرُ، واللام تقتضي تفضيله عليه وعلى غيره، فعلى هذا يكون العامل في "منهم" نفسَ "ليس" لا الأكثر، والحروفُ الجارّة تعمل فيها المعاني، وما ليس بفعل، وإذا كان يعمل فيها ما هو أبعدُ شَبَهَا من "ليس"، كان عملُ "ليس" فيها أَوْلى. ونظيرُ هذا تعلّقُ الظرف بـ "كَانَ" في قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ (١). فقوله: "للناس" متعلّقٌ بـ "كان"، وذلك أنّه لا يخلو إمّا أن يكون متعلقًا بـ "عجبًا"، أو بـ "أوحينا"، أو بـ "كان"، فلا يجوز أن يتعلق بـ "عجبًا" نفسها, لأنّه مصدرٌ، ومعموله من صلته، فلا يتقدّم عليه، ولا يكون صفة لـ "عجبًا" على أنَّه يتعلق بمحذوف لتقدُّمه عليه، والصفةُ لا تتقدّم على الموصوف، ولا يجوز أن يتعلّق بـ "أوحينا"؛ لأنّه في صلته، ولا يجوز تقديمه عليه، وإذا بطل تعلُّقه مما ذكرنا؛ تَعين أن يكون متعلّقًا بـ "كان" نفسها، تعلقَ الظرف بالفعل، وكذلك الظرف في البيت، ويجوز أن يكون متعلّقًا بـ "الأكثر" على حد ما يتعلّق به الظرف لا على حد "هو أفضل من زيد"، كأنّه قال: "ولست بالأكثر فيهم"؛ لأن "أفعل" بمعنى الفعل أظهرُ منه في "ليس"، يدل على ذلك نصبُه الظرفَ في قوله [من الطويل]: فإنّا رأينا العِرْضَ أَحْوَجَ ساعة ... إلى الصَّوْن من رَيْطٍ يَمانٍ مُسَهَّمِ (٢) ألا ترى أن الظرف هنا لا يتعلق إلّا بـ "أحوج"، وتعليقُ الظرف بـ "ليس" ليس بالسهل؛ لجَرْيه مجرى الحروف، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣). ولو كان كالفعل، لدخل بينه وبيّن "أنْ" حاجزٌ كالذي في قوله: عَلِمَ ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٤)، ونظائره كثيرة. و"الحَصَا" من قوله [من السريع]: ولست بالأكثر منهم حَصًا (٥) العدد الكثير، قال يعقوب: وأصله مثل الحصا، وموضعه نصب على التمييز. فصل [عدم إعمال أفعل التفضيل] قال صاحب الكتاب: ولا يعمل عمل الفعل, لم يجيزوا: "مررت برجل أفضل منه

стр. 1505

أبوه، ولا خير منه أبوه، بل رفعوا "أفضل" وخيراً بالإبتداء وقوله [من الطويل]: ٩٣٣ - [أكر وأحمي للحقيقة منهم] ... وأضرب منَّا بالسيوف القوانسا العامل فيه مضمرٌ, وهو يضرب المدلول عليه بأضرب. * * * قال الشارح: قد تقدَّم القول إن مقتضى هذه الصفات أن لا تعمل من حيث كانت أسماء، والأسماء لا تعمل في أسماء مثلها؛ فأمّا الصفة المشبّهة فإنَّها لما جرت على الموصوف، ثمّ نُقل الضمير إلى الأول، فجُعل عاملًا في اللفظ؛ ثُنّي، وجُمع، وأُنِّث على مقدار ما فيه من الضمير من نحو: "مررت برجل حسنِ الوجهِ، وبرجلَيْن حسنَي الوجهَيْن، وبرجالٍ حسنِي الوجوه، وبامرأةِ حسنةِ الوجهِ"، أشبهت اسمَ الفاعل، فعملت عملَه، كما أن اسم الفاعل الجاري على فعله في تثنيته وجمعه وتأنيثه وتذكيره صار محلّه محلَّ الفعل، فعمل عمله. فأمّا "أَفْعَلُ" هذه وبابُها، فإنه لا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث، فبعُد من شَبَه اسم الفاعل، وصار كالأسماء الجوامد التي لم تُؤْخذ من الأفعال، كقولك: "مررت برجلٍ قُطْنٌ جُبَّتُه، وبرجلٍ كَتانٌ ثوبُه". ألا ترى أن "القطن" لا يثنّى ولا يجمع، وكذلك "الكتان"، وجُعلا مبتدأً وخبرًا في موضع النعت، كقولك: "مررت برجلٍ أخوك أبوه". وإنّما لم يُثنَّ "أفعل"، ولم يجمع، ولم يؤنّث؛ لِما تقدّم من أنّه قد تضمّن معنى الفعل والمصدر، وكل واحد منهما لا تصحّ تثنيتُه، ولا جمعُه، ولا تأنيثُه؛ كذلك ما كان

стр. 1506

في معناهما، أو متضمّنًا معناهما. وقد أجاز قوم من العرب: "مررت برجل أفضلَ منه أبوه، وخيرِ منه عَمُّهُ". وذلك أنّه مأخوذ من الفعل، وإن بعُد شَبَهُه بأسماء الفاعلين. قال سيبويه (١): وهو قليل رديء لما ذكرناه. فأمّا قوله [من الطويل]: أَكَرَّ وأحْمَى للحَقِيقَة منهمُ ... وأَضْرَبَ منا بالسُّوف القَوانِسَا فالبيت للعبّاس بن مِرْداس، والشاهد فيه نصب "القوانس" بـ "أَضربَ". وحقيقتُه نصبُه بإضمار فعلٍ دلّ عليه "أضرب"، وتقديره: ضربنا بالسيوف، أو نضرب القوانسَ، ولا يجوز أن تَتناوله "أفعلُ" هذه التي للتفضيل والمبالغة لما ذكرناه. ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) فـ "حيث" ها هنا في موضع نَصْب بأنه مفعول به، لا ظرفٌ؛ لأنّه لا تخلو حَيثُ هذه من أن تكون مجرورة أو منصوبة، فلا يجوز أن تكون مجرورة, لأنّه يلزم أن يكون "أفعل" مضافًا إليه، و"أفعلُ" إنّما يضاف إلى ما هو بعضٌ له، وذلك هنا لا يجوز، وإذا لم يكن مجرورًا؛ كان منصوبًا بفعل مضمر دلّ عليه "أَعْلَمُ"، كأنّه قال: يعلم مكان رسالته، ولا يكون انتصابه على الظرف؛ لأن عِلْمَه سبحانه لا يتفاوت بتفاوُت الأمكنة. يصف قومه بالحِفاظ والشهامة، والحقيقةُ: ما يلزم الإنسان أن يحميه، ويقال: الحقيقة: الرايَةُ، ومنه قول عامر بن الطفَيْل [من الطويل]: ٩٣٤ - [لَقَدْ عَلِمَت عُليا هَوَازِنَ أنّني] ... أَنا الفارسُ الحامي حقيقةَ جَعْفَرِ

стр. 1507

والقَوانِس: جمع قَوْنَسٍ، وهو أعلى بَيْضَة الحديد، قال الشاعر [من الطويل]: ٩٣٥ - بمُطرِدٍ لَدْنٍ صِحاحٍ كُعُوبُهُ ... وذي رَوْنَقٍ عَضْبٍ يَقُدُّ القَوانِسَا والقَونس أيضًا: العَظْم الناتىء بين أُذْنَي الفرس، قال طَرَفَةُ [من المنسرح]: ٩٣٦ - [اضرِبَ عنكَ الهمومَ طارقَها] ... ضَرْبَكَ بالسيْف قَوْنَسَ الفَرَسِ

стр. 1508

أسماء الزمان والمكان فصل [صياغتهما] قال صاحب الكتاب: ما بني منهما من الثلاثي المجرد على ضربين: مفتوح العين ومكسورها, فالأول بناؤه من كل فعل كانت عين مضارعة مفتوحة كالمشرب والملبس والمذهب، أو مضمومة كالمصدر والمقتل والمقام، إلا أحد عشر إسماً وهي المنسك والمجزر والمنبت والمطلع والمشرق والمغرب والمفرق والمسقط والمسكن والمرفق والمسجد. * * * قال الشارح: الغرض من الإتيان بهذه الأبنية ضربٌ من الإيجاز والاختصار، وذلك أنّك تفيد منها مكان الفعل وزمانه؛ ولولاها لزمك أن تأتي بالفعل ولفظِ المكان والزمان، فاشتقوا المكان والزمان من الثلاثيّ، ولا يكاد يكون من الرباعيّ، وذلك يجيء على مثال الفعل المضارع على "يفعل"، إلَّا أنك توقع الميم موقعَ حرف المضارعة للفصل بين الاسم والفعل، فهذا كان المضارع منه على "يَفْعَلُ" مفتوحَ العين؛ فـ "المَفْعَلُ" منه كذلك، نحوُ: "المَلْبَس"، و"المَشْرَب"، و"المَذْهَب"، وكان يلزم على هذا أن يُقال فيما المستقبلُ منه "يَفْعُلُ" بالضمّ: "مَفْعُل"، فيقال فى المكان من "قتل يقتُل": "مَقْتُلٌ"، ومن "قعد يقعُد": "مَقْعُدٌ" غيرَ أنّهم عدلوا عن هذا؛ لأنّه ليس في الكلام "مَفْعُل" إلَّا بالهاء، كقولك: "مَكْرُمَة"، و"مقْبُرَة" ونحوِهما، فعدلوا إلى أحد اللفظَيْن الآخرَيْن، وهو "مَفْعَل" بالفتح؛ لأن الفتح أخفّ. وقد جاءت عن العرب أحد عشر اسمًا على "مَفْعِلٍ" في المكان مما فعله على "يَفْعُلُ" بالضمّ، وذلك "مَنْسِكٌ" لمكان النُّسْك، وهو العبادة، وهو من "نَسَكَ ينسُك"، إذا عبد، و"المَجْزِر" لمكان جَزْر الإبل، وهو نَحْرها، يُقال: "جزرتُ الجَزُور أجزُرها" بالضمّ إذا نحرتَها، وجلّدتَها، و"المَنْبِت" لموضع النَّبات، يُقال: "نبت البقلِ ينبُت" إذا طلع، و"المَطْلِعُ" مكان الطلوع، وقد يكون مصدرًا بمعنى الطلوع، وعليه قراءةُ من قرأ: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١).

стр. 1509

ومن ذلك "المَشْرِق"، و"المَغْرِب" لمكان الشروق والغروب، وقالوا: "المَفْرِق" لوَسَط الرأس؛ لأنّه موضع فرق الشعر، وكذلك "مَفْرِق": الطريق للموضع الذي يَتشعّب منه طريقْ آخرُ، و"المَسْقِط" موضع السقوط، يُقال: "هذا مسقط رأسي"، أي: حيث وُلدتُ، و"أنا في مسقط رأسي" أي حيث سقط. و"المَسْكِن": موضع السُّكْنَى، يُقال: "سكنتُ داري أسكُنها". والمسكِن: الموضع، والمصدر: "المَسْكَن" بالفتح. و"المَرْفِق": موضع الرفْق، والرفق: ضدّ العُنْف، يُقال: "رفقتُ به أرفُق"، والمكان "المَرْفِق"، وقالوا: "المَسْجِد"، وهو اسمٌ للبيت، وليس المراد موضع السجود، أي: موضع جَبْهَتك، إذ لو أُريد ذلك؛ لقيل: "المَسْجَد" بالفتح، كسروا هذه الألفاظ، والبابُ فيها الفتح، أدخلوا الكسر فيها؛ لأنّه أحد البناءَيْن، كما أدخلوا الفتح فيها. * * * قال صاحب الكتاب: والثاني بناؤه من كل فعل كانت عين مضارعة مكسورة كالمحبس والمجلس والمبيت والمصيف ومضرب الناقة ومنتجها، إلا ما كان منه معتل الفاء أو اللام، فإن معتل الفاء مكسور أبداً كالموعد والمورد والموضع والموجِل والموجلُ، والمعتل اللام مفتوح أبداً كالمأتى والمرمى والمأوى والمثوى، وذكر الفرّاء أنه قد جاء: مأوى الإبل بالكسر. * * * قال الشارح: أمّا ما كان عينُ المضارع منه "يَفْعِلُ" بالكسر، فالمكان والزمان منه "مَفْعِلٌ" بالكسر، كـ "المَحْبِس" و"المجلِس"، و"المبِيت"، و"المصِيف"، و"مضرِب الناقة"، و"منتِجها". فـ "المحبس" موضع الحَبْس، يُقال: "حبستُه أحْبِسُه"، أي: منعتُه الانبعاثَ. و"المجلس": موضع الجلوس؛ لأنّه من "جَلَس يجلِس"، وقالوا: "المَبِيت" للمكان يُبات فيه؛ لأنّ بات يَبِيتُ كـ "جلس يجلِس"، وأما "المَصِيف" فالمراد به الزمان، وهو من "صاف يصِيف" وكذلك "مَضْرِب الناقة" لزمن ضِرابها، يُقال: "أتى مضرب الشُّوَّل"، و"انقضى مضربها"، أي: أتى زمانه، وانقضى زمانه، وكذلك "المَنْتِج" لزمان النتاج، يُقال: "أتت الناقة على منتجها"، أي: الوقت الذي تنتِج فيه. وأمّا المعتل من هذا الضرب، فإنّه لا يخلو من أن يكون معتل الفاء أو العين أو السلام، فما كان منه معتل الفاء، فإنه يجري على منهاج واحد، لا يختلف باختلاف حركة عين المضارع منه، كما كان كذلك في الصحيح، فيجيء مكسورَ العين على كلّ حال،

стр. 1510

سواء كان مفتوح العين، أو مكسوره في المضارع، ولذلك استثناه؛ لأنّه مخالفٌ لِما تقدمه، وذلك، نحو: "المَوعِد"، و"المَوْرِد"، وهما من "وَعَدَ يَعِدُ"، وَ"وَرَدَ يَرِدُ" بالكسر، وقالوا: "المَوْجِل"، و"المَوْحِل": فكسروا أيضًا، وهو من "وَجِلَ يَوجَلُ"، و"وَحِلَ يَوْحَلُ" بالفتح. والعلّةُ في ذلك أن ما كان على "فَعَلَ"، وأولُه واوٌ، فإنّه يلزم مستقبله "يَفْعِلُ"، ويلزمه الإعلال بحذف واوه في المستقبل، نحوِ: "يَعِدُ"، و"يَرِدُ"، فكسروا المَفْعَل منه على القاعدة، ثمّ حملوا ما كان منه على "فَعِلَ يفعَل" على ذلك، فقالوا: "مَوْجِلٌ"، و"مَوْحِلٌ"، وذلك لأنّ "يوجل"، و"يوحل" في هذا الباب قد يعتلّ، فتُقلَب الواو ياءَ مرةً، نحوَ: "يَيْجَل"، و"يَيْحَل"، وألفا أخُرى، نحو: "يَاجلُ"، و"يَاحَلُ"، فلمّا كان كذلك، شبّهوها بالأول, لأنها في حال اعتلال، ولأن الواو فيها في موضع الواو من الأوّل، وهم كثيرًا ما يشتهون الشيء بالشيء، فيحملونه عليه إذا كان بينهما موافَقةٌ في شيء، وإن اختلفا من جهات اخرى. وقد حكى يونس وغيره فيما حكاه سيبويه (١) أن ناسًا من العرب يقولون: "مَوْجَلٌ"، وَ"مَوْحَلٌ" بالفتح حيث كان المضارع مفتوحًا في "يَوْجَل"، و"يَوْحَل"، فجروا فيه على الأصل، وهذا القول أقيسُ، والأول أفصحُ. وأمّا ما كان معتل العين، فإنَّه يجري على قياس الصحيح فما كان منه مضموم العين، فإنّ "المَفْعَل" منه مفتوح، نحوُ: "المَقام"، و"المَقال", لأنّه من "قال يقول"، و"قام يقوم"، فهوكـ "المَقْتَل"، و"المَخْرَج"، من "قتل يقتُل"، و"خرج يخرُج". وما كان مكسور العين فـ "المَفْعل" منه مكسور، نحو: "المَقِيل"، و"المَبِيت"؛ لأنّه من "بات يبِيت"، و"قال يقِيل"، كـ "ضَرَب يضرِب"، و"جلس يجلِس". وأمّا المعتل اللام، فإنَّه يأتي "مَفْعل" منه على منهاج واحد كالمعتلّ الفاء إلّا أن المعتل الفاء "مَفْعَل" منه مكسور، والمعتلّ اللام "مَفْعَل" منه مفتوح، وذلك، نحو: "المَأتَى"، و"المَرْمَى"، و"المَأْوَى"، و"المَثْوى". وذلك لأنّه معتل، فكان الألف والفتح أخفّ عليهم من الكسر مع الياء، ففرّوا إلى "مَفْعَل" بالفتح، إذ كان ممّا يُبْنَى عليه المكان والزمان، فإذا كان ذلك فيما لامه ياءٌ؛ كان في ذوات الواو أولى، نحوِ: "المَغْزَى"، و"المَدْعى"؛ لأنّه على "فعل يفعُل" بالضمّ، مثلِ "دَعَا يَدْعُو" و"غزا يَغزُو"، وفيه ما في ذوات الياء، لم يخرج من ذلك إلَّا "مَأْوِي الإبل"، فإنّه قد جاء مكسورا فيما حكاه الفرّاء، وذكرَ غيرُه: "مَأوَى الإبل" بالفتح على القياس، فاعرفه.
следующие страницы →